أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج18

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الثامن عشر

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج18 (400ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1722/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1722) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

9-40-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الثامن عشر  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 





[تحقيق المسألة]

 

  • في العوالم التي يقع فيها الكلام
  • [فيما يستدلّ به على عدم جريان البراءة بقول مطلق في موارد الأقلّ والأكثر]
  • أمور في خاتمة البحث

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 







[تحقيق المسألة]

 

الكلام في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين بعد الفراغ عما هو حكم الأقلّ والأكثر الاستقلاليين، حيث لا إشكال في انحلال العلم الإجمالي هناك وجريان الأصول المؤمّنة عقلاً أو شرعاً عن الزائد، وإنَّما وقع الكلام فيما هو حكم العقل والشرع بلحاظ الأصول المؤمّنة في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

وبحسب الحقيقة النزاع واقع في تشخيص أنّه هل هو من باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر أو هو من باب دوران الأمر بين المتباينين؟ فإنّه في أيّ وعاء فرض الدوران بين الأقلّ والأكثر حقيقة لا محالة لا بُدّ من فرض الانحلال من تعيّن الأقلّ وكون الزائد مشكوكاً بدوياً منفياً بالأصول المؤمّنة، وإنَّما وقع الإشكال في هذا الباب؛ لأنّه لا بُدّ فيه من استئناف بحث ليعرف أنّه هل هو من الأقلّ والأكثر حقيقة أو من المتباينين؟

ثُمَّ إنَّ هناك عوالم متعدّدة يمكن أن يدرس كون هذه المسألة من باب الأقلّ والأكثر أو المتباينين بلحاظ تلك العوالم، فقد تكون هذه المسألة من مصاديق الأقلّ والأكثر حقيقة بلحاظ بعض تلك العوالم، ومن مصاديق دوران الأمر بين المتباينين بلحاظ بعض العوالم الأخرى. وحينئذٍ لا بُدّ من تحديد هذه العوالم ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وتحقيق أنَّ المناط في جريان الأصول المؤمّنة عقلاً وشرعاً هو الانحلال في أيّ واحد منها، وإذا حدث ذلك فينظر أنّه بلحاظ هذه العوالم التي يكون الانحلال فيها مناطاً لجريان الأصول المؤمّنة، هل يكون باب الأقلّ والأكثر مصداقاً للأقلّ والأكثر حقيقة أو مصداق للمتباينين؟

ــــــــــ[12]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 














في العوالم التي يقع فيها الكلام

 

وهذه العوالم بنحو الفهرست هي:

العالم الأوّل: عالم الجعل أو عالم لحاظ المولى ونفس المولى، فإنَّ نفس المولى وعاء من الوعاءات فيه موجودات لحاظيّة متعدّدة مربوطة بعالم جعل الأحكام، فنحن ننظر إلى هذه الموجودات لنرى أنَّ مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين بلحاظ هذا العالم هل هي أقلّ وأكثر حقيقة، أو لا؟ نرى أنّه هل هناك مقدار من الموجود اللحاظي في نفس المولى متيقّن، والشكّ في وجود لحاظي زائد عليه. إذن، فهو من الأقلّ والأكثر، أو أن التردّد بحسب هذا العالم بين وجودين لحاظيين فيكون من المتباينين بلحاظ هذا العالم؟

العالم الثاني: عالم الإلزام والايجاب المولوي، فإنّه يمكن أن نفترض أنَّ مسألة الأقلّ والأكثر الارتباطيين بلحاظ العالم الأوّل هي من مصاديق المتباينين بالدقّة لوجود خصوصية في كلّ من الوجودين اللحاظيين مباينة مع الوجود اللحاظي الآخر، ولكن يمكن أن نفرض أنَّ الخصوصية التي بها يمتاز أحد هذين الوجودين اللحاظيين تتكفّل إلزاماً، ولكن الخصوصية التي يمتاز بها الوجود اللحاظي الآخر لا تتكفّل إلزاماً؛ فإنَّ العنايات اللحاظية في عالم الجعل ليست دائماً مؤدّية إلى الإلزام كالإطلاق: (صلِّ) سواء كان في السوق أو في 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المسجد، فإنّه عناية لحاظيّة، ولكنّها لا تؤدي إلَّا إلى التوسعة لا إلى الزام زائد، فقد يكون المورد بلحاظ العالم الثاني من موارد الأقلّ والأكثر حقيقة وإن كان من موارد المتباينين بلحاظ العالم الأوّل. فتحقيق حال العالم الأوّل لا يغني عن استئناف بحث بلحاظ العالم الثاني في المقام. 

العالم الثالث: هو عالم التحميل العقلي(1)، وهو عالم وراء عالم الوجوب والالزام الشرعي. ويمكن أن نفترض أنَّ مسألة الأقلّ والأكثر، تكون بالدقة
-مثلاً- من موارد المتباينين بلحاظ العالمين الأولين، ولكنّها بلحاظ العالم الثالث تكون من الأقلّ والأكثر. كما يأتي -إن شاء الله- في دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي، فيما إذا وجب إطعام إنسان أو حيوان -الجامع بين الإنسان وغيره- فهناك الدوران بلحاظ عالم اللحاظ دوران بين المتباينين، وكذلك بلحاظ عالم الوجوب؛ لأنَّ وجوب هذا العنوان مباين مع وجوب ذلك العنوان، ولكن بلحاظ عالم التحميل(2) العقلي ليس دوراناً بين المتابينين، بل هو دوران بين الأقلّ والأكثر.

ومقصودنا من كون الدوران هو دوران بين الأقلّ والأكثر بحسب عالم 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

() في مقام إطاعة المولى ورضاء العقل عن العبد في كونه ممتثلاً لأمر مولاه، (توضيح مستفاد من السيّد). (المقرِّر).

(2) وهو عالم شعور العبد بالضيق من ناحية حكم العقل بوجوب الامتثال، فهنا مرتبتان من الضيق أحدهما أشدّ من الأخرى، فالدوران بينهما بين الأقلّ والأكثر حقيقة، (المحاضرة). (المقرِّر).

 تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التحميل العقلي: هو أنَّ امتثال أحدهما مساوق لامتثال الآخر بخلاف امتثال الآخر، كلّ من أطعم إنساناً فقد أطعم حيواناً ولا عكس.

العالم الرابع: هو عالم الامتثال في مقام تطبيق الواجب على المصداق خارجاً، فإنّه أيضاً يمكن أن تقاس المسألة إلى هذا العالم، فيرى أنَّ الدوران بحسب هذا العالم بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين.

أوضّحه بمثالين: أحدهما: فيما إذا تردّد أمر الصلاة بين وجوب تسعة أجزاء أو عشرة، فالمكلّف حينما يأتي بتسعة يقال بأنَّ المأتي به هو الأقلّ، وإنَّ هذا مصداق للواجب على كلّ تقدير إمّا مصداق ضمني أو مصداق استقلالي، ومن الممكن أن يضاف إليه الجزء العاشر وبذلك يكون مصداقاً للواجب على تقدير، فالدوران بحسب عالم التطبيق الخارجي دوران بين الأقلّ والأكثر.

ولكن هناك فرض آخر هو فرض إطعام الإنسان والحيوان، فإنّه لو أطعم حيواناً فإطعامه له ليس قابلاً لأن ينضمّ إليه الخصوصية الأخرى التي بها يصبح مصداقاً للواجب على كلّ تقدير؛ لأنَّ إطعام الحيوان لا يكون إطعاماً للإنسان أبداً، ولو فرض أنَّ الواجب هو إطعام الإنسان لكان عليه أن يضرب صفحاً عما صدر منه ويستأنف عملاً برأسه من أوّل الأمر فيطعم حيواناً ناطقاً فيكون بذلك قد امتثل التكليف، فهذا يكون بابه بحسب هذا العالم عالم المصداق الخارجي باب المتباينين وإن كان بابه بلحاظ عالم سابق من الأقلّ والأكثر لا باب الأقلّ والأكثر؛ لأنَّ الأقلّ المأتي به غير قابل لأن ينضمّ إليه الزائد فيكون امتثالاً للأمر بالأكثر، بخلاف الأقلّ في باب الاجزاء كما هو معلوم.

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فهذه عوالم أربعة لا بُدّ أن يرى أنّه في أيّ واحد منها يكفي الانحلال ويكفي أن تكون مسألتنا من الأقلّ والأكثر فيه، ففي أيّ واحد منها إذا ثبت أن المسألة من باب الأقلّ والأكثر فيه يتعيّن الانحلال لا محالة، وحينئذٍ لا بُدّ وأن ينظر أن الانحلال في ذاك العالم يكفي مجريات الأصول المؤمّنة أو لا يكفي(1)

وبعد أن تحرّر ما هو محلّ النزاع ومنهج البحث، ينقدح مما ذكرناه الضابط في موضوع البحث في المقام، فإنَّ الضابط في الأقلّ والأكثر الذي يقع النزاع في أنّه هل هو من الأقلّ والأكثر حقيقة أو لا بلحاظ أي عالم من العوالم، الضابط في هذه المسألة: أن يكون الدوران بين وجوبين يكون امتثال أحدهما مساوقاً مع امتثال الآخر ومشتملاً عليه دون العكس؛ وبهذا يدخل تحت عنوان المسألة: دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر من حيث الأجزاء، ودوران الأمر كذلك من حيث الشروط، ودوران الأمر بين الأقلّ والأكثر من حيث التعيين والتخيير العقلي أو الشرعي.

 يعني: دوران الأمر بين وجوب الجامع أو الحصّة فهذا من دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي، أو الشرعي كدوران الأمر بين وجوب خصوص إطعام ستين مسكيناً أو وجوب أحد الكفارات الثلاثة على سبيل التخيير، كلّ 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

() وهنا قلت: أنتم تقصدون من العالم الثاني الأعمّ من الوجوب والحرمة فيتكلّم فيه عن الحرمة أيضاً لا خصوص الوجوب. 

فقال: نعم، إلَّا أنّنا بحسب لغتنا نفترض الشكّ في الواجب لا الشكّ في الحرام؛ لأنَّ الشكّ في الحرام يحتاج إلى طرز آخر من التعبير. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هذه الموارد تدخل تحت الضابط؛ لأنَّ امتثال أحد الطرفين مشتمل على امتثال الآخر بخلاف العكس.

فلا بدَّ وأن ينظر في أنّه هل هو من الأقلّ والأكثر حقيقة فيحكم بالانحلال، وأنّه بلحاظ أيّ من العوالم هو كذلك، فقد يفصل بين عالم وعالم وقد يفصل بين هذه الموارد دون بعض.

هذا(1) الضابط أخذ من العالم الثالث الذي هو أوسع العوالم الأربعة وهو عالم التحميل العقلي، وهذا الضابط شامل حتّى فيما لا يكون منحلاً بلحاظ العالم الرابع، كإطعام الإنسان أو الحيوان، فهذا الضابط بحسب الحقيقة ضابط يناسب أيّ فرض من الفروض التي يُترقب أن يُدّعى فيها الانحلال بلحاظ أحد هذه العوالم الأربعة، يعني: لو لم يصدق هذا الضابط فلا إشكال في عدم الانحلال بلحاظ تمام العوالم، يعني: لو فرض أنَّ التكليفين المعلومين بالإجمال لم يكن حالهما هكذا: أنَّ امتثال أحدهما مساوق مع امتثال الآخر بلا عكس، بل كان حالهما: أنَّ امتثال أيّ واحد منهما لا يساوق امتثال الآخر، في مثله لا إشكال في خروجه عن محلّ الكلام وعدم كونه محلاً يترقّب فيه البحث بلحاظ هذه العوالم الأربعة، فجهة الإشكال في البحث مربوطة بهذا الضابط الكلّي.

بعد هذا يقال: بأنّنا في هذه المسألة سوف نأخذ المثال الرئيسي من باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بلحاظ الأجزاء، ثُمَّ على اختلاف المراحل سوف نطبق النتائج على سائر الأمثلة الأخرى.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وحينئذٍ يقال: إنّه في باب دوران الأمر في باب الأجزاء بين الأقلّ والأكثر يوجد هناك أقوال ثلاثة:

قول بانحلال العلم الإجمالي، وبجريان البراءة عن الزائد عقلاً وشرعاً، وهذا ما اختاره الشيخ الأعظم.

 الثاني: هو عدم جريان البراءة لا عقلاً ولا شرعاً، ولا نعرف قائلاً به(1)

الثالث: هو التفصيل بين البراءة العقلية والشرعية، والقول بعدم جريان البراءة عقلاً وجريانها شرعاً وهو قول المحقّق الخراساني في متن (الكفاية). 

طبعاً من ناحية البراءة العقلية، بالنسبة إلينا، هذا البحث غير وارد موضوعاً؛ لأن البراءة العقلية لا أساس لها بحسب تصوراتنا، وإنَّما يقع البحث واقعياً في جريان البراءة الشرعية وعدمه. إلَّا أننا سوف نتوسّع في أطروحة البحث حتّى نستوعب كُلّاً من البراءة العقلية والشرعية، فنتكلم أوّلاً فيما يكون مانعاً عن جريان البراءة على الاطلاق عقلاً وشرعاً، وبعد الفراغ عن ذلك ننتقل إلى محاولة التفصيل بين البراءة العقلية والشرعية، وأنَّ البراءة العقلية لا تجري والشرعية تجري، لنرى أنّه لو تمّت بعض ملاكات المنع ولبراهين عدم الجريان، فهل يمكن على ضوئها التفصيل بين البراءة العقلية والشرعية أو لا يمكن؟

ــــــــــ[18]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: هذا القول يختاره المحقّق الخراساني في حاشيته على (الكفاية). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

 

[فيما يستدلّ به على عدم جريان البراءة بقول مطلق في موارد الأقلّ والأكثر]

 

الآن نتكلّم فيما يستدلّ به على عدم جريان البراءة بقول مطلق في موارد الأقلّ والأكثر. أهم ما يستدلّ به على ذلك وجوه ثلاثة: 

الوجه الأوّل للاشتغال هو تنجيز العلم الإجمالي

هو العلم الإجمالي السافر، وهو العلم الإجمالي بوجوب التسعة أو العشرة، فيقال: إنَّ هذا العلم منجّز وفقاً لقوانين تنجيز العلم الإجمالي، وينكر في المقام انحلاله، وأنّه ثابت موضوعاً وحكماً. 

وفي مقام الجواب عنه، يحاول البرهنة على انحلال هذا العلم الإجمالي. وإثبات انحلاله كان بإحدى محاولتين من قبل المحقّقين (قدس الله أسرارهم):

أحداهما: ضمّت إلى طرفي العلم الإجمالي عنصراً ثالثاً فادّعت الانحلال بلحاظه.

والثانية: اكتفت بنفس العلم الإجمالي؛ لكي يقيموا برهاناً من نفسه على انحلاله. 

المحاولة الأولى: هي دعوى أنَّ هذا العلم الإجمالي بوجوب التسعة أو العشرة ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب التسعة، لكن الوجوب الجامع بين الوجوب 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

النفسي أو الغيري؛ لأنَّ الواجب النفسي الاستقلالي إن كان هو التسعة، إذن فهي واجبة بالوجوب النفسي، وإن كان هو العشرة فالتسعة مما يتوقّف عليها الواجب؛ لأنَّ العشرة لا يمكن أن توجد من دون وجود التسعة، فتكون التسعة واجبة بالوجوب المقدمي الغيري، فجامع الوجوب النفسي والغيري معلوم بالعلم التفصيلي، ومعه ينحلّ علمنا الإجمالي بجامع الوجوب المردّد بين التسعة والعشرة، ويصبح تعلّق طبيعة الوجوب بالتسعة معلومة تفصيلاً وتعلقها بالعاشر مشكوكاً بدواً فيكون مجرى للأصول المؤمّنة عقلاً وشرعاً. 

واتذكّر أنَّ هذه المحاولة هي المطابقة مع ظاهر عبارة الشيخ في (الرسائل).

*****

 قلنا: إنّه استدلّ على عدم جريان البراءة في موارد الأقلّ والأكثر بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: هو تشكيل العلم الإجمالي وتطبيق قوانين تنجيزه، بأن يقال: بأنّه في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر يعلم المكلّف بوجوب مردّد بين وجوب التسعة أو وجوب العشرة، وهو منجّزاً طِبقاً لقوانين العلم الإجمالي ويكون موجباً للاحتياط وذلك بالإتيان بالأكثر. 

وقلنا: إنَّ العلم الإجمالي في موارد الأقلّ والأكثر، لا يمكن أن يتصور إلَّا بإرجاع الأقلّ والأكثر إلى المتباينين؛ لأنَّ الأقلّ والأكثر لو لوحظا بما هما أقلّ وأكثر فيستحيل بهذا اللحاظ تشكيل العلم الإجمالي، بل يكون مرجعه إلى العلم بالأقلّ والشكّ البدوي في الزائد، فتشكيله إنَّما هو بإرجاع الأقلّ والأكثر 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الارتباطيين بلحاظ من اللحاظات إلى المتباينين حتّى يُعقل تكوّن العلم الإجمالي ويطبّق عليه قوانين التنجيز. 

فهنا في أصل تقريب هذا العلم الإجمالي، يكفي أن نقرّبه على سبيل الإجمال قائلين: بأنَّ العلم الإجمالي بوجوب التسعة أو العشرة ليس علماً في الحقيقة بين الأقلّ والأكثر ليستحيل تكوينه وليتعين انحلاله، بل هو بالدقة علم إجمالي بين المتباينين ومن هنا كان قيام العلم الإجمالي متعقلاً. أمّا كيف يرجع إلى المتباينين فنكتفي في أصل التقريب في مقام بيان ذلك بأن نقول: إنَّ مفروض الكلام أنَّ الوجوب المعلوم وجوب ارتباطي، وهذا الوجوب هو وجوب وحداني بحكم ارتباطيته -على ما يأتي توضيحه- وهذا الوجوب الوحداني أمره مردّد بين أن يكون وجوباً وحدانياً للتسعة أو وجوباً وحدانياً للعشرة. 

وحينما ننظر بعين الوحدانية نرى أمرين متباينين لا أقلّ وأكثر؛ لأننا إنَّما نرى أقلّ وأكثر حيث تكون هناك كثرة. أمّا بالعين التي نرى فيها الوجوب الارتباطي وجوباً وحدانياً لا نرى كثرة، بل ترانا مرددين بين هذا الوحداني وذاك الوحداني، ولا شكّ أنّهما حينئذٍ متباينان، أمّا حقيقة هذه الوحدانية فسوف تتضح فيما بعد، فيكون العلم الإجمالي بهما منجزاً.

هذا العلم الإجمالي ادّعي في المقام انحلاله، وقرّب ذلك بأحد وجهين:

الوجه الأوّل لانحلاله 

هو أن يقال: بأنَّ العلم الإجمالي إمّا بالتسعة أو العشرة ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب التسعة؛ لأنّها إن كانت هي متعلّق الوجوب الوحداني، إذن 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فهي واجبة على الفرض، وإن كان الوجوب الوحداني هو العشرة، فالتسعة مقدمة للواجب؛ لانَّ العشرة لا توجد ما لم يوجد التسعة، على ما سبق من كلام في مقدمة الواجب إذ يقال: إنَّ أجزاء الواجب مقدمات داخلية لذلك الواجب، فتتصف التسعة تبعاً لمقدّميتها بالوجوب الغيري، فالتسعة إذن معروض للوجوب على كلّ تقدير: إمّا النفسي أو الغيري، فجامع الوجوب فيها معلوم، وهذا معنى العلم التفصيلي بوجوب التسعة، وحينئذٍ ينحلّ العلم الإجمالي بوجوب التسعة أو العشرة إلى العلم التفصيلي بوجوب التسعة والشكّ الزائد في وجوب العاشر. وهذا التقريب كأنه مطابق لظاهر عبارة الشيخ في (الرسائل).

هذا التقريب له أصول موضوعية موضوع بحثها وإبطالها هو بحث مقدمة الواجب:

فمنها: تصوير مقدّمية الجزء للكل، وأنَّ جزء الواجب يتصف بالمقدّمية للواجب.

ومنها: اعتقاد أنَّ هذه المقدّمية تستدعي وجوباً غيرياً ترشيحياً للجزء.

فإنّه لو تمّ كلا الأصلين الموضوعيين يمكن لصاحب هذا التقريب أن يفرّع على ذلك ويدعي العلم التفصيلي بجامع وجوب الأقلّ الأعمّ من النفسي والغيري.

أمّا بقطع النظر عن المناقشة في الأصول الموضوعية، وبعد افتراض صحتها، وأنَّ الجزء يتصف بالوجوب الغيري، فهنا يعلم تفصيلاً بوجوب التسعة إمّا بالوجوب النفسي أو الغيري، إلَّا أن هذا العلم التفصيلي الذي كوّناه 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بضم عنصر الوجوب الغيري إلى الميدان، لا يوجب انحلال العلم الإجمالي؛ لأنَّ الانحلال المدّعى في المقام إمّا هو الانحلال الحقيقي وإمّا الانحلال الحكمي، والانحلال الحقيقي -كما سبق- فقصد به أن يفنى العلم الإجمالي ذاتاً بما هو علم بالتكليف الشرعي، ونقصد بالانحلال الحكمي أن يفنى أثراً يعني أن يبطل منجزيته ويسقط عنه حكمه وأثره.

فإن كان المدّعى فناء العلم الإجمالي حقيقة فلا ينطبق في المقام قانون الانحلال الحقيقي؛ لأنَّ الانحلال الحقيقي إنَّما نقول به في مورده فيما إذا تعلّق العلم التفصيلي بأحد طرفي العلم الإجمالي بحيث زال الشكّ في ذلك الطرف، كما لو علمت إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة ثُمَّ علمت وجداناً تفصيلاً بوجوب الظهر فينحلّ لأنَّ أحد طرفيه علم بالعلم التفصيلي. وأمّا في المقام فلم يُعلم أحد طرفيه بالعلم التفصيلي؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي أحد طرفيه هو الوجوب النفسي الاستقلالي للعشرة والطرف الآخر هو الوجوب النفسي الاستقلالي للتسعة، وفي علمنا التفيصيلي ينكشف أي من هذين الوجوبين، وإنَّما انكشف جامع بين أحد طرفي العلم الإجمالي وبين عنصر آخر غريب أقحمناه في الميدان وهو الوجوب الغيري. وهذا الجامع لم يكن هو أحد طرفي العلم الإجمالي حتّى ينحلّ العلم الإجمالي انحلالاً حقيقياً بالعلم التفصيلي، فالانحلال الحقيقي واضح البطلان في المقام.

يبقى أن يُدّعى الانحلال الحكمي للعلم الإجمالي بهذا العلم التفصيلي، وهذا أيضاً باطل، بمعنى: أنَّ ادخال عنصر الوجوب الغيري استطراق إلى 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تشكيل العلم التفصيلي بجامع وجوب الأقلّ لا دخل له في الانحلال الحكمي، فإنّه لو تمّ الانحلال الحكمي فيتم بملاك آخر يأتي التعرض له لا ربط له بالوجوب الغيري سواء تمّ الوجوب الغيري أو لم يتمّ، ولو لم يتمّ الانحلال بملاك آخر فلا يمكن تتميمه بمجرّد ادخال عنصر الوجوب الغيري في المسألة.

والوجه في بطلان الانحلال الحكمي: أنّه سبق في بحوث العلم الإجمالي إنْ قلنا: إنَّ هناك نظريتين عامتين للانحلال الحكمي:

إحداهما هي النظرية التي تقول: بأنَّ أحد طرفي العلم الإجمالي إذا خرج عن كونه مورداً للأصل المؤمّن دون الآخر، فإنّه يجري الأصل المؤمّن في الطرف الآخر بلا معارض، كما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد إناءين وقامت البينة على نجاسة هذا الإناء منهما بعينه. 

فهذا الإناء ليس مورداً للأصل فيجري في الطرف الآخر بلا معارض.

وهذه النظرية للانحلال لا تنطبق في المقام؛ لأنّها إنَّما تنطبق لو كان العلم التفصيلي بجامع وجوب الأقلّ إمّا لنفسه وإمّا لغيره، لو كان مانعاً عن جريان الأصل المؤمّن في أحد طرفي العلم الإجمالي، فإنّه حينئذٍ يجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض مع أنّه لا يكون مانعاً؛ لأنَّ ما هو طرف العلم الإجمالي لا يزال مشكوكاً حتّى الآن وهو الوجوب النفسي للأقلّ. وأمّا الجامع بينه وبين وجوبه الغيري فلا يصلح للتنجّز وللمنع عن جريان الأصل المؤمّن؛ لأنَّ الوجوب الغيري ليس من الوجوبات القابلة للتنجّز على ما سبق في بحث مقدمة الواجب، والجامع بين ما لا يقبل التنجّز وما يقبله لا يقبل التنجّز لا 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

محالة، فهنا لم ينشأ من ناحية هذا العلم التفصيلي مانع عن جريان الأصل المؤمّن في أحد طرفي العلم الإجمالي، بل لا يزال الأصل على حاله، فيتعارض أصالة البراءة عن الوجوب النفسي الاستقلالي للتسعة مع مثلها في العشرة، بقطع النظر عن بيان آخر. فهذا البيان لم يصنع شيئاً. فالنظرية الأولى للانحلال لا تنطبق على محلّ الكلام.

وأمّا النظرية الثانية للانحلال: وهي نظرية المحقّق العراقي وهي: أنَّ كلّ علم إجمالي إذا حصل منجّز لأحد طرفيه فيستحيل أن يبقى العلم الإجمالي على المنجّزية؛ لأنَّ أحد طرفيه قد تنجّز والمتنجز لا يتنجز، فينسلخ تأثير العلم الإجمالي من ذاك الطرف، وبه ينسلخ من هذا الطرف أيضاً، ففي

مثال البينة السابق يقال: إنَّ هذا العلم الإجمالي يستحيل أن ينجز؛ لأنَّ البينة نجزت موردها والمتنجز لا يتنجز، فلا يتلقى تنجيزاً من ناحية العلم الإجمالي، وإذا سقط أثر العلم الإجمالي بلحاظ هذا الطرف سقط أثره بالنسبة إلى سائر الأطراف أيضاً. هذه هي الفتوى في هذه النظرية.

وهذه الفتوى أيضاً لا تنطبق على محلّ الكلام، كما انقدح مما بيّناه آنفاً، حيث إنَّ وجوب الأقلّ في المقام لم يتنجّز بالعلم التفصيلي بالجامع بين الوجوب الغيري والنفسي؛ لأننا قلنا: بأنَّ الوجوب الغيري لا يقبل التنجّز والجامع بينه وبين غيره لا يقبل التنجز. إذن، فالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ لم يكن منجّزاً لأحد طرفي العلم الإجمالي حتّى يسلخه عن قابلية التأثير والتنجيز. فالنظرية الثانية غير تامّة في المقام.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

كلام المحقّق العراقي في الاعتراض على التقريب ومناقشته

وبهذا ينبغي أن يبطل دعوى انحلال العلم الإجمالي بمثل هذا العلم التفصيلي، لا بما ذكره المحقّق العراقي، فإنّه بعد أن ذكر هذا التقريب للانحلال ذكر في مقام الاعتراض عليه: أنَّ هذا الانحلال غير صحيح؛ لأنَّ هذا العلم التفصيلي معلول لذلك العلم الإجمالي، فإنَّ علمنا التفصيلي بوجوب الأقلّ إمّا لنفسه أو لغيره قد تولد من علمنا الإجمالي إمّا بوجوب الأقلّ أو الأكثر؛ إذ لولاه لم ينشأ لنا علم بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير. فالعلم التفصيلي هو العلم المعلول والإجمالي هو العلم العلّة ويستحيل أن ينحلّ العلم العلّة من ناحية العلم المعلول لتقدم ذاك رتبة عليه.

هذا الكلام غير تام؛ لأنّه إن كان نظره إلى منع الانحلال الحقيقي لأنّه متقدم عليه رتبة، فهذا غير صحيح؛ لأنَّ مثل هذا العلم التفصيلي لا يليق أن يحلّ العلم الإجمالي انحلالاً حقيقياً حتّى لو كان في عرض العلم الإجمالي فضلاً عن أن يكون متأخّراً عنه رتبة، لما قلناه قبل قليل من أنَّ العلم التفصيلي الذي يحلّ العلم الإجمالي هو العلم التفصيلي المتعلّق بأحد طرفي ذلك العلم الإجمالي، وهنا لم يتعلق العلم التفصيلي بأحد الطرفين، عدم الانحلال يكون بهذا الملاك من دون توقّف على دعوى التأخّر والطولية والمعلولية بين العلمين.

وإذا كان المقصود إبطال الانحلال الحكمي للعلم الإجمالي بهذا العلم التفصيلي؛ لأنَّ هذا علم معلول وذاك علم علة، والعلم المعلول لا يحلّ العلم العلة. 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

حينئذٍ نتساءل: أنّه ما هو البرهان والتقريب الفني لاستحالة أن يحلّ العلمُ المعلول العلمَ العلة، فإمّا أن يُبيّن هذا البرهان بهذا التعبير: أنَّ العلم المعلول لو حلّ العلم العلّة للزم من وجوده عدمه؛ لأنّه بحلّه لعلّته يُعدم نفسه لأنّه هو معلول له، فمن الواضح أنَّ هذا التقريب لا ينطبق على دعوى الانحلال الحكمي؛ لأنَّ العلم التفصيلي معلول لذات العلم الإجمالي وهو لا يحلّ ذاته، بل يحلّ منجزيته؛ إذ فما هو العلّة لم ينحلّ بمعلوله وما انحل بالمعلول لم يكن هو العلة، فلا يأتي مثل هذا الإشكال. 

وإن كان برهان انحلال العلم العلّة بالعلم المعلول هو أن يقال: إن العلم العلّة وهو العلم الإجمالي في المقام، حيث إنّه متقدم رتبة لأنّه علة، ينجّز طرفيه في المرتبة السابقة، فتصل النوبة إلى العلم التفصيلي في المرتبة المتأخرة بعد أن تنجّز مورده بطرفيته للعلم الإجمالي في المرتبة المتقدمة، فهنا ينعكس المطلب ويصبح العلم الإجمالي مسقطاً للتفصيلي عن المنجزية؛ لأنَّ المنجّز لا يتنجّز مرة أخرى على قاعدة في الانحلال، فالعلم التفصيلي إنَّما لا  يحلّ لأنّه لا تصل النوبة إليه إلَّا في مرتبة متأخّرة عن العلم الإجمالي وفي هذه المرتبة قد تمّ الفراغ عن تنجيز كلا الطرفين في المرتبة السابقة، فيستحيل أن ينجّز العلم التفصيلي حينئذٍ؛ لأنَّ مورده تنجّز في المرتبة السابقة والمتنجز لا يتنجز، وإذا لم ينجّز العلم التفصيلي فلا  يحلّ العلم الإجمالي لأنّه إنَّما يحله لو نجز، وهذا البيان هو الذي ذكر في تقريرات المحقّق العراقي الشيخ محمّد تقي البروجردي.

وهذا البيان أيضاً غير صحيح، وقد اتّضح عدم صحّته من بعض الابحاث السابقة، وتوضيح ذلك: أنَّ مقتضى قانون العلية وتولّد هذا العلم التفصيلي من 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ذلك العلم الإجمالي، أن يكون العلم التفصيلي متأخّراً رتبة عن ذات العلم الإجمالي، لكن ليس مقتضى قانون العلية أن يتأخر العلم التفصيلي عن تنجيز العلم الإجمالي، بل العلم الإجمالي يكون علّة لأمرين في عرض واحد: أحدهما: تنجيز طرفيه والآخر: العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ، فالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ ليس في طول تنجيز العلم الإجمالي الأوّل حتّى يقال: إنّه في مرتبته ويكون قد فرغ عن تنجيز الطرفين فيستحيل أن ينجّز، فإنّه ليس في طول تنجيز العلم الإجمالي، بل هو في طول ذاته ولا طولية بينه وبين تنجيز العلم الإجمالي الأوّل. إذن، فتنجيز العلم الثاني وتنجيز العلم الأوّل عرضيان، وإن كان بين ذاتيهما طولية، وإن كانا عرضيان فيمنع هذا عن ذاك، على ما هي القاعدة في كلّ علم إجمالي اجتمع معه علم تفصيلي، فهذا البيان أيضاً غير تام.

فالصحيح في إبطال هذا التقريب هو ما قلناه: من إن المدّعى أنَّ كان هو الانحلال الحقيقي فقانونه لا يجري في المقام، وإن كان المدّعى هو الانحلال الحكمي فكلتا النظريتين العامتين للانحلال الحكمي لا تنطبقان على محلّ الكلام.

هذا هو الذي ينبغي أن يقال في إبطال هذا التقريب.

الوجه الثاني لانحلاله

التقريب الثاني(1) لدعوى انحلال ذلك العلم الإجمالي: وصورته الساذجة قبل أن يعمّق في خلال الكلام، بأنّنا ندعي انحلال العلم الإجمالي بقطع النظر في 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة: التقريب الثاني. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ادخال عنصر الوجوب الغيري إلى الميدان، وقصر النظر على خصوص هذا الوجوب النفسي الوحداني المردّد بين أن يكون متعلّقاً بالتسعة أو العشرة؛ وذلك أنَّ الأقلّ معلوم الوجوب تفصيلاً على كلا التقديرين -لا نريد به الوجوب الجامع بين النفسي والغيري، بل خصوص الوجوب النفسي- فإن الوجوب النفسي للأقلّ معلوم بالعلم التفصيلي على كلّ تقدير؛ وذلك لأنَّ ما أوجبه المولى إن كان هو التسعة ابتداء فالأقل واجب نفسي، وإن كان هو العشرة، فحيث إنَّ التسعة جزء من الواجب النفسي فينبسط عليه الوجوب النفسي أيضاً لا محالة، فوجود وجوب نفسي منبسط على التسعة معلوم تفصيلاً وجداناً ويشك في انبساطه على الزائد، أي: على الجزء العاشر فينحلّ بذلك العلم الإجمالي. هذه هي الصورة الساذجة للتقريب

والقائلون بعدم انحلال العلم الإجمالي بالتفصيلي، لا بُدّ لهم أن يعزون العلم الإجمالي بصورة علم إجمالي بين المتباينين ويخرجونه من كونه علماً إجمالياً بين الأقلّ والأكثر؛ لكي يثبتوا بذلك عدم الانحلال. ولذلك قاموا بعدة محاولات لإثبات أنَّ هذا العلم الإجمالي في المقام ليس علماً إجمالياً بوجوب الأقلّ أو الأكثر، بل هو علم إجمالي بين المتباينين فيبطل هذا التقريب بصورته الساذجة.

المحاولة الأولى لذلك هو أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي متعلّق بوجوب نفسي، وهذا الوجوب مردّد بين متباينين -لا بين أقلّ وأكثر- فإنّه متردد بين وجوب تسعة بحدها الانتهائي أو بحدها الامتدادي الشامل للعشرة، أي إنّنا 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

نعلم إجمالاً بواجب نفسي مردّد بين فعل ينتهي بالتسعة وبين فعل لا ينتهي إلَّا بالعاشر. وهذان العنوانان متباينان لا محالة لتباين هذين الحدين، وهذان الفعلان بهذين الحدين متباينان، ونحن نعلم إجمالاً بوجوب أحد هذين المتباينين، ويكون هذا العلم الإجمالي غير منحل.

هذه المحاولة لا بُدّ من تمحيصها: وذلك بأن نقول: إنّه ما المراد بكون الواجب مردّداً بين كون الفعل مردّد بين الوقوف عند التاسع وبين فعل ممتد إلى ما وراء التاسع؟ هل حدّ الانتهاء الذي أخذ قيداً أريد به حدّ الفعل بما هو معروض وموصوف بالوجوب، أي: حدّ للوجوب في الحقيقة فيضاف إلى الفعل بلحاظ حال التعلق، أو أريد به حدّ الفعل بذاته في المرتبة السابقة على عروض الوجوب عليه؟

فإن أريد اضافتهما إلى ذات الفعل المعروض للوجوب في المرتبة السابقة على عروض الوجوب، بحيث إنَّ الفعل في ذاته تارة يتحدد بالانتهاء عند التاسع والوقوف عليه وأخرى يتحدد بالامتداد إلى العاشر قبل أن يتعلق به وجوب، ثُمَّ يقال: إنّنا نعلم إجمالاً إمّا بوجوب ذلك الفعل المتحدد بالوقوف عند التاسع أو بهذا الفعل المتحدد بالامتداد إلى العاشر.

إن كان هكذا فلا إشكال في تشكّل العلم الإجمالي وتنجيزه؛ لأنّه يخرج عن محلّ الكلام؛ إذ يكون معناه أنَّ الأمر عندنا دائر بين أن يكون الواجب هو التسعة بشرط لا من حيث العاشر أو بشرط شيء كذلك، وهذا دوران بين المتباينين بلا إشكال، فإنَّ الوجوب إذا كان متعلّقاً بفعل محدود في نفسه 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بالانتهاء عند التاسع والوقوف عليه، فهذا معناه أنَّ الواجب أخذ بشرط لا من حيث العاشر بحيث يكون وجود السورة مخلاً بتحقّق الواجب، وإن كان الوجوب متعلّقاً بفعل محدود بالامتداد إلى العاشر وعدم الوقوف عند التاسع، فهذا معناه أنّه أخذ بشرط شيء، وهذان متباينان بلا إشكال. 

هذا يصير من باب دوران أمر السورة بين المانعية والجزئية، وهذا خارج عن محلّ الكلام، فإنَّ محلّ الكلام فيما إذا دار أمر السورة التي هي الأمر العاشر بين الجزئية وبين اللابشرطية، وعدم الدخل وجوداً ولا عدماً. ففرض أخذ الحدّ الانتهائي في ذات الفعل في المرتبة السابقة هو فرض البشرط لا، وفرضه هو فرض الخروج عن محلّ الكلام.

وأما إذا كان الحدان -حدّ الوقوف على التسعة وحد الشمول للعاشر- حدّان للواجب بما هو واجب، أي: للوجوب للوصف، فهذا صحيح، فإنَّ هذا الوجوب المعلوم في المقام هو وجوب وحداني على كلّ تقدير، وهو إمّا وجوب محدود بالحد الانتهائي عند التاسع، وإمّا وجوب يمشي إلى العاشر ويستوعبه. 

فهذان حدان متباينان للوجوب يعلم إجمالاً بأحدهما. وحد الوقوف وحد السريان بما هما حدان أمران متباينان لا محالة ومن هنا يتشكّل العلم الإجمالي من ناحية هذين الحدين دون أن يتصور انحلال أصلاً في عالم الانكشاف والعلم.

ولكن لو لم يبق بيد القائل بنفي البراءة إلَّا هذا العلم الإجمالي بين هذين الحدين؛ فإنّه لا ينفعه؛ لأنّه ليس علماً إجمالياً بالتكليف، بل هو علم إجمالي بحد التكليف ونهايته، وأنَّ هذا التكليف نهايته إمّا عند التاسع وإمّا عند العاشر. 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وحد التكليف وانتهاؤه ليس موضوعاً للعهدة عقلاً، ولا موضوعاً للتسجيل مولوياً، حتّى يتنجّز العلم الإجمالي بأحد حدين، بل ما هو موضوع العهدة عقلاً وللتسجيل على العبد مولوياً هو ذات المحدود لا الحدّ الانتهائي، بل ذات الوجوب المحدود بقطع النظر عن الحدود الانتهائية.

 وهنا لو قطعنا النظر عن هذه الحدود المتباينة ولاحظنا ذات المحدود، أي: ذات الوجوب فلا يبقى عندنا إلَّا أقلّ وأكثر متباينان، إذ بلحاظ ذات المحدود، أي: ذات المحدود هناك وجوب أقلّ وهناك وجوب أزيد، فهما أقلّ وأكثر وأحدهما متضمن في الآخر حتماً. تضمن كلّ ضعيف في القوي وكلّ مرتبة ناقصة في المرتبة الكاملة على ما هو الشأن في سائر موارد التشكيك.

فهنا بلحاظ ذات المحدود الذي هو موضوع العهدة عقلاً ومركز التحميل مولوياً لا علم إجمالي، وبلحاظ حدود الوجوب الانتهائية، وإن كان هناك علم إجمالي لكن لا أثر له؛ لأنَّ حدود الوجوب ليست موضوعاً للعهدة عقلاً وللتحميل مولوياً.

المحاولة الثانية: لإبراز عنصر التباين في هذا العلم الإجمالي، لأجل الحفاظ عليه والمنع عن انحلاله: 

أن يقال: إنّنا وإن كُنّا نعلم بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير؛ لأنَّ الواجب إمّا التسعة فهو الأقلّ أو العشرة، فالتسعة جزء من الواجب. ولكن الأقلّ الذي يكون معروضاً للوجوب على التقدير الأوّل، غير الوجوب الذي يكون معروضاً للوجوب على التقدير الثاني، فإنّه لو كان الواجب شرعاً هو التسعة 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فقط، فما هو معروض الوجوب هو التسعة الملحوظة على وجه الإطلاق، ولا بشرط من حيث وجود العاشر وعدمه. وأمّا لو كان الوجوب قد تعلّق بالعشرة، فالتسعة وإن كانت معروضة للوجوب أيضاً، ولكنّها معروض للوجوب الضمني لا الاستقلالي، وما هو معروض الوجوب الضمني هو الجزء، وما هو الجزء إنَّما هو الحصّة المقيدة بسائر الأجزاء؛ لأنَّ قانون الارتباطية في الواجب الارتباطي يقتضي تقيد كلّ جزء وتحصّصه بالمقارنة مع سائر الأجزاء، فمعروض الوجوب الضمني بالدقّة هو حصّة خاصة من التسعة بشرط العاشر، ومعروض الوجوب النفسي الاستقلالي هو مطلق التسعة وطبيعيها الملحوظ لا بشرط. ومن المعلوم أنَّ هذين النحوين من التسعة متباينان في عالم اللحاظ والجعل، فما هو معروض الوجوب النفسي الاستقلالي غير ما هو معروض الوجوب الضمني.

 نعم، لو فرض أنَّ الوجوب الضمني، بالرغم من كونه ضمنياً أيضاً يتعلق بطبيعي التسعة على الإطلاق، لتمّ ما قلتم: من أنَّ التسعة بحدها الواحد معروض للوجوب على كلّ تقدير، ولكن ليس الأمر كذلك، بل التسعة بثوب اطلاقي معروض للوجوب الاستقلالي، وبثوب تقييد معروض للوجوب الضمني. إذن، فلم يعلم بوجوب تسعة معينة حتّى ينحلّ ذاك العلم الإجمالي لهذا العلم التفصيلي.

هذه المحاولة تستدعي منّا أن نبدأ الحديث من بدايته الطبيعية، فنتكلم في الواجبات الارتباطية، وأنّه كيف يحصل الارتباط في الواجب الارتباطي؟ لنعرف أنَّ قانون الارتباطية هل يفرض أن يكون كلّ جزء في الواجب مأخوذاً 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بما هو مقيد بالأجزاء الأخرى، يعني: أنَّ معروض الوجوب الضمني هل هي الحصّة المقيدة بالأجزاء الأخرى، أو أنَّ معروضه هو ذات الجزء نفسه؟

الكلام في الواجبات الارتباطية

وفي تصوير الواجبات الارتباطية ونحو ارتباطيتها نظريات ثلاث:

النظرية الأولى: نظرية التقيّد

وهي التي تناسب مع هذه المحاولة التي بيّناها الآن، وهي النظرية التي تقول: إنّه ما دام الوجوب الارتباطي المتعلّق بمركّب، مادام وجوباً وحدانياً له امتثال واحد وعصيان واحد فلا بُدّ من فرض توحّد وترابط في متعلّق هذا الوجوب الواحد، وهذا التوحّد والترابط يتصور بأخذ تمام الأجزاء مقيدة بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر، فكل جزء من أجزاء الواجب الارتباطي يؤخذ بما هو حصّة خاصة مقيدة الانضمام إلى سائر الأجزاء الأخرى، فكلّ جزء بالنظرة الأولى يكون شرطاً للجزء الآخر بالنظرة الثانية، فالفاتحة جزء من الصلاة بالنظرة الأولى، ولكنّها شرط للركوع بالنظرة الثانية، والركوع أيضاً جزء من الصلاة وشرط في الفاتحة.

ولا يتوهّم أنَّ هذا يلزم منه الدور -لأنَّ الشرط متقدم على المشروط رتبة، فلو كانت الفاتحة شرط في الركوع والركوع شرطاً في الفاتحة للزم تقدّم كلّ منهما على الآخر رتبة- لأنّه يقال: إنَّ الشرطية لها معنيان:

تارة: يراد بها معنى المقدمية والتوقف التكويني الوجودي الخارجي من قبيل اشتراط الكون على السطح بنصب السلم؛ لأنَّ الكون على السطح يتوقّف 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تكويناً عليه. هذا النحو من الشرطية لا يعقل دورانه وتبادله بين شيئين.

 وأخرى: تكون الشرطية بمعنى التقيّد في عالم الجعل والاعتبار، أي: أخذ هذا بما هو متقيد بذاك وأخذ ذاك بما هو متقيد بهذا. ففي الحقيقة، في مثل ذلك لا يكون الشرط دخيلاً في ذات الشيء الآخر، بل دخيلاً في النسبة التقييدية، وأيّ مانع من أن تكون الفاتحة دخيلة في النسبة التقييدية المأخوذة في الركوع وأن يكون الركوع مأخوذاً دخيلاً في النسبة التقييدية المأخوذة في الفاتحة، فلا دور من هذه الناحية.

فهذا تصوّر معقول في نفسه أن نتصوّر أنَّ الأجزاء أخذ كلّ واحد منها متقيداً ومتحصّصاً بسائر الأجزاء. إلَّا أنَّ الكلام في برهان ذلك وفي أنَّ الارتباطية كيف تحتم ذلك، وكون الارتباطية تحتم ذلك يمكن أن يبيّن بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: هو أن يقال: إنَّ الارتباطية فرضها هو فرض وحدة الوجوب والوجوب الواحد لا يُعقل أن يتعلق بالمتكثر بما هو متكثر؛ لأنّه إذا تعلّق بالمتكثر بما هو متكثر لزم تكثّره لا محالة وهو خُلف، فلا بُدّ استطراقاً إلى أن يتعلق هذا الوجوب الواحد بالمتكثر بما هو متكثر بالفاتحة والركوع والسجود التي هي كثرة من الأفعال، لا بُدّ من الترابط والتوحيد ما بينها بأخذ بعضها متحصّصة من ناحية الأجزاء الأخرى وأخذها بتقييد متبادل فيما بينها. استطراقاً إلى تعلّق الوجوب الواحد بهذا المجموع المركب المتقيّد فيما بينه بتقييدات متبادلة، فكأنّ هذه التقييدات الموجودة في الأجزاء قضاء لحقّ وحدة 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الوجوب لاستحالة تعلّق الوجوب الواحد بالمتكثر بما هو متكثر. 

وهذا الأصل الموضوعي لهذا البرهان من الأصول البديهية بالرغم من أنّه سوف تأتي المناقشة فيه من المحقّق العراقي، إلَّا أنّنا لا نناقش فيه. صحيح أنَّ الوجوب الواحد يستحيل أن يتعلق بالمتكثر بما هو متكثر، فلا بُدّ من أن توحد هذه الكثرة استطراقاً إلى أن يتعلق الوجوب الواحد بها، ولكن هل أنَّ توحيد هذه الكثرة يكون بهذه التقييدات المتبادلة في الأجزاء؟ وهل أنَّ هذه التقييدات لو أنشأت على هذه الأجزاء تكون مساوقة مع وحدة الوجوب المجعول عليها؟

الجواب بالنفي، فإنَّ تقييدات الأجزاء بعضها ببعض لا يخرجها عن كونها كثرة، وإنَّما يجعلها كثرة من المقيدات بعد أن كانت كثرة من الأشياء في أنفسها. افرضوا أن القيد هو الآخر، ولكن بالتالي لم يصبح الركوع والسجود والفاتحة أمراً واحداً، بل هذه الأمور حتى الآن في عالم اللحاظ التقييدي هي أمور متعددة؛ ولهذا جعل بعضها تبدأ في البعض الآخر، بل اللحاظ التقييدي معناه الاثنينية والعزل؛ لأنَّ جعل الركوع قيداً للفاتحة والفاتحة قيداً له، يستبطن ضمناً النظر إلى أشياء متعددة بما هي متعددة ليصح أخذ بعضها قيداً في البعض الآخر، وهذا لا يكفي لتعقل تعلّق الوجوب الواحد بهذه الأمور، بل يناسب مع تعلّق وجوبات متعددة بهذه الأمور أيضاً، فإنّه لو تعلّقت وجوبات متعدّدة بهذه المقيّدات كان هذا أمراً معقولاً، فإنَّ المولى يمكن أن يكون له أغراض متعددة: غرض في الركوع المقيّد بالفاتحة وغرض بالفاتحة المقيدة بالركوع، كما هو الحال في الظهر والعصر، لو كانت صحّة كلّ منهما مقيدة بصحة الأخرى. 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فقد أخذت الظهر قيداً في العصر وبالعكس، فهل أصبح وجوب الظهر والعصر وجوباً واحداً بمجرّد أخذ هذا قيداً في ذاك وذاك قيداً في هذا، بل هما وجوبان نابعان من غرضين مستقلين لهما عصيانان وامتثالان بحيث لو تركهما معاً يعاقب بعقابين ولو فعلهما يثاب بثوابين.

إذن، فمجرّد إيجاد مثل هذه التقيدات المتبادلة يناسب مع تعدد الوجوب، ولا يكفي في تصوير وحدة الوجوب وقضاء حقّ هذه الوحدة في الوجوب الارتباطي، هذا هو الوجه الأوّل.

الوجه الثاني(1): الذي يمكن أن نبرهن به على ضرورة أخذ التقييدات المتبادلة في أجزاء الواجب الارتباطي، كما يدعي أصحاب نظرية التقييد(2).

وهو: أنَّ التسعة التي هي معروض للوجوب الضمني من وجوب العشرة الواجبة، وكذلك أيّ جزء من أجزاء الواجب الاستقلالي، فنأخذ الفاتحة مثلاً ونقول: إنَّ الفاتحة التي هي معروض لحصة من الوجوب الاستقلالي، هي في مقام جعل هذا الوجوب عليها لا بُدّ وأن تلحظ إمّا مطلقة وإمّا مقيدة؛ إذ يستحيل الإهمال في موضوعات الأحكام، فلا بُدّ إذن في مقام جعل الوجوب ضمناً على الفاتحة من أن تلحظ إمّا مقيدة بسائر الأجزاء وإمّا مطلقة من حيث وجود سائر الأجزاء معها ولا ثالث.

فإن لوحظت مطلقة من حيث سائر الأجزاء يلزم اتّصاف الفاتحة بالوجوب 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة وذكر ملخّصات لجملة مما سبق: الوجه الثاني… (المقرِّر).

(2) أقول: هي النظرية الأولى في الواجبات الارتباطية التي سبقت بالأمس. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ولو وجدت منفردة عن سائر الأجزاء، وهذا مستحيل في الواجب الارتباطي، فإنَّ ارتباطيته ترفع الجزء غير المجتمع مع سائر الأجزاء من اتصافه بالوجوب، فيتعيّن الشقّ الثاني وهو أخذ الفاتحة على وجه التقييد دون الاطلاق.

وإن شئتم قلتم في التعبير عن هذا المعنى: إنَّ هناك أصلاً موضوعياً مفروغاً عنه في باب الواجب الارتباطي، وهو أنَّ جزء الواجب لا يتصف بالوجوب في حالة الانفراد، وهذا الأصل الموضوعي ينهدم لو التزمنا بأنَّ الجزء لوحظ بنحو الإطلاق، فلا بُدّ من الالتزام بغير الاطلاق وحيث إنّه لا يوجد غيره إلَّا التقييد؛ لأنَّ الاهمال يستحيل، فيتعيّن حينئذٍ التقييد، فلا بُدّ من أخذ كلّ جزء مقيداً بسائر الأجزاء، وبما هو كذلك يؤخذ معروضاً للوجوب الضمني حتّى لا يلزم سريان الوجوب الضمني إلى الوجود المنفرد عن البقية.

إلَّا أنَّ هذا الوجه الثاني غير صحيح أيضاً؛ ولتوضيح عدم صحّته لا بُدّ أن نستذكر مطلباً حقّقناه في بحث المطلق والمقيد، وهو أنَّ هنالك خلافاً بين المحقّقين في تشخيص هوية الاطلاق المقابل للتقييد، وما يهمنا منه الآن هو أن نقول:

إنَّ هناك من يقول: إنَّ الإطلاق هو عبارة عن أمر وجودي مقابل للتقييد، فالتقييد والإطلاق أمران لحاظيان وجوديان، فالتقييد هو لحاظ دخل الخصوصية والإطلاق هو لحاظ عدم دخلها، وهذا ما يقوله السيّد الأستاذ.

وهناك من يقول: إنَّ الإطلاق هو مجرّد عدم التقييد، فهو أمرٌ عدمي فالتقييد هو لحاظ دخل الخصوصية والإطلاق هو عدم لحاظ دخل الخصوصية، وهذا هو الذي حقّقناه في بحث المطلق والمقيد.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إذا تمّ ذلك نقول: إنَّ الإطلاق إن فرضناه أمراً وجودياً لحاظياً في مقابل التقييد، يصحّ ما ذكروه: إذ إنَّ الفاتحة إذا أخذت معروضة للوجوب الضمني بما هي مطلقة، يعني: لوحظ فيها عدم دخل بقية الأجزاء فيها، ولوحظ اسراؤها إلى تمام الحصّص إلى الوجود المنضمّ وإلى الوجود المنفرد. والفاتحة الملحوظة السريان إلى تمام الحصّص لا تلائم مع ذلك الأصل الموضوعي المفروغ عنه، وهو أنَّ جزء الواجب في حالة الانفراد لا يتصف بالوجوب فيتعيّن أن تؤخذ مقيدة، فلو فهمنا الإطلاق بهذا الفهم لكان هذا الكلام صحيحاً.

ولكنا لا نفهم الإطلاق بهذا الفهم، وإنَّما الإطلاق، كما حققناه، عبارة عن مجرد عدم التقييد، فالتقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل السلب والايجاب لا تقابل التضاد، بناءً عليه نختار في المقام أنَّ الفاتحة تؤخذ معروضة للوجوب الضمني مطلقة، أي: تؤخذ من دون أن تقيد بالانضمام إلى الأجزاء الأخرى.

فإن قلتم: إنَّ لازم عدم تقييدها بالانضمام سريانها إلى الوجود المنفرد عن بقية الأجزاء، وهو خلاف الأصل الموضوعي. 

نقول: إنّه لا يلزم من عدم تقييدها انطباقها بالفعل على الفاتحة المنفردة عن بقية الأجزاء، وذلك لقصور في المحمول لا في الموضوع، أي: لقصور في نفس الوجوب الضمني لا لقصور في متعلّق الوجوب الضمني.

وتوضيحه: أنَّ الوجوب إذا تعلّق بطبيعة الفاتحة، فلا بُدّ من انطباقها على الفاتحة المنفردة من أن لا يكون هناك قصور يأبى عن هذا الانطباق لا من ناحية المتعلّق ولا من ناحية نفس الوجوب. 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أمّا القصور من ناحية المتعلّق فنريد به تقييد المتعلّق، أنَّ الفاتحة تؤخذ مقيدة بالركوع ويجعل لها الوجوب، فهنا لا تنطبق الفاتحة على الفاتحة المنفردة لقصور في المتعلّق بعد أن ضيقت دائرته وحددت سعته بحيث لا ينطبق على الوجود المنفرد.

وأخرى لا يكون هناك قصور في المتعلّق، بأن تؤخذ الفاتحة بلا قيد معروضاً للوجوب، لكن هناك قصور في نفس الوجوب الذي جعل على الفاتحة، بمعنى: الشمول للفاتحة المنفردة. وهذا القصور ينشأ من ضمنية هذا الوجوب، وكونه جزءاً من وجوب وحداني وكون انطباق هذا الوجوب هو جزء من انطباق ذلك الوجوب. هذا يجعل هذا الوجوب آبياً عن السريان إلى الوجود المنفرد، لا من باب أنَّ متعلّقه قد قيد بالانضمام إلى بقية الأجزاء، بل لأنَّ الوجوب مشدود إلى بقية الوجوبات الضمنية، فمجرّد كون المتعلّق مأخوذاً مطلقاً لا يكفي لسريان الوجوب الضمني إلى الوجود المنفرد.

بل نحن نجمع بين المطلبين معاً: نجمع بين الأصل الموضوعي المفروغ عنه، وهو أنَّ الوجوب الضمني لا يسري إلى الوجود المنفرد، وبين أن تكون الفاتحة مأخوذة بما هي مطلقة -لا بما هي مقيدة- معروضاً للوجوب الضمني، ولا يلزم من اطلاقها سريان الوجوب الضمني؛ لأنَّ هناك ملاكاً آخر في عدم السريان غير ضيق متعلقه، بل ضيق ذات الوجوب الضمني، هذا يمنعه من السريان إلى الوجود المنفرد. إذن، فقد بطل هذا التقريب. 

وعليه فلم يبق هناك برهان يبرهن على أنَّ أخذ التقييدات المتبادلة في أجزاء 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الواجب الارتباطي على أنَّ هذا مقوم أساسي للواجبات الارتباطية ومقوم أساسي لها(1).هذه هي النظرية الأولى: نظرية التقييد وقد أصبحت باطلة.

النظرية الثانية: هي نظرية الوحدة المتأخّرة رتبة

وهي لعلّها ما امتاز به المحقّق العراقي. وحاصل مرامه في هذه النظرية هو: أنّنا حينما نواجه كثرة من الأفعال كالركوع والسجود والتكبير ونحو ذلك، فهذه الكثرة لا تكتسب لون الوحدة إلَّا من ناحية عروض عارض واحد عليها جميعاً، فهذا العارض الواحد هو واحد بالذات ويعطي الوحدة بالعرض للكثير. فتكتسب الكثرة وحدة عرضية عنائية من ناحية الوحدة الحقيقية للعارض، لأن كلّ وحدة عنائية لا بُدّ وأن تنتهي إلى وحدة حقيقية، إذ كلّ ما بالعرض لا بُدّ أن ينتهي إلى ما بالذات.

فهذه الكثرة من الأفعال الركوع والسجود والفاتحة، قد يطرأ عليها ملاك واحد فتكتسب الوحدة العرضية من ناحية الوحدة الحقيقية لهذا الملاك، قد يطرأ عليها شوق واحد فتكتسب الوحدة العرضية منه، وهكذا كلّ عرض وحداني حقيقة يكسب هذه الكثرة وحدة عرضية في طول وحدته الحقيقية.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: ولكنّه بقي محتملاً. 

فأجاب (سلّمه الله): هذا يتبع دليله حينئذٍ، يعني تكون المسألة فقهية، أن نرى في الفقه أنّه هل أخذ هذا قيداً فيه أو لا، وإلَّا نفس فرض دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر من حيث الأجزاء لا يستدعي هذا المطلب. نعم، يمكن أن نفرض جزئية تستبطن شرطية صدفةً لأجل دليل فقهي، إلَّا أنَّ هذا مطلب آخر. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وحينئذٍ فهذا الواجب الارتباطي الذي هو الصلاة المركب مثلاً من عشرة أجزاء، عرضت على هذه الأجزاء عدة عوارض وحدانية، منها الملاك ومنها التكليف، عرض عليها ملاك واحد وعرض عليها تكليف واحد. فاكتسب وحدة عرضية في طول وحدة التكليف العرضي ووحدة عرضية في طول وحدة المصلحة العارضة.

 وأمّا بقطع النظر عن هاتين الوحدتين العرضيتين فإنّنا نواجه كثرة محضة بلا أيّ علاقة بين أيّ واحد منها والآخر.

وهنا قد فرضنا في الفقه: أنَّ الوجوب الشرعي قد تعلّق بهذه الأجزاء فنسأل: أنَّ الوجوب الشرعي تعلّق بهذه الكثرة بما هي كثرة أو تعلّق بها بما هي ذات وحدة عرضية؟ يعني: هل أخذت الوحدة العرضية في متعلّق الوجوب أو لا؟

وهنا عندنا وحدتان عرضيتان: وحدة ناشئة من وحدة التكليف ووحدة ناشئة من وحدة الملاك والمصلحة.

أمّا الوحدة العرضية الناشئة من وحدة التكليف فيستحيل أن تؤخذ في موضوع التكليف ومتعلّقه؛ لأنّها في طول التكليف فلا يُعقل أن تؤخذ في معروضه.

وأمّا الوحدة العرضية التي اكتسبتها هذه الكثرة من وحدة المصلحة العارضة عليها، فتلك الوحدة ليست في طول التكليف، بل في طول المصلحة فيعقل ثبوتاً أخذها في متعلّق التكليف ومعروضه، بأن يتعلق التكليف 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بالأجزاء المتعددة بعد أن تندرج في إطار الوحدة العرضية الناشئة من وحدة المصلحة. هذا أمر معقول ثبوتاً إلَّا أنّه غير صحيح وغير واقع إثباتاً؛ لأنَّ التكليف إنَّما يركب على نفس ما تركب عليه المصلحة والملاك، ومعروض الملاك خال من الوحدة الناشئة من نفس الملاك؛ لأنَّ الوحدة الناشئة من الملاك أيضاً في طوله، فلا يعقل أن تكون دخيلة في مصبّ الملاك، فإذا لم تكن دخيلة في مصبّ الملاك فلا تؤخذ أيضاً في مصبّ التكليف؛ لأنَّ التكليف يركب على ما يركب عليه الملاك؛ لأنّه تابع له، والملاك تمام مركب هو ذوات هذه الأجزاء دون الوحدة الناشئة من عروضه عليها.

إذن، فكلتا الوحدتين غير مأخوذة في متعلّق التكليف، فإذا لم تكن مأخوذة فيه، لم يبق إلَّا كثرة محضة. إذن، فالوجوب هنا يتعلق بكثرة محضة بلا أيّ توحد أو ترابط مفروض في المرتبة السابقة عليه.

وهنا يشكل على نفسه ويقول: إنَّ هذا الوجوب إذا كان يتعلق بكثرة محضة إذن فمن أين جاءت وحدة هذا الوجوب؟

يقول: الوجوب الارتباطي بكسب الوحدة، لا من وحدة معروضه ومتعلقه، بل من وحدة ملاكه وغرضه، حيث إنَّ الغرض واحد فالوجوب يكتسب الوحدة منه، وأمّا المتعلّق فهو كثرة محضة لم تؤخذ فيه أي وحدة أو ترابط في مرتبته. نعم(1)، هو يكتسب الوحدة في طول عروض الوجوب عليه، 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() فالوجوب الارتباطي هو يعطي متعلقه الوحدة لا أنّه يكون واحداً؛ لأنَّ متعلقه واحد، بل يكون واحداً لأنَّ الغرض واحد ويعطي المتعلّق الوحدة من عنده، فوحدة المتعلّق في طول وحدة الوجوب، لا أنَّ وحدة الوجوب في طول وحدة المتعلق. (من تكرار المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فتكون وحدته في المرتبة المتأخرة عن الوجوب لا في المرتبة المتقدمة عليه.

فهذه النظرية سميناها بنظرية الوحدة في المرتبة المتأخّرة؛ لأنّها تقول: بأنَّ الواجب يكتسب الوحدة من ناحية الوجوب فوحدته متحققة في المرتبة المتأخرة.

هذه النظرية اتّضح إجمالاً عدم صحتها مما بيّناه بالأمس؛ وذلك أنَّ الكثرة بما هي كثرة يستحيل أن يتعلق بها عارض واحد، فإنَّ ظرف العروض -أي ظرف كان: ظرف الذهن أو ظرف الخارج- في هذا الظرف لا بُدّ من التسانخ بين المعروض والعرض في الوحدة والتعدد، فإن فرض في ظرف العروض أنَّ أحدهما واحد لا بُدّ وأن يكون الآخر واحداً، وإن فرض في ظرف العروض أنَّ المعروض كثرة محضة، فالعارض في ظرف كثرة المعروض يستحيل أن يكون أمراً واحداً؛ لأنَّ فرض عروضه على الكثرة هو فرض أنَّ كلّ واحد من الكثرة يصيب شيئاً من هذا العرض، وفرض أنّها كثرة هو فرض أنَّ هذه القطعات التي أصابها هي قطعات متقطعة من حيث الوجود وموجودة بوجودات متعددة.

فظرف العروض يستحيل أن يختلف فيه العارض من المعروض من حيث الكثرة والوحدة، ولا يكفي في تصوير الوحدة، الوحدة المتأخرة عن الوجوب مرتبة، بل لا بُدّ لأجل أن نصحح الوجوب الواحد من أن نفترض في المرتبة 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

السابقة توحُّداً في تلك الكثرة، وبعد توحّدها يطرأ عليها هذا الوجوب الواحد، فنظرية التوحيد في المرتبة المتأخرة، نظرية غير صحيحة.

يمكن(1) أن نفرض أنّه في ظرف الذهن العارض واحد والمعروض واحد، لكن هذا المعروض الواحد في ظرف الذهن، في ظرف الخارج كثير كما سوف نبين في النظرية الثالثة، وهي النظرية الصحيحة، الصلاة مثلاً -التي هي كثرة بحسب الخارج- لكن في ظرف عروض الوجوب عليها الذي هو الذهن لا بُدّ وأن تكون واحدة، فيعرض عليها الوجوب الواحد. ولكن لا يعقل أن يختلف حال العارض والمعروض في نفس ظرف العروض فهذا أمر غير معقول؛ إذ يلزم منه إمّا تكثّر الواحد أو توحّد الكثير وكِلاهما خُلف.

قلنا(2) بالأمس أنَّ هذا المدّعى غير معقول؛ وذلك لاستحالة أن يكون العارض واحداً، وأن يكون المعروض في ظرف المعروض متعدداً ومتكثراً. نعم، يمكن أن يُفرض أنَّ المعروض وجوده في الذهن واحد ووجوده في الخارج متكثر، فيمكن أن يعرض له في الذهن عرض واحد. أمّا أنّه في نفس العالم الذي يكون المعروض فيه متكثراً يعرض عليه عارض موجود بوجود واحد، فهو أمر غير معقول، يلزم منه إمّا تعدد الواحد أو توحّد الكثير وكِلاهما خُلف.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: قد يمكن… (المقرِّر). 

(2) لخص أوّلاً النظرية الثانية في الواجبات الارتباطية كما سبق: ثُمَّ قال: قلنا… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

والآن نريد تعميق هذا البيان واعطائه صفة البرهانية وعدم الاكتفاء بهذا الوضوح البديهي.

وهذا البيان يتوقّف على مقدّمة: أنَّ للعرض إضافتان:

إضافة لمعروضه الذي يقوم به، كإضافة البياض إلى الجسم والعلم إلى النفس. وهذه الإضافة محفوظة في تمام الأعراض، فإنّه لا يتصور عرض إلَّا وله هذه الإضافة إلى موضوعه، وطرفا الإضافة وهما العارض والمعروض متغايران وجوداً، فإنَّ البياض له وجود والجسم له وجود حسب تصورات الفلسفة الاعتيادية.

الإضافة الثانية للعرض: وهي إضافة تمتاز بها بعض الأعراض دون جميعها، وهي الإضافة الثابتة في الصفات الحقيقية النفسانية ذات الإضافة.

كالعلم فإنّه بما أنّه عرض من الأعراض له إضافة إلى النفس الناطقة وهي الإضافة الأولى، وللعلم إضافة ثانية وهي إضافة إلى المعلوم؛ لأنّه لا يتصور بدونه، وهي إضافة يختص بها بعض الأعراض من قبيل العلم والشوق والعشق والبغض والارادة والكراهة والحب ونحوها، فإنّه لا يتصور علم بلا معلوم ولا حب بلا محبوب، وهي إضافة مقوّمة لحقيقة هذه الأشياء لا أنّها إضافة طارئة من الخارج عليه.

يعني: أنَّ إضافة هذا الصندوق إلى السقف وكونه تحته إضافة طارئة من الخارج، ويمكن أن نتصوّر الصندوق في مرتبة من المراتب، على الأقلّ في مرتبة ذاته ولا يكون تحت السقف، فمن يتصور الصندوق في مرتبة ذاته يراه خالياً عن هذه الإضافة.

 ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا بخلاف العلم، وهذا لا يتصور خلوّه حتّى في مرتبة ذاته عن المعلوم، فالإضافة هنا إضافة مستبطنة في حاق ذات العلم لا أنّها طارئة من الخارج.

والمعلوم الذي هو طرف الإضافة على نحو: المعلوم بالعرض والمعلوم بالذات، والأوّل هو الموجود الخارجي، لكن هذا المعلوم بالعرض ليس وحده هو المعلوم؛ لأنّه قد يتخلف عنه العلم، فيقطع الإنسان بطلوع الشمس من دون تحقّقه في الخارج، فهل بقي هذا العلم بلا معلوم، هذا غير معقول، فلا بُدّ من فرض معلوم لا ينفك عن العلم سواء أصاب العلم أو أخطأ، وهو المعلوم بالذات والصورة الذهنية القائمة في النفس، فللعلم إضافة إلى العلم وإضافة إلى المعلوم بالذات.

وأمّا طرفي هذه(1) الإضافة فهل أنَّ هناك علم وهناك معلوم بالذات، وبينهما حبل مشدود الذي هو الإضافة؟ طبعاً لا؛ لأنّنا قلنا: بأنَّ إضافة العلم إلى المعلوم مستبطنة في حاق العلم، بحيث لا نتصوّر مرتبة للعلم إلَّا وهي مستبطنة للإضافة، فلو فرض أن للعلم وجود مستقل وللمعلوم وجود مستقل وبينهما حبل مشدود، لكان العلم حينما يلحظ في نفسه لا يكون مضافاً إلى وإنَّما طرئت الإضافة من الخارج، مع أننا قلنا: بأنَّ إضافة العلم إلى المعلوم ثابتة في مرتبة ذاته، وهذا يؤدّي بنا إلى البرهنة على أنَّ هذين الأمرين -العلم والمعلوم- موجودان بوجود واحد، وبالتحليل نحللهما إلى علم ومعلوم وإضافة فيما 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

() أي: إضافة العلم إلى المعلوم بالذات. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بينهما. وإلَّا فالحقيقة أنَّ هذه الصورة الذهنية القائمة في عالم النفس هي معلوم بالذات وهي علم بالذات. إذن، فهناك وجود واحد لكلا طرفي هذه الإضافة، بخلاف الإضافة الأولى، فإنَّ طرفيها موجود بوجودين، كإضافة البياض إلى الجسم، والعلم إلى العالم

وهكذا كلّ ما كان من هذا القبيل من الصفات النفسانية ذات الإضافة كالحب، فإنَّ له إضافة إلى المحبوب، والمحبوب بالعرض هو الموجود الخارجي، لكن المحبوب بالذات الذي هو مقوّم الحب -سواء كان محبوب بالخارج أو لا- وليس هناك اثنينية بينهما، بل هناك وجود واحد هو وجود للمحبوب، ووجود للحب: يعني وجود حبّي للشخص.

أريد بهذه المقدّمة أن تعرفوا: أنَّ تصوّرنا للعلاقة بين الأعراض وبين أطراف إضافتها في هذه الإضافة الثانية، كالعلاقة بين الارادة والمراد وبين الحب والمحبوب وبين العلم والمعلوم، يختلف عن تصوّرنا للعلاقة بين البياض والجسم وبين العلم والنفس الناطقة، هناك نتصوّر وجودين بينهما علاقة، أمّا هنا فننتهي بالتمحيص إلى وجود واحد هو حب محبوب وارادة ومراد وعلم ومعلوم وبغض ومبغوض.

إذا اتضحت هذه المقدّمة فيتضح المطلب هنا على مستوى برهاني أيضاً؛ لأنَّ المحقّق العراقي يقول: إنَّ الارادة والطلب يتعلق بما هو طلب وحداني بالكثير بما هو كثير، ونحن قد عرفنا في هذه المقدّمة إن وجود الطلب عين وجود المطلوب، لا أنَّ هناك وجودين بينهما حبل في عالم النفس، فإذا كان الأمر 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هكذا فكيف يقول: إنَّ المطلوب متكثر الوجود والطلب وحداني الوجود؛ إذ يلزم منه التناقض؛ إذ يلزم أن يكون هذا الوجود الذي هو وجود للطلب والمطلوب معاً هو متكثر ووحداني وهو تناقض.

وكأن المحقّق العراقي قاس باب هذه الإضافة الثانية على باب الإضافة الأولى، فكما أنّه في إضافة البياض إلى الجسم هناك موجودان بينهما حبل، فقال: لعلّ هذا الحبل مشدود في أحد طرفيه أربعة أشياء وفي الطرف الآخر يعقد شيء واحد، فيصير عروض الواحد على الكثير، فإن هذا، وإن لم يكن معقولاً، إلَّا أنّه قد يتوهم، مع أنَّ هذه الإضافة الثانية ليست بين وجودين، بل هي إضافة تحليلية ومرجعها إلى وجود وحداني في عالم النفس، فيكون افتراض المحقّق العراقي تناقضاً محضاً.

النظرية الثالثة(1): في شرح حقيقة الارتباط في الواجب الارتباطي: 

العناوين(2) على قسمين:

هناك عناوين ترد إلى النفس من الخارج من قبيل الماء والهواء والعلم والركوع والسجود، بمعنى: أنَّ النفس تستقبل عن طريق حواسها المختلفة أشياء كثيرة، وهي تعطي النفس هذه العناوين وتعدّها لكي تدركها وهذه نسميها عناوين حقيقية واقعية.

 وهناك عناوين تعملها النفس في معملها الخاص وتعطيها للخارجيات، 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() وهي النظرية الصحيحة. (المقرِّر).

(2) قدّم لها السيّد مقدّمة فقال: العناوين… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فيكون عنواناً اعتبارياً محضاً تلبسه النفس لهذه الأمور الخارجية، من قبيل عنوان (أحدهما) الذي قلناه في بحث العلم الإجمالي. ومن هذا القبيل عنوان المجموع، وعنوان الكل. تمام هذه العناوين تفيضها النفس وتنشئها إنشاء وتلبسها للخارج.

 يأتي إلى النفس الركوع والسجود والتسليم والنفس قادرة أن تلبس المجموع ثوباً وعنواناً واحداً كعنوان المجموع، هذا العنوان الذي أصبح جزءاً من لغتنا الاعتيادية، بحيث لا يميز بينه وبين غيره من العناوين، إذا عرفنا هذا فنقول: إنَّ المولى إذا فرض أنّه لاحظ اشياء كثيرة: كالركوع والسجود والتشهد والتسليم، ولكنّه وجد أنَّ كلّ واحد منها لا يفي بغرضه وإنَّما يتحقق غرضه لو وجد التكبير والركوع والسجود والتشهد والتسليم، فلا محالة ينقدح له طلب واحد وارادة واحدة وتكليف واحد، ولا يتحمل المورد وأكثر من طلب وتكليف واحد، ولكن قلنا: إنّه في ظرف عروض العرض الواحد لا بُدّ أن يكون المعروض واحداً أيضاً، وهنا المعروض كثير بحسب الخارج؛ لأنَّ النفس استوردت من الخارج عناوين متعددة: عنوان الركوع، وعنوان السجود، وغيره. فالنفس هنا اعتادت أن تلبس هذه المتكثّرات ثوباً هي تخيطه بنفسها، وهو ثوب اعتباري محض كعنوان مجموع الأفعال والأجزاء، فالنفس تنشئ وحدة اعتبارية على هذه الاشياء المتكثرة وتفيض عليها صورة اعتبارية واحدة، فتلبس كلّ هذه الأشياء ثوب الوحدة، غايته أنّه وحده عنوان اعتباري استطراقاً؛ لأنَّ يتعلق به العرض والطلب والشوق الواحد.

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هذا هو الذي يصحّح قانون الارتباطية، وينسجم مع أصولها الموضوعية، المفروغ منها هو هذا، فالعرض الواحد في ظرف العروض عرض للأمر الواحد. نعم، هذا الأمر الواحد في غير ظرف العروض يعني في الخارج هو كثير، لكن الوجوب لم يعرض له في الخارج وإنَّما عرض له في نفس المولى. إذن، ففي الظرف الذي هو كثير لم يعرض عليه وجوب وفي الظرف الذي عرض عليه الوجوب الواحد هو ليس كثيراً، بل هو واحد بثوب خاطته النفس له والبسته هذا العنوان الاعتباري؛ ولهذا تسمّى الوحدة هنا بالوحدة الاعتبارية. هذه هي النظرية الثالثة وهي الصحيحة في المقام.

[محاولة لإبراز عنصر التباين في العلم الإجمالي]

وبعد معرفة هذه النظريات لا بدَّ أن نرجع من جديد إلى ما قلناه في يوم سابق من تلك المحاولة لإبراز عنصر التباين في العلم الإجمالي، وهي أنَّ التسعة المعلومة الوجوب على التقدير الأوّل غير التسعة المعلومة الوجوب على التقدير الثاني، فإنَّ التسعة المعلومة الوجوب على تقدير الأقلّية هي التسعة المطلقة اللا بشرط والتسعة المعلومة الوجوب على تقدير الأكثرية هي التسعة المقيدة، وهذا إبراز لعنصر التباين، فهل نجحوا في هذا التقريب في ابراز عنصر التباين وتنجيز العلم الإجمالي؟

أمّا على النظرية الثانية: للمحقّق العراقي الذي يقول: بأنَّ الوجوب يطرأ على الكثير بما هو كثير من دون أن يؤخذ في المرتبة السابقة على عروضه أيّ توحد وترابط بين الأجزاء. إذن، فهذا الكلام غير صحيح؛ لأنَّ التسعة الواجبة 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

على التقدير الأوّل هو نفس التسعة الواجبة على التقدير الثاني؛ إذ التسعة الواجبة على التقدير الثاني ليست هي التسعة المقيدة أو المتوحدة مع العاشر؛ لأنَّ المفروض أنّه لم يؤخذ في معروض الجواب أيّ تقيد أو توحد فالتسعة نفس التسعة على التقديرين. فلا تنجح هذه المحاولة على النظرية الثانية.

وأمّا على النظرية الأولى: وهي نظرية التقييد فقد يبدو أنَّ المحاولة ناجحة؛ لأنَّ التسعة المعروضة للوجوب على تقدير الأكثرية هي التسعة المقيدة وعلى تقدير الأقلية هي التسعة غير المقيدة، وهما متباينان لا محالة، كما أنّه قد يبدو أنَّ المحاولة ناجحة بناء على المحاولة الثالثة أيضاً؛ إذ ان التسعة على تقدير الأقلية هي تُلبس من قبل النفس عنواناً، وبهذا العنوان تكون واجبة. وأمّا على التقدير الثاني فهذا العنوان لا تجعله النفس على رأس التسعة فقط، بل على رأس العشرة. 

وبتعبير آخر: يدور الأمر بين وجوب عنوان قد أُلبس التسعة أو عنوان قد أُلبس العشرة، وهذان عنوانان متباينان لا محالة.

لكن الصحيح مع هذا أنَّ المحاولة غير ناجحة بمعنى من المعاني حتّى على النظرية الأولى والثالثة.

في الاستنتاج من النظريات الثلاث

إنّنا(1) ندرس هذه المحاولة على ضوء النظريات الثلاث:

أمّا على ضوء النظرية الثانية: للمحقّق العراقي الذي يقول: إنَّ الطلب الواحد ينصب على الكثرة بما هو كثرة، وأنَّ الجزء لم يؤخذ فيه أي تقيد وأي 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() لخص أوّلاً فكرة المحاولة لإبراز عنصر التباين ثُمَّ قال: إننا… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

توحد، بناءً على هذا فالمحاولة لا موضوع لها؛ لأنَّ التسعة المعروضة للوجوب على تقدير الأكثرية ليست هي التسعة المقيدة، بل ذات التسعة التي لم يؤخذ فيها أي أنحاء التقيد والتوحد مع الجزء العاشر، فالتسعة هي التسعة على كلا التقديرين. 

وأمّا على النظرية الأولى: وهي نظرية التقييد التي ابطلناها، وحاصلها: أنَّ الأجزاء في داخل الواجب الارتباطي تؤخذ بعضها مقيدة بالبعض الآخر، فقد يبدو أنَّ هذه المحاولة تتمّ في الحفاظ على وجود العلم الاجمالي وإبراز عنصر التباين فيه؛ لأنَّ التسعة المعروضة للوجوب على التقدير الثاني هي التسعة المقيدة بالعاشر، والتسعة المعروضة للوجوب على التقدير الأوّل هي التسعة المطلقة، فيكون هنا تباين لا محالة بين حدّ الإطلاق وحد التقييد.

إلَّا أنّه هنا، أيضاً لا بُدّ وأن ننظر إلى شيء، وهو أنَّ الإطلاق والتقييد هل يتقابلان تقابل التضاد، بمعنى: أنَّ التقييد هو لحاظ دخل الخصوصية والإطلاق هو لحاظ عدم دخل الخصوصية، أو أنّهما يتقابلان تقابل السلب والايجاب، وأنَّ الإطلاق ليس مؤونة وجودية عرضية في مقابل اللحاظ التقييدي، بل هو مجرد عدم التقييد. 

لو بنينا على الثاني، فأيضاً لم نعثر هنا على شيئين متباينين، بل عثرنا على شيئين بينهما حتّى في عالم اللحاظ أقلّ وأكثر؛ لأنَّ التسعة المعروضة للوجوب على التقدير الأوّل، هي ذات التسعة بلا مؤونة لحاظيّة زائدة عليها، وعلى التقدير الثاني هي ذات التسعة مع مؤونة لحاظية زائدة عليها وهي مؤونة 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التقييد، فيرجع إلى الشكّ البدوي في المؤونة اللحاظية الزائدة، فأيضاً لم تنجح محاولة إبراز عنصر التباين في معروض الوجوب.

وأمّا لو بنينا على أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل التضاد، يعني: أنَّ كُلّاً منهما مؤونة لحاظية زائدة، وأنّه لا بُدّ من أحدهما، وأنَّ التسعة المعروضة للوجوب على التقدير الأوّل هي التسعة التوأم مع المؤونة اللحاظية المسماة ب الإطلاق، والتسعة المعروضة للوجوب على التقدير الثاني هي التسعة التوأم مع المؤونة اللحاظية التي نسميها بالتقييد. إذن، فقد وجد عنصر التباين؛ لأنَّ كُلّاً من التسعتين محدودة بمؤونة لحاظية مباينة للمؤونة اللحاظية التي حدد بها الواجب الآخر.

فإلى هنا يمكن أن نعتبر أنَّ هذه المحاولة نجحت في إبقاء العلم الإجمالي، بوجوده التكويني، ولكن مع هذا لم تنجح هذه المحاولة في إثبات العلم الإجمالي بالنحو الذي يفيد الأصولي.

 وتوضيح ذلك: أنَّ المولى في عالم الوجوب والطلب يجعله على الصورة الذهنية القائمة في عالم النفس الذي قلنا: إنّه هو المطلوب بالذات. وقلنا: إنَّ نسبة الطلب إلى هذه الصورة الذهنية، نسبة العينية بحسب الدقة التحليلية والبرهان الفلسفي.

ولكن المولى لا يطلب الصورة الذهنية بما هي صورة ذهنية ووجود قائم في نفسه؛ لأنَّ هذه الصورة بهذا القيد يستحيل أن يكلف عبده بإيجادها، فإنَّ العبد لا يقدر على إيجاد الصور الذهنية الثابتة في نفس المولى، مع أنَّ هذه الصور الذهنية 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

حاصلة وموجودة في ذهن المولى لا معنى لتحصيلها مرة أخرى، فهذه الصورة المطلوبة بالذات، إنَّما تتصف بالوجوب بما هي حاكية ومرآة لذي الصورة؛ ومن هنا يُعرف: أنَّ ما يدخل في عهدة العبد مولوياً، ليس هو نفس الصورة، بل هو المحكي بالصورة، وهو الذي يتصف بالوجوب في نظر العقل العملي.

وعلى ضوء هذه المقدّمة نريد أن نعرف أنَّ الاطلاق الذي جعلوه أمراً مبايناً مع التقييد والتقييد الذي جعلوه مبايناً مع الإطلاق، وعن طريق هذا التباين أرادوا أن يحافظوا على هذا العلم الإجمالي، هذان الأمران هل هما شأنان من شؤون الصورة أو شأنان من شؤون ذي الصورة. 

إذا كانا شأنين من شؤون ذي الصورة، وهو الذي يدخل في العهدة مولوياً. إذن؛ فهناك علم إجمالي بدخول أحد متباينين في العهدة فينجز حينئذٍ لا محالة. وأمّا إذا كان هذان الوصفان من شؤون الصورة وحدودها، فحينئذٍ لا يكون عندنا علم إجمالي بدخول أحد الأمرين في العهدة على ما سوف يتضح الآن.

نحن إذا فحصنا الإطلاق والتقييد نرى أنّهما يختلفان من هذه الناحية فإنَّ التقييد اللحاظي حدّ في الصورة، لكن له ما يوازيه في ذي الصورة، وأمّا الإطلاق فهو حدّ في الصورة ليس له ما يوازيه في ذيها، يعني: أنَّ الصورة الذهنية التقييدية للركوع مرآة ينظر المولى بها إلى الركوع مع أمر آخر، فذات الركوع محكى بذات الصورة، وذاك الأمر الآخر محكي بالتقييد المحدد لهذه الصورة، فكل من ذات الصورة وحدها التقديري حكى عن أمر ورائها وهذا يعني أنَّ التقييد مأخوذ في ذي الصورة، وأمّا في جانب الإطلاق حينما يجعل الوجوب على الركوع المطلق دون المقيد، فالصورة تنحلّ إلى ذاتها وإلى حدّها 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الإطلاقي، ولكن ذاتها تحكي عن ذات الركوع، وأمّا اللحاظ الإطلاقي فلا يحكي عن شيء آخر، وإنَّما وظيفة اللحاظ الإطلاقي أنّه يكيّف حكاية الصورة، له دخل في تكييف وتطوير حكاية الصورة، فيوسع في حكايتها، وليس اللحاظ الإطلاقي مأخوذاً في ذي الصورة، بل ذيها هو ذات الركوع بلا زيادة أصلاً.

فإذا عرفنا هذا الفرق الجوهري بين الإطلاق والتقييد، نعرف أنَّ التباين إنَّما هو بين الصورتين لا بين ذي هذه الصورة وذي تلك الصورة. فإنّنا إذا نظرنا إلى الصورتين وجدناهما متباينتان؛ لأنَّ أحدهما محدود بالحد التقييدي والأخرى بالحد الإطلاقي، ولكن إذا نظرنا إلى ذي الصورة الذي هو يدخل في العهدة مولوياً وينتزع منه صفة الوجوب، فهما ليسا متباينين بل هما أقلّ وأكثر؛ لأنَّ ذي الصورة التقييدية أمران: ذات الركوع وشيء زائد، أمّا ذي الصورة الإطلاقية فأمر واحد وهو ذات الركوع فبينهما نسبة الأقلّ والأكثر لا نسبة التباين.

فعلى مستوى الصور الذهنية، وإن كان العلم الإجمالي بين المتباينين موجوداً، إلَّا أنّه لا أهمية في مثل هذا العلم الإجمالي في نظر الفقيه؛ لأنَّ الصور لا تدخل في العهدة، حتّى يكون العلم الإجمالي بإحدى صورتين متباينتين يكون منجّزاً على العبد، وأمّا بلحاظ ذي الصورة ومحكيّاتها، فليس بينهما تباين، بل أقلّ وأكثر؛ لأنَّ الحدّ التقييدي يحكي عن شيء زائد عن الركوع دون الحدّ الإطلاقي، والذي ينفعهم هو تشكيل العلم الإجمالي في هذه المرتبة؛ لأنَّ محكيّات الصورة هي التي تدخل في العهدة، وفي هذه المرتبة ليس عندنا متباينان بل أقلّ وأكثر.

هذا كلّه على النظرية الأولى. 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

نفس هذا الكلام نقوله على النظرية الثالثة: فإنّنا لو لاحظنا عالم الصور في نفس المولى لرأينا أنفسنا بين أمرين متباينين؛ لأنَّ الثوب الذي تخيطه النفس على قدر تسعة غير الثوب الذي تخيطه النفس على قدر عشرة، فهما ثوبان وعنوانان اعتباريان متباينان، ولكن هذه الأثواب التي تخيطها النفس لا تدخل في العهدة مولوياً؛ لأنّها مجرد اعتبارات وانشاءات من قبل نفس المولى وليس لها ما بإزاء ولا محكي بالخارج أصلاً، وما يكون له محكي في الخارج هو لابس الثوب لا نفس الثوب، فإنَّ التسعة التي لبست ثوباً هي التي لها ما بإزاء في الخارج وكذلك العشرة، أمّا نفس الأثواب والوحدات الاعتبارية والعناوين المنشأة من قبل النفس فليس لها ما بإزاء في الخارج.

إذن، فإذا لاحظنا الأثواب التي أنشأتها النفس، فهنا علم إجمالي، لكن مثل هذه العناوين لا تدخل في العهدة أصلاً؛ لأنّه لا معنى لوقوع التكليف بها، وإن لاحظنا لابس الثوب، وما يكون محكياً لهذه العناوين في الخارج، فبينهما أقلّ وأكثر لا تباين؛ إذ بلحاظ عالم المحكي ليس هناك وحدة، بل هناك كثرة مردّدة بين التسعة والعشرة(1).

ــــــــــ[57]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إنّي أفهم من هذا: أنَّ التسعة التي يؤتى بها في ضمن العشرة، من الممكن أن تكون مصداقاً للتسعة المطلوبة في الأقلّ، ولو لم يكن كذلك كانا من المتباينين. 

فأجاب (سلمه الله): هذا الذي فهمتموه صحيح، والتسعة تكون مصداقاً، غاية الأمر أنّها حالة التجرّد عن الجزء العاشر -لو كان الوجوب متعلّقاً بالأكثر- لا يسري إليها الوجوب، لضعفٍ في نفس الوجوب، لا لقصور في مصداقيتها لمتعلّق الوجوب الضمني، كما شرحنا في ذلك اليوم، فالقصور من ناحية الوجوب لا الواجب. 

أقول: ما أجاب به السيّد لا يتمّ به المطلب، فإنّه لو كان الأمر هكذا: وهو أنَّ الأمر بالتسعة -على تقدير وجوده- يسقط سواء أتى بالتسعة بقصد الاستقلالية أو بقصد الضمنية، لكان ما قاله صحيحاً، إلَّا أنَّ المفروض أنَّ الأمر بالتسعة -على تقديره- أمر استقلالي ويحتاج في امتثاله إلى طبيعة استقلالية من التسعة، فوجود التسعة في ضمن العشرة لا يكون امتثالاً للأمر بالتسعة، كما أنّه -من الجانب الآخر- لا يكون الإتيان بالتسعة امتثالاً للأمر بالعشرة كما هو واضح، فيكون دوراناً بين المتباينين في عالم الامتثال؛ لأنَّ كلّ أمر من الأمرين المردّدين، لا يحتمل سقوطه بالإتيان بمتعلّق الأمر الآخر، والتسعة الضمنية وإن كانت مصداقاً لطبيعي التسعة إلَّا أنَّ ضمنيتها تمنعها من أن تكون امتثالاً للواجب الاستقلالي المتعلّق بالتسعة على تقدير وجوده*، فيكون هذا من قبيل العلم الإجمالي بأنّي مدين لزيد بتسعة دراهم أو لعمرو بعشرة، الواضح عدم سقوط أحدهما بامتثال الآخر لا من قبيل العلم الإجمالي بأنّي مدين لزيد إمّا بتسعة دراهم أو عشرة دراهم، الواضح انحلاله الحقيقي وتحقق الامتثال بالأقل على كلّ تقدير. انتهى. (المقررّ).

* فيكون عالماً إجمالياً لوجوبٍ لا يسقط إلَّا بالتسعة، أو وجوبٍ لا يسقط إلَّا بالعشرة (توضيح). (المقررّ). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ومن هنا يتلخص: أنَّ من يستدل بالعلم الإجمالي لإجراء أصالة الاشتغال وجوب الاحتياط في المقام، إن أراد تشكيل علم إجمالي بلحاظ الأمور التي تدخل في العهدة مولوياً، وينتزع عنها صفة الوجوب في نظر العقل العملي، فهذا العلم الإجمالي لا يعقل تشكيله أصلاً في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين، 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بل هو منحلّ انحلالاً حقيقياً، بالنحو الذي بيّناه.

وإن أردنا تشكيل علم إجمالي بلحاظ أمور أخرى غير قابلة لأن تدخل في العهدة، فهذا العلم الإجمالي موجود ولا يعقل أن ينحلّ، إلَّا أنّه لا أثر له في نظر الفقيه؛ لأنّه علم إجمالي بأمر لا يدخل في العهدة.

ومن هنا نعرف أنَّ من ذهب إلى الانحلال الحقيقي، إن أراد هذا المعنى، وهو الانحلال الحقيقي للعلم الاجمالي بلحاظ ما يدخل في العهدة فهو صحيح، وإن أراد الانحلال الحقيقي بلحاظ تمام عالم التكوين فهو غير صحيح، كما أنّه من ذهب إلى الانحلال الحكمي، ومعنى الانحلال الحكمي عنده هو أنَّ الأصل يجري في أحد الطرفين دون الآخر، وطرفا العلم الإجمالي هما: وجوب الأقلّ مطلقاً، ووجوبه مقيّداً بقول: إنَّ أصالة البراءة عن وجوبه مقيداً يجري ولا يعارضه أصالة البراءة عن وجوبه مطلقاً؛ لأنَّ الاطلاق ليس إلزاماً، بل هو توسعة فلا معنى لجريان أصالة البراءة عنه. فينحلّ انحلالاً حكمياً. 

هذا الكلام من السيّد الأستاذ لا بُدّ في تصحيحه من إرجاعه إلى هذا الكلام الذي سمعناه الآن، يعني: إن أراد بالانحلال الحكمي، أنّه يعترف بعدم الانحلال الحقيقي، وبتشكيل علم إجمالي بلحاظ ما يدخل في العهدة، ومع هذا يدعي الانحلال الحكمي، فهذا غير صحيح، لأنّه إذا اعترف بقيام علم إجمالي بلحاظ ما يدخل في العهدة، فتتعارض الأصول في الطرفين لا محالة. وإذا فرضنا أنّه أنكر من أوّل الأمر أن يتشكّل علم إجمالي بلحاظ ما يدخل في العهدة. إذن، فهذا انحلال حقيقي، وليس انحلالاً حكمياً، غاية الأمر أنّه 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

انحلال حكمي بلحاظ ما يدخل في العهدة لا بلحاظ عالم التكوين بتمامه. 

هذا هو الكلام في الوجه الأوّل من الوجوه التي استدل بها على وجوب الاحتياط في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين وهو العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ والأكثر.

الوجه الثاني للاشتغال ومناقشته

الوجه الثاني أن يقال: إنّنا سلّمنا بانحلال العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ والأكثر، بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ بالرغم من الوجوب النفسي الاستقلالي أو النفسي الضمني، لكن نقول: إنَّ نفس هذا العلم التفصيلي هو الذي يحتّم علينا الاحتياط، بلا حاجة إلى ذلك العلم الإجمالي المنحل؛ وذلك لأنَّ العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ حصل لنا بأن نقول: إنَّ الأقلّ إمّا واجب بوجوب نفسي استقلالي أو بوجوب نفسي ضمني، فنحن نعلم بجامع وجوبه الأعمّ من الوجوب النفسي الاستقلالي أو الوجوب النفسي الضمني. والعلم التفصيلي منجّز لمعلومه. إذن، فقد تنجّز في المقام وجوب الأقلّ واشتغلت به الذمّة، و(الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، فلا بُدّ بحكم العقل من تحصيل الجزم بسقوط الأمر بالأقلّ -دعوانا الأمر بالأكثر- فلو أتينا بالأقلّ وحده وتركنا العاشر، أكنا نجزم بسقوط الأمر بالأقل؟ لا؛ لأنّه إن كان أمراً استقلالياً فيسقط بالتسعة وحدها، وأمّا لو كان أمراً ضمنياً فيستحيل أن يسقط بها؛ لأنَّ الأمر الضمني لا يسقط إلَّا بسقوط الأمر بالكلّ، فيرجع لا محالة إلى الشكّ في السقوط وفي الخروج عن عهدة التكليف وهو مورد لأصالة الاشتغال بلا إشكال. ولا يرتفع هذا الشكّ إلا بالاحتياط والإتيان بالأكثر.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ولعلّ(1) أوّل من ذكر هذا الوجه هو صاحب (الفصول)

إلَّا أنّه غير تامّ: وذلك لأحد أمور ثلاثة:

الأمر الأوّل: [مناقشة مقولة سقوط التكليف]

أن نناقش مقولة سقوط التكليف التي فرضت في هذا الوجه؛ إذ فرض فيه أنّه بعد الإتيان بالأقلّ يشكّ في سقوط وجوب الأقلّ؛ لأنّه إن كان وجوباً نفسياً استقلالياً فقد امتثل وسقط، وإن كان نفسياً ضمنياً فلم يمتثل فلم يسقط. إذن، فقد فرض في هذا الوجه أنَّ الامتثال يُسقط التكليف فنريد أن نعرف أنَّ الامتثال هل هو من مسقطات التكليف وما هو أثر الامتثال على التكليف المجعول، وعلى أثر معرفتنا لذلك سوف نجيب على هذا الوجه.

مسقطات التكليف على قسمين: 

القسم الأوّل: هو المسقط الأصل الجعل من قبل المولى، كما لو جعل المولى وجوب اكرام الجيران كبروياً، ثُمَّ بدا له فنسخ هذا الحكم، فهذا مسقط لأصل الجعل وهو المسمّى بالنسخ، فهذا هو النسخ بمعناه الحقيقي غير الواقع في الشريعة، لأنّه مساوق(2) للبداء ولتغيّر الحاكم. 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

() ذكر أوّلاً خلاصة الوجه الثاني الذي افيد للبرهنة على وجوب الاحتياط كما سبق، ثُمَّ قال: ولعلّ… (المقرِّر).

(2) لا يخفى أنّه غير مساوق لذلك أصلاً؛ إذا تصورنا أنَّ للزمان مدخلية في وجود مصلحة الحكم وملاكه، فبعد مضي الزمان المعيّن لا يكون للحكم ملاك أصلاً، فيكون من الحكمة نسخه لا محالة، والتفصيل في محلّه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

القسم الثاني: هو ما يكون مسقطاً للمجعول لا لأصل الجعل، أي: التكليف بمعنى أنَّ التكليف الذي جعله المولى قد أخذ فيه قيوداً عديدة، وهذه القيود إذا زال واحد منها فيسقط التكليف.

مثلاً: المستطيع الصحيح البدن المخلى السرب يجب عليه الحجّ، فلو اختل أحد هذه القيود حين مجيء وقت الحج يقال: إنّه سقط وجوب الحج، لا بمعنى أنَّ أصل الآية نسخت، وأنَّ أصل الجعل الكبروي قد زال، ولكن الوجوب الفعلي المجعول كان قد قيد بقيود فهو لا ينطبق إلَّا على مجمع القيود، والمفروض أنَّ أحدها قد اختلّ في هذا المكلّف فيسقط التكليف بالنسبة إليه، بمعنى: أنّه يخرج عن كونه مصداقاً لموضوع التكليف. وهذا أيضاً نسميه بأنّه مسقط؛ لأنّه مخرج للفرد عن موضوع التكليف الإلهي. 

وأمّا لو فرض أنّه لم يطرأ مسقط من القسم الأوّل على الجعل، ومن القسم الثاني بمعنى أنَّ موضوع الحكم بتمام قيوده موجود في الخارج. إذن، فالتكليف يكون لا محالة موجوداً؛ لأنَّ الجعل ثابت والمجعول ثابت، أمّا ثبوت الجعل فلانَّ بقاءه منوط بعدم النسخ والمفروض عدم الناسخ، وأمّا وجود المجعول فلأنه فرع تحقّق موضوعه بتمام قيوده والمفروض تحقّقه.

 فلا محالة يكون التكليف ثابتاً ولا يتصور أيّ سقوط له، وأيّ مسقط للتكليف لا بُدّ أن يرجع إلى أحد هذين الأمرين.

إذا عرفنا هذا فهل الامتثال مسقط للتكليف عن القسم الأوّل أو الثاني؟ 

أمّا كونه من القسم الأوّل فهو غير متصور بالبداهة؛ لأنَّ وجود الحج خارجاً لا ينسخ الجعل بنحو الكبرى.

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وأمّا أن يكون مسقطاً من القسم الثاني، فقد عرفنا أنَّ مسقطات القسم الثاني مرجعها بحسب الحقيقة إلى اختلاف بعض قيود الموضوع، فلو كان الامتثال مسقط من القسم الثاني لا بُدّ وأن يقال: إنّه يوجب اختلال بعض تلك القيود المأخوذة في موضوع الوجوب؛ وذلك بأن يتصور بأنَّ وجوب الحج جعل على موضوع هو: الإنسان المستطيع الصحيح البدن المخلى السرب الذي لم يحجّ، بحيث أخذ في الموضوع أن لا يكون حاجاً، فإنّه حينئذٍ بمجرّد أن يحج بحسب الخارج يختلّ هذا القيد لا محالة ويخرج عن كونه مصداقاً لموضوع الوجوب، فيمكن أن يقال حينئذٍ: بأنَّ الامتثال مسقط للوجوب من القسم الثاني، كما أنَّ زوال الصحّة أو زوال الاستطاعة المالية مسقط للوجوب، كذلك تبدّل اللاامتثال بالامتثال.

إلَّا أنَّ هذه الفرضية غير صحيحة في المقام: أن يكون عدم الإتيان بالمتعلّق قيداً في موضوع الوجوب؛ وذلك لأنَّ الوجوب هو الخطاب المبرز على طِبق الارادة والشوق المولوية، وأخذ قيود في موضوع هذا الخطاب ليس أمراً جزافياً وإنَّما هو باعتبار دخلها في تمامية الملاك والمحبوبية في نظر المولى، فالاستطاعة إنَّما أخذت قيداً باعتبار أنّه لو لاها لا محبوبية ولا مطلوبية، فإنَّ جملة من القيود تكون مقدّمات للوجوب، أي: دخيلة في أصل تمامية الملاك.

فهذه القيود إنَّما تكون قيداً باعتبار تقوّم الملاك والمصلحة بها، ومن المعلوم أنَّ عدم الامتثال وعدم الحج خارجاً ليس دخيلاً في الملاك والمحبوبية، ليس من الأشياء الدخيلة في محبوبية المحبوب أن لا يكون واقعاً في الخارج، فإنَّ وقوع 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المحبوب في الخارج لا يُخرجه عن كونه محبوباً(1). شرب الدواء محبوبيته ومصلحيته فرعُ أن يكون مريضاً، لكن ليس فرع أن لا يكون هناك شرب دواء في الخارج، فلو شربه وهو ليس بمريض لم يقع المحبوب لكن لو شربه وهو مريض فهو محبوب قد وقع لا أنّه بمجرّد شربه تزول المحبوبية والمصلحة.

وهذا واضحٌ جداً، بعد قياس الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية، يعني: قايسوا محبوبات المولى من العبد بمحبوبات المولى من نفسه.

المولى عطشان يحبّ شرب الماء، ليس عن قيود هذه المطلوبية التكوينية أن لا يكون هناك شرب ماء في الخارج، بل إنّه لو شرب الماء في الخارج لوقع على صفة المحبوبية والمطلوبية، فالمحبوبية والملاك النفسي للإرادة التكوينية غير متقيد بعدم المراد التكويني، كذلك الحال في الإرادة التشريعية، فإنَّ المحبوبية المولوية لصدور الفعل من العبد وكونه ذا مصلحة وملاك ليس شرطاً بأن لا يكون هذا الفعل واقعاً بحسب الخارج.

نعم، وقوعه بحسب الخارج يسقط فاعلية الإرادة والحب والملاك، لا أصل الحب والملاك كما هو الحال في موارد الإرادة التكوينية أيضاً فإنّه لو شرب الماء فقد شرب محبوبه ووجد المحبوب خارجاً واستوفيت المصلحة، ولا يبقى حينئذٍ فاعلية للمصلحة، لا لأنّها ارتفعت، بل لأنّها استوفيت، وفرق بين الزوال والاستيفاء، فالامتثال إذن يؤثّر في استيفاء الملاك المساوق لزوال فاعليته تشريعاً، 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

() بل المصلحة فعلية في حالة وقوعه وعدم وقوعه، غاية الأمر في حالة عدم وقوعه هناك مصلحة غير مستوفاة، وفي حالة وقوعه هناك مصلحة مستوفاة. (إعادة). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لا أنّه يوجب سقوط ذاته وفعليته(1).

إذن، فالامتثال في المقام يستحيل أن يكون من مسقطات الإرادة المولوية والتكليف المولوي، لا من المسقطات من القسم الأوّل ولا الثاني. وإنَّما أثر الامتثال على التكليف أنّه يخرجه عن كونه فاعلاً، أي: يُسقط فاعليته ومحرّكيته، لا أنّه يسقط نفس التكليف بمبادئه وملاكاته النفس الأمرية الثابتة في نفس المولى. هذه هي المقدّمة.

فإذا عرفنا هذا الأثر للامتثال، وفرضنا أنّه احرز الامتثال خارجاً، فالتكليف يبقى موجوداً غاية الأمر أنَّ هذا التكليف ليس له فاعلية؛ لأنّه تكليف بصرف الوجود وقد تحقق صرف الوجود.

فعلى ضوء هذه المقدمة نأتي إلى محلّ الكلام فنقول:

إنَّ هؤلاء يقولون: نحن نعلم تفصيلاً بوجوب الأقل: لوجوب الجامع بين النفسي الضمني والنفسي الاستقلالي، ولو أتى بالأقلّ وحده يشكّ أنّه سقط وجوب الأقلّ أو لم يسقط؛ لأنّه لو كان قد كمل الامتثال بالأقلّ فقد سقط وإن لم يكمل الامتثال به فلم يسقط، فهو شكّ في سقوط وجوب الأقل.

 نقول: إنَّ هذه الصيغة على ضوء المقدمة تصبح خاطئة، فإنّه لا معنى لأن 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: عن الفرق بين ذات الملاك وفاعليته ما ملخّصه: ليس الكلام في الوجود الثاني، فإنَّ للمولى أن يحكم بوجوب شرب الدواء مرّة أخرى، وله أن لا يحكم، وإنَّما كلامنا في نفس صرف الوجود الذي انطبق على الوجود الأوّل، فإنّه لم يخرج عن كونه ذا مصلحة بعد وجوده؛ لأنّه به حياة هذا المريض. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يقال: إنّه يشكّ في سقوط وجوب الأقلّ، لأنّه لا معنى لأن يسقط ولو أتى بالأكثر وما يكون امتثالاً جزمياً؛ لأنَّ الامتثال ليس من مسقطات التكليف.

وإنَّما الذي ينبغي أن يقال: إنّه يشكّ في بقاء الفاعلية وعدمها، عند الشكّ في وقوع الامتثال وعدمه، فيجب أن نغير الصيغة ونقول: إنَّ هذا الذي أتى بالأقلّ يشكّ في فاعلية التكليف وعدمها، هذا صحيح، ولكن هل هو يشكّ في بقاء فاعلية بالإضافة إلى الأقلّ أو يشكّ في بقائها بالإضافة إلى الزائد الذي لم يأتِ به؟ إمّا أن تقولوا: إنّه يشكّ في بقاء فاعلية هذا الوجوب بالإضافة إلى ذات الأقلّ. فهذا مستحيل؛ فإنّه يستحيل بقاء فاعليته إلى ذات الأقلّ(1) بمعنى: أن يكون هذا الوجوب محركاً بالفعل إلى سدّ باب عدم الأقلّ وإلى إيجاده؛ لأنّه قد سُدّ باب عدم الأقلّ وأتي به، وإنَّما الشكّ كلّ الشكّ ينحصر بعد هذا التحليل في الشكّ في فاعلية هذا الوجوب للإتيان بالزائد، والشك في هذه الفاعلية ناتج من أصل انبساط الوجوب على الزائد، وحيث إنَّ انبساطه عليه تحت البراءة عقلاً أو شرعاً كما فرضنا في الوجه الأوَّل، فالشكّ في فاعلية تكليف يكون تحت البراءة ومؤمّناً عنه، لا يكون له أثر لا محالة.

وإنَّما يكون الشكّ في الفاعلية منجّزاً فيما إذا كان ناشئاً من تكليف قد تنجّز في نفسه، لا من تكليف لم يتنجّز في نفسه، وقاعدة (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، معناها أنَّ أي تكليف إذا تنجزت فعليته ووجوده وشك في بقاء فاعليته فلا بُدّ من الجزم بالخروج من عهدة فاعليته، وأمّا هنا فالشكّ في 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() ولو كان وجوب الأقلّ ضمنياً ومرتبطاً بالعاشر يستحيل أن يوجد له فاعلية تجاه الموجود خارجاً، (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الفاعلية لم يكن بلحاظ ما تنجّز وهو وجوب الأقلّ، بل بلحاظ ما لم يتنجّز وهو وجوب الزائد. هذا هو الجواب الأوّل.

[الأمر الثاني(1): ما ذكره الأعلام منهم السيّد الأستاذ]

وحاصله: أنّنا لو قطعنا النظر عما بيّناه في الأوّل وسلّمنا الصيغة التقليدية، وهو أنَّ الشكّ في الامتثال يوجب الشكّ في سقوط التكليف، وتعقّلنا أن يكون الامتثال من مسقطات التكليف، وقلنا: بأنَّ هذا المؤمن الذي يقتصر على الأقلّ يشكّ في سقوط التكليف؛ لأنَّ الأقلّ لو كان امتثالاً كاملاً فقد سقط التكليف ولو لم يكن كذلك لم يسقط، فهو يشكّ في سقوط وجوب الأقلّ وعدمه.

هذا صحيح، بناءً على التنزّل عن الوجه الأوّل، لكن من قال لكم بأنّه من الواجبات عقلاً أو شرعاً إسقاط التكليف بعنوانه؟ هذا ننكر وجوبه شرعاً وعقلاً، بل الواجب عقلا بقانون المولوية هو الإتيان بمتعلّق التكليف إذا تنجّز وتمت عليه الحجّة، فلا بُدّ من الخروج عن عهدته والخروج عن عهدته يتعين عقلاً بالإتيان بمتعلّقه، غاية الأمر(2) أنَّ سقوط التكليف لازم غالبي للإتيان بالمتعلق؛ إذ عادة أنَّ كلّ تكليف يسقط إذا أوتي بمتعلقه؛ ولهذا يقال: إنّه يجب اسقاط التكليف أو يجب تحصيل الجزم بإسقاطه، كلّ ذلك استطراقاً إلى تحصيل 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

() الأمر الثاني.

(2) فإن كان الاسقاط من اللوازم المترتّبة قهراً على الاتيان بالمتعلق فهذا يدخل في العهدة بالتبع، يعني: أن يكون ملازماً لما هو الداخل في العهدة فيترتب قهراً. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

العلم بالإتيان بمتعلّق التكليف. وإلَّا فسقوط التكليف ليس هو مركز الوجوب العقلي مولوياً، بل هو الإتيان بالمتعلق.

فلو فرض في مورد أنّه انفك الإتيان بما تعلّق به التكليف، ولكن مع هذا لم يسقط التكليف، بحيث أمكن أن يؤتى بما تعلّق به التكليف عن سقوط التكليف، بحيث أمكن أن يؤتى بما تعلّق به التكليف، ولكن مع هذا لم يسقط التكليف، هنا لا توجد عهدة أخرى على العبد عقلاً في أن يتصدى لإسقاط التكليف وراء الإتيان بمتعلّقه.

والمقام هو من موارد الانفكاك بناءً على التصور المشهوري لإسقاط التكليف بالامتثال؛ لأنَّ المقدار الذي تنجّز من التكليف بالعلم التفصيلي هو وجوب الأقلّ ونحن نعلم بالإتيان بمتعلّق هذا الوجوب الذي تنجّز بالعلم التفصيلي ولا نشكّ في ذلك، غاية الأمر نشكّ في أنَّ هذا الوجوب المتعلّق بالأقلّ والمعلوم تفصيلاً هل سقط أو لا. لا من ناحية الشكّ في أنّه هل أتينا بمتعلقه أو لا، بل من ناحية الشك(1) في أنّه ضمني أو استقلالي. فالشكّ في السقوط هنا نشأ من ناحية الشكّ

ــــــــــ[68]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذا أيضاً يرجع إلى الشكّ بالإتيان بالمتعلق؛ لأنَّ الوجوب لو كان استقلالياً على الأقلّ فهذا متعلقه، وأمّا لو كان ضمنياً فهذا ليس متعلقه؛ لأنَّ التسعة الضمنية لا تنتهي عند التاسع لا محالة وقد انهيتها عنده على الفرض. إذن، فالشكّ في السقوط ناشئ من الشكّ بالإتيان بمتعلّق التكليف بسائر قيوده. إذن، فالمورد ليس من مورد الانفكاك بين السقوط والاتيان بالمتعلّق، بل هما متساوقان فيه، بل متساوقان مطلقاً، وإن كانت الكبرى المذكورة صحيحة، وهو أنّه لا يجب اسقاط التكليف زيادة على الاتيان بالمتعلق إلَّا أنّه لا صغرى لها أصلاً. (المقرِّر)..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

 في وجود امتداد آخر للوجوب وانبساط زائد له على الجزء العاشر وعدمه، وفي مثل هذا المورد لا يلزم العقل بإسقاط التكليف.

ومثل هذا الشكّ يكون مؤمّناً عنه بالأصول المؤمّنة النافية لوجوب الزائد لا محالة، ولا يدخل في قاعدة: أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، فإنَّ هذه القاعدة تحكم بوجوب الخروج عن عهدة التكليف المعلوم، ولكن بم يخرج عن عهدة التكليف، هل يخرج عن عهدته بالإتيان بمتعلقه جزماً أو بإسقاطه جزماً؟ فهذا لا يُبيّن في هذه القاعدة.

 والصحيح أنّه يخرج عن عهدته بإتيان بمتعلقه جزماً أو اسقاطه جزماً، فهو إن كان ملازماً مع الإتيان بالمتعلق فهو، وإلَّا فلا يكون داخلاً في العهدة برأسه مستقلاً. وهذا الجواب صحيح وتامّ لو سايرنا التصور المشهوري.

[الأمر الثالث: لوجوب الاحتياط]

كان الكلام في مناقشة الوجه الثاني لوجوب الاحتياط وهو القائل بأنّنا نترك العلم الإجمالي لانحلاله بالتفصيلي بوجوب الأقلّ، ونتمسك بهذا العلم التفصيلي فإنّه ينجّز معلومه ويوجب اشتغال الذمّة بالأقل، فيدخل تحت قانون: أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، ولا فراغ يقيني إلَّا إذا علم بسقوط هذا الوجوب، ولا علم بسقوط وجوب الأقلّ إلَّا إذا أتى بالأكثر، فلا بُدّ من الإتيان به.

فإن(1) قيل من قبل أصحاب هذا الوجه القائلين بالاحتياط: إنّنا لا ندّعي 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

() وهنا لخّص الوجهين السابقين في مناقشته، ثُمَّ ذكر الوجه الثالث على شكل: إن قلت قلنا، وقال: فإن… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أنَّ نفس عنوان اسقاط التكليف يكون من العناوين الواجبة عقلاً والداخلة في العهدة مولوياً، لينكر ثبوت ذلك بحسب مدركات العقل العملي. وإنَّما نقول: إنَّ وجوب الأقلّ المعلوم تفصيلاً، إذا فرض أنّه كان وجوباً استقلالياً، فله امتثال استقلالي وله مخالفة استقلالية، وأمّا إذا كان وجوباً ضمنياً، فحيث إنَّ الوجوب الضمني ليس له وجود بحياله في عالم الوجوب، فليس له امتثال بحياله ولا عصيان بحياله، بل يكون امتثال الأمر المتعلّق بالكل امتثالاً له ومخالفته مخالفة له، فالأمر بالفاتحة لا يكون امتثاله وعصيانه بالإتيان بالفاتحة أو تركها، بل امتثاله بامتثال الأمر بالصلاة وعصيانه بعصيانه، فكل ما يكون مخالفة لأمر (صلِّ) هو مخالف لهذا الأمر الضمني، وكلّ ما يكون امتثالاً له فهو امتثال له، كما يقتضيه ضمنيته.

وحينئذٍ يقال: إنَّ هذا الوجوب المتعلّق بالأقلّ المعلوم تفصيلاً هو وجوب مردّد بين أن يكون استقلالياً أو ضمنياً، ومعناه أنّه على التقدير الثاني، أي: لو كان ضمنياً مندكّاً في جانب الوجوب المتعلّق بالعشرة، فكل ما يكون مخالفة للوجوب المتعلّق بالعشرة يكون مخالفة له، وكل ما يكون امتثالاً له يكون امتثالاً له. وحينئذٍ فهنا حيث إنَّ العقل يحكم بوجوب امتثال الأمر بالأقلّ وقبح مخالفته يشكّ المكلّف خارجاً في أنّه لو اقتصر على الأقلّ ولم يأت بالزائد هل صدرت منه المخالفة أو لم تصدر، فهو شكّ في المخالفة بعد تنجّز قبحها بحكم العقل ووصول الأمر من قبل الشارع، وفي مثل ذلك يكون هذا مجرى لأصالة الاشتغال.

هذا غاية ما يمكن أن ينمّق من الألفاظ في توجيه هذا الكلام، وهو بعد لا 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يخرج عن كونه تنميقاً لفظياً لا أكثر، وإلَّا فهذا شعر وليس حقيقة أن يقال: بأنَّ الوجوب الضمني حيث إنَّه في عالم الجعل مندّك في الوجوب الكلّي فكذلك في عالم الموافقة والعصيان يكون مندكّاً في الوجوب الكلّي. 

إلَّا أنّه بقطع النظر عن شعرية هذا التصور وجرياً معه نقول: بأنّا سلّمنا أنَّ الأمر بالأقلّ المعلوم بالتفصيل على تقدير أن يكون أمراً ضمنياً فهو تتحقق مخالفته بترك العاشر وإن أتي بالأقل؛ لأنّه ضمني وكل ما يكون مخالفة للأمر الكلّي يكون مخالفة له. إذن، فالمكلّف إذا اقتصر على تسعة ولم يأت بالعاشر فهو يشكّ في مخالفة هذا الأمر المعلوم بالتفصيل؛ لأنّه لو كان ضمنياً فقد خالفه. 

افرضوا هكذا، لكن مع هذا يمكن لأصحاب البراءة أن يدّعوا الانحلال في عالم نفس المخالفة بأن يقال: إنَّ هذا الوجوب المعلوم تعلقه بالأقلّ تفصيلاً، إمّا له نحو واحد من المخالفة أو نحوان؛ لأنّه إن كان أمراً نفسياً استقلالياً فله نحو واحد من المخالفة وهو ترك الأقلّ (التسعة)، وأمّا إذا كان أمراً نفسياً ضمنياً فله نحوان من المخالفة: أحدهما هو ترك التسعة؛ لأنّه مصداق لترك العشرة لا محالة، والآخر: ترك العاشر؛ لأنّه أيضاً مصداق لترك العشرة، فترك الأقلّ مخالفة لهذا الوجوب المعلوم بالتفصيل على كلا التقديرين، وأمّا ترك الزائد فهو مخالفة على تقدير دون تقدير، ففي عالم المخالفة ينحلّ علمنا الإجمالي إلى علم تفصيلي بأنَّ هذا مخالفة وشك بدوي في أنَّ ذاك مخالفة، فيكون مجرى للبراءة عقلاً وشرعاً؛ لأنّه لا يكفي في الخروج عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية أو الشرعية، أن يتمّ بيان على أصل وجوب الأقلّ، بل لا بُدّ وأن 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يتمّ بيان آخر على أنَّ العمل الفلاني مخالفة، وهذا لم يتمّ عليه البيان لانحلال المطلب إلى العلم التفصيلي بكون ترك الأقلّ مخالفة والشكّ البدوي في أنَّ ترك الزائد مخالفة(1).

هذا هو تمام الكلام في الوجه الثاني مع إبطاله.

الوجه الثالث: شبهة الغرض

الوجه الثالث: من الوجوه التي استدل بها القائلون بالاحتياط على لزوم الإتيان بالأكثر، هو التمسك بالغرض في المقام. 

وحاصل تقريب هذا الوجه يكون ببيان مقدمات:

المقدّمة الأولى: أنّه في مسألة الشكّ في المحصّل ودوران أمر المحصّل 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: المخالفة حرام عقلي، إلَّا أنّها حرام بوجودها الواصل لا بوجودها الواقعي وإن لم تصل، فإنّها حينئذٍ تكون محكوماً عليها بالبراءة عقلاً أو بإمضاءاتها الشرعية، باعتبار أنّها مما لا يعلم، فتكون مرفوعة باعتبار مؤونتها.

وهنا قال أحد الاخوان: ألَا يأتي هذا الكلام في الشكّ في المحصّل إذا دار الأمر بين الأقلّ والأكثر؟ 

فأجاب: لا يأتي؛ لأننا تارة نعلم أنَّ الشيء الفلاني مخالفة، لكن نشكّ في أنّه هل وقع خارجاً منا أو لم يقع، كما لو كنت أعلم أنَّ قتل زيد مخالفة، ولكن لا أدرى أنَّ هذه المخالفة وقعت منّي أو لا. فهي شبهة مصداقية للمخالفة لا حكمية لها. وأمّا في المقام فأنا أشكّ بنحو الشبهة الحكمية الكلية في أنَّ ترك الزائد مخالفة أو ليس بمخالفة، لا أنّي أعلم أنّه مخالفة وأشكّ أنّه صدر منّي أو لا. وهذا هو الفرق بين هذا وبين موارد للشكّ في المحصل. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

للواجب بين الأقلّ والأكثر، وفي تلك المسألة لا إشكال في جريان أصالة الاشتغال، فمثلاً لو أوجب المولى قتل الكافر، فالواجب أمر معلوم غير مردّد وهو قتل الكافر، ولكن محصل هذا القتل ومقدماته مرددة بين الأقلّ والاكثر، لا يعلم أنّه هل يقتل بضربة واحدة أو بضربتين. هنا لا إشكال من جريان أصالة الاشتغال ووجوب تحصيل الجزم بالنتيجة بالإتيان بتمام ما يحتمل دخله في تحصيلها؛ لأنّه من موارد أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني). إذن، فالشكّ في محصل الواجب يكون مجرى لأصالة الاشتغال دائماً.

المقدمة الثانية: أنّنا في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر إذا نظرنا إلى نفس الوجوب والتكليف المجعول شرعاً، فالمسألة من باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في نفس الواجب لا في محصّله؛ لأنَّ نفس الوجوب تعلّق بمركب مردّد بين التسعة والعشرة، ولكن إذا نظرنا إلى الغرض والملاك المولوي الذي هو وراء التكليف والخطاب، إذ إنَّ كلّ تكليف لا بُدّ وأن ينشأ لا محالة من غرض لزومي اقتضى جعله، فحينما أمر المولى بالصلاة لا بُدّ وأن يكون هناك غرض دعاه إلى الأمر بها كمعراجية المؤمّن، أو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر. 

وإذا نظرنا هنا بلحاظ هذا الغرض وهو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، نرى أنَّ شكنّا شكّ في المحصل؛ لأنَّ الركوع والسجود والتكبير نسبتها إلى الغرض نسبة المحصّل إلى المحصّل ونسبة المقدمات إلى النتيجة كنسبة الضربات إلى قتل الكافر. 

المقدمة الثالثة: أنَّ العقل لا يفرق في اللزوم بين التكاليف المولوية والأغراض 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المولوية، فكما يحكم العقل بلزوم تحصيل الواجب المولوي كذلك يحكم بلزوم تحصيل الغرض المولوي. 

فإذا جمعنا هذه المقدمات الثلاثة ينتج وجوب الاحتياط؛ لأنَّ محلّ الكلام من موارد الشكّ في المحصّل للغرض المولوي، بحكم المقدمة الثانية، والشكّ في المحصّل للغرض كالشكّ في المحصّل للواجب، بحكم المقدمة الثالثة، والشكّ في المحصّل للواجب مجرى لإصالة الاشتغال بحكم المقدمة الأولى. إذن، فيتعيّن في المقام إجراء أصالة الاشتغال ووجوب الاحتياط. هذا هو تقريب هذا الوجه.

والجواب عن هذا الوجه يكون بأمرين:

[الجواب الأوّل] جواب النائيني عن ذلك ومناقشته

الأمر الأوّل ما أفاده(1) المحقّق النائيني، فإنّه ناقش هذا الوجه عن طريق تقديم مقدمة قال فيها: إنَّ الأغراض المولوية التي ينشأ منها الحكم الوجوبي على قسمين:

تارة: يكون نسبة الواجب إليها نسبة العلّة التامة إلى معلولها من قبيل غرضية رفع العطش لإلقاء الماء في فم العطشان، أو غرضية احتراق الورقة لإلقائها في النار، فالواجب هنا وهو إلقاء الورقة في النار، علّة تامّة لتحصيل ذلك الغرض.

 وأخرى: يكون الواجب من المقدمات الاعدادية لحصول ذلك الغرض، 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

() أي نكتة ما أفاده. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ويكون الغرض متوقفاً على مقدمات أخرى خارجة عن اختيار المكلّف أصلاً، غاية الأمر أنَّ المولى ألزم العبد بهذه المقدمات الاعدادية برجاء أن تنضم إليها المقدمات الأخرى فيترتب عليها الغرض، كما لو أمر المولى الفلاح بأن يضع البذر في التربة فهي مقدمة اعدادية لخروج الثمر وهناك مقدمات أخرى خارجة عن الاختيار.

أمّا القسم الأوّل من الغرض، فهو لازم التحصيل عقلاً، بل بحسب الحقيقة، يكون هو محط الوجوب شرعاً، سواء قال المولى: (أحرق الورقة)، أو قال: (ألقِ الورقة في النار)، العرف يفهم من هذا الخطاب أنَّ المولى أوجب عليّ احراق الورقة، فيكون نفس الغرض لازماً التحصيل شرعاً وواجب الاستيفاء عقلاً. وأمّا الغرض من القسم الثاني، فهو ليس واجباً لا شرعاً ولا عقلاً، وذلك لأنّه غير مقدور؛ لأنَّ المفروض توقّفه على مقدّمات غير اختيارياً، فلا يكون إيجاد الثمر بالنسبة إلى الفلاح غرضاً واجباً لا شرعاً ولا عقلاً، وإنَّما يكون الواجب شرعاً وعقلاً هو تهيئة هذه المقدمات الاعدادية التي جاءت تحت خطاب المولى.

أمّا أنّه كيف نعرف في مورد أنَّ الغرض من هذا القبيل أو ذاك؟ فإنّه إن فرض أنَّ الخطاب الشرعي تعلّق بالفعل، نعرف أنَّ للغرض من قبيل القسم الثاني دون الأوّل؛ لأنَّ الغرض إن كان من قبيل القسم الأوّل، لناسَبَ أن يتعلق به الوجوب ابتداء لا أن يتعلق بمقدمته، ومن المعلوم أنّه في واجباتنا الارتباطية انصبت الخطابات الشرعية على الافعال، لا على الأغراض؛ إذ قال: 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

 (اقيموا الصلاة)، ولم يقل: (انتهوا عن الفحشاء والمنكر)، فيستكشف من ذلك أنَّ الغرض من الصلاة الواجبة من سنخ القسم الثاني لا من سنخ القسم الأوّل، وإذا كان من سنخ القسم الثاني، فلا يجب تحصيله لا شرعاً ولا عقلاً لأنّه غير مقدور.

هذا حاصل ما أفاده المحقق النائيني في الجواب عن هذا الوجه.

هذا الجواب ناقش فيه السيّد الأستاذ، وقال: بأنَّ هذا خلط بين الغرض الاقصى والغرض المباشر، فإنَّ الواجب المولوي كالصلاة مثلاً لها غرضان: غرض اقصى ولنفرضه الانتهاء عن الفحشاء والمنكر أو تكامل النفس، وهذا
-كما يقول الميرزا- يتوقّف على مقدمات غير اختيارية ولا يجب تحصيله، وهناك غرض مباشر بحيث يترتّب على وقوع الصلاة خارجاً، ولنفرضه أنّه هو الإعداد والتهيؤ لفيضان ذلك التكامل عليه من قبل الله تعالى، ونسبة الفعل إلى هذا الغرض المباشر هو نسبة العلّة إلى المعلول لا نسبة المقدمات الإعدادية، فحال الفعل مع الغرض المباشر دائماً يكون من قبيل القسم الأوّل وإن كان حاله مع الغرض الاقصى يكون من قبيل القسم الثاني. وحينئذٍ فيجب تحصيل هذا الغرض شرعاً وعقلاً، وعليه فيكون مقامنا من قبيل الشكّ في المحصّل ويعود الإشكال مرة أخرى.

إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده السيّد الأستاذ في مقام الاعتراض على المحقّق النائيني غير تامّ، بمعنى: أنّه يمكن توجيه كلام المحقّق النائيني بحيث لا يرد عليه هذا الاعتراض، وحاصل الجواب: أننا لو سلّمنا أنَّ هناك غرضين 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

للمولى: غرض اقصى غير اختياري وغرض أدنى اختياري، ونفرض أنَّ هذا الغرض الأدنى هو الإعداد للأقصى، ولكن من قال لك بأنَّ هذا الأدنى الذي هو الإعداد للأقصى، هو غرض وحداني بسيط يترتّب على مجموع هذه الأفعال؟! بل لعلّه عبارة عن إعدادات متعددة بعدد أجزاء الصلاة، بمعنى: أنَّ كلّ جزء من الصلاة له نحو من الإعداد غير الإعداد الذي يترتّب على الجزء الآخر، وهذه الإعدادات بمجموعها تشكّل تمام ما باختيار الإنسان مما يقرب إلى ذلك الغرض الاقصى، ولا يبقى بعدها إلَّا التوفيق الإلهي. 

إذا فرضنا أنَّ الغرض الأدنى كان غرضاً وحدانياً بسيطاً مترتّباً على مجموع هذه الأجزاء فيصير الشكّ شكاً في المحصل؛ لأنَّ هذا الغرض الوحداني، لا أدري أنّه هل يتحقق بالتسعة أو يتحقق بالعشرة. 

وامّا إذا فرضنا أنَّ الغرض الأدنى كان عبارة عن أغراض متعددة بعدد أجزاء الصلاة ومترابطة باعتبار أنّها بمجموعها أغراض مقدمية لغرض أقصى، فكل جزء من أجزاء الصلاة له نحو من الإعداد وهو متعلّق لغرض مقدمي ناشئ من ذلك الغرض الأقصى.

فحينئذٍ، لو لاحظنا الغرض الأدنى يكون هناك دوران بين الأقلّ والأكثر في نفس الغرض لا في محصله، يعني لا يدري بأنَّ الأغراض الإعدادية أهي تسعة أم عشرة.

وهذا هو الذي ينبغي أن يكون جواباً برأسه عن هذه الشبهة، يعني عن تقريب وجوب الاحتياط بالغرض؛ وذلك بأن يقال لهؤلاء: بأنَّ كلامكم مبني 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

على أن يكون الغرض من الصلاة الواجبة، غرضاً وحدانياً بسيطاً موجوداً بوجود مترتب على مجموع الأجزاء. وأمّا إذا فرض أنه كان عبارة عن أغراض متعددة في المقام، وكان كلّ جزء يحصل واحداً من هذه الأغراض، وإن كانت هذه الأغراض متآلفة باعتبار وقوعها في طريق غرض واحد اقصى، فحينئذٍ يكون الدوران ما بين الأقلّ والأكثر في نفس الغرض، لا دوراناً بين الأقلّ والأكثر في المحصِّل، وحينئذ يكون جواباً تامّاً. هذا هو الجواب الأوّل عن التقريب الثالث.

التحقيق في الجواب

ولكن(1) هذا التصور الذي يرتكز عليه هذا البيان لا دليل عليه؛ إذ لا ملزم لأن نفترض أنَّ (اقيموا الصلاة) ورائها غرض وحداني بسيط مترتب على مجموع أجزاء الواجب الصلاتي على حدّ ترتب المعلول على علّته التامّة، بل يمكننا أن نتصوّر الغرض بأنحاء أخرى بحيث لا يكون من موارد الشكّ في المحصل، بل يكون من موارد الشكّ في نفس الغرض ويكون من باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في نفس الغرض. إذن، فلا بُدّ لنا من القيام بفرضيات تناسب مع هذا التصور حتّى لا يتعين هذا القصور، وحينئذٍ لا يتمّ مدّعى القائل بوجوب الاحتياط، فلا بُدّ أن نتصوّر غرضاً بحيث لا يسجّل علينا وجوب الاحتياط على نحو الشكّ في المحصل، وذلك يكون بعدة تصويرات:

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() قال بعد بيان الوجه الثالث، بعد دفع الإشكالات الموردة عليه: ولكن… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التصوير الأوَّل: هو المستوحى من كلام المحقّق النائيني:

وحاصله: أن نفرض غرضاً أقصى ونفرضه الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وهو غرض وحداني بسيط، ونسبة الصلاة إليه نسبة المقدمات الإعدادية، فهو يتوقّف زائداً على وجود الصلاة على أمور كثيرة جداً، لكن تلك الأمور ليست مربوطة باختيار المكلّف، بل مربوطة باللطف الإلهي، كغرض خروج الثمر بالنسبة إلى بذر الزرع، وحينئذٍ فيقال: إنَّ الغرض الأقصى من الواجب وإن كان وحدانياً بسيطاً، ولكنّه لا يجب تحصيله؛ لأنّه يتوقّف على مقدمات أخرى غير اختيارية فهو -بالتالي- غير اختياري. نعم، له مقدمات إعدادية اختيارية لا بُدّ من تحصيلها وهي عبارة عن أجزاء الصلاة. وحينئذٍ فأين يتصور في المقام غرض يحكم العقل بوجوب تحصيله، إن كان هذا الغرض هو الغرض الأقصى فهو غير اختياري لتوقفه على مقدمات غير اختيارية، فلا يبقى أمام المكلّف من مسؤولية إلَّا مسؤولية تجاه الواجب، والواجب مردّد بين الأقلّ والأكثر.

هذا هو ما أفاده المحقّق النائيني.

ثُمَّ إنَّ السيّد الأستاذ اعترض عليه بتقديم فرضية غرضين، غرض أقصى وغرض داني ملاصق مع الفعل ونسبته إليه نسبة المعلول العلّة التامّة، وهذا يحكم بوجوب تحصيله أصلاً.

وقلنا في جوابه: من قال لكم إنَّ هذا الغرض الداني بسيط كالغرض الأقصى، بل لعلّه عبارة عن مجموعة استعدادات بعدد الأجزاء. إذن، فيكون هذا الغرض الداني بنفسه مركباً ومردداً بين الأقلّ والأكثر، فأيضاً تجري البراءة عن الزائد، حاله حال نفس الواجب، فإذا نظرنا إلى الغرض الأقصى فهو وإن 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

كان واحداً بسيطاً نشكّ في محصله، ولكن لا يجب علينا تحصيله؛ لأنّه غير اختياري، وإذا لاحظنا الغرض الداني فلعله مركب ويكون بنفسه مردّداً بين الأقلّ والأكثر.

هذا هو التصوير الأوّل للغرض بنحو لا تأتي شبهة الشكّ في المحصل، ولكن فيه نقطة ضعف، وحاصلها: إن الميرزا فرض أنَّ الغرض الأقصى الذي يتوقّف على مقدمات غير الصلاة، فرض أنَّ هذه المقدمات غير اختيارية، وأنَّ تمام المقدمات الاختيارية للغرض الاقصى قد أمر بها المولى، وإنَّما لم يأمر بغيرها من المقدمات لأنها غير اختيارية.

إذن، فنحن إذا شككنا أنَّ الصلاة الواجبة هل هي تسعة أجزاء بلا سورة أو عشرة مع السورة، فمعناه نشكّ في أنَّ السورة هل هي من المقدمات الإعدادية الاختيارية لحصول ذلك الغرض أو ليس منها. وحينئذٍ قد يقال: بأنَّ العقل يحكم بلزوم الإتيان بالسورة؛ لأنَّ عدم الإتيان بالسورة يحتمل كونه مفوتاً للغرض الاقصى، وهذا الغرض يجب تحصيله بقدر الإمكان ويجب سدّ جميع أبواب عدمه الداخلة تحت اختيار المكلّف، وحينئذ لا بُدّ من(1) الإتيان بهذه 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

() هذا الإشكال باطل ولا يجب الاتيان بالسورة؛ لأنَّ الاتيان بجميع المقدمات الاختيارية بعنوانه ليس واجباً ليكون الشكّ في محصله، وإنَّما غاية ما يمكن أن يقوله الميرزا: هو أنني عرفت بدليل من الخارج أنَّ ما أمرني به المولى من المقدمات الاختيارية هي تمام ما تحت الاختيار من المقدمات أمّا سواها من المقدمات فليست اختيارية. إذن، فيجب أن أعرف مقدار متعلّق الأمر، فإن كان عشرة فالمقدمات الاختيارية التي يجب تحصيلها عشر، وإن كان تسعة فهي تسع. وحينئذٍ يكون العاشر مجرى للبراءة للشكّ بالأمر به ابتداء، وبإجراء الأصل يتنقّح ظاهراً أنَّ العاشر ليس مأموراً به، فليس من المقدمات الاختيارية أساساً؛ إذ لو كان منها لأمر به على ما فرضنا قيام الدليل عليه. فتأمّل فإنّه دقيق. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

السورة، ولا يكفي احتمال عدم كونها مقدمة إعدادية لعدم وجوب الإتيان بها. هذه هي نقطة الضعف.

التصوير الثاني: ففي التصوير الثاني سأحتفظ على جوهر كلام الميرزا مع تجريده عن نقطة الضعف هذه، وذلك بأن نفرض غرضاً أقصى وهو يتوقّف على مقدمات كثيرة جداً بعضها هي الصلاة ومقدمات أخرى، ونفرض أنَّ هذه المقدمات كلها اختيارية للمكلف وليس فيها أمر غير اختياري، ولكن مع هذا لا يأمر المولى بتمام هذه المقدمات ويترك الباقي للصدفة والاتفاق لمحذور في الالزام بباقي المقدمات، أمّا لمصلحة التسهيل أو لضعف في نفس محرّكية ذلك الغرض؛ يأمر بهذه المقدمة فقط.

كما لو كان لك غرض في تحصيل كتاب معين وتأخّر الخادم بالذهاب والتفتيش عنه في المكتبة الفلانية، وتكتفي بهذا المقدار من الفحص، رغم أنَّ سائر المقدمات اختيارية للخادم، كالسؤال عن الكتاب في بغداد، مع هذا أنت تبعّض في المقدمات فتأمره ببعضها دون البعض الآخر.

فهنا نفرض أنَّ الغرض الاقصى له مقدمات كثيرة جلّها وإن كان اختيارياً لكن المولى لا يحركه الغرض نحو تحصيلها والأمر بها وإنَّما يحركه نحو بعض مقدماته وهي الأجزاء الصلاتية، فإذا شككنا بأنَّ السورة ما هي هل هي جزء 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

من الواجب أو لا. يعني: نحتمل أن تكون السورة دخيلة في تحصيل الغرض، ونحتمل أن لا تكون دخيلة فيه، وعلى تقدير دخالتها في تحصيله نحتمل أن تكون هي من المقدمات الإعدادية التي لا يريدها المولى، ونحتمل أنّها من المقدمات التي يريدها، فهنا لا يحكم العقل بوجوب التحصيل؛ لأنَّ الغرض بنفسه لم يتصدّ المولى لسد تمام أبواب عدمه الواقعة تحت اختيار المكلّف، ليحكم العقل حين الشكّ بلزوم احراز سدّ تمام أبواب العدم، بل هو سنخ غرض لا يقتضي إلَّا سدّ بعض أبواب العدم، وأنّا لا ادري أنَّ هذا من جملة تلك الأبواب أو ليس منها فهذا يكون مجرى للبراءة عقلاً وشرعاً بلا إشكال وخالياً من نقطة الضعف الموجودة في التصوير الأوّل.

هذا هو التصوير الثاني.

وفي كِلا التصويرين الأوّل والثاني تصوّرنا غرضاً أقصى وأنّه يتوقّف على مقدمات أكثر من الصلاة، لكن في الأوّل افترضنا أنَّ هذا الغرض لازم التحصيل من قبل المولى من جهة سائر مقدماته الاختيارية. وأمّا في التصوير الثاني فرضنا أنَّ المولى لا يتصدى لذلك، وأنَّ بعض أبواب عدمه الواقعة تحت الاختيار لا يلزم المولى بسدها.

التصوير الثالث: لإبطال الدليل الذي أقيم على وجوب الاحتياط.

أن نفترض أنَّ الغرض للمولى هو نفس الفعل بحيث إنَّ نفس الفعل هو الداعي للمولى إلى الأمر به، وهذا يتصور بأحد تقريبين:

إمّا بأن يكون نفس الفعل محبوباً ذاتياً للمولى، من قبيل السجود بقطع النظر عن أيّ شيء يترتّب عليه.

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وإمّا أن يكون الملاك في عنوان ثانوي منطبق على الفعل بعد تعلّق الأمر به وهو عنوان الطاعة.

كما قلنا في بعض الأيام(1): إنَّ من أهم المصالح ووسائل التربية للعبد هو أن يمارس طاعاته لربه أو طاعة لربه، فلو فرضنا أنَّ الصلاة من حيث كونها ركوعاً وسجوداً وقراءة لا يوجد فيها مصلحة، والصوم من حيث كونه إمساكاً، ولكن هناك مصلحة كبيرة في أن يمارس العبد طاعة لربه. إذن، فالمولى يتصدّى؛ لأن يحقق عنوان الطاعة، فيأمر بالصلاة، لكن ينطبق عليها عنوان الطاعة لكي يتربّى الإنسان على ممارسة طاعة الله، فيكون الأمر بالصلاة بداعي ملاك هو المحبوبية الذاتية لنفس الطاعة، وأن يمارس العبد وظيفة العبودية طِبق ما تقتضيه قوانين التنجيز والتعذير بينه وبين مولاه.

إذن، فمثل هذا الملاك يكون أمره دائراً بين الأقلّ والأكثر في نفسه وبعد إجراء البراءة عن الزائد، يكون هذا الملاك محفوظاً في ضمن الأقل؛ لأنَّ الأقلّ يكون هو الطاعة بمقتضى قواعد التنجيز والتعذير، ولا يأتي باب الشكّ في المحصّل بوجه من الوجوه(2).

ــــــــــ[83]ــــــــــ

() خارج البحث. (المقرِّر). 

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: إنَّ هذا بناءً على التصوير الثاني، أمّا بناء على التصوير الأوّل يكون من باب الأقلّ والأكثر؛ إذ لا ندري أنَّ المحبوب الذاتي للمولى سجود واحد أو سجودان، يعني: أنَّ الغرض هو نفس الوجوب، وحيث إنَّ الواجب دائر بين الأقلّ والأكثر فالغرض كذلك. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التصوير الرابع: هو أن نفرض غرضاً وحدانياً مترتّباً على مجموع أجزاء الصلاة، وهو أمر واحد مشكك من حيث المرتبة، قابل للشدة والضعف، كحالة الارتواء بالماء، فإنّه له مراتب: تحصل بكأس واحد ومرتبة لا تحصل إلَّا بكأسين من الماء، فلو قال المولى العرفي: (أعطني ماء) وتردد أمر الواجب بين كاس واحدة أو كأسين، فنفس هذا التردّد بأننا لا ندري أنَّ غرض المولى هل هو المرتبة الضعيفة من الارتواء أو القوية، إن كان غرضه المرتبة الضعيفة، فقد أمر بكأس واحد، وإن كان غرضه هو المرتبة الشديدة من الارتواء فقد أمر بكأسين. فهنا إذا لاحظنا المسألة على مستوى الواجب فالأمر دائر بين الأقلّ والأكثر، أي بين كأس واحد وكأسين، وإذا لاحظنا على مستوى الغرض فأيضاً دائر بين الأقلّ والأكثر؛ لأنّا لا ندري أنَّ غرضه هو الارتواء الأقل أو الأشدّ درجة، فيكون من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الغرض أيضاً وتجري البراءة عن الزائد.

التصوير الخامس: أن نفرض أغراضاً متعددة عرضية كلّ غرض يترتّب على جزء من أجزاء الصلاة، كلّ جزء يترتّب عليه غرض ونكتة في نفسها، غاية الأمر أنَّ هذه النكات النفسية المتعددة التي تترتّب على الأجزاء لا تكون مصلحة وكمالاً للإنسان ومحبوبة للمولى إلَّا في حالة اجتماعها. كالجرأة بلا تروٍّ ليست كمالاً للإنسان، وكذلك التروّي بلا جرأة، وإنَّما كماله أن يكون جريئاً مع العقل والتأمّل، فالجرأة مع التروي كِلاهما يشكلان معاً كمالاً للإنسان

 ففي مثل ذلك يكون الغرض واحداً وإن كانت النكات متعددة، فإنها 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تشكّل كمالاً واحداً للإنسان؛ لأنَّ وجود أحدها دون الآخر ليس كمالاً. وهذا واضحٌ في مصراعي الباب وفردي الحذاء، فهذه النكات التي تترتّب على كلّ واحد من الأجزاء، فنصوّرها نكاتاً نفسية أصلية، إلَّا أنّها بمجموعها تشكّل كمال النفس ومن هنا جاءت الارتباطية. وحينئذٍ يكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر على مستوى الغرض أيضاً لا على المستوى الواجب(1). هذا هو التصوير الخامس.

فهذه التصويرات الخمس أو الأربع -لو اسقطنا الأوّل باعتبار نقطة الضعف فيه- تبرهن على أنّه لا ضرورة لافتراض غرض وحداني بسيط يكون مترتّباً على الواجب على حدّ ترتب المعلول على علّته التامّة، حتّى تأتي شبهة تحصيل الجزم به عن طريق الإتيان بالأكثر؛ لأنَّ المقام من قبيل الشكّ في المحصل.

هذا هو تمام الكلام في الجواب الأوّل عن الشبهة.

فإذا(2) فتحنا هذا الباب، وهو باب تصوير كون الغرض في المقام أمراً مركّباً ويدور نفسه بين الأقلّ والأكثر. فحينئذٍ تجري البراءة عقلاً وشرعاً.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: في الفرق بين هذا التصوير والتصوير الأوّل: إذ في التصوير الأوّل تصورنا أغراضاً متعددة تترتّب على الأجزاء، ومنها يترتّب غرض أقصى واحد، إلَّا أنّه في هذا التصوير قال: كمال النفس هو عين هذه الأمور، لا أنّه بعد الشجاعة والتروي يترتّب كمال النفس، بل كماله بهما حال كونهما توأمين. (المقرِّر). 

(2) قال بعد عنونة المسألة وبعض التلخيص: فإذا… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في جريان البراءة عن الغرض

أمّا البراءة عقلاً -عند من يقول بها تمسكاً بقانون (قبح العقاب بلا بيان)- فتقريب جريانها واضح؛ لأنَّ البيان تمّ على جزء من الغرض ولم يتمّ على الزائد، فكما قلنا في الوجوب: إنَّ البيان تمّ على وجوب الأقلّ ولم يتمّ على وجوب الزائد، كذلك يقال هنا: إنَّ البيان تمّ على غرضية الأقلّ، أي: الاستعدادات التسعة دون غرضية الزائد، فيكون العقاب على تفويت الغرض من ناحية الزائد عقاباً بلا بيان، إذا لم يتمّ البيان على غرضية الزائد ولو ضمناً. وأمّا البراءة الشرعية -كما قلنا في بحث البراءة- فلها لسانان أحدهما: (رفع ما يعلمون) وما كان من قبله، فقد يستشكل بالتمسك به في المقام، بتقريب: أنَّ غاية ما صنعناه حتّى الآن أننا تصوّرنا الغرض أمراً مركباً مردّداً بين الأقلّ والأكثر فصار الأقلّ متيقناً واصبحت غرضية الزائد مشكوكة بالشك البدوي، ولكن هل أنَّ كلّ مشكوك بدوي يشمله (رفع ما لا يعلمون)؟

قد يقال: لا، فإنّه بقرينة بيان البراءة هنا بلسان الرفع المقابل للوضع، ظاهر أنَّ المرفوع مصبّ الرفع هو سنخ شيء يكون من أفعال الحاكم، فإنَّ الفعل هو الذي يكون مرفوعاً وموضوعاً، أي الحكم، أي هذه العناوين الكثيرة التي ينتزعها الناس من خطاب المولى حينما يبرز فيه ارادته فيقول: (اقيموا الصلاة)، حيث ينتزع منه عرفاً أنّه ايجاب وإلزام وتحصيل وبحث وتحريك. ونسبة هذه العناوين إلى صاحب الخطاب نسبة الفعل إلى الفاعل، وهي العناوين التي تناسب مع الرفع والوضع، فبقرينة الرفع يضمّ أن المرفوع هو جنبة الحكم، أي: 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

جنبة هذه العناوين، لا جنبة الأغراض والملاكات والمصالح النفس الأمرية التي لا تكون تحت يد الحاكم بما هو حاكم ولا تكون نسبتها إليه نسبة الفعل إلى الفاعل. إذن، فلسان (رفع ما لا يعلمون) منصب ابتداء على التكاليف والأحكام المشكوكة بدواً، ولا يشمل الأغراض المشكوكة بدواً.

وهذا الإشكال وإن لم يكن صحيحاً، إلَّا أنّه ليس صحيحاً على ضوء الجواب الثاني، ونحن الآن نريد أن نتممّ المسألة قبل الوصول إلى جواب آخر، فلنسلم موقّتاً بأنَّ مثل هذا اللسان لا ينفعنا.

إلَّا أنَّ اللسان الآخر في أدلّة البراءة الذي هو على مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، يفي بالمقصود. كلسان وَمَا كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا(1) ووَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ(2) هذا اللسان الذي بعض أدلّته تحت دلالتها عندنا في بحث البراءة، مضمونه أنّه لا عقاب قبل الوصول، وهذا فيه إطلاق لأي شيء يكون منشأ للمؤاخذة وللتحميل على فرض الوصول، فيكون شاملاً للأغراض المشكوكة بدواً أيضاً على حدّ شموله للتكاليف المشكوكة بدواً، فتتمّ البراءة عقلاً وشرعاً بهذا البيان.

هذا تمام الكلام في الجواب الأوّل عن هذا الوجه. 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

(1) الإسراء: 15. 

(2) التوبة: 115.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الجواب الثاني عن هذا الوجه ومناقشته

الجواب الثاني وفيه نعترف بالفكرة الاساسية التي ادعاها الخصم، وهي أنَّ الغرض المولوي هو غرض وحداني بسيط مترتّب على الواجب على حدّ ترتب المعلول على علّته التامّة، ولا نبدي في مقابله احتمالات الوجه الأوّل، ومع هذا نقول: إنّه لا يجب الاحتياط من ناحيتها لا على مسلك البراءة العقلية ولا على مسلك البراءة الشرعية.

أمّا مسلك البراءة العقلية، مسلك الذين يؤمنون بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فهؤلاء يعتقدون، بأنَّ كلّ مطلب كان المولى قد أخذ على عهدته أن يبيّنه فلم يصل بيانه إلينا فنحن لسنا في تبعة ولا مؤاخذين من ناحية ذلك المطلب، وبقبح العقاب من ناحية. هذا ما يدركه عقلهم، وهذا الملاك مندرج في قاعدة قبح العقاب وهناك فيها ما هو أوسع منه.

على هذا الضوء يقال حينئذٍ: إنَّ أغراض المولى وملاكاته على قسمين: 

تارة: يكون الفرض بنحو بحيث يتصدى لإيصال هذا الغرض إلينا ويلزمنا به ويحمّلنا نحن تبعة التفتيش عن مقدماته ومحصلاته كقتل الكافر، فإنّه غرض من أغراض المولى، فهو يوصل إلينا عنوان غرضه فيقول: اقتلوا الكافر؛ ومنه نفهم أنَّ المولى تخلّى عن عهدة بيان المحصلات، وأنّه بم يحصل القتل، وأنّه جعل عهدة ذلك علينا، فلو شككنا أن القتل الذي هو عنوان غرضه هل يحصل بضربة واحدة أو بضربتين، لا بُدّ لنا من الاحتياط؛ لأنَّ المولى أخذ على نفسه أن يبيّن عنوان غرضه، وقد بيّن ووصل البيان. ولم يأخذ على نفسه أن يبيّن ما 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يحصل به الغرض. إذن، فلا تجري في المقام النكتة التي تقتضي القبح في نظرهم، بل يكون التكليف منجّزاً ولا بُدّ من الاحتياط في مقام امتثاله.

وأخرى: نفرض أنَّ المولى لم يتصدَّ لإيصال عنوان الغرض إلينا، إمّا لأنّه دقيق غامض، أو لغرض يقتضي إخفاءه، وإنَّما جعل على عهدته أن يبيّن ما يحصل به هذا الغرض، قال: (صلِّ) ولم يبيّن لنا الغرض، فنفهم أنَّ المولى أخذ على عهدته هو أن يشخص ما هو المحصّل لغرضه ويبيّنه ولم يكتف بتشخيصنا وفحصنا نحن.

 ونحن لم يصل إلينا من بيان المولى إلَّا بيان محصّلية الأقلّ للغرض، وأمّا دخل الجزء العاشر -وهو السورة- فلم يصل إلينا. إذن، فهنا مطلب أخذ المولى على عهدته أن يبيّنه ولم يصل إلينا بيان من قبله فيه فتجري قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) .

 وحينئذٍ نقول: إنَّ دخل الأشياء في غرضه هو أخذ على عهدته أن يبيّنه ولم يصل إلينا بيان منه يدلّ على أنَّ السورة لها دخل في غرضه. إذن، فيقبح عليه أن يعاقبنا من ناحية ذلك؛ لأنّه عقاب بلا بيان.

فهنا تفصيل في كبرى موارد الشكّ في المحصل، فالشكّ في المحصّل لغرض من القسم الأوّل أعطى المولى بيدنا عنوانه وسلّمه إلينا يكون مجرى لأصالة الاشتغال، والشكّ في المحصّل لغرض أخفاه المولى وتصدى بنفسه لتشخيص المحصّل وبيانه لنا فلم يصل إلينا بيانه، فهذا مجرى لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). هذا هو روح ما أفاده القائلون بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ببيان فنّي ينسجم مع أذواقهم.

ــــــــــ[89]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وأمّا تقريب جريان البراءة الشرعية، وهو الذي ينفعنا؛ لأنّنا لا نقول بالبراءة العقلية، فحينئذ نقول: إن نفس البراءة الجارية عن نفس الوجوب والتكليف الضمني بالزائد هي بنفسها تؤمن من ناحية حصول الغرض وعدمه.

أليس قد فرغنا في مناقشة الوجه الأوّل للقائل بالاحتياط، أنَّ العلم الإجمالي بالوجوب قد انحل إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشك البدوي في الزائد، وأنّه لا مانع عن التمسك بإطلاق (رفع ما لا يعلمون) بالإضافة إلى وجوب الزائد. وهنا قدموا أمامنا شكاً جديداً هو الشكّ في المحصّل للغرض، فنريد أن نفتّش عن مؤمّن عنه، نقول: لا نحتاج إلى مؤمّن، واصل براءة جديدة وراء تلك البراءة الشرعية الجارية عن وجوب الزائد؛ وذلك لأنَّ الأصول المؤمّنة، المجعولة في مثل: (رفع ما لا يعلمون) وإن كان مصبها نفس الخطابات والعناوين المنتزعة عنها كالوجوب والالزام والتحميل والبعث والتحريك، إلَّا أنَّ التأمين من ناحية هذه الخطابات ليس من ناحية معناها الاسمي؛ لأنّها بمعناها الاسمي ليس لها أثر أصلاً، بل هي مجرّد لقلقة لسان ونسج واعتبار، وإنَّما التأمين عنها باعتبار معناها الحرفي، بما هي حافظة للأغراض والملاكات المولوية؛ ولهذا في موارد الشكّ البدوي الصرف، إذا شككنا في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وعدمه، ألسنا نجري البراءة في نفي الوجوب؟

فإن قلت: إنَّ عندنا مشكوكاً بدوياً آخر وهو الغرض؛ لأنَّ كلّ وجوب وراءه غرض، فما هو المؤمّن من هذه الناحية.

ــــــــــ[90]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فنقول هكذا: إنَّ التأمين من ناحية الوجوب المشكوك البدوي إنَّما هو باعتباره معنى حرفياً لا باعتباره معنى اسمياً، فمدلول هذا التأمين عرفاً هو رفع اليد عما يحفظه هذا الخطاب من الملاكات، فمعنى: (رفع ما لا يعلمون) أنّي لا أريد ولا أحفظ ما يحفظه هذا الخطاب، أهدر حافظية هذا الخطاب باعتبار وقوع التزاحم بين الملاكات اللزومية والملاكات الترخيصية على ما شرحناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية.

وإذا تمّ هذا فلا يفرق فيه بين أن يكون هذا الخطاب المؤمَّن عنه شاملاً لأصل غرض أو حافظاً لتوقف غرضٍ على مطلبٍ. خطاب: (ادع عند رؤية الهلال) حافظ لغرض نفسي استقلالي، وأمّا خطاب (اقرأ السورة) فهو حافظ لغرض ضمني، أي: لدخل شيء في الغرض النفسي الاستقلالي. والتأمين عنه معناه إبطال حافظيته ورفع اليد عنها، أي شيء كانت هذه الحافظية، وحينئذ يكون الملاك الذي نشأ منه (اقرأ السورة)، وهو دخل السورة في الغرض، مؤمّناً عنه بنفس إجراء البراة عن التكليف بلا حاجة إلى تأمين آخر زائد.

وهذا المطلب في غاية الوضوح، فتكون البراة الشرعية جارية بلا إشكال(1)

ــــــــــ[91]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: إذن، فالشكّ في المحصل، مورده الذي يقال فيه بالاحتياط هو عبارة عما إذا أمر المولى ابتداء بالغرض. 

قال: نعم، كما لو أمر المولى بقتل الكافر وشككنا بتحقّق القتل بضربة واحد أو بضربتين، وأمّا لو فرض أنّه لم يأمر بالغرض لا صريحاً ولا بالملازمة العرفية، وإنَّما سلط إلزامه على شيء آخر، غاية الأمر: أنّنا بقاعدة تبعية الأحكام للمصالح نستكشف وراء هذا غرضاً من الأغراض، في مثله لو دار أمر الواجب بين الأقلّ والأكثر، تجري البراءة عن الزائد، والتأمين عن الزائد هو بنفسه تأمين عما يحفظه هذا الوجوب الزائد من الأغراض؛ لأنَّ هذه الخطابات في عالم التأمينات ملحوظة بالمعنى الحرفي دون الاسمي. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هذا هو تمام الكلام في إبطال الوجه الثالث.

فهذه هي الوجوه المشهورة المتداولة بين المحقّقين في القول بوجوب الاحتياط، وإلى هنا ظهر بكل وضوح أنَّ هذه الوجوه لا محصل لها من الناحية الفنية، ولا قيمة لها، وأنَّ جريان البراءة على أساس هذه الوجوه من الواضحات.

الوجه الرابع للمحقّق العراقي

بقي وجه رابع اختصّ به المحقّق العراقي: وحاصله: أنّنا ندعي وجوب الاحتياط لعلم إجمالي بين المتباينين غير ذاك العلم الإجمالي الذي قلناه في الوجه الأوّل، وهذا العلم الإجمالي يشكلّه المحقّق العراقي في بعض الواجبات الارتباطية، وهي التي ثبت شرعاً وجوب الاتمام فيها على فرض الشروع وحرمة القطع، كالصلاة.

فهذا المكلّف الذي يشكّ أنَّ السورة جزء من الصلاة أو لا! قبل أن يشرع في الصلاة يقول: أمري دائر بين الأقلّ والأكثر؛ لأنّه إمّا أن يجب عليّ أن آتي بتسعة أو بعشرة، وهذا علم إجمالي بين الأقلّ والأكثر، فينحلّ بتيقن(1) الأقلّ 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

() والعلم بوجوب الأقلّ ينجّزه، والشكّ البدوي عن الأكثر يرخّص في تركه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وإجراء البراءة عن الزائد فيقول: أنّا سوف لن آتي بالسورة، ثُمَّ يصلي ويترك السورة حتّى يركع، ويفوت محلّ تدارك السورة، ونفرض في المقام أن من ترك السورة على فرض أن تكون جزءاً في الواقع، تركها جهلاً بجزئيتها. فهذا تكون صلاته باطلة، يعني: أنَّ الجاهل بالحكم غير معذور، ولا تشمله: “لا تعاد الصلاة إلَّا من خمسة” كما هو المشهور، ولو كان قاصراً(1).

وهذا المؤمن ترك السورة جهلاً بوجوبها اعتماداً على البراءة، وبعد أن ركع يتولّد عنه علم إجمالي جديد زائد بين المتباينين؛ لأنّه يقول: إن كانت السورة ليست جزءاً في الواقع وكان الواجب هو تسعة فقط. إذن، فهذا الفرد الذي أنّا متلبس به فرد صحيح، وإذا كان صحيحاً فيجب عليّ اتمامه ويحرم عليّ قطعه، وإن كانت السورة جزءاً من الصلاة والاخلال بها يوجب بطلان الصلاة. إذن، فهذا الفرد باطل، وعليه فأنّا يجب عليّ فرد مشتمل على عشرة أجزاء بما فيها السورة، فالأمر هنا لم يدر بين طبيعي الأقلّ وطبيعي الأكثر، بل دار بين شخص هذا الأقلّ وطبيعي الأكثر، وهذان متباينان.

إمّا أنّه يجب عليه أن يتمم هذه التسعة في هذا الفرد بالذات، وإمّا أنّه يجب عليه أن يستأنف فرداً آخر عشاري الأجزاء وهذان متباينان، فهذا العلم 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() سواء كان مقصّراً كمن ترك الفحص، أو قاصراً كالمجتهد أو المقلّد، بحيث لو انكشف له أنَّ اجتهاده أو اجتهاد مقلّده كان خطأ لا تجري (لا تعاد) بالنسبة إليه، بل لا بُدّ له من استئناف الصلاة، فهذا المثال مبني على هذا، ويمكن أن نمثّل بمثال لا يكون مبنيّاً عليه، كما لو فرض أنَّ الزائد كان أمراً مربوطاً بالأركان كالطهارة والوقت والقبلة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الإجمالي يكون منجّزاً، فلا تجري في المقام لا أصالة البراءة عن وجوب السورة ولا أصالة البراءة عن حرمة قطع الصلاة وعن وجوب إتمامها؛ فيجب عليه أن يتمّ هذه الصلاة، ثُمَّ يستأنف صلاة أخرى عشارية، فالأحسن أن يأتي من أوّل الأمر بالسورة لئلا يبتلى بالاحتياط الأشدّ، فهذا هو الوجه الذي أفاده المحقّق العراقي، ثُمَّ تصدّى للجواب عنه.

نعم(1)، صحيح إلى ما قبل الركوع كانت الجزئية ووجوب السورة مؤمنّاً عنه، لكن إنَّما كان مؤمّناً عنه؛ لأنّه كان مشكوكاً بالشك البدوي ولم يكن له منجّز بعد انحلال العلم الإجمالي الأوّل إلى العلم التفصيلي بالأقلّ والشك البدوي في الزائد، فلم يكن له منجّز، والآن وجد المنجّز وهو هذا العلم الإجمالي؛ إذ صار وجوب السورة طرفاً في علم إجمالي تتوفّر فيه كلّ شرائط التنجيز؛ لأنّه علم إجمالي بين المتباينين.

نعم، قبل أن يركع كان يجب عليه اتمام هذا الفرد على كلّ حال، سواء كانت السورة جزءاً أو لم تكن، غاية الأمر أنَّ معنى الإتمام يختلف، فإنّه إن كانت جزءاً فالإتمام بأن يقرأ السورة ثُمَّ يركع، وإن لم تكن جزءاً فالإتمام بأن يركع بلا أن يقرأ السورة، فأمره قبل الركوع دائر بين الأقلّ والأكثر، لكن بعد أن يركع يصبح أمره دائراً بين المتباينين.

هذا خلاصة ما أفاده المحقّق العراقي مع شيء من التغيير؛ لأنّه ذكر في تضاعيف كلامه ما يدلّ على أنّه كان يبنى على أنَّ وجوب إتمام هذا الفرد 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً الوجه الرابع للمحقّق العراقي كما سبق، وقال: نعم… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

مرجعه إلى انقلاب وجوب (اقيموا الصلاة) وارتفاع وجوب الطبيعي وتبدله إلى وجوب هذا الفرد بالخصوص؛ ولهذا يقول: إنّه قبل أن يركع يعلم بوجوب طبيعي تُساعي أو طبيعي عُشاري، وبعد أن يركع يعلم إمّا بوجوب طبيعي عشاري أو بانقلاب وجوب الطبيعي التُساعي من الطبيعة إلى الفرد، فكأنّه يرى أنَّ معنى حرمة قطع الصلاة هو قبول الأمر بالطبيعي إلى الأمر بشخص هذا الفرد؛ ولهذا يقول: إنَّ هذا العلم الإجمالي الثاني يكون بعد زوال العلم الإجمالي الأوّل. 

إلَّا أنَّ هذا غير صحيح فقهياً، فإنَّ المستفاد من أدلّة حرمة قطع الصلاة ليس هو أنَّ المكلّف بمجرّد أن يشرع في الصلاة ينقلب الأمر من الطبيعي إلى خصوص هذا الفرد، بل الأمر بالطبيعي بعدُ موجود بالنسبة إليه، غاية الأمر أنّه حصل هنا تكليف الزامي آخر وهو حرمة إبطال هذه الصلاة، فحرمة إبطال هذا الفرد هي حرمة نفسية مستقلة زائدة على وجوب الطبيعي، لا أنَّ وجوب الطبيعي ينقلب إليها، فإنَّ هذا خلاف ظواهر الأدلة.

والأحسن أن يقال هكذا: إنَّ المكلّف بعد الركوع إمّا يجب عليه إتمام هذه الصلاة من باب حرمة الإبطال، وإمّا استئناف فرد آخر عشاري. وهذا العلم الإجمالي منجّز.

الوجه الأوّل: في المناقشة للمحقق العراقي نفسه ومناقشته

هذا العلم الإجمالي الذي أفاده المحقّق العراقي أجاب عنه هو بوجهين:

الوجه الأوّل -وهو الثاني في (المقالات)-: هو أنّنا نسلّم أنّه يتولّد بمجرّد 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ترك السورة والاقتصار على الأقلّ إلى حين يركع، يتولّد علم إجمالي دائر أمره بين المتباينين، إمّا بوجوب إتمام هذا الفرد وإمّا بوجوب فرد عشاري، إلَّا أنَّ هذا العلم الإجمالي يستحيل أن يكون منجّزاً؛ والوجه في ذلك: أنَّ هذا العلم الإجمالي تكوّن في طول الجري على التنجيزات والتأمينات المفروضة في المرتبة السابقة؛ لأنّه كان لديه علم إجمالي قد انحل إلى العلم التفصيلي بالأقلّ والشك البدوي بوجوب الزائد، فنجّز العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ وجوبه وأمّن الشكّ البدوي المكلّف من ناحية مخالفة الزائد، فهذه التأمينات والتنجيزات كانت فعلية على مقتضى الصناعة قبل أن يركع، وهو قد جرى على وفقها؛ لأنّه أتى بالأقلّ وفقاً لمنجّزية العلم التفصيلي وترك الزائد وهو السورة جرياً على وفق تأمين الشكّ البدوي. وتكوّن من جريه على وفق ذلك التأمين علم إجمالي بتعلق تكليف بذلك الجري الذي أتى به مؤمّناً من ناحية.

والعلم الإجمالي المتعلّق بوجوب السورة في طول تركها خارجاً الناشئ من التأمين الناشئ من الانحلال، مثل هذا يستحيل أن يكون منجّزاً، وقالباً لما وقع عما وقع عليه، فإنَّ الواقع لا ينقلب عما وقع عليه، وواقعية هذا العلم الإجمالي في مرتبة متأخّرة عن واقعية الجري على طِبق التأمين فلا ينقلب ذلك الواقع؛ لأنَّ الواقع في مرتبته لا ينقلب عما وقع عليه من ناحية أمور متأخرة، فإنَّ ما وقع مؤمّناً عليه في حالة وقوعه لا ينقلب بعد هذا ويكون قبيحاً.

 إذن، بعد وقوعه وفي المرتبة المتأخرة عن وقوعه يستحيل أن ينقلب إلى القبح والمنجّزية واستحقاق العقاب، فإنَّ الشيء إنَّما يتصف بالقبح والمنجّزية قبل وقوعه لا بعده. هذا هو جوهر الجواب الذي أفاده بعد إلغاء الزوائد.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا الجواب يمكن دفعه بأن يقال: إنَّ هذا العلم الإجمالي لو كان قد تولد في طول ترك السورة في تمام الوقت لكان الأمر كما ذكره، فلو أنَّ ترك السورة المستمر في تمام الأفراد الطولية في طول الوقت تولد منه علم إجمالي بوجوب السورة.

 حينئذٍ يقال: إنَّ هذا العلم الإجمالي حيث إنه وقع في طول ترك السورة في تمام وقت الفريضة، هذا الترك المؤمَّن عند حال وقوعه، ولهذا يستحيل أن ينقلب عما وقع عليه ويصبح منجّزاً وقبيحاً بعد إن كان حسناً ومرخّصاً فيه.

ولكن هذا العلم الإجمالي لا يتوقّف تولده على أن نترك السورة في تمام الأفراد الطولية، وإنَّما يكفي في تولده أن نترك السورة في الفرد الأوّل فقط. والترك في الفرد الأوّل ليس مؤمّناً عنه بأصالة البراءة، بل هو مؤمّن عنه قطعاً أو لا يحتمل وجوب السورة في الفرد الأوّل خاصة والشيء المؤمّن عنه هو ترك السورة في تمام الفريضة لا في خصوص الفرد الأوّل.

 إذن، فالترك في الفرد الأوّل ليس هو الفرد المؤمّن عنه بالأصل حتّى يقال: إنّه لو تولد في طوله علم إجمالي، فيستحيل أن يكون هذا العلم الإجمالي مانعاً عن تأمين الأصل، فإنَّ أصالة البراءة تؤمّن من ترك السورة في تمام(1) الوقت والعلم الإجمالي ليس في طول ذلك، بل في طول تركها في الفرد الأوّل.

إذن، فلا مانع من أن يفرض كون هذا العلم الإجمالي مؤثّراً في إلغاء 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

() صرف الوجود ما بين الحدّين الذي هو محتمل وجوبه لا كلّ فرد فرد، (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الأصل المؤمّن وإلغاء تأمينه؛ لأنّه لم يقع في طول الجري على هذا التأمين حتّى يستحيل أن يلغيه، بل وقع في طول ترك السورة في الفرد الأوّل فقط، وهذا الترك ليس مستنداً إلى ذلك التأمين. إذن، فالترك المؤمّن عنه لم ينشأ منه علم إجمالي، والترك الذي نشأ عنه علم إجمالي -وهو الفرد- ليس هو المؤمّن عنه بالأصل الثاني لوجوب الزائد. 

فهذا الوجه الأوّل للمحقق العراقي غير تامّ.

نعم(1)، لو كان هذا العلم الإجمالي لا يتولّد إلَّا بعد الغروب، يعني: بعد الترك المطلق، يستحيل أن يكون هذا العلم الإجمالي المتولد بعد الغروب منجّزاً لوجوب السورة قبل الغروب، ولكن المفروض أنّه يتولّد بمجرّد ترك السورة في الفرد الأوّل، فلا بأس بمنجّزيته أو مرتبته مرتبة صالحة للتنجيز(2)

الوجه الثاني له أيضاً ومناقشته

الجواب الثاني للمحقّق العراقي: هو أن نفحص حالة هذا الشخص قبل الدخول في الصلاة تارة وقبل الركوع أخرى، وبعد أن يركع ثالثة: قبل أن يبدأ بالصلاة كان يعلم إجمالاً بوجوب متعلّق إمّا بطبيعي التسعة أو بطبيعي العشرة؛ ولهذا يكون أمره مردّداً بين الأقلّ والأكثر ويجري البراءة عن الزائد، فصار بناؤه على الإتيان بالأقلّ فكبّر تكبيرة الاحرام وقرأ الفاتحة، فما هو حاله 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() وقال السيّد بعد أن كرر المطلب: نعم… (المقرِّر). 

(2) وهنا قال أحد الاخوان: وبعد الغروب ينجز بلحاظ القضاء. 

قال: نعم، على قواعده. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

قبل أن يركع؟ حاله أنّه تولد علم إجمالي جديد وهو العلم بوجوب إتمام صلاته هذه؛ لأنَّ صلاته حتّى الآن يعني بعد الفراغ من الفاتحة صحيحة على كلا التقديرين، فهو يعلم زائداً على وجوب الطبيعيات عليه، يعلم بوجوب إتمام شخص هذا الفرد إمّا بأن يقرأ السورة ثُمَّ يركع كما هو بناء على الجزئية أو بأن يركع ابتداءً كما هو بناء على عدمها، فأيضاً يواجه علماً إجمالياً مردّداً بين الأقلّ والأكثر كما كان يواجه قبل تكبيرة الاحرام، غاية الأمر أنَّ ذاك العلم الإجمالي، كان علماً إجمالياً بوجوب طبيعي التسعة أو طبيعي العشرة، وهذا علم إجمالي بوجوب شخص هذه التسعة أو شخص هذه العشرة في شخص هذا الفرد، وهما أقلّ وأكثر؛ لأنَّ شخص هذه التسعة محفوظ في شخص هذه العشرة، فهو يعلم إمّا بوجوب أن يقرأ السورة ويركع أو أن يركع، فالركوع على أيّ حال معلوم الوجوب ويشك في وجوب السورة، فهذا علم إجمالي دائر بين الأقلّ والأكثر، فينجز الأقلّ، كما قلنا ولا ينجّز الأكثر.

 إذن، ببركة هذا العلم الإجمالي تنجّز عليه أن يأتي بالركوع ويتم هذا الفرد تساعياً لا عشارياً.

ثُمَّ بعد هذا ركع، فتولد لديه الآن علم إجمالي بين المتباينين: وأحدهما: وجوب أن يتمّ الفرد التساعي، والآخر أن يستأنف فرداً عشارياً، والطرف الأوّل كان قد تنجّز عليه بالعلم الإجمالي الدائر أمره بين الأقلّ والأكثر قبل أن يركع. إذن، فأحد طرفي هذا العلم الإجمالي الجديد تنجّز بعلم إجمالي سابق، ويبقى طرفه الآخر وهو وجوب الفرد العشاري، وهو لا يمكن أن يتنجّز بهذا 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

العلم الجديد؛ لأنَّ كلّ علم إجمالي إذا تنجّز أحد طرفيه بمنجّز سابق تبطل منجزيته، فإكمال هذا تُساعّياً تنجّز عليه بعلمه الإجمالي المنعقد قبل أن يركع الدائر أمره بين الأقلّ والأكثر.

هذا التقريب منه في غاية المتانة، ولكن بناءً على الاقتضاء لا بناء على العلّية، بناءً على أنَّ العلم الإجمالي منجّز لوجوب الموافقة القطعية بنحو الاقتضاء بحيث إنَّ تنجيزه التامّ لها فرع تعارض الأصول في الطرفين، فحيث لا تتعارض الأصول لا ينجّز العلم الإجمالي وجوب الموافقة القطعية. 

بناء على هذا يكون ما حقّقه في غاية المتانة والدقة؛ وذلك لأنَّ العلم الإجمالي الذي تشكّل بعد الركوع إمّا بوجوب إكمال هذا الفرد تُساعياً أو بوجوب طبيعي العشرة، ووجوب إكمال هذا الفرد تساعياً لا يمكنه أن يجري البراءة عنه؛ لأنّه لو اجرى البراءة عنه ورفع يده عن هذا الفرد واستدبر القبلة وقطع صلاته هذه لعلم بصدور المخالفة القطعية منه لعلمه الإجمالي الذي كان قبل الركوع الدائر أمره بين الأقلّ والأكثر؛ لأنّه كان يعلم قبل الركوع أنّه كان يجب عليه اتمام هذا الفرد إمّا تساعياً وإما عشارياً، فحين لم يقرأ السورة معناه أنّه لم يتمّه عشارياً وإذا ابطله نهائياً فمعناه أنّه لم يكمله لا تساعياً ولا عشارياً.

فإجراء أصالة البراءة عن وجوب إكمال هذا الفرد غير ممكن؛ لأنّها لا يمكن أن تؤمّنه عن اتمام هذا الفرد فيرفع يده عنه؛ لأنّه مخالفة قطعية للعلم الإجمالي الثابت قبل الركوع والباقي حتّى الآن. إذن، فأصالة البراءة عن وجوب اتمام هذا الفرد تساعياً لا تجري، فيبقى أصالة البراءة عن وجوب العشرة بلا معارض، ولا 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ينجّز العلم الإجمالي حينئذٍ. هذا بناءً على مباني الاقتضاء.

ولكن بناءً على مباني العلية التي هي مبانيه، وأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، لا من ناحية تعارض الأصول حينئذٍ لا نرى هنا محذوراً في الطول بأنَّ العلم الإجمالي الحادث بعد الركوع يكون علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية.

 تقولون: إنَّ أحد طرفيه تنجّز بعلم إجمالي سابق فليكن، فمن الآن يشترك علمان إجماليان في تنجيز أحد الطرفين ويستقل هذا العلم الإجمالي الجديد في تنجيز الطرف الآخر، فإنَّ المحقّق العراقي بنى سابقاً على أنَّ العلم الإجمالي إذا كان أحد طرفيه طرفاً لعلم إجمالي سابق لا يمنع هذا عن تنجيزه، ومقامنا من هذا القبيل.

إذن، فهذا الوجه يتمّ على مبنى الاقتضاء ولا يتمّ على مبنى العلّية، وحيث إنّنا قائلون بالاقتضاء دون العلّية، فالمشكلة عندنا قد انحلت على هذا الأساس.

الوجه الخامس للاحتياط ومناقشته

الوجه الخامس: من الوجوه التي يمكن أن تقام دليلاً على وجوب الاحتياط في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين، وهو وجه كُنّا نذكره في قديم الزمان نكتةً لإيجاب الاحتياط.

وهذا الوجه كنت أجريه في الواجبات الارتباطية العبادية من قبيل الصلاة والصوم والحج، سواء وجب اتمامها بعد الشروع فيها أو لم يجب. وهذا الوجه مبني على أصل موضوعي مقتنص من الفقه، بمعنى: أنَّ هذا الوجه يكون 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تسجيلاً للمطلب على الفقهاء الذين يؤمنون بذلك الأصل الموضوعي، فلا بُدّ أن أقدم له مقدّمة في شرح ذلك الأصل الموضوعي.

وهذا الأصل الموضوعي حاصله: أنَّ المكلّف لو اعتقد في أمر المولى خصوصية من الخصوصيات، كخصوصية كون الأمر وجوبياً أو استحبابياً، أو كخصوصية كون الأمر متعلّقاً بالصلاة في المسجد أو مع القنوت وغير ذلك من الخصوصيات الراجعة إلى نفس الأمر أو إلى المتعلق. إذا اعتقد هذا وأتى بالعمل امتثالاً لهذا الأمر المتخصّص بمثل هذه الخصوصية في اعتقاده، وكان اعتقاده غير مطابق للواقع، لم يكن الأمر -كما اعتقده- وجوبياً بل كان استحبابياً أو كان غير مقيد بالمسجد وهكذا. فهنا هل يحكم بصحة الصلاة أو لا لو انكشف له أنّه كان على خطأ في اعتقاده للخصوصية التي أخذها عنواناً للأمر؟

ففي هذا العنوان يفصّل الفقهاء كصاحب العروة وأكثر محشيّها بين ما إذا كان الاشتباه بنحو التطبيق أو كان بنحو التقييد، فإذا كان الاشتباه بنحو التطبيق فصلاته صحيحة، بمعنى: أنّه قاصد لامتثال الأمر الواقعي غاية الأمر أنّه هو يتخيل أنَّ صفة الأمر الواقعي هي كذا: أنّه وجوبي أو أنّه امتد على القنوت مع أنّه ليس كذلك، إذا كان الأمر هكذا إذن فصلاته صحيحة؛ لأنّه أتى بالعبادة بقصد امتثال أمر شرعي صحيح ثابت في الواقع.

وأمّا إذا كان الاشتباه على نحو التقييد، بأن يكون هذا الشخص قد قصد 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

امتثال الأمر الشرعي بقيد أن يكون وجوبياً، وأمّا لو كان استحبابياً فلا يقصد امتثاله، بحيث إنَّ لهذه الخصوصية دخل في مقام تحركه عن ذلك الأمر وقصده لامتثاله. هنا حكم السيّد ببطلان الصلاة؛ لأنَّ هذه الصلاة ليس معها قصد القربة بالأمر إذ بأي أمر تقرب؟ هل تقرب بأمر متقيد بالخصوصية التي تخيلها؟ هذا الأمر غير موجود في الشريعة الإسلامية، أو أنّه تقرب بامتثال الأمر العاري عن هذه الخصوصية؟ فهذا الأمر وإن كان موجوداً إلَّا أنّه هو لم يقصد امتثاله.

 إذن، فالأمر الموجود لم يقصده، وما قصده لم يكن هو الأمر الموجود في الشريعة، فتكون صلاته باطلة.

هذه هي الفتوى المشهورية وهي تشكّل الأصل الموضوعي للوجه الذي سنبيّنه: وعلى ضوء هذا الأصل الموضوعي يمكن شرح هذا الوجه بأن يقال: إنَّ الأقلّ والأكثر هنا بالدقة أو بالحيلة التي افترضها هؤلاء الفقهاء (قدس الله أسرارهم) يمكن إرجاع الأقلّ والأكثر إلى العامين من وجه لا إلى العموم والخصوص المطلق.

فإنَّ التصور الساذج للأقلّ والأكثر، إلى هنا، كان يقتضي أن بينهما نسبة العموم المطلق، يعني: متى ما وجدت العشرة فالتسعة موجودة في ضمنها، ولكن ليس متى ما وجد التسعة فالعشرة موجودة.

إذن، فامتثال الأمر بالأقلّ هو الأعمّ وامتثال الأمر بالأكثر هو الأخص، والتقريبات التي بينت كانت مبنيّة على حفظ هذه النسبة، ولكن يمكن أن يستخرج من هذا الأصل الموضوعي -لو تمّ هذا الاحتيال الفقهائي- نسبة 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

جديدة هي نسبة العموم والخصوص من وجه بحيث يمكن أن يمتثل الأقلّ من دون الأكثر ويمتثل الأكثر من دون الأقلّ. أمّا فرض أعمّية الأقلّ من الأكثر فهو واضح، بأن يأتي بالتسعة ولا يأتي بالعاشر، ويقول في نفسه: لو كان الأمر الصلاتي متعلّقاً بالأقلّ فقد امتثلت ولو كان متعلّقاً بالأكثر فلم امتثل.

وأمّا فرض الانفكاك من ذاك الطرف، بأن يأتي بالعشرة ويقول: لو كان الأمر بالأقلّ فلم امتثل، فيتمّ عن طريق هذا الاحتيال، بأن يقصد بالإتيان بالأكثر امتثال الأمر الشرعي المتقيد بأن يكون متعلّقاً بالأكثر أو يقصده رجاءً لا جزماً ليكون تشريعاً محرماً، إلَّا أنّه في مقام الرجاء يتقرب برجاء أن يكون هناك أمر متعلّق بالأكثر بخصوصية كونه أكثر، فالمكلّف إذا أتى بالعمل بهذا القصد يقول في نفسه: لو كان الأمر متعلّقاً بالأكثر فقد امتثلت وأمّا لو كان متعلّقاً بالأقلّ فلم امتثل؛ لأنّي وإن أتيت بالأقلّ في ضمن الأكثر، ولكني أتيت به لا بقصد الأمر؛ لأنّي قصدت أمراً مقيداً بأن يكون متعلّقاً بالأكثر، لا الأمر العاري من هذه الصفة. إذن، فقد وقع الانفكاك من كلا الجانبين.

فيعود الأقلّ والأكثر -في نهاية الشوط- متباينين من حيث العنوان ومن حيث المصاديق عامين من وجه لكلّ منهما مادّة افتراق عن الآخر. ويكون هذا العلم الإجمالي من قبيل ما لو علمنا إجمالاً بوجوب إكرام إمّا العالم بالفقه وإمّا العالم بتفسير القرآن، وهذا العلم الإجمالي منجّز؛ لأنَّ طرفيه عنوانان نسبتهما من حيث الصدق الخارجي هو العموم من وجه. إذن، فكلما كان طرفاً العلم الإجمالي نسبتهما هي العموم والخصوص من وجه، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وتتعارض الأصول في الأطراف، فيقال في المقام: بأنَّ أصالة البراءة عن وجوب الأقلّ يعارض بأصالة البراءة عن وجوبها الأكثر؛ لأنَّ فائدة كلّ من الأصلين أنّه يؤمّن في مادّة الافتراق، فيما لو امتثل الآخر دونه، فيتعارض الأصل في الطرفين ونبطل كلّ محاولات الانحلال. 

وهذا التقريب كُنّا نورده ايذاءً للقائلين بهذا الأصل الموضوعي، وإلَّا فنحن لا نلتزم به؛ لأنَّ هذا الأصل الموضوعي غير صحيح؛ فإننا لا نتعقل الفرق بين الاشتباه في التطبيق والاشتباه في التقييد(1) في هذه المقامات ونحكم بصحة مثل هذه الصلاة مطلقاً في تمام الفروع الداخلة تحت هذه الكبرى على تفصيل وتحقيق موضعه علم الفقه لا علم الأصول.

هذا هو تمام الكلام في الوجه الخامس لوجوب الاحتياط.

إلى هنا تمّ أصل المسألة، وهو أنّه في مثالنا الرئيسي الذي بدأنا به وهو مثال دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الأجزاء، وانتهينا إلى أنَّ جميع الوجوه التي قيلت مشهورياً أو خصوصياً لإثبات وجوب الاحتياط والمنع عن جريان البراءة، لا محصل لها؛ وعليه فالصحيح جريان البراءة عقلاً لو قيل: إنّه هناك أساس لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). والصحيح جريان البراءة شرعاً تمسكاً بإطلاقات أدلّتها.

هذا هو تمام الكلام في أصل المسألة بالنسبة إلى مثال باب الأجزاء.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

() عدم الفرق موضوعاً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 



أمور في خاتمة البحث

 

بقيت أمور في خاتمة هذا البحث لا بُدّ من التعرض لها استيفاء لحق الموضوع، وأكثر مربوط بصاحب (الكفاية) لفهم وتحقيق ما أفاده من الكلمات الغامضة المجملة:

الأمر الأوّل في مناقشة إشكالات الآخوند على الانحلال 

أليس قلنا في الوجه الأوّل الذي استدل به على وجوب الاحتياط؛ إذ أصحابه يقولون بوجوب الاحتياط استناداً إلى العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر، وقلنا: إنَّ أنصار البراءة قالوا: إنّه منحلّ بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل؛ لأنّه معلوم الوجوب على كلّ حال والشك البدوي في وجوب الزائد.

 المحقّق الخراساني يمنع هذا الانحلال ويقول: إنّه مستحيل، يستحيل أن ينحلّ العلم الإجمالي الدائر أمره بين الأقلّ والأكثر بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل.

وبرهانه على استحالة الانحلال مبني على أصل موضوعي واحد، أدمجه في دليله، فأوّلاً لا بُدّ من ذكره، ثُمَّ يذكر البرهان المصاغ على ضوئه. وهذا الأصل الموضوعي هو: أنَّ المحقّق الخراساني يعتقد بأنَّ الوجوب الضمني يستحيل أن يدخل في العهدة مستقلاً، وإن يتنجّز مستقلاً؛ فإنّه كما يكون ضمنياً بحسب 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

جعله، يكون كذلك بحسب دخوله في العهدة وفي عالم التنجّز أيضاً.

 وإن شئتم قلتم: إنَّ الوجوب النفسي الاستقلالي المتعلّق بالمركب حيث إنّه وجوب واحد فله تنجّز واحد، فإمّا أن يتنجّز كلّه وإمّا أن لا يتنجّز كلّه. ويستحيل أن يقال: بأن بعضه تنجّز وبعضه لم يتنجز، فهذا هو الاعتقاد المستتر للمحقّق الخراساني، وهو الأصل الموضوعي في برهان استحالة الانحلال.

فإذا فرضنا أنَّ هذا الأصل الموضوعي كان صحيحاً، نأتي إلى برهان الانحلال فنقول: عندنا علم إجمالي دائر أمره بين الأقلّ والأكثر، نريد نحلّه بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ، هذا الوجوب الأعمّ من الوجوب النفسي أو الوجوب الضمني التبعي، فهذا العلم التفصيلي إنَّما يصلح أن يحلّ العلم الإجمالي لو كان متعلّقه ومعلومه وهو وجوب الأقلّ صالحاً للتنجّز وللدخول في العهدة على كلّ حال من ناحية هذا العلم التفصيلي. وأمّا إذا فرضنا أنَّ متعلّق العلم التفصيلي لا يصلح للتنجّز والدخول في العهدة من ناحية هذا العلم التفصيلي على كلّ حال، وأنَّ هذا العلم التفصيلي ليس منجّزاً ولا يعمل عملاً وراء ذلك العلم الإجمالي الأوّل. إذن، فيستحيل أن يكون مؤثّراً في انحلاله، وفي ارجاعه إلى الشكّ البدوي من حيث الزائد، فإن كان العلم التفصيلي يدخل معلومه في العهدة دخالاً حتمياً إطلاقياً تنجيزياً فيحلّ ذاك العلم الإجمالي، وإن كان لا يقدر على إدخاله في العهدة فلا ينحلّ ذلك العلم الإجمالي، فلا بُدّ أن نرى أنَّ هذا العلم التفصيلي، هل يدخل معلومه في العهدة أو لا؟ وهو وجوب الأقلّ.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

 وهذا الوجوب هو الجامع بين الوجوب النفسي الاستقلالي للأقلّ والوجوب الضمني التبعي للأقلّ، ومعنى: ادخال العلم التفصيلي لمعلومه في العهدة، يعني: أنّه سواء كان وجوباً نفسياً استقلالياً أو وجوباً ضمنياً تبعياً فقد دخل في العهدة من ناحية هذا العلم التفصيلي، وقد فرضنا بالأصل الموضوعي أنَّ دخول الوجوب الضمني في العهدة مساوق لدخول تمام الوجوبات الضمنية الأخرى في العهدة؛ لأنّه يستحيل التفكيك في أبعاض الواجب النفسي الواحد في مقام التنجيز. إذن، فمعنى تنجّز وجوب الأقلّ على تقدير كونه ضمنياً: أنّه يتنجّز وجوب الأكثر بتمام قطعاته التي منها وجوب الأقلّ.

إذن، فقد فرضنا في تأثير العلم التفصيلي أنَّ الأمر بالأكثر قد تنجز، فكيف يمكن أن نقول: بأنَّ تأثير العلم التفصيلي يوجب انحلال العلم الإجمالي الموجب لخروج الأمر بالأكثر عن المنجّزية وجريان الأصل بالنسبة إليه.

فإنَّ هذا من التهافت والتناقض وفرض شيء، ثُمَّ فرض عدمه بعد ذلك أو هو المحال الذي يعبر عنه في (الكفاية) بعدة عبائر.

إن(1) قلتم: إنَّ العلم التفصيلي لا ينجّز معلومه على كلّ تقدير وإنَّما ينجزه على أحد تقديريه. إذن فحاله حال نفس العلم الإجمالي؛ لأنّه أيضاً ينجّز وجوب الأقلّ على أقلّ التقديرين باعتبار طريقته له، فلا يزيد عليه في الأثر ليوجب انحلاله.

وإن قلتم: إنّه ينجّزه على كلّ تقدير. ففرض هذا هو فرض أنّه يتنجّز الأمر 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() وهنا أعاد الوجه وقال فيما قال: إن… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بالأكثر أيضاً؛ لأنَّ تنجّز الوجوب الضمني للأقلّ يلازم مع تنجّز تمام الوجوبات الضمنية، أي: تنجّز الأمر بالأكثر، ومع فرض تنجّز الأمر بالأكثر، كيف تفرضون في المرتبة المتأخّرة انحلال العلم الإجمالي المساوق لعدم منجّزية الأمر بالأكثر، وهذا هو الخلو والتناقض، وأنّه يلزم من وجوده عدمه.

[معاني الانحلال]

وأمّا(1) أنَّ المحقّق الخراساني يريد أن يبرهن على استحالة أي معنى من معاني الانحلال، هل المعنى الذي أخذناه في مناقشة الوجه الأوّل أو غيره؟ وتوضيحاً للجواب عن هذا السؤال لا بُدّ من الإشارة إلى معاني الانحلال، حينما نقول: بأنَّ العلم الإجمالي بالوجوب النفسي للأقلّ أو الوجوب النفسي للأكثر ينحلّ بالعلم بالأقلّ والشك بالزائد.

تارة يراد بهذا الانحلال: انحلاله بحسب عالم التكوين، بحيث لا يتشكّل بحسب عالم التكوين علم إجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر، بل يتشكّل عندنا بلحاظ عالم التكوين علم تفصيلي بوجوب الأقلّ وشك بدوي في وجوب الزائد، نظير ما هو ثابت في موارد الأقلّ والأكثر الإستقلاليين، كما لو علم أنّه فاتته إما صلوات يوم واحد أو صلوات يومين، فيكون العلم الإجمالي بالوجوب المردّد يكون منحلا انحلالاً حقيقياً بلحاظ عالم التكوين، أي: لا يبقى في هذا العالم علم إجمالي، بل يكون هناك علم تفصيلي بوجوب قضاء خمس 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() لخص أوّلاً الأصل الموضوعي الذي يقوم عليه برهان المحقّق الخراساني لاستحالة الانحلال، ثُمَّ قال: وأما… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

صلوات وشك بدوي بوجوب قضاء الخمس الثانية.

إلَّا أنّنا قلنا في مناقشة الوجه الأوّل: إنَّ هذا النحو من الانحلال، باطل ولا ينبغي ادعاؤه من قبل أحد في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين ولا يقاس على موارد الأقلّ والأكثر الاستقلاليين، فإنه لا إشكال في أننا لو لاحظنا عالم التكوين فلا انحلال حقيقةً، لأنَّ الوجوب النفسي الاستقلالي للأقلّ طرف للعلم الإجمالي، وكذلك الطرف الآخر هو الوجوب النفسي الاستقلالي للأكثر، وكلّ منهما بحده الاستقلالي مشكوك وليس معلوماً، إذن فالعلم الإجمالي لا يزال متشكلاً.

وهذا بخلاف موارد الأقلّ والأكثر الاستقلاليين، فإنَّ وجوب قضاء الأقلّ بحده الاستقلالي معلوم على كلّ حال سواء وجب قضاء اليوم الثاني أو لم يجب، فالحد الاستقلالي للأقلّ في محلّ الكلام مشكوك والحد الاستقلالي في موارد الاستقلاليين معلوم، ومن هنا يقال هناك بالانحلال الحقيقي بحسب عالم التكوين دون المقام.

وهناك معنى آخر للانحلال: هو الانحلال الحقيقي للعلم الإجمالي، لكن لا بلحاظ عالم التكوين بكل أوعيته وظروفه، بل بلحاظ وعاء العهدة فقط، حيث إنّنا لو لاحظنا العهدة التي هي وعاء المسؤولية العقلية للعبد تجاه مولاه نرى أن الأمر هنا دائر بين الأقلّ والأكثر لا بين المتباينين، فإنَّ الحدّ الاستقلالي للوجوب لا يدخل في العهدة، بل الذي يدخل في العهدة ذات المحدود لا المحدود بالحد الاستقلالي بما هو محدود، فوعاء العهدة ليس وعاء للحدود كعالم 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التكوين، بل هو وعاء لذات المحدودات مع قطع النظر عن الحدود. وإذا قطعنا النظر عن الحدود الاستقلالية نقول: إنَّ الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر حقيقة، فإنَّ الأقلّ داخل في العهدة جزماً إمّا هو مع غيره أو هو وحده، فبلحاظ ما يصلح للدخول في العهدة وهو ذات الوجوب، يكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر ويكون الانحلال حقيقياً، للعلم التفصيلي بذات وجوب الأقلّ والشك البدوي في ذات وجوب الزائد، مع إلغاء هذه الحدود.

 وهذا هو الوجه هو الذي بنينا عليه بعد مناقشات الوجه الأوّل، فقد أخذنا هذا الانحلال: الانحلال الحقيقي بلحاظ وعاء العهدة.

فيما إذا كان مراده الانحلال الحكمي

وهناك معنى ثالث للانحلال، كان أصحابه كما أنّهم لا يقرون الانحلال الحقيقي بلحاظ عالم التكوين كذلك لا يقرونه بلحاظ عالم العهدة، كأنهم يتخيلون أنَّ الحدود الاستقلالية أيضاً تدخل في العهدة، كذات المحدود؛ إذ بناء على هذا يكون علمنا الإجمالي حتّى بلحاظ العهدة ثابتاً وقائماً؛ إذ الوجوبين بحديهما الاستقلاليين متباينان لا محالة.

وهنا احتاج هؤلاء إلى تصوير آخر للانحلال. وحاصله هو أن يقال: إنّنا ندعي انحلال العلم الإجمالي انحلالاً حكمياً بلحاظ مقام التنجيز، ببيان: أنَّ المعلوم الإجمالي -هذا المعلوم الإجمالي الذي فرضناه دائراً بين المتباينين بعد أخذ الحدود بنظر الاعتبار- على كلا تقديريه يصلح لتنجيز الأقل؛ لأنّه إن كان هو وجوب الأقلّ بحده استقلالي، فالأقل منجّز لا محالة؛ لأنّه بتمامه طاعة له وتركه 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

معصية له، وإن كان المعلوم الإجمالي هو وجوب الأكثر بحده الاستقلالي، فأيضاً لا بُدّ من الأقل؛ إذ بدونه لا يمتثل الأمر المتعلّق بالأكثر، فالمعلوم الإجمالي على إجماله وعلى كلا تقديره يكون صالحاً لتنجيز الأقل.

 إذن، فوجود تكليف صالح لتنجيز الأقلّ معلوم على كلّ حال، وإن لم يكن تعلّق الوجوب بالأقلّ بحده الاستقلالي معلوماً، ولكن وجود تكليف صالح لتنجيز الأكثر على كلّ تقدير غير معلوم؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي على أحد تقديريه يصلح لتنجيز الأكثر، وهو ما إذا كان هو الأمر بالأكثر، وأمّا لو كان هو الأمر بالأقلّ فلا يصلح لتنجيز الأكثر. إذن، فهناك علم بوجود خطاب صالح لتنجيز الأقلّ وليس هناك علم بوجود خطاب صالح لتنجيز الأكثر، فيكون المنجّز للأكثر غير واصل، فتجري قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بلحاظ الأمر بالأكثر.

هذا الانحلال نسميه بالانحلال الحكمي، ونحن لم نتعرّض له في الوجه الأوّل للاستغناء عن الانحلال الحقيقي بلحاظ وعاء العهدة، إلَّا أنّنا سوف نحتاج إلى جوهر هذا الانحلال في مسائل أخرى في غير باب الأجزاء، وسوف نحقّقه هناك بصيغة ونختار الصيغة الفنّية له، فليفهم هذا المعنى الآن تصوراً إلى أن يجئ وقت تحقيقه.

فهذه ثلاثة معانٍ للانحلال.

وأكبر الظنّ أنَّ المحقّق الخراساني بصدد إبطال المعنى الثالث للانحلال، وإن كان يمكن أن تُبين عبارته بنحو يبطل المعنى الثاني للانحلال فضلاً عن المعنى الثالث.

ــــــــــ[112]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ولنفرض أوّلاً أنَّ صاحب (الكفاية) يستهدف إبطال المعنى الثالث للانحلال مباشرة، فيقول: إنّه غير معقول؛ وذلك؛ لأنَّ هذا الانحلال يتوقّف على دعوى العلم بوجود خطاب وتكليف صالح لتنجيز الأقلّ على كلّ تقدير، سواء كان هذا الخطاب هو الأمر بالأقلّ أو الأمر بالأكثر، فإنّه على كلا التقديرين هو منجّز للأقلّ. الانحلال يتوقّف على هذا المطلب، وكون المعلوم بالإجمال منجّزاً للأقلّ على كلا التقديرين، فرض هذا هو فرض أنّه منجّز للأقلّ ولو تعلّق بالأكثر، وفرض أنّه منجّز للأقلّ حينما يتعلق بالأكثر هو فرض أنَّ الأمر بكلّه منجّز؛ لأننا قلنا بالأصل الموضوعي: أنَّ الأمر بشيء يستحيل أن يتبعض من حيث التنجيز. إذن، فالانحلال هنا يتوقّف على فرض كون الأمر بالأكثر منجّزاً، وفرض كون الأمر بالأكثر منجّزاً هو فرض عدم الانحلال؛ وهذا معنى التهافت والتناقض؛ إذ يكون الانحلال متوقفاً على عدم الانحلال. 

ويمكن أن نبيّن هذا المطلب بعبارة أخرى بحيث تكون اعتراضاً حتّى على الانحلال الحقيقي، وذلك بأن نقول للقائلين بالانحلال، سواء ادعوا الانحلال الحقيقي أو الحكمي: لو أنَّ هذا المؤمّن لم يأت لا بالأقلّ ولا بالأكثر، هل يعد عاصياً في نظركم أو لا يعد عاصياً ويعاقب؟ يقولون: نعم، يعاقب عقاب العصيان بلا إشكال.

نقول لهم: لو فرض في الواقع أنَّ الأمر كان متعلّق بالأكثر لا بالأقل، فإنّه يعاقب على عصيان أيّ أمر؟ هل يعاقب على عصيان الأمر بالأقلّ أو على عصيان الأمر بالأكثر؟

ــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

 إن قلتم: يعاقب على عصيان الأمر النفسي الاستقلالي بالأقلّ.

قلنا: إنَّ هذا غير موجود في الواقع حتّى يعاقب عليه.

وإن قلتم: إنّه يعاقب على عصيان الأمر النفسي الاستقلالي للأكثر.

قلنا: معنى هذا أنكم آمنتم بأنَّ الأمر بالأكثر قد تنجّز في الجملة ولهذا يعاقب على عصيانه، وإلَّا لو لم يتنجّز أصلاً لا(1) معنى للعقاب على عصيانه، وقد قلنا في الأصل الموضوعي: إنّه إذا تنجّز من جهة تنجّز من جميع الجهات. إذن، فلا بُدّ لكم أن تعترفوا أن الأمر بالأكثر منجّز في المقام.

هذا أيضاً برهان تامّ لإبطال الانحلال الحقيقي فضلاً عن الحكمية بعد تسليم الأصل الموضوعي الذي فرضه المحقّق الخراساني.

نفرض أنَّ المحقّق الخراساني استهدف من برهانه إبطال المعنى الثالث للانحلال، أي: الانحلال الحكمي، الذي يقال فيه: إنَّ التكليف المعلوم بالإجمال في علمنا الإجمالي إمّا بوجوب الأقلّ أو الأكثر، على كلا تقديريه صالح لتنجيز الأقلّ. إذن، فيعلم بتكليف صالح لتنجيز الأقلّ على كلّ تقدير. إذن، فقد تمّ البيان عليه وخرج الأقلّ عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، ولكن التكليف المعلوم بالإجمال ليس صالحاً لتنجيز الأكثر على كلّ تقدير. إذن، فلم يتمّ البيان من ناحيته ولم يخرج عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان).

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() فرض أنَّ الأمر بالأكثر ليس منجّزاً من جميع الجهات هو فرض أنَّ هذا المؤمن التارك للصلاة لا يعاقب لو كان الأمر متعلقاً بالأكثر، والتالي باطل بالضرورة فالمقدّم مثله. (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يقول صاحب (الكفاية): إنَّ وجود تكليف صالح لتنجيز الأقلّ على كلّ تقدير فرضه هو فرض أن يكون الأمر بالأكثر منجّزاً للأقلّ أيضاً، وفرض هذا هو فرض تنجّز الأكثر بتمامه لاستحالة التبعّض في التنجز، وفرض هذا هو نقيض فرض الانحلال فيلزم من الانحلال التهافت.

هذا المعنى إنَّما يلزم لو أننا نظرنا إلى المعنى الثالث من الانحلال، ونحن لم نعوّل فيما سبق عليه، بل عوّلنا على المعنى الثاني للانحلال وهو الانحلال الحقيقي بلحاظ وعاء العهدة، فلا يرد هذا البيان لإبطاله.

وثانياً لو فرضنا أنّنا كُنّا قد عولنا على الانحلال الحكمي بالمعنى الثالث الذي سوف نبحثه ونعول عليه ببعض صيغه في مستقبل البحث. حينئذٍ يقال: إنَّ هذا البرهان إنَّما يرد عليه مبنياً على ذلك الأصل الموضوعي المستتر في كلامه، وهو أنَّ الأمر بالأكثر لا يتبعض تنجيزه، وإلَّا لو أمكن تبعيضه فينجز من ناحية هذا الجزء دون ذاك، لو تعقلنا التبعض في التنجيز في الأمر بالأكثر لما جاء هذا الأشكال؛ لأنّنا نقول حينئذٍ: بأنَّ التكليف المعلوم بالإجمال، على كلا التقديرين صالح لتنجيز الأقلّ، وفرض كونه منجّزاً للأقلّ حتّى على تقدير تعلقه بالأكثر، ليس مساوقاً لفرض أنَّ الأكثر بتمامه قد تنجّز ليلزم من ذلك نقيض الانحلال، بعد إبطال الملازمة وتعقل التبعيض، ولا يلزم محذور التهافت والخُلف.

إذن، فيتركز الكلام في تحقيق هذا الأصل الموضوعي في نفسه، وهو أنَّ الأمر بالأكثر وايّ أمر وحداني متعلّق بمركب من المركبات هل يعقل أن 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يتبعض من حيث التنجيز، فيتنجّز بعض وجوباته الضمنية دون بعض؟ ومعناه: أنّه يتنجّز الأمر المجموعي بلحاظ هذا الجزء لا ذاك. هذا المطلب معقول أو لا؟

الصحيح: أنَّ هذا التبعّض معقول. ومن قال باستحالته كالمحقّق الخراساني إن أراد باستحالة التبعض في التنجز، استحالة التبعض بالمعنى المساوق للتعدد، بحيث يكون للأمر النفسي الواحد المتعلّق بالمركب تنجّزات متعددة واستحقاقات متعدد للعقاب، بلحاظ كلّ جزء من اجزائه، تنجّز بلحاظ (اقرأ الفاتحة) وتنجّز بلحاظ (اركع)، إن أراد ذلك فهو واضح الصحة، فإنَّ الأمر النفسي الواحد ذا الغرض المولوي الواحد ليس له إلَّا تنجّز واحد؛ لأنّه لا يعاقب عليه إلَّا بعقاب واحد، لا أنّه يعاقب على كلّ جزء عقاباً مستقلاً؛ لأنَّ تفويت الغرض لا يحصل إلَّا بلحاظ نفس ذلك الأمر الواحد، وحينئذٍ يكون التنجّز واحداً للأمر المركب الواحد. وهذا أمرُ صحيح.

ولكن الكلام هو أنَّ الأمر بالأكثر الذي له تنجّز واحد، هل يلزم أن يكون تنجّزاً له من جميع الحيثيات والجهات، أو يمكن أن يكون تنجّزاً من بعض حيثياته دون بعض، فالأمر بالمركب وإن كان له تنجّز واحد وعقاب واحد، لكن هذا التنجّز الواحد، هل يمكن أن يكون ثابتاً بلحاظ حيثية دون حيثية بأن يقال: من ترك امتثال الأمر بالأكثر بترك الأقلّ -من هذه الحيثية- يعاقب، وأمّا من تركه بترك الزائد فلا يعاقب، أو أنَّ هذا التنجيز الواحد يجب أن يكون تنجّزاً من سائر الحيثيات ولا يمكن أن يكون تنجّزاً من حيثية دون حيثية.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إذا ادعي ذلك فهذه الدعوى باطلة، بل الصحيح أنّه يمكن التفكيك بين بعض الحيثيات وبعض، فيكون الأمر الواحد المتعلّق بالعشرة منجّزاً بلحاظ تعلقه بالفاتحة ولا يكون منجّزاً بلحاظ تعلقه بالسورة، ولا يكون ترابط وتلازم بين تنجزه بلحاظ الفاتحة وتنجزه بلحاظ السورة.

ولا يمكن أن يقاس تنجّز الوجوب الضمني للفاتحة وللسورة، على الوجود الواقعي لوجوب الفاتحة والوجود الواقعي لوجوب السورة، بتخيّل: أنّه ما دام وجودات هذه الوجوبات الضمنية مترابطة واقعاً ولا يمكن التفكيك بينها في عالم الجعل. إذن، فهي مترابطة في عالم التنجّز أيضاً ولا يمكن التفكيك بينها، هذا القياس خطأ؛ وذلك لأنَّ ملاك ترابطها في عالم الجعل هو كون الموجد لها أمراً واحداً وهو الجعل، وهذا الجعل الوحداني إمّا أن يتحقّق أو لا يتحقّق، فإنَّ تحقّق وجدت تمام هذه الوجوبات الضمنية وإلَّا لم يوجد شيء منها، فملاك إيجادها في عالم التكليف واحد، وهو الجعل، فلا محالة تتوحد وتترابط في وجودها في عالم التكليف. 

وأمّا ملاك تنجزها، فهو الوصول، المخرج لها عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان) بحسب تصوراتهم لهذه القاعدة، فالبيان والوصول هو ملاك التنجز، والوصول ليس وصولاً واحداً، بل قد يصل هذا ولا يصل ذاك، قد يصل الوجوب الضمني للفاتحة ولا يصل الوجوب الضمني للسورة، لا بمعنى أنَّ الوجوب الضمني بما هو ضمني يصل، بل ذات الوجوب الضمني للفاتحة يصل ولا يصل الوجوب الضمني للسورة، فما هو ملاك التنجيز فيها ليس أمراً واحداً، بل هو عبارة عن الوصول الذي يمكن تصوره بالنسبة إلى البعض دون 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

البعض فيكون الواصل منجّزاً، وغير الواصل باقياً تحت دائرة (قبح العقاب بلا بيان) . إذن، فالتفكيك والتبعيض صحيح على القاعدة. إذن، فالأصل الموضوعي غير صحيح، وعليه فيندفع البرهان(1).

هذا إذا أخذنا صيغته التي تكون اعتراضاً على الانحلال الحكمي، والتي ذكر سيّدنا الاستاذ أنّها هي ظاهر عبارة (الكفاية).

وأمّا إذا أردنا أن نذكر الصيغة التي يمكن أن تقع اعتراضاً حتّى على الانحلال الحقيقي، حيث قلنا بالنيابة عن المحقّق الخراساني: أيها القائلون بالانحلال، الحقيقي منه والحكمي، لو أنَّ من يعلم إجمالاً بوجوب الأقلّ أو الأكثر، ترك الصلاة رأساً، وكان الأمر في الواقع متعلّقاً بالأكثر هل يعاقب أو لا؟ لا شكّ أنّه يعاقب عقاب العصيان، ومعناه أنّه يوجد أمر قد تنجّز عليه، وليس هو الأمر الاستقلالي بالأقلّ لعدم وجوده في الواقع، وأمّا الأمر النفسي 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: الأمر المتعلّق بالعشرة الذي هو أمرٌ وحداني، أليس أنّه قد يخالف بترك التسعة وقد يخالف بترك العاشر، فله نحوان من المخالفة، هنا يمكن أن يُقال بانه يتنجّز من ناحية المخالفة الأولى، يعني: لو خولف بترك التسعة يُعاقب، لكن لو خولف بترك العاشر لا يُعاقب عليه، فهذا هو التبعيض من حيث التنجّز؛ لأنَّ تعلقه بالتسعة واصل دون تعلقه بالعاشر، فالذي يتنجّز هو حيثية تعلقه بالتسعة، وأمّا حيثية تعلقه بالعاشر فلا تتنجّز وتبقى تحت دائرة (قبح العقاب بلا بيان).

وهنا قال أحد الإخوان: في صورة ما إذا كان لنا قطع بعدم وجوب الجزء العاشر، أليس المحقّق الخراساني مضطراً إلى القول بالتبعيض بالتنجيز؟ 

فقال: كذلك، هذا نقض عليه! (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الاستقلالي بالأكثر فهو موجود، فإذا قلتم: بأنَّ العقاب عليه إذن فهو قد تنجز، وإن تنجّز من جهة تنجّز من جميع الجهات بناء على الأصل الموضوعي السابق.

هذه الصيغة أيضاً تنهدم بمجرد إبطال الأصل الموضوعي السابق، وذلك لأنّنا نقول: بأنَّ هذا المكلّف التارك للصلاة يعاقب على مخالفة الأمر بالأكثر من ناحية تركه للأقلّ، فإنَّ الأمر بالأكثر من هذه الحيثية قد وصل. إذن، فهو قد تنجز، وإن كان من سائر الحيثيات لم يتنجّز لأنّه لم يصل، فلا يلزم محذور من الالتزام بذلك، بل بحسب الحقيقة تكون بنفسها اعتراضاً على المحقّق الخراساني؛ لأنّه هو ماذا يلتزم في المقام؟ إن التزم أنَّ الأمر بالأكثر تنجّز من بعض الحيثيات دون بعض فيلزم من ذلك إبطاله لأصله الموضوعي، وإن التزم بأنّه لم يتنجّز أصلاً يلزم من ذلك إبطال القول بأنَّ هذا المكلّف يستحق عقاب العصيان مع أنّه بديهي بحسب الخارج -مثلاً-. وإن التزم بأنَّ الأمر بالأكثر يتنجّز من جميع الحيثيات والجهات يلزم من ذلك تخصيص (قبح العقاب بلا بيان)؛ لأنَّ الأمر بالأكثر من غير هذه الحيثية لم يصل بناء على الانحلال الحقيقي، فيلزم بناء على الانحلال الحقيقي أن يكون هناك مشكوك بدوي ومع هذا يستحق عليه العقاب تخصيصاً لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)(1).

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إنّه بناءً على أصله الموضوعي يكون قد وصل، باعتبار أنَّ التسعة قد تنجّزت، والأصل الموضوعي يقول: بأنَّ المجموع قد تنجّز أيضاً، فيتنجّز باعتبار حكم العقل بهذا القانون. 

فأجاب (سلّمه الله): يعني تنجّز بلا وصول، ومعناه يكون مخصّصاً لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

فتأمّل في جواب السيّد بعد أن تعرف: أنّه قد يدرك العقل حكماً للشارع ويقطع به عن طريق مقدّمات عقلية، ويكفي في هذا الوصول والخروج موضوعاً عن البراءة العقلية، ولا يكون من قبيل التخصيص لها، ولا ينحصر معرفة الأحكام عن طريق النقل وحده، وإن كان ذلك هو الغالب، فللآخوند أن يلتزم بتنجّز الأمر بالعشرة بتمامه ولا يلزم عليه محذور بناء على أصله الموضوعي، لا كما قال السيّد الأستاذ بعد الانتهاء من الجواب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ولا أظنّه في المقام يستطيع أن يتخلّص من هذه العويصة إلَّا بإنكار الانحلال الحقيقي، فإنّه أسهل المحاذير عليه، فيرد عليه برهاننا على الانحلال.

هذا كلّه هو الكلام في الأمر الأوّل.

الأمر الثاني: في جريان البراءة الشرعية بالرغم من عدم جريان البراءة العقلية

الأمر الثاني: هو أنَّ صاحب (الكفاية) بعد أن برهن على استحالة جريان البراءة العقلية بملاك الانحلال، ذكر أنّه بالرغم من عدم جريان البراءة العقلية، مع هذا تجري البراة الشرعية في المقام؛ لأنَّ جزئية السورة أمر مشكوك، فلا بأس أن يشمله إطلاق حديث الرفع، فوقع الكلام أنّه هل يمكن التفكيك بين البراءة العقلية والبراءة الشرعية، وأن من يقول بعدم جريان البراءة العقلية هل يمكنه مع هذا أن يلتزم بجريان البراءة الشرعية(1).

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() أو أنَّ هناك تلازماً بحسب البناء الصناعي للمسألة بين إنكار البراءة العقلية وإنكار البراءة الشرعية، (محاضرة أخرى). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في كلام السيّد الأستاذ ومناقشته

اعترض عليه جملة من المحقّقين المتأخرين، ومنهم السيّد الأستاذ، ويبدو أنّه هو نفسه اعترض على نفسه في تعليقاته على (الكفاية) حيث عدل عن هذا وبنى على عدم جريان البراءة لا عقلاً ولا شرعاً.

وخلاصة اعتراض السيّد الأستاذ في المقام: هو أنَّ من ينكر البراءة العقلية ويقول بعدم جريانها، يعتمد على أحد مسلكين(1): فلا بُدّ أن نفحص كلّ واحد منهما لنرى أنّه هل يلائم مع القول بالبراءة الشرعية أو لا؟

[في الكلام على المسلك الأوّل لإنكار البراءة العقلية]

المسلك الأوّل لإنكار البراءة العقلية، فرضه الوجه الثالث من الوجوه الخمسة التي تعرّضنا لها، وهو العلم بالغرض وكون الشكّ شكاً في المحصّل من ناحية الغرض، وهو مسلك صرّح به في (الكفاية) وبنى عليه فيها، يعني: أنَّ الإشكال من هذه الناحية تام، فهذا أحد المسلكين بأن يقال: إنَّ العلم على مستوى التكليف وإن انحل لدورانه بين الأقلّ والأكثر، ولكن العلم على مستوى الغرض لم ينحلّ؛ لأنَّ الغرض أمر وحداني والشك في محصله، وأنّه هل يحصل بالتسعة أو العشرة، وموارد الشكّ في المحصّل لا يحكم فيها العقل بالبراءة، بل يحكم بالاشتغال.

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() وكأنَّ مقصوده: أنَّ أهمّ مسالك المنكرين هما هذان المسلكان، (محاضرة أخرى). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يقول: إنّه لا يناسب صاحب هذا المسلك أن يقول بالبراءة الشرعية؛ وذلك لأنَّ البراءة الشرعية تأمين على مستوى التكليف أيضاً؛ لأنَّ (رفع ما لا يعلمون) يرفع التكليف، والمفروض أنَّ جهة الإشكال لم تنشأ من ناحية للتكليف؛ لأنّنا لو بقينا نحن والتكليف لقلنا بانحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشك البدوي بالزائد، وإنَّما جهة الإشكال نشأت على مستوى الغرض المعلوم وجداناً، حيث يقال: إنَّ الشكّ فيه يكون شكاً في المحصل. إذن، فالبراءة الشرعية لا تصنع شيئاً؛ لأنّها تؤمّن على مستوى التكليف(1)، ولا تحرز في المقام حصول الغرض وترتّبه على الأقلّ فيبقى شكنّا في حصول الغرض على حاله، ويبقى المورد، كما كان، من موارد الشكّ في المحصل. 

وحينما ذكر السيّد الأستاذ ذلك، اعتراضنا عليه: بأنَّ البراءة الشرعية إذا فرض أنّها لا تؤمّن إلَّا على مستوى التكليف دون الاغراض والملاكات، إذن، فماذا تصنعون حتّى في الشبهات البدوية، فإن قلتم: إننا نضم دائماً إلى البراءة الشرعية عن التكليف براءة أخرى عقلية عن الملاك والغرض يلزم من ذلك لغوية البراءة الشرعية، أليس تقولون في الشبهات البدوية أنَّ أصل البراءة المؤمّن عن التكليف هو بنفسه يؤمّن عما وراء التكليف من ملاك، إذن، فقولوا هذا في المقام أيضاً.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() ولا تؤمّن من ناحية الغرض فيكون الشكّ شكّاً في المحصّل وتجري أصالة الاشتغال، (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فأجاب السيّد الأستاذ عن ذلك: بإننا لو جمدنا على الدلالة اللفظية لدليل البراءة، لكنّا نقول بأنّه دائماً لا يؤمّن على مستوى الملاك حتّى في الشبهات البدوية، وإنَّما يؤمّن على مستوى التكليف، غاية الأمر أنَّ اقتصار التأمين على مستوى التكليف وعدم تعديه من حيّز التكليف إلى حيّز الأغراض في سائر الموارد يوجب لغوية جعل البراءة، فبدلالة الاقتضاء وصوناً لكلام الحكيم عن اللغوية، نستكشف بالدلالة الالتزامية العقلية تأميناً من ناحية الاغراض أيضاً، ولكن حيث إنَّ هذا الاستكشاف بدلالة الاقتضاء وهي دليل لُبّي فيقتصر فيه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن من إسراء التأمين إلى عالم الملاكات هي الملاكات المشكوكة بدواً. وأمّا إذا كان التكليف المشكوك وراءه غرض معلوم يشكّ في حصوله وعدمه، فهذا خارج عن القدر المتيقّن من دلالة الاقتضاء، وحيث إنّها دليل لبي عقلي فيقتصر فيه على القدر المتيقن ولا يتمسك بإطلاقها.

هذا الكلام من السيّد الأستاذ غير صحيح حلاً ونقضاً:

أمّا حلاً: وبه تنحلّ أصل الشبهة أيضاً، فهو ما تقدّم منا في البحوث السابقة، وهو أنَّ دليل البراءة لا نحتاج في جعله مؤمّناً بلحاظ الملاكات والأغراض إلى مسألة دلالة الاقتضاء، بل إنَّ الظهور العرفي ابتداء يقتضي هذا؛ لإننا بيّنا أنَّ التأمين في (رفع ما لا يعلمون) وإن كان ينصب ابتداء على الخطاب والحكم ونحوها من العناوين المنتزعة من تصرف الشارع؛ إلَّا أنَّ هذا الخطاب الذي ينصب عليه التأمين ملحوظ بنحو المعنى الحرفي لا الاسمي، ملحوظ بما هو تعبير عن الملاكات والأغراض المولوية. إذن، فالتأمين عنه بما هو معنى 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

حرفي هو بعينه تأمين من ناحية تلك الملاكات، بلا حاجة إلى دلالة الاقتضاء.

وعليه، يندفع حينئذٍ الإشكال(1) على المحقّق الخراساني، ويظهر وجه للفرق بين البراءة العقلية والشرعية، فإنَّ العقلية لا تجري لأنّها تؤمّن بمقدار اللابيان، واللابيان إنَّما هو بلحاظ التكليف دون الغرض فقد تمّ البيان عليه. إذن، فهذه قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) قاصرة عن التأمين من ناحية الغرض، وهذا بخلاف البراءة الشرعية فإنّها تأمين عن التكليف المشكوك بما هو معنى(2) حرفي. وذو المعنى الحرفي يختلف باختلاف الموارد، فتارة يكون مشكوكاً بدوياً وأخرى يكون غرضاً يشكّ في زيادة محصِّله وقلته، وعلى أيّ حال يظهر أنَّ هناك وجهاً فنّياً للفرق بين البراءة العقلية والشرعية فيمكن لصاحب (الكفاية) أن ينكر على أساس هذا المسلك جريان البراءة العقلية، ولكن يذهب إلى جريان البراءة الشرعية.

هذا هو جواب الحلي.

وأمّا الجواب النقضي على ما ذكره سيّدنا الأستاذ: فقد قلنا له: بأنّه لو فرضنا أنَّ أدلّة الأصول تؤمّن على مستوى الغرض والملاك بدلالة الاقتضاء، وقلنا: إنَّ دلالة الاقتضاء، القدر المتيقن منه هو ما إذا كان الغرض مشكوكاً بدواً لا ما إذا كان معلوماً، يلزم منه تالٍ باطل لا يلتزم به فقيه. وحاصله: عدم 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

() إشكال السيّد الأستاذ. (المقرِّر).

(2) فيكون التأمين عن وجوب الزائد بالجعل الشرعي بنفسه تأميناً بالظهور العرفي عن دخل هذا الجزء الزائد في الغرض المعلوم مولوياً، (محاضرة أخرى)، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التمسك بدليل أصالة الطهارة “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر” بالنسبة إلى بعض الأحكام. 

فإنَّ الشيء المشكوك الطهارة والنجاسة، لو كان عليه نجساً في الواقع، يترتّب على نجاسته أمور كثيرة منها حرمة شربه، فكلّ شيء طاهر يؤمّن من ناحية حرمة شربه ومن ناحية ملاكه؛ لأنَّ ملاك حرمة الشرب هنا مشكوك بدوي، فيدخل في القدر المتيقن من دلالة الاقتضاء للسيّد الأستاذ. وهو يؤمّن من ناحية جواز الصلاة في هذا الثوب ومن ناحية ملاكه؛ لأنَّ ملاك عدم جواز الصلاة في هذا أيضاً مشكوك بدواً، باعتبار أنَّ المانعية مانعية انحلالية، فكلّ شيء يشكّ في نجاسته يشكّ في مانعية زائدة بالنسبة إليه خطاباً وملاكاً، ولكن ماذا تصنعون في التأمين من ناحية صحّة الوضوء في هذا الماء، فإنَّ الطهارة أخذت شرطاً في صحة الوضوء، بمعنى: أنّه يجب الوضوء بالماء الطاهر، ونحن علمنا بوجود تكليف بالوضوء بالماء الطاهر ونشك أنّه هل يحصل امتثاله بالتوضي بمثل هذا الماء أو لا يحصل، فالشكّ هنا شكّ في امتثال التكليف المعلوم لا شكّ في تكليف زائد، فهناك ملاك معلوم تعلقه بالوضوء بالماء الطاهر ويشك في حصوله خارجاً بالوضوء في هذا الماء وعدم حصوله، فهنا لو قلنا بأنَّ دليل أصالة الطهارة، وغيره من أدلّة الأصول، لا تؤمّن من ناحية الملاك إلَّا إذا كان مشكوكاً بدواً لا ما إذا كان معلوماً يلزم أن لا يكون مؤمّناً من هذه الناحية، وهو ممّا لا يلتزم به.

هذا تمام الكلام بناء على هذا المسلك، فظهر بذلك أنّه على المسلك الأوّل 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لإنكار قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) يمكن التفكيك بين البراءة العقلية والشرعية، يبقى الكلام على المسلك الثاني.

في الكلام على المسلك الثاني في الاشتغال

وأمّا(1) المسلك الثاني للمنكرين للبراءة العقلية، وهو مسلك التمسك بنفس العلم الإجمالي بالوجوب المردّد بين الأقلّ والأكثر، بدعوى أنّه لم ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشك البدوي في وجوب الزائد، بل هو علم إجمالي بين المتباينين بين المطلق والمقيد؛ لأنّه يعلم إجمالاً إمّا بوجوب التسعة المطلقة وإمّا بوجوبها منضمة إلى العاشر، وهذا دوران بين المتباينين؛ لأنَّ المطلق والمقيد بما هو كذلك متباينان، فيكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً ومانعاً عن جريان البراءة العقلية. هذا هو الوجه الأوّل من الوجوه التي ذكرناها للقول بوجوب الاحتياط.

بناءً على هذا المسلك، لا تجري البراءة العقلية، -مثلاً- ولكن هل تجري البراءة الشرعية؟ بالرغم من إنكار العقلية أو لا؟

بنى ذلك السيّد الأستاذ وشيخه الأستاذ على تحقيق هوية الإطلاق، وأنّه هل هو مجرد أمر عدمي -عدم التقييد-، أو أنّه أمر وجودي لحاظي مضاد للتقييد.

توضيح ذلك: أنّهم قالوا: إنَّ هذا العلم الإجمالي بعد ارجاعه إلى علم بين 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً إمكان جريان البراءة الشرعية دون العقلية على المسلك الأوّل. قال: وأما… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المتباينين -وجوب المطلق أو وجوب المقيد- هنا قد يقال: إنَّ أصالة البراءة الشرعية عن وجوب الأكثر المقيد، لا تجري؛ لأنّه على خلاف العلم الإجمالي إمّا باعتبار معارضته بأصالة البراءة عن وجوب المطلق، وإمّا لعدم إمكان جريان الأصل ولو في أحد الأطراف، بناءً على القول بالعلِّية. 

ولكن هنا لا بُدّ وأن يرى شيء، وهو أنَّ أصالة البراءة الشرعية عن وجوب المقيّد الأكثر، هل يثبت الإطلاق والأمر بالمطلق، أو ينفي فقط أحد طرفي العلم الإجمالي دون أن يثبت الآخر، أنَّ أصالة البراءة الشرعية تنفي فقط وجوب المقيّد دون أن تثبت المطلق، أو أنّها هنا تقوم بعملين مزدوجين: أحدهما نفي هذا الطرف، والآخر إثبات ذلك الطرف؟

فإن فرض؛ أنّها لا تقوم إلَّا بنفي وجوب الأكثر -المقيد- دون إثبات المطلق. إذن، فلا يجري هذا الأصل، إمّا لأنَّ الأصل النافي لبعض أطراف العلم الإجمالي في نفسه لا يجري أو من ناحية المعارضة. 

وأمّا إذا قلنا: إنَّ أصالة البراءة الشرعية عن وجوب المقيّد له عملان، فهو ينفي هذا ويثبت ذاك. إذن، فينحلّ العلم الإجمالي في المقام. ومثل هذا الأصل لا بأس بجريانه في المقام ولا يأتي محذور في جريانه لا على القول بالعلِّية ولا على القول بالاقتضاء، ويكون هناك فرق كبير بين البراءة العقلية والشرعية؛ لأنَّ البراءة العقلية تنفي فقط أحد الطرفين ولا تثبت الطرف الآخر، لكن إذا فرضنا أنَّ البراءة الشرعية كما تنفي هذا الطرف تثبت الطرف الآخر، فلا يبقى محذور في جريانها.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إذن فالبحث ساقاه هكذا، وحصراه في هذه النقطة، وهي أنَّ البراءة الشرعية هل يقتصر عملها على نفي وجوب المقيّد، أو أنّها مضافاً إليه تثبت وجوب المطلق؟

فعلى الأوّل يكون حالها حال البراءة العقلية، وكِلاهما لا يجريان. وعلى الثاني تحل العلم الإجمالي، ويظهر الفرق بينها وبين البراءة العقلية.

ثُمَّ اختلفا فيما هو المختار، فالمحقّق النائيني اختار الثاني، وهو أنَّ أصالة البراءة الشرعية تقوم بعملين مزدوجين: تنفي وجوب المقيّد وتثبت وجوب المطلق. ومن هنا ذكر أنّه لا بأس بالقول بجريانها حتّى على القول بإنكار البراءة العقلية. 

والسيّد الأستاذ أختار الأوّل، وهو أنَّ البراءة الشرعية تنفي فقط مؤداها، وهو وجوب المقيد، ولا تثبت وجود المطلق. إذن، فحالها حال البراءة العقلية، كِلاهما ليس له عملان مزدوجان، بل إنَّما هي تنفي أحد الطرفين دون أن تثبت الطرف الآخر. 

وبنيا هذا الاختلاف في الاختيار، على مبناهم في تحقيق معنى الإطلاق، فإنَّ المحقّق النائيني يبني على أنَّ الإطلاق عبارة عن عدم التقييد المقابل للتقييد بتقابل العدم والملكة، والسيّد الأستاذ يختار أنَّ الإطلاق عبارة عن لحاظ وجودي في مقابل اللحاظ التقييدي بتقابل التضاد، وقالا: إنَّ النزاع في هذا المبنى هو الذي يحدد الاختيار في المسألة؛ لأنّنا إذا بنينا على أنَّ الإطلاق هو مجرّد عدم التقييد، فيمكن أن نقول: إنَّ (رفع ما لا يعلمون) ينفي أحد الطرفين 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ويثبت الطرف الآخر تعبداً، ينفي التقيد بالسورة ونفيها عبارة أخرى عن عدمها، وليس الإطلاق إلَّا عدم التقييد. إذن، فيثبت الاطلاق بالبراءة وينتفي بها التقييد، يعني: البراءة الشرعية تنفي أحد طرفي العلم الإجمالي وهو التقييد، وتثبت الطرف الآخر وهو الإطلاق. 

وأمّا بناءً على أنَّ الإطلاق عبارة عن أمر وجودي لحاظي في مقابل لحاظ التقييد -كما يبني عليه السيّد الأستاذ- بناءً عليه، أصالة البراءة لا تثبت الإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق والتقييد ضدان، والاصل الذي ننفي به أحد الضدين لا يمكن أن نثبت به وجود الضد الآخر إلَّا بالملازمة العقلية، والملازمة العقلية مبنية على الأصول المثبتة وهي ليست بحجّة. إذن، فلا يمكن إثبات الإطلاق بأصالة البراءة في المقام بناءً على المبنى الثاني.

هذا خلاصة ما ذكره هذان المحقّقان في المقام.

أمّا أنَّ صاحب (الكفاية) الباني على جريان البراءة الشرعية يبني على جريانها من باب أنّها تثبت الإطلاق بنفسها، بالنحو الذي بينه الميرزا أمّا هذا فغير صحيح؛ لأنَّ صاحب (الكفاية) هو بنفسه بيّن مدركه في المطلب على ما سوف يأتي. فنقطع النظر عن كون هذا الكلام تفسيراً لصاحب (الكفاية) ونتكلّم في صحّة هذا الكلام في نفسه وعدمه.

أمّا هذا الكلام منظوراً إليه في نفسه، فالصحيح أنَّ دليل البراءة وهو (رفع ما لا يعلمون) لا يثبت الاطلاق أصلاً، لا بناءً على أنَّ الإطلاق عبارة عن عدم التقييد بنحو تقابل العدم والملكة كما ذهب إليه الميرزا، ولا عدم التقييد بنحو 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تقابل السلب والايجاب كما نحن نذهب، ولا أمر وجودي لحاظي في مقابل التقييد، مقابل له بنحو تقابل التضاد كما يذهب إليه السيّد الأستاذ. على جميع هذه المباني، لا تثبت البراءة والإطلاق، وليس أنَّ الإطلاق نفياً وإثباتاً يترتّب على هذه المباني.

والسر في ذلك: يحتاج إلى ذكر مقدّمة: وحاصلها: هو أنَّ التقييد كتقيّد الواجب بالسورة له نحوان من الثبوت ومن الوضع من قبل الشارع. له وجود في عالم الجعل والتكليف في الواقع. هذا الوجود الذي يعرضه الشكّ والجهل والعلم والظن ونحو ذلك، فيقال: فلان عالم بتقيد الواجب بالسورة، فلان شاك به.

 وهذا الوجود في عالم الجعل للتقيد، يقابله في هذا العالم إطلاق الواجب، سواء قلنا: إنّه يقابله مقابلة الضد للضد أو العدم للوجود.

وهناك وجود آخر للتقييد، وهو وجوده في طول الشكّ فيه وفي المرتبة المتأخّرة عن الشكّ فيه، كأنْ يقال للشاك بما هو شاك: أيها الشاك في أنَّ الواجب مقيد بالسورة، أنا أضع على عهدتك هذا التقيد، فهذا إيجاد للتقيد في المرتبة المتأخّرة عن الشك. وهذا الإيجاد معناه ايجاب الاحتياط؛ لأنّه في الرتبة المتأخّرة عن الشكّ في الواقع لا معنى لجعل الواقع، بل لا معنى هنا إلَّا لجعل ايجاب الاحتياط، ويقابل هذا التقيد عدم إيجاب الاحتياط ورفعه والحكم بالحلية ظاهراً إطلاق الواجب في نفسه، فإنَّ هذا الاطلاق يقابل التقييد في نفسه الذي هو موجود في المرتبة الأولى.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فإذا عرفنا أنَّ التقييد له نحوان من الوجود، ويقابل كلّ نحو من الوجود ما يناسبه، فالوجود الأوّل يقابله إطلاق الواجب، والوجوب الثاني يقابله إطلاق عنان المكلّف وترخيصه ظاهراً في ترك الاحتياط. 

وحينئذٍ إذا جاء دليل من الأدلّة ناظر إلى الوجود الأوّل للتقييد. فنفاه، وقال بأنَّ التقييد بوجوده الواقعي غير موجود. هذا الوجود السابق على الشكّ في العلم، حينئذ نقول: إنَّ هذا الدليل إن كان دليلاً اجتهادياً، فهو كما ينفي التقييد ينفي الإطلاق لا محالة، وإن كان أصلاً عملياً، كالاستصحاب، كما لو استصحبنا عدم التقييد الواقعي، فهنا نفصّل ونقول: إن كان الإطلاق مجرّد عدم التقييد. إذن، فيثبت الاطلاق؛ لأنّه هو المستصحب، وإن كان الإطلاق عبارة عن أمر وجودي في مقابل التقييد، فلا يثبت بالاستصحاب؛ لأنّه ملازمة عقلية والاستصحاب المثبت ليس بحجّة. هذا كلّه في الأدلّة الناظرة إلى الوجود الواقعي للتقييد. 

وأمّا الأدلّة الناظرة إلى الوجود الثاني للتقييد، وجوده في المرتبة المتأخّرة عن الشكّ والمتعرضة له نفياً، فهذه الأدلّة سواء كانت أدلّة اجتهادية أو أصولاً عملية، وسواء كان الإطلاق عبارة عن عدم التقييد أو عبارة عن أمر وجودي في مقابل التقييد، على جميع التقادير، الدليل الاجتهادي أو الاصل العملي لا يثبت به إطلاق الواجب؛ لأنَّ الدليل ابتداءً ليس ناظراً إلى ذلك العالم، بل هو ناظر إلى العالم المتأخر، فلا يثبت به إطلاق لا وجداناً ولا تعبداً؛ لأنّه غير ناظر إليه أصلاً.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إذا اتضحت هذه المقدّمة يتضح المقصود في المقام: وهو أنَّ (رفع ما لا يعلمون) إن كان متعرضاً لنفي التقييد بوجوده الواقعي حينئذٍ يمكن أن تبنى المسألة على ما بنوا عليه ونقول: إنَّ الإطلاق إن كان عبارة عن عدم التقييد فيثبت بحديث الرفع، وإن كان عبارة عن أمر وجودي في مقابله، فلا يثبت به لأنّه أصل عملي وليس دليلاً اجتهادياً.

ولكن كلّ هذا أجنبي عن محلّ الكلام، بعد البناء في فهم حديث الرفع في بحث البراءة من كونه متعرضاً لنفي الوجود والوضع في المرتبة المتأخّرة الذي هو عبارة أخرى عن إيجاب الاحتياط، فكأنّه قال لا يجب عليكم الاحتياط، فأيّ سنخية بين عدم وجوب الاحتياط وبين إطلاق الواجب في الواقع، سواء قلنا: إنَّ إطلاق الواجب عبارة عن أمر عدمي أو أمر وجودي، على كلّ حال لا سنخية بينهما لاختلاف العالم. 

ونحن نريد من الأصل أن ينفي أحد طرفي العلم الإجمالي ويثبت الطرف الآخر، إلَّا أن (رفع ما لا يعلمون) لا يثبت الطرف الآخر؛ لأنّنا نعلم إجمالاً إمّا بوجوب المطلق واقعاً أو بوجوب المقيّد واقعاً، فلو كان هذا الأصل ينفي وجوب المقيّد واقعاً -ولو تعبداً- ويثبت لنا -ولو تعبداً- وجوب المطلق واقعاً لا نحل به العلم الإجمالي، ولكنّه ليس كذلك، فإنّه لا يثبت به وجوب المطلق واقعاً لا وجداناً ولا تعبداً؛ لأنّه غير ناظر إلى تلك المرتبة.

وعليه فالصحيح: أنَّ تبرير جريان البراءة الشرعية في المقام بأنّها تعمل عملين مزدوجين وتنفي أحد طرفي العلم الإجمالي وتثبت الطرف الآخر، هذا 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التبرير لا يتمّ على جميع مسالك الإطلاق. إذن، فيبقى السؤال على حاله، وهو أنّه ساغ لنا: أنَّ نمنع عن جريان البراءة العقلية ونقول بجريان الشرعية، بعد إن كان حالهما واحداً؛ لأنَّ لهما عمل واحد لا عملين مزدوجين فما الذي فرق البراءة الشرعية عن العقلية في هذا الحال؟

ولكي نقوم بجواب عن هذا السؤال ننتقل إلى:

الأمر الثالث: ما الذي عدل بالآخوند عن إجراء البراءة عن الأمر بالأكثر إلى إجرائها عن الجزئية؟

الأمر الثالث: فنطرح سؤالاً آخر قد يلقي جوابه ضوءاً على هذا السؤال: نقول: إنّنا نقرأ في (الكفاية) أنَّ صاحبها أجرى أصالة البراءة الشرعية عن جزئية السورة لا عن منشأ انتزاع الجزئية، وهو الأمر بالأكثر، فنتساءل أنَّ صاحب (الكفاية) ما الذي عدل به عن إجراء البراءة عن الأمر بالأكثر عن الجزئية، التي هي عنوان منتزع عن الأمر بالأكثر وتترتّب عليه؟

هنا يمكن جعل فرضية في تبرير هذا العدول، بحيث تُعطي جواباً على السؤال السابق، وهو أن نقول: هل صاحب (الكفاية) هكذا تخيل: إنَّ قاعدة البراءة العقلية لا تجري في أطراف العلم الإجمالي للمعارضة في أطرافه؛ لأنّه موجود وغير منحل، والبراءة الشرعية عن وجوب الأكثر أيضاً لا يجري؛ لأنّه مبتلى بالمعارض، وهو البراءة الشرعية عن وجوب الأقلّ، لأنَّ المفروض أنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ، فأصالة البراءة عن وجوب الأكثر بحده معارض لأصالة البراءة وجوب الاكثر بحده، ولعلّ هذا هو الذي دعاه إلى عدم 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التمسك بأصالة البراءة عن وجوب الأكثر.

ولكنه يرى أنَّ هناك أصلاً طولياً في طول أصالة البراءة عن وجوب الأكثر وهو أصالة البراءة عن جزئية السورة؛ لأنَّ الشكّ في جزئية السورة مسبب عن الشكّ في الأمر بالأكثر وعدمه. إذن فأصالة البراءة عن الجزئية في طول أصالة البراءة عن وجوب الأكثر، وهنا يمكن أن يقال: بأنّه متى ما كان عندنا أصلان عرضيان متعارضان، وكان تحت أحدهما أصل طولي فيتساقط العرضيان وينتهي إلى الأصل الطولي لأحدهما بلا معارض. وهذه نظرية ناقشناها فيما سبق في التنبيه الثاني من تنبيهات العلم الإجمالي.

هذا يمكن أن يكون وجهاً للتفكيك بين البراءة العقلية والبراءة الشرعية، ووجها لعدول صاحب (الكفاية) عن التمسّك بأصالة البراءة عن وجوب الاكثر إلى تمسكه بأصالة البراءة عن الجزئية.

لماذا عدل عن إجراء البراءة عن الأكثر، إلى إجرائها في الجزئية، لماذا عدل عن ذلك المطلب الصريح وتمسك بحديث الرفع في الجزئية أو القيدية، حتّى يبتلى بأن قلت: -كما في (الكفاية)- إن الجزئية أمر انتزاعي قلت: إن الجزئية قابلة للوضع والرفع بتبع منشأ انتزاعه، لماذا تطويل المسافة(1)؟

إذ وضعنا هذه الفرضية تستطيع أن تجيب على كلا السؤالين:

أمّا السؤال الأوّل: وهو أنَّ صاحب (الكفاية) كيف تعقّل البراءة عن أحد طرفي العلم الإجمالي مع أنّه علم إجمالي منجّز غير منحل، فالجواب عنه: أنَّ هذا 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

() وهنا ذكر الفرضية السابقة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الأصل الطولي لا معارض له بعد التساقط بين الأصلين العرضيين.

وأمّا الجواب عن السؤال الثاني: وهو أن صاحب (الكفاية) لماذا ركز تطبيقه على الجزئية المشكوكة ولم ينف نفس العلم بالأكثر بأصالة البراءة؟ فجوابه: أنَّ أصالة البراءة عن الأمر بالأكثر مبتلى بالمعارض، فتساقط العرضيان وانتهينا إلى الأصل الطولي.

فهذه الفرضية تستطيع أن تجيب على كلا السؤالين(1).

هذه هي الفرضية، لكن هذه الفرضية غير صحيحة؛ وذلك:

أمّا أوّلاً: فلأنّها لا تنسجم مع مسلك صاحب (الكفاية) لأنّه يقول بأن العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية ولا يقول بمسلك الاقتضاء. وهذه الفرضية مبنية على تلك النظرية القائلة بتساقط الأصلين العرضيين النافيين في طرف العلم الإجمالي والانتهاء إلى الأصل الطولي في أحدهما. وهذه النظرية على تقدير صحتها إنَّما تتمّ على القول بالاقتضاء دون 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إنّه كيف تجري أصالة البراءة عن العنوان الانتزاعي مع تنجّز منشأ الانتزاع بالعلم الإجمالي؟ 

فأجاب: بنفس جريان هذا الأصل لا يصبح منجّزاً؛ لأنَّ رفع الجزئية هو برفع منشأ الانتزاع، وكونه طرفاً للعلم الإجمالي لا يمنع عن إبطاله بالأصل إذا لم يكن له معارض، غاية الأمر أنَّ الأصل الأوّل، وهو أصالة البراءة عن وجوب الأكثر ابتلى بالمعارض في مرتبته، ولكن الأصل الطولي وهو أصالة البراءة عن الجزئية، فلم يبتلى بالمعارض في مرتبته، فيجري ويؤمّن عن الجزئية وعن مبادئ الجزئية التي منها تعلّق الأمر بالأكثر. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

القول بالعلِّية، فإنّه على القول بالاقتضاء حيث إنَّ المحذور في جريان الأصل هو التعارض، فيقال: إنَّ الأصل الطولي لا معارض له فيجري، أمّا القائل بالعلِّية فهو لا يرى جريان الأصل الثاني لاحد الطرفين ولو لم يكن له معارض. والآخوند قائل بالعلِّية فيستحيل عنده جريان الأصل ولو كان طولياً لا معارض له في مرتبته.

وأمّا ثانياً: فلأنَّ هذه الفرضية لا تتمّ حتّى على مبنى الاقتضاء أيضاً؛ لأنّها مبنية على تخيل أن أصالة البراءة عن الجزئية أصل طولي في طول أصالة البراءة عن الأمر بالأكثر، بدعوى أنَّ الشكّ في الجزئية مسبب عن الشكّ في الأمر بالأكثر؛ لما قرأناه في بحث الاستصحاب من (الكفاية) من أنَّ الجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية ونحوها من العناوين الوضعية منتزعة عن التكاليف ومترتبة عليها، فبناءً عليه يكون الأصل في الجزئية متأخّراً رتبة، ويكون أصلاً طولياً فتنتهي النوبة إليه بعد التعارض بعد الأصلين الآخرين العرضيين.

ولكن الصحيح في المقام: أنَّ أصالة البراءة عن الجزئية لو تعقّلناه في نفسه، فلا نسلّم كونه أصلاً طولياً محكوماً لأصالة البراءة عن الأمر بالأكثر، فإن الشكّ في الجزئية وإن كان سبباً عن الشكّ بالأكثر، سواء عرفنا الجزئية من عوارض الوجود كالحرارة بالنسبة إلى النار، أو من عوارض الماهية كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، فهو وإن كان مسبباً عنه، ولكن الترتب بين الجزئية وبين الأمر بالأكثر، ليس ترتباً شرعياً، بل هو ترتب عقلي، ويشترط في حاكمية أصل على أصل وطوليته عنه، لا مجرّد أن يكون الشكّ فيه مسبباً عن الشكّ هناك، بل أن تكون 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

السببية بجعل الشارع، من قبيل كون إباحة الماء مسببة عن طهارته، فيقال: إنَّ أصالة إباحة الماء أصل محكوم وطولي بالنسبة إلى أصالة الطهارة فيه؛ لأنَّ إباحته مترتبة على إباحته، وهو ترتب شرعي، في مثل هذا تتمّ الحكومة على مبانيهم.

وأمّا في مثل ما إذا كان الترتب تكوينياً لا شرعياً مولوياً فلا تتمّ حكومة وطولية بين الأصلين كما هو الحال في المقام، فإنَّ جزئية السورة، أمر مترتب تكويناً على الأمر بالأكثر، لا أنّه أمر مترتب عليه بجعل من الشارع بحيث إن الشارع بعد أن يجعل الأمر بالأكثر يستأنف جعلاً جديداً للجزئية، ليس الأمر هكذا، فأصالة البراءة عن الأمر بالأكثر لا تكون حاكمة على أصالة البراءة عن الجزئية؛ لأنَّ الجزئية أثر تكويني لا أثر شرعي، والأصل لا يثبت به الآثار التكوينية لمؤداه، فلا تكون أصالة البراءة عن الأمر بالأكثر متعرّضاً لحال الجزئية لا وجوداً ولا عدماً.

 وإذا لم يكن متعرضاً لحالها فكيف يُعقل أن يكون حاكماً على أصالة البراءة عن الجزئية، بل هما أصلان في عرض واحد ولا طولية بينهما بوجه من الوجوه. هذا ثانياً.

وأمّا ثالثاً: فإنَّ أصالة البراءة عن الجزئية وطبق حديث الرفع عليها في نفسها غير صحيح؛ وذلك لأنَّ الوضع على ما بيّنا بالأمس وضعان: وضع واقعي يقابله رفع واقعي ووضع ظاهري يقابله الرفع الظاهري. والوضع الواقعي عبارة عن جعل الشيء. والوضع الظاهري عبارة عن جعل إيجاب الاحتياط، وكلٌ يقابله عدم الجعل في مرتبته.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

والجزئية قابلة للوضع الواقعي بتبع وضع منشأ انتزاعها، فإنَّ المولى بجعل الأمر بالأكثر يضع بالتبع وبالعرض الجزئية، وحيث إنّها تقبل الوضع الواقعي فتقبل الرفع الواقعي؛ فمن هنا لا نضايق في أنّه لو جاء دليل اجتهادي يقول: إنَّ جزئية السورة مرفوعة عن المستعجل، ووضعها الواقعي يكون بإيجاب الأمر بالأكثر ورفعها الواقعي يكون بإلغاء هذا الأمر. 

وأمّا الوضع الظاهري فالجزئية لا تقبله ولا الرفع الظاهري المقابل له إلَّا بنحو الكناية لا بنحو جدي حقيقي، فلو جاء: أنَّ جزئية السورة مرفوعة عن الشكّ في جزئيتها أو موضوعة عليه. والوضع الظاهري عبارة عن ايجاب الاحتياط، وإيجاب الاحتياط إثباتاً ونفياً إنَّما يتصور بلحاظ حكم يقبل التنجّز لا بلحاظ حكم لا يقبل التنجز، ولا يكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال، مثلاً: لا معنى لإيجاب الاحتياط بلحاظ الإباحة الواقعية، ورفعه عنها؛ لأنّها لا تقبل التنجز، فإيجاب الاحتياط إثباتاً ونفياً إنَّما يتصور بلحاظ حكم مشكوك قابل للتنجز، والجزئية بما هي غير قابلة للتنجّز وليس موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال، بل ما يقبل التنجّز إنَّما هو الأمر بالأكثر الذي هو منشأ انتزاع الجزئية. أمّا الجزئية بما هي، كما لو فرض محالاً أنّه وجدت جزئية ولم يوجد أمر بالأكثر لا يحكم العقل بلزوم الإتيان بالسورة.

فإذا لم تكن الجزئية قابلة للتنجز، فلا تكون قابلة للوضع الظاهري ولا للرفع الظاهري، وحيث إنَّ حديث الرفع متكفّل للرفع الظاهري لا للرفع الواقعي؛ ولهذا لا تكون الجزئية مشمولة بحديث الرفع. 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فإن قلتم: إنّه هل يكون من الغلط لو جاء في رواية: أنَّ جزئية السورة مرفوعة عن الشاك أو موضوعة عليه؟ نقول: هذا ليس غلطاً، بل هو كناية. ويكون المراد جداً من هذا اللفظ هو رفع الأمر بالأكثر، فكأنّه قال: الأمر بالأكثر موضوع أو مرفوع، غاية الأمر عبّر عنه باللازم من قبيل: (زيد كثير الرماد). فيكون هذا كناية، وهي كناية عرفية صحيحة.

وفي المقام ليس عندنا دليل خاص جاء لرفع الجزئية المشكوكة وإنَّما نريد أن نتمسّك بإطلاق (رفع ما لا يعلمون) وإطلاقه لا يثبت به الفرد الكنائي؛ لأنَّ الكناية عناية على خلاف الأصول العقلائية في مقام الاستعمال، فلا يثبت الفرد الكنائي بإطلاق الدليل في المقام. 

وعليه فإطلاق حديث الرفع في نفسه لا يشمل الجزئية المشكوكة؛ لأنَّ الرفع فيه بمعنى الرفع الظاهري، وهو لا يُعقل تعلقه بالجزئية المشكوكة؛ لأنّها لا تقبل التنجّز إلَّا بنحو الكناية، والكناية لا يمكن إثباتها بالإطلاق.

ورابعاً: أنَّ أصالة البراءة من الجزئية لو تصورناه وقطعنا النظر عن الإشكالات السابقة، وفرضنا أنَّ أصالة البراءة عنها تؤمّن من ناحية منشأ الانتزاع وهو الأمر بالأكثر. إذن، فهو معارض بأصل طولي في عرضه، كما نبّه على ذلك المحقّق الاصفهاني. وهذا الأصل الطولي عبارة عن أصالة البراءة عن كلّية(1) الأقلّ؛ لأنَّ الأمر بالأكثر يستتبع جزئية العاشر وهو السورة، والأمر بالأقلّ يستتبع عنوان كلية الأقلّ، وكما أنّكم تريدون بإجراء حديث 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

() نسبة إلى الكلّ. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الرفع عن الجزئية أن تؤمّنوا من ناحية منشأ الانتزاع وهو الأمر بالأكثر، نحن أيضاً نجري حديث الرفع عن (كلّية الأقلّ) ونؤمّن من ناحية منشأ انتزاعه.

إذن، فعندنا أصلان متعارضان في المرتبة الأولى والمرتبة الثانية. أمّا في المرتبة الأولى فأصالة البراءة عن وجوب الأقلّ بحدّه وأصالة البراءة عن وجوب الأقلّ بحدّه(1). وفي المرتبة الثانية عندنا عنوانان: جزئية العاشر وكلية الأقلّ، وكل منهما بنفيه نؤمّن من منشأ انتزاعه فأيضاً يتعارضان.

وهذا الإشكال للمحقّق الأصفهاني صحيح. فهذه إشكالات هذه الفرضية.

فقد بطلت هذه الفرضية؛ وعليه فقد بقينا مرة أخرى نواجه السؤالين السابقين:

 أحدهما: أنّه كيف يتعقّل جريان البراءة الشرعية عن الأمر بالأكثر مع أنَّ العلم الإجمالي قائم ومنجّز؟

 ثانيهما: أنّه لماذا ركز تطبيق الحديث على خصوص الجزئية، ولماذا لم ينقل الكلام إلى الأمر بالأكثر؟

هذان السؤالان كِلاهما من وجهة نظر الميرزا بسيطان؛ لأنّنا نقول من وجهة نظره: أمّا الجواب عن السؤال الأوّل: أن هذا الأصل بنفسه يحلّ العلم الإجمالي، حيث إنَّ له عملين مزدوجين، هما نفي أحد الطرفين وإثبات الطرف الآخر(2). وأمّا السؤال الثاني: أنّه بحديث الرفع نريد أن نثبت الإطلاق، كما قلنا 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

() هكذا في الخطية.

(2) والإثبات والنفي كِلاهما مدلول لحديث الرفع في نظره، فأوجب انحلال العلم الإجمالي عنده. (المحاضرة غداً). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بالأمس، فلو طبّقت الرفع على الأمر بالأكثر، لا يثبت الإطلاق بذلك؛ لأنَّ عدم الأمر بالأكثر لازم أعم للأمر بالأقلّ مطلقاً ولعدم الأمر رأساً، فلا بُدّ أن نطبّق حديث الرفع على نفس الجزئية والقيدية، وحيث إنّنا نرى -يعني الميرزا- أنَّ الإطلاق عبارة عن مجرّد عدم التقييد، فيثبت في المقام -بقطع النظر عن إشكالنا عليه بالأمس- أنَّ الإطلاق مدلول مطابقي لحديث الرفع.

فالميرزا يريد أن يجعل الاطلاق مدلولاً مطابقياً لحديث الرفع، وهو لا يأتي له لو طبّقه على الأمر بالأكثر ابتداء، وإنَّما يتأتّى له لو طبّقه على القيدية والشرطية والجزئية.

هذا هو جواب السؤالين من وجهة نظر الميرزا، ولكن ما هو جوابهما من وجهة نظر الآخوند؟

في ضمّ حديث الرفع إلى الأدلّة الاجتهادية

أمّا(1) صاحب (الكفاية) فكأنّه يريد أن يحلّ المطلب لا عن طريق حديث الرفع وحده، بل هو مع ضمّ الأدلّة الاجتهادية إليه الدالّة على جزئية سائر الأجزاء غير هذا الجزء المشكوك الذي نجري البراءة عن جزئيته كدليل: (اركع واسجد)، أو دليل: (اقيموا الصلاة). فإنّه بضمّها إلى حديث الرفع تحصل للآخوند نفس النتيجة التي حصلها الميرزا مقتصراً على حديث الرفع.

فإنّه ذكر في (الكفاية): لا يقال: إنّه بعد جريان البراءة عن الأمر بالأكثر ما 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

() قال بعد أن لخّص جواب الميرزا على السؤال الأوّل، ومحصّله: أنَّ حديث الرفع بنفسه له عملان نفي أحد الطرفين وإثبات الآخر. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هو الدليل على وجوب الأمر بالأقلّ الخالي عن السورة، فكأنّه هنا يريد أن يفتّش عن مثبت للطرف الآخر لينحلّ بذلك العلم الإجمالي، ليكون أحد طرفيه منفياً والآخر مثبتاً، فما هو المثبت له. يقول: إنَّ المثبت له هو أدلّة الجزئية بالنسبة إلى الأجزاء المعلومة مع ضمها إلى حديث الرفع؛ إذ بضمّها إليه نثبت تعلّق الأمر بالأقلّ مطلقاً، فنكون قد نفينا أحد طرفي العلم الإجمالي واثبتنا الطرف الآخر، وحصل بذلك الانحلال، وتوجّه بذلك جريان الأصل النافي.

أمّا كيف نحصل على تلك النتيجة بضم حديث الرفع إلى تلك الأدلّة الاجتهادية، فهذا ما يقرّب بعدة وجوه:

الوجه الأوّل(1) هو أن يقال: إنّه بقطع النظر عن حديث الرفع، عندنا أدلّة دالة على جزئية الفاتحة والركوع والسجود ونحوه، ومن جملة هذه الأدلّة دليل يدلّ على جزئية السورة الَّا أنّه لم يصل إلينا بحسب الفرض؛ لأنَّ الفرض أننا شاكون بجزئية السورة، وحديث الرفع الذي يرفع الجزئية في حال عدم العلم يكون نسبته إلى دليل جزئية السورة غير الواصل، نسبة الاستثناء والمخصّص المنفصل، بمعنى: أنَّ ذلك الدليل غير الواصل يقول: السورة جزء مطلقاً سواء علم بها أو لا، وحديث الرفع يقول: إنّها ليست جزءاً في حال عدم العلم فيكون استثناء له.

فيكون الحال هو الحال فيما لو ورد دليل جزئية السورة مقيداً بحال العلم، أو صحيحة زرارة التي تقول: إنَّ المستعجل لا تجب عليه السورة، ألم يكن هذا 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() وهو أظهرها من عبارة (الكفاية) على ما ذكر سيّدنا الأستاذ. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تخصيصاً لدليل جزئية السورة، وبعد تخصيصه نثبت الأمر بالأقلّ عند المستعجل بلحاظ سائر الأدلّة، كذلك في المقام أيضاً.

هذا التقريب -طبعاً- غير صحيح؛ لأنَّ مفاد حديث الرفع، ليس على مستوى مفاد أدلّة الجزئية ليصلح أن يكون تخصيصا لها، فإنَّ مفاد أدلّة الجزئية هو الحكم الواقعي، ومفاد حديث الرفع هو الرفع الظاهري المستبطن لعدم ايجاب الاحتياط من المعلوم أنَّ هذه مرتبة متأخّرة ولا يكون هذا الرفع مقابلا لما هو مدلول أدلّة الجزئية، وهو الوضعوالجعل الواقعي ليكون تخصيصا له.

فكم فرق بين (رفع ما لا يعلمون) وبين رواية زرارة التي تقول _ مثلا_ إنَّ المستعجل لا يجب عليه السورة، فإنَّ تلك الرواية مستواها مستوى دليل الجزئية؛ لأنّها تتكفّل رفعاً واقعياً فتكون تخصيصاً لدليل الجزئية. أمّا حديث الرفع فلا يتكفّل رفع الحكم الواقعي، وإنَّما يتكفّل رفع إيجاب الاحتياط، فكيف يكون مخصّصاً لدليل الجزئية في المقام. 

إذن، فلم نستطع بضم أدلّة الجزئية إلى حديث الرفع أن تنتج تعلّق الأمر بالأقلّ مطلقاً.

التقريب الثاني هو أن يقال: بأنّا سلّمنا بأنَّ حديث الرفع مفاده هو الترخيص الظاهري وعدم ايجاب الاحتياط، لا الرفع الواقعي في مقابل أدلّة الجزئية المتعرضة للحكم الواقعي، ولكن يحصل هذا التخصيص بالملازمة، بمعنى: أنَّ حديث الرفع بمدلوله المطابقي وإن لم يكن ناظراً لأدلة الجزئية ولا يصلح لتخصيصها، ولكنّه بالدلالة الالتزامية ينتفي تخصيص أدلّة الجزئية.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وتوضيح ذلك يتوقّف على استذكار مباني صاحب (الكفاية): فإنه يرى أنَّ الحكم الواقعي له مرتبتان: مرتبة الإنشاء ومرتبة الفعلية، فالحكم الانشائي عبارة عن الحكم الذي يوجد باللفظ فقط، دون أن يكون على طِبقه ارادة حقيقية، بل يوجد على أساس مصلحة اقتضائية غير مؤثرة فعلاً في الإرادة، فلو أثرت تلك المصلحة فعلاً في الارادة على طِبق الإنشاء يصبح التكليف فعلياً حينئذٍ ويخرج من عالم الإنشاء إلى عالم الفعلية. 

وأيضاً هو يرى -كما تعلمون في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية- أنَّ الأحكام الظاهرية الترخيصية تنافي مع مرتبة الفعلية للواقع، بمعنى: أنَّ الدعاء عند رؤية الهلال لو كان فعلياً فهو مناف مع أصالة البراءة شرعاً؛ لأنَّ الحكم الظاهري يستحيل أن يكون على خلاف حكم واقعي فعلي؛ ولهذا يلتزم من موارد الأصول المرخّصة والمؤمّنة ظاهراً بارتفاع فعلية الواقع، وأنَّ الحكم الواقعي يبقى مجرّد خطاب انشائي دون أن يكون فعلياً؛ لأنّه لو بقي على فعلية لحصلة المضادة بينه وبين الحكم الظاهري ولتمت شبهة (ابن قبة)، فهذا هو مبنى صاحب (الكفاية) في الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية.

إذا استذكرنا هذين المبنيين لصاحب (الكفاية)، فنقول: إنَّ دليل الجزئية المتكفل للوجوب الفعلي لفاتحة الكتاب والركوع والسجود وغيره، هذه الأدلّة ظاهرة في التعرض للحكم الواقعي ودالة على وجوب واقعي فعلي متعلّق بهذه الأفعال.

ولكن هذه الأدلّة الواصلة إلينا، بنفسها لا تبيّن لنا أنَّ هذا الوجوب الفعلي 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

متعلّق بالأقلّ أو متعلّق بالأكثر؛ لأنّها لو كانت تبيّن ذلك لكان عندنا دليل اجتهادي ولما احتجنا إلى أصالة البراءة، ولكن هذه الأدلّة بالتالي تثبت وجوباً فعلياً متعلّقاً بالأقل، أمره دائر بين أن يكون وجوباً فعلياً متعلّقاً بالأقلّ مطلقاً أو بالأقلّ مع السورة.

وحديث الرفع ليس مفاده هو الترخيص الواقعي، بل الترخيص الظاهري، لكن الترخيص الظاهري في ترك السورة لا يجتمع مع فعلية وجوب السورة في الواقع، فلا بُدّ من الالتزام بعدم فعلية وجوب السورة في الواقع، تحقيقاً للمبنى الثاني الذي ذكرناه للآخوند، من مضادة الأحكام الظاهرية للفعليات الواقعية، ونحن نعرف من الأدلّة الاجتهادية أنَّ هناك وجوباً فعلياً متعلّقاً بالأجزاء المعلومة من الركوع والسجود والفاتحة.

فحينئذٍ نضم هذه القضية التفصيلية إلى تلك القضية الإجمالية، حديث الرفع يدلّ بالمطابقة على الترخيص الظاهري ويدل بالالتزام على أنَّ وجوب السورة ليس فعلياً في الواقع، فهذه قضية تفصيلية وهي أنَّ وجوب السورة يعيّن وجوب الأكثر ليس فعلياً في الواقع.

وتلك الأدلّة الاجتهادية تدل على وجوب فعلي للأقلّ مردّد بين أن يكون في ضمن الأكثر، أي: مع السورة أو مطلق من هذه الناحية. وهذه قضية إجمالية نرفع إجمالها بتلك القضية التفصيلية، فنقول: إنَّ هذا الوجوب الفعلي الذي ثبت ببركة الاجزاء الاجتهادية هو وجوب متعلّق بالأقلّ مطلقاً لا متعلّق بالأقلّ مقيداً بالسورة؛ لأنّه كونه مقيداً بالسورة خُلف المدلول الالتزامي 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لحديث الرفع، لأنّه يدلّ بالالتزام أنّه لا فعلية لوجوب السورة في الواقع، فيتعيّن أن يكون الوجوب الفعلي الثابت بأدلة الاجزاء الاجتهادية قد انصب على الأقلّ مطلقاً لا مقيداً بالسورة.

فرق هذا البيان عن البيان الأوّل واضح، لأنّه في الأوّل ادعي أنَّ حديث الرفع بمدلوله المطابقي ناظر إلى تخصيص أدلّة الجزئية، أمّا هنا فنعترف أنّه ليس بمدلوله المطابقي ناظر الى ذلك، بل هو هو متكفّل للحكم الظاهري، ولكنّه بالدلالة الالتزامية يكون رافعاً للإجمال الموجود في القضية الاجمالية المقتنصة من أدلّة الجزئية. هذا هو الوجه الثاني.

وهو مبني على المبنى الثاني لصاحب (الكفاية)، وهو أنَّ الترخيص الظاهري ينافي مع فعلية الواقع، حيث إنَّ صاحب (الكفاية) عجز عن الجواب عن شبهة (ابن قبة) واستحكم عنده استحالة الجمع بين الأحكام الظاهرية الترخيصية مع الأحكام الواقعية الفعلية، فصار إلى هذا المبنى، من أنَّ الترخيص الظاهري لا يلائم مع فعلية الواقع فترتفع فعليته، ولكننا لم نعجز عن التوفيق بين الأحكام الظاهرية والأحكام الواقعية الفعلية، فالواقع بالرغم من فعليته يرخص فيه ظاهراً.

وبناءً عليه فحديث الرفع المتكفل للترخيص الظاهري في ترك السورة لا يدلّ بالالتزام على انتفاء فعلية وجوب السورة في الواقع، فضلاً عن عالم الإنشاء، لو تصوّرنا عالم الفعلية والإنشاء. إذن، فليس عندنا قضية تفصيلية لنضمها إلى تلك القضية الإجمالية فنرفع إجمالها بها. 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التقريب الثالث هو أن يقال: إنَّ حديث الرفع ناظر إلى الرفع الظاهري وليس له نظر إلى الواقع لا مطابقة -كما هو مقتضى التقريب الأوّل- ولا التزاماً -كما هو التقريب الثاني-.

ولكن بالظهور العرفي والملازمة العرفية، إذا بيّن الشارع أنّه رفع الجزئية في العلم الفلاني: عالم الظاهر أو عالم الواقع، يثبت بالملازمة العرفية، أنّه في نفس هذا العالم جعل أمراً مسانخاً لهذا العالم، أمراً بالأقلّ مطلقاً، وبلا هذا القيد، فإن كان ذلك العالم هو عالم الواقع، فيدل بالملازمة العرفية أنّه جعل أمراً واقعياً بالأقلّ مطلقاً، وإن كان هو عالم الظاهر فيدل على أنّه قد جعل أمراً ظاهرياً بالأقلّ مطلقاً، فيثبت المطلب بالملازمة العرفية. 

وهذا بيان تامّ صحيح لو ورد دليل خاص في المطلب، لو أنَّ حديث الرفع حديث خاص بموارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين، وقال: رفعت الجزئية عن الشاك، فيفهم من هذا عرفاً أنّه قد وضع على ذمته الأمر بالأقلّ مطلقاً؛ لأنَّ ظاهر قوله: رفعت جزئية الواجب المفروغية عن أنَّ هناك واجباً في هذا العالم غاية الأمر أنّه لا يشمل السورة. فظهوره في المفروغية عن أصل الواجب يستتبع فهم العرف أنَّ الشارع جعل -في نفس عالم رفع الجزئية- أمراً بالأقلّ مطلقاً.

لكن هذا إنَّما يكون فيما لو ورد دليل خاص عليه، أمّا في مثل حديث الرفع بإطلاقه لا يتمّ هذا المطلب؛ لأنَّ الملازمة ليست ملازمة عقلية حتّى لا يفرق بين الدليل الخاص والدليل العام، بل هي ملازمة عرفية ناشئة من ظهور الدليل في المفروغية عن وجود واجب، وهذا الظهور إنَّما هو فيما إذا جاء بلسان خاص في 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

رفع الجزئية دون اللسان العام كما في حديث الرفع فهذا البيان الثالث أيضاً لا يتمّ، إلَّا أنَّ هذا البيان الثالث لو تمّ يمكنه أن يجيب عن السؤال الثاني أيضاً الذي كُنّا نفتش عن جواب له أيضاً، وهو أنّه لماذا ركز على تطبيق حديث الرفع على الجزئية؟ فيجاب: أنّه ركز على هذا بتخيل أنّه بذلك تحصل تلك الملازمة العرفية حينئذٍ، مع الغفلة عن الفرق بين الدليل الخاص والعام.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني والثالث، فظهر أنَّ ما ذكره صاحب (الكفاية) لا يمكن توجيهه فنّياً.

الأمر الرابع في مناقشة السيّد لصاحب (الكفاية)، ومناقشته

الأمر الرابع: أنَّ السيّد الأستاذ نسب إلى صاحب (الكفاية) أنّه بعد أن أجرى البراءة الشرعية عن الأمر بالأكثر مثلاً، أخذ يفتّش عن تحصيل منجّز للأمر بالأقل؛ أنّه ما هو المنجّز له بعد أن اجرينا البراءة عن الأكثر؟ كأن الإتيان بالأقلّ كان الملزم له هو مجموع الأمرين: الأمر بالأقلّ والأمر بالأكثر، وبعد أن نفى الأمر بالأكثر بقي في حيرة من ناحية ما هو الملزم للإتيان بالأقل، ثُمَّ تصدى صاحب (الكفاية) لتحقيق هذا المطلب.

هكذا نسب السيّد الأستاذ إلى صاحب (الكفاية)، وذكر أنَّ هذا اشتباه منه، بل احتمل أن يكون هذا خطأ مطبعياً، وأن تكون هذه العبارة ليست واردة هنا -وهو قوله: لا يقال فإنّه يقال- بل واردة في مسألة أخرى نشير إليها.

 أفاد السيّد الأستاذ أنَّ الإنسان بعد أن ينفي وجوب الزائد بالبراءة لا يحتاج إلى الفحص عن منجّز للأقلّ؛ لأنَّ الأقلّ معلوم الوجوب على كلّ حال، 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فمنجزه هو العلم التفصيلي بوجوبه، فلماذا يتعب الآخوند نفسه في الفحص عن المنجز مع أنّه بأعلى مراتبه موجود.

ولذا احتمل أن تكون هذه العبارة مربوطة بمسألة آتية وهي تنبيهات الأقلّ والأكثر، وهي أنّه لو علمنا بأنَّ السورة جزء، ولكن شككنا أنّها هل هي جزء حتّى في حال النسيان، يعني: أنّها جزء بنحو الركنية بحيث لو تركها المكلّف ناسياً تبطل صلاته كالركوع، أو أنّها جزء في حالة التذكر دون النسيان، هناك يدور الأمر بين وجوب الأقلّ ووجوب الأكثر، يدور أن تكون الوظيفة في حقّ الناسي هو التسعة أو العشرة، وهناك الأقلّ ليس معلوم الوجوب على كلّ تقدير؛ لأنَّ السورة إذا كانت واجباً على نحو الركنية، أي كان الواجب هو الأكثر فهو ساقط بالنسيان، فلا وجوب حتّى للأقلّ؛ لأنَّ وجوب الأقلّ ضمني فإذا سقط وجوب الأكثر بالنسيان فيسقط وجوب الأقل(1). وإن لم تكن السورة جزءاً على نحو الركنية، بل كانت جزئيتها مقيدة بحال الالتفاف، فالأمر بالأقلّ ثابت.

فالأمر بالأقلّ هناك ليس ثابتاً على كلّ تقدير، فنحتاج هناك إلى أن نفتش
-مثلاً- عن منجّز للأمر بالأقل، ينجّز على الناسي أن يأتي بالأقلّ هذا كلام قد يقال هناك، وأمّا هنا فلا نحتاج إلى منجّز للأمر بالأقل؛ لأنّه معلوم على كلّ 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() لأنَّ الأمر مردّد عنده بين أمر ساقط وأمر ثابت، فلا يتحصل من هذا التردد العلم التفصيلي بوجوب الأقل، ففي مثل ذلك لو فتّش الأصولي عن منجّز للأقلّ في حقّ الناسي لكان من حقّه ذلك، (محاضر ة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

حال. إذن، فهذه العبارة تناسب ذلك المطلب لا هذا المطلب.

وهذا الكلام مبني على أن يكون صاحب (الكفاية) في قوله: (لا يقال: فأين الأمر بالخالي عنه؟) أنّه بصدد الفحص والتفتيش عن منجّز للأمر بالأقلّ وأمّا بناءً على ما فسرنا به المطلب قبل ذلك، من أنَّ صاحب (الكفاية) ليس في مقام ذلك، بل في مقام الفحص عن محلّ للمنجز؛ لأنَّ المنجز عنده هو العلم الإجمالي، وهو قائم وغير منحل. وهو يريد أن يفتّش عن قاعدة توجب نفي أحد الطرفين وإثبات الطرف الآخر لينحل العلم الإجمالي. 

فنقول: فما هو الدليل على الأمر بالخالي عنه، يعني: ما هو المثبت لذلك الطرف للعلم الإجمالي وهو الأمر بالأقلّ مطلقاً، فهو يفتّش عن محلّ للمنجز لا عن منجّز للأقلّ(1). بناءً على ذلك لا يأتي هذا الاستغراب من أصله، بل وقوع العبارة في هذا الموقع.

وأمّا بقطع النظر عن ذلك، لو تبنينا هذا التفسير لعبارة صاحب (الكفاية)، فهل هناك وجه للاستغراب، وهل أنَّ هذه العبارة تناسب ذاك البحث دون هذا؟ فهذا مما نتكلّم عنه في اليوم الآتي. 

وأمّا(2) لو افترضنا أنَّ هذه العبارة سيقت للفحص عن منجّز للأقلّ، فهل 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() وهو لا يستطيع أن يجري أصالة البراءة عن أحد طرفي هذا العلم الإجمالي، ووجوب الأكثر ما لم يكن عنده مثبت للطرف الآخر، وهو وجوب الأقل… (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) لخّص أوّلاً تمام ما كان قاله بالأمس في الأمر الرابع، ثُمَّ قال: وأمّا…(المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هناك أصولي يحتاج في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في محلّ الكلام، إلى منجّز للأقلّ بعد إجراء البراة عن الزائد؟ نعم، هناك مثل هذا الأصولي، وهو الأصولي الذي يؤمن بمباني صاحب (الكفاية) في مراتب الحكم وفي طريقته في الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية. 

فقد قلنا: إنّه يرى أنَّ الأحكام الواقعية لها مرتبتان: مرتبة الإنشاء ومرتبة الفعلية. ويرى أنَّ الترخيص الظاهري يرفع الفعلية الواقعية للتنافي بين الترخيص الظاهري وفعلية التكليف الواقعي.

مبنياً على هذا يقال: بأنَّ عندنا في المقام منجّز هو العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ بحده أو الأكثر بحده، وهو لم ينحلّ فهو منجّز عند صاحب (الكفاية)، إلَّا أنَّ هذا العلم الإجمالي لوجه من الوجوه اقتضى أنَّ صاحب (الكفاية) يجري البراءة عن وجوب الأكثر دون أن يعارض ذلك بأصالة البراءة عن وجوب الأقلّ، ولو بالانتهاء إلى أصل طولي بلا معارض، كما قد تكلمنا فيه، وأصالة البراءة عن وجوب الأكثر أو الزائد، حيث إنّها ترخيص ظاهري في ترك السورة فهي تنافي لا محالة مع فعلية وجوب السورة في الواقع، فتنفي فعليته في الواقع. وإذ انتفت في فعلية وجوب السورة في الواقع، ينتفي بذلك فعلية الأمر بالأكثر بتمام قطعاته؛ لأنَّ قطعات الأمر الواحد متلازمة في الفعلية.

وهذا التلازم أمر صحيح وليس كدعوى صاحب (الكفاية) في التلازم في مقام التنجز؛ لأنَّ التلازم في مقام التنجّز لم نقبله؛ إذ قلنا: إنَّ ملاك التنجّز هو الوصول، وقد تصل بعض قطعات الأمر الواحد دون القطعات الأخرى، 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ولكن التلازم في الفعلية لا محيص عنه؛ لأنّه لا يوجد في الأمر الواحد إلَّا مصلحة واحدة، هي قائمة في مجموع الأجزاء العشرة، أي: الأكثر(1)، فلا معنى لأن يقال: إنَّ المولى تنقدح له إرادة فعلية للتسعة ولا تنقدح له ارادة فعلية شاملة للعاشر؛ لأنَّ التسعة بما هي تسعة ليس على وجه الإطلاق مطابقة للمصلحة المولوية، ففي عالم الفعلية وانقداح الإرادة، لا نتعقل التبعيض في الواجب الارتباطي.

وحيث إنَّ أصالة البراءة عن الزائد ففي فعلية وجوب السورة، إذن فهو ينفي فعلية الأمر بالأكثر بتمام قطعاته، للتلازم بين القطعات في مقام الفعلية، وإذا نفي ذلك، فلا يبقى عندنا بعد هذا علم إجمالي بالتنجز الواقعي الفعليّ، بل يبقى عندنا علم إجمالي، بتكليف هو: إن كان متعلّقاً بالأكثر فهو ليس فعلياً، بل هو إنشائي صرف، وإن كان متعلّقاً بالأقلّ فهو فعليّ، فيكون علماً إجمالياً بتكليف مردّد بين الإنشائي والفعليّ، ومثل هذا العلم الإجمالي ليس منجّزاً عند صاحب (الكفاية)؛ لأنّه صرح في بحث العلم الإجمالي، بأنَّ المنجّز هو العلم الإجمالي بالتكليف الفعليّ، وهذا ليس كذلك.

إذن، فمن حقّه أن يفحص عما هو المنجز للأمر بالأقل، هل ينجزه العلم الإجمالي؟ وهو زال بعد اجراء البراءة عن الزائد؛ لأنّه تبدل إلى علم إجمالي 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() وهذه المصلحة إن أثّرت في نفس المولى فهي تؤثّر إرادة واحدة متعلقة بمجموع الأجزاء فتصبح تمام القطعات فعلية، وإن لم تؤثّر في نفسه فلا يؤثّر في تمام القطعات؛ لأنّه لا يوجد مصلحة قائمة بكلّ جزء جزء. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بتكليف مردّد بين الانشائي والفعليّ، وهو لا أثر له، فلا يبقى عندنا إلَّا مجرّد احتمال تعلّق الأمر بالأقل، وهذا احتمال مؤمَّن عنه أيضاً بالتأمينات العقلية والشرعية في نفسه. إذن، فأين المنجّز للأمر بالأقل؟

فنحتاج حينئذٍ في إثبات الأمر بالأقلّ بحده وتنجيز هذا الاحتمال، إلى شيء آخر وراء العلم الإجمالي، وهو محاولة بالتلفيق بين حديث الرفع والأدلّة الاجتهادية، أو أيّ محاولة أخرى. هذا هو الأمر الرابع.

الأمر الخامس في عدول صاحب (الكفاية) عن رأيه في هامش (الكفاية)

الأمر الخامس: هو أنَّ صاحب (الكفاية) في حاشيته على (الكفاية) عدل عما قال في (الكفاية) واعترف بورود الإشكال على نفسه، وذهب إلى عدم جريان البراءة الشرعية أصلاً، كما لا تجري البراءة العقلية. وكان أكثر انسجاماً مع مباينة منه في المتن.

وحاصل ما ذكره في تعليقته في تبرير ذلك: إنّنا نتكلّم في علم إجمالي قائم غير منحلّ بحسب الفرض -وإلَّا لو كان منحلاً لجرت البراءة العقلية أيضاَ- يدور أمره بين الأقلّ والأكثر، فهنا نسأل: أنَّ هذا العلم الإجمالي هل هو علم إجمالي بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير أو علم إجمالي بالتكليف الانشائي؟ إن كان علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، إذن يستحيل جريان البراءة ولو في بعض الأطراف لاحتمال المناقضة مع فعلية الواقع. وإن كان علماً إجمالياً بالتكليف الإنشائي فلا أثر له أصلاً ولا يكون منجّزاً حتّى نتكلّم عما يحلّ هذا 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المنجّز، فيكون خارجاً عن محلّ الكلام. هذا خلاصة ما ذكره في تعليقته وهو أكثر انسجاماً مع مبانيه.

الأمر السادس في وجود علم إجمالي آخر منجّز بالاحتياط ومناقشته

الأمر السادس: هو أنّه قد يتخيل في أصل مسألة الأقلّ والأكثر، تشكيل علم إجمالي منجّز يقتضي وجوب الاحتياط، غير العلم الإجمالي الذي شكله المحقّق العراقي، وغير العلم الإجمالي الذي شكلناه في قديم الزمان.

وهذا العلم الإجمالي الجديد يتطور في الموارد التي يقال فيها بمانعية الزيادة، وكونها مبطلة للمركب، حينئذٍ يقال: إنّنا لو شككنا أنَّ السورة جزء من الصلاة أو لا، فإن كانت جزءاً فيجب الإتيان بها، وإن لم تكن جزءاً فلا يجوز الإتيان بها بقصد الجزئية؛ لأنّه يكون زيادة وهي مبطلة، فيعلم المكلّف إجمالاً بأنّه إمّا أنّه يجب عليه الإتيان بالسورة، وإمّا انه لا يجوز له الإتيان بها بقصد الجزئية.

 وهذا علم إجمالي يدور أمره بين المحذورين، فيكون منجّزاً لا محالة. وطريق امتثاله القطعي هو أن يأتي بالسورة لا بقصد الجزئية، بل بقصد الرجاء، فيتعيّن عليه ذلك بمقتضى تنجيز هذا العلم الإجمالي. هذه الشبهة لا بُدّ من دفعها.

وحاصل دفعها: هو انحلال هذا العلم الإجمالي، بالعلم التفصيلي بأنَّ الإتيان بها بقصد الجزئية مبطل وغير جائز حتّى لو كانت جزءاً في الواقع؛ لأنَّ المكلّف، بحسب الفرض، شاك في جزئيتها، فلو أتى بها بقصد الجزئية في حال 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

شكه لكان هذا تشريعاً محرماً، وإذا كان محرماً فلا تقع على صفة الجزئية حتّى ولو كانت السورة جزءاً في الواقع؛ لأنَّ ما هو الجزء في الواقع هو السورة المأتي بها على وجه مباح لا السورة المحرمة، وهذه السورة المأتي بها تشريع محرم من قبل المكلّف. إذن، فهي خارجة عن دائرة الجزئية ولو كانت السورة جزءاً، فيعلم تفصيلاً بمانعيتها، وبذلك ينحلّ ذلك العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بحرمة الإتيان بها بقصد الجزئية حرمة وضعية وتكليفية والشك البدوي في وجوب الإتيان بها، فتجري البراءة عنه.

هذه هي تمام الأمور الستة التي أردنا أن نختم بها البحث في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الاجزاء.

واتّضح من ذلك كلّه في هذه المسألة: أنّه لا ينبغي الإشكال ولا التأمل في جريان البراءة شرعاً، بل ولا جريانها عقلاً عند من يؤمن بأسطورة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) .

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 












دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الشرائط

 

  • في رجوع الشرطية إلى المتعلّق المباشر
  • كلام للمحقّق العراقي

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 







دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الشرائط

 

بعد هذا ننتقل إلى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الشرائط. لنرى أنَّ الأحكام التي انتهينا إليها في باب الاجزاء هل ننتهي إليها في باب الشرائط أيضاً أو لا؟

الشك في الشرطية يكون على نحوين: تارة يكون شكاً في متعلّق التكليف، كما إذا شكّ في شرطية صلاة الميت بالطهارة الحدثية، وأخرى يكون شكاً في شرطية شيء لمتعلّق المتعلّق، لا المتعلّق المباشر، كما لو وجب عتق رقبة وشككنا أنّه هل يشترط الايمان أو لا، فمركز الشرطية ليس هو العتق -المتعلق الأوّل للتكليف- بل هو متعلّق المتعلق(1) أي: الرقبة التي هي متعلّقة العتق، نشكّ أنّها مشترطة بالإيمان أو لا. ثُمَّ على كلا التقديرين تارة يكون هذا الشرط أمراً موجوداً مغايراً مع المشروط مستقلّاً عنه، كوجود الطهارة(2) بالنسبة إلى صلاة الميت، وأخرى يكون أمراً قائماً بالمتعلق ومن شؤونه وخصوصياته العرضية كشرطية التأنّي في الصلاة.

وبطبيعة الحال، من يدقق في تمام ما مر بنا هنا من الكلمات، سوف يجد 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() ونصطلح عليه بالموضوع. (المقرِّر).

(2) الوضوء. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فروقاً عديدة بين باب الاجزاء وباب الشرائط، وسوف يلاحظ أنَّ جملة من المحاولات الفاشلة التي مرت بنا لتسجيل وجوب الاحتياط أو لتسجيل البراءة في المسألة السابقة مسألة الاجزاء، قد تكون هنا أوضح فشلاً وقد تكون هنا أقلّ فشلاً، إلَّا أننا سوف لن نتوسع في ذلك، ونجعل عهدة تشخيص أوضحية أو أقلّية الفشل على الإخوان، وإنَّما نتعرّض بمقدار ما استقرّ عليه البناء في تلك المسألة. ثُمَّ نتعرّض بعد هذا إلى موقف الأعلام من ذلك.

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 













في رجوع الشرطية إلى المتعلّق المباشر

 

نبدأ الآن بما إذا كان الشكّ في الشرطية راجعاً إلى المتعلّق المباشر، كشرطية الطهارة في صلاة الميت أو شرطية التأنّي في صلاة الظهر، فنقول: بأنَّ مرجع الشكّ في الشرطية بحسب الحقيقة إلى الشكّ في كون الواجب هو الأقلّ أو الأكثر، يعني: الأمر هنا دائر بين الأقلّ والأكثر بلحاظ ذات المحدود، وإن كان دائراً بين المتباينين بلحاظ الحدود، فنسجّل نفس النتيجة التي انتهينا إليها في باب الاجزاء.

فإننا قلنا في باب الأجزاء: إننا إذا لاحظنا العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ والأكثر مع غضّ النظر عن حدّ الأقلية وحدّ الأكثرية: هو لا بشرط وحد بشرط شيء، إذن فالعلم الإجمالي منحلّ.

 وإذا لاحظنا العلم الإجمالي مع حدوده فيكون علماً إجمالياً قائماً؛ لأنَّ الحدود متباينة فيكون علماً إجمالياً بين المتباينين، وقلنا: إنَّ وظيفة الأصولي هو اللحاظ الأوّل دون الثاني: أن يلحظ ذات الوجوب ليرى أنّه هل يتشكّل علم إجمالي بهذا اللحاظ أو لا؟ ولا ينفعه في التنجيز تشكيل علم إجمالي بلحاظ الحدود؛ لأنَّ الحدود لا تدخل في العهدة ولا تصلح للتنجز. وإنَّما الذي يصلح للتنجّز هو ذات الوجوب، وبهذا اللحاظ الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر حقيقة، 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فيتعيّن الانحلال إلى العلم التفصيلي بالأقلّ والشك البدوي في الزائد.

هذا الكلام بنفسه نقوله في المقام أيضاً؛ وذلك لأنَّ مرجع الشرطية في المقام إلى أن يكون الوجوب متعلّقاً بعنوان يستبطن مفهوماً اسمياً ومفهوماً حرفياً. المفهوم الاسمي هو ذات الصلاة، والمفهوم الحرفي هو تقيد الصلاة بالتأني أو بالطهارة. فهذا هو فرض الشرطية، وفرض عدم الشرطية هو فرض أنَّ الوجوب متعلّق بذات المعنى الاسمي من دون أن ينبسط على المعنى الحرفي.

إذن، فهنا لو لاحظنا الحدود فنحن نواجه علماً إجمالياً بين المتباينين؛ لأنّنا نعلم إجمالاً إمّا بوجوب المعنى(1) الاسمي المندمج فيه ذاك المعنى الحرفي والمحدود، أو وجوب المعنى الاسمي العاري من ذلك المعنى الحرفي والمطلق من ناحية.

 ومن المعلوم أنَّ هذا حدّ يباين ذلك الحد، وأمّا إذا لاحظنا ذات المحدود، أي: ذات ما يدخل في العهدة، فالأمر دائر بين الأقلّ والأكثر؛ لأنَّ ما يدخل في العهدة على أحد التقديرين هو ذات المعنى الاسمي، وعلى التقدير الآخر هو ذات المعنى الاسمي زائداً المعنى الحرفي، فبلحاظ ما يصلح للدخول في العهدة الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر حقيقة، وحينئذٍ فينحلّ بلحاظ عالم العهدة انحلالاً حقيقياً إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقل(2) 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

() حيث إنَّ مرجع الشرطية على ما ذكرنا في بحث الصحيح والأعمّ إلى أخذ التقيّد تحت الأمر وخروج نفس القيد عنه (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) وهو المعنى الاسمي أي ذات الصلاة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

والشك البدوي بوجوب الزائد(1).

والفرق بين تصوراتنا في باب الشرط وبين تصوراتنا في باب الجزء، هو فقط في هذه الناحية: وهي أنّه في باب الاجزاء التزمنا بأنَّ الأجزاء تكتسب وحدة لكي ينصب عليها الوجوب الواحد، والتزمنا بأنَّ هذه الوحدة وحدة انشائية من قبل النفس، بمعنى: أنَّ النفس تصب عنواناً اعتبارياً خيالياً على هذه الاجزاء المتعددة فتكسبها لون الوحدة مقدمة لأن يتعلق بها يتعلق بها الوجوب الواحد، فوحدة تلك الأجزاء كانت ناشئة من عنوان اعتباري يضاف من قبل النفس تبرعاً على العناوين التفصيلية الحقيقية للأجزاء، وقلنا: إنَّ هذا العنوان حاله حال الحدود أيضاً لا ينحلّ في العهدة، فلا يصحّ تشكيل العلم الإجمالي بلحاظه وإنَّما يصحّ تشكيله بلحاظ تلك العناوين التفصيلية التي لبست هذا العنوان.

وأمّا في المقام فالتقيد الذي هو معنى حرفي والصلاة التي هي معنى اسمي لا تحتاج في مقام لبس ثوب الوحدة إلى عنوان وراءها، عنوان اعتباري تفيضه النفس عليها؛ لأنّهما ليسا معنيين اسميين عرضيين كالركوع والسجود 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() وهو تقيّد المعنى الاسمي بالمعنى الحرفي، أي: شرطية الصلاة بالطهارة، فتكون مجرى للبراءة، (ايضاح). 

قال في (محاضرة غد): ويكون العلم الإجمالي منحلّاً إلى العلم التفصيلي بوجوب المعنى الاسمي والشكّ البدوي في وجوب المعنى الحرفي، فتجري البراءة عنه ويتنجّز المعنى الاسمي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ليحتاج دمج احدهما بالآخر في عالم اللحاظ والتصور إلى ثوب وعنوان لمجموع المعاني الاسمية، بل احدهما ذاته الاستهلاك والفناء والآخر ذاته الاستقلال والتقوّم، ومن يكون ذاته الاستهلاك والفناء يكون -بحسب طبعه وذاته- متحداً مع الآخر بلا حاجة إلى عنوان اعتباري زائد يلبس الوحدة هذين المعنيين، فالمفهوم الاسمي بذاته صالح لأن يستبطن المعنى الحرفي ويندمج به، لحرفية ذاك واسمية هذا.

هذا فرق في التحليل بين باب الاجزاء وباب الشرائط وهو فرق حيادي لا يؤثّر شيئاً في مواقع غرض الأصولي، وبحسب واقع غرضه الأمر دائر بلحاظ عالم العهدة بين الأقلّ والأكثر، فيتعيّن الانحلال الحقيقي.

هذا هو الكلام في تطبيق المختار هناك على هذا القسم.

وأمّا(1) إذا كان شكاً في شرطية شيء في متعلّق المتعلّق، كما لو وجب عتق رقبة واحتملنا دخل الايمان بها، هنا أيضاً النتيجة هي النتيجة بحسب التحليل، بمعنى: أننا إذا لاحظنا الحدود -حتّى ما لا يصلح منها للدخول في العهدة- فالعلم الإجمالي قائم بين المتباينين، ولا ينحلّ، وإذا اسقطنا من الحساب الحدود التي لا تصلح لأن تدخل في العهدة، ولاحظنا موجودات عالم العهدة، فالأمر دائر بين الأقلّ والأكثر، والعلم الإجمالي منحلّ حقيقة.

وذلك أنّه في قوله: (اعتق رقبة) قد وجب معنى اسمي وهو العتق ومعنى 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

() قال بعد أن لخّص المختار في القسم الأوّل، وهو ما إذا كان الشكّ في شرطية شيء في نفس المتعلق. وأمّا… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

حرفي وهو إضافة العتق إلى موجود ما، فهذه الإضافة قد وقعت تحت الوجوب، وهذه الإضافة التي هي معنى حرفي يدور أمرها بين الأقلّ والأكثر؛ لأنَّ طرفا هذه الإضافة إمّا أن تكون هي طبيعي الرقبة بحدها الإطلاقي، أو الرقبة المتخصّصة بالإيمان بحدها التقييدي.

 وقد تقدّم في أبحاث المعاني الحرفية: أنَّ المعاني الحرفية، تتباين بتباين أطرافها من المعاني الاسمية. فهنا لو لوحظ المضاف إليه وهو الرقبة، لو لوحظ فيه الحدود المتباينة، فالرقبة بحدها الإطلاقي مباين للرقبة بحدها التقييدي، وبتبع ذلك تكون الإضافة إلى الرقبة بحدها الإطلاقي مباينة مع الإضافة إلى الرقبة بحدها التقييدي؛ لأنَّ تباين المعاني الحرفية بتباين أطرافها، فيكون العلم الإجمالي بين المتباينين.

وأمّا لو قطعنا النظر عن هذه الحدود المتباينة ولاحظنا في جانب المضاف إليه ذات المحدود، إذن فالأمر دائر في جانب المضاف إليه بين الأقلّ والأكثر حقيقة، وبتبع ذلك يكون الأمر في نفس الإضافة التي هي المعنى الحرفي يكون أمرها أيضاً دائراً بين الأقلّ والأكثر، بين الإضافة إلى ذات الرقبة فقط، أو إلى ذات الرقبة مع زيادة، فتكون هذه الإضافة مرددة بين مرتبة ضعيفة من الضيق والتضييق وبين مرتبة شديدة منه، ولا محالة تكون المرتبة الزائدة مشكوكة، ويكون العلم الإجمالي منحلاً إلى تيقن مرتبة والشك في مرتبة زائدة، فتجري البراءة عنها.

فهنا من حيث جوهر القضية لم يختلف عن القسم الأوّل، غاية الأمر أنَّ الانحلال في القسم الأوّل كان بلحاظ أنَّ الأمر يدور بين وجوب المعنى 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الاسمي أو هو زائداً المعنى الحرفي، وهنا الانحلال يكون بلحاظ أنَّ نفس المعنى الحرفي الذي وقع تحت الوجوب أمره دائر بين الأقلّ والأكثر، حينما تلغى الحدود ويُلتفَت إلى عالم العهدة. فأيضاً يتعين الانحلال الحقيقي بلحاظ عالم العهدة وينفي الزائد بالأصول المؤمّنة عقلاً -لو كانت- أو شرعاً. هذا هو الكلام في موارد الشكّ في الشرطية.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 





كلام للمحقّق العراقي

 

المحقّق العراقي كأنّه حينما عنّون مسألة الشرطية، لم يكن يقصد إلَّا القسم الأوّل من هذين القسمين، وذكر فيه أنَّ الصحيح هو الانحلال وأمّا القسم الثاني فذكره تحت عنوان آخر بعد هذا، وهو ما إذا كان الشكّ في الشرطية بلحاظ متعلّق المتعلّق، وذكر هناك تفصيلاً بين بعض أنحاء الشرطية وبعض.

 لا بُدّ للفقيه أن يلتفت إلى أنَّ الشيء المشكوك كونه شرطاً هل هو من الخصوصيات العرضية القابلة لأن تنضاف وأن توجد في الفاقد، أو أنَّ فاقد الخصوصية لا يقبل أن تنضاف إليه هذه الخصوصية؟

فمثلاً: مرة نحتمل اشتراط الهاشمية في الرقبة، وأخرى نحتمل اشتراط العدالة فيها أو الايمان. فإذا احتملنا اشتراط العدالة أو الايمان فهي من الخصوصيات القابلة لأن تضاف إلى الفاقد، فإنّه حتّى الرقبة غير المؤمنة قابلة لأن تكون مؤمنة وأن يتبدل فقدانها إلى الوجدان. وأمّا إذا احتملنا اشتراط الهاشمية والقرشية، فالرقبة غير الهاشمية إلى الأبد لا يمكن أن تكون هاشمية وغير قابلة لأن يتبدل نسبها بعد وجودها. فهذان نحوان من الأشياء المشكوكة الشرطية.

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ذكر أنَّ هذين النحوين يختلف حكمهما، فإذا كان من الخصوصيات القابلة لأن تنضاف إلى الفاقد، ويتبدل فقدانه إلى الوجدان، كالعدالة والايمان، ففي مثل ذلك يقال بالانحلال وجريان البراءة من الزائد، ولا يجب على الإنسان أن يعتق رقبة عادلة مؤمنة، بل يُجري البراءة من اشتراطها ويعتق رقبة كيفما اتفق. وأمّا إذا احتمل اشتراط الهاشمية في الرقبة أو القرشية ونحوه، فهنا لا تجري أصالة البراءة، بل تجري عقلاً أصالة الاشتغال ولا بُدّ له من الاحتياط وأن يختار رقبة هاشمية فيعتقها(1).

ونكتة هذا التفصيل: تتوقّف على أن أذكر مقدّمة مختصرة وواضحة: وهي عبارة عن أنَّ الإطلاق والتقييد(2) من الشؤون التي تتلون بها الماهيات في عالم اللحاظ والجعل، فإنَّ الماهية في هذا العالم تارة تتلون بلون الإطلاق وأخرى بلون التقييد، فإذا تلونت بلون التقييد اكتسبت نحواً من الضيق في مقام الانطباق، وإذا تلونت بلون الإطلاق اكتسبت نحواً من السعة في مقام الانطباق، وليس هذان الأمران -الإطلاق والتقييد- من الأمور المتعلقة والمتصورة بالنسبة إلى أفراد الماهية في الخارج، فإنَّ أفراد الماهية في الخارج لا يتصور في شأنها أن تتلون بالحد الإطلاقي تارة وبالحد التقييدي أخرى، بل 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا التفصيل لا يذكره في المتعلّق، وحينما نبيّن نكتته سوف يظهر أنّها تجري في المتعلّق أيضاً، فكان من حقّ المطلب أن تذكر فيه أيضاً. (المقرِّر).

(2) الحدّ الاطلاقي والحدّ التقييدي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يتصور في الفرد الخارجي أن يكون واجداً للخصوصية أو فاقداً لها، زيدٌ إمّا عالم أو جاهل لا أنّه مقيد بالعلم أو مطلق من هذه الناحية. نعم، ماهية الإنسان عالم اللحاظ، وقوله: (أكرم الإنسان)، قابلة لكلا اللونين.

فهذه هي المقدّمة الواضحة.

ومن هنا ندخل في توضيح نكتة المحقّق العراقي: كأنّ هناك اختلافاً جوهرياً بين تصورات المحقّق العراقي للانحلال وبين تصوراتنا له، وهذا الاختلاف هو الذي استدعى هذه النتيجة عن المحقّق العراقي لأنَّ الانحلال بالمعنى الذي فهمناه حتّى الآن هو عبارة عن انحلال الوجوب بلحاظ عالم الجعل والتكليف، حيث إنّه في هذا العالم الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر بعد إلغاء الحدود وقصر النظر على ذات المحدود.

افرضوا أنَّ شخصاً لا يلغي الحدود ولا يقرّ تمييزنا بين عالم العهدة وعالم التكوين، فيأخذ الحدود أيضاً بعين الاعتبار، فهذا ليس عنده انحلال بحسب عالم الجعل والتكليف؛ لأنّه بحسب هذا العالم اتصفت الماهية بالوجوب إمّا بحد إطلاقي، وإمّا بحد تقييدي.

إذن، فلا انحلال بحسب عالم الجعل واللحاظ؛ لأنَّ الأمر دائر بين متباينين، بين ماهية الإنسان بحدها الإطلاقي وماهيته بحدها التقييدي. افرضوا أنَّ المحقّق العراقي يرى أنَّ هذه الحدود يجب على الأصولي أن يأخذها في مقام اقتناص العلم الإجمالي، وحينئذٍ يكون ملزماً بالاعتراف بوجود العلم الإجمالي بلحاظ عالم الجعل والتكليف؛ لأنَّ الأمر دائر بين المتباينين. إذن، فكيف ادّعى 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المحقّق العراقي الانحلال في باب الأجزاء فضلاً عن باب الشرائط؟

ادّعى الانحلال بحسب عالم الأفراد، وعالم التطبيق الخارجي -لا بحسب عالم الجعل واتصاف الماهية بالوجوب في لحاظ المولى -فإنّه بحسب عالم الأفراد الخارجية لو أخذنا مثلاً: الصلاة. أليس كُنّا نقول: إنّنا إذا شككنا في اشتراطها بالتأني نقول بالانحلال ونجري البراءة عن الشرطية. فهنا بلحاظ عالم الجعل لا انحلال؛ لأنَّ الأمر دائر بين حدين متباينين: الحدّ الإطلاقي والتقييدي. وأمّا بحسب عالم التطبيق الخارجي، يمكن أن نشير إلى أيّ فرد من الأقلّ، يعني: الفاقد، ونقول: بأنَّ هذا الفرد هو تكليفنا لو أنَّ الأمر كان متعلّقاً به. ويجب أن نضيف إليه شيئاً لو كان الأمر متعلّقاً بالأكثر، يعني: أنَّ الصلاة الفاقدة للسورة مثلاً أو للوضوء هي وحدها تكفي للامتثال على تقدير تعلّق الأمر بالمطلق، وأمّا على تقدير تعلّق الأمر بالمقيد فهي مع شيء آخر يكفي للامتثال، فالأمر في عالم التطبيق ليس دائراً بين المتباينين، بل دائر بين الأقلّ والأكثر حقيقة، لماذا؟ للمقدّمة التي قلناها؛ لأنَّ الحدّ الإطلاقي لا يكتسبه الفرد الخارجي، والأمر إنَّما كان دائراً بين المتباينين في عالم اللحاظ؛ لأنَّ الماهية تلونت بأحد لونين إمّا اللون الإطلاقي أو التقييدي. وهما لونان متقابلان، فلم ينحلّ العلم الإجمالي. وإمّا بلحاظ الأفراد الخارجية، فحيث إنّها لا تكتسب الإطلاق ولا معنى لأن تتحدد بالحد الإطلاقي، إذن فعلى تقدير أن يكون متعلّقاً بالأقلّ المطلق، فذات هذا الفرد الفاقد يكفي للامتثال ويكون مطلوباً بمطلوبية الطبيعي وأمّا إذا كان الأمر متعلّقاً بالأكثر فلا بُدّ من هذا مع إضافة شيء إليه وتتميمه.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فالأمر -إذن- في عالم التطبيق يدور بين الاقتصار على هذا الفرد وبين تتميمه، وهذا معنى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، فحينئذٍ يقال: إنَّ هذا الفرد الناقص لا بُدّ منه على كلّ حال وتتميمه بالعاشر لم يقم عليه بيان فتجري قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) .

هذا هو تصوّر المحقّق العراقي للانحلال، ونحن نفهمه ونتصور من نفس موقفه هنا.

بناءً على هذا قد يتجه هذا التفسير الذي يقوله؛ لأنّنا إذا جئنا إلى رقبة وشككنا بأنّه يشترط أن تكون مؤمنة أو لا تكون ونحوها من الخصوصيات القابلة لأن تضاف إليه، فهنا يكون الانحلال في عالم التطبيق تامّاً؛ لأنّه يقال: إنَّ هذا الفرد الفاقد إمّا هو وحده يكفي وإمّا لا بُدّ من تتميمه، إذن فلا حجّة على لزوم تتميمه، إذن فتجري قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) . فيكون الأمر بحسب عالم التطبيق دائراً بين الأقلّ والأكثر حقيقة، لا بين المتباينين؛ لأنَّ منشأ التباين هو اختلاف الحدود التي للماهيات بحسب عالم اللحاظ لا عالم الأفراد في الخارج. 

وأمّا إذا شككنا أنّه يشترط أن يكون هاشمياً أو لا يكون، فهنا نشير إلى الأقلّ وهو غير الهاشمي، لا نستطيع أن نقول: إنّه إمّا هذا وحده يكفي أو لا بُدّ من تتميمه، بل نقول: إمّا هذا وحده يكفي أو لا بُدّ من حصّة أخرى مباينة له، وهو عتق الرقبة الأخرى، فيكون الأمر دائراً بين المتباينين في مقام التطبيق(1)

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا من باب عدم القدرة على التتميم؛ ولهذا ينبغي أن يكون الميزان هو القدرة وعدمها مثلاً، كما لعلّه سوف نشير إليه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هذه هي نكتة المحقّق العراقي في هذا التفصيل. 

وبنفس طريقتي في بيان هذا المطلب اتّضح الجواب على هذه الشبهة، وذلك: لأنّنا لا نتصوّر الانحلال بهذا التصور، وإنَّما نتصوّر الانحلال بلحاظ عالم الجعل والتكليف، غاية الأمر أنه في موجودات عالم العهدة، بأن يقال: إنَّ الوجوب في عالم الجعل والتكليف بالمقدار الذي يدخل منه إلى العهدة يدور أمره بين الأقلّ والأكثر حقيقة، وفي مثل هذا لا يفرَّق بين أن يكون الفاقد قابلاً لأن يكون واجداً بعد هذا أو لا يكون قابلاً لذلك؛ وعليه فلا ينبغي التفرقة بين هذين القسمين.

وعليه فالصحيح هو جريان البراءة في سائر موارد الشكّ في الشرطية، سواء كانت الشرطية شرطية مربوطة بالمتعلق أو بمتعلّق المتعلق. وسواء كانت هذه الخصوصية المحتملة شرطيتها من الخصوصيات التي يمكن لفاقدها أن يتبدل إلى الوجدان، والتي لا يمكن له ذلك على جميع التقادير الصحيح هو البراءة لعين نكتة الانحلال بحسب عالم الأجزاء، وهو الانحلال الحقيقي بلحاظ عالم العهدة.

هذا أيضاً تمّ.

بقي أن نتكلّم في دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي والشرعي وهذا يبقى إلى ما بعد عطلة الأربعين إن شاء الله تعالى.

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 








دوران الأمر بين التعيين والتخيير

 

  • المسألة الأولى في الدوران العقلي
  • المسألة الثانية في الدوران الشرعي

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 









دوران الأمر بين التعيين والتخيير

 

بعد(1) هذا نأتي إلى باب ثالث وهو باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير:

وتحت هذا الباب مسألتان: أحدهما: دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي، والأخرى: دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعي.

المسألة الأولى: وهي دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي، كما لو تردّد الأمر بين وجوب الجامع العرفي(2) أو وجوب حصّة بعينها، كما لو دار الأمر بين وجوب طبيعي الإكرام -وهو الجامع العرفي- أو وجوب خصوص الضيافة
-وهو الحصّة الخاصّة- هذا في طرف المتعلقات.

 وأخرى يفرض في طرف متعلّق المتعلّق، أي: ما نصطلح عليه بالموضوع، كما لو تردّد الأمر بين وجوب اللطف بطبيعي الحيوان أو بخصوص نوع خاص منه.

فهنا يكون الأمر دائراً في متعلّق المتعلّق، فإنَّ المتعلّق المباشر هو اللطف، وهو أمر متعيّن لا تردّد فيه، ولكن هل يجب اللطف بطبيعي الحيوان أو بالحيوان الناطق مثلاً؟

ــــــــــ[175]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً المختار في المسائل السابقة وهي دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الاجزاء وباب الشرائط وهو الانحلال الحقيقي بلحاظ عالم العهدة. (المقرِّر). 

(2) بعنوان عرفي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا التردّد يسمى بدوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي، حيث إنّه على فرض تعلّق الأمر بالجامع بعنوانه العرفي يكون التخيير عقلياً ويكون البيان من قبل المولى متكفّلاً لجعل الوجوب على ذلك العنوان العرفي الواحد، والعقل حينئذ يحكم بأنَّ تمام الأفراد نسبتها إلى غرض المولى على حدّ واحد ويجوز للعبد الاكتفاء بأي واحد منها في مقام الامتثال.

وفرق هذه المسألة عن الباب الثاني الذي قرأناه، وهو باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الشرائط، إنَّ ما كان يشكّ في دخله بنحو الشرطية في ذلك الباب، كان أمراً من الأمور العرضية بالنسبة إلى الذات، من قبيل الايمان في اعتق رقبة، أو التأني في (صلَّ). وأمّا ما يشكّ في دخله في المقام، فهو من الخصوصيات الذاتية للذات، من قبيل خصوصية كون الإكرام ضيافة أو كون المتلطف عليه حيواناً ناطقاً.

والمسألة الثانية: هي مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعي، كما لو لم يكن عندنا جامع له عنوان عرفي قابل لأن يتعلق به التكليف، بل كان الأمر دائراً بين وجوب عنوان من العناوين بعينه أو وجوب عدة عناوين على سبيل، بالمعنى المركوز من الوجوب التخييري، كما إذا دار الأمر في الكفارة بين أن يكون الواجب خصوص العتق مثلاً أو أحد الأمور الثلاثة من العتق والاطعام والصيام، فهنا لا يوجد عنوان عرفي يتعلق به الأمر على تقدير سعة الواجب، وإنَّما يكون هناك عناوين ثلاثة تتصف بالوجوب بنحو من أنحاء الاتصاف.

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا يسمّى بدوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعي؛ لأنّه على فرض التخيير يكون التخيير هنا محتاجاً إلى أن يُطعّم في لسان الشارع بعنوان أطعم، أو اعتق، أو صم. فهذه هي المسألة الثانية.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 













المسألة الأولى في الدوران العقلي

 

فالمسألة الأولى: وهي دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي، كما إذا دار الأمر بين وجوب الرفق بطبيعي الحيوان أو وجوب اطعام حيوان ما، كالإنسان بالخصوص بحيث لا يحصل الامتثال إلَّا بتطبيقه على فرد من أفراد الإنسان، فمتعلق المتعلّق هنا أمره يدور بين الجنس والنوع، بين أن يكون هو الجنس من دون أن يضمّ إليه شيء زائد وبين أن يكون هو النوع.

المحقق العراقي وفقاً لتفصيله في الباب الثاني، ذهب هنا إلى جريان أصالة الاشتغال وعدم انحلال العلم الإجمالي، فإننا قلنا في اليوم الأخير: إنَّ المحقّق العراقي كان يرى أنَّ العلم الإجمالي بحسب عالم الجعل والوجوب ليس منحلاً حتّى في باب الاجزاء والشرائط فضلاً عن باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فإنَّ الأمر هناك يدور بين وجوب الأقلّ بحده الإطلاقي ووجوبه بحده التقييدي. والحدان متباينان، فلا انحلال في عالم الوجوب، وإنَّما يذهب إلى الانحلال في مقام التطبيق في عالم الامتثال، كما لو علم بوجوب إكرام شخص مطلق أو في حال مخصوص، فهنا أشير إلى الفرد الخارجي الناقص من الإكرام، وأقول: إنّه إمّا أنّه يجوز الاكتفاء بهذا الفرد الناقص في مقام الامتثال وإمّا أنّه يجب تتميمه، فأصل لابُدّية هذه الحصّة أمر محرز، وأمّا وجوب تتميمه 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فهو أمر غير محرز فتجري البراءة عنه. فلو فرض أنَّ هذا الفرد الناقص كان مما يستحيل تتميمه، فلا يمكن أن أشير إليه وأقول: إمّا يجوز الاكتفاء به أو لا بُدّ منا ضمّ شيء إليه، بل أقول: إمّا يجوز الاكتفاء به وإمّا لا بُدّ من أمر آخر مباين له، فيكون من دوران الأمر بين المتباينين. 

هذه الفكرة طبّقها في محلّ الكلام أيضاً، فقال: إنَّ المقام من موارد أصالة الاشتغال، لا من موارد انحلال العلم الإجمالي؛ لأنّي حينما أشير إلى فرد للأقلّ كالحيوان الصامت فأقول: إمّا يجوز الاكتفاء بإطعامه وإمّا لا بُدّ من إطعام فرد آخر مباين له وهو الإنسان، لا أنّه لا بُدّ من تتميمه؛ لأنَّ تتميم الذاتيات أمر غير معقول. إذن، فالأمر يدور بين حصتين متباينتين في مقام التطبيق، وعليه فلا انحلال.

قلنا فيما سبق: إنَّ هذا الكلام لا وجه له؛ لأنَّ الانحلال المدّعى ليس هو الانحلال في مقام التطبيق في مقام الامتثال، بحيث أشير إلى فرد وأقول: هذا الفرد الناقص إما يكفي وحده أو لا بُدّ من تتميمه، حتّى نتحفظ على هذه الصيغة، ونرى أنّها متى تصدق نقول بالانحلال ومتى لا تصدق لا نقول به، بل الانحلال المدّعى هو الانحلال في عالم الجعل والوجوب، لكن بلحاظ العهدة لا بلحاظ التكوين، فإنّنا لو قصرنا النظر على عالم العهدة فالعلم الإجمالي منحلّ لا محالة إلى تيقن الأقلّ والشك البدوي في الزائد. ودعوى: أنَّ الواجب مردّد بين حدين متباينين، وإن كانت صادقة، إلَّا أنَّ هذه الحدود بما هي حدود لا تدخل في العهدة، وإنَّما الذي يدخل فيها هو ذات المحدود، وذاته أمر دائر 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بين الأقلّ والأكثر، فيتعيّن الانحلال في عالم الجعل والوجوب بلحاظ وعائية العهدة وظرفيتها، لا بلحاظ وعائية التكوين.

بناءً على هذا قلنا: إنَّ باب الشرائط طرّاً يلحق ببيان الأجزاء؛ لأنّه بلحاظ وعائية العهدة الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر حقيقة، وينحل العلم الإجمالي، إلى العلم بوجوب المعنى الاسمي والشك في وجوب المعنى الحرفي وهو التقيد.

بناءً على هذا نقول في المقام: بأنَّ هذا البيان للانحلال الحقيقي يأتي في المقام أيضاً، فإنَّ موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي ينطبق عليها أيضاً هذا المفهوم للانحلال الحقيقي:

توضيحه: أنَّ الأمر في المثال الذي انتخبناه ليكون هو محور الحديث، مثال الحيوان والإنسان، الأمر دائر بين أن يكون التكليف متعلّقاً بالجنس أو متعلّقاً بالنوع ـ وهو الإنسان ـوعلى جميع التقادير في تصوّر العلاقة بين الجنس والنوع ينطبق مفهومنا عن الانحلال الحقيقي على هذا المثال ونحوه من الأمثلة المتفقة معه في الملاك.

فإنَّ الأجزاء التحليلية المسماة بالجنس والفصل، والنوع الذي هو ماهية واحدة حقيقية يمكن أن نفترض في مقام تشخيص العلاقات بينهما افتراضات متعددة.

يمكن أن نفترض الفرضية المطابقة مع التصور التقليدي العام؛ وذلك لأنّنا في بداية الأمر نواجه مشكلة في العلاقة ما بين الجنس والنوع، وحاصلها: أنَّ النوع وهو الإنسان هو عين الحيوان الناطق؛ لأنّه حدّ للإنسان والحد عين 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المحدود، ولكن من ناحية أخرى يقال: إنَّ الإنسان ماهية واحدة حقيقية، وأنَّ الحيوان الناطق عبارة عن ماهيتين متعددتين: ماهية الحيوان وماهية الناطق، فكيف صار الواحد عين المتعدد؟ هل أنّ كلّ واحد من الماهيتين المفرزتين في الحدّ هو عين الإنسان، أو أنَّ كلّ واحد منهما هو عين جزء من ماهية الإنسان؟ إن كان كلّ منهما عين الإنسان، فيلزم أن يكون هناك عينية بين النوع والجنس وعينية بين النوع والفصل، وبالتالي عينية بين الجنس والفصل، وهذا خُلف المسلّمات المشهورية. وإن كان كُلّاً منهما عين جزء من الإنسان المحدود فيلزم من ذلك تركب الإنسان المحدود؛ إذ تكون هذه الماهية المحدودة مركبة من جزأين: أحدهما يطابق الحيوان والآخر يطابق الناطق، وهو خُلف؛ لأنَّ المحدود أمر واحد والحد مركب، فإنَّ الفرق بين الحدّ والمحدود هو بالوحدة والتركب.

هذه المشكلة هكذا حلّوها: بأنَّ الحدّ والمحدود وإن كان أحدهما عين الآخر، ولكن يختلفان في سنخ اللحاظ(1) لا في الملحوظ، يعني: هناك سنخ شيء واحد في الخارج، وهو يلاحظ عقلياً بنحوين من اللحاظ، فبأحد النحوين يبدو هذا الشيء الواحد أمراً واحداَ، وباللحاظ الآخر، يبدو هذا الشيء الواحد أمرين، وهذا التعدد هنا والوحدانية هناك، ليس من شؤون ذات الملحوظ بما هو، بل هو من كيفيات لحاظ ذلك الشيء الواحد.

من قبيل باب الرؤية، أنتم ترون حديقة فيها كثير من الأشجار والأوراد، 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() الملاحظة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فهنا يمكن أن تتصوروا نظريتين لهذه الحديقة، نظرة إجمالية ونظرة تفصيلية. والإجمال والتفصيل في المقام ليسا من شؤون ذات الحديقة بحيث إنَّ الحديقة يتصور فيها التفصيل والإجمال، بل هو كيفية تركيز الرؤية على المرأى خارجاً، فيقال سنخ هذا في باب اللحاظ وانتزاع المفاهيم الذهنية عن المفاهيم الخارجية، فالعقل يرى الطبيعة الإنسانية برؤية مندمجة وأخرى برؤية موسعة تفصيلية، والمرئي على كلا التقديرين واحد، هنا في حالة الكمون اللحاظي وهناك في حالة التحليل اللحاظي. 

ولذا قالوا: إنَّ الأجزاء التحليلية أجزاء للحدّ لا أجزاء للمحدود؛ لأنَّ هذه إنَّما تميزت في نظرة العقل، لا أنّها تكون في حاق الأمر متعددة ومتميزة.

بناءً على هذا يكون الفرق بين الحدّ والمحدود فرقاً في الإجمال والتفصيل، وكيفية انتزاع اللحاظ والصورة الذهنية عن الواقع الخارجي. يعني: أنَّ الإنسان يستبطن نفس ما يستبطنه الحدّ وهو الحيوان الناطق، لكن هذا يستبطنه بنحو الكمون وذاك بنحو التفصيل، فالأمر في المقام يدور بين الأقلّ والأكثر حقيقة بلحاظ عالم العهدة؛ لأنَّ الإجمال والتفصيل والكمون والبروز، من الحدود الذهنية للصور العقلية، ومن شؤون توجّهات العقل ولا تدخل في العهدة، كما لم يكن يدخل هناك في العهدة الحدّ الإطلاقي والتقييدي، بل الذي يدخل في العهدة ذات المجمل والمفصل، لا المجمل بقيد الإجمال والمفصل بقيد التفصيل.

 فإذا قطعنا النظر عن الإجمال والتفصيل ونظرنا إلى ذات المجمل والمفصل، فالأمر دائر بين الأقلّ والأكثر لا محالة، بين أن يكون الواجب هو 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ذات الحيوان، أو أن يكون الواجب هو الحيوان مع زيادة تخصّصه بخصوصية ذاتية اسمها الناطقية.

إذن، يكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر بلحاظ عالم العهدة، وإن كان دائراً بين المتباينين بلحاظ عالم التكوين؛ لأنَّ حدّ الإجمال والتفصيل من الأمور المتباينة، إلَّا أنّه لا غرض للأصولي أن يشكل علماً إجمالياً بلحاظ عالم التكوين، وإنَّما غرضه أن يشكل علماً إجمالياً بلحاظ وعائية العهدة وظرفيتها، لأجل أن يكون منجّزاً، وهنا لا علم إجمالي بلحاظ وعائها، بل ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشك البدوي بوجوب الزائد فتجري البراءة عن وجوب الزائد. 

هذا بناءً على التصور التقليدي للعلاقة بين الجنس والنوع، ونفس هذا البيان يتمّ أيضاً، مع تغيير في اسلوب البيان على تصورات أخرى في العلاقة بين الجنس والفصل لا مجال للتعرض لها في علم الأصول، وعليه فالبراءة جارية على أساس الانحلال العقلي. هذه هي المسألة الأولى من باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير العقلي. 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 







المسألة الثانية في الدوران الشرعي

 

هو دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعي، وحيث إنَّ الوجوب التخييري الشرعي، مفهوم غامض عالجته عدة مسالك أصولية بتصويرات متعددة، فلا بُدّ من التكلّم في واقع هذا الشكّ ومصيره بناء على تمام المسالك المهمّة التي ذهب إليها علماء الأصول في تصوير الوجوب التخييري؛ لأنَّ شكنّا في أنَّ الواجب هل هو خصوص العتق أو التخيير بين العتق والصيام والإطعام، معرفة حقيقته وأنّه هل يرجع إلى الشكّ البدوي أو الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، يرتبط بطبيعة تلك المسالك، فنتكلّم على كلّ واحد منها.

المسالك الأوّل لتصوير الوجوب التخييري

المسلك الأوّل: لتصوير الوجوب التخييري، هو أن يقال: إنَّ مرجع الوجوب التخييري إلى وجوبات مشروطة متعددة، فمعنى الوجوب التخييري للعتق والصوم والإطعام، هو وجوبات ثلاثة، غاية الأمر أنَّ كلّ واحد منها يكون مشروطاً ومقيداً بترك الصوم، فلو أتي بالعدل لا يكون موضوع هذا الوجوب وشرطه محققاً؛ ولهذا لا يكلف الإنسان بالجمع بين الأمور الثلاثة؛ لأنّه إذا أتى بواحد منها ارتفع شرط الوجوب بالنسبة إلى الأمرين الآخرين.

الآن نتكلّم بناء على هذا المسلك -بقطع النظر عن أنّه صحيح أو لا-، إنَّ 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الشكّ في المقام ماذا يكون محصله؟ يكون مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في سعة دائرة الوجوب وضيقها؛ لأنّنا إذ نعلم بوجوب العتق، ويكون الأمر مردّداً بين أن يكون وجوباً تعيينياً أو تخييرياً بينه وبين الصيام مثلاً، مرجع هذا الشكّ إلى أنّنا لا ندري أن وجوب العتق هل هو وجوب مطلق ثابت على كلّ تقدير: (اعتق سواء صمت أو لم تصم)، أو أنّه وجوب مقيد بعدم الصوم: (اعتق إن لم تصم)، فبناءً على التعيينية يكون الوجوب مطلقاً لحالة الإتيان بالعدل (الصوم)، وعلى التخييرية يكون مشروطاً ومقيداً بعدم الصوم.

فعلى هذا عندي حالتان: حالة أن أصوم وحالة أن لا أصوم، ففي حالة أن لا أصوم يكون وجوب العتق معلوماً على كلّ حال، سواء كان تعيينياً أو تخييرياً، وأمّا في حالة أن أصوم فوجوب العتق مشكوك ولا يعلم أنّه ثابت أو لا؛ لأنّه لو كان تعيينياً فهو ثابت حتّى في حالة أن أصوم، وأمّا لو كان تخييرياً فهو غير ثابت، فيرجع بالتالي إلى العلم التفصيلي بوجوب العتق في حالة أن لا أصوم والشك البدوي في وجوب العتق في حالة أن أصوم، فتجري البراءة عن هذا الوجوب الزائد، وهو وجوب العتق في حالة أن أصوم.

وإن شئتم قلتم: إنّه تجري البراءة عن إطلاق وجوب العتق لحالة أن أصوم، ولا يقاس إطلاق الوجوب بإطلاق الواجب؛ لأنَّ إطلاق الواجب ليس تكليفاً قابلاً للدخول في العهدة، ولكن إطلاق الوجوب تكليف زائد، فإنَّ معنى إطلاق الوجوب هو ثبوت الوجوب في حالات كثيرة عديدة، وهذا أمر قابل للدخول في العهدة، فيرجع إلى الأقلّ والأكثر من حيث عالم العهدة، 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فالوجوب في حالة أن لا أصوم وجوب معلوم على كلّ تقدير ويدخل في العهدة والوجوب في حالة أن أصوم وجوب مشكوك ويكون منفياً بالأصول المؤمّنة بعد انحلال العلم الإجمالي(1).

*****

نعم(2)، العلم الإجمالي بلحاظ عالم التكوين ليس منحلاً؛ لأنَّ إطلاق الوجوب وتقييده حدّان متباينان للوجوب كإطلاق وتقييد الوجوب في الباب السابق، إلَّا أنَّ هذه الحدود ليست داخلة بما هي حدود في العهدة، وإنَّما الذي يدخل في العهدة ويكون منشأ للتحميل هو ذات الوجوب المحدود، وذات الوجوب ينحلّ إلى وجوبين: وجوب في حالة أن لا نصوم، وهو معلوم وجداناً، ووجوب في حالة أن نصوم وهذا مشكوك وتجري عنه الأصول، فيكون الحال في دوران الأمر بين التعيين والتخيير إلى هنا. هو الحال في كلّ 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() سألته: لماذا لا نُجري الأصل النافي في جانب التقييد؟ 

فأجاب: أنَّ هذا الأصل إمّا أن يكون هو البراة أو الاستصحاب. أمّا البراءة فهي لا تجري؛ لأنَّ تقييد الوجوب عبارة عن ضيق دائرته، وهو مما لا يدخل في العهدة؛ لكي تجري عنه البراءة، فإنّها إنَّما تجري فيما هو قابل للدخول في العهدة. والاستصحاب
-استصحاب عدم التقييد- فهو وإن كان ممكناً إلَّا أنّه لا يثبت به الإطلاق؛ لأنّه من اللوازم العقلية لعدم التقييد ولا يمكن إثبات اللازم العقلي بالأصل العملي. (المقرِّر) 

(2) لخّص أوّلاً المسلك الأوّل ورتّب عليه جريان البراءة عن وجوب العتق في حالة الاتيان بالعدل كما سبق، وقال: نعم… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وجوب ثبت في الشريعة وتردد أمره بين أن يكون مطلقاً أو مشروطاً، كما لو ثبت وجوب الصدقة، ولكن تردّد أمره بين أن يكون مقيداً بنزول المطر أو مطلقاً من هذه الناحية، فهنا نقول: بأنَّ وجوب الصدقة في حالة نزول المطر معلوم وجداناً وفي حالة عدم نزوله مشكوك بدواً فتجري الأصول المؤمّنة عنه؛ إلَّا أنَّ هنا تقريبين يمكن أن يذكرا لإجراء أصالة الاشتغال وتسجيل هذا العلم الإجمالي وإبطال انحلاله.

التقريب الأول للاشتغال للنائيني

التقريب الأوّل: هو ما ذكره المحقّق النائيني وحاصله: أنّنا إذا فرضنا أنَّ وجوب العتق كان معلوماً غاية الأمر أنّه مردّد بين وجوب تعييني مطلق وبين وجوب تخييري مشروط، فيرجع الشكّ في وجوب العتق حينما نصوم إلى الشكّ في سقوط الوجوب وعدمه؛ وذلك لأنَّ الميرزا جعل تقيد الوجوب -في هذا المسلك- بعدم الإتيان بالآخر تقيداً في مرحلة البقاء لا في مرحلة الحدوث؛ إذ فرض أنَّ الوجوبات التخييرية حدوثها غير منوط بترك الآخر، فإنّها تحدث على كلّ حال، وإنَّما بقاؤها منوط بترك الآخر، الآخر من قبيل الغاية لبقاء الوجوب، لا أنَّ ترك الآخر قيد لثبوت أصل الوجوب من أوّل الأمر، فهكذا تصدر القيدية والشرطية، وحينئذٍ قال: بأنَّ وجوب العتق في الآن الأوّل كان ثابتاً على كلّ حال؛ لأنّه حتّى لو كان تخييرياً، فإنّه في مرحلة الحدوث غير مقيد بشيء، وإنَّما بقاؤه يكون مقيداً بعدم الصوم، إذن فوجوب العتق معلوم حدوثاً ويشك أنّه هل سقط بالصوم أو لم يسقط، لأنّه لو كان وجوباً 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تخييرياً فهو مقيد بقاء بعدم الصوم والصوم يسقط، وإن كان تعيينياً فهو مطلق حدوثاً وبقاء. إذن، يكون الشكّ شكاً في سقوط التكليف، وكلما كان الشكّ كذلك يكون مجرى لأصالة الاشتغال.

هذا التقريب يمكنكم أن تعرفوا جوابه من بعض الأبحاث السابقة: 

أمّا أولاً: فلأنَّ هذا المسلك لا يستدعي الشرطية بالنحو الذي تصوره، وهو أن يكون الوجوب التخييري في مرحلة الحدوث مطلقاً وفي مرحلة البقاء مقيداً، بل يمكن الالتزام بكون الوجوب التخييري مقيد من أوّل الأمر، مقيد حدوثاً بأن لا يحدث صوم بعد ذلك ولو بنحو الشرط المتأخّر، بحيث لو صام المكلّف بعد ذلك لانكشف أنّه لم يكن وجوب للعتق من أوّل الأمر.

فإذا تصوّرنا الشرطية بهذا النحو، ففي مورد الصوم يكون الشكّ في وجوب العتق شكاً في أصل حدوث الوجوب لا أنّه شكّ في سقوطه بعد العلم بحدوثه حتّى يتخيل جريان أصالة الاشتغال.

وأمّا ثانياً: فلأنّه لو سلّمنا أنَّ الشرطية راجعة إلى مرحلة البقاء دون مرحلة الحدوث، وأنَّ الوجوب التخييري بلحاظ حدوثه ليس مقيداً بترك الآخر، وإنَّما مقيد بذلك بلحاظ بقائه، فمن يصوم يشكّ أن الوجوب الثابت حدوثاً هل سقط عنه أو لم يسقط، فيكون المورد من موارد الشكّ في سقوط التكليف. هذا صحيح.

إلَّا أنّه من قال لكم: إنّه كلما كان الشكّ في سقوط التكليف يكون مجرى لأصالة الاشتغال، هذا كلام صوري لا أساس له، فإنّ الشكّ في سقوط التكليف يكون على نحوين: تارة يكون شكاً في سقوط التكليف من ناحية 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الشكّ في امتثاله خارجاً وعدمه، كما لو شكّ في سقوط أمر صلِّ صلاة الظهر عنه؛ لأنّه يشكّ أنّه هل ادّعى صلاة الظهر أو لا. وهذا الشكّ يكون مجرى لأصالة الاشتغال؛ لأنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني).

وقد قلنا سابقاً: إنّه -بحسب الدقة- هذا ليس من موارد الشكّ في سقوط التكليف وإنَّما هو موارد الشكّ في سقوط فاعلية التكليف لا فعليته. وإلَّا ففعليته محفوظة حتّى بعد الامتثال، غاية الأمر أنَّ هذه الفعلية لا فاعلية لها، فهو شكّ في فاعلية التكليف بعد احراز فعليته، وكلما احرزت فعلية تكليف وشك في فاعليته فلا بُدّ من الجزم بالخروج عن عهدته.

وأخرى يكون الشكّ في فعلية التكليف حقيقة، باعتبار الشكّ في سعة التكليف وضيقه، فلو فرض أنَّ الأصول المؤمّنة جرت وأمّنت من ناحية التكليف الزائد، فلا يكون الشكّ في السقوط حينئذٍ مجرى لأصالة الاشتغال. نعم، قد يتصور اجراء استصحاب بقاء التكليف. وهذا مطلب آخر. ومقامنا من قبيل القسم الثاني لا الأوّل؛ لأنَّ من يصوم يشكّ في سقوط العتق، لا من باب الشكّ في الامتثال وأنّه اعتق أو لم يعتق، بل من باب أنّه يشكّ في سعة دائرة التكليف بالعتق، فلو فرض أن التكليف الزائد بالعتق كان تحت الأصول المؤمّنة، فلا يكون هناك مجال لإجراء أصالة الاشتغال في المقام.

وحاصل المقصود في المقام، هو أنَّ الشكّ في سقوط التكليف في نفسه ليس عنواناً وملاكاً لجريان أصالة الاشتغال، بل هو مجري لأصالة البراءة أيضاً
-كالشكّ في حدوث التكليف- لو لا حكومة الاستصحاب عليها. وأمّا ما هو 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

مجرى لأصالة الاشتغال فهو ما إذا علم بفعلية التكليف وشك في فاعليته من ناحية الشكّ في الامتثال.

فهذا التقريب مما لا يرجع إلى محصل.

[التقريب الثاني للاشتغال للعراقي]

نعم، هناك تقريب ثانٍ تعرض له المحقّق العراقي حاول فيه ابراز علم إجمالي آخر غير هذا العلم الذي حللناه، وهو العلم بوجوب العتق إمّا مطلقاً وإمّا مشروطاً، لكن المحقّق العراقي، أبرز علما إجمالياً آخر، يقع الكلام عنه في نهاية المسلك الرابع من المسالك التي سوف نتعرض لها؛ لأنّه مشترك الورود على هذا المسلك والمسلك الرابع الذي هو مختاره

المسلك الثاني لتصوير الوجوب التخييري

المسلك الثاني من المسالك في تصوير الوجوب التخييري: هو ان يقال: إنَّ الوجوب التخييري مرجعه إلى وجوبات متعددة مشروطة بترك الآخر، كما هو الحال على المسلك الأوّل، غايته على المسلك الأوّل، كان يقال بالاشتراط خطاباً وملاكاً، بمعنى: أنَّ تقيد الوجوب بترك الآخر تقيد خطابي وملاكي، ناشئ من ناحية قصور الملاك وعدم اقتضائه لجعل خطاب على وفق الاطلاق. وأمّا في هذا المسلك فيقال: إنَّ هذا التقيد خطابي وليس ملاكياً، بمعنى: أنّه في عالم الملاك، يوجد عند المولى ملاكان لزوميان قويان أحدهما في العتق والآخر بالصوم، بحيث لو خلي المولى على سجيته لألزم إلزاماً مطلقاً بهما معاً، غاية الأمر أن ترتب ملاك العتق على العتق وملاك الصوم على الصوم، ترتبهما معاً 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

متنافيان بحسب الخارج، فهو تزاحم بحسب ترتب الفوائد المولوية لا بحسب نفس العتق والصوم، فإنّه يمكن للعبد أن يعتق ويصوم، إلَّا أنَّ وقوعهما معاً على صفة الملاكية متزاحمان بحسب أغراض المولى وتشخيصاته وحينئذٍ يضطر المولى إلى أنَّ يأمر بكل منهما مشروطاً بترك الآخر، وإلَّا فالملاك تامّ فيهما.

ويمكن أن نتصوّر فرضاً آخر لاضطرار المولى؛ وذلك أن نفرض أنَّ هناك مصلحة في جعل المكلّف مطلق العنان في أحدهما، يعني: مصلحة في الترخيص في أحدهما؛ ولأجل هذه المصلحة يرفع المولى يده عن الالزام بهما تعييناً ويلزم بكلّ منهما مشروطاً بترك الآخر.

هذا مسلك في تصوير الوجوب التخييري، وهو المسلك الذي اختاره صاحب (الكفاية) في بعض موارد الوجوب التخييري.

فإذا تصوّرنا الوجوب التخييري بهذا النحو، فهنا لا بُدّ الاحتياط، إذا ثبت وجوب العتق وتردد الأمر بين أن يكون وجوباً تعيينياً مطلقاً أو وجوباً تخييرياً مشروطاً، فلا بُدّ من الاحتياط باختيار العتق؛ وذلك لأنَّ فرض هذا المسلك هو فرض أنّنا أحرزنا أنَّ العتق يكون واجداً لملاك مولوي الزامي على كلّ تقدير سواء صمنا أو لم نصم، غاية الأمر لو كان هذا تخييرياً فمعناه أنَّ هناك ملاكاً آخر يزاحم مع تصدي المولى لتحصيل هذا الملاك، أو أنَّ هناك ملاكاً آخر يعجزنا عن تحصيل هذا الملاك، فحينئذٍ يرجع شكنّا في التعيينية والتخييرية إلى شكنّا في القدرة على تحصيل هذا الملاك، أو إلى شكنّا في ترخيص المولى في تفويت هذا الملاك. وكلا الأمرين غير مؤمّن.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فما دمنا نعلم بالملاك اللزومي في نفسه ونحتمل أنّنا عاجزون عن تحصيله، أو أنّنا مرخّصون من قبل المولى لأجل تزاحم وقع فيه، مثل هذا الاحتمال لا يكون معذراً عند العقل؛ لأنَّ احتمال القدرة كاف في مقام التنجيز، ولا بُدّ من الخروج عن عهدة الملاك، لا بُدّ من العلم بالعجز أو من العلم بالترخيص بالتفويت، أو العلم بالاستيفاء خارجاً، وحيث إنّه لا علم بالعجز لا بالترخيص بالتفويت فلا بُدّ من العلم بالاستيفاء خارجاً، فلا بُدّ من الاحتياط على هذا المسلك. هذا هو المسلك الثاني(1).

المسلك الثالث: هو الذي اختاره السيّد الأستاذ

المسلك الثالث: هو الذي اختاره السيّد الأستاذ صريحاً، ويلوح من كلمات المحقّق النائيني وإن كانت كلماته متضاربة على ما مر في بحث حقيقة الواجب التخييري، وحاصله: إرجاع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي، وذلك بالالتزام بأنَّ الوجوب التخييري مرجعه إلى تعلّق الوجوب بجامع انتزاعي وهو عنوان أحدهما، فليس هناك وجوبات متعددة مشروطة خطاباً وملاكاً أو مشروطة خطاباً لا ملاكاً، بل هناك وجوب واحد خطاباً ملاكاً، وهو متعلّق بجامع انتزاعي وهو عنوان أحدهما. فـ(اعتق أو صم) معناه: تعلّق وجوب وحداني بعنوان أحد الأمرين.

ــــــــــ[192]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: يكفي احتمال أن يكون مسلك الوجوب التخييري هو هذا؟

فأجاب: لا؛ لأنّه إذا لم يثبت هذا المطلب(المسلك) إذن، لم نحرز وجود الملاك في حالة الصوم، فيكون مشكوكاً شكّاً بدوياً كأصل الوجوب. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بناءً على هذا المسلك لا بُدّ من فحص المسألة؛ لكي يرى أنّه هل هناك انحلال للعلم الإجمالي أو لا؟

الذي يترأى من كلمات السيّد الأستاذ: أنّه يحاول أن يقرّب الانحلال الذي يسميه بالانحلال الحكمي بأن يقول: إنَّ أحد الأمرين من العتق والصوم معلوم الوجوب على كلّ حال، فإنّه إن كان العتق واجباً بالوجوب التخييري فأحد الأمرين واجب، وإن كان واجباً بالوجوب التعييني فأحد الأمرين أيضاً واجب؛ لأنَّ العتق هو أحد الأمرين، فأحد الأمرين من العتق أو الصوم معلوم الوجوب على كلّ تقدير، غاية الأمر يشكّ أنّه هل هو واجب بلا خصوصية أو واجب بخصوصية أن يكون هذا الأمر متخصّصاً بالعتق لا بالصوم، فهذه الخصوصية غير معلومة الوجوب فتنفى بالأصل المؤمّن.

وقد يتخيل تقريباً للانحلال الحقيقي بناءً على مصطلحنا، وذلك بأن يقال: هنا أيضاً كما قلنا في باب التخيير العقلي؛ إذ قلنا: بأنَّ الجنس معلوم الوجوب على كلّ حال ويشك في انبساط الوجوب على الفصل. هنا أيضاً يقال: بأنَّ أحدهما معلوم الوجوب على كلّ حال ويشك في وجوب الخصوصية الزائدة، وهي العتق، إلَّا أنَّ هذا الكلام صوري ناشئ من الخلط بين عنوان مفهوم أحدهما وواقع أحدهما(1).

ــــــــــ[193]ــــــــــ

() (أحدهما) هنا ليس حاله حال الأقلّ في باب الاجزاء، فإنَّ التسعة هناك واجبة على تقديرٍ إمّا مستقلاً أو في ضمن العشرة، وكذلك الجنس واجب على كلّ تقدير إمّا مستقلاً وإمّا مع ضمّ الفصل إليه. وأمّا هنا فليس عندنا شيء واحد يمكن أن نشير إليه ونقول: إنّه واجب على كلّ تقدير إمّا هو وحده وإمّا هو مع زيادة؛ لأنّه ما هذا الذي نشير إليه… إلخ؟ (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ما هو هذا (الأحدهما) الذي يقول: (إنّه معلوم الوجوب على كلّ حال)؟ أهو واقع أحدهما أم عنوان أحدهما؟ إن كان هو واقع أحدهما، فهو عبارة عن العتق بخصوصه أو عن الصوم بخصوصه، ومن المعلوم أنَّ العتق بخصوصه ليس معلوم الوجوب على كلّ تقدير، فإنّه على تقدير الوجوب التعييني يكون العتق واجباً وعلى تقدير الوجوب التخيير لا يكون العتق واجباً، بل يكون عنوان انتزاعي واجباً، وهو قابل للانطباق على العتق، لا أنّه بعنوانه يكون واجباً.

وإن أراد بـ(أحدهما) المعلوم الوجوب على كلّ تقدير، عنوان أحدهما، فهذا على تقدير التعيينية غير واجب، فإنّه على تقديرها يكون العتق بنفسه واجباً دون عنوان أحدهما. نعم، صحيح أنَّ عنوان أحدهما عنوان كلي ينطبق على العتق باعتبار انتزاعه منه، على حدّ انطباق كلّ عنوان انتزاعي على منشأ انتزاعه، لكن ليس كلما وجب منشأ الانتزاع سرى الوجوب إلى العنوان الانتزاعي(1).

ففرق بين هذا العنوان الكلّي وبين الجنس بالنسبة إلى النوع، الحيوان بالنسبة للإنسان، هنا كُنّا نقول: إذا كان مصبّ الوجوب هو الحيوان إذن فالحيوان قد تعلّق به الوجوب، وإن كان مصبّه هو الإنسان، فالإنسان يستبطن 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() ومجرّد كون شيء عنواناً انتزاعياً ينتزع من الواجب لا يجعله داخلاً تحت العهدة وفي مصبّ الوجوب، فعنوان أحدهما على تقدير التعيّنية ليس واجباً. (محاضرة غد). (المقرِّر)

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بذاته الحيوان؛ لأنّه جزء من الإنسان، فيكون الحيوان أيضاً مصباً للوجوب، فوجوب الحيوان معلوم على كلّ تقدير ويشك في سريانه إلى الفصل. وأمّا هنا فعنوان أحدهما ليس مستبطناً في العتق بذاته على حدّ استبطان الجنس في النوع، وإنَّما هو عنوان انتزاعي مترتب ومنطبق عليه على حدّ انطباق كلّ عنوان انتزاعي على منشأ انتزاعه، وفرض وجوب منشأ الانتزاع ليس هو فرض وجوب ذلك العنوان الانتزاعي. إذن، فعنوان أحدهما إمّا هو الواجب أو عنوان منتزع عن الواجب، فليس عندنا شيء نقول: إنّه معلوم الوجوب على كلّ حال ونشك في وجوب الزائد.

 وهذا البيان نشأ من الخلط بين واقع أحدهما وعنوان أحدهما؛ لأنّه على تقدير الوجوب التعييني واقع أحدهما معروض الوجوب، وعلى تقدير التخييري عنوان أحدهما معروضه، وحيث إنَّ كلمة (أحدهما) يمكن أن تستعمل بمعنى الواقع وبمعنى العنوان؛ ولهذا توهّم أنَّ هناك شيئاً واحداً معروض للوجوب على كلّ حال، ويشك في وجوب الزائد.

بل واقع المطلب أنَّ ما هو معروض الوجوب وداخل في العهدة، مردّد بين منشأ الانتزاع وهو العتق، أو العنوان الانتزاعي وهو عنوان أحدهما. وهذان أمران متباينان في عالم العهدة على حدّ تباين كلّ عنوان انتزاعي مع منشأ انتزاعه. فهذا التقريب للانحلال غير تامّ.

نعم، يوجد هناك في هذا العنوان الانتزاعي مع منشأ انتزاعه، وهو أنَّ هذا العنوان مع منشأ انتزاعه وإن كانا شيئين متغايرين في عالم المفهوم ومتباينين في 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

عالم العهدة، ولكن أحدهما أوسع من الآخر صدقاً، بمعنى: أنّه متى ما وجد أحدهما يوجد الآخر دون العكس، متى وجد العتق وجد أحدهما وليس متى ما وجد أحدهما وجد العتق؛ لأنَّ أحدهما قد يوجد في الصوم دون العتق(1)

ومن هنا ينفتح علينا هذا النوع من العلوم الإجمالية، التي تكون علماً إجمالياً بدخول أحد أمرين متباينين في العهدة، ولكن أحدهما في عالم التكوين لا ينفك عن الآخر بخلاف العكس.

وهذا يتصور في العناوين الانتزاعية مع منشأ انتزاعها، لو كان للعنوان الانتزاعي عدة مناشئ للانتزاع، فلو علم إجمالاً بوجوب أحد مناشئ الانتزاع أو بوجوب هذا العنوان الانتزاعي، كما لو علم إجمالاً إمّا بوجوب القيام أو بوجوب عنوان التعظيم. وعنوان التعظيم عنوان انتزاعي من القيام إلَّا أنّه أوسع منه دائرة؛ لأنّه ينتزع عن أشياء غير القيام. فهنا يدور الأمر بين أمرين متباينين في عالم العهدة، ولكن أحدهما أوسع وجوداً من الآخر. 

وكذلك الحال في عنوانين انتزاعيين لشيء واحد يكون أحدهما أخص من الآخر، كما لو علم إجمالاً إمّا بوجوب اظهار جوهر الصوت في القراءة أو اسماع الغير فيها. فهذان عنوانان انتزاعيان من القراءة إلَّا أنَّ أحدهما أوسع وجوداً من 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() فبينهما من هذه الناحية عموم وخصوص مطلق، ولا بُدّ حينئذ من أن يبحث مستقلاً في أنَّ مثل هذه النسبة في مقام الصدق الخارجي هل تكون ملاكاً في انحلال آخر غير الانحلال الحقيقي وهو المسمّى بالانحلال الحكمي أو لا تكون ميزاناً له؟ (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الآخر، فإنَّ رفع جوهر الصوت لا ينفك عن اسماع الغير بخلاف اسماع الغير، فإنّه قد يحصل من دون رفع جوهر الصوت، فهما عنوانان انتزاعيان متغايران، لكن أحدهما أوسع وجوداً من الآخر.

وقد يحصل أيضاً في المعلول مع أحد أجزاء علته، كما لو علم إجمالاً إمّا بوجوب المعلوم وإمّا بوجوب أحد أجزاء علته، كما لو علم إجمالاً إمّا بوجوب نصب السلم وجوباً نفسياً، أو بوجوب الكون على السطح وجوباً نفسيا، فإنَّ الكون على السطح أضيق وجوداً من نصب السلم؛ لأنّه متى ما كان كون على السطح كان نصب السلم دون العكس. 

وقد يفرض في المتلازمين اللذين يكون أحدهما اخص من الآخر، كما لو علم إجمالاً بوجوب إكرام المخدوم أو الخادم، فإنّه هنا يمكن أن يقال: بأنَّ إكرام الخادم لا ينفك عن إكرام المخدوم بخلاف العكس. وهكذا.

فهذا باب كلي، باب العلم الإجمالي بدخول أحد شقين في العهدة، ولكن أحدهما مساوق مع الآخر، والآخر غير مساوق معه فهنا الانحلال الحقيقي غير موجود بالبيان الذي بيّناه؛ لأنّنا بلحاظ عالم العهدة نواجه أمرين(1) متباينين نعلم بوجوب أحدهما، وكلّ واحد منهما صالح للتنجيز والدخول في العهدة، 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

() فإننا نواجه أمراً مردّداً بين العنوان الانتزاعي ومنشأ الانتزاعي، أو بين هذا العنوان الانتزاعي وذلك العنوان الانتزاعي، أو بين عنوان المعلول وعنوان المقدمة، أو بين عنوان هذا الملازم وعنوان ذلك الملازم. فالتردّد بين متباينين بحسب عالم العهدة ولا انحلال حقيقي من هذه الناحية. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فالعلم الإجمالي في تمام هذه الأقسام غير منحلّ انحلالاً حقيقياً، ومن هنا لا بُدّ من الكلام في الانحلال الحكمي حينئذٍ.

إنَّ(1) الانحلال الحقيقي بلحاظ عالم العهدة غير موجود: فيقع الكلام في تمام هذه الموارد في أنّه هل هناك انحلال حكمي أو لا؟ بعد إبطال شبهة قد تخطر على البال، وهي أنّه قد يقال في المقام بالانحلال باعتبار دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في اللابُدّية؛ لأنَّ من يعلم بوجوب واقع العتق أو بوجوب عنوان أحدهما، هذا يعلم بلابُدّية أحد الأمرين ويشك في لابدية العتق بالخصوص، كمن يعلم انه يجب عليه إمّا الكون على السطح أو نصب السلم، يعلم بلابدية نصب السلم عليه ويشك في اللابدية الزائدة. 

هذا لا ينبغي أن يقال: لأنَّ هذه اللابدية لابدية تكوينية، وليست لابدية مرجعها إلى العهدة، حتّى ينحلّ العلم الإجمالي بلحاظ العهدة، فإنّه بلحاظ العهدة ليس هناك عهدة متيقنة وعهدة مشكوكة، بل هناك دوران بين المتباينين، إمّا منشأ الانتزاع دخل في عهدتي وإمّا العنوان الانتزاعي، إمّا عنوان المعلوم دخل في عهدتي وهو الكون على السطح، أو عنوان المقدمة وهو نصب السلم. نعم، بحسب اللابدية التكوينية الخارجية من يمتثل الكون على السطح ينصب السلم، لكن من يمتثل نصب السلم لا يلزم أن يكون على السطح، إلَّا أنَّ هذا 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

() بدأ السيّد الأستاذ بعنونة المسلك الثالث، واستمر بتقرير نفس المطالب السابقة حتّى انتهى إلى الموارد التي يكون بين العنوانين عموماً وخصوصاً مطلقا بحسب الصدق الخارجي وعدّدها كما سبق وذكر فيها: إن… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

انحلال بلحاظ اللابدية التكوينية، والعلم الإجمالي المنجّز هو العلم الإجمالي المضاف إلى اللابدية التشريعية وإلى وعاء العهدة لا المضاف إلى اللابدية التكوينية الخارجية.

إذن، فهذا العلم الإجمالي في المقام بعد الالتفاتات إلى التمييز بين اللابدية العهديَّة التشريعية واللابُدّية التكوينية الخارجية، قائم وغير منحلّ انحلالاً حقيقياً، فنفتّش عن نظرية تثبت انحلاله الحكمي في المقام(1).

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال لي: ليس المقصود انحلال العلم الإجمالي تكويناً، بل المقصود أنَّ العلم الإجمالي المضاف إلى اللابدية التكوينية الخارجية منحلّ، فهذا التكوين غير ذاك التكوين الذي كنّا نتكلّم عنه. سابقاً كنّا نقول: إن العلم الإجمالي بحسب عالم التكوين غير منحلّ، وحتّى الآن نقول: إنّه بحسب عالم التكوين غير منحلّ إذا أضيف إلى اللابدية التشريعية. وأمّا إذا أضيف إلى اللابدية التكوينية، يعني: ما لا بدَّ تكويناً أن يصدر من المكلف خارجاً، فيكون منحلّاً؛ لأنَّ أمره دائر بين واحد واثنين: وضع السلم وحده على تقدير كونه هو الواجب، أو هو مع الكون على السطح على تقدير وجوب الكون على السطح، –وإن كان الداخل في عهدته هو نصب السلم بالخصوص تارة، والكون على السطح بالخصوص أخرى- فيدور الأمر بحسب اللابدية التكوينية بين الأقلّ والأكثر.

لكن هذا غير مفيد، بل المفيد هو أن نلحظ حال اللابدية التشريعية، أي: حال العهدة، لنرى أنَّ العلم الإجمالي منحلّ بلحاظها أو غير منحلّ؟ نقول غير منحلّ لا تكويناً ولا بالمقدار الداخل في العهدة، يعني: لا مع حفظ الحدود لا بإلغاءها. إذن، فلا بدَّ وأن نفتّش عن نظرية للانحلال الحكمي. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تحقيق الحال في الانحلال الحكمي

وتحقيق الحال في هذه النظرية للانحلال الحكمي: أنّنا في تنجيز العلم الإجمالي تارة نقول بمسلك العلّية، وأنَّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع ابتداء، المعلوم عند الله، ويكون قد تمّ عليه البيان بالعلم الإجمالي، وبذلك يخرج عن مورد الأصول المؤمّنة عقلاً وشرعاً، ولا يكون خروجه عنها من باب المعارضة، بل من باب استحالة شمولها له وارتفاع موضوعها فيه.

 وأخرى نقول: إنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز الواقع ابتداء، بل هو ابتداء ينجّز بمقدار الجامع، أي: بمقدار حرمة المخالفة القطعية التي هي مخالفة الجامع، وكلّ من الطرفين يبقى في نفسه مجرى للأصل المؤمّن، وإنَّما لا تجري الأصول لأنّها تتعارض؛ إذ لو يرى الأصل في كلا الطرفين يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، أي: إلى الإذن في ترك الجامع رأساً، وهو خلاف تنجيز العلم الإجمالي، وجريانه في البعض دون البعض ترجيح بلا مرجح، فيتساقط الأصلان. فهذان عنوان من التصور سبق تحقيقهما في بحث تنجيز العلم الإجمالي. 

لو بنينا على النحو الأوّل من التصور وأنَّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع ابتداء، ويخرج عن الأصول العقلية والشرعية بلا حاجة إلى مسألة المعارضة؛ بناء عليه يكون العلم الإجمالي في المقام منجّزاً لا محالة؛ لأنَّ المفروض وجوده وتشكله بلحاظ العهدة. إذن، يؤثّر أثره الحتمي العلّي وهو تنجيز الواقع. والواقع أمره مردّد لا يدرى أنّه هل هو الوجوب الأكثر زحمة أو الوجوب الأقلّ زحمة؟ ولا 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يمكننا أن نجري الأصل المؤمّن لا عقلاً ولا شرعاً، لا عن الوجوب الأكثر زحمة ولا عن الوجوب الآخر؛ لأنَّ أحدهما بعينه منجّز بالعلم الإجمالي مباشرة ولا أدري أيّهما هو، وأي واحد نلتفت اليه نحتمل أنّه هو الذي اكتسب المنجّزية بالعلم الإجمالي وخرج عن موضوع الأصول. إذن، فلا يمكن إجراء الأصول المؤمّنة لا عقلاً ولا شرعاً في أيّ من الطرفين، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً ولا تجري أصالة البراءة ولا بُدّ من الاحتياط. هذا بناءً على العلّية.

وأمّا بناءً على الاقتضاء، وأن العلم الإجمالي ينجّز الجامع أي حرمة المخالفة القطعية دون أحد الطرفين بالخصوص، فيكون أحد الطرفين في نفسه مجرى للأصول المؤمّنة، وإنَّما لا تجري الأصول للمعارضة والتساقط. لو بنينا على هذا، فالعلم الإجمالي بوجوب أكثر زحمة أو بوجوب أقلّ زحمة، ينجّز الجامع بين الوجوبين، كمثالنا وهو العلم إجمالا أمّا بوجوب العتق أو وجوب عنوان أحدهما، ووجوب العتق هو الوجوب الأكثر زحمة والآخر هو الوجوب الأقلّ زحمة، فالعلم الإجمالي بأحد هذين الوجوبين ينجّز الجامع بينهما، وتنجيز الجامع لا يقتضى إلَّا أقلّ الزحمتين، وهو أن لا يترك كِليهما، لأنّه إذا أتى بأحدهما كفى في مقام التحفّظ على الجامع، فالعلم الإجمالي ينجّز الجامع ويوجب حرمة المخالفة القطعية التي تحصل بتركهما معا رأساً، وأمّا خصوص هذا الوجوب أو ذاك فيبقى في نفسه تحت الأصول المؤمّنة عقلاً وشرعاً.

 وحينئذٍ نقول: بأنَّ أصالة البراءة عن الوجوب الأكثر زحمة، وهو وجوب العتق، يجري ولا يعارضه أصالة البراءة من الوجوب الأقلّ زحمة وهو وجوب 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

عنوان أحدهما؛ وذلك لأنَّ إجراء أصالة البراءة عن وجوب عنوان أحدهما: يراد منها التأمين عن ماذا وفي أيّ حالة؟ في حالة أن يخالف الوجوب الأقلّ زحمة، وإنَّما يخالف هذا الوجوب إذا تركا معاً، وفرض مخالفة الوجوب الأقلّ زحمة هو فرض مخالفة الجامع رأساً الذي تنجزت حرمته بالعلم الإجمالي مباشرة، فبأصالة البراءة عن الوجوب الأقلّ زحمة، هل أريد أن أؤمّن من ناحية مخالفة الجامع؟ هذا مستحيل؛ لأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة مخالفة الجامع ويستحيل التأمين من ناحية مخالفته. أو أريد التأمين من ناحية أخرى وراء مخالفة الجامع؟ وهذا غير محتمل؛ لأنّه لا يحتمل في المقام وجود تكليفين حتّى أؤمن من ناحية أخرى، فإنّه لو تركهما معاً فالجامع قد خولف ويعاقب عليه لا محالة ولا يحتمل وجود عقاب آخر، بمعنى: أنّه من ترك الصوم والعتق معاً يعاقب بعقابين، لا يحتمل ذلك؛ لأنّه ليس عليه واجبان تعيينيان. 

فإجراء أصالة البراءة عن الوجوب الأقلّ زحمة إن أريد به نفي العقاب رأساً في حالة ترك الفعلين معاً، فهو غير معقول؛ لأنَّ أصل العقاب سجل باعتبار تنجيز العلم الإجمالي للجامع، وإن أريد بهذا الأصل نفي عقاب آخر وراء العقاب الواحد، فهو غير محتمل من أول الأمر، سواء كان الواجب تعيينياً أو تخييرياً. وعليه فالأصل المؤمّن عن الوجوب الأقلّ زحمة يستحيل أن يكون مؤمّناً، فيبقى الأصل المؤمّن عن الوجوب الأكثر زحمة جارياً بلا معارض، وهذا هو معنى الانحلال الحكمي، حيث إنَّ الأصل في أحد الطرفين جرى بلا معارض. 

ثُمَّ إن أصحاب مسلك الاقتضاء، القائلين بأنّه عدم جريان الأصول ينشأ 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

من ناحية التعارض، تارة يلتزمون بذلك في الأصول العقلية والشرعية معاً، بمعنى: أنهم يقولون كُلّاً من البراءة الشرعية والعقلية في نفسه يجري في هذا الطرف وفي ذلك، وإنَّما لا يجري بالفعل من ناحية التعارض. لو التزموا بهذا تجري البراءة عقلاً وشرعاً عن الوجوب الأكثر زحمة، ولا يعارضه البراءة لا عقلاً ولا شرعاً عن الوجوب الأقلّ زحمة بالبيان الذي بيّناه. 

وقد يلتزم هؤلاء بالتفصيل، ويقولون: بأنَّ البراءة العقلية لا تجري لقصور اقتضائها، فيوافقون القائل بالعلِّية من هذه الناحية، ولكن البراءة الشرعية لا تجري للمعارضة. فهنا ينتج التفصيل، وحينئذٍ البراءة العقلية لا يمكن الالتزام بجريانها لا في هذا الطرف ولا في ذاك، وأمّا البراءة الشرعية فتجري عن الوجوب الأكثر زحمة ولا تعارضه أصالة البراءة عن الوجوب الأقلّ زحمة. وهذا هو الانحلال الحكمي.

والمختار عندنا من حيث المباني هو مسلك الاقتضاء كما تقدم، فيجري الأصل المؤمّن عن الوجوب الأكثر زحمة بلا معارض. نعم، لا بُدّ لنا أن نفتش عن أصل يكون دليله شاملاً لموارد العلم الإجمالي حتّى يمكن التمسك به في المقام، من قبيل الاستصحاب مثلاً. 

هذه هي نظرية الانحلال الحكمي المنطبقة على تمام الموارد التي يوجد فيها ذلك الميزان العام، وهو ما إذا تشكّل علم إجمالي بين وجوب أكثر زحمة ووجوب أقلّ زحمة. وهذا البيان كما عرفتم يتوقّف على الذهاب إلى مسلك الاقتضاء، ولا يتمّ على القول بالعلِّية.

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في إشكال في المسألة

هنا(1) يبقى شيء واحد، قبل أن نختم الحديث عن المسلك الثالث وننتقل إلى المسلك الرابع، وهو: أنّه قد يتخيل في المقام، إن هذه(2) القاعدة العامة في العلم الإجمالي الدائر أمره بين الوجوب الأخف مؤونة أو الوجوب الأشدّ مؤونة، وإن كانت في نفسها صحيحة، لكن المقام ليس من مصاديقها، فإنّنا في المقام لا نحتاج إلى هذه القاعدة، بل يمكننا أن نقول في محلّ الكلام: إنَّ العلم الإجمالي لا يتشكّل من رأس.

وإنَّما نحتاج إلى هذه القاعدة فيما إذا دار الأمر بين وجوب القيام وبين عنوان التعظيم، الذي ينتزع من القيام تارة ومن غيره أخرى، فهنا منشأ الانتزاع ضيق والعنوان الانتزاعي وسيع، ويعلم بأحدها، حينئذٍ هنا نحتاج إلى هذه النظرية للانحلال، لا فيما إذا علمنا بوجوب العتق أو عنوان أحدهما؛ لأنَّ عنوان التعظيم وإن كان عنواناً انتزاعياً، ولكنّه حاك عن أمر واقعي؛ لأنَّ القيام الذي ينتزع منه التعظيم والقيام والذي لا ينتزع منه، لا بُدّ من فرض فرق واقعي بينهما، ولو كان عبارة عن تعلّق الاعتبار العقلائي بهذا دون ذاك، لا بُدّ من وجود فرق قابل للإيجاد خارجاً. فالعناوين الانتزاعية التي تكون حاكية عن حيثيات واقعية تكون قابلة للدخول في العهدة، فيدور الأمر بين دخول 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() قال بعد أن لخّص فهرست ما سبق من الأبحاث بمناسبة وجود العطلة، وانتهى من تقرير الانحلال الحكمي. هنا… (المقرِّر).

(2) قاعدة الانحلال الحكمي، (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

العنوان الانتزاعي في العهدة أو منشأ الانتزاع، فيأتي كلامكم. 

وأمّا عنوان أحدهما بالخصوص، فإنّه وإن كنتم تسمونه عنواناً انتزاعياً، ولكنّه -كما حقّقناه في أبحاث العلم الإجمالي- ليس من العناوين التي تستوردها النفس من الخارج، بل هو عنوان تنشؤه النفس محضاً وليس له أيّ واقع خارجي. ومثل هذا العنوان لا معنى لأن يكون في العهدة. إذن، فأحد الطرفين غير صالح للدخول في العهدة بخلاف الطرف الآخر، فلا يتشكّل علم إجمالي بلحاظ العهدة.

هذه الشبهة طبعاً غير صحيحة؛ وذلك لأنَّ عنوان أحدهما وإن كان كما قيل في الشبهة: من أنّه عنوان اعتباري، وهي من منشئات النفس صرفاً وليس من المستوردات من الخارج، ولكن هذا العنوان لا تنشؤه النفس لأجل الاستيناس الذاتي به، وإنَّما تنشؤه وفقاً لتركيب عقلي خاص يتيح لها أن ترى من خلال هذا العنوان نحواً من التغيّر في الواقع لا يرى بعنوان آخر، فإنّه إذا أخبر المخبر الصادق بأنّه وجد أحدهما، فالسامع يرى نحو تغيّر في الواقع لم يكن موجوداً لو لا هذا الإخبار، وهو أنَّ عدم هذا مع عدم هذا لم يقترنا معاً، بهذا المقدار يراه بهذا العنوان.

والنفس تنشئه لتعبّر به عن مرتبة من التغيّر في الواقع، وهذه المرتبة من التغيّر لا محالة تدخل في العهدة، ويكون حينئذٍ من باب الدوران بين المتباينين في الدخول في العهدة، فلا يدرى أن الدخول في عهدتي هل هو العتق أو هو أن لا يقترن عدم العتق مع عدم الصوم. وهذان أمران واقعيان متغايران، غاية 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الأمر واقعية أحدهما مساوقة مع واقعية الآخر بخلاف العكس، كما هو الحال في تمام موارد هذه القاعدة. 

[المسلك الرابع: رجوع الوجوب التخييري إلى وجوبات متعددة لكن الضيق في دائرة الواجب المتعلق]

المسلك الرابع: هو المسلك القائل بأنَّ الوجوب التخييري مرجعه إلى وجوبات متعددة، كما قيل في المسلك الأوّل، ولكن هذه الوجوبات فيها نحو ضيق، وهو إلى هنا أيضاً يشترك مع المسلك الأوّل، إلَّا أنَّ الفرق هو في تشخيص هوية هذا الضيق، فإنَّ أصحاب المسلك الأوّل يقولون: إنَّ هوية هذا الضيق هو أن الوجوب مشروط بترك الآخر. وأمّا هنا فيقال: بأنَّ الوجوب غير مشروط، بل فعلي ثابت على كلّ حال سواء صمت أو لم أصم، وإنَّما الضيق في دائرة الواجب المتعلّق، فإنَّ الواجب بالوجوب الفعلي ليس هو وجود العتق بتمام مراتبه، بل مرتبة ناقصة من وجوده، وحيث إنّه لا يتصور في طرف الوجود المرتبة الناقصة والمرتبة الكاملة؛ لأنَّ الشيء إمّا أن يوجد وإمّا أن لا يوجد؛ فمن هنا يرجعون الوجوب التخييري ارتكازاً إلى إيجاب سدّ أبواب العدم، لأجل أن يتصور المرتبة الكاملة والناقصة.

فيقولون: إنّه هنا تارة يريد سدّ تمام أبواب العدم، كصلاة الصبح، وأمّا صلاة الظهر يوم الجمعة فلا يريد سدّ تمام أبواب عدمها، بل يريد سدّ باب عدمها المقارن لعدم صلاة الجمعة، أمّا العدم المقارن مع وجود صلاة الجمعة فهذا لا يريد سده، كذلك الحال في صلاة الجمعة. فهنا ضيق في دائرة المطلوب 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

والواجب لا في دائرة الطلب والوجوب، فهذا هو الفرق بين هذا المسلك والمسلك الأوّل. وهذا هو مسلك المحقّق العراقي.

بناءً على هذا المسلك، تأتي نفس الصيغة التي قلناها على المسلك الأوّل، مع أدنى تغيير في التعبير؛ إذ كُنّا نقول على المسلك الأوّل: بأنَّ وجوب العتق في حالة أن لا أصوم متيقن، وأمّا وجوب العتق في حالة أن أصوم فهو وجوب زائد مشكوك فينفى بالأصول المؤمّنة. فهناك كُنّا نلحظ الزيادة والقلّة بلحاظ نفس الوجوب، وأمّا هنا فنلحظ الزيادة والقلّة في دائرة الواجب فنقول: بأنَّ سدّ باب هذا العدم متيقن الوجوب، يجب علينا سدّ باب عدم العتق المقارن مع عدم الصوم. وأمّا سدّ باب الحصّة الأخرى من العدم وهو عدم العتق المقارن مع فعل الصوم، فيشك في وجوبه بالشكّ الزائد فتجري الأصول المؤمّنة. وجوهر المطلب على المسلكين واحد وإنَّما تختلف صيغة التعبير.

ولهذا أيضاً روح الإشكال الذي ذكرناه على المسلك الأوّل وحوّلناه على هذا المسلك، أيضاً يجري على المسلكين بنحو واحد، ولأستعن في توضيح الإشكال بافتراض المسلك الأوّل، يعني: أتكلّم بالصيغة المناسبة معه، وتطبيقها على المسلك الرابع يكون سهلاً بيدكم، فهنا كُنّا نقول: إنَّ وجوب العتق في حالة أن لا أصوم معلوم وأمّا الحصّة الزائدة من الوجوب وهو وجوبه في حالة أن أصوم فهو غير معلوم فيكون مجرى للبراءة.

هنا قد يقال: بأني أعلم إجمالاً: إمّا بوجوب العتق حتّى في حالة أن أصوم، بناء على التعيينية. وإمّا بحرمة ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، بناء على التخييرية.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

توضيح ذلك: أنّه لو كان الوجوب وجوباً تعيينياً في الواقع، فيجب على المكلّف أن يعتق ولو كان صائماً؛ لأنَّ الصوم ليس عدلاً للعتق، فلو تركت العتق في الخارج لكان هذا مخالفة لهذا الوجوب التعييني، إلَّا أنَّ من يترك العتق لا يضره أن يضمّ إليه ترك الصوم؛ لأنَّ ضمّ غير الواجب إلى ترك الواجب ليس من المحرمات شرعاً ولا عقلاً.

وأمّا لو كان في الواقع العتق والصوم بنحو الوجوب التخييري، فهنا ترك العتق في حالة أن يصوم ليس حراماً؛ لأنّه قد استبدله بعدله، لكن ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، يكون حراماً؛ لأنّه به يتحقق المخالفة للوجوب التخييري. إذن، فهو يعلم إجمالاً بحرمة ومخالفية أحد هذين الأمرين: إمّا بحرمة ترك العتق في حالة أن يصوم -يعني: وجوبه في حالة أن يصوم- أو حرمة ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، وهذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً(1).

وهذا البيان بناء على العلية تام، يعني هذا العلم الإجمالي حينئذٍ موجود 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() وهنا قلت: إنَّ هذا لا يزيد عن وجوب الجامع، فإنَّ التركين معاً إنّما يحرمان لأجل وجوب الجامع، فينحلّ بنفس التقريب السابق، انحلالاً حكمياً. 

فأجاب: نعم، إلَّا أنّنا في المسلك الأوّل قلنا في بادئ الأمر بالانحلال الحقيقي، لولا إشكال سوف يأتي؛ لأنَّ وجوب العتق ينحلّ إلى حصّتين: وجوبه في حالة أن لا أصوم، وهو متيقّن ووجوبه في حالة أن أصوم مشكوك، فينحلّ انحلالاً حقيقياً بلحاظ العهدة. وهذا البيان يبرهن على أنّه لا يوجد هناك انحلال حقيقي بلحاظ عالم العهدة، فإنّه بلحاظه العلم الإجمالي قائم، غايته بملاحظة الطرف الآخر بأن يقال: إمّا يجب عليّ العتق في حالة أن أصوم، وإمّا يحرم عليّ أن أضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ويكون منجّزاً، كما أنّه بناء على العلية يكون العلم الإجمالي على المسلك الثالث منجّزاً(1). وأمّا بناءً على الاقتضاء فلا يكون منجّزاً؛ وذلك لأحد بيانين: 

البيان الأوّل: هو نظرية الانحلال الحكمي التي قلناها على المسلك الثالث، فإنّها بنفسها تجري في المقام أيضاً؛ لأنّ ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، لماذا أريد أن أجري الأصل المؤمّن عنه، هل لأجل أن أنفي أصل العقاب، فالعقاب هنا معلوم؛ لأنَّ ترك الجامع محقّق والمخالفة القطعية محقّقة، أو لأجل أن أنفي عقاباً واستحقاقاً آخر، فهو غير محتمل في المقام. نعم، لو التزم مؤمن بأنّه لوترك كلا طرفي الوجوب التخييري يعاقب بعقابين، حينئذٍ لا تأتي هذه النظرية؛ لأنّه يقال: بأنَّ أصالة البراءة عن وجوب العتق في حالة أن أصوم تتعارض مع أصالة البراءة عن حرمة ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، وأثر البراءة الثانية هو نفي العقاب الثاني، فيتعارضان ويتساقطان.

لكن حيث إنّه لا يلتزم فقيه في موارد الوجوب التخييري بتعدد العقاب؛ ولهذا يأتي نفس نظرية الانحلال التي قلناها بناءً على الجامع الانتزاعي، تأتي في المقام أيضاً.

هذا البيان الأوّل وهو البيان الصحيح.

البيان الثاني: وهو يجري حتّى لو قال فقيه بتعدد العقاب في ترك كلا طرفي الوجوب التخييري؛ لأنّه ترك بالفعل واجبين؛ لأنَّ كُلّاً من الوجوبين تحقّق موضوعه وشرطه، وهو قد خالفهما معاً.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: يعني رفعنا اليد عن الانحلال الحقيقي. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ثُمَّ(1) قلنا بعد هذا: إنّه يمكن إبطال تنجيز هذا العلم الإجمالي، ولو بنى على تعدد العقاب؛ وذلك بأن يقال: إنَّ هذا العلم الإجمالي بوجوب العتق في حالة أن يصوم أو حرمة ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، هذا العلم الإجمالي مخالفته القطعية غير ممكنة بحسب الخارج، لأنَّ أحد طرفيه هو وجوب العتق في حالة أن يصوم، فمخالفته هو أن يترك العتق في حالة أن يصوم وفي هذه الحالة يستحيل أن يرتكب مخالفة الطرف الآخر أيضاً، وهو أن يضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق. وحينئذٍ فالمخالفة القطعية لهذا العلم الإجمالي غير ممكنة.

وحينئذٍ تأتي نظرية درسناها فيما سبق في أبحاث تنجيز العلم الإجمالي، تقول: إنّه متى ما كانت المخالفة القطعية للعلم الإجمالي غير ممكنة فلا بأس بجريان الأصول في تمام الاطراف ولا تتعارض لعدم أدائها إلى المخالفة القطعية. إلّا أنَّ هذه النظرية غير تامّة كما حقّقناه في محله. ويكفينا حينئذٍ في إبطال تنجيز هذا العلم الإجمالي نظرية الانحلال بالنحو الذي بيّناه.

هذا هو تمام الكلام في أصل المسألة المكونة من الأبواب الثلاثة: باب الجزئية، وباب الشرطية، وباب دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وما تبقى من شؤون وخصوصيات ندرجه في تنبيهات المسألة.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة وذكر البيان الأول: ثُمّ… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 



في تنبيهات المسألة

 

  • التنبيه الأوّل: في استخدام الاستصحاب كدليل للبراءة والاحتياط معاً 
  • التنبيه الثاني: في الشبهات التحريمية 
  • التنبيه الثالث في الشبهة الموضوعية
  • التنبيه الرابع في الشكّ في المحصل
  • التنبيه الخامس في ترك الجزء نسياناً 
  • التنبيه السادس: في زيادة الجزء
  • التنبيه السابع: في الجزئية حال التعذّر
  • التنبيه الثامن: في دوران الأمر بين الشرطية والمانعية

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 




في تنبيهات المسألة

 

التنبيه الأوّل: في استخدام الاستصحاب كدليل للبراءة والاحتياط معاً 

 

التنبيه الأوّل: وهو أنّه استخدم في هذه المسألة الاستصحاب من قبل كلا الطرفين: القائل بالاحتياط والقائل بالبراءة.

الاستدلال به للاحتياط

أمّا القائل بوجوب الاحتياط فقد استدل بالاستصحاب بهذا البيان: قال: إنّنا نعلم علماً إجمالياً بأحد وجوبين إمّا وجوباً للتسعة محدوداً بالحد الإطلاقي وإمّا وجوبها بالحد التقييدي وبما هي في ضمن العشرة. وهذان حدان متباينين ولا نعترف بالانحلال الحقيقي في المقام.

وبعد أن نفرض أننا أتينا بالتسعة ولم نأت بالعاشر نشكّ في أنَّ معلومنا الإجمالي باق أو ليس باقياً؛ لأنَّ معلومنا هو الجامع بين وجوب التسعة المطلقة ووجوب التسعة المقيدة، وهذا الجامع المعلوم إجمالاً إن كان منطبقاً في علم الله على الفرد التُساعي، يعني: وجوب التسعة المطلقة، إذن فقد سقط وإن كان 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

موجوداً في وجوب التسعة بالحد التقييدي، إذن فهو لا يزال باقياً. فهنا جامع معلوم بالعلم الإجمالي مردّد أمره بين أن يكون في ضمن فرد باق حتّى الآن أو ضمن فرد قد انتهى عمره، وهذا يكون من موارد استصحاب القسم الثاني من الكلّي.

كما لو علمنا إجمالاً بجامع الحدث الأعمّ من الأصغر أو الأكبر، ثُمَّ توضّأ المكلّف، فيقول: بأنَّ هذا الجامع لو كان موجوداً في ضمن الحدث الأصغر فقد انتهى أمره وزال، وإن كان موجوداً في ضمن الحدث الأكبر فهو باق فيستصحب جامع الحدث.

هذا التقريب اعترض عليه السيّد الأستاذ في الدراسات، ببيان يرجع إلى تعبيرين:

تارة يقول: بأنَّ استصحاب الجامع من القسم الثاني من الكلّي وإن كان جارياً في نفسه، ولكنّه إنَّما يجري إذا كانت الأصول في الفرد الطويل والفرد القصير متعارضة، وأمّا إذا لم تكن متعارضة، بل كان الأصل في الفرد الطويل جارياً ونافياً له بلا معارض، فهنا لا يجري استصحاب القسم الثاني من الكلّي.

والنكتة في ذلك: هو أن استصحاب عدم الفرد الطويل حاكم على استصحاب بقاء الكلي؛ لأنّي إنَّما اشك في بقاء الجامع من ناحية الشكّ في أنّه تحقق في ضمن الفرد الطويل أو لا، فإذا جرى استصحاب عدم الفرد الطويل حكم على استصحاب بقاء الجامع، وإنَّما تنتهي النوبة إلى استصحاب بقاء الجامع حيث لا يجري استصحاب عدم الفرد الطويل للمعارضة مع استصحاب عدم الفرد 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

القصير، كما لو كان متطهراً ثُمَّ علم بوقوع أحد الحدثين، فهنا لا يجري استصحاب عدم الحدث الأصغر، أي: عدم البول؛ لأنّه معارض باستصحاب عدم الجنابة، ولا يجري استصحاب عدم الجنابة لأنّه معارض باستصحاب عدم البول، وحينئذٍ تنتهي النوبة إلى استصحاب جامع الحدث، وأمّا لو كان استصحاب عدم الجنابة الذي هو الفرد الطويل جارياً بلا معارض ففي مثل ذلك يكون هذا الاستصحاب حاكماً على استصحاب كلي الحدث؛ لأنَّ الشكّ في جامع الحدث سبب بقاء عن الشكّ في تحقق الجنابة وعدمها.

وهذا التعبير مرّ في الابحاث السابقة أنّه غير صحيح وغير منسجم مع طرز تفكيره هو أيضاً؛ وذلك لأنَّ الشكّ في بقاء الكلّي ليس من الآثار المسببة شرعاً عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل وعدم حدوثه، لو سلمت السببية العقلية فلا تسلم السببية الشرعية.

 ليس بقاء الكلّي من الآثار المترتّبة على حدوث الجنابة حتّى يقال: إنَّ استصحاب بقاء الجنابة حاكم على استصحاب بقاء الكلي، على تفصيل وتحقيق يأتي في محلّه في الاستصحاب. إلَّا أنّه هنا لا نحتاج إلى تحقيق في مقام نفي أخص الأشياء وهو السببية الشرعية. وإذا كانت هناك سببية فهي سببية عقلية، والسببية العقلية ليست هي الميزان في حكومة أصل على أصل. فهذا البيان واضح الاندفاع. 

التعبير الآخر للسيّد الأستاذ أنه يقول: بأنّه في محلّ الكلام، يعني: ما إذا علم بوجوب تسعة بحدها الإطلاقي أو بحدها التقييدي، أليست أصل التسعة 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

معلوم الوجوب وجداناً ونضم إليه استصحاب عدم وجوب العاشر، أو أصل البراءة عن وجوب العاشر. فبضمّ الوجدان إلى الأصل نعيّن أن الفرد الذي تحقّق الجامع في ضمنه هو الفرد القصير لا الطويل. ومع تعيين الجامع في ضمن الفرد القصير لا يبقى شكّ في بقائه بعد ارتفاع الفرد القصير. 

وهذا التعبير غير التعبير الأوّل وإن اختلط الأمر ما بينهما، فإنّه في التعبير الأوّل كان يقال: بأن استصحاب الفرد الطويل كان يحكم على استصحاب الجامع، من دون حاجة إلى أننا بالأصل نعين حال الفرد الموجود، هل هو الفرد القصير أو الطويل. 

أمّا هنا فيريد أن يدعي أكثر من ذلك: أنّه بضم التعبّد -النافي لوجوب الزائد -إلى الوجدان -القاضي بوجوب الأقلّ- نعيّن الجامع في ضمن الفرد القصير، أي: وجوب التسعة، ومع تعيين الجامع فيه لا يبقى شكّ في بقائه بعد ارتفاع الفرد القصير.

وهذا الكلام أيضاً منافٍ مع طرز تفكير السيّد الاستاذ نفسه؛ وذلك لأنَّ السيّد الأستاذ لا يرضى بأن يكون الأصل النافي لوجوب الزائد مثبتاً للإطلاق الذي هو حدّ الفرد القصير. 

وقد سبق منه مناقشة مع الميرزا في هذه المسألة، إذ حاول الميرزا أن يثبت الإطلاق بالأصل النافي لوجوب الزائد، والسيّد الأستاذ لم يقبل ذلك، فإذا لم يثبت الإطلاق بالأصل النافي لوجوب الزائد فكيف نعين وجود الجامع في ضمن الفرد القصير بحده؟ ولا يتعين.

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ثُمَّ لو سلّمنا مقالة الميرزا، وهي أنَّ الأصل النافي لوجوب الزائد يثبته الإطلاق، فغايته أن نثبت وجوباً للتسعة المطلقة، لا أنَّ ذاك الجامع موجود في ضمن هذا الفرد بحيث يرتفع بارتفاعه؛ لأنَّ هذا لازم عقلي، فغاية ما يثبت بصناعة الميرزا هو أنَّ الوجوب متعلّق بالتسعة بحدها الإطلاقي، أمّا كون ذاك الجامع المعلوم بالإجمال هو هذا بحيث يرتفع بارتفاعه، فهذا لازم عقلي له لا يمكن إثباته في المقام، فالشكّ في بقاء الجامع باق على حاله حتّى بعد أن عينا الفرد القصير في الخارج. هذا هو التعبير الثاني.

ثُمَّ بعد هذا ذكر السيّد الأستاذ: بأنَّ مقامنا من قبيل ما إذا فرض أنَّ المكلّف كان محدثاً بالأصغر، ثُمَّ علم إجمالاً بأنّه صدر منه إمّا حدث أصغر أو أكبر، إمّا بول وإمّا جنابة. هنا لا يشكّ فقيه في أنّه لا يكلف هذا المكلّف بأكثر من الوضوء؛ لأنّه لو توضأ لا يجري بالنسبة إليه استصحاب بقاء جامع الحدث، فإنّه لا مجال له؛ لأننا بالتعبد عينّا حال الفرد، وذلك بأن قلنا: بأنَّ هذا المكلّف قبل أن يصدر منه البلل المشتبه كان محدثاً بالأصغر فنستصحب الحدث الأصغر بحدّه، فقد عيّنا وجود الفرد القصير، ومع تعيينه لا يمكن استصحاب بقاء جامع الحدث.

كذلك في المقام، فإنّنا بالأصل النافي لوجوب الزائد مع ضمّه إلى الوجدان نعيّن الفرد القصير، وهو وجوب التسعة المطلقة، ومعه لا يجري استصحاب بقاء الجامع.

هذا القياس أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّنا ذكرنا في بحث الابحاث 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

السابقة، في الفقه أو الاصول: بأنّه هنا إنَّما لا يجري استصحاب جامع الحدث ويحكم عليه استصحاب بقاء الأصغر بحده لنكتة فقهية في خصوص هذا المثال؛ إذ ثبت في الأدلّة الشرعية تعليق عدم الجامع على عنوان المحدث الاصغر.

توضيحه: أنّه دل الدليل على أنَّ المحدث بالأصغر بحده طهوره هو الوضوء: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(1) وفسّر القيام إلى الصلاة بالقيام من النوم أي من الحدث الاصغر، فهذا معناه أنَّ المحدث بالأصغر طهوره هو الوضوء، ومعناه أنّه لو توضّأ لكان متطهّراً في مقابل جامع الحدث.

 ونحن باستصحاب بقاء الحدث الأصغر بحده نثبت أن هذا طهوره الوضوء، فلو توضأ لكان هذا طهوراً له، فلا يبقى مجال لاستصحاب جامع الحدث. 

فهنا نكتة تقتضي ذلك، وهي أن عدم الجامع جعل أثراً شرعياً لوضوء المحدث بالأصغر بحده، وهذا ليس أمراً مطرداً في تمام الموارد، ليس في تمام الموارد جعل عدم الجامع أثر شرعياً للفرد القصير بحده، فلا يمكن أن يقاس عليه مقام آخر، فهذا الكلام كلّه في إبطال الاستدلال بالاستصحاب على وجوب الاحتياط في غير محلّه .

فلو خلينا نحن وهذه الأجوبة لقلنا بأنَّ الاستصحاب يثبت وجوب الاحتياط، استصحاب الجامع المعلوم بالعلم الإجمالي على النحو القسم الثاني من الكلّي.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الاستدلال به للبراءة

ثُمَّ أنّه استدل أيضاً بالاستصحاب على البراءة وعدم وجوب الاحتياط، وذلك تمسكاً باستصحاب عدم جعل الوجوب على الزائد؛ لأنَّ جعله أمر حادث بلا إشكال فيستصحب عدمه. والعجيب أنَّ السيّد الأستاذ وقع هنا في تناقض؛ لأنّه اعترض على هذا الاستصحاب بالمعارضة؛ بأنَّ استصحاب عدم جعل الوجوب على الزائد يعني عدم جعل الوجوب على التسعة المقيدة بما هي مقيد معارض باستصحاب عدم جعل الوجوب على التسعة المطلقة بما هي مطلقة، فما نفاه في القسم الأوّل اثبته هنا، فإنّه قبل لحظات، قال السيّد الأستاذ: إنَّ استصحاب بقاء الجامع لا يجري؛ لأنَّ استصحاب عدم الفرد الطويل جار بلا معارضة، فهناك نفى المعارضة وجعل استصحاب عدم الفرد الطويل
-يعني: استصحاب عدم وجوب التسعة المقيدة بما هي مقيدة- جارياً بلا معارض وحاكماً على استصحاب بقاء الجامع. أمّا هنا انقلب المطلب؛ إذ يقول: بأنَّ استصحاب عدم جعل الوجوب على التسعة المقيدة يقول: بأنّه معارض باستصحاب عدم جعل الوجوب على التسعة المطلقة. وهذا يناقض ما تقدم.

ثُمَّ يعترض على نفسه، بأنّه كيف تقولون بهذه المعارضة في الاستصحاب ولا تقولون بها في البراءة؟! فإنكم لا تقولون بأنَّ البراءة عن وجوب التقييد معارض بالبراءة عن الإطلاق، فكيف تقولون به في الاستصحاب؟ فكما في البراءة لا معارضة كذلك ينبغي أن يقال في الاستصحاب.

من هذا البيان يمكن أن نقول: بأنَّ المعارضة التي نفاها السيّد الأستاذ في القسم الأوّل، لعلّ نظره كان إلى البراءة دون الاستصحاب، ونظره هنا في تركيز 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المعارضة إلى الاستصحاب دون البراءة. لو حملنا كلامه على هذا، فعلى ضوء هذا الإشكال يرتفع التناقض في البين.

أجاب عن هذا الإشكال: أنَّ هناك فرقاً بين البراءة وبين الاستصحاب، فإنَّ البراءة إنَّما تجري في الأحكام الإلزامية ولا تجري عن الرخصة والاباحة، وأمّا الاستصحاب فيجري في نفي الأحكام الإلزامية ونفي الأحكام الترخيصية على حدّ سواء. والتقييد حكم الزامي فتجري عنه البراءة والاستصحاب معاً، وامّا الإطلاق فهو حكم ترخيصي مرجعه إلى الإذن في تطبيق الواجب على أيّ فرد شاء، فلا تجري البراءة عنه، لكن لا بأس بجريان استصحاب عدمه؛ لأنَّ الاستصحاب لا يختص بالأحكام الإلزامية. فالمعارضة بين الاستصحابين مستحكمة، بينما المعارضة بين البراءتين غير مستحكمة.

هذا ما أفاده في إبطال التمسك بالاستصحاب كدليل على البراءة.

إن(1) أصالة البراءة عن التقييد جارية ولا يعارضها أصالة البراءة عن الإطلاق، وأصالة البراة عن وجوب الأكثر الذي هو الفرد الطويل هي التي يجعلها حاكمة على استصحاب بقاء الجامع، لا أنَّ استصحاب عدم الفرد الطويل يجعله حاكماً.

والصحيح في المقام: هو أنَّ التمسّك بالاستصحاب للبراءة تامّ، والتمسك به لوجوب الاحتياط غير تامّ.

أمّا أنَّ التمسك بالاستصحاب للبراءة تام؛ فلأننا نستصحب عدم جعل 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً: في الأوّل بقول: إنَّ… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الوجوب على الزائد، ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الوجوب على التسعة المطلقة بحدها الإطلاقي؛ وذلك لأنَّ جريان هذا الاستصحاب لغو لا يترتّب عليه لا تعذير ولا تنجيز، والاستصحاب لا يجري باعتباره أصلاً مؤمّناً أو منجّزاً ما لم يترتّب عليه تعذير أو تنجيز.

أمّا أنّه لا يترتّب عليه تعذير، فلأنكم باستصحاب عدم وجوب التسعة المطلقة بما هي مطلقة، هل تريدون أن تأمنوا المكلّف بحيث يترك التسعة راساً ولا عقاب، فهذا غير معقول؛ لأنَّ فرض ترك التسعة هو فرض المخالفة القطعية(1)، وإن أردتم أن تأمنوه من العقاب الثاني فهو غير محتمل أصلاً. إذن، فلا يترتّب أيّ تأمين معقول من ناحية هذا الأصل.

كما أنّه لا يترتّب عليه التنجيز، لأنّه باستصحاب عدم وجوب التسعة المطلقة لا يثبت وجوب التسعة المقيدة إلَّا بالملازمة، والملازمة العقلية غير مقبولة أيضاً، فاستصحاب عدم الوجوب على التسعة المطلقة لا يترتّب عليه لا تنجيز ولا تعذير، فيكون لغواً لا محالة فلا يشمله إطلاق الدليل، فيبقى ذاك الاستصحاب بلا معارض. 

وهذا تطبيق آخر لنفس نظرية الانحلال الحكمي التي قرأناها بالأمس، بلا فارق بين البراءة والاستصحاب من هذه الجهة أصلاً. وهذا معنى أنَّ الاستصحاب يثبت البراءة(2).

ــــــــــ[221]ــــــــــ

() عين ما قلناه في البراءة حرفاً بحرف، (المحاضرة). (المقرِّر).

(2) ذكر أوّلاً ما كان ذكره من أنّه يمكن التمسّك بالاستصحاب للاستدلال على البراءة، وذلك بنفس نظرية الانحلال الحكمي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وأمّا أنَّ الاستصحاب لا يمكن أنَّ يستخدم كدليل على وجوب الاحتياط والاشتغال بالتقريب الذي كُنّا نبحثه بالأمس، أي: استصحاب جامع الوجوب المعلوم بالإجمال، الجامع بين التسعة بحدها الإطلاقي أو وجوبها بحدها التقييدي فرض العشرة.

 الصحيح أنَّ هذا الاستصحاب لا يجري، لا للمناقشات التي نقلناها بالأمس، عن السيّد الأستاذ، بل لأمر آخر:

وحاصله: أنَّ هذا الاستصحاب بحسب الحقيقة هو إبقاء للعلم الاجمالي بالعناية بمعنى من المعاني(1)، فلا تكون صلاحيته للتنجيز إلَّا بمقدار ما كان لذلك العلم الإجمالي من صلاحيته للتنجيز؛ وذلك العلم الإجمالي فرغنا في نظرية الانحلال من أنّه لم يكن ينجّز وجوب الزائد بوجوده التكويني، لأنّه بلحاظ عالم العهدة كان منحلاً ولم يكن موصّلاً لوجوب الزائد؛ ولهذا لم يكن العلم الإجمالي حدوثاً صالحاً لتنجيز وجوب الزائد، وإنَّما صلح فقط لتنجيز وجوب الأقلّ. وحينئذٍ فهذا الاستصحاب هو إبقاء لذلك العلم الإجمالي، فهذا الابقاء العنائي لذلك العلم الإجمالي لا يصلح للتنجيز أصلاً؛ لأنّه إن أريد به تنجيز فعلية وجوب الزائد فهذا غير معقول؛ لأنَّ العلم الإجمالي بوجوده التكويني لم يكن ينجّز وجوب الزائد، فكيف أن إبقاءه العنائي والتعبدي أصبح منجّزاً لوجوب الزائد، فإنَّ هذا الإبقاء يجري عليه نفس بحث الانحلال الذي 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() لأننا بعد الاتيان بالتسعة نشكّ في بقاء معلومنا الإجمالي وعدمه، فنستصحب الجامع المعلوم إجمالاً، (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

جرى على العلم الإجمالي بوجوده التكويني الحدوثي. إذن، فيستحيل أن يكون منجّزاً لوجوب الزائد.

وأمّا أن يكون منجّزاً لفعلية وجوب الأقلّ، فهذا لا أثر له؛ لأنَّ فعليته لا فاعلية لها جزماً؛ لأنّه أتى بالأقلّ خارجاً، فمثل هذا الإبقاء الاستصحابي لا يترتّب عليه أثر أصلاً؛ لأنّه إن أريد به تنجيز فعلية وجوب الزائد فهذا ما لم يكن يثبت لأصل العلم الإجمالي بوجوده التكويني لبرهان الانحلال بحسب عالم العهدة، ويأتي هذا البرهان بنفسه هنا أيضاً.

 وإن أريد تنجيز فعلية وجوب الأقلّ به، ففعليته منجّزة على كلّ حال بنفس العلم الإجمالي حدوثاً ولا أثر لهذا الاستصحاب في تنجيز وجوب الأقل؛ لأنّها فعلية بلا فاعلية جزماً؛ لأنَّ المكلّف بعد اتيانه بالتسعة لا يبقى عنده احتمال فاعلية لهذه الفعلية، فهذا الاستصحاب لغو، فلا يكون جارياً.

هذا كلّه جرياً على طِبق الاصطلاح العام القائل: بأنَّ التكليف يسقط بعد الامتثال، وأمّا بناء على ما حقّقناه، من أن التكليف لا يسقط بعد الامتثال، بل هو في فعليته بعده كفعليته قبله وإنَّما الذي يسقط فاعليته ومحركيته بحكم العقل، بناءً على ذلك لا يبقى موضوع لهذا البحث؛ لأننا بعد الإتيان بالتسعة، بل حتّى بعد الإتيان بالعشرة نعلم ببقاء فعلية الجامع على كلا التقديرين سواء كان في الأقلّ الذي امتثلناه أو الأكثر الذي لم نمتثله، وإنَّما الشكّ في المقام في زيادة هذه الفعلية وضيقها، فأيّ شيء يصنع لنا الاستصحاب، فإنّه يخبر عن 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بقاء الفعلية وهي باقية جزماً ولا شكّ في بقائها، وإنَّما الشكّ في سعة(1) دائرة الفعلية وضيقها، وهذا الشكّ شكّ انحلالي ينحلّ إلى تيقن الأقلّ والشكّ البدوي في الزائد، فيكون مجرى للأصل المؤمّن، فاستصحاب الجامع غير تامّ بناء ومبنى.

هذا هو الكلام في التنبيه الأوّل.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

() يمكن استصحاب فاعلية التكليف بعد العلم بفعليته؛ لأنّه إن كان الحكم في الواقع هو الأقلّ فلا فاعلية له بعد الامتثال، وإن كان هو الأكثر ففاعليته موجودة، وعند التردد بينهما نتردد بأنَّ جامع الفاعلية موجود أو غير موجود، فنستصحب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 






التنبيه الثاني: في الشبهات التحريمية 

 

التنبيه الثاني: في الشبهات التحريمية التي يدور أمرها بين الأقلّ والأكثر.

 كُنّا نتكلم في واجب يدور أمره بين الأقلّ والأكثر؛ إذ نعلم بوجوب متعلّق إمّا بالتسعة أو بالعشرة، هنا نعلم بحرمة إمّا متعلّقة بالأقلّ وإمّا أن تكون متعلّقة بالأكثر. يحرم تصوير الحيوان، لكن لا ندري ما هو الحرام هل هو تصوير رأسه لا بشرط من حيث انضمام جسده إليه، أو عدم انضمامه إليه في الصورة، أو الذي يحرم هو تصوير رأسه في ضمن شكله الكامل؟

هنا ذكر المحقق النائيني: أنَّ حال هذا الدوران هو حال الدوران في الشبهات الوجوبية، فمن يقول بالبراءة هناك يقول بها هنا، ومن لا يقول بها هناك لا يقول بها هنا، غاية الأمر أنَّ الأقلّ والأكثر هنا غيرهما هناك، وطريقة الاحتياط هنا غيرها هناك، باعتبار اختلاف طبيعة الوجوب والحرمة، ففي الشبهة الوجوبية كُنّا نقول: بأنَّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى العلم الوجداني بوجوب الأقلّ والشكّ البدوي في وجوب الزائد، فكان الأقلّ يتنجّز وجوبه والأكثر لا يتنجز.

 وأمّا في الشبهة التحريمية فالأكثر تتنجّز حرمته والأقل لا تتنجّز حرمته لأنّه يقال: بأنَّ رسم الصورة كاملة بما فيها من رأس وجسد معصية وحرام، 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وأمّا رسم الرأس فقط -وهو الأقل- فهذا لا يعلم أنّه حرام. هناك كُنّا نتيقن بوجوب الأقلّ ونشك بوجوب الزائد فيتنجّز علينا الأقلّ ونجري البراءة عن الزائد، وهنا نتيقن بحرمة الأكثر ونشك بحرمة الأقلّ فنجري البراءة عن حرمة الأقلّ، فيجوز للمكلف أن يرسم الرأس ولا يلحقه بالجسد.

وذكر المحقّق العراقي: أنَّ البراءة هنا في الشبهة التحريمية أولى من البراءة في الشبهة الوجوبية، بمعنى: أنّه قد يقول قائل بعدم البراءة في الشبهة الوجوبية التي تقدمت، ومع هذا هو ملزم بأن يقول بالبراءة في الشبهة التحريمية.

 وهذا هو الشخص الذي يسير في خطّ صاحب (الفصول)؛ إذ تقدمت منه إحدى الشبهات في تسجيل ايجاب الاحتياط -وأظنّه كان التقريب الثاني- وحاصله: أنّه بعد الاعتراف بانحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشكّ البدوي في وجوب الزائد، يقول: إنَّ الأقلّ حيث تنجّز بالعلم التفصيلي فمعنى تنجزه هو وجوب العلم بإسقاطه، ونحن لا نعلم بإسقاطه إلَّا إذا اتينا بالأكثر؛ لأنّه لو كان استقلاليا فيسقط بالأقل، وأمّا لو كان ضمنياً فلا يسقط الأكثر، فيجب الإتيان بالأكثر تحصيلاً للجزم بسقوط الأقل.

هذه الشبهة لا تجري في المقام؛ ذلك لأنّه في المقام لا نستطيع أن نقول: إنَّ الأقلّ يعلم بحرمته، فإنَّ رسم الرأس لا يعلم بحرمته وإنَّما الذي يعلم بحرمته، إنَّما هو الأكثر، والأكثر يجتنب وجداناً باجتناب أيّ جزء من أجزاء الصورة الكاملة، فالعلم التفصيلي الذي انحل به علمنا الإجمالي هناك هو العلم بوجوب 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الأقلّ، وذاك العلم كان يستدعي صاحب (الفصول)، دون ما هنا، فإن علمنا الإجمالي بالحرمة انحل بعلمنا التفصيلي بحرمة الأكثر لا بحرمة الأقلّ، وحرمة الأكثر تتمثل بترك الأكثر وهو يتحقق بترك أيّ واحد من أجزاء السورة، فلا تأتي شبهة صاحب (الفصول) هنا، فتكون البراءة هنا أولى منها هناك. 

وكلا هذين الكلامين من كلا هذين المحقّقين غير تامّ، بل الصحيح هو جريان البراءة في كلّ منهما، لكن لا بنحو المساواة كما ذكر الميرزا، ولا بنحو الأولوية من هذا الطرف، كما ذكر المحقّق العراقي، بل البراءة من ذلك الطرف أوضح منها في هذا الطرف.

أمّا ما ذكره المحقق العراقي من أن شبهة صاحب (الفصول) لا تجري هنا وإن كانت تجري هناك؛ لأنّه هنا انحل علمنا الإجمالي بعلمنا التفصيلي بحرمة الأكثر، وهي تجتنب بترك أي واحد من الأجزاء، فهذا مغالطة، فان الذي انحل به علمنا الإجمالي -لو كان قد انحل- هو علمنا بمبغوضية رسم الرأس إمّا مبغوضية ضمنية أو مبغوضية استقلالية، فالرأس هنا كالتسعة هناك، فكما أنَّ علمنا بالوجوب هناك انحل بعلمنا بمحبوبية التسعة على كلّ تقدير إمّا محبوبية استقلالية أو ضمنية، هنا أيضاً نعلم بمبغوضية رسم الرأس على كلّ تقدير إمّا مبغوضية استقلالية أو ضمنية.

غاية الأمر أنَّ المبغوضية هنا تختلف عن طبيعة المبغوضية هناك، فإنَّ المحبوبية هناك الدائر أمرها بين الضمنية والاستقلالية، لو كانت استقلالية فهي أسرع إلى السقوط؛ لأنّها تسقط بالإتيان بالتسعة، ولو كانت ضمنية فهي 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أبطأ سقوطاً؛ لأنّها لا تسقط إلَّا بالعشرة. 

أمّا المبغوضية فعلى العكس، فإنّها لو كانت استقلالية فهي أبطأ سقوطاً؛ لأنّها لا تسقط إلَّا بامتثالها، ولا يمتثل إلَّا بترك الرأس بالخصوص، دون ترك رسم القوائم الأربع. 

وأمّا لو كانت حرمة رسم الرأس ضمنية فهي أسرع سقوطاً فيكفي في امتثالها ترك أيّ واحد من الأجزاء. وحينئذٍ فكما هناك لو أتى بالتسعة ولم يأت بالعاشر، يقول لنا صاحب (الفصول): إنَّ هذه المحبوبية المعلوم وجداناً تعلقها بالأقلّ لا نعلم بسقوطها إلَّا بالإتيان بالأكثر، كذلك هنا لو تركنا رسم القوائم ورسمنا الرأس يقول لنا صاحب (الفصول): بأنَّ هذه المبغوضية المعلوم وجداناً تعلقها بالرأس المردّدة بين الضمنية والاستقلالية، يجب أن نخرج عن عهدتها ونعلم بسقوطها وامتثالها، وحينئذٍ هذه المبغوضية لو كانت ضمنية فقد خرجنا عن عهدتها وامتثلناها؛ لأننا تركنا القوائم الأربع وهذا يكفي.

 ولو كانت مبغوضية استقلالية فلم نخرج عن عهدتها، وإنَّما نحصل الجزم بسقوط إذا تركنا رسم الرأس، وهذا معناه هو الاحتياط، أو ما يعادل الإتيان بالأكثر هناك.

فنفس التقريب هناك يجري هنا، لكن تعقيد المطلب نشأ من ناحية اختلاف طبيعة الحب والبغض، والحرمة والوجوب، وإلَّا فجوهر الشبهة جار في كلا المقامين. هذا حسابنا مع المحقّق العراقي.

وأمّا حسابنا مع المحقّق النائيني الذي قال: بأنَّ البابين يحكمهما ملاك 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

واحد، فكما هناك قال بأنَّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشكّ البدوي في وجوب الزائد، كذلك يقال هنا: إنَّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى العلم التفصيلي في حرمة الأكثر والشكّ البدوي في حرمة الأقل.

هذا الكلام غير صحيح، فإنّنا في باب الاجزاء والشرائط قلنا نحن بالانحلال الحقيقي بلحاظ وعاء العهدة بقطع النظر عن الحدود التي لا تدخل بالعهدة؛ لأنّه -بقطع النظر عنها- الأمر يدور بين الأقلّ والأكثر، والأقل تيقن الدخول في العهدة والزائد مشكوك في الدخول فيها، فكنّا نقول: إنَّ ذات الأقلّ بقطع النظر عن حده واجب وذات الزائد مشكوك الوجوب، فكنّا نقول بالانحلال الحقيقي على هذا الأساس، لكن بلحاظ عالم العهدة.

وأمّا هنا فلا نستطيع أن نقول بأنَّ الأكثر معلوم الحرمة على كلّ حال، ولو ألغينا الحدود، فإنَّ للأكثر على تقدير حرمة الأقلّ ليس حراماً، وإنَّما هو مشتمل على الحرام، لو كانت الحرمة متعلّقة برسم الرأس فقط، فرسم تمام ربعاً من الصورة ليس حراماً، وانَّما هو عمل مشتمل على الحرام، شرب الخمر مع الماء مجموع الشربين ليس حراماً وانَّما هو مشتمل على الحرام هو عمل مركّب من المباح والحرام.

 إذن، فلا نستطيع أن نشبه الأكثر هنا بالأقلّ هناك، فإنَّ الأقلّ هناك لو الغينا حدوده التي لا تدخل في العهدة، فهو معلوم الوجوب على كلّ حال، وأمّا هنا فالأكثر بذاته بقطع النظر عن كلّ حدّ ليس معلوم الحرمة على كلّ حال، بل الحرام إمّا نفس الأكثر وإمّا جزؤه.

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إذن، فما يدخل في العهدة أمره دائر بين المتباينين؛ لأنّه لو كان الحرام هو الرأس فقط، فيدخل في عهدتنا أن لا نرسم الرأس، يعني: أن نترك الأقلّ. وأمّا لو كان الحرام هو تمام الصورة، فالذي يدخل في عهدتنا هو أن نترك أحد أجزاء الصورة. إذن، فالداخل في عهدتنا إمّا ترك الأقلّ فقط، أو ترك أحد الأمرين.

فهو يشبه دوران الأمر بين التعيين والتخيير، بين وجوب العتق خاصة أو وجوب العتق أو الصوم، حيث كُنّا نقول: إنّه إما يجب علينا أن نفعل هذا أو نفعل أحد هذين، هنا نقول: يجب علينا أن نترك هذا، أو أن نترك أحد هذين، فيكون ملاكه ملاك دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وحينئذٍ فلا انحلال حقيقي هنا، بل لا بُدّ من الالتجاء إلى نظرية الانحلال الحكمي التي حقّقناها في ما سبق.

وذلك بأن نقول: إنّنا نعلم إجمالاً بحرمة متعلّقة بالأكثر أو حرمة متعلّقة بالأقلّ، والحرمة المتعلّقة بالأكثر هي أخفّ مؤونة، والمتعلّقة بالأقلّ هي أشدّ مؤونة، فتجري الأصول المؤمّنة عن الحرمة الأشدّ مؤونة، ولا يعارضها الأصل المؤمّن عن الحرمة الأخفّ مؤونة بنفس البرهان السابق. فالبراءة هنا جارية لكن بهذا الترتيب. هذا تمام الكلام في التنبيه الثاني.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 






التنبيه الثالث في الشبهة الموضوعية

 

التنبيه الثالث: أنَّ دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، كما يتصور نشؤه عن شبهة حكمية -كما إذا شكّ في أصل جزئية السورة أو أصل مانعية اللباس المتخذ مما لا يؤكل لحمه- كذلك يمكن أن يكون من ناحية الشبهة الموضوعية، بالرغم من أنَّ المحقق النائيني نسب إلى الشيخ في (الرسائل) أنّه لم يتصور دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الشبهة الموضوعية. وعقّب المحقّق العراقي بأنَّ هذه إساءة للأدب بالنسبة إلى الشيخ الأنصاري.

وسواء قد تصوّر الشيخ ذلك أم لا، فالشيء الذي نفهمه هو كلام الميرزا، فإنّه قال: بأنّنا نتصوّر دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بلحاظ الشبهة الموضوعية، لكن لا في جميع الموارد، بل في بعضها؛ وذلك لأنَّ التكاليف على قسمين:

 القسم الأوّل: التكاليف التي لها متعلّق ولها متعلّق المتعلّق، أي: موضوع خارجي، من قبيل التكليف بأن لا يصلي فيما لا يؤكل لحمه، فالمتعلق الأوّل هو الصلاة، ومتعلقه هو كون هذا الصوف مما لا يؤكل لحمه.

 والقسم الآخر من التكليف: لها متعلّق ليس لها متعلّق المتعلّق، أي: ليس لها ارتباط بموضوع خارجي، كما لو قال: (اقرأ). فإنَّ متعلّقه القراءة وليس لها موضوع خارجي.

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وفي القسم الأوّل يتصور دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر من ناحية الشبهة الموضوعية؛ لأنَّ التكليف هنا له موضوع خارجي. وهذا الموضوع قد يدور أمره بين الأقلّ والأكثر، أي: قد يشتبه بعض مصاديقه ولا تتميز عند المكلّف، مثلاً: الشارع نهى من الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، والموضوع الخارجي لهذا الحكم وهو الصوف المتخذ بما لا يؤكل لحمه قد يتردد بين الأقلّ والأكثر، لأنّه قد يفرض هناك مصداق يعلم أنّه قد أخذ مما لا يؤكل لحمه كالدب والفيل، وهناك مصداق لا يعلم أنّه أخذ من الفيل أو من الغنم، فيكون الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر، ويدرى بأنَّ الصلاة متقيدة بعدم ذاك فقط أو بعدم ذاك وعدم هذا فقط.

وأمّا القسم الثاني في مثل (اقرأ)، فكأن الميرزا وافق الشيخ، يعني: وافق ما فهمه من كلام الشيخ من أنَّ دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر هنا غير معقول؛ لأنَّ مثل هذا التكليف ليس له ارتباط بموضوع خارجي حتّى يفرض الاشتباه فيه، وتؤدي هذه الشبهة الموضوعية إلى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر.

إلَّا أنَّ الصحيح هو أنَّ دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بلحاظ الشبهة الموضوعية أمر معقول في كلا القسمين، ولا فرق بين تكليف له موضوع خارجي يرتبط به وبين تكليف ليس له ذلك.

 أمّا في القسم الأوّل فهو واضح كما بُيِّن. وأمّا في القسم الثاني فهو أيضاً كذلك، بلحاظ أنّه قد يفرض كون منشأ الاشتباه، الموجب لدوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، هو خفاء حال المكلّف المخاطب بالتكليف، ومثاله: أن يفرض 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أنَّ الشارع جعل السورة جزءاً في حقّ الصحيح وأسقط جزئيتها في حقّ المريض. و(اقرأ السورة) هو من القسم الثاني الذي ليس له متعلّق المتعلّق، ومع هذا قد يتصور فيه دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر من ناحية الشبهة الموضوعية؛ لاشتباه حال نفس المكلّف، إذ لو تردّد أمر المكلّف، ولا يدري هل هو صحيح أم مريض، فإن كان صحيحاً فيجب عليه الصلاة فيها سورة، وإن كان مريضاً فيجب عليه الصلاة ليس فيها سورة، فهو بالفعل يعلم إجمالاً بوجوب صلاة تساعية أو عشارية، وهذا دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، وهو ناشئ من شبهة موضوعية لا من الشكّ في الحكم الكلي؛ لأنّه لا يدري هل هو مصداق للصحيح أو للمريض. إذن، فهذا الدوران كما يتصور في القسم الأوّل يتصور في القسم الثاني.

وحينئذٍ يجري الكلام في كلا القسمين، وحكمه هو جريان البراءة عن الزائد بالتفصيل الذي تقدم، يعني(1) في الموارد التي قلنا فيها بالانحلال الحقيقي، كباب الاجزاء نقول به هنا، وفي الموارد التي قلنا بها بالانحلال الحكمي نقول به هنا أيضاً.

نعم، لو فرض أنّه كان هناك في الشبهة الموضوعية له ولأنَّ الأمر بين الأقلّ والأكثر، كان هناك أصل موضوعي منقح للموضوع إثباتاً أو نفياً فيكون هذا الأصل مقدّماً على أصالة البراءة بلا إشكال، ففي مثالنا لو كان هناك أصل ينقح أنّه صحيح أو مريض، كاستصحاب الصحّة أو استصحاب المرض، 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال لي: يعني… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يكون هذا الأصل الجاري في الموضوع حاكماً على أصالة البراءة، ولا تصل النوبة معه إلى أصالة البراءة عن الزائد، ولكن حيث لا يوجد أصل في رتبة الموضوع، تنتهي النوبة إلى البراءة بنفس التقريبات السابقة.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 










التنبيه الرابع في الشكّ في المحصل

 

التنبيه الرابع: في موارد الشكّ في المحصّل ومعرفة حاله.

الشكّ في المحصّل باب غير باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين، وذلك أنّه عندنا كبريان يجب أن نكون قد فرغنا عنهما قبل الدخول في بحث الأقلّ والأكثر. 

الكبرى الأولى: هي أنَّ كلّ شكّ في التكليف غير مقرون بالعلم الإجمالي التامّ الشرائط يكون مجرى للأصول المؤمّنة. نفرغ عن هذا في بحث البراءة والاحتياط.

الكبرى الثانية: هي أن (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، وقد أرجعنا هذه القاعدة بالتحليل إلى هذه الصيغة: أنّه كلما أحرزنا فعلية حكم وشككنا في سقوط فاعليته وعدمها، فلا بُدّ من تحصيل الجزم بسقوط فاعليته، فالعلم بالفعلية منجّز للفاعلية ما لم يحرز سقوطها، كما لو شككنا في الوقت بالإتيان بالصلاة.

بهذا التحليل يظهر بأنَّ الشكّ الذي هو مورد أصالة الاشتغال في القاعدة الثانية يختلف موضوعاً عن الشكّ الذي هو موضوع للأصل المؤمّن في القاعدة الأولى، فإنّه في القاعدة الأولى يكون الشكّ في فعلية التكليف إذا لم يكن مقروناً 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بعلم إجمالي تامّ الشرائط، يكون مورداً للأصل المؤمّن، والشكّ في القاعدة الثانية هو الشكّ في فاعلية التكليف من ناحية الامتثال بعد فرض العلم بفعليته، فهذا مجرى لأصالة الاشتغال، فالشكّ المنجز في القاعدة الثانية متعلّقه غير الشكّ المؤمّن عنه في القاعدة الأولى، ذاك هو الشكّ في الفعلية وهذا هو الشكّ في الفاعلية، فهاتان قاعدتان لا بُدّ من الفراغ عنهما في بحث الأقلّ والأكثر.

حينئذٍ في بحث الأقلّ والأكثر تنقح أنَّ الشكّ فيه داخل تحت القاعدة الأولى؛ لأنّه ثبت أنّه شكّ في أصل فعلية التكليف الزائد غير مقرون بعلم إجمالي تامّ الشرائط، بل هو علم إجمالي منحلّ إمّا انحلالاً حقيقياً أو حكمياً، فيدخل تحت القاعدة الأولى، ويكون صغرى لها.

والشكّ في المحصّل صغرى للقاعدة الثانية؛ لأنّنا نواجه علماً بفعلية التكليف وشكاً في فاعليته، كما لو أمر المولى عبده بأن يقتل زيداً الكافر، وشك في أنّ قتله هل يحصل بضربة سيف واحدة أو ضربتين. هنا لا بُدّ من الاحتياط والاتيان بضربتين لأجل تحصيل الجزم بحصول القتل الواجب؛ لأنّه لا شكّ في فعلية التكليف، فإنَّ التكليف بالقتل فعلي ولاشك لا في ذاته ولا في حدوده وسعته وضيقه، وإنَّما يتمحّض الشكّ في أنّه هل يحصل امتثاله وتسقط فاعليته بضربة واحدة أو لا يحصل إلَّا بضربتين، فهذا من موارد العلم بفعلية التكليف والشكّ في فاعليته، فيكون صغرى للقاعدة الثانية، ويكون حاله حال من علم بوجوب صلاة الصبح وشك أنّه هل أتى بها أو لا كما تجري هناك في حقّه أصالة الاشتغال 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

كذلك هنا، ولا بدَّ له من تحصيل الأكثر لأجل أن يجزم بترتب القتل على هاتين الضربتين الذي هو المحقّق للامتثال والمسقط لفاعلية التكليف.

وهذا مما لا إشكال فيه، ومما لم يستشكل فيه أيضاً في المحصّل العرفي، وإنَّما استشكل في ذلك في المحصّل الشرعي حيث ذهب بعض، بل نُسب إلى المحقّق الشيرازي -السيّد ميرزا حسن- أنّه كان يذهب إلى التفصيل بين المحصّل العرفي والمحصل الشرعي، ففي المحصّل العرفي يقول بالاشتغال، وأمّا في المحصّل الشرعي فيقول بالبراءة، فلا بُدّ لكي نفهم هذا التفصيل من أن نعرف المراد بالمحصل العرفي والمحصل الشرعي، ونرى أنَّ هذا التفصيل صحيح أو لا؟

يريدون بالمحصل الشرعي ما كان مقابلاً للمحصل العرفي، بمعنى: أنَّ المسبب الذي تعلّق به أمر الشارع وإلزامه، تارة يكون أمراً تكوينياً خارجياً مترتّباً على مقدمات تكوينية خارجية، من قبيل قتل الكافر المترتب ترتباً تكوينياً على أمور تكوينية، وأخرى يفرض أن المسبب ليس أمراً تكوينياً، بل هو مجعول شرعي، من قبيل الطهارة والنجاسة بناءً على أنّها من الأحكام الوضعية المجعولة شرعاً، فالطهارة مسبب عن غسل الثوب بالماء والنجاسة مسبب عن ملاقاة الثوب مع النجاسة كالدم، إلَّا أنَّ هذا المسبب مجعول شرعي اعتباري وليس أمراً تكوينياً خارجياً، فلو وجب تطهير الثوب وشك أنّه يحصل بغسلة واحدة أو اثنين، فهو يسمّى بالشكّ في المحصّل الشرعي، حيث إنَّ المسبب هنا مجعول شرعي بخلاف ما شكّ أنَّ قتل الكافر يتحقق بضربة أو ضربتين فإنّه يسمّى بالشكّ في المحصّل العرفي؛ لأنَّ المسبب تكويني.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وأنا ألحق بالمحصل الشرعي الأمر التكويني التي تكون مسبّبيته ومقدماته غير عرفية مجهولة عرفاً، بل طريق تحصيلها هو الشارع، فإنَّ المسبب التكويني تارة نفرض أنَّ له مقدمات عرفية بحيث يكون نشؤه عن مقدماته أمراً قابلاً للإدراك عرفاً، من قبيل نشؤ القتل عن الضربات، وأخرى يكون أمراً غير عرفي، كما لو أوجب المولى كمال النفس والعروج ونحوه، فإنَّ هذه الأمور حقيقية تكوينية (الصلاة معراج كلّ مؤمن). ولكن نشؤها من مقدماتها ليس أمراً عرفياً بل ينحصر ببيان منشئِها بالشارع. هو الذي يجب أن يبيّن أنَّ هذا العروج يحصل بصلاة كذا اجزاؤها وكذا شرائطها، فبناء على هذا يكون المحصّل الشرعي عبارة عن المسبب الذي يكون مجعولاً شرعاً أو يكون أمراً تكوينياً ولكن منشئية المقدّمات له ليست عرفية(1)

الميرزا ذكر بأنّه لا فرق بين المحصّل العرفي والمحصل الشرعي، في كلّ منهما تجري أصالة الاشتغال، فكما لو أمرنا بقتل الكافر شككنا في محصله العرفي، يجب الاحتياط بالإتيان بضربتين، كذلك لو أوجب الشارع طهارة البدن أو أوجب -بناء على الذي قلناه- العروج بالنفس وشك أنّه يحصل بغسلة واحدة أو غسلتين، أيضاً يكون مجرى لأصالة الاشتغال ولا مجال لجريان البراءة؛ إذ لا يتعقل التمسّك بدليل البراءة في كلا القسمين.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

() وهنا سأله أحد الاخوان: عن النجاسة بناء على أنّها أمراً تكوينياً. 

قال: يكون غير بعيد إلحاقه بالمحصل الشرعي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هذا(1) التفصيل -يعني تفصيل الميرزا الشيرازي- ناقش فيه المحقّق النائيني وذكر أنَّ الملاك في عدم اجراء البراءة الشرعية في موارد الشكّ في المحصّل لا يفرّق فيه بين موارد الشكّ في المحصّل الشرعي وموارد الشكّ في المحصّل العرفي، فكما لا تجري البراءة شرعاً فضلاً عن البراءة العقلية في موارد الشكّ في المحصّل العرفي، كذلك في المحصّل الشرعي، فلو أمر الشارع بتطهير الثوب وكانت الطهارة أمراً مسبباً عن الغسلات، فهذا محصل شرعي، فحينئذٍ لو شكّ في أن الطهارة هل تحصل بغسلة واحدة أو بغسلتين، لا بُدّ من الاحتياط، كما يحتاط فيما لو شكّ بأنَّ القتل هل يحصل بضربة واحدة أو ضربتين. 

وذكر المحقّق النائيني في توجيه ذلك -يعني: البرهنة على المنع عن البراءة الشرعية في جميع موارد الشكّ في المحصّل حتّى الشرعي- ما يستخلص منه ثلاثة إشكالات على جريان البراءة في موارد المحصّل الشرعي، ونحن نبيّنها بعد مقدمة أشار إليها.

وحاصلها: أنَّ جريان البراءة يتوقّف على شرائط ثلاثة:

الشرط الأوّل: أن يكون عندنا شيء مشكوك حتّى يتمسك بحديث الرفع؛ لأنّه أخذ في موضوعه عدم العلم المساوق للشك، فلا بُدّ وأن يفرض مشكوكية هذا الشيء الذي نريد أن نجري البراءة في حقّه.

الشرط الثاني: أن يكون رفع هذا المشكوك موافقاً للامتنان، فلو كانت الاباحة مشكوكة، فإنّها لا ترفع بحديث الرفع، لأنَّ رفعها ليس فيه امتنان.

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() لخّص أولاً تمام ما كان ذكره في التنبيه الرابع ثُمَّ قال: هذا… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الشرط الثالث: أن يكون هذا المشكوك الموافق رفعه للامتنان مجعولاً شرعياً لا أن يكون أمراً تكوينياً؛ لأنّه لو لم يكون مجعولاً شرعياً لا يكون قابلاً للوضع التشريعي، وإذا لم يقبل الوضع التشريعي لم يقبل الرفع التشريعي أيضاً، وحديث الرفع متكفّل للرفع التشريعي، فمورد البراءة يجب أن يكون مجعولاً تشريعياً للمولى.

بعد هذه المقدمة نأتي إلى الإشكالات الثلاثة:

الإشكال الأوّل: قال: بأننا لكي نجري البراءة في موارد الشكّ في المحصّل لا بُدّ أن نفتش عن شيء مشكوك لكي نجري عنه البراءة؛ لأنَّ هذا هو الشرط الأوّل، فلو أمر المولى بطهارة الثوب وشككنا بأنّها تحصل بغسلة واحدة أو بغسلتين. أمّا وجوب طهارة الثوب فهو معلوم وليس مشكوكاً فالشرط الأوّل منتف، وإنَّما الشكّ في طرف المحصل، أي: في السببيّة إذ يدور أمر السبب هنا بين الأقلّ والأكثر. 

أمّا الأكثر فلا شكّ في سببيته إذ لا يحتمل أحد أنّه لو غسل الثوب مرتين، مع هذا لا يترتّب عليه الطهارة(1). وأمّا بالأقلّ وهو الغسلة الواحدة، فهو مشكوك السببية والشرط الأوّل محقّق، ولكن الشرط الثاني غير محقّق؛ لأنَّ رفع مسبّبية الأقلّ معناه أنّه يتسجّل على المكلّف أنّه لا يجوز له أن يكتفي بالأقل؛ لأنّه برفع سببية الأقلّ يثبت أن الغسلة الواحدة لا تكفي لحصول الطهارة، 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

() فلا يمكن إجراء البراءة عنه لانتفاء الشرط الأوّل أيضاً؛ لأنَّ سببيته متيقنة على كلّ تقدير، (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا تضييق على المكلّف لا تخفيف عنه. وقد فرضنا أنَّ الشرط الثاني هو أن يكون جريان البراءة موافقاً للامتنان.

إذن، فهنا عندنا ثلاثة مجارٍ متخيّلة للبراءة، اثنان منها لا مشكوكية فيه، وواحد منها لا امتنان في رفعه. إذن، فلا تجري البراءة. هذا هو الإشكال الأوّل.

هذا الإشكال غير تامّ؛ وذلك لأنّ سببية الأكثر ليست معلومة كما قال، وإنَّما المعلوم هو وجود المسبب عند الأكثر، لا سببية الأكثر بحدها، فإنَّ السببية أمرها مردّد بين أن تكون قائمة بالأقلّ وبين أن تكون قائمة بالأكثر، فسببية الأكثر بحده أمر مشكوك لا معلوم، وإنَّما المعلوم هو أنَّ المسبب يوجد عند وجود الأكثر إمّا لوجود الأكثر بحده أو لأجل وجود الحدّ الأقلّي المحفوظ في ضمنه.

إذن، فهذا الإشكال لا يكفي لإبطال البراءة؛ لأنّنا نختار أحد المجاري الثلاثة التي قالها، وهو سببية الأكثر ونقول إنّها مشكوكة، ويكون دفعها -بقطع النظر عن إشكالية الآتيين- موافقاً للامتنان؛ لأنّه قد يؤدّي إلى أنَّ المكلّف لا يلزم بالإتيان بالأكثر، وهذا موافق للامتنان.

الإشكال الثاني: وفيه يفرض التنزل عن الإشكال الأوّل، إذ يفرض أنَّ سببية الأكثر كانت مشكوكة، فيأتي الإشكال الثاني من الميرزا، وحاصله: أنَّ سببية الأكثر غير مجعولة شرعاً؛ فلهذا يختلّ فيها الشرط الثالث من الشروط السابقة، وهو أن يكون مجرى البراءة مجعولاً تشريعياً قابلاً للوضع والرفع المولوي، وسببية الغسلتين للطهارة ليست مجعولة(1)، وكذلك توابع هذه السببية 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() ليست قابلة للجعل التشريعي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التي منها جزئية الغسلة الثانية للسبب؛ وذلك لما حقّقه في بحث الأحكام الوضعية من مباحث الاستصحاب، من أنَّ سببية الموضوع للحكم ليست مجعولة، وإنَّما الموجود هو وجود الحكم عند وجود موضوعه، فسببية الغسلتين للطهارة ليست مجعولة، بل المجعول التشريعي إنَّما هو الطهارة عند تمامية الموضوع الذي أحد أجزائه هو الغسلتان، فسببية الغسلتين للطهارة من الأحكام الوضعية التي برهن في بحث الاستصحاب على أنّها غير قابلة للجعل، وأنَّ ما هو المجعول إنَّما هو وجود المسبب عند وجود سببه، لا سببية السبب لمسبّبه(1). هذا هو الإشكال الثاني. 

وهو أيضاً غير صحيح، وذلك:

أمّا أوّلاً: بلحاظ طرز تفكير الميرزا فنقول: بأنَّ سببية السبب للمسبب وإن لم تكن مجعولة -وبالتالي جزئية الغسلة الثانية للسبب ليست مجعولة- إلَّا أنَّ المراد من كونها غير مجعولة، أنّها غير مجعولة بالاستقلال وبالأصالة، ولكنّها منتزعة بالتالي من جعل المسبب على تقدير سببه، فالمولى يجعل بالأصالة الطهارة عند مجموع الغسلتين، وينتزع من ذلك عنوان السببية لمجموع الغسلتين، وينتزع من ذلك عنوان جزئية السبب للغسلة الثانية.

إذن، فسببية مجموع الغسلتين وسببية الغسلة الثانية منتزع عن المجعول(2) على انتزاع جزئية السورة من الأمر بالمركّب. والميرزا لم يتحاش في بحث الأقلّ 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

() فالشرط الثالث غير محقّق فلا يشمله حديث الرفع، (المحاضرة). (المقرِّر).

(2) فهو مجعول بالواسطة لا مجعول بالمباشرة، (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

والأكثر عن اجراء البراءة عن الجزئية والشرطية بدعوى أنّها قابلة للرفع برفع منشأ انتزاعها؛ لأنّها مجعولة بتبع جعله، فترفع سببية الأكثر أو جزئية الغسلة الثانية للسبب برفع منشأ الانتزاع وهو جعل الطهارة عند الأكثر. هذا أوّلاً.

وأمّا ثانياً: فلأنَّ الشرط للثالث في نفسه لا أساس له، وهو أنّه يشترط في جريان البراءة أن يكون مجراها(1) قابلاً للجعل التشريعي من قبل المولى.

توضيح ذلك: أنَّ الرفع المستفاد من حديث الرفع، لو كان رفعاً واقعياً فيقابله الوضع الواقعي، والوضع الواقعي لا ينصب إلَّا على ما يقبل الجعل واقعاً، فما لا يقبل الجعل واقعاً لا يقبل الوضع واقعاً، وما لا يقبل الوضع واقعاً لا يقبل الرفع واقعاً، فيتم الشرط الثالث. 

وأمّا حيث عرفنا فيما سبق أنَّ الرفع رفع ظاهري في مقابل الوضع الظاهري. والمراد من الوضع الظاهري، ليس هو جعل نفس الشيء بل جعل ايجاب الاحتياط بلحاظه. إذن، فشرط شمول حديث الرفع لمورد أن يكون قابلاً لإيجاب الاحتياط من ناحيته لا أن يكون أصله قابلاً للجعل، فلو فرض أن شيئاً ما لم يكن قابلاً للجعل، ولكن كان إيجاب الاحتياط من ناحيته أمراً معقولاً، إذن فهو قابل للوضع الظاهري، فيكون قابلاً للرفع الظاهري ويتمّ بذلك اطلاق حديث الرفع.

إذن، فسير التفكير في المقام غير صحيح: أن نفتّش حينما نريد أن نطبق حديث الرفع على مادّة، نفتّش عن أنّها قابلة للجعل واقعاً أو غير قابلة، بل 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

() أي: المادّة التي نريد إجراء البراءة بلحاظها، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يجب أن نفتّش عن أنَّ هذه المادّة قابلة لإيجاب الاحتياط من ناحيتها وتنجيزها من قبل الشارع أو غير قابلة، فإذا كانت قابلة لذلك فيشمله حديث الرفع، وإن لم تكن قابلة للجعل الواقعي، ولو كان غير قابل لذلك فلا يشمله حديث الرفع ولو كان قابلاً للجعل الواقعي. 

أمّا الشقّ الثاني فمثاله تقدم: فإنّنا في بحث الأقلّ والأكثر منعنا عن تطبيق حديث الرفع على نفس الجزئية، مع أنّها مجعولة واقعاً بجعل منشأ انتزاعها، ولكن مع هذا قلنا بأنَّ حديث الرفع لا ينصب على الجزئية، بل ينصب على الأمر بالمركب، وقلنا في وجهه: بأنَّ الجزئية وإن كانت قليلة للجعل واقعاً لكنّها غير قابلة للتنجيز ظاهراً ولإيجاب الاحتياط، فهي غير قابلة للوضع الظاهري، فلا تكون قابلاً للرفع الظاهري. إذن، فهنا أشياء قابلة للجعل واقعاً إلَّا أنّها غير قابلة للوضع الظاهري.

وأمّا الشق الأوّل: وهو أن يكون الشيء غير مجعول واقعاً، ولكن مع هذا يشمله حديث الرفع، فلعله نجد مثال ذلك فيما هو محلّ للكلام؛ لأنّنا فيما هو محلّ الكلام في موارد المحصّل الشرعي، حينما يأمر المولى بتطهير الثوب، يجب أن نعرف أنَّ شغل الذمّة عقلاً والتنجّز العقلي، ما هو موضوعه. ما هو الذي تنجز؟ إن فرض أنَّ الذي تنجّز هو الأمر بالمسبب ولا تنجّز زائد بالنسبة إلى المحصل، إذن فلا معنى لإجراء البراءة في مرتبة المحصل؛ لأنَّ المحصّل بما هو ليس موضوعاً للتنجيز العقلي وبالتالي غير قابل لإيجاب الاحتياط حتّى يقبل الرفع الظاهري.

ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وأمّا لو فرضنا أنَّ المولى حينما يأمر بتطهير الثوب، الذمّة لا تشتغل بالمسبّب، بل تشتغل بالمحصل بمقدار ما يبيّنه المولى من المحصّل لا أكثر، لو فرض ذلك، فما هو محطّ التنجيز هو بيان المحصل، فيكون بيان المحصّل بنفسه موضوعاً قابلاً للتنجيز وللوضع الظاهري وايجاب الاحتياط، وبالتالي يكون قابلاً للرفع الظاهري أيضاً، وللتمسك بحديث الرفع بالنسبة إليه.

والصحيح هو ذلك؛ وذلك أنَّ الأمر إذا تعلّق بالمسبب العرفي، الذي يكون محصله عرفياً، كما إذا قال: (اقتل الكافر)، فالذي يدخل هنا في العهدة وتنجز ويكون قابلاً للوضع ظاهراً هو الأمر بالمسبب وهو البعث والتحريك المولوي.

 وأمّا تحصيل السبب وتحصيل حدوده وخصوصياته، فلا يكون منجّزاً وإنَّما يكون الزام المكلّف به خارجاً من تبعات تنجّز المسبب عليه خارجاً، من باب أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، فلا بُدّ للمكلف بأن يأتي بكلّ ما يحتمل كونه دخيلاً في السبب؛ لأجل أن يحرز الإتيان بما دخل في عهدته وهو الأمر بالمسبب. وهذا واضح. 

وأمّا في موارد المحصّل الشرعي، حينما يأمر بالمسبب وهو طهارة الثوب، فالذي يدخل في العهدة ليس هو المسبب، بل هو المحصّل بمقدار ما يبيّن المولى لا أكثر من ذلك.

ونكتة الفرق بين المحصّل الشرعي والمحصل العرفي، هو أن كون المحصّل عرفياً يكون قرينة عامة على أنَّ المولى أو كلّ أمر تشخيص المحصّل وتحديده إلى 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المكلّف، وكون المحصّل شرعياً يكون قرينة عامة على أنَّ المولى أخذ على عهدته أن يبيّن المحصّل للمكلف، وحينئذٍ ففي المورد الأوّل إذا تخلّى المولى عن بيان المحصل، فالذي يتنجّز على العبد هو القتل بنفسه، فلو احتمل أن الضربة الواحدة لا تكفي، فلا بُدّ من الضربتين. وأمّا في المورد الثاني إذا تكفّل بيان المحصّل لطهارة الثوب(1)، فلو فرض أنَّ المولى لم يبيّن(2) أكثر من دخل الغسلة الواحدة في طهارة الثوب دون الغسلة الثانية، في مثل هذا يحكم العقل بأن ما على العبد إنَّما هو أن يأتي بما بيّنه المولى محصلاً، لا بأن يكون ضامناً لمطابقة هذا المحصّل الذي بينه المولى لمسببه، بحيث إنَّ المولى كان قد اشتبه أيضاً في بيان المحصل(3)، لا بُدّ أن يتدارك اشتباه المولى. خلاف القسم الأوّل لو كان المولى 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

() فالذي يتنجّز على العبد ليس هو الأمر بالمسبب، بل هو بيان المحصّل ومدخلية الشيء الفلاني في تحصيل الطهارة بحيث إن فرض أنَّ المكلف اطّلع على أنَّ المولى اشتبه في تحديد حدود المحصّل ليس عليه عقلاً أن يأتي بما هو المحصل، بل يكفي بالإتيان بالمقدار الذي بيّنه المولى من المحصل، فإنَّ تلك القرينة العامة كأنّها تحوّل الأمر من المسبب إلى السبب وتجعل تمام التنجّز والعهدة مصبّه السبب دون المسبب، (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) أي: إنَّ البيان لم يصل إلينا ونشكّ أنّه هل صدر من الشارع أساساً أو لا. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(3) وأنَّ الضربة الواحدة تكفي، فمثل هذا الاعتقاد لا يكون مؤمّناً بالنسبة إلى المكلّف، بل لا بُدّ أن يعمل حسب تشخيصه لأجل تفريغ عهدته. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يعتقد بحصول القتل بضربة واحدة؛ لأنّه تخلّى عن جعل هذا في عهدته(1).

فإذا شككنا أنَّ المولى بيّن دخل الغسلة الثانية أو لم يبيّن، فهنا يمكن للمولى أن يجعل ايجاب الاحتياط ويمكن له أن يجعل البراءة؛ لأنَّ بيان المحصّل هو محطّ التنجيز، ونحن نشكّ فيه، فيكون قابلاً للوضع ظاهراً فيكون قابلاً للرفع الظاهري(2) أيضاً. وبهذا يندفع الإشكال الثاني أيضاً.

الإشكال الثالث: من الميرزا أنّه قال: لو سلّمنا أنَّ سببية الأكثر كانت أمراً مشكوكاً ومجعولاً ونجري عنه البراءة، لكن ماذا يفيدنا جريانها. فإنَّ اجرائها عن سببية الأكثر لا يثبت سببية الأقلّ لكي نكتفي به، إلَّا بناءً على الأصل المثبت؛ لأنَّ نفي سببية الأكثر لازم عقلي لثبوت سببية الأقل(3). إذن، فإذا اقتصرنا على الغسلة الواحدة ونحن نشكّ في سببيتها التامة فنشك في حصول 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

() قال في المحصّل العرفي: فما يكون قابلاً للتنجّز وللدخول في العهدة لا شكّ حتّى نجري البراءة عنه، وما يكون مشكوكاً -وهو المحصّل العرفي- لم يدخل في العهدة ولم يتنجّز بما هو هو، فلا مجال للبراءة في المحصّل العرفي. (المقرِّر).

(2) ويلحق بالمسبّب الشرعي المسبّب التكويني الذي ينحصر أمر الاطّلاع على سببيته بالرجوع إلى الشارع، كما لو قال: (أعرج بروحك إلى ربك). فهذا المسبّب وإن لم يكن أمراً اعتبارياً كالطهارة إلَّا أنّه يلحق من هذه الناحية بباب المحصّل الشرعي. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(3) باعتبار أنَّ أمر السببية دائر بين الأقلّ والأكثر، فنفي أحد الأمرين لا يعيّن الآخر إلَّا بالملازمة العقلية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الواجب وهو الطهارة المسببة، فيكون مشمولاً لقاعدة الاشتغال ولا بُدّ من تحصيل الجزم بالطهارة.

هذا الإشكال انقدح جوابه مما بيّناه أخيراً في دفع الإشكال الثاني؛ لأنَّ ما يكون في عهدة المكلّف في موارد المحصّل الشرعي ليس هو احراز الطهارة، أي: المسبب، بل هو احراز الإتيان بالمحصل بمقدار بيان المولى، لا أكثر من ذلك(1).

 بيان المولى وصل بمقدار دخل الغسلة الواحدة في حصوله، وأمّا بيان دخل الغسلة الثانية في حصوله، فهذا لم يصل، بل وصل عدم ايجاب الاحتياط عليه بحديث الرفع. فحينئذٍ نقتصر على الغسلة الواحدة، ولا يقال: بأنَّ الواجب مشكوك، فإنّه يقال: بأنَّ الواجب لم يدخل في عهدتنا، بل الذي دخل في عهدتنا هو الإتيان بما بينه المولى محصل. فالإشكال الثالث بناء على هذا يبقى بلا موضوع؛ وعليه يتمّ التفصيل بين المحصّل الشرعي والمحصل العرفي، فنلتزم بالبراءة في الأوّل دون الثاني، ويكون ما أفاده المحقّق السيد الشيرازي(2) في غاية المتانة. هذا هو الكلام في التنبيه الرابع.

ــــــــــ[248]ــــــــــ

() إذ بقرينية القرينة العامة على إعفاء المكلف من هذا المطلب وأخذ عهدة ذلك على الشارع، العقل لم يرَ دخول المسبّب في العهدة، وإنَّما رأى من أوّل الأمر دخول المحصّل في العهدة بالمقدار الذي يبيّنه الشارع… إلخ. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) وإن لم يوافق عليه أحد ممن تأخّر عنه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 



التنبيه الخامس في ترك الجزء نسياناً 

 

التنبيه الخامس(1): وهو التنبيه الأوّل في (الكفاية)، يعني: أننا من الآن سوف نبدأ بتنبيهات (الكفاية).

وهذا التنبيه حشرت فيه جهات من البحث. أحداها: بحسب الحقيقة مربوطة بجريان أصالة البراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين ويكون تطبيقاً لها، والجهات الأخرى غير مربوطة بهذا البحث أصلاً، بل هي ابحاث فقهية في نفسها ضمت إلى هذه المسألة، ونحن سوف نبدأ بالجهة المربوطة بالبراءة في الأقلّ والأكثر، وبعد الفراغ عن تحقيقها نأتي إلى البحوث الأخرى.

كنّا نتكلّم حتّى الآن فيما إذا شككنا في أنَّ السورة هل هي جزء أو لا، ولا يكون عندنا دليل اجتهادي يدلّ على كونها جزءاً، فكنا نتكلّم عما هو مجرى الأصل العملي في هذا الشك، الآن نفترض أنّه ثبت أنَّ السورة جزء في الصلاة، فهذا يستدعي بطلان الصلاة مع فرض تركها عمداً، فلا يكون الأمر ساقطاً فيكون الأمر باقياً بعد الإتيان بالعمل الناقص، ويكون هذا الأمر الباقي ــــــــــ[249]ــــــــــ

() كرر السيّد تمام إشكالات الميرزا في هذه المحاضرة أوّلاً كما سبق، ثُمَّ قال: التنبيه الخامس… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

مستدعياً لإعادة العمل من جديد، وهذا مما لا ينبغي الإشكال فيه، ويأتي مزيد توضيح له في البحوث الاستطرادية حينما نتعرض إلى (لا تعاد).

وأمّا إذا فرضنا أنَّ المكلّف الذي ثبت عنده جزئية السورة، ترك السورة نسياناً لا عمداً في الصلاة، فهنا فرض الجزئية لا يستلزم عقلاً بطلان هذا العمل، بل لا يأبى عن صحّته وعن فساده، وذلك تبعاً لمقدار سعة دائرة الجزئية وضيقها، فإنَّ السورة لو فرض كونها دخيلة في ملاك الواجب دخالة مطلقة بحيث إنَّ الملاك المولوي يتوقّف على اشتمال الفعل على السورة، في تمام الموارد حتّى في حالة النسيان، فهذه الصلاة الناقصة لم تحقق الملاك المولوي وبقى الملاك غير مستوفٍ، فيكون هذا العمل باطلاً لا محالة.

وإن فرض أنَّ دخالة السورة في الملاك المولوي ليست جزئية ودخالة مطلقة، بل إنَّما تكون دخيلة في حال التذكر، بل يكون باقي الاجزاء والشرائط كافياً لتحصيل الملاك ويقدم الفرد الناقص مقام الفرد الكامل، فهذا العمل يكون صحيحاً؛ لأنّه قد حقّق الملاك والغرض المولوي، ولا حاجة معه إلى الاعادة فضلاً عن القضاء. 

وكلا هذين الفرضين ممكن ثبوتاً، فرض الدخالة المطلقة وفرض الدخالة المقيدة، ومن هنا يمكن الشكّ في أنَّ العمل المأتي به مع ترك السورة نسياناً هل هو صحيح أو غير صحيح، مجزٍ يجوز الاكتفاء به أو لا.

هنا يقع بحث أنَّ الأصول المؤمّنة شرعاً هل يمكن تطبيقها بنحو يؤدّي إلى جواز الاكتفاء بهذا الفرد الناقص، وعدم إلزام المكلّف بفرد آخر حينما يرتفع نسيانه أو لا يمكن؟ فكما أنَّ الأصول المؤمّنة نهضت لإثبات جواز الاكتفاء 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بالفرد الأقلّ الناقص، هل تنهض هنا أيضاً لإثبات جواز الاكتفاء بالفرد الناقص أو تعجز عن ذلك؟

هذا هو الغرض الأساسي للبحث.

وحيث إن هذا هو الغرض الأساسي، فيجب أن ندقق في الصيغة المطروحة للشكّ، يعني: ما هو مشكوكنا في المقام لكي نعلم أنّه هل يكون مشمولاً لأدلّة البراءة أو لا؟ فإننا نعرف أنّه إذا كان الشكّ في التكليف الزائد يكون مجرى للبراءة، وإذا كان الشكّ في السقوط والامتثال بعد العلم بالتكليف يكون مجرى للاشتغال؛ فلكي نعرف هنا أنَّ الأصول المؤمّنة هل تثبت جواز الاكتفاء بالفرد الناقص أو لا، يجب أن ندقّق في الصيغة المطروحة للشك، هل تناسب مع اجراء الأصول المؤمّنة أو تناسب اجراء اصالة الاشتغال؟ لأنّها إذا كانت تؤدي إلى الشكّ في وجوب زائد فنجري الأصول المؤمّنة، أو هي صيغة الشكّ في امتثال وجوب مفروغ عن وجوده إذن فيكون مجرى لأصالة الاشتغال(1).

بقية تنبيهات الأقل والأكثر الارتباطيين(2).

صحّة العمل الصادر حال النسيان

كان الكلام فيما إذا شُكّ في صحّة العمل الناقص الصادر من المكلّف في حال النسيان، فيما إذا أتى بالصلاة بلا سورة، بعد العلم بجزئية السورة في الجملة، إلّا أنه تركها نسياناً، فهل يصحّ منه هذا العمل بحيث إنه لا يجب عليه 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() انظر البقية في الدفتر الثامن عشر الذي نبدأ به بتوفيق الله تعالى. (المقرِّر).

(2) كان تاريخ الشروع في هذا البحث بتاريخ الأربعاء 12/3/1387- 21/6/1967، بداية الدفتر الثامن عشر.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إعادته حينما يلتفت ويتذكر؟ أو يجب عليه إعادة العمل، ويكون الفرد الناقص باطلاً وغير مجزٍ؟

[التمسك بأدلة الأصول المؤمنة]

قلنا بأن البحث يتركّز حول التفتيش عن صيغة الشكّ، وتحقيقها، ليرى أنه هل يمكن التمسّك بأدلّة الأصول المؤمّنة بالنسبة إليها أو لا.

هنا تصوّران بدائيان للصيغة:

أحدهما يقول: إنها صيغة تشملها أدلّة التأمين، كصيغة الشكّ في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين. فكما هناك كانت صيغة الشكّ هي: أن الوجوب المولوي لا يعلم أنه متعلّق بالتسعة زائداً العاشر أو بالتسعة فقط. وهي ترجع إلى الشكّ في الوجوب الزائد، وتناسب مع الأصول المؤمّنة. كذلك الأمر في المقام، فإن الشكّ في صحّة الفرد الناقص وعدمها يرجع إلى أن الوجوب المولوي هل يشمل هذا الفرد الناقص؛ إذن هو صحيح؟ أو لا يشمله، باعتبار تعلّقه بالفرد الكامل، إذن فهذا غير صحيح؟ فهذا هو التصوّر البدائي للمسألة الذي ينسجم مع دعوى شمول أدلّة الأصول المؤمّنة للمقام.

التصوّر الثاني: أن يقال(1): إن الوجوب المولوي مختصّ بخصوص الفرد التامّ، سواء كان الفرد الناقص صحيحاً في نفسه وواجداً للملاك، أو لم يكن كذلك.

أما إذا لم يكن الفرد الناقص واجداً للملاك فواضح، وأما إذا كان واجداً للملاك فأيضاً لا وجوب له بالرغم من وجدانه للملاك؛ لأن إيجابه يستدعي 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

() إننا لا يجوز أن نصوغ الصيغة هكذا: إن الوجوب المولوي هل يشمل الفرد الناقص أو لا، كما كان هو الحال في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

خطاباً يتعلّق بالناسي؛ لأن إيجاب الفرد الناقص يكون على مَنْ؟ هل على المتذكّر بأن يقال: أيّها المتذكّر، آتِ بالفرد الناقص؟ لا؛ لأن المتذكّر لا يجزي منه الفرد الناقص. بل لو جعل الوجوب على الفرد الناقص فلا بُدّ وأن يجعل على الناسي، فتعلّق الوجوب بالفرد الناقص يستدعي صدور خطاب من المولى يكون موضوعه عنوان الناسي، وهذا غير معقول على ما يظهر من رسائل الشيخ؛ لأن عنوان الناسي ما لم يلتفت المكلّف إلى انطباقه عليه لا يكون هذا التكليف محرّكاً له، وبمجرّد أن يلتفت إلى أنه ناسٍ يرتفع نسيانه، ويخرج عن كونه موضوعاً للتكليف، فمثل هذا التكليف يستحيل محرّكيته للمكلّف، وإذا استحالت محرّكيته استحال جعله؛ لأن جعلَ تكليفٍ يستحيل محرّكيته في نفسه مستحيلٌ.

فسواء كان الفرد الناقص صحيحاً وواجداً للملاك أو لم يكن، يستحيل أن يتعلّق به الوجوب، بل الوجوب متعلّق بالفرد التامّ، غاية الأمر أن الفرد الناقص على تقدير كونه واجداً للملاك يكون مسقطاً للواجب. فإذا شكّ أنه هل هو واجد للملاك وصحيح، أو لا؟ يكون من باب الشكّ في أنه هل وجد المسقط عن الواجب أو لم يوجد؟ فيكون شكّاً بالمسقط. وهذه هي صيغة الشكّ، وهي تناسب إجراء أصالة الاشتغال. 

[تحقيق في صيغة الشك]

في تحقيق حال هذين التصوّرين لصيغة الشكّ، يقع الكلام في مقامين: 

المقام الأوّل: في أنه هل يعقل تعلّق الوجوب في الفرد الناقص، بمعنى أن هذا الذي ادُّعي في الصيغة الثانية وهو استحالة التكليف بالفرد الناقص، هل هو صحيح أو لا؟ 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المقام الثاني: أنه على كِلا التقديرين سواء كان يعقل تعلّق التكليف بالناقص أو لا يعقل، ندرس صيغة الشكّ لنرى أنها هل تناسب أصالة البراءة أو أصالة الاشتغال. فالكلام في المقام الأوّل في المبنى العقلي للمسألة، وفي المقام الثاني في البناء والتفريع على ذلك المبنى العقلي بكِلا شقّيه.

[المقام الأوّل: في تعلق التكليف بالفرد الناقص]

أما المقام الأوّل، وهو أنه هل يعقل تعلّق التكليف بالفرد الناقص أو لا؟ قالوا: إنه لا يمكن؛ لأن تعلّق التكليف بالفرد الناقص يستبطن خطاباً يتكفّل إيجاب الناقص على الناسي، فيكون الناسي موضوعاً لخطاب، وهو غير ممكن.

وبصدد تحقيق هذه المناقشة نقول: إن النسيان له حالتان: 

إحداهما: أن يكون النسيان في بعض الوقت، ينسى السورة في ساعة من الزمان ثُمّ يتذكّر، والوقت لا يزال باقياً. 

الحالة الأخرى للنسيان: هي النسيان في تمام الوقت، وقد وقع شيء من الخلط في جملة من الكلمات بين هاتين الحالتين.

أما الحالة الأولى وهي حالة أن يقع النسيان في بعض الوقت، فهنا لا يحتمل أن يتعلّق وجوب خاصّ بالفرد الناقص منه، بحيث يجب عليه وجوباً تعيينياً الفرد الناقص، لبداهة أن مثل هذا الشخص الناسي في الساعة الأولى غير ملزم أن يأتي الفرد الناقص في الساعة الأولى؛ لأنه مرخّص من قبل الشارع في أن يقتصر على الفرد التامّ في آخر الوقت. فلا يحتمل أن يكون مثل هذا الشخص قد اختصّ بخطابٍ بالفرد الناقص وموضوعه عنوان الناسي.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وبتعبير آخر: إن هذا النسيان المؤقّت لو فرض أن الفرد الناقص فيه، كان وافياً بالملاك، فهل يتصوّر أن يتعلّق تكليف تعييني بالفرد الناقص؟ لا؛ لأن هذا الناسي يمكنه أن يأتي بالفرد التامّ بعد ارتفاع نسيانه. فهذه الشبهة أساساً لا موضوع لها في هذه الحالة.

والشيء المحتمل في المقام هو: أن يكون الوجوب متعلّقاً بالجامع بين الفرد الناقص في حالة النسيان والفرد التامّ في حالة التذكّر، لا أن يكون متعلّقاً بخصوص الفرد الناقص في حالة النسيان. لو كان الفرد الناقص واجداً للملاك فالوجوب يتعلّق بالجامع بين الفردين. وهذا التكليف المتعلّق بالجامع ليس موضوعه هو الناسي، بل موضوعه هو المكلّف. فالمكلّف يجب عليه الجامع بين التسعة المقيّدة بالنسيان، أو العشرة المقيدة بالتذكّر. غاية الأمر، الشخص الذي لم يعرض له نسيان لا يقدر أن يوجد الحصّة الأولى.

فالخطاب بالجامع خطاب لعنوان المكلّف البالغ العاقل، وهو ملتفت إلى انطباق ذلك عليه. غاية الأمر أنه في مقام تطبيق هذا الجامع في الخارج، كالناسي هو دائماً يتخيّل أنه طبّقه على الحصّة الثانية(1)، في حين أنه طبّقه على الحصّة الأولى، من قبيل من يصلّي في السوق وهو يتخيّل دائماً أنه يصلّي في المسجد فهذا لا بأس به، وهو اشتباه في تعيين حال مصداق الجامع، وكذلك الحال في المتذكّر فإنه دائماً يطبّق الجامع على الحصّة التامّة، كما أن الناسي دائماً يُطبّقه على الحصّة الناقصة، وهذا انحصار خارجي تبعاً للظروف الخارجية، وهو لا بأس به، بعد 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

() يعني العشرة المقيّدة بالتذكّر. (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الالتفات إلى انطباق موضوع الخطاب عليه، ويكون متحرّكاً عن الخطاب. فهذه صورة لتعلّق الوجوب بالجامع.

وهناك صورة أخرى لتعلّق الوجوب بالجامع، بأن يقال: أيّها المكلّف الملتفت إلى هذه الأجزاء ولو في الجملة -يعني: ولو في بعضها- يجب عليك أن تأتي بمقدار ما أنت ملتفت إليه. فيؤخذ في موضوع الوجوب الالتفات إلى الأجزاء ولو في الجملة، ويكون متعلّق الوجوب هو الملتفت إليه من الأجزاء.

وعنوان الملتفت من الأجزاء عنوان مطّاط قد يتّسع وقد يضيق؛ لأنه لو كان متذكّراً تمام التذكّر فهذا العنوان ينطبق عنده على العشرة، فيجب عليه العشرة؛ لأنه هو مصداق العنوان الواجب، ومن كان قد شرد ذهنه عن واحد فهذا العنوان ينطبق عنده على تسعة، ومن شرد ذهنه عن خمسة ينطبق(1) هذا العنوان على خمسة وهكذا.

وهذا خطاب واحد، وليس موضوعه هو الناسي، بل موضوعه هو الملتفت، أي: الملتفت إلى شيء من أجزاء الصلاة. نعم، غاية الأمر أن كلّ إنسان يرى نفسه أتمّ الناس التفاتاً، وهذا ليس له تأثير في المطلب؛ لأنه محرز انطباق الموضوع عليه، ومتحرّك عن هذا الخطاب، ومنبعث إلى امتثاله. فهذه صورة أخرى لتعلّق التكليف بالجامع.

ــــــــــ[256]ــــــــــ

() وكل منهما يكون مصداقاً للواجب، فالناسي إذا أتى بالتسعة فقد أتى بالواجب؛ لأنه كلّ ما يتذكره، ولكنّ المتذكّر لو أتى بها لم يأتِ بالواجب؛ لأنه أنقص بعض ما يتذكّره. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وكلتا هاتين الصورتين لتعلّق التكليف بالجامع أمر معقول ممكن، من دون حاجة إلى الالتزام بخطاب يوجّه إلى الناسي برأسه، حتّى يلزم المحذور الذي ذكر في الشبهة. فتعلّق الوجوب بالفرد الناقص في هذه الحالة في غاية الوضوح. 

وأما الحالة الثانية: وهي حالة أن يفرض أن النسيان في تمام الوقت، هنا قد يتوهّم أن تعلّق الوجوب في الفرد الناقص يعني تعلّق الوجوب التعييني بالفرد الناقص؛ لأن الناسي في تمام الوقت لا يمكنه أن يأتي بالفرد التامّ حتّى يخيّر بين الفرد الناقص والتامّ. ولعلّ من أورد الشبهة أيضاً كان ملتفتاً ولو ارتكازاً إلى هذه الحالة الثانية، دون الحالة الأولى، وإلا كيف يتخيّل في الحالة الأولى احتمال الوجوب التعييني للفرد الناقص، مع أن الناسي في الساعة الأولى لا يجب عليه حتماً الإتيان بالفرد الناقص في الساعة الأولى. فلعلّه نظر إلى الحالة ولكنّه في مقام الادّعاء لم يميّز بين الحالتين.

ولكن مما بيّناه في الجواب عن الحالة الأولى يظهر أن نفس ذلك التصوّر يأتي في الحالة الثانية، بلا فرق بين الحالتين، فإنه هنا أيضاً يمكن أن يتعلّق تكليف واحد بالفرد الناقص والفرد التامّ بأحد الوجهين اللذين ذكرناهما. غاية الفرق بين الحالتين أنه في الحالة الأولى كان إنسان واحد يمكنه أن يُطبّق الجامع في الساعة الأولى على حصّة (أ)، وفي الساعة الثانية على حصّة (ب). وفي الحالة الثانية مَنْ يُطبّقه على حصّة (أ) إنسان، ومَن يُطبقه على حصّة (ب) إنسان آخر. فتعلّق الوجوب بالفرد الناقص في الحالة الثانية أيضاً لا يستدعي إنشاء وجوب تعييني في خطاب خاصّ موجّه إلى الناسي؛ ليلزم من ذلك محذور أن مثل هذا 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الخطاب يستحيل محرّكيته وباعثيته. بل يتعلّق الوجوب بالجامع بين الحصّتين، وموضوع الوجوب هو المكلّف البالغ العاقل الملتفت، لا المكلّف الناسي.

إذن فهذه الشبهة شبهة لا ينبغي الاهتمام بها، لو لا أن العلماء الأصوليين اهتمّوا بها اهتماماً كثيراً من أيام الشيخ إلى يومنا هذا، وكان من مظاهر الاهتمام بها أن المرزا وقبله المحقّق الخراساني تصدّى للجواب عن هذه الشبهة، تصدّى للجواب عنها بذهنية الشبهة، يعني بذهنية أن تعلّق الوجوب بالفرد الناقص يستدعي خطاباً مستقّلاً بنفسه.

كلام للمحقّق النائيني

ذكر أننا نصوّر تكليف الناسي بفرض خطابين: خطاب عام وخطاب خاصّ، لكنّ هذين الخطابين على عكس الخطابين العامّ والخاصّ الموجودين في ذهن صاحب الشبهة؛ إذ في ذهنه أن هناك خطاباً موجهاً إلى المتذكّر وخطاباً موجهاً إلى الناسي. نحن نقول بخطابين أيضاً، لكنّ أحدهما خطاب عامّ موجّه إلى الجامع بين المتذكّر والناسي، وهو الخطاب بالأقلّ، ثُمّ المتذكّر بالخصوص يُخصّ بخطابٍ ثانٍ ووجوب آخر يتعلّق بالجزء العاشر. فالخطاب الزائد المفروض ضرورته عند صاحب الشبهة، وإن كان ضرورياً عند المرزا أيضاً، لكنّه ليس موجّهاً إلى الناسي، بل إلى المتذكّر، فلا يأتي هذا الإشكال. 

فرق هذا عن البيان المتقدّم: أن البيان المتقدّم صرنا في مقام إنكار ضرورة تعدّد الخطاب، أصلاً لا حاجة إلى خطابين، فضلاً عن أن يكون الخطاب الثاني يخصّ الناسي أو المتذكّر، بل يمكن تصوير العملية التشريعية كلّها بخطاب 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

واحد. أما صاحب الشبهة مع المرزا فكأنّهما متّفقان على أن هذه العملية التشريعية لإيجاب الفرد الناقص والتامّ معاً لا يمكن أن تتمّ بخطاب واحد، بل لا بُدّ أن تتمّ بخطابين. لكنّ صاحب الشبهة كان يقول: إنهما يتمّان هكذا: (أيّها المتذكّر آتِ بالتامّ)، و(أيّها الناسي آتِ بالناقص)، فيأتي الإشكال على خطاب الناسي. والمرزا يقول هكذا: (أيّها المكلّف على إطلاقه آتِ بالناقص)، و(أيّها المتذكّر للعاشر ضمّ إلى الناقص هذا الجزء العاشر). فلا يأتي الإشكال لا في الخطاب الأوّل ولا في الخطاب الثاني.

أما الخطاب الأوّل: فلأن موضوعه هو طبيعي المكلّف على إطلاقه.

وأما الثاني: فلأن موضوعه هو المتذكّر، وهو يعقل أن يكون موضوعاً لخطابٍ(1)

هذا هو جواب المرزا عن هذه الشبهة.

*****

وقد قيل(2) كما عن السيّد الأستاذ وغيره أن هذين الشكلين يختلفان في نتيجة الأصل العملي، فإن الشكل الأوّل لصيغة الشكّ يناسب إجراء البراءة؛ لأن الشكّ يكون في سعة دائرة الواجب وضيقه. والشكل الثاني يناسب مع 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

() والخطاب الأوّل نصحّح به عمل الناسي؛ لأنه توجّه إليه في ضمن من توجّه إليه من المكلّفين وقد امتثله. وبالخطاب الثاني نضمّ عمل المتذكّر؛ لأنه قد توجّه إليه. (المُقرِّر).

(2) قال بعد عنونة المسألة، وذكر صيغتي الشكّ: وقد قيل… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إجراء أصالة الاشتغال؛ لأن الشكّ في المسقط للواجب. ومن هنا جعلوا البحث -في إمكان تكليف الناسي، وإمكان تعلّق التكليف بالفرد الناقص- مثمراً في ميدان تشخيص الأصل العملي، وكون الأصل الجاري هو البراءة أو الاشتغال. فمن قال بإمكان تكليف الناسي، كانت صيغة الشكّ عنده على الشكل الأوّل؛ فيجري البراءة. ومن قال بعدم إمكانه، كانت صيغة الشكّ عنده على الشكل الثاني؛ فيجري أصالة الاشتغال.

التعليق عليه

وكلام المحقّق(1) النائيني على ما يبدو من التقريرات في تصوير هذا المطلب مشوش غاية التشويش؛ لأن كلام التقريرات يخلط ما بين مقام الثبوت ومقام الإثبات، أي: بين جعل الحكم في مقام الثبوت وبين الأدلّة اللفظية في مقام الإثبات، فتارةً يفهم من عبائره أنه يريد تصوير خطابين بهذا النحو بحسب عالم الجعل والتشريع، يعني صدر جعلان من قبل المولى: أحدهما وجوب الأركان الخمسة على طبيعي المكلّف، وجعلٌ لوجوب الأجزاء الأخرى على خصوص التذكّر، فالتعدّد بحسب عالم التشريع ثبوتاً.

ومن بعض العبائر يظهر أن مراده بالخطابين: التعدّد بحسب عالم الأدلّة، وعالم الإبراز والبيان، يعني يوجد عندنا دليلان: أحدهما يقول أقيموا الأركان الخمسة، ودليل يقول: (أيّها المتذكّر للفاتحة ضُمّها إلى الأركان الخمسة).

وبين التصوّرين بون شاسع، فإنه إن أريد الثاني وهو أن يراد من الخطاب 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() ثُمّ لخّص مسلك المرزا كما سبق، ثُمّ قال: وكلام المحقّق… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

البيان اللفظي الكاشف عن الحكم، فهذا لا إشكال أنه بمكان من الإمكان؛ إذ يتصوّر صدور بيانين من المولى على هذا النحو. إلّا أن الكلام في المقام لم يكن في عالم الإثبات والأدلّة، بل كان الكلام في الخطاب بمعنى واقع الحكم بحسب عالم الجعل والتشريع. فإن صاحب الشبهة كان يدّعي بأن تعلّق التكليف بالفرد الناقص يستدعي وجود تكليف في عالم التشريع موجّهاً إلى الناسي، لا وجود خطاب بحسب مقام الإثبات موجّه إلى الناسي. إذن إذا أريد بتعدّد الخطاب مجرّد تعدّده بحسب مقام البيان والإثبات، فهذا لا يعالج مستوى الشبهة؛ لأنها ليست على مستوى مقام البيان والإثبات، بل هي ناظرة إلى عالم الجعل والتشريع.

وإن أريد الأوّل، بأن يكون معنى الخطابين هو الجعلان بحسب عالم التشريع، فهذا يعالج على مستوى الشبهة، ولكنّ العلاج غير صحيح. وذلك لأننا نتساءل عن ذلك التكليف الأوّل بالأركان الخمسة الذي جعل على طبيعي المكلّف مطلقاً من حيث المتذكّر والناسي، ومتعلّق هذا الجعل هو الأركان الخمسة، فنسأل: أن متعلّقه هل هو الأركان الخمسة مطلقة من حيث انضمام الفاتحة إليها، أو مقيّدة بانضمام الفاتحة إليها، أو مهملة من هذه الناحية؟ أو هذا الواجب بلحاظ بعض أفراد الموضوع وهو المتذكّر يكون مقيّداً بانضمام الفاتحة، وبلحاظ بعض الأفراد وهو الناسي يكون مطلقاً من حيث الانضمام وعدمه؟ فهذه هي الصور المتصوّرة في أوّل وهلة.

أما الصورة الأولى: وهو أن يفرض أن الواجب هو الأركان الخمسة مقيّدة 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بانضمام الفاتحة إليها، فهذا خُلف الجواب؛ لأن معنى كونها مقيّدة بذلك هو: أن الجعل الثاني اندّك في ضمن الجعل الأوّل، فمن أوّل الأمر خوطب المكلّفون بالستة لا بالخمسة، وهذا الناسي(1) أصبح عمله باطلاً؛ لأنه أتى بالخمسة ولم يأتِ بالستة، وهذا خُلف العلاج.

الصورة الثانية: أن يفرض أن الواجب مطلق، وأن متعلّق الوجوب هو الأركان الخمسة مطلقة من حيث الانضمام وعدمه. وهذا الإطلاق ثابت في حقّ جميع أفراد الموضوع متذكّرهم وناسيهم، فحتّى المتذكّر يكون الواجب عليه بالجعل الأوّل هو الخمسة المطلقة، سواء انضمّ إليها السادس أو لا. معنى هذا الإطلاق ترخيص المتذكّر بتطبيق الجامع على الخمسة الفاقدة للجزء السادس، وهذا الترخيص بنفسه ينافي الارتباطية؛ لأن وجوب السادس بالنسبة إلى المتذكّر ليس وجوبا نفسياً مستقّلاً، بل المتذكّر تكون صلاته عبارة عن ستة أجزاء، لا أن صلاته خمسة ويجب أن يضيف عليها جزءًا سادساً.

إذن فترخيص المولى في تطبيق الجامع على الخمسة الفاقدة، ينافي ارتباطية الغرض، وكون الغرض المولوي من المتذكّر سنخ غرض لا يحصل إلّا بمجموع الستة، مع فرض كونه كذلك يستحيل ترخيصه بتطبيق الجامع على الفرد الناقص؛ لأن هذا الفرد ليس له أيّ أثر في مقام تحصيل غرض المولى.

الصورة الثالثة: هي الإهمال، بأن يكون الواجب في الجعل الأوّل هو الخمسة، لا مطلقة من حيث الانضمام ولا مقيّدة، بل مهملة، ثُمّ إن الخطاب 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

() هذا لا يلزم إذا كان النسيان عذراً عقلياً لا شرعياً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الثاني يرفع هذا الإهمال. فبالخطاب الثاني يقول: هذا الواجب الذي جعلته في الأوّل، هو مقيّد في حقّ المتذكّر وغير مقيّد في حقّ الناسي.

وهذا نفس ما استعمله المرزا في موارد التعبّدي والتوصّلي، حينما ذهب المرزا إلى أن الواجب في الجعل الأوّل يستحيل أن يقيّد بقصد الأمر، وإذا استحالَ التقييدُ -عنده- استحالَ الإطلاقُ، ولهذا التزم بأن الواجب في الجعل الأوّل مهمل، لا مطلق ولا مقيّد. 

وهنا جعلٌ ثانٍ يرفع إهمال الأوّل إما إلى الإطلاق وإما إلى التقييد؛ وسمّاه بنتيجة الإطلاق والتقييد. 

هذا التصوير لا ينافي الارتباطية، يعني: لا يأتي عليه الإشكال في التصوّر الثاني؛ لأن الخمسة جُعلت بنحوٍ مهمل، ومع الإهمال لا سريان إلى الفاقد، كأنّ الطبيعة تبقى واقفة، فلا هي مطلقة ولا هي مقيّدة، إذن فلا يلزم في المقام من تصوّر الإهمال أن يكون المولى قد رخّص بالفعل في تطبيق الجامع على الفرد الناقص، حتّى يكون هذا الترخيص خلاف قانون الارتباطية.

ولعلّ هذا هو الذي كان مرتكزاً في ذهن المرزا؛ لأنه يناسب مع تصوّراته لتعدّد الخطاب في موارد التعبّدي والتوصّلي وغيره.

إلّا أن هذا غير معقول في المقام، حتّى لو قلنا بأنه معقول في باب التعبّدي والتوصّلي؛ لأن متمّم الجعل هنا يأتي فيه نفس الإشكال، بخلاف متمّم الجعل في موارد التعبّدي والتوصّلي، فإنه في التعبّدي والتوصّلي كان يقال: إن الأمر الأوّل يقول: (صلِّ)، والأمر الثاني يقول: (اقصد امتثال الأمر الأوّل)، فالأمر 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الثاني ينظر إلى أمر موجود قبله ويبعث نحو امتثاله، فلا يلزم أخذ ما هو في طول الأمر في موضوع الأمر. وأما هنا فالمحذور هو أن يصدر خطابٌ أُخذ في موضوعه عنوان الناسي، فلو فرض أن الجعل الأوّل كان مهملاً بلحاظ تمام أفراد موضوعه متذكّرهم وناسيهم، وحينئذٍ يحتاج إلى أن يخرج -وبقاؤه على إهماله إلى الآخر غير معقول كما صرّح به المرزا في بحث التعبّدي والتوصّلي- إلى الإطلاق وإلى التقييد بالجعل الثاني. فالمولى يحتاج إلى جعلين: جعل للإطلاق في حقّ الناسي، حتّى يصبح ما أتى به مصداقاً للواجب. وجعل للتقييد في حقّ المتذكّر حتّى يلزم المتذكّر بالإتيان بالعشرة. إذن فقد وُجد جعلٌ أُخذ في موضوعه الناسي، فعاد نفس الإشكال السابق، من حيث إنه ينتهي إلى خطابٍ أُخذ في موضوعه الناسي. إذن فهذه الصورة أيضاً غير معقولة.

فلا يبقى عندنا إلّا صورة رابعة وأخيرة، وهي أن يقال: إن هذا الواجب من أوّل الأمر مطلق في حقّ الناسي ومقيّد في حقّ المتذكّر.

وهذا معناه أن الجعل الأوّل ليس جعلاً واحداً، بل هو جعلان بحسب الحقيقة، فإن معناه: أن عندنا واجبين لا واجباً واحداً: واجب أُخذ لا بشرط من حيث انضمام الفاتحة، وواجب أُخذ بشرط شيء من حيث انضمامها. وإن كلّاً من الواجبين له وجوب، وكلّاً من الوجوبين له موضوع غير موضوع الآخر، فالواجب الذي أُخذ لا بشرط موضوع وجوبه هو الناسي، والواجب الذي أُخذ بشرط شيء موضوع وجوبه هو المتذكّر، فعاد الإشكال مرّة أخرى.

فالصور كلّها غير معقولة، ولا نحتاج إلى مثل هذه الصناعة، بل يكفينا ما 

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

قلناه من تصوير تكليف الناسي بتعلّق الأمر بالجامع بين الفرد الناقص والفرد التامّ على النحو الذي تصوّرناه. 

هذا هو تمام الكلام في المقام الأول.

المقام الثاني: هل صيغة الشكّ مشمولة للأصول المؤمّنة

أن نعرف أن صيغة الشكّ سواء قلنا بإمكان تعلّق التكليف بالناسي وصوّرناه بالنحو الذي تقدّم، أو قلنا بعدم إمكانه، فصيغة الشكّ هل هي مشمولة لأدلّة التأمين، أو مشمولة لأصالة الاشتغال؟

هنا ذكر السيّد الأستاذ أنه لو قلنا بإمكان تعلّق التكليف بالناسي -كما هو مختاره، والمشهور بين المتأخّرين عن الشيخ كالمحقّق النائيني والخراساني-فصيغة الشكّ هي صيغة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين، فتكون مجرىً للبراءة بعد البناء عليها هناك، وذلك لأنه بعد دخول الوقت نعلم بتوجّه وجوب إلى المكلّف، ولا ندري هل هو وجوب متعلّق بخصوص الفرد التامّ، أو بالأعمّ من الفرد التامّ أو الناقص؟ فيكون المقام من موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر؛ للعلم بوجوب أصل الصلاة، والشكّ بإلزام المكلّف بالإتيان بها تامّة، حتّى مع فرض النسيان بالوقت، فيجري أصالة البراءة عن تعيّن الفرد التامّ وفقاً لِما انتهى إليه في ذلك البحث.

وأما لو قلنا باستحالة تعلّق الوجوب بالفرد الناقص(1)، إذن فالوجوب مختصّ بالفرد التامّ لا محالة، غاية الأمر يشكّ في أن الفرد الناقص المأتي به في 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

() لكونه على تقديره من وظيفة الناسي، وهو يستحيل تكليفه. (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

حال النسيان هل كان مسقطاً أو لم يكن؟ فهو من الشكّ في سقوط الواجب بالإتيان بغير الواجب، وهذا يكون مجرىً لأصالة الاشتغال.

هذا خلاصة ما أفاده السيّد الأستاذ في تحقيق المقام الثاني.

إلّا أن هذا الذي أفاده لا يمكن المساعدة عليه لا بلحاظ المبنى الأوّل ولا بلحاظ المبنى الثاني.

بناءً على إمكان تعلق التكليف بالناسي

أما تحقيق الحال على المبنى الأوّل، يعني: بناءً على إمكان تعلّق التكليف بالفرد الناقص المأتي به حال النسيان، كما هو المختار والصحيح. فهنا صورتان:

إحداهما: أن يفرض أن هذا الناسي ناسٍ في بعض الوقت، وسوف يرتفع نسيانه في أثنائه، ويكون معنى البحث عن جريان المؤمّن وعدمه، هو جريانه لأجل نفي وجوب الإعادة بالنسبة إليه. 

الصورة الثانية: أن يفرض نسيانه في تمام الوقت، ويكون معنى جريان الأصل المؤمّن في حقّه التأمين من ناحية وجوب القضاء بعد أن يخرج الوقت ويتذكّر. 

فلنتكلّم في كلٍّ من الصورتين بناءً على ما هو المختار من إمكان تعلّق التكليف بالفرد الناقص.

أما في الصورة الأولى: إذا فرض أنه ارتفع نسيانه في أثناء الوقت

وهو ما إذا كان المكلّف ناسياً ثُمّ ارتفع نسيانه في أثناء الوقت، هنا قد يقال -وفقاً لِما أفاده السيّد الأستاذ-: إن المورد من موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين؛ 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لأنه حينما دخل الوقت نعلم بتوجّه وجوب إلى المكلف، لكنّ متعلقه مردّد بين الأقلّ والأكثر، إما هو خصوص الصلاة التامّة الذي هو الأكثر، أو هو الجامع بين الصلاة التامّة والناقصة الذي هو الأقلّ. فيُطبّق عليه نفس ما قيل في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

كون المقام من موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين(1) صحيح كما أفيد، إلّا أن المقام لا يكون صغرى من صغريات ذلك البحث، بمعنى أن جريان البراءة هنا ليس مربوطاً بمصير ذلك البحث، بل البراءة  هنا تجري بملاك مستقلّ برأسه، غير مربوط بالملاك الذي يدّعيه القائل بالبراءة في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين. 

فإنه في ذلك البحث كنّا نبحث عن العلم الإجمالي بين الأقلّ والأكثر، منجّزاً أو منحلّاً، فالقائل بالبراءة قال بانحلاله، والقائل بالاشتغال قال بتنجيزه. وهنا نريد أن نقول: إن العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ والأكثر سواء كان منحلاً أو لم يكن، سواء قلنا في بحث الأقلّ والأكثر بانحلاله والبراءة، أو قلنا بعدم انحلاله، وقلنا بأصالة الاشتغال ووجوب الاحتياط. على كِلا التقديرين علمنا الإجمالي في خصوص مسألتنا في هذا اليوم ليس منجّزاً على أيّ حال، حتّى عند من ينكر الانحلال هناك ويقول بأصالة الاشتغال. فإن هنا عاملاً جديداً يتدخل في الموقف، وهو ليس موجوداً في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

() فهو يندرج في هذا الباب موضوعاً لا ملاكاً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فإننا هنا وإن كنّا نواجه -كما هو الحال هناك- علماً إجمالياً بوجوب الأقلّ والأكثر، فهناك كان عندنا علم إجمالي بوجوب التسعة أو العشرة، هنا أيضاً عندنا علم إجمالي بوجوب الفرد التامّ وهو الأكثر، أو بوجوب الجامع بين الفرد التامّ والناقص الذي نسمّيه بالأقلّ، لكن هذا العلم الإجمالي ليس منجّزاً حتّى لملاك يخصّه. وذاك العلم الإجمالي تنجيزه وعدمه مرهون ببحث الانحلال.

ونكتة الفرق بين العلمين الإجماليين هي هذه: أن ذاك العلم الإجمالي كان متشكلاً عند المكلّف قبل أن يأتي بالأقلّ وبالأكثر معاً، من حين دخول الوقت علم إجمالاً أنه إما أن يجب عليه تسعة أجزاء بلا سورة، أو تسعة أجزاء زائداً السورة. حينئذٍ يقع بحث في أن هذا العلم الإجمالي منحلّ أو غير منحلّ. وأما العلم الإجمالي هنا بوجوب خصوص الفرد التامّ المشتمل على الفاتحة، أو الجامع بين الفرد التامّ والناقص، فهذا العلم لا يتشكّل عند المكلّف من أوّل الوقت قبل أن يعمل عملاً؛ لأنه في ذلك الوقت المفروض أنه ناسٍ لفاتحة الكتاب، ومع نسيانه لها يستحيل أن ينقدح في نفسه هذه الصورة العلمية الإجمالية: بأن يعلم إجمالاً إنه إما يجب عليه فرد تامّ فيه فاتحة الكتاب، وإما يجب عليه الجامع بين الفرد التامّ والناقص؛ إذ بمجرّد أن ينقدح في نفسه هذا العلم الإجمالي يخرج عن كونه غافلاً عن فاتحة الكتاب ويتذكّرها، وحينئذٍ لا بُدّ له من الإتيان بها، فمثل هذا العلم الإجمالي يستحيل أن يتشكّل عند المكلّف في بداية الأمر في حال النسيان.

 وإنما يتشكّل هذا العلم الإجمالي بعد أن يرتفع نسيانه، أي: بعد أن يأتي بالفرد الناقص نسياناً وينتهي منه، حينئذٍ ينتبه أن هذا الفرد الذي أتى به كان 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ناقصاً، فهل يجزيه أو لا يجزيه؟ فيتشكّل عنده علم إجمالي: بأن الوجوب الشرعي المتوجّه إليه من أوّل الأمر أكان متعلّقاً بخصوص الفرد التامّ؟ إذن فلم يكن هذا مجزياً. أو بالجامع بين الفرد التامّ التذكّري أو الناقص النسياني؟ فهذا العلم الإجمالي تكون دلالته ووجوده بعد ارتفاع النسيان، وبعد الإتيان بالأقلّ. 

ومثل هذا العلم الإجمالي غير منجّز حتماً، سواء كان منحلّاً أو لم يكن؛ لأن أحد طرفيه خارج عن محلّ الابتلاء، باعتبار سقوطه قبل تشكيل هذا العلم الإجمالي. فهذا العلم لا ينجز حتماً بملاك أنه منحلّ، أو ليس بمنحل؛ ليجعل المقام صغرى للأقلّ والأكثر الارتباطيين، كما فعل السيّد الأستاذ، بل بملاك أن هذا العلم الإجمالي ولد بعد أن خرج أحد طرفيه عن محلّ الابتلاء، فهو لا ينجّز حتّى عند من قال بوجوب الاحتياط في باب الأقلّ والأكثر. من قبيل أن نفرض أن شخصاً بعد أن أكرم زيداً حصل له علم إجمالي بأنه كان قد ألزم نفسه بنذر أو يمين بأن يكرم إما زيداً وإما عمراً، فمثل هذا العلم الإجمالي غير منجّز؛ لأنه حصل بعد أن أكرم زيداً صدفة خارجاً. 

فالصحيح فيما إذا نسي في بعض الوقت ثُمّ ارتفع نسيانه بعد ذلك أنه تجري البراءة عن وجوب الأكثر، من دون أن تربط نكتة هذه البراءة بنكتة البراءة في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين(1)

ــــــــــ[269]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: لو فرضنا انه تذكر في أثناء الصلاة.

فأجاب*: نعم، نعم. 

* انظر هنا مسألة أخرى كتبتها في نهاية هذه المحاضرة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هذا هو الكلام في الصورة الأولى وهو ما إذا فرض أنه ارتفع نسيانه في أثناء الوقت.

وأما الصورة الثانية: إذا استمرّ نسيانه في تمام الوقت

وهي ما إذا استمرّ نسيانه في تمام الوقت، فهنا المقام لا يكون من مورد الأقلّ والأكثر الارتباطيين موضوعاً لا ملاكاً فقط. فإنه في البحث الأوّل لم يكن منه ملاكاً وإن كان منه موضوعاً وعنواناً. وأما في هذه الصورة فغير داخل لا ملاكاً ولا موضوعاً؛ لأن واقع المطلب يكون هو هذا، وهو أن هذا المكلّف إن فرض أن ما أتى به كان صحيحاً، فمعنى هذا انه مكلّف بالجامع بين الفرد التامّ والناقص بين الحدّين: الزوال والغروب، وإن كان باطلاً فليس معنى هذا أنه مكلّف بالفرد التامّ بين الحدّين؛ لأن تكليفه به غير معقول مع فرض استيعاب نسيانه لتمام الوقت. بل معنى هذا أنه مكلّف بقضاء الفرد التامّ بعد خروج، الوقت على تقدير عدم الإتيان به في الوقت.

إذن فالعلم الإجمالي هنا علم إجمالي بين متباينين، إما بوجوب الجامع بين الفرد التامّ والناقص بين الحدّين، وإما بوجوب الفرد التامّ بخصوصه بعد المغرب قضاء، والثاني مباين للأول لا محالة. فصيغة الشكّ موضوعاً خارجةٌ عن بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين، فضلاً عن الخروج الملاكي.

ولكن مع هذا نقول: إن هذا العلم الإجمالي غير منجّز، وذلك لعين النكتة التي قلناها في الصورة الأولى، وهي: أن هذا العلم الإجمالي لا ينشأ من أوّل الأمر، وإنما ينشأ بعد خروج الوقت وارتفاع النسيان، وفي هذا الحال يكون أحد 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الطرفين قد امتثل قبل هذا، وخرج عن محلّ الابتلاء، فلا يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً بالرغم من أنه من باب دوران الأمر بين المتباينين لا الأقلّ والأكثر. هذا في الصورة الثانية. 

فمن هنا نعرف أنه في كِلتا الصورتين ملاك جريان البراءة هو -في الواقع- هذا العامل الجديد، دون إخضاع الشكّ لقانون دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين، كما صنعه السيّد الأستاذ.

هذا كله بناءً على إمكان تعلّق التكليف بالناسي. 

[بناءً على استحالة تعلق التكليف بالناسي]

وأما بناءً على المسلك الثاني: وهو عدم إمكان تعلّق التكليف بالناسي، قال السيّد الأستاذ: إنه بناءً على ذلك يكون التكليف قد تعلّق حتماً بخصوص الفرد التامّ، ويشكّ بأن الفرد الناقص هل يكون مسقطاً أو لا؟ فيكون المقام من الشكّ في المسقط.

هنا أيضاً الأفضل أن نقسّم إلى كِلتا الصورتين، تارةً نفرض أن النسيان في بعض الوقت ويزول في الوقت، وأخرى نفرض أن النسيان مستوعب لتمام الوقت. 

أما إذا فرضنا الصورة الأولى وهي: ما إذا فرضنا أن النسيان في بعض الوقت ويزول في أثناءه. 

حينئذٍ نقول: بأن الشكّ هنا وإن سُمي شكّاً في المسقط -إذ لا مشاحّة في الاصطلاح- إلّا أن هذا النحو من الشكّ في المسقط مجرىً للبراءة دون أصالة 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الاشتغال؛ لأن صيغة الشكّ بحسب الحقيقة أنه شكّ في أصل الوجوب، فيكون مجرىً للبراءة وأدلّة التأمين الشرعي.

وتوضيح ذلك: أن الوجوب بناءً على عدم إمكان تعلّق التكليف بالفرد الناقص، وإن كان متعلّقاً بخصوص الفرد التامّ، إلّا أن هذا الوجوب إطلاقه وضيقه -يعني تقييده بعدم الإتيان بالفرد الناقص- مشكوك؛ لأن هذا الوجوب إن كان الفرد الناقص وافياً بنفس الملاك، إذن فالوجوب وإن لم ينبسط عليه؛ لأجل شبهة الشيخ الأنصاري، ولكنّه تقيّد بعدمه لا محالة. فيكون الوجوب مقيّداً بعدم الفرد الناقص(1)؛ لاستحالة إطلاقه حتّى لحال وجود الفرد الناقص؛ لأن فرض وجود الفرد الناقص هو فرض استيفاء الملاك، ومعه -ومع استيفاء الملاك- يستحيل إن يقال له: (استوفِ الملاك من جديد). فمع فرض وفاء الفرد الناقص يكون الوجوب مقيّداً بعدم الفرد الناقص، ومع فرض عدم وفائه يكون الوجوب مطلقاً. إذن فالوجوب -يعني: وجوب الفرد التامّ- في حالة عدم الإتيان بالفرد الناقص معلوم على كلّ حال، وأما الوجوب -يعني: وجوب الإتيان بالفرد التامّ- في حالة الإتيان بالفرد الناقص، فمشكوك لا محالة، فيكون هذا شكّ في وجوب زائد متمحّض، ويجري البراءة هنا بلا إشكال، حتّى لو قيل بأصالة الاشتغال في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين؛ لأنه ليس هنا واجب ارتباطي مردّد أمره بين الأقلّ والأكثر، بل هنا وجوب أمره مردّد بين أن يكون ثابتاً في حالة واحدة أو في حالتين، فيكون 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

() إذ لا معنى من تعميم الوجوب حتى لمن استوفى الملاك بالإتيان بالفرد الناقص. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الشكّ في الحالة الثانية شكّاً في وجوب نفسي استقلالي من رأسه، فيكون مجرىً للبراءة بلا إشكال .

من دون فرق في ذلك بين تصوير نحوين للشرطية، فإننا قلنا بأن الفرد الناقص على تقدير وفائه بالملاك يكون عدمه شرطاً وقيداً، وشرطية عدمه في الوجوب تُتصوّر بنحوين:

تارةً بنحو الشرط المقارن، بأن يقول: إن الوجوب يثبت من الأمر، ويبقى ويسقط بالفرد الناقص؛ فعدم الإتيان بالفرد الناقص شرط في بقاء الوجوب، لا في أصل حدوثه. 

التصوّر الثاني: أن يكون شرطاً في مرحلة الحدوث، بحيث إن حدوث الوجوب المتعلّق بالفرد التامّ من أوّل الأمر منوط بأن لا يقع من هذا المكلّف فرد ناقص في علم الله إلى آخر الوقت، بنحو الشرط المتأخّر. وعلى كِلا التقديرين يكون الشكّ شكّاً في أصل الوجوب، غاية الأمر على التقدير الأوّل يكون شكّاً في الوجوب بقاءً، وعلى التقدير الثاني يكون شكّاً في الوجوب حدوثاً، وكُلّاً منهما مجرىً للبراءة.

نعم، الشكّ إذا كان شكّاً في الوجوب بقاءً، قد يقال بجريان الاستصحاب الحاكم على البراءة(1). لكن بقطع النظر عنه فالمجرى هو البراءة على كلّ تقدير، لا أصالة الاشتغال.

وأما أصل توهّم أن الشكّ في المسقط يكون مجرىً لأصالة الاشتغال، فهذا 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

() لو قيل بالاستصحاب في الشبهات الحكمية، وهو مما لا يقوله السيد الأستاذ الذي نناقشه في هذا الكلام. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

كشفنا عنه الغطاء مراراً، وقلنا بأن مجرىً أصالة الاشتغال هو ما إذا علم بفعلية التكليف وشكّ في سقوط فاعليته، لا ما إذا شكّ في سقوط نفس الفعلية. الشكّ متى ما تعلّق بنفس فعلية التكليف سواء كان شكّاً في سقوطه أو بقائه أو حدوثه، فهو مجرىً للبراءة دائماً، ما لم يوجد أصل حاكم، وأما إذا كان الشكّ في سقوط فاعليته، فهذا هو الذي يكون مجرىً لأصالة الاشتغال.

والمقام هو مقام الشكّ في فعلية التكليف، لا مقام الشكّ في فاعليته؛ لأننا في المقام نشكّ في حدود الفعلية، وأن فعلية التكليف بالفرد التامّ هل هي بنحوٍ بحيث تبقى حتّى بعد الإتيان بالفرد الناقص، أو هي مقيّدة من قبل المولى بأن لا يؤتى بالفرد الناقص؟ فالشكّ هو في حدود الفعلية المجعولة من قبل المولى، لا أن الفعلية مفروغ عنها والشكّ سقوط فاعليته وعدمها.

هذا هو الكلام في تحقيق الصورة الأولى، وهي ما إذا ارتفع النسيان في أثناء الوقت(1).

ــــــــــ[274]ــــــــــ

() وكنت قد سألته في أثناء الدرس -في المحلّ المشار إليه في داخل المحاضرة-: أَلَا يمكن تصوّر هذا العلم الإجمالي قبل الدخول في الصلاة، بأن يقال: بأن الصلاة التي سوف آتي بها على تقدير كوني ناسياً فربما أكون مكلّفاً بالجامع، وعلى تقدير كوني متذكّراً فآتي مكلّفاً بالفرد التامّ؟

فأجاب: بأنه على تقديرٍ فهذا العلم الإجمالي غير موجود عنده. افرضوا أنه في الساعة الأولى كان متذكّراً لفاتحة الكتاب، ثُمّ بعد هذا نسي، فبمجرّد أن ينسى يزول العلم الإجمالي؛ لأن العلم الإجمالي ليس بحدوثه ينجرّ إلى الأبد.

وقال في جواب سؤال آخر: إلّا أن يتولّد له علم إجمالي بأنه نسي أحد الأجزاء، فهذا العلم منجّز في نفسه، ولا إشكال في عدم جريان أصالة البراءة، وهو خارج عن محلّ الكلام. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

دفع كونه مجرىً لاصالة الاشتغال

وتوهم عدم(1) كونه مجرىً للبراءة، وكونه مجرىً لأصالة الاشتغال بتخيّل أنه شكّ في المسقط للواجب، مدفوع:

أما أوّلاً: فلأن الشكّ شكّ في أصل وجوب الواجب، لا في سقوطه بعد إحراز حدوثه، بناءً على أن تكون الشرطية شرطية في مرحلة الحدوث، فإننا نحتمل أن الوجوب من أوّل الأمر كان مقيّداً بأن لا يقع بعد هذا فرد ناقص.

وأما ثانياً: فبقطع النظر عن هذا نقول: بأن الشكّ في المقام لو سلّم أنه شكّ في السقوط دون الحدوث، فمن قال بأن الشكّ في السقوط يكون مجرىً لأصالة الاشتغال؟! فإن الشكّ في قطعات الوجوب دائما يكون مجرىً للبراءة؛ تمسّكاً بإطلاق (رفع ما لا يعلمون)، ما لم يكن هناك أصل حاكم. من دون فرق بين أن يكون (ما لا يعلم) قطعة حدوثية أو قطعة بقائية.

وأما ما يقرع الأسماع من الشكّ في السقوط مجرىً لأصالة الاشتغال، فمرجعه إلى ما حقّقناه من أن الشكّ في سقوط فاعلية الوجوب يكون مجرىً لأصالة الاشتغال؛ لأنه لا يتحقّق فيه موضوع البراءة. وأما إذا كان الشكّ في فعلية الوجوب فهو مجرىً لأصالة البراءة دائماً. 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً ما كان قاله بالأمس على كِلا التقديرين من إمكان تعلّق التكليف بالفرد النسياني الناقص ومن عدم إمكانه، ثُمّ قال: وتوهّم عدم… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وأما ثالثاً: فيدفع هذا التوهمّ أيضاً بأنّا لو سلّمنا بأن الشكّ شكّ في السقوط، وأن الشكّ في السقوط يكون مجرىً لأصالة الاشتغال، إلّا أن كون المقام من موارد الشكّ في السقوط إنما هو بلحاظ عالم الإنشاء والخطاب وعالم الجعل؛ لأنه في هذا العالم فرضت شبهة الشيخ الأنصاري على المولى أن لا يوجب الجامع بين الفرد التامّ والناقص، واضطرّته إلى أن يوجب خصوص الفرد التامّ، فيكون الشكّ حينئذٍ في إجزاء الفرد الناقص على الفرد التامّ شكّاً في المسقط بلحاظ عالم الجعل.

إلا أنه لا يكون شكّاً في المسقط بلحاظ عالم الإرادة والملاك، فإنه بلحاظ هذا العالم الأمر دائر بين التعيين والتخيير من أوّل الأمر، والإرادة المولوية لا تتحكّم فيها شبهة الشيخ الأنصاري. فالملاك اللّزومي للمولى أمره دائر بأن يكون قائماً بخصوص الفرد التامّ أو بالجامع بين الفرد التامّ والناقص. إذن لو لاحظنا عالم الجعل والإلزام فصيغة الشكّ أنه شكّ في المسقط؛ تطبيقاً لشبهة الشيخ، ولو لاحظنا عالم الملاك والإرادة فالشكّ شكّ في نفس سعة دائرة الإرادة وضيقها، يعني: شكّاً في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، أو بتعبير آخر بين التعيين والتخيير.

وحيث إن الإلزام وعالم الجعل إنما يكون منجّزاً بمعناه الحرفي، لا بمعناه الاسمي، فإنه إنما ينجّز فيما إذا كان الشكّ في السقوط، فيما إذا كان الحال هكذا بالنسبة إلى جوهره وروحه وهو عالم الملاك. فهو إنما ينجّز باعتبار حرفية هذا العالم وكاشفيته عن الإرادة. فحيث إن الشكّ في السقوط من مختصّات عالم 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الجعل والإلزام، من باب أن المولى مقيّد وغير قادر على أن يجعل الإلزام على طِبق إرادته، وليس الشكّ في السقوط موجوداً بلحاظ عالم الملاك. إذن فلا يكون منجّزاً -يعني الخطاب-. 

يبقى عندنا الشكّ بلحاظ عالم الملاك وهو مجرىً للبراءة العقلية عند السيّد الأستاذ. افرضوا أن البراءة الشرعية لا تجري؛ لأنها -كما استظهرنا سابقاً- تجري فيما إذا كان الشكّ في الجعل والإلزام، وهنا شكّ ابتدائي في أصل الملاك، فلا تجري، ولكن البراءة العقلية لا مانع من جريانها، وهو يلتزم بجريانها في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير. إذن فأيضاً لا تنتهي النوبة إلى أصالة الاشتغال.

هذا كلّه في الصورة الأولى، يعني فيما إذا ارتفع النسيان في الوقت.

وأما إذا ارتفع النسيان بعد الوقت، وبنينا على عدم تعلّق التكليف بالناسي، فلو تذكر بعد خروج الوقت أنه كان ناسياً، وأنه أتى بالفرد الناقص، هنا جريان البراءة أوضح من جريانها في الصورة الأولى، إذ هناك كان يتخيّل شبهة الشكّ في المسقط، وأما هنا فكون الشكّ شكّاً في أصل حدوث التكليف لا في المسقط، هنا أوضح منه هناك.

والسبب في ذلك: أن هذا المكلّف بعد أن اكتشف أنه أتى بالفرد الناقص، يعلم أنه في الوقت الأدائي لم يكن مخاطباً أصلاً، لا بالفرد التامّ ولا بالجامع بين الفرد التامّ والناقص. أما أنه لم يكن مخاطباً بالفرد التامّ؛ فلأنه كان ناسياً له في تمام الوقت، فكيف يخاطب به؟! وأما أنه لم يكن مخاطباً بالجامع؛ فلأنّا نتكلّم 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بناءً على عدم إمكان تعلّق التكليف بالناسي، إذن فهو يعلم أنه ما وجّه إليه خطابٌ لا بخصوص الفرد التامّ ولا بالجامع بين الفرد التامّ والناقص، وإنما يشكّ الآن في حدوث خطاب جديد بوجوب القضاء؛ لأن ملاك المولى إن كان يتحقّق بالفرد الناقص فلم يتحقّق عنوان الفوت، فلا يؤمر بالقضاء. وإن لم يتحقّق بالفرد الناقص فقد تحقّق منه فوات الفريضة الملاكية، فيؤمر بالملاك، فيشكّ في أصل توجّه خطاب حدوثي إليه، فيكون المقام -من موارد الشكّ- أصل التكليف، ويكون مجرىً للبراءة بلا شائبة.

وهكذا يتّضح أن التحقيق هو جريان البراءة على كِلا المبنيين في كِلتا الصورتين، مع اختلاف الصناعة في تصوير جريانها. 

هذا هو تمام الكلام في المقام الثاني. 

وطبعاً أنا لم أكن أقصد بالصورتين حصر المقام في هاتين الصورتين، فإنه يُتصوّر عدّة صور أخرى، فمثلاً قد يفرض أن النسيان وقع في آخر الوقت، وقد يفرض أن التذكّر وقع في أثناء الصلاة، أي: الفرد الناقص، وكل هذه تفريعات تستنبط أحكامها مما بيّناه. 

هذا هو تمام الكلام في تحقيق الجهة المربوطة ببحث الأقلّ والأكثر من هذا التنبيه.

حول الأدلّة الاجتهادية وكلام القوم حولها

وحيث إن طرح المسألة هو هذا، وهو أننا نقول: ما هو الأصل العملي، وفرض البحث عن الأصل العملي، هو فرض عدم وجود دليل اجتهادي. 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يعني يجب أن نأخذ هذا القيد في موضوع المسألة، وهو: أنه لا يوجد دليل اجتهادي يدلّ لا على بطلان الفرد الناقص المأتي به، وعدم وفائه بالملاك، ولا على صحّته ووفائه بالملاك؛ إذ لو كان لنا دليل اجتهادي يدلّ على أحد الأمرين، لا تنتهي النوبة إلى الأصل العملي. ومن هنا وقع الاستطراد إلى قيد موضوع المسألة، وهو أنه هل هنا دليل اجتهادي يدلّ على صحّة العمل، بحيث نستغني عن الأصول العملية، أو دليل اجتهادي يدلّ على البطلان، أو لا دليل اجتهادي يدلّ لا على صحّة الفرد الناقص ولا على بطلانه؟

والبحث عن الدليل الاجتهادي يكون على شكلين:

الشكل الأوّل: البحث عن خصوصيات الأدلّة الاجتهادية المختلفة باختلاف المقامات والأبواب، من قبيل أن يقال مثلاً: إن “لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود(1). فهذا دليل اجتهادي في خصوص باب الصلاة، يدلّ على أن الفرد الناقص المأتي به نسياناً يكون صحيحاً. ومثل هذا البحث لا يحسن الاستطراد إليه في علم الأصول، بل هو موكول إلى أبوابه المختلفة في الفقه. 

الشكل الثاني للبحث: هو أن يحاول إعطاء ضابط عامّ لأدلّة المركّبات الارتباطية، فيقال: إنه ضابط عامّ في أنه متى تكون أدلّة الواجبات الارتباطية تقتضي الإجزاء وصحّة الفرد الناقص، ومتى تقتضي بطلانه، ومتى لا تقتضي 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

() التهذيب، ج: 2. ص: 152. باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز فيها وما لا يجوز. ح: 55.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هذه الأدلّة لا الصحّة ولا البطلان، بحيث ينتهي إلى الأصل العملي؟ هذا هو الذي يحسن الاستطراد إليه في المقام.

وهنا قالوا: بأن أدلّة الواجب الارتباطي تنحلّ إلى دليلين: إلى دليل يدلّ على وجوب أصل الفعل، كالصلاة. وإلى دليل جزئية الفاتحة، كـ(لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب). حينئذٍ يقال: إن دليل الجزئية إما أن يكون له إطلاق، وإما أن لا يكون له إطلاق. فإن كان لدليل الجزئية إطلاق يقتضي جزئية الفاتحة مطلقاً حتّى في حال نسيان الفاتحة، فيثبت بذلك كون الفاتحة ركناً، فيبطل العمل الناقص الفاقد لها في حالة النسيان؛ لأنه فاقد لِما هو جزء، فيحكم على أساس ذلك ببطلان العمل، من دون فرق بين أن يكون هناك إطلاق في دليل الواجب أو لا يكون؛ إذ بالآخرة، إطلاق دليل الجزئية باعتبار حكومته وأخصّيته مقدّم على إطلاق دليل الواجب. 

وأما إذا لم يكن هناك إطلاق في دليل الجزئية، كالإجماع على وجوب السورة؛ لأن الأدلّة اللفظية في السورة قاصرة عن إثبات جزئيتها، والإجماع ليس فيه إطلاق؛ لأن القدر المتيقّن منه هو جزئية السورة في حالة التذكّر. حينئذٍ يقال: إنه تارةً يكون لدليل الواجب إطلاق، وأخرى لا يكون لدليل الواجب إطلاق. ومقصودنا من إطلاق دليل الواجب: إطلاق المادّة، أي: (الصلاة) في أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، بأن يفرض أن الصلاة موضوعة للأركان الخمسة، ولم يؤخذ في مفهومها السورة، وأن المولى حينما قال: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ كان في مقام البيان من ناحية المادّة والهيئة معاً، فيكون لدليل الواجب إطلاق، ومقتضى إطلاقه هو أن 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

السورة ليست جزءًا من الواجب في حال التذكّر ولا في حال النسيان، خرج منه حال التذكّر بالتقييد من ناحية الإجماع، وأما حال النسيان فلم يخرج منه، فنبقى نحن وإطلاق دليل الواجب، فنتمسّك به لإثبات عدم جزئية السورة في حالة التمكن، فإذا لم يكن جزءاً فما أتى به يكون صحيحاً؛ لأنه يكون مصداقاً للواجب ولا يكون فاقداً للجزء. فيحكم بصحّة العمل المأتي به ناقصاً حال النسيان.

وأما إذا لم يكن أيضاً لدليل الواجب إطلاق، بأن نفرض أن الصلاة موضوعة للصحيح، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها، أو قلنا بأن المولى حينما قال: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لم يكن في مقام البيان، بل في مقام الإجمال والإهمال، هذا الذي يقال: إنه في مقام أصل التشريع مثلاً. حينئذٍ لا يوجد إطلاق لا في دليل الواجب ولا في دليل الجزئية، فهنا يتحقّق شرط مسألتنا السابقة، وهو عدم وجود دليل اجتهادي، وحيث لا يوجد دليل اجتهادي يرجع إلى الأصول العملية التي قلناها فيما سبق. 

هذا خلاصة ما قالوه، ثُمّ أوردوا على هذا الذي قالوه شبهات، ثُمّ صاروا في مقام تمحيصها.

شبهتان متعاكستان

ثُمّ إنهم(1) أثاروا شبهات حول هذا الذي قالوه، بعضها ترجع إلى دعوى: أن الجزئية حتّى لو لم يكن لها إطلاق في حالة النسيان، فهو فيه نتيجة الإطلاق، 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

() بعد أن لخّص مورد البحث كما سبق، إلى أن انتهى إلى ما انتهى إليه في المحاضرة السابقة، وقال: ثُمّ إنهم… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فدائماً يرتّب على دليل الجزئية حكم الإطلاق، فيحكم ببطلان العمل لأجل إطلاق دليل الجزئية؛ إما لفظاً أو بحسب النتيجة. 

وهناك شبهة بالعكس تقول: إن دليل الجزئية حتّى لو كان له إطلاق فهو بحكم ما لا يكون له إطلاق، وهذا الإطلاق لا يمكن التمسّك به في المقام، فيحكم على كلّ تقدير بحكم ما إذا لم يكن لدليل الجزئية إطلاق. فهاتان شبهتان متعاكستان. 

أما الشبهة الأولى: [دليل الجزئية بحكم ماله إطلاق]

وهي أن دليل الجزئية حتّى لو لم يكن له إطلاق، كالإجماع، والقدر المتيقّن منه حالة التذكّر، مع هذا التعامل معه معاملة الدليل الذي له إطلاق، والوجه في ذلك هو شبهة الشيخ الأنصاري التي تقدّمت في البحث السابق؛ لأن هذه الشبهة تقول: إن أيّ جزء يثبت كونه جزءاً للواجب يستحيل أن تكون جزئيته مخصوصة بخصوص حال التذكّر؛ لأن فرض اختصاص جزئية الفاتحة بحال التذكّر، هو فرض أنه في حال عدم التذكّر الفاتحة ليست جزءاً من الواجب، وفرض ذلك هو فرض تعلّق الأمر بالفرد الناقص، والمفروض عند صاحب الشبهة استحالة ذلك. فهو يقول: إن جزئية الفاتحة في الجملة تستلزم الجزئية المطلقة دائماً، ولا نتعقّل جزئية مخصوصة بخصوص حال التذكّر؛ لأن هذا الفرض يستلزم فرضاً محالاً، وهو أن يكون الفرد الناقص الصادر من الناسي مأموراً به. فيثبت أن هذه الجزئية جزئية مطلقة، فينتج نتيجة الإطلاق في المقام، ويحكم بالبطلان دائماً.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذه الشبهة تندفع باندفاع أصل ملاك الشبهة؛ لأننا تصوّرنا إمكان تكليف الناسي، ولو بفرض أمر متعلّق بالجامع بين الفرد التامّ التذكّري والفرد الناقص النسياني، فمثل هذا نلتزم به في المقام أيضاً، فنقول مثلاً: إنه لو ورد دليل (أقيموا الصلاة)، وفرضنا أن مادّة الوجوب وهي (الصلاة) كان لها إطلاق في نفسها، وهذا الإطلاق يقتضي تعلّق الوجوب بجامع الأركان الخمسة -سواء كان معها فاتحة- القابل الانطباق على أيّ حصّة تشتمل على الأركان الخمسة. ثُمّ قام إجماع لُبّي على: أن من ترك الفاتحة أو السورة عامداً في الصلاة فصلاته باطلة، ولم يكن للإجماع إطلاق لفرض النسيان، والقدر المتيقّن غيره، أي: الترك عمداً حال الصلاة. فهذا الإجماع يوجب خروج هذه الحصّة من إطلاق دليل الواجب، فيخرج من الجامع المأمور به هذه الحصّة، وهي: أركان خمسة مأتي بها مع إنقاص الفاتحة عمداً، هذه الحصّة نخرجها من إطلاق دليل الواجب ببركة هذا الإجماع القائم على بطلانه. ويبقى تحت دليل الواجب باقي الحصص الأخرى، ومنها: الحصّة المأتي بها مع فاتحة الكتاب تذكّرياً، والحصّة المأتي بها مع نقصان فاتحة الكتاب نسياناً، فهنا يبقى إطلاق دليل الواجب في المقام. فهذه الشبهة إذن لا يبقى لها أساس بعد إمكان تعلّق التكليف بالفرد الناقص. 

إن الشيخ الأنصاري(1) -صاحب الشبهة- هكذا يقول: إن احتمال صحّة الفرد الناقص بأيّ ملاك؟ هل هو بملاك أنه مشمول للأمر؟ فهذا نبرهن على 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على إشكال: إن الشيخ الأنصاري… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

عدمه ثبوتاً. أو لأن عدمه -أي: عدم الإتيان بالفرد الناقص- أُخذ في الوجوب، فهنا نتمسّك بإطلاق مدلول الهيئة في (أقيموا الصلاة)، لإثبات أن وجوب الصلاة لم يؤخذ فيه أيّ قيد، زائداً على القيود العقلية الأولية.

الشبهة الثانية: [دليل الجزئية بحكم ما ليس له إطلاق]

الشبهة الأخرى عكس هذه الشبهة، وهي أن نقول: إن دليل الجزئية حتّى لو كان دليلاً له إطلاق في نفسه، كما لو فرضناه دليلاً لفظياً، يقول: (اقرأ فاتحة الكتاب في الصلاة)، فهذا دليل لفظي، والمولى في مقام البيان. مع هذا لا نستفيد منه إلّا الجزئية في الجملة، والجزئية في حال التذكّر. ولا يمكن استفادة الجزئية المطلقة مِن مثل هذا الدليل حتّى في حالة النسيان.

وهذه الشبهة تقريبها بأحد بيانين: 

البيان الأوّل: إبراز المانع المتّصل عن التمسّك بالإطلاق.

والبيان الثاني: إبراز المانع المنفصل عن التمسّك بالإطلاق. 

البيان الأول [إبراز المانع المتّصل عن التمسك بالإطلاق]

أما البيان الأوّل وهو إبراز المانع المتّصل عن التمسّك بالإطلاق، فتوضيحه: إن أدلّة الجزئية على قسمين:

تارةً: تكون متكفّلة للجزئية والشرطية بعنوانها، من قبيل: (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) أو “لا صلاة لمن لم يقيم صُلْبه(1). ففي مثل هذا لا كلام 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 320/4، أورده عنه وعن المحاسن في الحديث 2 من الباب 2 من أبواب القيام.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لصاحب الشبهة في هذا التقريب، بل يقول: إن مثل هذا الدليل يتصوّر استفادة الجزئية المطلقة منه.

وأخرى: يفرض أن دليل الجزئية بلسان الأمر كقوله: (اقرأ في الصلاة فاتحة الكتاب)، فإذا كان مفاده الأمر الضمني المتعلّق بالفاتحة، فيستحيل أن يكون له إطلاق لفرض النسيان أو ما كان من قبيله كالعجز.

وذلك: لأن فرض النسيان والعجز هو فرض انعدام القدرة، والأمر مشروط بالقدرة عقلاً لا محالة، فالمقيّد هنا مقيّد عقلي وهو استحالة توجيه الأمر إلى العاجز، فهذا الحكم العقلي يقيّد (اقرأ فاتحة الكتاب) بحال القدرة والتذكّر! إذن فهو من أوّل الأمر بعد ضمّ هذا المخصّص اللُّبّي العقلي الذي هو كالمتّصل، يكون مفاده من أوّل الأمر هو الجزئية في حال التذكّر والقدرة، ولا يمكن أن نستفيد منه الجزئية المطلقة. 

وقد أجاب الآغايون عن ذلك: بأن الأمر في قوله: (اقرأ فاتحة الكتاب)، لو كان أمراً مولوياً في مقام البعث والتحريك لكان مشروطاً بالقدرة لا محالة، ولتمّت هذه الشبهة، ولكنّه ليس كذلك، بل هو أمر إرشادي إلى الجزئية، فيكون بحكم الإخبار عن جزئية الفاتحة. فالمدلول الحقيقي لهذا الأمر هو المدلول الحقيقي لقولنا: (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب)، وحيث إن الجزئية قابلة للإطلاق فيتمسّك بإطلاقها. إذن فلا أساس لهذه الشبهة.

وهذا التقريب الذي ذكره الآغايون في مقام الجواب لا يخلو من نظر:

وذلك: لأن الأمر في قوله: (اقرأ فاتحة الكتاب) ولو فرض أمراً إرشادياً، 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لكن ما معنى الأمر الإرشادي؟ هل هو قد انسلخ بالمرّة عن مدلوله الإنشائي البعثي التحريكي، وتحوّل إلى مجرّد إخبار، بحيث أصبحت الجملة الإنشائية تقوم بنفس الدور الذي تقوم به الجملة الخبرية تماماً، فلا فرق في المدلول العرفي بينهما، لو كان الأمر هكذا فجوابهم صحيح، ولكن الأمر ليس هكذا، فإن الأمر الإرشادي له مدلولان: مدلول إنشائي، ومدلول حكائي جدّي. ومدلوله الإنشائي لا يزال هو البعث والتحريك، يعني: أن المولى استعمل هذه الصيغة في مقام البعث والتحريك، غاية الأمر بأن داعيه لأن يكون في مقام التحريك هو الكشف عن جزئية هذه السورة. فهنا مدلولان متدنيان طوليان لهذا الأمر الإرشادي:

أحدهما: ما هو حقّ الجملة الإنشائية، وهو أن المولى في مقام البعث والتحريك.

والآخر: ويمكن أن نسمّيه مدلول المدلول، وهو أنه إنما صار في مقام البعث والتحريك ليكشف بذلك عن جزئية هذه الفاتحة. 

والدليل على ذلك من الفهم العرفي: أنه لا إشكال بعدم صحّة التصريح بالإطلاق لحال العجز، كأن يقول المولى: (اقرأ الفاتحة ولو كنت أخرس)، أو (قم في صلاتك ولو كنت عاجزاً عن القيام). مثل هذا التصريح يكون مستهجناً. بخلاف هذا التصريح بالإطلاق في أدلّة الأخبار بأن يقول: (لا صلاة بلا فاتحة الكتاب حتّى في حال التعذّر)، أو (أنها جزء في الصلاة حتّى في حقّ الأخرس)، هذا أمر ممكن.

ــــــــــ[286]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فاستهجان التصريح بالإطلاق في لسان الأمر دون لسان الإخبار، يكشف عن أن الأمر الإرشادي لم ينسلخ عن مهمّته الإنشائية، ولم يخرج عن كونه معبّراً عن تصدّي المولى لمقام البعث والتحريك. غاية الأمر أن الفرق بين هذا المقام للبعث والتحريك وبين مقام آخر للبعث والتحريك، فيما لو قال المولى: (ادعُ عند رؤية الهلال)، أنه هناك في (ادعُ عند رؤية الهلال) أنّ تصدّي المولى للبعث ليس بنفسه تصدّياً استطراقياً إلى مقام آخر فوقه، كمقام الإخبار عن شيء آخر، وأما هنا فتصدّى المولى للبعث إلى الفاتحة، فهو تصدٍّ استطراقي إلى أمر فوقه، وهو الإخبار عن جزئية الفاتحة.

ولهذا يؤخذ دائماً في لبّ هذا البعث والتحريك إرادة العمل، يقول: (إذا أردت أن تصلي فاقرأ فاتحة الكتاب)، وهذا القيد إما أن يكون ظاهراً كما في قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(1) وإما أن يكون مستتراً ومفهوماً عرفاً من مثل قوله: (اقرأ فاتحة الكتاب في صلاتك). 

هذا هو الفرق ما بين المقامين، وإلّا بالآخرة الأمر الإرشادي مستبطن لمقام البعث والتحريك، وحيث إنه مستبطن له فتأتي الشبهة، وهو أنه كيف يكون لمقام البعث والتحريك إطلاق لصورة النسيان والعجز؟! فلا بُدّ من استئناف جواب آخر لهذه الشبهة.

والجواب الآخر في المقام: هو أن يقال: إن المولى قد يتّفق أن يتصدّى لبيان مطلب، وهو البعث والتحريك نحو فاتحة الكتاب في تمام الحالات التي يكون 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المكلّف مبعوثاً فيها نحو الصلاة، في مقام بيان الملازمة بين البعث نحو الفاتحة والبعث نحو الصلاة؛ لأجل تنبيه المكلّف إلى لازم هذه الملازمة، وهو أن الأمر بالصلاة غير موجود حينما يعجز الإنسان عن الإتيان بفاتحة الكتاب. هذا من المطالب التي قد يتصدّى المولى لبيانها عرفاً. يريد أن يفهم العبد بأن الأمر بالصلاة لا وجود له حينما لا يكون هناك وجود للأمر بفاتحة الكتاب، فالأمر بالكلّ والأمر بالجزء متلازمان، وإذا سقط الأمر بالجزء سقط الأمر بالكل.

يفهم العبد ذلك من المولى بأن يقول المولى -بنحو العموم الوضعي-: مهما وجد أُمِرَ بفاتحة الكتاب، وحيث إن المكلّف يعلم من الخارج أن الأمر بفاتحة الكتاب غير موجود في حقّ الناسي أو العاجز، فيستكشف من ذلك لا محالة الأمر بفرض الصلاة غير موجود في حقّ الناسي والعاجز عن الفاتحة. فهذا مطلب عرفي يمكن للمولى أن يتصدّى إلى بيانه.

وهذا المطلب قد يتصدّى المولى إلى بيانه بأداة العموم، بأن يقول: (مهما وجبت الصلاة فاقرأ الفاتحة). وقد يتصدّى له بالإطلاق، بأن يقول: (إذا وجبت عليك الصلاة فاقرأ الفاتحة). وحيث إن بيان هذا المطلب بهذا الطرز من اللسان أمر عرفي متداول، فلا بأس بأن يدّعى بأن يكون لمثل هذا اللسان ظهور في مثل هذا المطلب، ما لم ينصب المولى قرينة على أنه ليس في مقام بيان هذه الملازمة على إطلاقها، كما لو قال: (اقرأ الفاتحة إلّا إذا كنت أخرس).

فالتمسّك بالإطلاق هنا ليس معناه: أننا نثبت أن (اقرأ فاتحة الكتاب) ثابت في حقّ الأخرس أو الناسي وأنهما مأموران بالفاتحة، بل معناه أننا نثبت 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بإطلاقه أن وجوب فاتحة الكتاب لازم لا ينفصل عن وجوب الصلاة، ولازمه أن الأخرس الذي لا يجب عليه الفاتحة لا تجب عليه الصلاة. وهذا أمر عرفي معقول ثبوتاً، ويساعد مقام الإثبات على استكشافه عن مثل هذا البيان.

وعليه فهذا التقريب للشبهة أيضاً غير تامّ. 

البيان الثاني [إبراز المانع المنفصل عن التمسك بالإطلاق]

ويبقى التقريب الآخر للشبهة وهو إخراج المانع المنفصل عن التمسّك بالإطلاق، يقال: سلّمنا أن دليل الجزئية يقتضي ثبوت الجزئية حتّى في حال النسيان، لكن عندنا مانع منفصل يخصّ دليل الجزئية، وهو: (رفع عن أمّتي تسعة)(1) وعدّ منها النسيان. طبعاً هذا المطلب تعرّضنا له في حديث الرفع، وسوف أقتصر على مجرّد استخلاص النتائج التي انتهينا إليها هناك.

التقريب الثاني للشبهة الثانية هو إبراز المانع المنفصل بدعوى: أن دليل الجزئية وإن فرض كونه متكفلاً لجعل الجزئية بقول مطلق، بحيث يثبت كون الفاتحة جزءاً في حالتي التذكّر والنسيان معاً، إلّا أن هذا هو محصول الدليل لو قطعنا النظر عن الأدلّة الحاكمة، إلّا أنه يوجد عندنا دليل حاكم عامّ على كلّ ما يفرض من أدلّة الجزئية مما له إطلاق بحالة النسيان. وهذا الدليل العامّ عبارة عن (رفع النسيان). وبمقتضاه يقيّد إطلاق دليل الجزئية بغير حال النسيان، فتكون النتيجة هي النتيجة فيما لو كان دليل الجزئية من أوّل الأمر مقيّداً بحال التذكر.

ــــــــــ[289]ــــــــــ

(1) الوسائل، ج:15. باب جملة مما عفي عنه، ص 369، ح1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا التقريب غير تامّ. وذلك: لأن التمسّك بحديث الرفع: (رفع النسيان)، إما غير صحيح وإما غير مجدٍ كما هو المقصود من اختصاص الجزئية بحال التذكّر. فإن المقصود من جعل الجزئية مختصّ بحال التذكّر، ودعوى أن دليل الجزئية ليس له إطلاق لحال النسيان، هو التمسّك بإطلاق دليل الواجب؛ لإثبات واجبية الفرد الناقص المأتي به في حال النسيان، وبالتالي إثبات إجزائه وصحّته وعدم وجوب إعادته. وحديث الرفع إما أنه لا يمكن التمسّك به أصلاً، وإما أنه يمكن التمسّك لكن حصيلة التمسّك لا تنفعنا فيما هو الغرض من إثبات ضيق دائرة الجزئية وهو تصحيح العمل الناقص. 

وتوضيح ذلك يتوقّف على استذكار شيء من أبحاث حديث الرفع التي تقدّمت منّا، بنحو الخلاصة مع العدالة في تحقيقها على موضوعها من بحث البراءة.

[بحثان في المقام]

هنا أذكر بحثين: 

البحث الأوّل: هو أن هناك في جملة رفع النسيان احتمالين وافتراضين: 

أحدهما: أن يكون عنوان النسيان قد استخدم للتعبير به عن لازمه وما ينشأ منه خارجاً، بعلاقة الملازمة والسببية، فرفع النسيان بمعنى رفع ما ينشأ منه خارجاً، أليس أن من ينسى أن هذا خمر يشربه، فيكون الرفع رفعاً لشرب الخمر الصادر من ناحية النسيان. 

والاحتمال الآخر: أن يكون النسيان المصدري هنا أريد به المعنى المفعولي، 

ــــــــــ[290]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أي: المنسي، أي رفع المنسي. فمن نسي فاتحة الكتاب أو أصل الصلاة، يقال: (إن المرفوع هو المنسي إلى الصلاة).

وهذان الاحتمالان يختلف تطبيقهما باختلاف الموارد، فمن نسى الصلاة مثلاً، فعلى الاحتمال الأوّل يكون المرفوع هو ما ينشأ من النسيان، أي: ترك الصلاة مرفوع، وهو الذي نشأ من النسيان. وعلى الاحتمال الثاني: نقول: إن المرفوع هو المنسي وهو الصلاة، وهو الذي تعلّق به النسيان. وتحقيق هذين الاحتمالين موكول إلى محلّه.

البحث الثاني: أن الرفع في حديث الرفع -في رفع النسيان وغيره من الأمور التسعة المرفوعة- هذا الرفع لا بُدّ أن يكون منصبّاً على نحو من الوجود؛ لكي يرفع من قبل المولى، وفي تشخيص هوية هذا الوجود احتمالان أيضاً مرّ تحقيقهما هناك: 

أحدهما: أن يكون المرفوع هو هذه الأمور التسعة، بوجودها في عالم التشريع، حيث إن الأشياء التي تقع متعلقّات للأحكام كالصلاة بالنسبة إلى وجوبها، أو موضوعات لها كشرب الخمر بالنسبة إلى وجوب إقامة الحدّ، هذه الأشياء لها نحو ثبوت في عالم التشريع بثبوت محمولاتها التشريعية من الأحكام المترتّبة عليها. فهذا نحو من الثبوت قابل للرفع والوضع حقيقة من قبل الشارع؛ لأنه مربوط بعالم تشريعه وجعله بما هو شارع.

فقد يقال بأن الرفع متوجه نحو هذا الثبوت في عالم التشريع. والاحتمال الآخر: أن يقال: بأن الرفع رفع لوجوداتها الخارجية وأنحاء ثبوتها في لوح 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الخارج. فليس المقصود رفع ترك الصلاة في عالم التشريع، بل في عالم الخارج، غاية الأمر -بناءً على هذا الاحتمال- لا بُدّ وأن يفرض أن الرفع رفع عنائي لا رفع حقيقي؛ لأن الثبوت في لوح الخارج ليس تحت يد الشارع بما هو شارع، وليس قابلاً للرفع والجعل الشرعي. ويكون المقصود من رفعه إزالة أحكامه والحكومة على أدلّة تلك الأحكام، من قبيل: (لا ربا بين الوالد وولده)(1)، فإنه ينفي وجود الربا خارجاً نفياً ادّعائياً بقصد أن يحكم على دليل حرمة الربا برفع موضوعه. 

فبعد أن نستذكر هذين البحثين، لو قلنا في البحث الأوّل: إن عنوان النسيان أخذ مرآة لِما نشأ من النسيان لا للمنسي، فالمرفوع في محلّ كلامنا هو ترك فاتحة الكتاب. وفي البحث الثاني: إذا اخترنا أن الرفع ناظر إلى لوح الواقع والخارج، وهو يرفع بلحاظ هذا اللوح، بمعنى أنه يبدّل كلّ نقيض إلى نقيضه، فكلّما صدق عليه أنه نشأ من نسيان أو اضطرار أو إكراه أو… إلخ يبدّله إلى نقيضه، ومعناه: أنه إن كان عدماً يبدّله إلى الوجود، وإن كان وجوداً يبدّله إلى العدم.

فإذا اخترنا ذلك في البحثين فماذا يكون محصّل رفع ترك فاتحة الكتاب؟ يكون معناه: تبديله إلى نقيضه، وهو الفعل، فكأنّ المولى بالعناية ادّعى أن فاتحة الكتاب موجودة لا أنها متروكة، فيؤدّي قوله: (رفع النسيان) إلى أن الفاتحة موجودة ادّعاء وبالعناية، فيكون مثل هذا الادّعاء حاكماً على دليل الجزئية، مثل 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

(1) الوسائل ج1 ص: 139.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

قوله: (لا صلاة إلّا بفاتحة)؛ لأن هذا الدليل يقول: بأن هذه الصلاة فيها فاتحة الكتاب، فهي تدخل في المستثنى لا في المستثنى منه من قوله: (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب). فيحكم بصحّة هذا العمل وإجزائه وعدم وجوب إعادته ولا قضائه.

فهذه هي الطريقة التي يمكن أن نستدلّ بحديث الرفع، بنحو يفيد في إثبات صحّة الفرد الناقص، وعدم وجوب إعادته وقضائه.

وأما إذا فرضنا أننا قلنا في البحث الأوّل أن النسيان أُخذ مرآة للمنسي، أي: مرآة لإيقاع الصلاة لا لتركها. فحينئذٍ لا ينتهي الاستدلال به إلى نتيجة، وذلك لأن فرض أن المرفوع في المقام هو المنسي لا الصادر من ناحية النسيان، هو فرض أن نختار في البحث الثاني أن الرفع ليس منصبّاً على لوح الخارج؛ لأن الصلاة لم توجد في لوح الخارج حتّى ترفع، بل هي ذات وجود تشريعي في عالم التشريع، ففرض ذلك هو فرض أن الأمر الثاني أيضاً اختلّ، وهو أن الرفع انصبّ على الوجود التشريعي لا على الوجود الخارجي.

وإذا قلنا في البحث الثاني: إن الرفع انصبّ على الوجود التشريعي، فلا بُدّ وأن نرى أن ما نسيناه هو الصلاة، أو ما صدر من ناحية النسيان وهو ترك النسيان، مرفوع في عالم التشريع، لا خارجاً. إذا بنينا على هذا فلا بُدّ في تطبيق حديث الرفع على أن يكون لهذا الشيء الذي نسيناه وجود في عالم التشريع حتّى يرتفع، إما وجود متعلّقي يعني: متعلّقاً لحكم، أو وجود موضوعي، يعني: موضوعاً لحكم من الأحكام، حتّى يرتفع هذا الوجود. فلا بُدّ أن تكون للمادّة 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التي نطبّق عليها حديث الرفع أن تكون موجودة في عالم التشريع وجوداً متعلّقياً أو موضوعياً. 

وحينئذٍ يقال: بأن النسيان تارةً يختصّ بخصوص فرد من أفراد الصلاة، وأخرى يكون مستوعباً لتمام الوقت، إن فرض أنه يختصّ بفرد من أفراد الصلاة فالمنسي هنا وهو الفاتحة في خصوص هذا الفرد، أو ما صدر من النسيان وهو ترك الفاتحة في خصوص هذا الفرد. على أيّ حال لا وجود له في عالم التشريع؛ لأن ما هو متعلّق في عالم التشريع إنما هو الجامع بين الحدّين لا خصوص فاتحة الكتاب في هذا الفرد، فالمنسي أو ما صدر من النسيان ليس متعلّقاً لحكم إلزامي إلهي في عالم التشريع، ليكون له نحو من الوجود في هذا؛ ليسلّط عليه الرفع في قوله (رفع النسيان)، إذن فهنا لا معنى لتطبيق حديث الرفع أصلاً.

وأما إذا فرضنا أن النسيان مستوعب لتمام الوقت، فهنا المنسي وهو (فاتحة الكتاب) في تمام الوقت، أو ما صدر من ناحية النسيان وهو ترك الفاتحة في تمام الوقت، موجود في عالم التشريع بوجود الوجوب الضمني؛ لأن هذا الوجوب تعلّق بجامع الفاتحة بين الحدّين لا محالة، فيكون وجود الفاتحة إثباتاً ونفياً محقّقاً في عالم التشريع، باعتبار متعلّقيته لهذا الوجود الضمني. فلا بأس بتطبيق حديث الرفع على هذه المادّة.

ولكن ماذا ينتج هذا التطبيق؟ ينتج أن الوجوب الضمني مرفوع، إلّا أن ارتفاع الوجوب الضمني لازم لأحد أمرين: إما أن يكون الأمر بتمامه قد سقط، وإما أن يكون الأمر قد تحوّل إلى الباقي، وتعلّق بالباقي فقط. فإن ارتفاع 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الوجوب الضمني عن الجزء المنسي يناسب مع الحالتين كِلتيهما. ومقصودنا إثبات الحالة الثانية بالخصوص، وهو توجّه الأمر إلى الباقي؛ لنصحّح هذا الفرد الناقص ونحكم بإجزائه، وهذا لا يمكن إثباته؛ لأن ما ثبت بالتطبيق لازم أعمّ لهذه الحالة، فإن غاية ما يثبت أن الوجوب الضمني غير موجود، وهو لازم أعمّ لأحدى هاتين الحالتين، فلا يمكن أن نثبت به وجوب الباقي.

وهذا على ما أتذكر -إذا ما خانتني الذاكرة- تقدّم في أبحاث حديث الرفع(1).

وبهذا تمّ هذا التنبيه.

ــــــــــ[295]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: إننا نتمسّك بإطلاق دليل وجوب الصلاة.

فأجاب (سلّمه الله): إن إطلاق دليل الجزئية لا بأس به. فإن دليل الجزئية كما قلنا مسوق عرفاً لبيان الملازمة بين وجوب الفاتحة ووجوب الصلاة. وهذا المطلب ما عرفنا بطلانه، فنتمسّك بإطلاق دليل الجزئية لإثبات التوأمية المطلقة بين وجوب الفاتحة ووجوب المركّب، ويثبت به لا وجوب للمركّب ولا وجوب للناقص. هذا هو دفع التقريب الثاني للشبهة.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 







التنبيه السادس: في زيادة الجزء

 

وفي هذا المطلب أبحاث فقهية محضة، موكولة إلى موضوعها من كتاب الصلاة والحجّ، بأن يبحث مثلاً أنه في أيّ واجب من الواجبات الارتباطية جعلت الزيادة مبطلة؟ وبعد المراجعة لأدلّة الصلاة والطواف، يقال -مثلاً-: إن الصلاة والطواف جعلت الزيادة فيهما مبطلة. ثُمّ يتكلّم في أن الزيادة المبطلة فيهما هل تختصّ بالزيادة العمدية، أو تعمّ السهوية؟ وهل تشمل الزيادة الناشئة من الجهل بالحكم، أو بالموضوع، فيراجع أخبار الباب؟ وكل ذلك موكول إلى أبحاث الصلاة والحجّ، ولا ينبغي الاستطراد إليهما هنا.

وإنما الذي ينبغي بحثه هنا، هو الاقتصار على ما هو مربوط ببحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين بمسألة الزيادة بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك بعدّة جهات:

الجهة الأولى: في كون الزيادة متصوّرة أو لا

الجهة الأولى: أن نتصوّر الأنحاء الممكنة ثبوتاً، لأخذ الزيادة بنحوٍ تكون مبطلة للواجب(1)، استطراقاً إلى معرفة حال الشكّ فيما إذا شكّ أن الزيادة مبطلة 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

() يعني الكيفيات في الجعلية التي يقوم بها المولى، فتؤدّي إلى صيرورة الزيادة مبطلة للواجب الارتباطي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أو لا؛ لأجل أن يعرف أن الشكّ في مبطليتها بأيّ نحو من هذه الأنحاء يكون مورداً لأصالة الاشتغال؟ وبأي نحو منها يكون مورداً لأصالة البراءة؟ وهل يفرّق بين هذه الأنحاء أو لا؟ فهذا بحث في نفسه له دخل في تنقيح تطبيقات الأقلّ والأكثر الارتباطيين على بحث الزيادة.

هناك عدّة أنحاء متصورة في بادئ الأمر، وإن وقع البحث بين المحقّقين في إمكان بعضها وعدم إمكانه.

[أنحاء مبطلية الزيادة]

الجهة الأولى: في تصوير الكيفيات الجعلية التي تؤدّي إلى صيرورة الزيادة مبطلة للعمل، وهذه الكيفيات يمكن تصويرها في بادئ الأمر بعدّة أنحاء:

النحو الأوّل: [أخذ عدم الزيادة قيداً في الواجب]

أن يأخذ المولى عدم الزيادة قيداً في الواجب، على حدّ سائر الشرائط، بحيث يكون التقيّد داخلاً تحت الأمر، ويكون القيد خارجاً عنه، فكما أن الوضوء يؤخذ قيداً في الوجوب، بحيث ينبسط الوجوب على التقيّد به وإن كان نفس الوضوء خارجاً عن دائرة الواجب، كذلك الحال في عدم الزيادة. وغاية فرقه عن الوضوء أن ذاك قيد وجودي وهذا قيد عدمي.

هذا التصوير معقول بلا إشكال؛ لأنه ينسجم مع وضع ملاكي معقول، وذلك: أن الاعتبارات التي يقوم بها ليست اعتبارات جزافية، بل هي تابعة لأنحاء دخل الأجزاء والشرائط لغرضه وملاكه، فهي اعتبارات تجسّد وتمثّل أنحاء تلك العلاقات القائمة في عالم الملاك والغرض. ومن هنا كان أخذ الأمر 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

متعلّقاً بالأجزاء مقيّداً بعدم الزيادة، يكون تمثيلاً لصورة معينة ولوضعٍ غرضيٍّ معيّن، وهذا الوضع الغرضي الذي يكون هذا الاعتبار تصويراً له، يمكن بيانه بهذا التقريب: بأن يقال: إن للمولى غرضاً تكون الأجزاء نسبتها إليه نسبة المقتضي إلى المقتضى، وتكون الزيادة مانعة وتأثير هذا المقتضي في مقتضاه، وحيث إنها مانعة فيكون عدمها دخيلاً في فعلية حصول الملاك، وترتّب الغرض على الفعل خارجاً. وهذه الدخالة لعدم الزيادة لملاك المانعية يعبّر عنه في عالم الجعل بأخذ عدم الزيادة قيداً في الواجب، فيكون عدم الزيادة دخيلاً ملاكاً وقيداً خطاباً. فالصورة الملاكية التي يمثّلها هذا النحو من الجعل صورة معقولة لا غبار عليها، ولهذا لا إشكال في إمكان مثل هذا الجعل.

النحو الثاني: [أخذ عدم الزيادة جزءاً في الواجب]

النحو الثاني من الجعل: أن يؤخذ عدم الزيادة جزءاً لا شرطاً وقيداً في الواجب، فالواجب مركّب من فاتحة وركوع وسجود وعدم زيادة. غاية الفرق أن عدم الزيادة جزء عدمي، وتلك أجزاء وجودية. وكأن صاحب (الكفاية) يتعقّل أيضاً هذا المطلب؛ لأنه قال: إن عدم الزيادة يؤخذ شرطاً أو شطراً، أو قال جزءاً.

كلام المحقّق الاصفهاني

إلّا أن هذا مما منعه المحقّق الأصفهاني وقال باستحالته؛ لأن من هذا الوضع الجعلي يحكي عن صورة ملاكية غير معقولة، بناءً على ما أشرنا إليه من أن الاعتبارات الجعلية ليست جزافية، وإنما يختلف لسانها وفقاً للعلاقات في 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

عالم الملاك والغرض. وحينئذٍ ففرض عدم الزيادة جزءاً في عرض سائر الأجزاء في عالم الجعل، هو فرض أنها جزء في عرض سائر الأجزاء في عالم الملاك والغرض. أي: أن يكون المقتضي لحصول الأثر والملاك مركّب من أجزاء وجودية ومن جزء واحد عدمي، فيكون عدم الزيادة جزءاً من المقتضى، وهذا أمر غير معقول؛ لأن الأمر العدمي يستحيل أن يكون مؤثّراً. فلا يعقل أن يكون دخل عدم الزيادة من باب الجزئية للمقتضي، وإنما يتعيّن أن يكون دخلها من باب أنه عدم المانع باعتبار أن وجود الزيادة مانع عن تأثير المقتضي. هذا ما ذكره المحقّق الأصفهاني.

إلّا أن هذا الذي ذكره ليس بشيء، وذلك: 

أما أوّلاً: فلأنه مبنيّ على أن يكون الأثر المطلوب من هذه الأجزاء كالصلاة مثلاً، أن يكون عبارة عن أمر وجودي خارجي، حتّى يقال بأن المقتضى لتوليد ذلك الأمر الوجودي يستحيل أن يكون مشتملاً على أمر عدمي، ولكنّ تصورات المطلب وافتراضاته العقلية لا تنحصر في ذلك، بل يمكن أن يكون المطلوب من هذه الأجزاء هو مجرّد الإعداد للغرض الوجودي الخارجي، وكسب إمكان وجوده، وهذا الإعداد والإمكان يمكن أن يكون للأمر العدمي دخلٌ فيه في عرض دخل الأمر الوجودي. فإن الإمكان والقابلية والاستعداد من المفاهيم التي للأمر العدمي دخل فيها أيضاً، كما يكون للأمر الوجودي دخل فيها.

وهذا المطلب تقبّلوه الآن بنحو الفتوى، وتحقيقه مرّ في بحث الشرط 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المتأخّر، إذ إننا في تصوير دخل الشرط المتأخّر مع أنه معدوم حالة وجود المشروط، تعقّلنا دخله مع أنه أمر عدمي، وقلنا بإرجاعه إلى كونه دخيلاً في الإمكان، وإنه معطي الإمكان، لا أنه معطي الوجود للأمر الممكن. وبناءً عليه نقول هنا: إن الأمر العدمي دخيل في عرض الأمور الوجودية، لكن لا في إعطاء الوجود، بل في إعطاء الإمكان، والإمكان يمكن أن يكتسب من ناحية الأمر العدمي والأمر الوجودي.

وأما ثانياً: فلأنّا لو افترضنا أن الأثر الذي يكون المطلوب ترتّبه على الصلاة أثر وجودي خارجي، وأن الصلاة تعطي نفس الأثر لا إمكانه. لكن يمكن أن نفترض أن هناك جنبة عدمية في نفس ذلك الأثر الذي أوجب المولى الصلاة لأجله، فالمولى أوجب فعلاً مركّب من أجل أثر هو -مثلاً-: أن يحصل على دينار في حالة أن لا يكون مريضاً، هذه الحصّة من الدينار. وهذا الأثر فيه جنبة وجودية وجنبة عدمية، فقد تكون الأجزاء العدمية مؤثّرة في الجنبة العدمية مؤثّرة في الجنبة الوجودية من ذلك الغرض، والأجزاء الوجودية مؤثّرة في الجنبة الوجودية منه. وعليه فمن ناحية مقام الثبوت يعقل أن يكون عدم الزيادة مأخوذاً جزءاً عدمياً في عرض الأجزاء الأخرى.

إلّا أن هذا غير منسجم مع الارتكاز العرفي والفهم العرفي؛ لأن هذه مجرّد افتراضات لدفع الاستحالة، وأما بحسب الوضع المألوف خارجاً، فحيث إن الوضع المألوف هو أن عدم الزيادة يكون دخله في الغالب من باب عدم المانع، فلهذا المركوز في ذهن العرف في أخذ الزيادة مبطلة، وهو أخذ عدمها شرطاً لا 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أخذ عدمها جزءاً. فهذه الصورة ممكنة ثبوتاً وإن كانت على خلاف الاستئناس العرفي الخارجي.

النحو الثالث: [أخذ عدم الزيادة قيداً في الجزء]

الصورة الثالثة: أن يؤخذ عدم الزيادة قيداً وشرطاً كالأوّل، لكن لا في الواجب، بل في الجزء، بحيث يكون الجزء عبارة عن حصّة خاصّة، وهو الركوع المأخوذ بشرط لا من حيث الزيادة، وأما الجزء الذي يكون ملحوقاً بالزيادة فهذا في نفسه لا يكون مصداقاً للجزء.

[كلام صاحب الكفاية]

وقد ذكره صاحب (الكفاية): أن الجزء إذا أُخذ بشرط لا من حيث الزيادة، إذن فلا تتعقّل الزيادة، بل تكون الزيادة دائماً نقيصة، ولا نتعقّل حينئذٍ نقيصته؛ لأن من أتى بركوعين فقد نقص جزءاً من الصلاة؛ لأن ما هو الجزء هو الركوع بشرط لا من حيث الزيادة، وهذا الركوع المتوحّد قد أخلّ به. ففرض هذا الاعتبار هو أن يكون كلّ ما يتبادر إلى الذهن أنه زيادة، هو بحسب الدقّة نقيصة لا زيادة. وكأن هذا الكلام عمّق أكثر وصار باباً لانفتاح شبهة تقول بأننا لا نتعقّل الزيادة أصلاً، وذلك: لأن الجزء إما أن يؤخذ بشرط لا من حيث التعدّد والوحدة، أو لا بشرط من هذه الجهة. فإن أُخذ بشرط لا من حيث التعدّد، فدائماً يكون نقيصة على ما قاله صاحب (الكفاية). وإن أُخذ لا بشرط من حيث الوحدة والتعدّد، إذن فالمتعدّد بتمامه يكون مصداقاً للجزء، ويكون الجزء منطبقاً على كِلا الركوعين، فأين الزيادة في المقام؟

ــــــــــ[301]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أما ما ذكره صاحب (الكفاية) من أن أخذ الجزء بشرط لا يؤدّي إلى عدم تعقّل الزيادة، ورجوع الزيادة إلى النقيصة. فماذا يريد بهذا الكلام؟ هل يريد نفي الزيادة الحقيقية، أو الزيادة الحكمية؟

إن كان يريد من هذا الكلام أن الزيادة موضوعاً لا تتحقّق في المقام بعد أخذ الجزء بشرط لا، بل دائماً تتحقّق النقيصة. فهذا غير صحيح؛ لأن تحقّق النقيصة لا ينافي تحقّق الزيادة، فلو أتى بركوعين تتحقّق زيادة ونقيصة. أما النقيصة؛ فللإخلال بجزء الواجب، وهو الركوع المتوحّد المتفرّد؛ لأنه نقص التقيّد المعتبر في ذلك الجزء. وأما أنه زيادة؛ فلأنه وجد في المقام فرد مأتي به بقصد الجزئية، ولا نحتاج في صدق عنوان الزيادة على الشيء إلّا أن يكون مأتياً به بقصد الجزئية ولا يكون مأموراً به، وهذا الركوع غير مأمور به وقد أتى به بقصد الجزئية، فيصدق عليه عنوان الزيادة.

ولو فرض أن عنوان الزيادة كان يشترط فيه زائداً على قصد الجزئية أن يكون من سنخ أجزاء الواجب، بحيث لو شرب الماء بقصد الجزئية، أو قرأ دعاء كميل بقصدها، لا يصدق عليه أنه زاد في صلاته. لو فرضنا هذا كما يقول بعض الفقهاء، فأيضاً يصدق عليه عنوان الزيادة؛ لأن هذا الركوع من سنخ الجزء، غاية الأمر أنه من سنخه ذاتاً لا من سنخه تقيّداً وحدّاً؛ لأن الجزء محدود بالـ(بشرط لائية). إلّا أنه حتّى ذلك البعض من الفقهاء الذي يشترط في صدق عنوان الزيادة أن يكون المزاد من سنخ المزيد، لا يشترط أن يكون من سنخه حدّاً وتقيّداً، بل يكفي أن يكون من سنخه ذاتاً، ولهذا إذا أتى بالركوع مع 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الإخلال ببعض شرائطه يصدق عنده عنوان الزيادة بلا إشكال.

فصاحب (الكفاية) إذا أراد نفي الزيادة موضوعاً فهذا واضح البطلان. 

[بيان المحقق الأصفهاني لكلام صاحب الكفاية]

ولأجل وضوح هذا المطلب، شرح المحقّق الأصفهاني عبارة أستاذه باحتمال آخر، فقال بأن المحقّق الخراساني لا يريد من عدم الزيادة لا تكون موجودة موضوعاً، وإنما مراده في المقام: أن الزيادة لا يعقل في هذا الفرض جعل المانعية لها، بالنحو الذي عقل في الفرض الأوّل. يعني: أن الجزء -وهو الركوع- إذا أُخذ بشرط لا من حيث الزيادة فهذا لا يبقي مجالاً لاعتبار آخر للمولى، وهو اعتبار الزيادة مانعاً، واعتبار عدمها شرطاً في أصل الواجب، بل ذاك يكفي عن هذا. فكأنّ مقصود الآخوند من قوله: (فلا يتعقّل زيادة) يعني: لا يتعقّل جعل المانعية للزيادة، يعني لا يتعقّل: للمولى أنّ يضمّ الصورة الثالثة إلى الأولى، فيأخذ الجزء بشرط لا، ويأخذ الزيادة مانعاً في أصل الواجب، ويقيّده بعدمها. والجمع بين هذين المطلبين غير معقول، هذا هو مقصود صاحب (الكفاية) على ما يقول.

أما أنه لماذا يكون الجمع بينهما غير معقول؟ فقد ذكر في توضيح ذلك: أن فرض جعل المانعية للزيادة وجعل عدمها تقيّداً، كما هو الحال في الصورة الأولى، هو فرض أن المقتضى للأثر تامّ بقطع النظر عنها، وأن الزيادة دورها هو أنها تمنع المقتضى عن التأثير. والمقتضى هو الأجزاء، فهي تامّة الاقتضاء بقطع النظر عنها، وأن الزيادة عبارة عن مانع يمنع عن تأثير المقتضى في مقتضاه. 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ولهذا يؤخذ عدمها قيداً في الواجب.

ومعنى أخذ الركوع بشرط لا جزءاً، هو أن الجزء لا يوجد مع الزيادة، فإذا أوجد ركوعين فالجزء غير موجود، وإذا كان الجزء غير موجود فالمقتضي غير موجود. إذن فكيف يتعقّل في المقام مانعية الزيادة؟! فرض مانعية الزيادة هو فرض أن الجزء غير موجود، وفرض ذلك هو فرض أن المقتضى غير موجود، وفرض ذلك هو فرض عدم تعقّل المانعية؛ لأن مانعية المانع إنما تكون في فرض وجود المقتضى. فالجمع بين أخذ الجزء بشرط لا وبين جعل المانعية للزيادة متهافت؛ لأن معنى جعل المانعية للزيادة أن المقتضي يكون موجوداً، وهي تمنع عن تأثيره، ومعنى أخذ الركوع بشرط لا جزءاً أنه لا يكون المقتضى موجوداً؛ إذن فأيّ معنى لمانعية الزيادة؟! فيكون مقصود صاحب (الكفاية) هو جعل المانعية للزيادة في فرض أخذ الجزء بشرط لا.

التعليق عليه [التعليق على كلام المحقّق الأصفهاني]

هذا الكلام لا يتمّ على طرز تفكير المحقّق الأصفهاني؛ لأننا رأينا أنه يرى الأمر العدمي يستحيل أن يكون دخيلاً في المقتضي، وإنما يكون الأمر العدمي دائماً دخيلاً في رفع المانع عن تأثير المقتضي. حينئذٍ في محلّ الكلام لو كان عدم الزيادة المأخوذ قيداً في الجزء دخيلاً في الاقتضاء الضمني للجزء، وتعقّلنا الأمر العدمي في الاقتضاء، لكان ما ذكره في المقام صحيحاً متّجهاً، بأن يقال بأن الأمر العدمي هنا -وهو عدم الزيادة- يكون دخيلاً في اقتضاء هذا المقتضي، إذن فإذا وجدت زيادة فلا مقتضي، وحيث لا مقتضي لا مجال للمانعية.

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ولكنّ المحقّق الأصفهاني لا يتعقّل هذا المطلب، ولهذا لا محيص له عن أن يُرجع أخذ عدم الزيادة قيداً في الجزء إلى أحد وجهين -كما أرجعه إلى ذلك في بعض بحوثه وتحقيقاته في حاشيته على (الكفاية) -:

إما إلى أن الزيادة مانع عن تأثير المقتضي -مانع عن تأثير جزء من المقتضي وهو الجزء-؛ لأن كلّ جزء هو جزء من المقتضى، فلا محالة له مساهمة وتأثير ضمني، فإنه قد يتصوّر أن شيئاً ما يكون مانعاً عن هذا التأثير الضمني وإن لم يكن مانعاً عن التأثيرات الضمنية الأخرى. فتكون الزيادة مانعاً عن التأثير الضمني لهذا الجزء، من دون أن يكون دخيلاً في اقتضائه. هذا أحد التصويرين، وبناءً عليه المقتضي تامّ حتّى مع وجود الزيادة، غاية الأمر بأن الزيادة تمنع عن التأثير الضمني لهذا المقتضي، فأيّ محذور بأن تكون في الزيادة مانعيتان: مانعية عن التأثير الضمني لهذا المقتضي لنكتةٍ، ومانعية عن التأثير الاستقلالي لمجموع الأجزاء لنكتةٍ أخرى، وكلٌّ من النكتتين تنعكس على الجعل بانعكاس مناسب لها. 

والتصوّر الآخر أن يقول: بأن عدم الزيادة المأخوذ قيداً للجزء معرّف لِما هو القيد حقيقة، والقيد حقيقةً أمر وجودي ملازم مع هذا العدم، كمفهوم التوحّد والتفرّد، ونحوه من المفاهيم الثبوتية لو تعقّلناها، وأن ذاك الأمر الثبوتي دخيل في اقتضاء المقتضي حقيقة. ويكون عدم الزيادة معرّفاً لذلك الأمر الثبوتي. فحينئذٍ في حالة وجود الزيادة لا يكون ذلك الأمر الثبوتي الملازم لعدم الزيادة موجوداً، فالمقتضي في المقام لا يكون تامّاً. ولكن مع هذا يمكن أن نتصوّر كون الزيادة مانعة عن سائر التأثيرات الضمنية لسائر الأجزاء، وإن لم 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

نتصوّر مانعيتها عن التأثير الضمني من خصوص هذا الجزء؛ لأنه في حال وجودها اقتضاء هذا الجزء غير تامّ، لكن يمكن تصوير مانعيتها عن التأثير الضمني لسائر الأجزاء. فيبقى مجال على كلّ تقدير لجعل المانعية. وعليه فلا يوجد هناك تقابل بين الصورة الثالثة والصورة الأولى، بل يمكن الجمع بينهما. هذا تمام ما أردنا التعرّض له هنا.

كلام السيد الأستاذ والتعليق عليه

قلنا(1) بأن هناك مَن تطرّف أكثر من صاحب (الكفاية)، وكان كلام صاحب (الكفاية) بداية شبهة بالنسبة إليه. فذكر أن الزيادة غير معقولة على كلّ حال؛ لأن الجزء إن أُخِذَ بشرط لا، فهناك النقيصة لا الزيادة، كما ذكر صاحب (الكفاية). وإن أُخِذَ لا بشرط من حيث الوحدة والتعدّد، فيكون الركوع الثاني داخلاً في الجزء، ويكون من صلب الموضوع، لا أنه يكون زيادة، فالزيادة غير معقولة على كلّ حال.

وتصدّى السيّد الأستاذ للجواب عن هذه الشبهة: فذكر أن الشقوق ثلاثة لا اثنان، وفي اثنين منها لا تتعقّل الزيادة، وفي واحد منها تتعقّل.

أما الشقوق الثلاثة فهي:

أولاً: أن يؤخذ الجزء بشرط لا من حيث الزائد، فهنا لا تتعقّل الزيادة كما ذكر صاحب الشبهة، وتتعيّن النقيصة. 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

() قال بعد أن أشار إلى رأي صاحب (الكفاية) ومناقشته: قلنا… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ثانياً: أن يؤخذ الجزء لا بشرط، بمعنى أنه يكون الجزء هو الجامع بين الواحد والمتعدّد على النحو المعقول في تصوير التخيير بين الأقلّ والأكثر. وهذا مرجعه إلى الشقّ الثاني الذي ذكره صاحب الشبهة، وبناءً عليه أيضاً لا تتعقّل الزيادة كما ذكر.

والشقّ الثالث: -الذي أهمله صاحب الشبهة- هو أن يؤخذ الجزء لا بشرط، لكن لا بمعنى الجامع بين الواحد والمتعدّد، بل الوجود الأوّل، لكن لا بشرط من حيث أن ينضمّ إليه ركوع آخر أو لا، ومعنى لا بشرطيته أنه لا انضمام الركوع الثاني يضرّ بجزئيته ولا عدم انضمامه، ويكون ضمّ الثاني وجوداً أو عدماً إلى الأوّل من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان. وبناءً على هذا الشقّ لو أتى بركوعين تكون الزيادة متحقّقة لا النقيصة؛ لأن ما هو صلب الموضوع هو الركوع الأوّل، والثاني يتمحض بأن يكون زيادة. 

هذا ما أفاده السيّد الأستاذ. 

ونحن نتساءل أنه -هل حقّاً- في الشقّ الأوّل فيما إذا أخذ الركوع بشرط لا من حيث الزائد، هل حقّاً لو أتى بركوعين لا يصدق عليه أنه زاد في صلاته. نعم، يصدق عليه أنه نقص بلحاظٍ، ولكن أيّ منافات بين أن يصدق عليه أنه أنقص بلحاظٍ وأنه زاد بلحاظ آخر؟! كما قلنا في دفع صاحب (الكفاية). 

وهل حقّاً في الشقّ الثاني فيما إذا أخذ الجزء بنحو الجامع بين الواحد والمتعدّد، هل حقّاً أنه لا يصدق حينئذٍ زيادة الركوع الثاني؟ ما رأيكم في شخص له دار فيها ثلاث غرف ثُمّ أراد أن يبني غرفة رابعة ألَا يقال: إنه أزاد في داره غرفة، مع أن عنوان الدار يصدق على مجموع الغرف. 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ونتساءل ثالثاً: فيما إذا أخذ الجزء بالمعنى الآخر من اللا بشرط، أي: إنه ضمّ الزائد إليه من باب ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، هل تصدق الزيادة هنا كما قال؟ مثلاً من يصنّف كتاباً في علم الأصول، فكتابية هذا الكتاب مأخوذة لا بشرط بهذا المعنى من حيث إنه ينضمّ إليه كتاب في علم النحو أو لا، فهل إذا انضمّ إليه يصدق أنه زاد في كتابه أو لا يصدق؟

هذه التساؤلات كأنّها تبدو دالّة على أن الأمر بالنقيض تماماً مما اختاره السيّد الأستاذ، من حيث صدق الزيادة وعدمها. وإن كان الأمر ليس كذلك، إلّا أن هذه التساؤلات هي على مستوى ما أُفيد في مقام رفع الشبهة من قبل السيّد الأستاذ، يعني أنها كالكلام الذي أُفيد من قبله، بقطع النظر عن التمييز بين الزيادة الحقيقية والزيادة الادّعائية التشريعية، فإذا ميّزنا بين الزيادتين نستطيع أن نرجع لنرى أنه في أيّ الشقوق تصدق الزيادة الحقيقية، وفي أيّها لا تصدق؟ 

وذلك يكون ببيان أمرين: 

الأمر الأوّل: هو أن الزيادة في المركّب تستدعي فرض مركّب، نتكلّم عن أن الزيادة فيه معقولة أو لا؟ 

والمركّب مركّبان: مركّب رُكّب في عالم التسمية، حينما أريد أن يوضع اسم الصلاة لشيء، ففرض مركّب، وسُمِّي بالصلاة، بقطع النظر عن أنه سوف يُؤمر بهذا المركّب أو سوف يُنهى عنه. وعندنا مركّب في عالم الأمر، وهو: المركّب الذي تعلّق به الأمر، واكتسب التركيب بلحاظ أنه أصبح متعلّقاً للأمر. 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فتارةً نتكلّم عن الزيادة في الصلاة بما هي صلاة، وأخرى نتكلّم عن الزيادة في الواجب وفي المأمور به بما هو واجب. 

الأمر الثاني: أن عندنا زيادة حقيقية وعندنا زيادة عنائية تشريعية. أما الزيادة الحقيقية في المركّب فهي تستدعي أمرين ولا تُتصوّر بدونهما. 

الأمر الأوّل: أن يكون المركّب قابلاً للاتّساع، بحيث يشمل هذه الزيادة، وأن لا تكون دائرته محدّدة بنحوٍ من الضيق غير القابل لأن يشمل هذه الزيادة، بل يكون مرن الدائرة، قابلاً لأن يشمل هذه الزيادة وأن لا يشملها، كما في البيت بلحاظ العرف، فإن عنوان البيت مركّب قابل لأن يتّسع ويشمل الغرفة الثالثة والرابعة؛ لأنه أُخذ بنحو يكون قابلاً للانطباق على المتعدّد، كما هو قابل للانطباق على الواحد. هذا هو الشرط الأوّل وسوف أذكر وجهه بعد الانتهاء من الشرط الثاني.

الشرط الثاني: هو أن هذا المركّب -الذي يكون قابلاً للاتّساع من ناحية نفسه- قابل لأن يتّسع ويشمل الزائد، لا بُدّ وأن نفرض أن هناك جهة أخرى غير طبيعة ذاك المركّب تقتضي عدم الاتّساع، وفرض حدّ يهدمه الاتساع. من قبيل من يبني بيتاً فيرسم له المهندس خريطة فيها ثلاث غرف، وهو يبني أربع غرف لا ثلاث، فهذه الغرفة يصدق عليها عنوان الزيادة الحقيقية، لتوفّر كِلا الشرطين فيها، الشرط الأول: هو أن المركّب الذي يراد أن يُزاد فيه مركّب قابل للاتساع؛ لأن عنوان البيت يشمل سائر الغرف. والشرط الثاني موجود؛ لأن خريطة المهندس كانت تقتضي حدّاً لا يقبل هذا الاتساع، وهو حدّ ثلاث 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

غرف. وهذا لا تفرضه طبيعة البيت، بل خريطة المهندس، فيقال: إن هذا المؤمن زاد في البيت غرفة على خريطة المهندس.

الآن نرى أنه إذا اختلّ أحد الشرطين، فهل تصدق الزيادة الحقيقية؟ لو فرض أنه اختلّ الشرط الأوّل في المقام، وكان المركّب سنخ مركّب غير قابل للاتّساع، وذلك بأن نفرض عنوان البيت بنفسه، فإنه أُخذ لا بشرط من حيث إن خلفه مزرعة أو لم تكن، فإنه لو وجدت ورائه لا يتّسع بحيث يشمل المزرعة أيضاً، ولا يصدق على مَن أوجدها أنه زاد في بيته؛ لأن مفهوم البيت غير قابل للاتّساع، والزيادة مساوقة للازدياد، والبيت لم يزدد شيئا أصلاً، بخلاف من يبني غرفة في البيت فقد ازداد البيت. فمن هنا يعلم أن الشرط الأوّل حينما يختلّ -يعني حينما لا يكون المركّب أن يهضم الزيادة ويستوعبها- لا يصدق عنوان الزيادة الحقيقية بوجه من الوجوه. 

 أما إذا كان الشرط الأوّل موجوداً دون الثاني، بأن نفرض أن شخصاً يبني بيتاً على طِبق خريطة المهندس فيبني أربع غرف، فهناك يقال: بأنه زاد في بيته غرفة؛ لأنه لم يكن يترقّب أن يبني ثلاث غرف. فالزيادة هنا غير متصوّرة، لا لأنه لا يوجد هناك كثرة في نفسها، بل لأنه لا يوجد مزيد عليه، ومفهوم الزيادة مطعّم بالمعنى الإضافي، يعني: أن يكون هناك مزيد عليه، يعني لا بُدّ أن يكون هناك حدّ أنقص حتّى تهدمه الزيادة، وهذا الحدّ مفروض من قبل شيء مفروض من خارج طبيعة البيت، وهنا لا توجد جهة من الخارج تفرض على الثلاثة، حتّى إذا بقيت أربع يقال بأني زدت في البيت غرفة. 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

نعم، لو فرض بأني بنيت في البيت أربعة غرف وبعد سنة أنشأت غرفة أخرى، يقال: بأني زدت بالبيت غرفة؛ لأن كِلا الشرطين موجود حقيقة: الشرط الأوّل: لأن البيت قابل للاتساع، والشرط الثاني: لأن هذا البيت كان هناك خصوصية تقتضي الوقوف على حدّ أربع، وهي خصوصية الوضع الخارجي السابق، وقد زيد عليه، فهناك نموّ في نفسه، وهناك مزيد عليه، وهو الوضع السابق.

فمن هنا نعرف أن الزيادة الحقيقية لا تصدق إلّا بشرطين: 

أحدهما: أن يكون المركّب قابلاً لأن يتّسع ويشمل هذه الضميمة بدليل أن الزيادة تتضمّن معنى الازدياد، وهو لا يتصوّر من دون ذلك.

 والشرط الثاني: أن تكون هناك خصوصية خارج طبيعة هذا المركّب، تفرض عليه أن يقتصر على الحدّ الأقلّ والزيادة تهدم ذلك، بدليل أن الزيادة تستبطن معنىً إضافياً نسبياً، أي: تستبطن تصوّرَ حدٍّ مزيدٍ عليه ينهدم بالزيادة، وهذا الحدّ يجب أن يكون مفروضاً من غير طبيعة المركّب. فمتى ما توفّر مجموع هذين الشرطين صدقت الزيادة الحقيقية، ومتى ما لم يتوفّرا لا يصدق. فهذا هو المناط الحقيقي في الزيادة الحقيقية.

إذا عرفنا ذلك نأتي إلى محلّ الكلام فنطبّقه عليه، وقد عرفنا أن المركّب مركّبان: مركّب في مقام الواجب، ومركب في مقام التسمية.

نأتي إلى المركّب في عالم التسمية، فنقول: هذا المركّب الذي سُمّي صلاة؛ تارةً يؤخذ الركوع فيه بشرط لا -كما قال السيّد الأستاذ-، وأخرى يؤخذ لا 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بشرط بمعنى التخيير بين الأقلّ والأكثر، وثالثة بمعنى أن الزائد ضمّه من باب ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان. هو اختار أن الزيادة لا تتعقّل إلّا في القسم الثالث منها. فنرى أن الزيادة الحقيقية تتعقّل في أيّ واحد منها؟ 

أما القسم الثالث الذي هو محطّ تعقّله للزيادة فقط، فلا تُتعقّل فيه الزيادة الحقيقية أصلاً، فإن الجزء إذا أُخذ لا بشرط، بمعنى: أن ضمّ الزائد يكون من باب ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، فإن الشرط الأوّل غير موجود؛ لأن معنى أخذ الجزء بهذا النحو أن المركّب غير قابل لأن يتّسع ويشمل الركوع الثاني. فالشقّ الثالث من هذه الشقوق لا تُتصوّر فيه الزيادة الحقيقية. 

أما الشقّ الثاني: وهو أن يؤخذ الجزء لا بشرط بنحو قابل للانطباق على الأقلّ والأكثر، هنا يتصوّر الزيادة الحقيقية؛ لأن شرطها الأوّل موجود فيه، وهو أن المركّب قابل للاتّساع والشمول للركوع الثاني، كقابلية البيت للشمول للغرفة الرابعة. وأما توفّر الشرط الثاني، فلا بُدّ وأنه نفرض حدّاً أقلّياً كانت تقتضيه خصوصية خارج طبيعه سمّي الصلاة، كخريطة المهندس للدار، وهو أمر الشارع هنا بالصلاة. تارةً نفرض أن الشارع في مقام الأمر يأخذ الجزء لا بشرط بهذا المعنى أيضاً، بحيث إن الركوع الثاني أيضاً يدخل تحت الأمر، كما يدخل تحت التسمية، فهذا الأمر أيضاً لا يقتضي حدّاً أقلياً، ويكون حاله حال التسمية، فلا تصدق الزيادة.

 وأما لو فرض أن الأمر يقتضي حدّاً أقلّياً، كما لو فرض أنه أُخذ بشرط من حيث الزائد، أو أُخذ لا بشرط المعنى الحجري، فحينئذٍ يكون أمر الشارع من 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

قبيل خريطة المهندس، فيصدق عنوان الزيادة. لو أتى بالركوع الثاني يصدق عليه أنه زاد في صلاته، يعني: أنه زاد في صلاته لأن الشرط الأوّل موجود وهو قابليته للاتّساع، والثاني موجود وهو وجود حدّ من قبل الأمر يقتضي ألّا يتّسع، يعني يقتضي الأقلّ. وهذا خلافه. إذن فتصدق الزيادة الحقيقية في هذا الشق. 

وأما الشقّ الأوّل: وهو أن يفرض أن الجزء في عالم التسمية يؤخذ بشرط لا من حيث الزائد إذن فلا تصدق الزيادة الحقيقية، وذلك لأن المركّب غير قابل للتوسعة؛ لأنه أُخذ بشرط لا من حيث الزيادة، فالشرط الأوّل للزيادة الحقيقية غير موجود. 

وهكذا يتّضح أننا إذا لاحظنا المركّب في عالم التسمية، إن أُخذ بنحو الشقّ الثالث أو الأوّل، فلا تصدق الزيادة الحقيقية أصلاً لاختلال شرطها الأوّل. وإن أخذ بنحو الشقّ الثاني، أي: بالمعنى الجامع بين الواحد والمتعدّد، فهنا تصدق الزيادة الحقيقية على شرط أن لا يكون الأمر قد أُخذ هكذا، وأما إذا كان الأمر قد أُخذ هكذا فلا تصدق؛ لأن الشرط الثاني يكون حينئذٍ مختلّاً.

وأما المركّب(1) بلحاظ عالم الوجوب، أي: نريد أن نتصوّر زيادة حقيقية لا إلى المسمّى بالصلاة، بل مضافة إلى الواجب بما هو واجب، بحيث يقال: إن هذا زاد في الواجب حقيقة. فمتى يتعقّل هذا؟

إذا فرض أن الركوع كان مأخوذاً بشرط لا، فلا يتعقّل الزيادة الحقيقية في 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً أنحاء صدق الزيادة الحقيقية في المركّب بلحاظ عالم التسمية. وأما المركّب:… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الواجب بما هو واجب؛ لأن الواجب يكون مركّباً غير قابل للاتّساع وشمول الركوع الثاني، فالشرط الأوّل للزيادة الحقيقية غير موجود. وإن كان الركوع مأخوذاً في الواجب بنحو اللابشرط الحجري -الذي هو الشقّ الثالث في كلام السيّد الأستاذ-، فأيضاً لا يعقل الزيادة الحقيقية في الواجب؛ لأن الشرط الأوّل أيضاً غير موجود؛ لأن المركّب لا يتّسع للركوع الثاني؛ لأن المفروض أن نسبته إلى الركوع الأوّل نسبة الحجر إلى الإنسان.

وأما إذا أُخذ الركوع بنحو اللابشرط -بنحو الشقّ الثاني في كلام السيّد الأستاذ-، أي: بنحو التخيير بين الأقلّ والأكثر، فهنا بعد فرض أن الشرط الأوّل للزيادة الحقيقية موجود؛ لأن الواجب قابل للاتّساع والشمول للفرد الثاني، ولكن نحتاج إلى خصوصية من خارجٍ تفرض حدّاً أقلّ حتّى يقال: إنه زاد في الواجب عليه. هنا لا يتصوّر أن يكون هناك إلزام من قبل نفس هذا الأمر بالحدّ الأقلّ؛ لأن هذا خلف، لأن المفروض أن الركوع أُخذ بنحوٍ جامع بين الأقلّ والأكثر والتخيير بينهما.

إذن فنبقى نفتّش عن خريطة المهندس، أيّ جهة من الخارج تقتضي حداً أقلّ؟ يمكن أن نفرض أن هذه الجهة هي أمر استحبابي نفسي، بأن نفرض أن المولى أمر استحباباً بالحدّ الأقلّ، كما قد يقال هذا في السورة، فإن القِران بين السورتين مكروه، أو إن توحّد السورة مستحبّاً، فقد يقال بأن هذه زيادة بلحاظ ذلك الحدّ، لكن هذا غير مجدٍ في بحثنا؛ لأننا نتكلّم عن زيادة تصلح للمانعية والإبطال، ومثل هذه الزيادة يستحيل أن تكون مانعة أو مبطلة؛ لأن ذلك 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

خُلف فرض أن الجزء أُخذ في الواجب بنحو التخيير بين الأقلّ والأكثر.

وبهذا يتّضح بأن الزيادة الحقيقية في الواجب بما هو واجب، بنحو يصلح بأن يجعل مانعاً، أمر غير معقول في الشقوق الثلاثة.

هذا هو الكلام في الشقوق الثلاثة بلحاظ مركّب التسمية ومركّب الوجود.

وأما الزيادة التشريعية، فمعناها أنه في حالة يكون الشرط الأوّل للزيادة الحقيقية، وهو قابلية المركّب للاتّساع، غير موجود، لكن المكلّف تشريعاً وادّعاءً يدّعي أن المركّب قابل للاتساع. فإن من يصلّي ويأتي في الصلاة بدعاء كميل بقصد الجزئية، يكون زيادة تشريعية ادّعائية، كذلك يأتي في الصلاة بركوع ثانٍ بقصد الجزئية؛ لأن الصلاة لم تُركّب بشكل يكون قابل للاتّساع والشمول لدعاء كميل لو وجد بالوسط، أو الركوع الثاني لو وجد بعد الركوع الأوّل. إلّا أن المكلّف قصد بالدعاء أو بالركوع الجزئية، ومعنى ذلك: أنه ادّعى تشريعاً أن المركّب قابل للاتّساع وأن يشمله شمول الكلّ للجزء. فهذا ادّعاء لوجود الشرط الأوّل من دون أن يكون موجوداً حقيقة. ومن هنا تسمّى هذه الزيادة بالزيادة الادّعائية التشريعية.

ومثل هذه الزيادة الادّعائية معقولة في الشقوق الثلاثة، سواء أُخذ الركوع بشرط لا في عالم التسمية والوجود معاً، أو في أحد العالمين فقط. وسواء أُخذ الركوع لا بشرط بالمعنى الحجري في كِلا العالمين أو في أحدهما، وسواء أخذ الركوع لا بشرط بمعنى الشقّ الثاني في كلام السيّد الأستاذ في كِلا العالمين، أو 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في أحدهما. على كلّ حال يمكن فرض زيادة تشريعية وادّعائية؛ لأن قوامها في أن لا يكون الشيء داخلاً حقيقةً وأن يدّعى دخوله، وهذا أمر سهل المؤونة، فينطبق على تمام موارد عدم كون الشيء داخلاً حقيقيةً(1)

وبهذا اتّضح أننا في تعقّل الزيادة وعدم تعقّلها، نقول: إن الزيادة التي تكلّم عنها السيّد الأستاذ وذكر أنها غير معقولة إلّا في الشقّ الثالث، إن أراد بهذه الزيادة الزياد الحقيقية المضافة إلى مركّب التسمية، فهذا غير معقول لا في الشقّ الثالث ولا الأوّل، بل معقول في الشقّ الثاني فقط على بعض التقادير. وإن أراد الزيادة الحقيقية المضافة إلى مركّب الوجوب، فهذا -بنحو صالح لأن يجعل مانعاً- غير معقول في الشقوق الثلاثة. وإن أراد الزيادة الادّعائية التشريعية، فهذا معقول في جميع الشقوق الثلاثة. هذا هو تحقيق تعقّل هذه الزيادة. وكما تعقّلنا الزيادة بكِلا قسميها، كذلك نتعقّل أن يحكم الشارع بالمانعية في كلّ واحد منهما. فإن هذا بيد الشارع، فإنه يمكنه أن يجعل خصوص الزيادة الحقيقية مانعاً، ويمكنه أن يجعل خصوص الزيادة الادّعائية التشريعية مانعاً، ويمكن أن يجعل الجامع بين الزيادتين مانعاً. وهذا تابع للاستظهار من الدليل ببقاء سعة دائرة المانعية وضيقها. والمستفاد من الأدلّة على إجماله
ــــــــــ[316]ــــــــــ

() سألته: وكيف تصدق الزيادة التشريعية في صورة التخيير (وهو الشقّ الثاني). 

فأجاب (سلّمه الله) -ما محصّله-: هي لا تصدق في مورد التخيير لا محالة، إلّا أنها تصدق في سائر الزيادات الأخرى، كما لو قرأ دعاء كميل بقصد الزيادة التشريعية. هذا حال الزيادة الادّعائية. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

-وتحقيقه في الفقه- هو أن موضوع المانعية هو جامع الزيادة الشامل حتّى للزيادة التشريعية الادّعائية.

إلّا أننا هنا في علم الأصول، لا نريد أن نبحث عن أدلّة هذه المانعية، وإنما نريد أن نبحث عن أننا إذا شككنا في مانعيتها ماذا نصنع؟ ومن هنا ننتقل إلى: 

الجهة الثانية: في مانعية الزيادة

الجهة الثانية من هذا التنبيه، وحاصلها: أننا إذا شككنا في مانعية الزيادة، وأنها مبطلة أو غير مبطلة، فما هو مقتضى الأصل في المقام؟

الصحيح هو أن مقتضى الأصل هو البراءة على جميع التقادير في كيفية أخذ عدم الزيادة، أي الكيفيات الثلاث السابقة: أخذ عدم الزيادة قيداً في الواجب، أخذه جزءاً فيه، أخذه مقدّماً للجزء. على جميع هذه التقادير الصحيح هو البراءة. 

نعم، على جملة من المسالك لا بُدّ من التفصيل، وتظهر الثمرة العملية بين بعض أنحاء الدخل وبعضها، مثلاً: لو أن شخصاً كان يقول في موارد الشكّ في الجزئية بالبراءة دون موارد الشكّ في الشرطية. فهنا لو احتمل مبطلية الزيادة بملاك جزئية عدمها يقول بالبراءة، وأما إذا كان بملاك شرطية عدمها، فلا يقول بالبراءة. فهناك تظهر جملة من الثمرات مبنيّة على جملة من المسالك التي هي خارجة عن خطّنا الفكري. 

وأما بناءً على ما هو المختار من جريان البراءة بالنحو الذي تقدّم في بحث الأقلّ والأكثر، فهنا نقول بالبراءة على تمام تلك التقادير.

ــــــــــ[317]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الآن هكذا نفترض أننا علمنا بمبطلية الزيادة وشككنا أن مبطليتها هل تختصّ بحال التذكّر، أو تعمّ حال السهو؟ فهذا الكلام مطابق تماماً مع ما مرَّ من أننا لو علمنا بجزئية الفاتحة وشككنا في أن جزئيتها مختصّة بخصوص حال التذكّر، أو تعمّ حال النسيان، والكلام هنا هو الكلام هناك. وحيث قلنا هناك أن مقتضى القاعدة هو البراءة أيضاً بنحو ينتج صحّة الفرد المأتي به من قبل الناسي، وعدم وجوب إعادته وقضائه، كذلك في المقام، مقتضى القاعدة هو أن المكلّف لو أتى بالصلاة مع الزيادة نسياناً تكون صلاته صحيحة، بمعنى: أنه لا يجب عليه الإعادة والقضاء بنفس البيان السابق. 

تبقى نقطة واحدة نختم بها هذه الجهة، وهي: أنه في المركّبات الارتباطية التي يعتبر فيها الترتيب بين الأجزاء، الشكّ في الجزئية دائماً يساوق الشكّ في مانعية الزيادة. فمثلاً في الصلاة إذا فرضنا أننا شككنا في أن الشهادة الثانية هل هي جزء في التشهد أو لا؟ وهذا الاحتمال مؤمّن عنه -لو لم يقم دليل- بأصالة البراءة عن جزئية الشهادة الثانية في التشهّد. لكن نحن جرياً نحتمل ذلك، فنحتمل أننا لو أتينا بـ(الصلاة على محمّد وآل محمد) بعد الشهادة الأولى من دون الشهادة الثانية بقصد الجزئية، نحتمل أن يكون هذا زيادة في المقام؛ لأنه واقع في غير موقعه، إذ المفروض شرطية الترتيب، فيكون هذا فعلاً غير مأمور به، ويكون مأتياً به بقصد الجزئية. فاحتمال جزئية الشهادة الثانية مساوق لاحتمال مانعية (الصلاة على محمّد وآل محمّد) لو أتى بها قبلها.

 إلّا أننا لا محيص لنا عن الالتزام بأن الإتيان بالصلاة على محمّد وآل محمّد 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في المثال، يكون بقصد رجاء الجزئية لا بقصد الجزئية الجزمية. وذلك لأن مجرّد التأمين عن الشهادة الثانية لا يثبت أن مكان الصلاة على محمّد وآل محمّد هو عقيب الشهادة الأولى مباشرة. إذن فيؤتى بها بقصد رجاء الجزئية لا بقصد الجزئية الجزمية. هذا هو تمام الكلام في الجهة الثانية.

الجهة الثالثة: في ملاك آخر للإبطال

الجهة الثالثة في هذا التنبيه: أن الزيادة بما هي زيادة، ومن دون أن يطرأ عليها عنوان آخر يقلب الزيادة إلى النقيصة، لا تكون مبطلة أصلاً. فعنوان الزيادة لا يُتصوّر كونه ملاكاً للإبطال بوجه من الوجوه، ما لم يطرأ عنوان آخر، وطروّ عنوان آخر بحيث يكون موجباً لمبطلية الزيادة له طريقان:

الطريق الأوّل: ما بحثناه في الجهة الأولى من أنه يؤخذ عدم الزيادة قيداً أو جزءاً في أصل الواجب أو في الجزء. وحينما يؤخذ هكذا يبطل العمل بالزيادة؛ لأنه يكون بالدقّة نقيصة، حيث إنه ينقص حينئذٍ جزء عدمي أو قيد عدمي مأخوذ في الواجب أو مأخوذ في جزء الواجب. فباعتبار طروّ النقيصة عليها تكون مبطلة، لا أنها مبطلة بما هي زيادة.

الطريق الثاني: في تصوير مبطلية الزيادة. هو أن لا يفرض أخذ عدم الزيادة لا جزءاً ولا قيداً، لا في أصل الواجب ولا في الجزء. ولكن تكون الزيادة مبطلة باعتبار أدائها إلى نقيصة جزء آخر معتبر في الواجب، وهذا يتصوّر في الواجبات الارتباطية العبادية التي يعتبر فيها قصد القربة.

فإنه لو فرضنا لم يؤخذ بنفسه قيداً، كما هو الحال في الصوم، فإنه واجب 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ارتباطي عبادي، ولم يؤخذ عدم الزيادة فيه قيداً ولا جزءاً، فلو أمسك المكلّف عن شيء آخر غير المفطرات الشرعية، أمسك عن البحث مثلاً. لا يكون عدم هذا الأمر الزائد مأخوذاً قيداً. ولكن هذه الزيادة قد توجب الإخلال بقصد القربة، فيبطل الواجب العبادي، لا لأنه اشتمل على زيادة، بل لاختلال قصد القربة فيه. فلا بُدّ لنا أن نعرف أنه كيف تؤدّي الزيادة إلى الإخلال بقصد القربة في الواجب الارتباطي العبادي. هذا الشخص الذي يأتي بالزيادة يُتصوّر في حقّه نحوان من التصرّف: 

أحدهما: أن يأتي بالزيادة متصرّفاً في عالم الجعل وأمر المولى، تصرّفاً شرعياً. وذلك بأن يأتي بالزيادة بزعم أنها مأمور بها. وهذا التصرّف الذي يسمّيه علماء الأصول بالتشريع، يُتصوّر على أنحاء بعضها يوجب الإخلال بقصد القربة وبطلان العمل، وبعضها لا يوجبه، وإن كان التشريع في نفسه حراماً وقبيحاً ويستحق العقاب عليه. ومن هنا يقع الكلام في أنحاء التشريع المتصوّرة في حقّ فاعل الزيادة: 

نفرض أن شخصاً يأتي بالصلاة، ويأتي بركوعين فيها، وافرضوا أن عدم الزيادة لم يؤخذ قيداً في الصلاة، بالنحو المفروض في الطريق الأوّل، ونفرض أن هذا الفاعل أتى بالركوع الثاني بعنوان التشريع. فهذا التشريع: إما أن يكون مرجعه إلى إنشاء أمر برأسه مستقلّاً متعلّق المجموع المركّب من الزائد والمزيد عليه. فهذا الفاعل يحمِّل على المولى وجود أمر جديد متعلّق بهذه الصلاة المركّبة المشتملة على الركوعين بما هو كذلك. فهو ينشئ هذا الأمر تشريعاً، ويحمّله على 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المولى، ويقطع النظر عن أمره الواقعي قطعاً تامّاً، ويأتي بالفعل امتثالاً لهذا الأمر الادّعائي التشريعي الجديد الذي صنعه بيده. فهذا لم يعبد مولاه وإنما عبد نفسه؛ لأنه امتثل أمراً أنشأه بنفسه، فيختلّ في المقام قصد القربة؛ لأنه لم يتقرّب بأمر المولى، وإنما تقرّب من ناحية الأمر الذي أنشأه هو، وحمّله على المولى. فيقع العمل باطلاً من ناحية اختلال قصد القربة. فهذه إحدى صور التشريع.

الصورة الثانية: أن نفرض أن هذا الشخص يلتفت إلى الأمر الواقعي الصادر إلى المولى المتعلّق بالصلاة المشتملة على الركوع الأوّل، ولكن يشرّع في خصوصياته، وذلك مثلاً: 

بأن يعتبر وجود أمر آخر متعلّق بالمجموع المركّب من الزائد والمزيد عليه بنحو تعدّد المطلوب، بأن يبني تشريعاً على أن المولى صدر منه أمران، لا أمر واحد: أحدهما: الأمر الواقعي الذي يقف على حدّ الركوع الأوّل، وأمر آخر خيالي تحميلي على المولى، وهو أمر بالمجموع المركّب من الزائد والمزيد عليه، على نحو تعدّد المطلوب. ونفرض أن هذا الشخص يتحرّك عن كلٍّ منهما تحرّكاً كاملاً.

فهنا يكون عمله صحيحاً؛ لأنه وإن كان في إتيانه بالركوع الثاني قد عبد نفسه، لأنه امتثل أمراً وهمياً، ولكنّه في إتيانه بالركوع الأوّل لم يعبد نفسه، وإنما عَبَدَ الله؛ لأنه امتثل الأمر الواقعي الصادر منه تعالى. والمفروض أن الأمر الواقعي كان قابلاً للمحرّكية في نفسه. نعم، لو فرض أن هذا المكلّف -في هذا الفرض- لم يتحرّك عن الأمر الأوّل، بل تحرّك عن خصوص هذا الأمر الآخر 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الذي شرّعه، أو تحرك عن مجموعهما، بحيث لم يكن كلّ واحد منهما كافياً للمحرّكية؛ يكون عمله باطلاً لا محالة. هذا هو النحو الأوّل في التصرّف في الخصوصية. 

النحو الثاني من التصرّف في الخصوصية: أن لا يشرّع أمراً آخر مستقّلاً بنحو تعدّد المطلوب، بل يوسّع من دائرة هذا الأمر الواقعي، ويقول: إنه امتدّ إلى الركوع الثاني أيضاً وشمله، وذلك: إما بأن يكون الركوع الأوّل قد أُخذ بشرط شيء، يعني مجموع الركوعين كان جزءاً، أو الجامع بين القليل والكثير كان جزءاً، وامتدّ الأمر إلى الركوع الثاني. فالتشريع تشريع في تحديد هذا الأمر لا في إنشاء أمر برأسه.

هنا أيضاً ينبغي الالتزام بالصحّة بعد فرض تحرّكه عن واقع الأمر، غاية الأمر أنه أضاف قطعة جديدة إلى هذا الأمر، ولكنّه في إتيانه بالركوع الأوّل تحرّك عن واقع الأمر وعبد المولى؛ فيلتزم بالصحّة من هذه الناحية.

هذا هو أساسيات التقسيم بالنسبة إلى التشريع. 

النحو الآخر من التصرّف: وهو التصرّف في عالم قصده وإرادته، لا تصرّفاً في عالم تشريع المولى وجعله. وهذا قسّموه إلى قسمين: 

أحدهما: أن يقول هذا العبد: إنه لا يوجد هناك إلّا أمر واحد من قبل المولى، وأنا التزم بوجوده على واقعه ولا أتصرّف فيه. ولكن هذا الأمر الواقعي المكلّف يعتقد اشتباهاً وخطأً أنه متعلّق بمجموع الركوعين لا بالركوع الأوّل فقط، فيأتي بهما بتخيّل أن هذا الأمر الواقعي المحفوظ في علم الله هو متعلّق 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بمجموعهما. وهذا يسمّيه الفقهاء بالاشتباه في التطبيق. ويقولون: بأن العمل هنا صحيح؛ لأن تصرّفه لم يكن إلّا عبارة عن ضمّ اعتقاد خاطئ إلى عمله. فعمله يكون فيه قصد القربة ويكون صحيحاً.

وأخرى: يفرض أنه يقول: أنا لا أدرى في الواقع أن أمر المولى متعلّق بالفعل بالركوع الأوّل فقط أو بمجموع الركوعين، وأنا أتحرّك عن ذلك الأمر وآتي بالصلاة، ولكن إنما أتحرّك عنه لو كان هو أمراً بالركوعين، وأما لو كان أمراً بالركوع الأوّل، فأنا لا أتحرّك عنه. وهذا يسمّيه الفقهاء بالاشتباه بنحو التقييد. أي: إن ذاك الداعي عنده، وهو الأمر الواقعي، يقيّد في مقام الداعوية، ويقال: إن داعويته لي مبنيّةً على أن يكون متعلّقاً بالركوع الثاني أيضاً. وأما إذا لم يكن متعلّقاً به فلا يكون له داعوية بالنسبة لي.

وحينئذٍ فإذا كان الأمر الواقعي ليس له داعوية للركوع الثاني. وكان متعلّقاً بالركوع الأوّل فقط، لا يكون هذا قد قصد القربة ولا يكون عمله صحيحاً؛ لأنه تحرّك عن ذلك الأمر على تقدير، وذلك التقدير لم يتحقّق فالتحرّك لم يتحقّق. 

وهذا هو الذي أشرنا في بعض الأبحاث السابقة إلى أننا لا نفرّق بين الاشتباه في التطبيق والاشتباه في التقييد، وأن الصحيح أنه في كلٍّ منهما يحكم بصحّة العمل، سواء كانت عبارة الاشتباه هذه أو تلك. وتفصيل ذلك في موضعه من الفقه. 

هذا هو الكلام في نحوي التصرّف من قبل فاعل الزيادة: التصرّف 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التشريعي والتصرّف القصدي، وعرفنا أنه أيّ هذه الأنحاء يوجب البطلان وأيّها لا يبطله. وهناك تشقيقات لهذه الشقوق يمكن بإعمال الفكر التوصل إليها، ولكن ما ذكرناه هي القواعد التي يمكن أن يستنبط منها تمام ما يتفرّع من شقوق. هذا هو الكلام في الجهة الثالثة. وبذلك تمّ التنبيه السادس.

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 










التنبيه السابع: في الجزئية حال التعذّر

 

إنه في التنبيه الخامس كنّا نتكلّم في أنه إذا ثبتت جزئية الفاتحة أو السورة في الجملة، ولكن شكّ في أنها هل هي دخيلة حتّى في حال النسيان، أو ليست دخيلة في حال النسيان، فما هو مقتضى الأصل في المقام؟ وهنا نتكلّم في أنه إذا ثبتت جزئية الفاتحة في الجملة، وشكّ في أنها هل هي شاملة لحال التعذّر أيضاً أو لا، فما هو مقتضى الأصل؟

لو كانت الفاتحة جزءاً ودخيلاً في الملاك حتّى في حال التعذّر، فلازم ذلك عدم الأمر بالباقي؛ لأن الباقي لا يكون واجداً للملاك؛ لأنه بلا فاتحة وهي دخيلة في الملاك حتّى في حال التعذّر، فلا يكون الباقي واجداً للملاك فلا يكون مأموراً به. وأما إذا كانت الفاتحة جزءاً في حال التذكّر فقط، ولا تكون دخيلة في الملاك في حال التعذّر، حينئذٍ يمكن الأمر بالباقي؛ لأنه يكون واجداً للملاك.

فإذا ثبتت جزئية الفاتحة وشكّ في أن دخلها في الملاك هل هو دخل مطلق أو مقيّد بخصوص حال التمكن، ولم يكن عندنا دليل اجتهادي يدلّ لا على الدخل المطلق ولا على عدم الدخل المطلق، فما هو مقتضى الأصل في المقام؟

*****

ــــــــــ[325]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فيما إذا تعذر على المكلّف بالعجز الإتيان ببعض أجزاء الواجب الارتباطي، ودار أمر هذا الجزء المتعذّر بين أن يكون جزءاً على الإطلاق حتّى في حال التعذّر، أو جزءاً في حال الاختيار فقط. بمعنى أن دخالته في الملاك هل هي على الإطلاق؟ وهو معنى الجزئية المطلقة، وعليه لو تعذّر هذا الجزء لم يجز الاجتزاء بالباقي، بل سقط الوجوب رأساً؛ لأن الباقي ليس وافياً بالملاك.

أو أن دخالته منوطة بحال القدرة على الإتيان به؟ ففي حال العجز عنه لا يكون دخيلاً في الملاك، فيكون الباقي وافياً بتحصّل الملاك المولوي، فيتعلّق الوجوب به. إذا تردّد الأمر بين الجزئية المطلقة والمقيدة فما هو مقتضى القواعد؟

في الفرق بين التنبيهين

وهذا التنبيه يشابه بحسب عنوانه التنبيه السابق، وهو أنه عند طروّ النسيان على جزء الواجب الارتباطي هل تقتضي القاعدة كونه جزءاً على الإطلاق أو جزءاً في حالة التذكّر خاصّة. وهنا يفرض العجز بدل النسيان. ويترتّب على الجزئية المطلقة أن الباقي غير وافٍ بالملاك، وعلى الجزئية المقيدة أن الباقي وافٍ بالملاك. 

ولكن مع هذا لا يطّرد تمام النكات والخصوصيات التي ذكرناها في التنبيه السابق؛ لأجل فارق تكويني بين طبيعتي العجز والنسيان. ولهذا سوف نقوم بتحديد هذه الفوارق، فنعقد جهات للبحث، ونشير في كلّ جهة إلى فرق بين حال هذه المسألة وحال المسألة السابقة في نكتة من النكات المتقدّمة.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الجهة الأولى: [من الفرق بين التنبيهين] 

الجهة الأولى: من الفرق بين المسألتين، هو أننا قلنا في المسألة السابقة: إنه وقع بحث بين المحقّقين أنه هل يعقل تعلّق الأمر بالباقي أو لا يعقل؟ وكانت هناك شبهة بيّنها الشيخ الأعظم في (الرسائل) لعدم المعقولية؛ لأن الأمر بالباقي يتوجّه إلى الناسي لا محالة؛ لأن المتذكّر لا يكلّف بالباقي فقط، بل بالتامّ.. والناسي لا يعقل أن يقع موضوعاً لخطاب (ائت بالباقي)؛ لأن الناسي لا يلتفت إلى كونه ناسياً. ثُمّ وقع بحث في تصوير تعلّق الخطاب بالناسي. ثُمّ بعض المحقّقين كالسيد الأستاذ وغيره ربطوا جريان البراءة والاشتغال بتحقيق هذه المسألة، فإن كان يعقل تكليف الناسي فتجري البراءة، وإلّا فالاشتغال. وتقدّم منّا أن الصحيح هو عدم ابتناء مسألة جريان البراءة والاشتغال على ذلك.

وأما هنا فلا مجال لمثل هذه الشبهة من رأس، لا مجال لتوهّم استحالة تعلّق الأمر بالباقي؛ إذ لا إشكال من إمكان جعل الوجوب للباقي، ويوجّه هذا الوجوب إلى العاجز عن التمام فيقال: (أيّها العاجز عن العشرة ائتِ بالتسعة)، ولا يأتي فيه إشكال؛ لأن العاجز عن العشرة ملتفت إلى انطباق هذا العنوان عليه، وليس حاله حال الناسي الذي يستحيل أن يلتفت إلى انطباق عنوان الناسي على نفسه. فلو فرض استحالة توجيه الخطاب بالباقي إلى الناسي، فإنها لا يمكن أن تشمل العاجز؛ إذ إنه يلتفت إلى عجزه.

فلا يأتي فيه بحث أنه هل يعقل تعلّق التكليف بالباقي أو لا. بل لا إشكال في تعقّله وإن قلنا بعدم إمكان تعقّله هناك. 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا الفرق وإن كان عندنا لا ينتهي إلى أثر؛ لأننا لا نبني جريان البراءة على إمكان تعلّق التكليف بالباقي وعدمه، ولكن عند من يبني جريان الأصل على ذلك يؤثّر في حقّه هذا الفرق بين المسألتين.

فهذه هي الجهة الأولى من الفرق بين المسألتين.

الجهة الثانية: للفرق بينهما

في تشخيص جريان البراءة عند الشكّ في الجزئية المطلقة والمقيدة.

قلنا في المسألة السابقة أنه ذكر السيّد الأستاذ أن الشكّ يرجع بحسب الحقيقة إلى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين، فيدخل في كبرى تلك المسألة؛ لأن الأمر مردّد بين أن يكون الواجب على هذا المؤمن هو خصوص الفرد التامّ، أو الجامع بينه وبين الفرد الناقص النسياني. فإنه إن كان الجزء المنسي جزءاً على الإطلاق فالوجوب متعلّق بخصوص الفرد التامّ، وإن كان جزءاً في خصوص حال التذكّر دون حال النسيان إذن فالواجب هو الجامع. فالأمر دائر بين أن يكون الواجب هو العشرة أو الجامع بينه وبين التسعة، وهذا معنى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر. فيدخل في بحث الأقلّ والأكثر، فمن قال فيه بالبراءة يقول بها هنا. 

ونحن قلنا بأن التحقيق أن الأمر ليس كذلك، بل الشكّ إما عنواناً من الأقلّ والأكثر وحكماً ليس منه، أو ليس منه لا عنواناً ولا حكماً. فإن الناسي إما أن يفرض ارتفاع نسيانه في أثناء الوقت، وإما أن يفرض ارتفاعه بعد الوقت. فعلى الأوّل يرجع الشكّ إلى الأقلّ والأكثر -كما ذكر السيّد الأستاذ-؛ لأنه 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يعلم إجمالاً إما بوجوب خصوص الفرد التامّ عليه، أو الجامع بينها (بين الناقص النسياني). ولكنّه لا يلحقه حكم الأقلّ والأكثر، فإنه لا إشكال هنا في البراءة حتّى لو قيل هناك بأصالة الاشتغال. والنكتة في ذلك: أن هذا العلم الإجمالي بالأقلّ والأكثر إنما يوجد بعد ارتفاع نسيانه وتنبّه أنه كان ناسياً وقد أتى بالفرد الناقص. فهنا يكون أحد طرفي العلم الإجمالي وهو الأقلّ قد خرج عن محلّ الابتلاء؛ لأنه أتى به، فلا يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً على كلّ حال. وعلى جميع المباني في الأقلّ والأكثر الارتباطيين، ولا علاقة للبراءة هنا لجريانها هناك. وهذا معنى ما قلناه من أن الشكّ هنا وإن كان يدخل في الأقلّ والأكثر عنواناً، ولكنّه لا يلحقه حكماً.

وأما إذا ارتفع النسيان بعد انتهاء الوقت فشكّه ليس من الأقلّ والأكثر لا عنواناً ولا حكماً. بل هو من العلم الإجمالي بين المتباينين -كما سبق-؛ لأن جزئية الجزء المنسي مطلقة، إذن فهو في داخل الوقت لم يكن مكلّفاً بشيء لا بالعشرة؛ لأنه ناسٍ للعاشر، ولا بالتسعة؛ لأن جزئية العاشر مطلقة، فينحصر تكليفه الآن بالقضاء، أي: بالإتيان بفرد قضائي تامّ الأجزاء. وإن كانت جزئية الجزء المنسي مقيّدة بحيث لا يكون جزءاً في حال النسيان، إذن فقد كان مكلفاً بالإتيان بالمأتي وقد أتى به. فهو يعلم إجمالاً إما أنه مكلّف بالفرد التامّ القضائي فعلاً، أو أنه كان مكلّفاً بالفرد الناقص الأدائي. وهذان فردان متباينان، فهو علم إجمالي بين المتباينين، لا الأقلّ والأكثر.

ولكن هذا العلم الإجمالي ليس منجّزاً؛ لأنه نشأ بعد خروج أحد طرفيه من 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

محلّ الابتلاء؛ لأنه وجد بعد أن خرج الوقت وارتفع نسيانه، فلا يكون منجّزاً. وهذا معنى خروج هذه الصورة عن الأقلّ والأكثر موضوعاً وحكماً. فالعلم الإجمالي على أيّ حال لا يكون منجّزاً على المختار؛ لأن أحد طرفيه خرج عن محلّ الابتلاء قبل وجوده.

هذا كلّه تكرار لما تقدّم منا في البحث السابق لخّصناه لأجل المقارنة مع مسألتنا الحاضرة. كما أن النسيان تارةً يفرض ارتفاعه في أثناء الوقت، وأخرى بقاءه إلى آخر الوقت، كذلك الحال في العجز، فلنقارن بين كلّ من هاتين الحالتين في كِلتا المسألتين. 

أما إذا ارتفع العجز في أثناء الوقت، فقلنا في الحالة المماثلة في المسألة السابقة بأن الشكّ عنواناً يصير من باب الأقلّ والأكثر الارتباطيين؛ إذ يحصل له علم إجمالي إما بوجوب الفرد العشاري، أو الفرد التساعي النسياني، وهو بعينه يُتصوّر هنا، إذ يحصل له علم إجمالي: إن كانت جزئية الجزء العاشر المتعذّر، فالواجب عليه خصوص الفرد التامّ العشاري الذي يتمكّن منه في آخر الوقت، وإن كانت جزئيته مقيّدة، فالواجب عليه هو الجامع بين التامّ في آخر الوقت والناقص العجزي في أوّل الوقت.

ولكن فرق هذا الأقلّ والأكثر عن ذاك أن هذا يلحقه حكم الأقلّ والأكثر الارتباطيين، فمن يقول بالبراءة يقول بها هنا، ومن يقول بالاشتغال هناك يقول به هنا. وذلك لأن العلم الإجمالي في باب العجز والاضطرار ناشئ من أوّل الوقت، لا أنه ناشئ بعد ارتفاع العجز. فإنه من أوّل الوقت يتشكّل عنه علم إجمالي قبل أن يأتي بالأقل وقبل أن يأتي بالأكثر معاً، فيكون حاله حال سائر العلوم الإجمالية في موارد الأقلّ والأكثر، فيتبع مسالك البراءة والاشتغال فيه.

فيكون هذا من الأقلّ والأكثر عنواناً وحكماً، بخلاف الحالة المماثلة في الناسي فإنه كان منه عنواناً. ولم يكن منه حكماً؛ لأن العلم الإجمالي لم يكن ينشأ من أوّل الوقت، بل بعد ارتفاع النسيان، أي: بعد الإتيان بالفرد الناقص، وخروج أحد الطرفين عن محلّ الابتلاء. 

وأما إذا استمرّ العجز إلى آخر الوقت: ففي مثله في الناسي قلنا بأن العلم 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الإجمالي علم بين المتباينين، وهو بعينه نقوله في المقام: إذ إنه إذا كانت جزئية الجزء المتعذّر مطلقة فلا يجب عليه شيءٌ أداءً، بل يجب عليه الفرد التامّ القضائي. وإن كانت جزئية مقيّدة فيجب عليه الفرد الناقص الأدائي، فهو يعلم إجمالاً إما بوجوب الناقص الأدائي، أو التامّ القضائي، وهذا هو العلم الإجمالي بين المتباينين. 

ولكن هذا العلم الإجمالي منجّز، وليس حاله كالعلم الإجمالي في الحالة المماثلة من النسيان. إذ هناك وإن كان بين المتباينين إلّا أنه لا يكون منجّزاً؛ لأنه نشأ عند الناسي بعد خروج الوقت وبعد أن يكون قد أتى بالناقص في داخل الوقت، وأما هذا العلم الإجمالي بين المتباينين فلا مانع من تنجيزه؛ لأنه ينشأ عند المكلّف العاجز من أوّل الوقت. إذ يقول من أوّل الزوال: إنه إما يجب على التسعة في داخل الوقت، أو يجب على عشرة في خارج الوقت، فهذا العلم الإجمالي يتشكّل عنده قبل أن يخرج أحد الطرفين عن محلّ الابتلاء، فيكون منجزاً.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ففي كِلتا الحالتين يوجد فرق بين المسألتين، وكِلا الفرقين مرجعهما إلى نكتة واحدة، هي أن العلم الإجمالي هنا يتشكّل من أوّل الأمر، والعلم الإجمالي في الناسي لا يتشكل إلّا بعد ارتفاع نسيانه. وللكلام تتمّة.

*****

وهذا العلم الإجمالي(1) طبعاً إنما يتشكّل في واجبات يكون لها قضاء، وأما الواجبات التي ليس لها قضاء فلا يتشكّل فيها مثل هذا العلم الإجمالي، بل يكون وجوب الباقي في داخل الوقت حينئذٍ مشكوكاً شكّاً بدوياً؛ لأنه يقول: إن كانت جزئية العاشر مطلقة فلا يجب عليّ شيء أصلاً، فإن كانت مقيّدة فيجب عليّ الباقي. فيكون وجوبه مشكوكاً بدوياً، وعلى هذا يظهر أن الذي ينبغي هو التفصيل هنا في صورة استمرار العجز إلى آخر الوقت، بين ما إذا كان للواجب قضاء أو لم يكن. فإذا كان له قضاء فيتشكّل علم إجمالي بين المتباينين على النحو الذي بيّناه، وإذا لم يكن للواجب قضاء فيصير شكّاً بدوياً وتجري البراءة عن وجوب الباقي. فمن هنا ظهرت ما في كلمات المحقّقين من الحكم بالبراءة هنا على الإطلاق بدعوى أن وجوب الباقي يكون مشكوكاً شكّاً بدوياً، فتجري البراءة عنه، هذا مبنيّ على الغفلة عن تشكّل ذلك العلم الإجمالي الذي ذكرناه: بوجوب إما الفرد الناقص الأدائي، أو التامّ القضائي في الواجبات التي 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

() لخّص أولاً النتائج التي توصَّل إليها في البحث السابق، وبعد الانتهاء من الصورة الأخيرة، وهو العلم إجمالاً إما أنه يجب عليه الفرد الناقص العجزي الأدائي أو التامّ القضائي، قال: وهذا العلم الإجمالي…. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لها قضاء، وإلا فهذا العلم الإجمالي لا مانع من تنجيزه.

نعم، يمكن -بمزيد من التفحّص في المباني المختلفة- إيجاد بعض الدغدغات في هذا العلم الإجمالي المربوطة ببعض المباني في بحوث تنجيز العلم الإجمالي. فمثلاً يمكن أن يقال -بناءً على مباني المرزا في تنجيز العلم الإجمالي-: إن هذا العلم الإجمالي الذي تصوّرناه غير منجز.

وتوضيح ذلك: أنه قد تقدّم في مباحث تنجيز العلم الإجمالي إن المرزا يقول: بأن تنجيز العلم الإجمالي فرع تعارض الأصول وتساقطها في الطرفين، وهي إنما تتعارض وتتساقط في الطرفين إذا أدى جريانها جميعاً إلى الإذن في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي وقوعها مرخّصاً فيها من قبل الشارع. ومن هنا يقول المرزا: إنه في مورد(1) لا يؤدّي جريان الأصول في تمام الأطراف إلى وقوع المخالفة القطعية مرخّصاً فيها لا بأس بجريانها، ولا يكون العلم الإجمالي منجّزاً. فهذا هو المبنى الذي تقدّم تحقيقه مع دفعه في محلّه. 

فلو إننا مشينا على هذا المبنى يمكن أن نحصل على إشكال في تنجيز هذا العلم الإجمالي الذي نعالجه الآن، وهو العلم: إما بوجوب الفرد الناقص الأدائي، أو التامّ القضائي. وذلك: أنه من الممكن أن يقال: إن هذا العلم الإجمالي لا يتصوّر له مخالفة قطعية بما هو علم إجمالي، حتّى يكون منجّزاً وتتعارض الأصول وتتساقط في الأطراف؛ لأن المكلّف لا يخلوا من أحد أمرين، فإنه إما أن يأتي بالفرد الناقص الأدائي، وإما أن لا يأتي به، ولا ثالث؛ 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

() كالعلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لاستحالة ارتفاع النقيضين. فإن فرض أنه يأتي بالفرد الناقص في داخل الوقت، إذن فلم تقع منه مخالفة قطعية لهذا العلم الإجمالي، إذ لعلّه قد أتى بمعلومه؛ لأنه أتى بأحد طرفي العلم الإجمالي. وإن فرض إنه لم يأت بالفرد الناقص الأدائي، ففي هذه الحالة يحصل له علم تفصيلي بوجوب الفرد التامّ القضائي.

ويخرج الفرد التامّ القضائي عن كونه طرفاً لعلم إجمالي إلى كونه معلوماً بالعلم التفصيلي؛ لأن من لم يأتِ لا بالفرد التامّ الأدائي -لعجزه- ولا بالفرد الناقص الأدائي -كما هو المفروض- يتعيّن عليه القضاء جزماً. 

إذن فلا تتولّد مخالفة عملية قطعية للعلم الإجمالي من ضمّ أحد الفعلين إلى الآخر، بل يكون ترك الفرد القضائي بنفسه مخالفة عملية تفصيلية لعلم تفصيلي مستقلّ في نفسه. فلا يُتصوّر في مورد وقوع المخالفة العملية القطعية لهذا العلم الإجمالي بما هو علم إجمالي. 

هذا البيان فنّي بناءً على مباني المرزا، لو أخذنا بها، ولكن حيث إننا لا نأخذ بها، ولهذا لا نرى مانعاً عن تنجيز مثل هذا العلم الإجمالي في المقام.

هذا تمام الكلام في تشخيص الأصول العملية الجارية عند الشكّ في إطلاق الجزئية وضيقها. وبهذا يتمّ الكلام في الجهة الثانية من جهات الفرق. 

الجهة الثالثة للفرق

الجهة الثالثة: من جهات الفرق بين هذا التنبيه والتنبيه السابق: 

هو أنه عندنا في المقام صورة ثالثة غير الصورتين اللتين كنّا نتكلّم عنهما: وهما ارتفاع العذر في الوقت، وارتفاعه بعد الوقت، سواء كان العذر هو ــــــــــ[334]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

النسيان أو العجز. وعندنا صورة ثالثة: وهي أن نفرض أن المكلّف في أوّل الوقت لم يكن معذوراً، فهو ليس ناسياً ولا عاجزاً، ثُمّ يطرأ عليه النسيان أو العجز في أثناء الوقت، فلا بُدّ من ملاحظة هذه الصورة الثالثة بلحاظ النسيان تارةً، وبلحاظ العجز أخرى؛ ليظهر فرق جديد بين البابين. 

وحاصل هذا الفرق الجديد أنه في باب العجز إذا دخل الزوال وهو متمكّن من الأجزاء العشرة، ثُمّ عجز في أثناء الوقت عن الجزء العاشر، هنا وقع كلام بين المحقّقين في أنه هل يجري استصحاب وجوب الباقي أو لا يجري؟ فذكر جملة منهم أنه يجري استصحاب وجوب الباقي وهو التسعة بدعوى: أنها كانت في أوّل الوقت واجبة يقيناً -ولو في ضمن العشرة – ويشكّ في ارتفاع الوجوب عنها، فيستصحب بقاء الوجوب على التسعة. هذا بحث وقع بين الآغايون وسوف نتكلّم عنه في هذه الجهة. 

إلّا أن هذا الكلام لم يقع في الحالة المماثلة بلحاظ النسيان، فيما لو كان المكلّف متذكراً في أوّل الوقت، وطرأ عليه النسيان في أثنائه للجزء العاشر، هنا لم يتكلّم الآغايون في جريان استصحاب وجوب الباقي. وكان عدم تكلّمهم في ذلك لوضوح عدم جريانه هناك، مع أنه هنا ادّعي من قبل جملة منهم جريانه. 

ومن هنا يقع الكلام في أمرين:

أحدهما: في الفرق بين البابين بحيث إنه لو قيل بجريان الاستصحاب في مورد طروّ العجز في الأثناء لماذا لا يُقال بذلك في حدود طروّ النسيان في الأثناء؟ وما هي نكتة الفرق بين النسيان والعجز؟ 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

والأمر الثاني: في أن نبحث أساساً في أنه هل يجري استصحاب وجوب الباقي في مورد طروّ العجز في الأثناء أو لا يجري؟

الأمر الأول: [نكتة الفرق بين النسيان والعجز]

أما الأمر الأوّل: وهو بيان الفرق بين بابي طروّ العجز في الأثناء وطرو النسيان كذلك.

فحاصل الفرق: هو أنه في موارد طروّ العجز في الأثناء، تكون أركان الاستصحاب تامّة حين طروّ العجز، أو يمكن أن يدّعى تماميتها حينئذٍ -على بحث يأتي في الأمر الثاني -. من حين طروّ العجز على المكلّف يتحقّق عنده يقين بالحدوث، وشكّ في البقاء -وكما فرضنا الاستصحاب-. يقين بأن التسعة كانت واجبة في أوّل الزوال وشكّ بأنه بقي وجوبها بعد تعذّر العاشر أو لا. فيجري الاستصحاب حينئذٍ ويؤدّي وظيفته بما هو حكم ظاهري بأن ينجّز على المكلّف الإتيان بالباقي. وهذا الاستصحاب يتحفّظ على الملاكات الواقعية المشكوكة وهو في المقام وجوب الباقي على حدّ تحفّظ كلّ حكم ظاهري على الأحكام الواقعية. وهذا مما لا إشكال فيه.

وأما في مورد طروّ العجز في الأثناء، فهناك حين طروّ النسيان أركان الاستصحاب غير تامّة؛ لأن الشكّ في البقاء غير موجود عند هذا الناسي؛ لأنه لا يرى نفسه ناسياً، بل متذكّراً، فهو لا يشكّ ببقاء الوجوب على حاله، وليس عنده تردّد أنه هل عليه خطاب أو لا. بل هو جازم بأنه مخاطب ومكلّف على حدّ المتذكّر. وعلى أساس جزمه هذا يأتي بالفرد الناقص على أساس أنه أتى بما 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هو حقه. ثُمّ بعد أن يرتفع النسيان من عنده ينتبه إلى أنه كان ناسياً، وحينئذٍ يلتفت إلى حاله السابقة فيشكّ في أن الباقي وهو التسعة هل بقي على وجوبه بعد طروّ النسيان عليه أو لا.

فأركان الاستصحاب تتمّ عنده بعد ارتفاع النسيان والإتيان بالباقي، وفي هذه المرتبة، لا يعقل جعل الحكم الظاهري؛ لأن الحكم الظاهري إنما يعقل جعلاً في مقام التنجيز والتعذير، أي: في مقام التحفّظ على الملاكات الواقعية في مقام التزاحم بين تلك الملاكات في مقام الحفظ -كما أوضحناه في محلّه-، وهنا لا يبقى تزاحم في مقام الحفظ؛ لأن الملاك الواقعي في الباقي لو كان موجوداً فقد انحفظ وأُتي به بحسب الخارج، ولا يعقل حافظيته من ناحية هذا الحكم الظاهري الاستصحابي. فهذه المرتبة ليست مرتبة جعل الحكم الظاهري؛ لأنها مرتبة انحفظ قبلها الحكم الواقعي. ففي مثل هذا لا يعقل جعل الاستصحاب. وهذا هو الذي يجعل أن الآغايون يتكلّمون عن جريان الاستصحاب في مسألة العجز، ولا يتكلّمون عنه في مسألة النسيان. 

قد يقال: في مقام توجيه جريان الاستصحاب في مسألة طروّ النسيان في الأثناء. يقال: بأننا لو بنينا على إجزاء العمل بالحكم الظاهري. حينئذٍ إجراء الاستصحاب للناسي بعد ارتفاع نسيانه له أثر عملي؛ لأنه بإجرائه له يثبت حكماً ظاهرياً في حقّه حال النسيان، وأن عمله كان على طِبق الوظيفة الظاهرية، والمفروض أن مثل هذا العمل مجزٍ إذن فيترتّب على ذلك الحكم بالإجزاء. هذه الشبهة واضحة البطلان؛ وذلك: لأن الإشكال ليس من حيث إن الاستصحاب هل ينتهي إلى أثر عملي، أو هو لغو صرف حتّى يقال إنه يكفي في 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إخراجه عن اللغوية كونه مما يترتّب عليه الإجزاء مثلاً. بل الإشكال في أن هذه المرتبة في نفسها لا يعقل فيها جعل الحكم الظاهري بالمعنى الذي حقّقناه. فإن حقيقته هو إنشاء خطابات لحفظ الملاكات الواقعية الأهمّ في مقام التزاحم، وهذا الحفظ غير معقول في هذه المرتبة، والإجزاء هو فرع العمل بحكم ظاهري معقول في نفسه واقع في محلّه. فكون الحكم الظاهري منشأ للإجزاء لا يصحّح معقولية جعل الحكم الظاهري. وحيث إن ظاهر دليل الاستصحاب أن المجعول فيه هو الحكم الظاهري بالمعنى الذي فهمناه سابقاً، ولهذا لا يشمله دليل الاستصحاب بلا إشكال. وعليه فما عليه الآغايون من التفصيل بين المسألتين في محلّه من حيث إن هناك -يعني في مسألة النسيان- لا معنى لجريان استصحاب وجوب الباقي، وأما هنا -يعني في مسألة العجز- فهناك معنى لجريانه ويبحث عن ذلك في الأمر الثاني.

الأمر الثاني: في طروّ الاستصحاب عند طروّ العجز

يبقى الكلام في الأمر الثاني وهو أنه في باب طروّ العجز هل يجري استصحاب وجوب الباقي أو لا يجري؟ 

*****

والكلام هنا(1) على مستوى الأصول العملية، لا على مستوى الأدلّة الاجتهادية التي سوف يعقد لها جهة أخرى.

فعلى هذا المستوى ذكر بعض الفقهاء والأصوليين: أنه يمكن التمسّك في 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

() قال بعد أن عنون المسألة: والكلام هنا… (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المقام باستصحاب وجوب التسعة؛ لأنها كانت واجبة في حالة التمكن من العاشر في أوّل الوقت، ويشكّ في سقوط الوجوب عن التسعة بعد العجز عن العاشر فيستصحب وجوبه؛ لأن أركان الاستصحاب تامّة؛ لأن وجوب التسعة معلوم حدوثاً ومشكوك بقاء. 

هناك إشكال واضح يتبادر إلى الأذهان بالنسبة إلى هذا الاستصحاب وحاصله: أن ما هو المتيقّن غير ما هو المشكوك؛ لأن ما هو متيقّن هو وجوب التسعة الضمني الذي كان في ضمن وجوب العشرة، وذلك قد ارتفع يقيناً؛ إذ لا يحتمل بقاء الوجوب الضمني بعد زوال الوجوب الاستقلالي، فإنه يرتفع بارتفاعه لا محالة. وإنما المشكوك فيه بقاءً هو حدوث وجوب آخر استقلالي على التسعة، فالمشكوك غير المتيقّن. وعليه فلا يجري الاستصحاب.

وقد حاول بعض المحقّقين تقريب الاستصحاب بنحو لا يرد عليه هذا الإشكال مثلاً، فحصلت هناك عدّة تقريبات لجريانه: 

التقريب الأوّل لجريان الاستصحاب ومناقشاته

التقريب الأوّل من تقريبات الاستصحاب مع تفادي هذا الإشكال: هو إرجاع هذا الاستصحاب إلى استصحاب الكلّي لا استصحاب الفرد. بأن يقال: بأننا إذا نظرنا إلى شخص هذا الوجوب الذي كان متعلّقاً بالتسعة فالأمر كما قيل من كونه ضمناً فهو مقطوع الارتفاع بعد تعذّر الجزء العاشر. والوجوب الآخر وجوب نفسي استقلالي هو فرد آخر من الوجوب. فاستصحاب الفرد غير ممكن. ولكنّنا لا نستصحب الفرد، بل نستصحب الجامع بين الفردين، وهو طبيعي وجوب التسعة الجامع بين وجوبها الضمني ووجوبها الاستقلالي. 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وهذا الجامع معلوم الثبوت حدوثاً ومشكوك الوجود بقاءً، فتتمّ أركان الاستصحاب بلحاظ هذا الجامع.

 إلّا أن هذا التقريب غير تامّ كما ترون، وذلك: 

أما أوّلاً: لأن هذا من القسم الثالث من استصحاب الكلّي، بناءً على التصوّر الذي قُدِّم في التقريب أن نتصوّر أن هناك فردين من الوجوب أحدهما الضمني المتعلّق بالتسعة حدوثاً، وفرداً نفسياً استقلالياً المحتمل تعلّقه بالتسعة بعد التعذّر، فهذا معناه أننا على يقين من وجود الجامع في ضمن الفرد الأوّل، ونشكّ في بقائه في ضمن الفرد الثاني، وهذا عبارة عن القسم الثالث من استصحاب الكلّي. من قبيل أن نكون على علم بوجود الإنسان في المسجد في ضمن زيد، ثُمّ نعلم يقيناً بأن زيداً قد خرج، ونحتمل أن الإنسان قد بقي وجوده في المسجد في ضمن عمرو. والمُحَقَّق في محلّه أنه لا يجري الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي؛ لأن مناط البقاء والارتفاع إنما هو الوجود، والتعدّد في الفرد يوجب التعدّد في الوجود لا محالة، فما هو المتيقّن غير ما هو المشكوك، فلا يصدق في المقام نقض اليقين بالشكّ، على تحقيق وتفصيل يأتي في محلّه من مباحث الاستصحاب إن شاء الله تعالى.

وأما ثانياً: فلو فرض أننا بنينا على جريان استصحاب القسم الثالث من الكلّي. مع هذا لا يجري استصحاب الكلّي في المقام؛ لأن هذا الكلّي الذي نريد أن نثبت وجوده الآن بالاستصحاب، هو الجامع بين ذلك الفرد وهذا الفرد، أي: الجامع بين ذلك الوجوب الضمني الذي كان متعلّقاً بالتسعة وبين الوجوب النفسي الاستقلالي المحتمل تعلّقه بها. فنثبت بقاء الجامع بالاستصحاب.

ــــــــــ[340]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

هنا نسأل: أن هذا الاستصحاب أتريدون أن تثبتوا به بقاء الجامع في ضمن الوجوب النفسي الاستقلالي، أو أن قصارى همّكم أن تثبتوا أصل الجامع بالاستصحاب، دون أن تعيّنوا وجوده في ضمن الفرد الثاني؟ فإن كنتم تريدون أن تثبتوا باستصحاب بقاء الجامع تعيينه في ضمن الوجوب النفسي الاستقلالي للتسعة، فهذا لا يكون إلّا بالملازمة العقلية، فهو من الأصل المثبت؛ لأنه لا يكون إلّا بدعوى: أن الجامع باقٍ، ولا يعقل بقاؤه في ضمن الوجوب الضمني، فيتعيّن بقاؤه في ضمن الوجوب النفسي الاستقلالي. فهذا من الأصل المثبت.

وإن أردتم بالاستصحاب التعبّد بوجود نفس الجامع، من دون أن تعيّنوا انحفاظه وتحصّصه في أيّ فرد. فمثل هذا الاستصحاب لا يجري؛ لأن هذا الجامع غير قابل للتنجيز والمحرّكية؛ لأنه جامع بين ما لا يقبل المحرّكية وما يقبل المحرّكية؛ لأنه جامع بين الوجوب الضمني للتسعة والوجوب الاستقلالي لها. ومن المعلوم أن الوجوب الضمني للتسعة بعد تعذّر الجزء العاشر، غير قابل الآن للمحرّكية من قبل المولى أصلاً، ولو فرضنا محالاً أن المولى جعل له الوجوب الضمني، فهو غير قابل للتنجيز والمحرّكية من قبل العقل أصلاً. نعم، الوجوب النفسي للتسعة قابل للمحرّكية والتنجيز عقلاً. إذن فالاستصحاب يثبت به جامع الوجوب بين وجوب لا يقبل المحرّكية والتنجيز ووجوب يقبلها، ومثل هذا الجامع لا يقبل التنجيز ولو ثبت بالعلم الوجداني فضلاً عن التعبّد الاستصحابي.

إذن فمثل هذا الاستصحاب لا يجري حتّى لو بُني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي.

ــــــــــ[341]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المحقّق العراقي تعرّض إلى هذا التقريب، واعترض عليه بالاعتراض الأوّل الذي ذكرناه، ثُمّ اعترض عليه باعتراض آخر:

وحاصل ما أفاده: هو أن استصحاب بقاء جامع الوجوب على التسعة محكوم باستصحاب آخر، وهو استصحاب بقاء جزئية الجزء المتعذّر؛ لأننا قلنا في أوّل هذه المسألة بأننا إنما نشكّ في بقاء وجوب الباقي وعدمه، من ناحية الشكّ في الجزء المتعذّر هل بحيث هو جزء على الإطلاق، أو جزء في حال التمكّن فقط؟ فإن كان جزءاً في حال التمكّن فقط دون حال التعذّر، إذن فلا بأس أن يتعلّق الأمر بالباقي، وإن فرض أنه كان جزءاً على الإطلاق، إذن فلا يتعلّق الأمر بالباقي. فالشكّ في بقاء الوجوب على الباقي وعدمه مسبّب عن الشكّ في أن جزئية الجزء تبقى بعد التعذّر أو لا. فإذا استصحبنا بقاء جزئية الجزء المتعذّر، وأن جزئيته مطلقة، يترتّب عليه عدم وجوب الباقي، ويكون هذا الاستصحاب حاكماً على استصحاب وجوب الباقي. فإذا أثبتنا بالاستصحاب بأن الجزء المتعذّر لا يزال جزءاً فيترتّب على ذلك أن الباقي ليس واجباً، فلا تصل النوبة إلى استصحاب وجوب الباقي. 

إلّا أن هذا الذي أفاده المحقّق العراقي غير تامّ في المقام؛ وذلك: لأنه أيّ جزئية يريد بهذه الجزئية التي يستصحبها، ويقول: بأن استصحاب جزئية المتعذّر حاكم على استصحاب وجوب الباقي، هل هي جزئية المتعذّر بمعنى دخالته في عالم الملاك والغرض، أو هو استصحاب جزئية في عالم الوجوب بمعنى بقائه جزءاً للواجب؟ 

إن أراد استصحاب جزئيته في عالم الملاك والغرض، وأن دخالته في الملاك 

ــــــــــ[342]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لا تزال باقية، فمن المعلوم(1) أن هذا المطلب يكون علّة لعدم الأمر بالباقي، إلّا أن الترتّب في المقام ليس ترتّباً شرعياً، بل هو ترتّب عقلي؛ لأن دخالة شيء في الملاك مؤثرّ تكويناً في جعل الحكم من المولى على طبقهاً. فنسبة وجوب الباقي وجوداً وعدماً إلى دخالة التعذّر في الملاك وجوداً وعدماً، نسبة المعلول التكويني إلى علّته التكوينية؛ وفي موارد كون الترتّب عقلياً وتكوينياً لا يكون هناك حكومة للأصل السببي على الأصل المسببي، فإن هذه الحكومة إنما هي فيما إذا كان الترتّب شرعياً لا فيما إذا كان عقلياً.

وإن أراد بالاستصحاب؛ استصحاب جزئية الجزء المتعذّر للواجب، وأن هذا الجزء المتعذّر لا يزال جزءاً للواجب، فمن المعلوم أن هذا مقطوع العدم، فإن الجزء المتعذّر خرج عن كونه جزءاً للواجب جزماً بمجرّد كونه متعذّراً وغير مقدور. إذن فاستصحاب جزئية المتعذّر لا يعقل أن تجعل أصلاً سببياً حاكماً على استصحاب بقاء الوجوب(2).

إذن، فالمهمّ في إبطال التقريب الأوّل هو الإشكال الأوّل والثاني.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

() إن هذه السببية وإن كانت صحيحة فإن وجوب الباقي إثباتاً ونفياً مربوط ببقاء دخالة الجزء المتعذّر في عالم الملاك إثباتاً ونفياً. ولكنّها سببية عقلية لا شرعية. (المُقرِّر).

(2) وهنا قلت له (سلّمه الله): إن معنى كون الجزئية مطلقة هو أنه -أي: الجزء المتعذّر- الآن -يعني عند العجز- جزء من الواجب. 

فأجاب: لا، بل معنى كون الجزئية مطلقة هو الملازمة، يعني: أنه لا يوجد وجوب من قبل المولى إلّا هذا الوجوب الذي كان متعلّقاً به وسقط. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التقريب الثاني: لجريان الاستصحاب 

التقريب الثاني لجريان الاستصحاب في المقام هو أن يقال: إن الأجزاء المتعذّرة على قسمين: تارةً تكون أجزاءً بارزة الوجود في الواجب، بحيث تعتبر من مقوّمات الواجب بحسب النظر العرفي، ويُرى بأن الفعل الواجد لها مع الفعل الفاقد لها سنخان من الفعل وفعلان، من قبيل الركوع والسجود في الصلاة.

وأخرى يفرض أن هذا الجزء من الأجزاء الصغيرة الضئيلة بحسب النظر العرفي بالنسبة إلى الواجب، بحيث إنه يعتبر من حالاته لا من مقوّماته، ونسبته إلى الواجب كنسبة الأصابع إلى الإنسان، من قبيل السورة بالنسبة إلى الصلاة أو التشهّد أو التسليم. 

فما كان من قبيل القسم الأوّل، يعني: لو تعذّر الركوع والسجود مثلاً، فهنا لا يمكن أن نستصحب وجوب الفاقد؛ لأن الفاقد مع الواجد متباينان بحسب النظر العرفي. وأما إذا فرض أن الجزء المتعذّر كان من الحالات الطارئة كالسورة، إذن فالصلاة الفاقدة للسورة مع الواجدة لها صلاة واحدة وعمل واحد، في زمان كان فيه سورة، وفي زمان لم يكن فيه سورة. فهذا من اختلاف الحالات مع انحفاظ الموضوع في نفسه، فنشير إلى هذا الموضوع المنحفظ، فنقول: هذا كان واجباً ولا يزال واجباً كما كان. 

هذا التقريب مرجعه إلى تطبيق قانون كبروي في بحث الاستصحاب قرأناه في (الكفاية) و(الرسائل)، وحاصله: أن الحيثيات المشكوكة التي توجب 

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الشكّ في بقاء الحكم، إن كانت حيثيات مقوّمة وتقييدية فلا يجري الاستصحاب، وأما إذا كانت حيثيات تعليلية ووسائط ثبوتية، فلا بأس بجريانه، فقد فصّلوا هذا التفصيل، فالجزء إذا كان من الأركان فيكون من قبيل كأنّه حيثية تقييدية، وإذا كان من الأجزاء الصغيرة فيكون من قبيل كأنّه حيثية تعليلية، ففي الأوّل لا يجري الاستصحاب ويجري في الثاني.

وهذا الوجه ارتضاه جماعة من المحقّقين المتأخّرين، إلّا أن هذا التقريب مما لا يمكن المساعدة عليه. وتوضيح ذلك حقّ توضيحه لا يمكن الآن؛ لأنه يحتاج إلى استحضار مبانينا في بحث اشتراط بقاء الموضوع في دليل الاستصحاب، وهذا مما لا يتيسّر فعلاً. إلّا أننا نشير بنحو الإجمال إلى مقدارٍ بحيث يمكن أن يتّضح به المقصود.

*****

إننا(1) نستصحب نفس ذلك الوجوب النفسي الاستقلالي الذي كان متعلّقاً بالعشرة، لا الوجوب الضمني المتعلّق بالتسعة ولا الجامع بين الوجوبين، بل شخص الوجوب الاستقلالي للعشرة، فإن أركان الاستصحاب بالنسبة إليه تامّة. 

وتوضيح ذلك نرتّبه على شكل مقدّمتين: 

 المقدّمة الأولى: هي أنه حقّق في بحث الاستصحاب في بحث اشتراط بقاء الموضوع: أن الحيثيات التي توجب الشكّ في بقاء الحكم على قسمين: إما أن 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأستاذ التقريب الثاني للاستصحاب بعرض جديد فقال: هو أن يقال: إننا… (المقرِّر)

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تكون حيثيات تقييدية، وإما أن تكون حيثيات تعليلية. 

فإن كانت تقييدية مقوّمة فلا يجري استصحاب بقاء الحكم، من قبيل الاجتهاد بالنسبة إلى الرجوع إلى رأي المفتي، فإنه لو زال الاجتهاد لا يمكن استصحاب جواز الرجوع إلى رأيه؛ لأن الاجتهاد حيثية تقييدية فيه. 

وأخرى تكون حيثية تعليلية من أحوال الموضوع لا من مقوّماته، من قبيل العلم بالنسبة إلى وجوب الضيافة، لو قال: (أكرم زيداً العالم)، ثُمّ خرج زيد عن كونه عالماً ولم ندرِ أنه هل بقي وجوب الضيافة أم لا؟ والعلم هنا على فرض دخله يكون دخيلاً بنحو الحيثية التعليلية، فيجري الاستصحاب لوجوب الضيافة. 

المقدّمة الثانية: أن أجزاء المركّب بعضها تكون من قبيل الحيثيات التقييدية، وبعضها من قبيل التعليلية والحالات العرضية الطارئة. فإن بعض الأجزاء مما ينهدم المركّب بانهدامه، ويُرى بأن الفاقد ليس هو نفس الواجد، وبعضها لا ينهدم المركّب بانهدامه، ولا يُرى تغاير بين الفاقد والواجد. 

بعد الالتفات إلى هاتين المقدّمتين يقال في المقام: إن الجزء المتعذّر من الواجب الارتباطي إن كان من قبيل الحيثية التقييدية، إذن فلا يمكن إجراء استصحاب ذلك الوجوب النفسي الاستقلالي المتعلّق بالعشرة؛ لأن الجزء العاشر مقوّم له وينهدم بانهدامه، وأما إذا كان هذا الجزء من قبيل الحيثية التعليلية والحالات الطارئة، بحيث تكون نسبته إلى وجوب العشرة كنسبة الأصابع إلى الإنسان، فيكون ذاك الوجوب المتعلّق بالعشرة محفوظاً بعد إفراز 

ــــــــــ[346]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

العاشر وخروجه عن دائرة الوجوب، فيجري استصحاب الوجوب لانحفاظ الوحدة بين القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة(1).

مناقشته

إلّا أن هذا التقريب في المقام غير تامّ: وتوضيح ذلك يكون بالإشارة إلى صور الشكّ في بقاء الحكم، فإن لذلك ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يفرض أن هناك حكماً قد ثبت على موضوع، وكانت هناك خصوصية دخيلة في ثبوت الحكم جزماً، بحيث ينتفي الحكم بانتفائها، ولكن احتمل وجود حكم آخر على الفاقد مماثل لذلك الحكم الثابت لواجد الخصوصية. مثلاً قال: (أكرم العالم)، وعلمنا بأن العلم دخيل في وجوب الإكرام حدوثاً وبقاءً، وأن هذا الشخص من الوجوب يرتفع بارتفاع العلم، لكن احتملنا أن هناك وجوباً آخر مجعولاً بجعل آخر، وهو وجوب إكرام من كان يسكن النجف مثلاً، فنحتمل أن هذا الشخص الذي زال علمه بقي وجوب إكرامه بلحاظ دخوله تحت موضوع الجعل الثاني.

فالشكّ هنا -في الحقيقة- ليس شكّاً في بقاء شخص ذلك الوجوب 

ــــــــــ[347]ــــــــــ

() وهنا قال (سلّمه الله) في جواب على سؤالٍ لي: الحكم يزول سواء زالت حيثيته التقييدية أو التعليلية، وإنما الفرق بينهما من حيث إن زوال الحيثية التقييدية يوجب كون الفاقد مبايناً مع الواجد، فلا يصدق عنوان نقض اليقين بالشكّ. وأما إذا زالت الحيثية التعليلية فحيث إن الفاقد عين الواجد بحسب النظر العرفي، ولهذا يصدق نقض اليقين بالشكّ. هذا حاصل التقريب. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المجعول بالجعل الأوّل، بل هو معلوم الارتفاع، وإنما الشكّ في شمول جعل آخر غيره له. في مثل هذا لا يجري الاستصحاب جزماً سواء كان العلم المأخوذ في موضوع الجعل الأوّل حيثية تقييدية أو تعليلية؛ لأن هذه الحيثية بعد أن علمنا بارتباط الحكم بها إذن فنعلم بارتفاع شخص ذلك الحكم بارتفاعها، ولا يبقى شكّ في بقائه، وإنما نشكّ في حدوث شخص آخر من الحكم. 

إذن فلا يمكن لا استصحاب الفرد، يعنى: شخص ذلك الحكم، ولا استصحاب الجامع فإنه رجوع إلى استصحاب الكلّي الذي فرغنا عنه. ففي هذه الصورة لا يفرق بين التقييديّات والتعليليّات.

الصورة الثانية: أن يفرض أن الحكم ثبت على موضوع بأن قال المولى: (أَكرم زيداً)، وزيد كان عالماً ثُمّ زال علمه، ولا أدري أساساً بأن العلم هل هو دخيل في موضوع وجوب الإكرام أو لا؟ وحيث أشكّ في هذا فأشك في بقاء الحكم وعدم بقائه بعد ارتفاع العلم. 

وهذه الصورة تختلف عن الأولى: بأنه هنا شخص ذلك الحكم محتمل البقاء؛ لإني أقول هكذا: إن شخص ذلك الحكم إن كان العلم دخيلاً فيه فقد ارتفع، وإن لم يكن دخيلاً فهو باقٍ. فأنا هنا أحتمل بقاء شخص ذلك الحكم، لا أني أقطع بارتفاع شخص ذلك الحكم كما في الصورة الأولى. ففي مثل هذا احتمال البقاء موجود، فاليقين بالحدوث موجود، والشكّ في البقاء موجود. 

فهنا تأتي فكرة التفصيل بين الحيثيتين التقييدية والتعليلية. 

فيقال: بأن العلم إن كان مأخوذاً في موضوع الحكم بنحو الحيثية التقييدية 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لا يجري الاستصحاب، ولو كان مأخوذاً بنحو الحيثية التعليلية فيجري. أما لماذا نفصل بين الحيثيتين، مع أنه على كلٍّ منهما الشكّ في البقاء موجود بالنسبة إلى شخص ذلك الحكم؟ فتحقيق ذلك مفصّلاً يأتي في بحث الاستصحاب. 

لكن الشيء الذي يمكنني أن أقوله الآن هو: أني حينما أريد أن استصحب شخص ذلك الحكم فإني أريد أن أثبته على شيء لا محالة، فأشير إلى شيء، وأقول: إن هذا الشيء كان يجب ضيافته والآن يجب ضيافته. 

وحينئذٍ إن كان العلم حيثية تقييدية، إذن فإلى ماذا أُشير؟ هل أقول: (هذا زيد) -الذي كان عالماً وزال علمه- كان يجب الرجوع إليه، فالآن أيضاً يجب. لعلّ هذه الإشارة غلط؛ لأنه لو كان العلم مأخوذاً بنحو الحيثية التقييدية، فالذي يجب الرجوع إليه ومعروض الحكم بالنظر العرفي هو العالم بما هو عالم، فلا أستطيع أن أُشير إلى زيد -مجرّداً عن العلم – وأقول: هذا يجب الرجوع إليه. وهذا بخلاف ما إذا كانت الحيثية تعليلية، فإني حينئذٍ أستطيع أن أقول: هذا كان يجب ضيافته، سواء كان العلم دخيلاً بنحو الحيثية التعليلية أو لا. حتّى لو كان دخيلاً فالذي يجب ضيافته هو ذات العالم لا العالم بما هو عالم؛ لأن هذا هو معنى الحيثية التعليلية. إذن فأستطيع أن أُشير إلى هذا وأقول: إنه كان يجب ضيافته والآن كما كان.

الصورة الثالثة: من صور الشكّ في بقاء الحكم: أن يقول المولى: (أضف زيداً العالم) بحيث أعلم أن علمه له دخل في وجوب الضيافة، ولكن لا أدرى هل هو دخيل حدوثاً وبقاءً أو حدوثاً فقط، لعلّه دخيل حدوثاً وبقاءً فبمجرّد 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

أن ينسى علمه يرتفع عنه وجوب الضيافة، وقد يكون دخيلاً حدوثاً فقط، يعني: حدوث العلم يكفي لوجوب ضيافته إلى الأبد. 

وهذا يختلف عن الصورة الثانية: فإني في الثانية كنت أشكّ في دخل العلم أساساً، أما هنا فاعلم بدخل العلم، ولكن أشكّ في أن دخله حدوثي أو حدوثي وبقائي. هنا أيضاً حاله من حيث الحكم حال الصورة الثانية؛ لأن شخص ذلك الحكم محتمل البقاء، إذ لعلّ العلم دخله حدوثي فقط لا حدوثي وبقائي، إذ عليه يكون شخص ذلك الحكم باقياً. وان كان دخيلاً حدوثاً وبقاءً، إذن فقد ارتفع الحكم. فشخص الحكم محتمل البقاء ومع هذا يأتي التفصيل بين أن تكون الحيثية تعليلية وبين أن تكون تقييدية بالملاك الذي أشرنا إليه في الصورة الثانية.

هذا كلّه توضيح لفكرة الحيثية التقييدية والتعليلية بقدر ما يتّسع له المقام. وبهذا يتّضح أن التفصيل بين الحيثيتين واختيار جريان الاستصحاب في موارد الحيثية التعليلية دون موارد التقييدية، هذا التفصيل بعد فرض احتمال بقاء شخص ذلك الحكم كما هو الحال في الصورتين الثانية والثالثة. وأما إذا فرض أن شخص ذلك الحكم غير محتمل البقاء أصلاً كما هو الحال في الصورة الأولى، فهنا لا يفرّق بين الحيثيتين في عدم جريان الاستصحاب؛ لأنه فرع الشكّ في البقاء ولا شكّ في البقاء في المقام.

إذا عرفنا ذلك نأتي إلى هذا التقريب الذي ذكره المحقّقون حتّى أمثال المحقّق العراقي، فيتّضح أنه باطل في المقام؛ لأنه يفصل بين الحيثية 

ــــــــــ[350]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التعليلية والتقييدية في مورد يدخل في الصورة الأولى لا في الثانية والثالثة؛ لأننا علمنا في الجزء العاشر المتعذّر بدخله في موضوع شخص هذا الوجوب، سواء كان بنحو الحيثية التقييدية أو التعليلية، وعلمنا بارتباط الوجوب به بحسب الفرض، وحينئذٍ إذا زالت هذه الحيثية التقييدية والتعليلية زال الحكم معه، فلا يبقى شكّ في بقاء شخص ذلك الحكم، فيكون حاله من مصاديق الصورة الأولى، وفيها لا مجال للتفصيل بين الحيثيتين، فإن هذا التفصيل إنما يكون وارداً في الصورتين الأخيرتين بعد انحفاظ الشكّ في البقاء.

ومنشأ هذا الخلط الذي وقع في هذا التقريب، هو مطلب في بحث الاستصحاب، حيث إن الآغايون الذين فصلوا بين الحيثية التعليلية والحيثية التقييدية، كأنّه تراءى لهم أن هذ التفصيل إنما هو لأجل التحفّظ على عنوان الشكّ في البقاء، فكأنّه في موارد الحيثية التعليلية الشكّ في البقاء محفوظ، وفي موارد الحيثية التقييدية الشكّ في البقاء غير محفوظ. فالشكّ في البقاء يضمنه كون الحيثية تعليلية، ويزيله كون الحيثية تقييدية، وأن مناط اشتراط كون الحيثية تعليلية هو تحقق الشكّ في البقاء. مع أن كلّ هذا مما لا أساس له، على ما يأتي في بحث الاستصحاب. وأن الشكّ في البقاء شرط آخر في قبال شرط كون الحيثية تعليلية وأحدهما غير مربوط بالآخر، فقد تكون الحيثية تعليلية ومع هذا لا يوجد شكّ في البقاء فلا يجري الاستصحاب، وقد يكون هناك شكّ في البقاء ومع هذا تكون الحيثية تقييدية فلا يجري الاستصحاب، هذا تمام الكلام في مناقشة هذا التقريب الثاني.

ــــــــــ[351]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التقريب الثالث: لجريان الاستصحاب

التقريب الثالث(1) هو أن يقال: إننا نستصحب شخص ذلك الوجوب الضمني الذي كان متعلّقاً بالتسعة، من دون حاجة إلى أن ننتقل من الفرد إلى الجامع -كما هو الحال في التقريب الأول-، ولا أن نعمل المسامحات العرفية
-كما هو الحال في التقريب الثاني-. وإنما نقيم استصحابنا على أساس جديد وحاصله: أن الوجوب المتعلّق بالتسعة وإن كان حدوثاً ضمني إلّا أن تعذّر الجزء العاشر في المقام لا يحتّم زوال أصل هذا الوجوب الضمني، فما هو على يقين من ارتفاعه ليس هو أصل ذلك الوجوب المتعلّق بالتسعة بل هو حده. فإن الوجوب له حدود بمقدار انبساطه على الأجزاء وشموله لمتعلّقه، فكان عندنا وجوب واحد شخصي، ولكن بحدٍّ انبساطي بحيث يشمل الجزء العاشر أيضاً، وهذا الحدّ الانبساطي زال جزماً، أما أن أصل هذا الوجوب زال فهذا غير معلوم، بل يحتمل بقاء ذات المحدود في ضمن حدّ آخر انقباضي استقلالي، بحيث يقف على التسعة ولا يسري منها إلى الجزء العاشر(2). واختلاف الحدود لا يعدّد الوجود ولا يكثّر الأفراد. 

من قبيل أن نفرض أن هذا الكتاب كان مصبوغاً بلون أحمر شديد. ثُمّ زالت الشدّة حتماً، ونحتمل بقاء أصل تلك الحمرة، ولكن في حدّ أضعف 

ــــــــــ[352]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة: التقريب الثالث:… (المقرِّر).

(2) فليس عندنا وجوب قد ارتفع يقيناً، ووجوب آخر نشكّ في حدوثه حتى يأتي الإشكال، بل هنا وجوب واحد ارتفع حدّه، ونحتمل بقاءه إلى ضمن حدّ آخر. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ومرتبة أضيق. هنا لا بأس بإجراء الاستصحاب بأن نشير إلى ذات الحمرة المحدودة، ونقول: إنها وإن زال حدّها الشديد ولكن نحتمل بقاء ذاتها فنستصحبها، مع تمامية أركان الاستصحاب. 

كذلك في المقام بعد أن نميّز بين الحدّ والمحدود، ونقول: بأن الوجوب له انبساط وانقباض، فهو فرد واحد قد ينبسط على الجزء العاشر وقد ينقبض عنه، وهذا لا يجعله وجوبين وأمرين متغايرين. فهذا الوجوب الواحد معلوم حدوثاً ومشكوك بقاءً، فيجري استصحاب ذات الوجوب المحدود والمحدود لا يحدّه وبهذا تتمّ أركان الاستصحاب. هذا هو التقريب الثالث لجريان الاستصحاب. 

وهو غير تامّ، وذلك لأن أركان الاستصحاب: الشكّ في البقاء واليقين بالحدوث، تصويرها بهذا النحو مما لا يمكن المساعدة عليه، فإننا تارةً نتكلّم في الحكم؛ تارةً على مستوى الخطاب والجعل والتحميل في مجال الإنشاء، وأخرى نتكلّم في الحكم على مستوى الإرادة والغرض والملاك. أما الحكم على مستوى الإرادة المولوية والمبادئ اللزومية، فالحكم على هذا المستوى محتمل البقاء بحدّه ولا يعلم بارتفاعه لا حدّاً ولا محدوداً، فإن الإرادة المولوية يحتمل بقاؤها متعلّقة العشرة بما هي عشرة بالرغم من تعذّر الجزء العاشر. فإن كون الجزء العاشر متعذّراً لا يعني استحالة بقاء المبادئ من الإرادة وما فوقها على حالها متعلقة بالعشرة، فهي محتملة البقاء حداً ومحدوداً(1)، لا أنه يعلم بارتفاع الحدّ ويشكّ في بقاء المحدود في ضمن حدّ آخر.

ــــــــــ[353]ــــــــــ

() إذ يحتمل أن تكون ارادة المولى متعلقة بالعشرة حتى بعد تعذر الجزء العاشر. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وإذا لاحظنا الحكم على مستوى عالم الجعل والإلزام والتكليف، فعلى هذا المستوى لا يتصوّر أن يكون للتكليف حركة انبساط وانقباض، فإن هذه الحركة إنما تُتصوّر في العناصر التكوينية للحكم في الإرادة وما فوقها، ولا تُتصوّر في عالم الإلزام والاعتبار ومن العناصر التشريعية للحكم؛ لأن الاعتبار من الأمور السكونية التي تدور مدار تقريرها ووضعها حين إنشائها. فكلّ اعتبار هو موجود جامد محنّط ثابت على موضوعه لا يزيد ولا ينقص، وإذا فقد الاعتبار موضوعه سقط لا محالة، ولا بُدّ من أن يُستأنف اعتبار آخر على موضوع آخر، فلا محالة يكون ذاك الاعتبار ساقط ويكون الشكّ في اعتبار جديد، فيأتي الإشكال من حيث عدم تمامية إمكان الاستصحاب. وبهذا ظهر أن التقريبات الثلاثة كلّها لم تعالج الجواب عن الإشكال الرئيسي الذي كنّا بصدده، وهو أنه لم تتمّ في المقام أركان الاستصحاب؛ لأن ما كنّا على يقين من ثبوته هو وجوب التسعة الضمني، وما نحن على شكّ منه هو الوجوب الاستقلالي، ذلك الوجوب معلوم الارتفاع بقاؤه، فلا معنى لجريان الاستصحاب.

 إلّا أن هذا الإشكال أساساً غير صحيح؛ لأنه يقوم على أساس خاطئ في تصوّر كيفية إيجاب الباقي. وهي مسألة فرغنا منها في التنبيه السابق، إذ قلنا: إن إيجاب الباقي على المكلّف لا يكون بأن يسقط خطاب وينشأ خطاب آخر، بل بأن يكون نفس الخطاب الأوّل مصمّماً من أوّل الأمر بنحو بحيث يقتضي إيجاب الباقي في مرحلة تعذّر الجزء العاشر، وقد شرحنا فنّياً هذا التصميم. وصيغتها هو أن يتعلّق الوجوب بالجامع بين الفرد التامّ التذكّري المقدور والفرد الناقص النسياني أو العجزي. فإذا تعلّق من أوّل الأمر بالجامع، فيكون 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الخطاب خطاباً واحداً، وهو قبل تعذّر الجزء العاشر يقتضي العشرة، وبعد تعذّره يقتضي التسعة. لا أن هناك خطاباً يموت وخطاباً ينشأ من جديد، بل خطاب واحد يقوم بكِلا المؤنتين.

إذن فالشكّ في أنه يجب الباقي أو لا يجب مرجعه إلى أن الخطاب الذي جعل وصمّم من أوّل الأمر هو كان سنخ خطاب يمكن أن يبقى بعد تعذّر الجزء العاشر أو لا يبقى. إن كان هذا الخطاب متعلّقاً بالجامع فيبقى بعد تعذّر العشرة، وإن كان بصيغة إيجاب العشرة على كلّ حال، فهذا الخطاب إذن يفنى بعد تعذّر العاشر. فالشكّ إذن في بقاء شخص ذلك الخطاب لأجل تردّد نوعية الصيغة المجعولة لذلك الخطاب وتصميمه. إذن فأركان الاستصحاب في المقام تامّة اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء. 

والمشكلة التي أثارها جميع الآغايون في المقام، لم تكن إلّا قائمة على أساس تصوّر غير فنّي لكيفية إيجاب الباقي، فإن إيجاب الباقي إذا كان باستئناف خطاب آخر لكانت المشكلة في محلّها، وأما إذا كان إيجاب الباقي بأن يصمّم الخطاب من أوّل الأمر بنحو يتحفّظ على الباقي، فالشكّ إذن شكّ في بقاء نفس ذلك الخطاب، ويكون المشكوك نفس المتيقّن. وتكون أركان الاستصحاب تامّة. فأستطيع أن أشير إلى ذلك الخطاب وأقول: التسعة كانت واجبة بشخص ذلك الخطاب، وأشك في بقاء وجوبها بشخص ذلك الخطاب. 

فاستصحب بقاء وجوب التسعة بشخص ذلك الخطاب. وهذا معنى انحفاظ الوحدة بين القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة، إذن فهذا الاستصحاب سوف لن يتوجّه عليه الإشكال المشهوري. 

ــــــــــ[355]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لكن مع هذا نحن لا نؤمن بهذا الاستصحاب ولا نجريه، لأجل أساس آخر تقدّمت الإشارة إليه في الأيام السابقة. 

وحاصله: أننا حينما نستصحب وجوب التسعة بشخص ذلك الخطاب، فهذا الوجوب الذي يتحصّل لنا على التسعة مبهم من حيث الحدّ، من حيث كونه وجوباً ضمنياً للتسعة أو استقلالياً. فإن أردنا أن نعني بالاستصحاب حدّه وأنه محدود بالحدّ الاستقلالي، من باب الملازمة العقلية، فهو مثبت. وإن أردنا أن نكتفي بإثبات أصل الوجوب من دون تعين حدّه فهذا لا ينفع؛ لأن هذا الوجوب يكون مردّداً بين ما لا يقبل المحرّكية وما يقبلها؛ لأن هذا الوجوب إن كان محدوداً بالحدّ الضمني فهو لا يقبل المحرّكية بعد تعذّر الجزء العاشر، وإن كان محدوداً بالحدّ الاستقلالي فهو يقبل المحرّكية بعد تعذّر الجزء العاشر. وإثبات أمر مردّد بين ما لا يقبل المحرّكية وما يقبلها، بالعلم الوجداني لا يكون منجّزاً، فضلاً عن إثباته بالتعبّد الاستصحابي.

فهذا الاستصحاب لا يجري على هذا الأساس، لا على أساس أن المتيقّن غير المشكوك وأن ما كنّا على يقين منه ارتفع جزماً.

هذا تمام الكلام في الجهة الثالثة، من جهات هذا التنبيه.

الجهة الرابعة: في قاعدة الميسور

الجهة الرابعة هو أنه قد يقال في المقام بأننا إذا عجزنا عن إثبات وجوب الباقي بالاستصحاب، فيمكننا أن نثبت وجوب الباقي بالروايات بقاعدة مستفادة من الأدلّة الاجتهادية، اسمها (قاعدة الميسور)، وهي -بناءً على كونها 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

مجعولة- تؤسّس قانوناً عامّاً في التشريع الإسلامي، وحاصله: أن الوجوب الضمني يبقى بعد تعذّر الجزء الآخر، وسقوط الوجوب الكلّي ناشئ من التعذّر لا يستتبع سقوط تمام الوجوبات الضمنية، بل الضرورات تقدّر بقدرها.

هذه القاعدة الاجتهادية يستدلّ عليها بروايات ثلاث: أشهرها العلوي المرسل: “الميسور لا يسقط بالمعسور(1). والثانية: “ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه”(2). الثالثة: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم”(3)

وهذه الروايات الثلاث نستطيع أن نستريح منها من أخصر طريق، وذلك بأن نقول: إنها غير تامّة السند؛ لأن الأوّليين مراسيل عن أمير المؤمنين، ومن أردأ أنحاء المراسيل؛ لأنها لم ترد إلّا في الكتب المتأخّرة بعد مئات السنين من عصر نقل الروايات، ولم يوجد لهذه المرسلة نصّ في كتاب من كتب المحدّثين المتقدّمين، وإنما وجد في كتاب (عوالي اللآلي) فهي من أحد المراسيل فلا تكون حجّة. 

وحتى لو قيل بأن عمل الأصحاب يكون موجباً للانجبار، لم يثبت أن الأصحاب اعتمدوا عليها، بل ثبت عدم هذا، إذ كيف يحتمل أن الأصحاب إلى زمان صاحب كتاب (عوالي اللآلي) كانوا معتمدين على هاتين الروايتين، مع أنه 

ــــــــــ[357]ــــــــــ

(1) عوالي اللآلي: ج 4 ص 58.

(2) المصدر المتقدّم.

(3) كنز العمال: ٩١٦.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

لم ينقلها أحد منهم في كتاب له. فهاتان الروايتان من هذه الناحية ساقطتان. وأما الرواية الثالثة فهي لم تذكر في كتاب من كتب الشيعة، وإنما هي مروية في طرق العامة، في طرقٍ لا يمكننا الاعتماد عليها، ويؤيّد ضعفها ما في متنها من الارتباك والتشويش والإغلاق، وعدم الانسجام مع القواعد، لعلّه على ما سوف نتعرّض إلى ذلك أيضاً، فمتن الرواية مناسب مع سندها. إذن فالروايات الثلاث كلّها ساقطة سنداً. وهو أقصر طريق للاستراحة منها. 

في مناقشة دلالة الصيغة 

ولا حاجة بعد هذا إلى مناقشة دلالتها واحداً بعد واحد، واستيعاب تمام المناقشات في كلّ واحد منها. ولكنّنا سوف نقتصر على سبيل النموذج والمثال على بعض المناقشات المهمّة لخصوص الصيغة الأولى، وهي صيغة: “الميسور لا يسقط بالمعسور“، ومن هذا المقدار ينفتح الباب للإخوان على نقد ومناقشة سائر ما ذكر في الباب بالنسبة للروايات الثلاث. 

قلنا: لأننا سوف نعالج من حيث الدلالة الصيغة الرئيسية من هذه الصيغ الثلاث: “الميسور لا يسقط بالمعسور“.

وهذه الصيغة حينما تلقى على العرف لا يشكّ العرفي بعرفيّته في فهم المعنى المقصود منه، أي: إذا وجب واجب ذو أجزاء، وتعذّر بعض الأجزاء فلا يسقط الباقي باعتبار تعسّر ما تعسّر. وأيّ واحد من أهل العرف إذا أراد أن يعبّر عن هذا المعنى بعبارة مختصرة أنيقة فإنه لا يعدو هذه العبارة. إلّا أن التدقيقات الأصولية في هذه العبارة فتحت أبواب عدّة من الإشكالات على الاستدلال بها 

ــــــــــ[358]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

على المعنى المقصود حتّى عادت غير دالّة عليه. والاعتراضات التي وجّهت على الاستدلال بهذه الصيغة يمكن تلخيصها في ثلاثة، وكلّ واحد منها يفترض اتّجاهاً في تفسير الصيغة يختلف عن الاتّجاه الذي يفترضه الاعتراض الآخر. فهناك اتّجاهات ثلاثة في تفسير الصيغة، يرتبط كلّ واحد منها بواحد من تلك الاتّجاهات: 

وهذه الاتجاهات هي في تفسير أداة النفي في هذه الصيغة وهي قوله: ” الميسور لا يسقط بالمعسور “. فإنها بحسب طبيعتها جملة خبرية سالبة، كقولنا: (زيد لا يقوم في الليل). إلّا أنه مع هذا يمكن إبداء احتمالات ثلاثة في تفسير أداة النفي:

فيمكن أن يقال -أولاً-: إن الأداة لم يؤدَّ بها النفي وإنما أريد بها النهي، فإن الجملة الخبرية قد تستعمل في مقام الأمر والنهي، كقوله: (يعيد أو لا يعيد). من قبيل: لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ(1) بناءً على بعض محتملات هذه الآية الكريمة.

الاحتمال الثاني: أن يراد بها النفي -لا النهي- ولكنّه نفي تشريعي -لا تكويني-، أي: نفي يُنشأ بنفس هذه العبارة، لا نفي يحكى عن ثبوته قبل هذه العبارة في العالم الخارجي. من قبيل (لا ربا بين الوالد وولده)، فإنه أُريد بالأداة فيها النفي التشريعي لا التكويني؛ لوضوح أن الربا بين الوالد وولده يقع في عالم التكوين، وإنما هو نفي لربوية هذه المعاملة تشريعاً بنفس هذا الإنشاء. 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

(1) البقرة: 197.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فيكون معنى القاعدة -النفي التشريعي- إنشاء بقاء الحكم على حاله.

الاحتمال الثالث: أن يراد بالأداة النفي أيضاً، وأن يكون المراد من النفي النفي التكويني، وأن يكون المقصود من الجملة الإخبار(1) عن النفي التكويني، لا إنشاء النفي لهذه العبارة. من قبيل: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(2)، فإنه أخبار عن أن الإسلام لم يُجعل فيه حرج على المسلمين. كذلك هذه الصيغة تكون إخباراً عن هذا الأمر متحقّق في الإسلام، وهو أن وجوب الباقي لا يسقط إذا سقط وجوب بعض الأجزاء بالتعذّر.

وهذه الاحتمالات كلّ واحد منها يكون اتّجاهاً في فهم الحديث، ويرتبط به أحد الاعتراضات الثلاثة:

الاعتراض الأوّل على الصيغة ومناقشته

الاعتراض الأوّل على الاستدلال بهذا الحديث، هو الاعتراض الذي ذكره المحقّق الخراساني في (الكفاية). وهذا الاعتراض كأنّه يستبطن الاتّجاه الأوّل في تفسير الصيغة، وهو أن أداة النفي في مقام النهي عن ترك الباقي والإلزام بإيجاد الباقي. حينئذٍ يقال: إن الأمر يدور بين محذورين، وهو أننا إذا تحفّظنا على ظهور النهي في الإلزام، وظهوره بأن الأمر بالباقي أمر وجوبي -كما هو ظاهر 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

() وهذا الإخبار قد يتصدى له المولى وقد يتصدى له غيره على حين انه على الاحتمال الثاني يتعيّن أن يكون المتصدي للنفي التشريعي هو المولى. (جواب على سؤال). (المُقرِّر).

() الحجّ: 78.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

النهي- يلزم من ذلك أن نقيّد موضوع الحكم: -أي: كلمة (الميسور)- بأن نخرج منه تمام المستحبّات، إذ في صلاة الليل إذا تعذّر الجزء لا يعقل بأن يكون الباقي واجباً؛ لأن المركّب بتمامه لم يكن واجباً، فكيف يكون الباقي واجباً؟! وبناءً على ظهور الموضوع في الشمول للواجبات والمستحبات معاً -عملاً بإطلاق كلمة (الميسور) لهما-، لا بُدّ من رفع اليد عن ظهور (لا) في الإلزام وحمله على طبيعي الرجحان. فيقع التعارض حينئذٍ بين التحفّظ على الظهور الأوّل وهو ظهور (لا) في الإلزام، أو التحفظ على الظهور الثاني وهو ظهور الموضوع في الشمول للمستحبّات، وحيث لا مرجّح لأحدهما على الآخر
-مثلاً- فتجمل الرواية من هذه الناحية، فلا يبقى في الرواية دلالة على الالتزام الذي هو مقصود المستدلّ.

ويرد على هذا الاعتراض:

أولاً: أن هذا الاعتراض إنما يتوجّه على الاتّجاه الأوّل في تفسير أداة النفي، وهو أن تكون في مقام النهي عن ترك الباقي، والإلزام باتّجاهه أو بإيجاده. وأما إذا قلنا: إن الأداة في مقام النفي لا النهي، سواء كان نفياً تشريعياً أو تكوينياً، فيكون مفاد الرواية هو بيان: أن الميسور لا يسقط إذا تعسّر المعسور، أي: نفي سقوط الميسور. فهذا الذي تنفي سقوطه ما هو؟ هل هو حكم الميسور، أو نفس الميسور؟ فإنه إما أن نقول: إن حكم الميسور بالتزام التقدير في الرواية، يعني: حكم ” الميسور لا يسقط بالمعسور “، أو نقول: إن الذي ننفي سقوطه هو نفس الأجزاء التسعة الميسورة. فإن قلنا: إن المنفي سقوطه هو حكم 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الميسور، إذن فلا تعارض ما بين محذورين، بل نقول: إن كلمة (الميسور) تشمل الواجبات والمستحبّات معاً، والرواية تقول: إن حكم المركّب لا يسقط عن البعض إذا تعذّر بعضه الآخر. أما ما هو حكمه: الوجوب أو الاستحباب؟ فهو يتبع أصله ويستفاد من دليله، فإن كان حكم الأصل هو الوجوب فذاك الوجوب لا يسقط، وإن كان هو الاستحباب فذاك الاستحباب لا يسقط. فقد تحفّظنا على دلالته على الوجوب مع إطلاق الموضوع بلا تعارض في البين أصلاً.

وإذا فرضنا أن المنفي سقوطه هو نفس الميسور، أي: نفس الأجزاء التسعة، فسقوط الشيء معناه نزوله من أعلى، والأجزاء التسعة هنا حيث كانت مفروضة من قبل المولى، كانت في العهدة على العبد، وهو نحو استعلاء على العبد. فحينما يقول عن الأجزاء التسعة إنها لا تسقط، يعني: لا تنفر عن العهدة، بل تبقى فيها. أما عن وجودها في العهدة هل هو وجود إلزامي أو استحبابي؟ فهذا يدور مدار أدلّته، وليس في هذا الدليل تعرّض إلى أن العهدة هنا وجوبية أو استحبابية. فيكون هذا الدليل أيضاً دالّاً على الوجوب في الواجبات وعلى الاستحباب في المستحبّات. 

هذا حاصل الجواب الأوّل عن الاعتراض.

الجواب الثاني: وهو أن الاحتمال الذي ربط به الاعتراض، وهو أن تكون لا بمعنى النهي، غير صحيح في نفسه؛ لأن النهي يحتاج إلى أن يتعلّق بفعل المكلّف، أو بعنوان من العناوين المنطبقة عرفاً على فعل المكلّف. وهنا مدخول لا هو 

ــــــــــ[362]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

سقوط الميسور، وهو فعل المولى لا فعل العبد، سواء أريد حكم الميسور أو نفس وجود الميسور في العهدة. فلا معنى لأن ينهى المولى عبده عن سقوط الحكم. 

قد يقال: إن السقوط له معنيان: تارةً يراد به السقوط الواقعي للحكم في عالم التشريع، فهذا هو فعل المولى، ولا يمكن للمولى أن ينهى عبده عن فعل نفسه. وأخرى يراد بالسقوط السقوط العملي للحكم، بمعنى عدم ترتّب الأثر عليه خارجاً، كنقض الحكم الذي يراد به -كما قرأتم في (الكفاية)- نسخه، وهذا فعل المولى. وأخرى يراد منه الجري على خلافه خارجاً، وهو فعل العبد، وهو الذي وقع متعلّقاً للنهي في قوله: “ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً(1).

فإنه يقال: إنه فرق بين عنوان السقوط وعنوان النقض، فإن ما يساوق النقض هو الإسقاط، وما يساوق السقوط هو الانتقاض.

 والسقوط والانتقاض لا يصحّ أن يراد منه فعل المكلّف وجريه على خلاف التكليف، بل ما ينبغي أن يراد منه ذلك هو عنوان الإسقاط والنقض، والوجه العرفي في ذلك هو أن العنوان الذي يصلح أن يطبّق على فعل المكلّف عرفاً، هو عنوان يصلح أن يضاف إلى فعل المكلّف على حدّ إضافة الفعل إليه، فيصحّ أن يقال: (نقض المكلّف للحكم أو إسقاطه له). ولكن لا يصحّ أن يقال: (سقوط المكلّف للحكم أو انتقاضه له). فإن الإسقاط والانتقاض يضاف إلى المسقط والمنتقض، لا إلى المكلّف عرفاً.

ــــــــــ[363]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام. ج: 1. باب 22. ص: 422. ح:1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فكلّ عنوان قابل أن يضاف إلى المكلّف عرفاً، يصحّ أن يكون عنوان لفعل المكلّف، فيراد به النقض أو الإسقاط العملي. وأما ما كان لا يصلح أن يضاف إلى المكلّف عرفاً، لا يصلح أن يكون عنواناً للفعل المضاف إلى المكلّف. 

إذن فلو كانت العبارة هكذا: (الميسور لا يُسقَط بالمعسور)، يعني: كان مدخول الأداة هو الإسقاط للسقوط، لكان لهذا الاحتمال مجال، وأما حيث نقرأ العبارة هكذا: (لا يُسقِط) بنحو المبني للمعلوم، فحينئذٍ لا يأتي مثل هذا الاحتمال.

وأما ثالثاً: فلو سلّمنا مع صاحب (الكفاية): أن النفي بمعنى النهي، وأنه وقع تعارض بين ظهور (لا) في الإلزام وبين إطلاق الموضوع للمستحبّات. نقول: إن المتعيّن هو تقييد الموضوع والتحفّظ على ظهور (لا) في الإلزام؛ لِما سوف يأتي في مباحث التعادل والتراجيح من أن التقييد مقدّم على تأويل الهيئة. إذا دار الأمر بين تأويل الهيئة وتقييد إطلاق المادّة، فتقييد إطلاق المادّة مقدّم على تأويل الهيئة، كما إذا قال: (أكرم كلّ عالم) ودار الأمر بين أن نحمل (أكرم) على الاستحباب أو نقيد (العالم) بخصوص الفقيه، فنقيّده ولا نحمل الهيئة على الاستحباب على ما يأتي تحقيقه في مبحث التعادل والتراجيح. إذن فهذا الاعتراض مما لا أساس له.

الاعتراض الثاني ومناقشته

الاعتراض الثاني على الصيغة ما جاء في (الدراسات) من ” الميسور لا يسقط بالمعسور ” أمره يدور بين أن يكون المقصود منه باب الكلّي مع الأفراد، أو باب المركّب مع الأجزاء، فإنه إما أن يكون المراد من المولى إذا أمر بكلّي له أفراد، وقال: (أكرم العالم) وتعذر إكرام واحد من العلماء، يقول في الصيغة: إنه 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إذا تعذّر إكرام الواحد فيجب عليك إكرام الباقي، وإما أن يكون المقصود هو المركّب مع الأجزاء، من قبيل الصلاة إذا تعذّر واحد منها فيجب الباقي.

فاذا طبّقنا هذه الصيغة على المركّب مع الأجزاء، كما هو محلّ الكلام، فيلزم أن يكون الحكم حكماً مولوياً؛ لأن وجوب الباقي هنا على خلاف القاعدة، فإن مقتضاه عدم وجوبه، فمتى ألزم به كان هذا حكماً مولوياً من نتائج هذه القاعدة. وأما إذا طبّق على موارد الكلّي مع الأفراد، فلا بُدّ وأن يكون حكماً إرشادياً؛ إذ إنه إذا وجب إكرام العلماء بنحو العموم الاستغراقي الانحلالي، وتعذّر بعض الأفراد، فهنا يستقلّ العقل بأنه لا مانع من بقاء الوجوب على الأفراد الأخرى؛ لأنها أحكام عديدة على مواضيع عديدة، فإذا تعذّر بعضها بقي الحكم الآخر على حاله.

إذن فقاعدة الميسور لو طبّقت على باب المركّب تكون متكفّلة للوجوب المولوي، وإذا طبّقت على الباب الآخر تكون متكفّلة للحكم الإرشادي، وتكون إرشاداً إلى حكم العقل. وحيث إنه لا جامع بين المولوية والإرشادية، ولا يمكن استعماله فيهما معاً، فيدور الأمر بينهما، فتكون الرواية من هذه الناحية مجملة. 

هذا هو الاعتراض الثاني. وهو غير تامّ، وذلك:

أما أوّلاً: فلأن الأمر بحسب الحقيقة ليس دائراً بين المولوية والإرشادية، بل هو مولوي على كلّ حال، غاية الأمر هو دائر بين التأسيسية والتأكيدية. فإن مرادنا من المولوية -في مقابل الإرشادية- أن المولى إذا تصدّى لمقصد مناسب له 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بما هو مولوي، فيقال بمولوية هذا المقصد. وإذا تصدّى لمقصد ليس مربوطاً به بما هو مولوي، فيقال بأنه مقصد إرشادي. فمثلاً إذا ألزم بالصلاة يقال: هذا مولوي، أما إذا بيّن مضارّ أكل الجبن أو مضارّ العصيان يكون إرشادياً؛ لأنه ليس من شؤون المولى بما هو مولى.

وفي محلّ الكلام إذا قلنا بأن أداة النفي نافية لسقوط ومنشئة لبقاء الحكم كما كان. فحينئذٍ يقال: بأن هذا الإنشاء مولوي على كلّ حال؛ لأنه إنشاء يبرز إرادة مولوية في مقام البعث والتحريك. غاية الأمر أن هذه الإرادة في باب المركّبات لم تبرز بإنشاء قبل ذلك، بل هو إبراز تأسيسي لها. وفي باب الكلّي مع الأفراد، تكون هذه الإرادة قد أبرزت قبل ذلك بأنشاء آخر، وهو قوله: (أكرم كلّ عالم)، فإنه بنفسه إبراز أيضاً لبقاء وجوب إكرام زيد العالم إذا تعذّر إكرام عمرو العالم. فالإنشاءان والوجوبان معاً مولويان، لا يخرجهما عن المولوية أن يكون المبرز قد أبرز قبلاً أو لا. غاية الأمر يختلفان في عنوان التأسيسية والتأكيدية. 

ومن المعلوم أن التأسيسية والتأكيدية ليست من مداليل الألفاظ، وإنما هي عناوين تنتزع منها بلحاظ أنها هل هي مسبوقة بمثلها أو لا؟ فعلى الأوّل ينتزع منها عنوان التأكيد، وعلى الثاني التأسيس. فلا يلزم من الجمع ما بين باب المركّب وباب الكلّي أيّ محذور في المقام.

الاعتراض الثالث

الاعتراض الثالث: وهو مبنى على أن تكون (لا) بمعنى النفي، وأن تكون في مقام الإخبار عن النفي. فإنه حينئذٍ يقال: بأن المولى في هذه الجملة أخبر عن عدم سقوط الباقي، وهذا الإخبار لو طبّق على موارد الكلّي وأفراده فهو إخبار بلا مسامحة ولا عناية؛ لأنه لو وجب الكلّي كإكرام العالم، وانحلّ على أفراد العلماء، ثُمّ تعذّر إكرام بعض العلماء، فالوجوب عن باقي العلماء لا يسقط 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

حقيقة، فلو أخبر عن عدم السقوط فيها يكون إخباراً بلا عناية ولا مؤونة. وأما بالنسبة إلى المركّبات والأجزاء، كما لو وجب مركّب وتعذّر الجزء العاشر منه؛ فلو بُني على أن الباقي يجب، فهذا الوجوب لا يعني أن الوجوب الأوّل لم يسقط، بل ذاك الوجوب المتعلّق بالتسعة، بحكم كونه ضمنياً، قد سقط مع وجوب العشرة الارتباطي. وحدث الآن وجوب آخر غير الوجوب الأوّل. فهذا بالدقّة لا يسمّى: (أنه لم يسقط)، بل يسمّى: (أنه عوَّض عنه بمثله)، ولا يعبّر عن التعويض بعدم السقوط إلّا من باب المسامحة والعناية، وهي تحتاج إلى قرينة ولا قرينة.

وحيث إن وجوب الباقي بيّن في هذه العبارة بلسان أنه (لا يسقط)، فيتعيّن حمله على مورد يصدق فيه عدم السقوط بلا عناية، وذلك المورد إنما هو الكلّي مع الأفراد دون المركّبات مع الأجزاء. فيتعيّن صرف الكلام إلى خصوص الكلّي مع الأفراد، وتكون مسألة السقوط قرينة على أن مثل هذه القاعدة ناظرة إلى باب الكلّي والأفراد، لا إلى باب المركّب والأجزاء.

 وهذا الإشكال جاء في (الدراسات) مبنيّاً على التصوّر المشهوري لكيفية وجوب الباقي. فإننا قلنا بأن وجوب الباقي في باب المركّبات يتصوّرونه بأن يفترضوا أن الخطاب الأوّل سقط برمته، ثُمّ نشأ خطاب آخر يتكفّل إيجاب الباقي. بناءً عليه قد يقال: بأن التعبير بـ(لا يسقط) مسامحة في باب المركّبات؛ لأن الخطاب الأوّل سقط حقيقة. وأما نحن فقد تصوّرنا وجوب الباقي بنحوٍ بحيث لا نحتاج إلى خطابين، بل يمكن تصميم الخطاب الأوّل نفسه بنحوٍ 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

يتكفّل إيجاب الفرد التامّ ما دام الإنسان مختاراً، وإيجاب الفرد الناقص بعد طروّ التعذّر والعجز، وذلك بأن يكون الخطاب الأوّل متكفّلاً من أوّل الأمر لإيجاب الجامع بين الفرد التامّ والفرد الناقص الذي ينشأ نقصانه عن النسيان، وحينئذٍ يكون إيجاب الباقي بعد طروّ النسيان أو التعذّر بنفس الخطاب الأوّل لا بخطاب جديد، فيصدق أنه لم يسقط حقيقة ودقّة لا عناية ومسامحة.

 ثُمّ إننا لو أخذنا بوجهة النظر المشهورية في تصوّر إيجاب الباقي، وأنه يتمّ بفناء الخطاب الأوّل، وولادة خطاب جديد متكفّل لإيجاب الباقي، فهل يصحّ حينئذٍ الاعتراض الثالث؟ الصحيح أنه لا يكون صحيحاً ولا وجيهاً، وذلك لصدق عنوان عدم السقوط حقيقة عرفاً، لا بحسب الدقّة الفلسفية التي ليست معياراً في تشخيص المفاهيم العرفية.

 وتوضيح ذلك: أن المنفي سقوطه إن كان هو حكم الميسور بالالتزام بالتقدير، إذن فقد يقال -وفاقاً (للدراسات)- بأن عدم السقوط هنا عنائي لا حقيقي؛ لأن ذاك الفرد من حكم الميسور سقط؛ والذي ثبت فرد ووجوب آخر مغاير معه، فإن قيل إنه عينه فليس إلّا من باب المسامحة، وهي تحتاج إلى قرينة ولا قرينة على ذلك.

وأما إذا فرضنا أن المنفي سقوطه هو نفس الميسور لا حكمه، كما أبدينا احتمال ذلك في الأيام السابقة، بل هذا هو الأظهر؛ لأن التقدير على خلاف الأصل، ومعنى سقوط نفس الميسور إنما هو باعتبار أن الميسور حيث كان واجباً فهو في العهدة على المكلّف. وكونه في العهدة كون استعلائي على 

ــــــــــ[368]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

المكلّف، فلو أعفى الشارع المكلّف عن الباقي لكان هذا هو معنى سقوطه عن العهدة. بناءً على هذا يصدق عدم السقوط حقيقة بحسب النظر العرفي. 

وذلك: لأن وجود كلّ متعلّق في العهدة وإن كان بحسب الدقّة العقلية تابعاً لوجود حكمه، بحيث إنه يتشخّص بتبع تشخّص وجود الحكم ويسقط بسقوطه، فإذا سقط وجوب العشرة سقطت التسعة الموجودة في عالم متعلّق هذا الحكم بتبع سقوطه. هذا بحسب الدقّة العقلية.

وأما بحسب الفهم العرفي، فوجود الحكم حيثية تعليلية لوجود المتعلّق في العهدة لا حيثية تقييدية له. من قبيل شيء يكون ثابتاً في الرفّ لأجل اتكائه على خشبه، فاتكاؤه عليها حيثية تعليلية لوجوده على الرفّ. كذلك التسعة أجزاء يكون الوجوب السابق حيثية تعليلية لوجودها في العهدة، فلو تبدّل وجوب التسعة الضمني، وحدث وجوب آخر استقلالي لها، فهذا من باب تبدّل الحيثية التعليلية لوجود التسعة في العهدة(1)، وإلّا فالوجود هو عين الوجود بحسب النظر العرفي، كما في المثال لو غيّرنا الخشبة إلى خشبة أخرى، نقول: لم يسقط عن الرف؛ لأنه تبدّلت الحيثية التعليلية لحفظه على الرفّ، وأما كونه على الرفّ فهو باقٍ على حاله، واختلاف الحكم -وهو حيثية تعليلية- كاختلاف الخشبة، فلا يكون منافياً مع صدق عنوان عدم السقوط حقيقة بحسب النظر العرفي.

وعليه، لا يوجد هناك محذور من ناحية كلمة السقوط لدعوى تعميم 

ــــــــــ[369]ــــــــــ

() غاية الأمر بأن هذا الميسور وجوده أوّلاً في العهدة كان باعتبار الحكم الأوّل، وبقاؤه في العهدة بلحاظ الحكم الثاني. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

القاعدة لباب الإجزاء، لا بناءً على تصوّرنا لكيفية وجوب الباقي، ولا بناءً على التصوّر المشهوري له. 

ومن الغريب ما ذكره المحقّق الأصفهاني في حاشيته على (الكفاية)، حيث ذكر: أن عدم السقوط هنا منسوب إلى نفس الميسور لا إلى حكمه -كما قلنا-، ولكن لم يلحظ في صدق ذلك وجوده في العهدة، بل قال: إن سقوطه وعدم سقوطه بلحاظ موضوعيته للحكم، فالميسور لا يسقط، يعني لا يسقط عن موضوعيته للحكم أو متعلّقيته له، وهذا مما لا يساعد عليه الفهم العرفي، وذلك لِما قلنا من أن السقوط يحتاج إلى فرض نحوٍ من ارتفاعٍ للساقط بحيث يهوي ويسقط، ومجرّد كون الميسور موضوعاً لحكم لا يوجب نحو ارتفاع له ما لم تكن موضوعيته لهذا الحكم لوجوده في العهدة على المكلّف. ولهذا لو سقط شرب الماء عن الموضوعية للإباحة -كما فيما بعد الفجر من شهر رمضان- لا يقال: بأن شرب الماء سقط. ولكن لو سقط وجوب الصلاة يقال: سقطت الصلاة. مع أن شرب الماء أيضاً موضوع للحكم كالصلاة، لكن مجرّد الموضوعية لا يصحّ عنوان السقوط بحسب الفهم العرفي، وإنما الذي يصحّحه عرفاً أن يكون له نحو ارتفاع وشموخ بحيث يهوي، وهذا إنما يكون بلحاظ وجوده في العهدة لا بلحاظ موضوعيته للحكم. 

هذا تمام الكلام في رواية “الميسور لا يسقط بالمعسور“. وكان المفروض أننا نقتصر على هذه الرواية في مقام التعرّض، إلّا أن بعض الأحبة يحبّون التعرّض إلى الرواية الأخرى أيضاً، وهي المروية عن النبي: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم”.

ــــــــــ[370]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الصيغة الأخرى لقاعدة الميسور

هذه الصيغة لو كانت مجرّدة عن مقدّماتها ولواحقها في الحديث لكانت دلالتها على المقصود واضحة، إذ تكون ظاهرة: بأنه كلّما وجب شيء ثُمّ تعذّر بعضه فلا بُدّ من الإتيان بالبعض الآخر، وهذا هو تمام المقصود في المقام.

 إلّا أنه استشكل في الاستدلال بهذه الرواية من ناحية أن هذه الصيغة طبّقت على مورد ليس من موارد المركّب والأجزاء، بل هو من موارد الكلّي والأجزاء؛ لأن موردها هو أن النبي -إن صحّت الرواية- بيّن للصحابة أنه كُتب عليكم الحجّ، فسأل واحد منهم: هل في كلّ عام؟ فلم يجب، فكرّر السؤال ثلاث مرات، فلم يجب، بعد هذا أظهر التأثّر من هذا الإلحاح في السؤال، وذكر أنه: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم“. 

فالصيغة طبّقت على الحجّ، وقد لوحظ مع أفراده لا مع أجزائه، بل مع أفراده الطولية في كلّ عامّ. فمن هنا وقع إشكال في الاستدلال بهذه الرواية، وحاصله: أن هذه الصيغة لا تخلو من أن نقول: إن (من) في قوله: “فاتوا منه ما استطعتم” تبعيضية -كما هو ظاهرها -، فيختصّ بخصوص المركّب والأجزاء الذي هو محلّ الكلام، يعني: (إذا أمرتكم بمركّب فأتوا من أجزائه بقدر المستطاع). وأما إذا كانت (من) هنا بيانية، أو بمعنى (الباء) مثلاً، فيكون المراد منه الكلّي، يعني: (إذا أمرتكم بكلّي فأتوا به أو فآتوه بمقدار المستطاع). واستعمال (من) في كِلا المعنيين غير معقول ولا جامع بين المعنيين، فيدور الأمر بين أن يراد هذا بالخصوص أو ذاك بالخصوص. وظاهر (من) وإن كان هو 

ــــــــــ[371]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التبعيض، ولكن بلحاظ أن الصيغة طُبّقت على الحجّ مع أفراده الطولية، فلا يمكن الالتزام بأن هذه الصيغة واردة بلحاظ المركّبات، وإلّا لخرج مورد الرواية من تحتها، فلا بُدّ من الالتزام بكون (من) هنا قد استعملت في غير التبعيض، وحينئذٍ تحمل الصيغة على أنها بلحاظ الكلّي مع الأفراد، لا بلحاظ المركّب مع الأجزاء، فتخرج عمّا هو محلّ الكلام(1).

وقد أجاب عن ذلك المحقّق الأصفهاني في حاشيته، بأن: مَن قال لكم بأن (من) موضوعة للتبعيض بهذا المعنى الذي لا يناسب مع الفرد بالنسبة إلى الكلّي، بل معنى كون (من) دالّة على التبعيض، يعني دالّة على الاقتطاع والإخراج والإفراز بنحو من الأنحاء، والاقتطاع كما يناسب اقتطاع الجزء من المركّب، كذلك يناسب اقتطاع الفرد من الكلّي، فإن هذا نحو من الاقتطاع بحسب الفهم العرفي، باعتبار أن الكلّي له نحو إحاطة وشمول وهيمنة على الأفراد، فيكون إخراج الفرد من حيّزه نحو اقتطاع له، وعليه فهذا المعنى معنىً عامّ يناسب مع باب المركّب والأجزاء ومع باب الكلّي والأفراد. وعليه فليُحمل على هذا المعنى العامّ، ويكون مورد التطبيق أيضاً داخلاً تحته.

وهذا المعنى الذي أفاده المحقّق الأصفهاني في غاية الوجاهة.

ــــــــــ[372]ــــــــــ

() وهنا قلت له: ما هو وجه الامتناع في استعمال (من) التبعيضية بالنسبة إلى الكلّي والأفراد؟

فأجاب (سلّمه الله): أن الفرد ليس جزءاً من الكلّي بل هو عينه.

فقلت له: إن المقصود من البعض: (بعض الأفراد).

فقال: الفرد هو بعض مجموع الأفراد، لا بعض الكلّي، بل هو عينه. انتهى. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في فقه الحديث

إلّا أنه يبقى الكلام بعد ذلك في فقه هذه الرواية، فإن فقهها لا يخلو من إشكال عويص، وقد يؤدّي إلى وقوع إجمال في مدلول الرواية، ويؤدّي هذا الإجمال إلى سقوط الاستدلال بها. فإننا إذا لم نستطع أن نفسّر تمام فقرات الرواية بنحو ينسجم صدرها مع ذيلها، وينسجم كلام السائل مع كلام النبي والتعليل مع المعلّل. فحينئذٍ يؤدّي هذا إلى الإجمال في الرواية، وإلى القطع بأن الرواية وقع فيها خلل بنحو من الأنحاء، ومعه لا يمكن الاستدلال بما يتراءَى من ظاهرها.

فلا بُدّ من التحدّث في فقه الرواية؛ لأجل أن يُرى أنه هل يمكن اقتناص معنىً معقول من تمام فقراتها أو لا؟

*****

ــــــــــ[373]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 







الكلام في فقه الحديث: المنقول عن النبي(1).

ومن ناحية فقه هذا الحديث يتبادر إلى الذهن عدّة إشكال:

 أوّلاً: أن الذي يبدو من الحديث أن السؤال من قَبل كان السائل بنفسه قوّة محرّكة للتشريع، بحيث كان من المترقّب أن يتحرّك التشريع الإسلامي، ويصدر حكماً جديداً بمنبّهية هذا السؤال، ولهذا أراد النبي سدّ باب هذا السؤال؛ لئلّا يحصل منبّه جديد للتشريع الإسلامي ليصدر حكماً لوجوب الحجّ في كلّ عامّ. مع أن مثل هذه المنبّهية غير واضحة؛ لأن الحكم المسؤول عنه إن كان ملاكه تامّاً 

ــــــــــ[374]ــــــــــ

() أقول: وهو ما روي في الدراسات عن صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: “خطبنا رسول الله فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا. فقال رجل أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتّى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله: لو قلت نعم، لوجبت ولَما استطعتم. ثُمّ قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه“. وأيضاً في (الدراسات) عن (سنن النسائي) أنها مروية بوجه آخر وهو قوله في آخر الرواية: “فإذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه“.

أما سيّدنا الأستاذ -السيّد الصدر- فقد رواها في البحث بشكل يختلف عن ذلك قليلاً، فإنه قال بعد ذكر تكرار سؤال الراوي: “قال بشيء من التبرّم والضيق بهذا الإلحاح من السائل: لو قلت نعم لوجب الحجّ في كلّ عامّ، ولو وجب لَما استطعتم ولكفرتم. ثُمّ قال بعد ذلك: إنه إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم“. فقد أعطى قاعدة عامة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فيشرّع على كلّ حال، سواء سُئل عنه أو لا. وإن فرض أن ملاكه غير تامّ ومصلحته لم تبلغ إلى درجة اللزوم، إذن فلا يشرع على كلّ حال، سواء سُئل عنه أو لا. بناءً على ما هو الصحيح من تبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد الواقعية؛ فكيف يمكن أن نفسّر منبّهية السؤال للتشريع الإسلامي(1)؟ 

الإشكال الثاني: في قوله: “ولو قلت نعم، لوجب ولَما استطعتم ولكفرتم“، فإنه إذا فرض أنهم لا يستطيعون، فإنهم معذورون من هذه الناحية، وكيف يعقل أن يكلّف بما لا يستطاع، ثُمّ كيف يعقل أن يدينهم ويجعلهم كفاراً؛ لأنهم لم يأتوا بما لا يستطيعونه؟! 

الإشكال الثالث: هو في القاعدة التي أعطاها -لو صحّت الرواية- حيث قال: “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم“، فإن هذه القاعدة إما أن نطبّقها على باب المركّبات والأجزاء فقط وإما أن نطبقها على الكلّي والأفراد. تطبيقها على المركّبات والأجزاء فقط، غير صحيح؛ لأن مورد الكلام هو الكلّي مع الفرد لا المركّب مع الجزء، فلا بُدّ من تصويرها -تطبيقها- على الكلّي مع الأفراد، ومن هنا ينشأ الإشكال، وذلك أن تصوّر تطبيقها على الكلّي والفرد يكون بأحد أنحاء ثلاثة:

الاحتمال الأول: أن يكون المراد من الجملة: (إذا أمرتكم بكلّي بنحو صرف 

ــــــــــ[375]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إن هذه المنبهية تستفاد من أين؟

فأجاب: من منعه عن السؤال، وأنه (لو قلت: نعم، لأصبح واجباً). فقد سدّ باب السؤال؛ لأجل أن لا يؤدّي إلى تشريع حكم جديد، وهذا معنى التنبيه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الوجود، كالأمر بالصلاة أو الحجّ، فأتوا منه تمام ما تستطيعون من أفراده). هذا تناقض واضح؛ لأنه إذا فرض أن الأمر كان أمراً بصرف الوجود، فكيف يفرض أن هذا الأمر مقتضٍ في مقام الامتثال لاستيعاب تمام الأفراد المستطاعة(1)؟! فتطبيق هذه القاعدة على الأوامر المتعّلقة بصرف وجود الكلّي غير صحيح.

الاحتمال الآخر: أن يكون النظر إلى الأمر المتعلّق بالكلّي، بنحو مطلق الوجود -لا بنحو صرف الوجود-، كما في: (أكرم العالم)، فيكون معنى القاعدة هكذا: (إذا أمرتكم بكلّي بنحو مطلق الوجود، فأتوا بالأفراد المستطاعة من ذلك الكلّي)، وهذا وإن كان أمراً معقولاً في نفسه إلّا أنه خلاف ظاهر سياق الحديث.

أما أوّلاً: فلأنه لا ينطبق على مورد الكلام؛ لأن الحجّ لم يؤمر به على نحو مطلق الوجود، وإنما أمر به بنحو صرف الوجود، فمورد الرواية يكون خارجاً عن الموضوع.

وأما ثانياً: فلأن هذا هو المحذور الذي كان يريد رسول الله تخليص المسلمين منه، فإن هذا هو أشدّ ما كانوا يحتملونه، فإذا بيّن ذلك فقد أفعمهم بأشدّ ما كانوا يحتملونه، مع أن ظاهر سياق الحديث أنه في مقام التخفيف عنهم وصيانتهم من هذا المحذور.

الاحتمال الثالث: هو أن يكون مقصود النبي أن يضرب قاعدة في مقام الاستفادة من الأدلّة، وأنه: (أنا متى أمرتكم بكلّي فأنا أريد منه مطلق 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

() مع أنه لا يقتضي غير فرد واحد من الأفراد. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الوجود، أي: تمام الأفراد المستطاعة لا صرف الوجود)، وهذا أيضاً أمر معقول في نفسه، إلّا أنه غريب أيضاً:

أما أوّلاً: فلأنه لا ينطبق على مورد الكلام وهو الأمر بالحجّ؛ لأنه لم يُرد به مطلق الوجود.

وأما ثانياً: فلأن مثل هذه القاعدة غريبة عن لسان الشارع في مجموع خطاباته، فإن الشارع كثيراً ما يأمر بالكلّي ويراد به صرف الوجود، فإن أغلب الأوامر مبنيّة على صرف الوجود، لا مطلق الوجود، فتأسيس قاعدة تقتضي: أن كلّ أمر ورد في لسان الشارع متعلّقاً بالكلّي فيراد منه مطلق الوجود، غريبة عن لسان الشارع وخطاباته.

فالاحتمالات الثلاثة كلّها غير ممكنة، فهذا هو الإشكال الثالث في فقه الرواية. 

ونحن نبدأ بالإشكال الثالث: فما يمكن أن يقال في مقام دفع هذه المشكلة، بحيث يتصوّر معنى معقول لقوله: “إذا أمرتكم…“.

هو أن يقال: بأن هذه القاعدة مضروبة لبيان الحدّ الأقصى لبيان التكاليف الشرعية، لا الحدّ الأدنى لها. ليس المراد بيان الحدّ الأدنى يعني الحدّ الذي لا بُدّ منه على كلّ حال لامتثال التكاليف الشرعية، وهو أن يؤتى بالمستطاع بتمامه، بل لبيان الحدّ الأقصى وهو: أن كلّ أمر يصدر منّي لا يلزم امتثاله بأكثر من المقدار المستطاع. أما أنه في حدود المستطاع هل يكون امتثاله بفرد واحد أو بفردين أو بتمام الأفراد؟ فهذا يجب أن ينظر فيه إلى دليله، فقد يدلّ دليله على صرف 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الوجود، وقد يدلّ على مطلق الوجود. فتكون الرواية ناظرة لبيان الحدّ الأعلى في مقام الامتثال، يعني لنفي ما زاد على هذا في مقام الامتثال. وأما أنه في ضمن الاستطاعة ما هو كمية الامتثال؟ فهذا يختلف باختلاف الموارد. 

ثُمّ نفسّر (الاستطاعة) هنا، لا بالاستطاعة العقلية الدقّية، بل بالاستطاعة التي تقابل الحرج والمشقّة، فإن بعض مراتبها يصدق بحسب بعض الأنظار العرفية أنه غير مستطاع، فمراده من قولهفاتوا منه ما استطعتم يعني: المقدار المستطاع بحسب النظر العرفي الخالي من تلك المراتب العالية من المشقّة التي قد تزيل عنوان الاستطاعة عرفاً، وإن كان يبقى معها الاستطاعة عقلاً.

والقرينة على حمل الاستطاعة على هذا المعنى هو قوله فيما قبل: “ولو أمرتكم لوجب، ولو وجب لَما استطعتم ولو تركتم لكفرتم“، فإنه لو فرض أن الاستطاعة هناك كانت مستعملة بمعنى القدرة العقلية، إذن كيف يمكن للنبي أن يوجب؟ وكيف يمكن أن يسجّل عليهم الكفر إذا لم يأتوا بأمر غير مقدور لهم؟! مع وضوح استحالة التكليف بغير المقدور بحيث يكون كالقرينة المتّصلة المحتفّة بكلام النبي، فهذا موجب لأن يفهم من قوله: “لَما استطعتم” أنه: (لوقعتم في مشقّة شديدة). إذن ففي الجملة السابقة استعملت كلمة (الاستطاعة) فيما يقابل المشقّة الشديدة، لا ما يقابل العجز التكويني، فيكون هذا قرينة على أن المراد بالاستطاعة الواردة في القاعدة أيضاً ما يقابل المشقّة الشديدة. 

إذن فالرواية التي قلنا: إنها في مقام بيان الحدّ الأعلى للامتثال، والحدّ الأعلى هو الاستطاعة بالمعنى المقابل للمشقّة والحرج لا المقابل للعجز 

ــــــــــ[378]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

التكويني. وعليه بناءً على هذا يكون هذا الكلام جواباً أيضاً لعكاشة -السائل- عن سؤاله: (أنه هل يجب الحجّ في كلّ عام أو لا؟)؛ لأن النبي حكم أوّلاً بأن الحجّ في كلّ عام غير مستطاع بمعنى: أنه فيه مشقّة، ثُمّ حكم بأن الحدّ الأعلى في كلّ تكليف هو حدود ما لا يكون فيه حرج ومشقّة، فكأنّه قال لعكاشة: (إنه لا يجب الحجّ في كلّ عام). 

إذن فهذه المشكلة يمكن إزالتها عن هذا الطريق. 

وبهذا البيان يظهر اندفاع المشكلة الثانية، وهو قوله: “ولو قلت نعم، لوجب ولو وجب لَما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم“.

وأنه كيف يمكن التكليف بغير المقدور؟!

يجاب: أن بداهة قبح التكليف بغير المقدور بنفسها تكون قرينة لُبّية كالمتّصلة على أن مراده من الاستطاعة هنا ما يقابل الحرج والمشقّة، لا ما يقابل العجز التكويني، فقد اندفعت المشكلة الثانية أيضاً(1)

في منبهية السؤال للتشريع

أما المشكلة الأولى وهي: أنه كيف يُتصوّر منبّهية السؤال للشريعة الإسلامية؟ فإن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، فالحكم إن كان ملاكه في 

ــــــــــ[379]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إنه بلحاظ أدلّة الضرر والحرج لا يستلزم عصيان الأوامر الكفر.

فقال (سلّمه الله): حتّى لو أمر بالحرج وأوجب الحجّ في كلّ عام؟

فقلت: نرفعه بأدلّة الحرج.

فأجاب: هذا يكون من قبيل الجهاد الذي لا يرفع بأدلّة الحرج..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

نفسه تامّاً فهو يبيّنه، سواء سئل عنه أو لا. وإن كان ملاكه غير تامّ فلا يقول: (نعم)، سُئل أو لم يسأل. 

هذا الكلام تصويره بأن يقال: إنه من المعقول افتراض جملة من الأحكام تكون واجدة للملاك اللّزومي في الواقع، غاية الأمر بأن هناك محذوراً ومانعاً عن إبداء هذا الحكم، وبتعبير آخر هناك مصلحة في إخفاء هذا الحكم. فيقع التزاحم لا محالة بين ملاك ذلك الحكم وبين المصلحة القائمة بإخفاء هذا الحكم، وقد يغلّب مصلحة الإخفاء على مصلحة أصل الحكم، فلا يبديه وإن كان الحكم ثابتاً ملاكاً في عالم التشريع. وهذا في نفسه معقول.

حينئذٍ يمكن أن نفترض أن الإخفاء له مراتب، بعضها يكون فيها مصلحة وبعضها ليس فيها مصلحة. مثاله: أن أحدنا يجلس بين أصدقائه ويكون عطشاناً، لكنّه يخفي عطشه عنهم؛ لأجل أن لا يكلّفهم أن يأتوا له بماء. فهذه مرتبة من الإخفاء كان فيها مصلحة في نظره، وهي أن لا يتصدّى ابتداءً للبيان، لكن لو سأله أحد أصدقائه: (هل أنت عطشان؟)، فهنا قد لا يكون في هذه المرتبة الأخرى الأشد من الإخفاء مصلحة، فيقول: (نعم)، ويتمّم بذلك الحجّة على تمام أصدقائه. وكلّ هذا أمر معقول(1).

فإذا كان هذا معقولاً يمكن أن نفترض هذا في التشريع الإسلامي بأن 

ــــــــــ[380]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الاخوان: ان المصلحة تكون للمخفي. 

فأجاب: قد تكون المصلحة للمخفي عليه أيضاً ولو من قبيل مصلحة التسهيل وغيرها من المصالح النوعية للمكلفين واخفاء مسألة العطش كان لمصلحة للأصدقاء وكذلك يمكن افتراضه في المقام..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

نفترض أن وجوب الحجّ في كلّ عام مثلاً أو أيّ حكم آخر يكون فيه مصلحة لزومية في نفسه، غاية الأمر أنه قد تكون هناك مصلحة في إخفاء هذا الحكم غالبة على ملاك الحكم، لكن المرتبة الأعلى من الإخفاء وهو أنه بحيث يُسأل فينكر، أو يجيب بما يفهم منه العدم، فهذه المرتبة ليس فيها مصلحة. والسائل بتصدّيه للسؤال يحقّق موضوع هذه المرتبة الأعلى من الإخفاء، ويجعل النبي محرجاً، ويجعله مقدماً على بيان الحكم تقديماً لملاك الحكم على سائر الاعتبارات الأخرى. وهذا أمر معقول ولا محذور فيه.

ولعلّ هذا هو المشار إليه في الآية الكريمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشياء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّـهُ عَنْهَا وَ اللَّـهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ(1).

لعلّ المراد هو نفس هذه الفكرة التي عرضت في الرواية على إجمال في الآية، إلّا أن أظهر ما فيه هو ذلك، فإن هناك احتمالاً أن يكون المراد من الأشياء هو المعاجز المقترحة، كما حمله على ذلك جملة من المفسّرين.

فإن هذه المعاجز كانت إذا أُبديت لهم تسؤهم، فإنه من السنن الإلهية أنه إذا أبديت المعجزة الاقتراحية، ولم يترتّب عليها الإيمان؛ ينزل العذاب فوراً عل المقترحين. وهذا الاحتمال خلاف الظاهر من هذه الآية لعدة نقاط:

منها: أن الخطاب للمؤمنين، والمعاجز الاقتراحية إنما تكون من الكافرين.

ــــــــــ[381]ــــــــــ

(1) المائدة: 101 – 102.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

ومنها: أنه ينهى عن الشيء لا السؤال عن الشيء، وطلب المعجزة هو سؤال أن توجد المعجزة، وأما السؤال عن الشيء فهو عبارة عن الاستخبار عن مطلب لا عن استجداء مطلب، فإن الأخير يتعدّى بنفسه، وبمعنى الاستخبار يتعدّى بـ(عن)، فمن هذه الناحية أيضاً لا يناسب المعجزة.

ومنها: قوله: وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ، فإنه عبّر بالإبداء، والمعجزة توجد لا تُبدى، وليست مربوطة بتنزيل القرآن، فإنها لا تكون متضمّنة في القرآن، بل تكون عملاً خارجياً كشقّ القمر(1)

فكل هذه الأمور قرائن تنفي أن يكون المراد من هذه الأشياء المعاجز، بل هي أشياء كانوا يستخبرون عنها، فما هي هذه الأشياء؟ هي أحد أمرين: إما الأحكام، وهذا هو المقصود بأن تكون الفكرة موجودة في هذه الآية الكريمة. وإما أن تكون من الأمور الواقعية التكوينية التي كانوا يسألون عنها، كما يوجد في بعض الروايات أن شخصاً قام إلى النبي فقال له مَن أبي، فأخبره عن شخص غير أبيه الظاهري. ونحوها من الحقائق التكوينية التي إن تبد لهم تسؤهم. 

إلّا أن حمله على هذا أيضاً خلاف الظاهر، وذلك بقرينة ربط المطلب بتنزّل القرآن، والقرآن ليس من العادة أن يبيّن هذه المطالب: إن فلاناً ابن من؟ وليس من منهجه ذلك. فلا بُدّ أن تكون هذه الأشياء سنخ أشياء يترقّب أن تبيّن في 

ــــــــــ[382]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: (تبدو): تظهر.

فأجاب (سلّمه الله): الإبداء ظاهره الإظهار مع انحفاظ وجودها في ما سبق، من قبيل الكشف لا من قبيل الإحداث..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

القرآن الكريم. وعلى أيّ حال فلا إشكال أن أقرب المحتملات إلى الآية هذا. فهذه الأقربية تكون معزّزة ومؤيّدة للتغلّب على المشكلة الأولى(1).

وبذلك تغلّبنا على مشاكل فقه الحديث ولكن في النتيجة سقط الحديث عن الاستدلال به في المقام، فإن غاية ما يستفاد منه من بعد هذا: هو بيان قاعدة عامة للحدّ الأقصى للامتثال، وإنه لا يترتّب إلّا بمقدارٍ لا يلزم منه الحرج، فيصير مساقه مساق مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(2)، ولا تعرّض فيه للحدّ الأدنى أو لكمّية الامتثال بوجه من الوجوه، فتكون الرواية خارجة عن محلّ الكلام(3)

هذا تمام الكلام في هذه الرواية، ونعرض صفحاً عن التعرّض إلى الرواية الثالثة. وبذلك يتمّ الكلام في هذا التنبيه.

ــــــــــ[383]ــــــــــ

() وهنا قال في جملة جوابٍ على سؤال: إنه تعالى يقول: إن هذه الأشياء التي تسوؤكم لا تسألوا عنها، فإنكم إذا سألتم عنها سوف تبتلون، فإن القرآن سوف يجيبكم عنها. الظاهر هذا. (المُقرِّر).

(2) الحجّ: 78.

(3) وهنا قال جوابا على سؤال: إسقاط الاستدلال بالحديث يكفي فيه الإجمال، وإذا فرضنا أن التغلّب على المشكلة كان مبنيّاً على إبداء هذا الاحتمال، وكانت المشكلة بنفسها توجب سقوط الظهور، فهذا الاحتمال الذي أبديناه إن لم يصبح هو الظاهر من الرواية، فلا أقلّ من أن يوجب إجمالها بعد ضمّ المشكلة إليه، فلا يبقى مجال للاستدلال بالرواية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

 

التنبيه الثامن: في دوران الأمر بين الشرطية والمانعية

 

التنبيه الثامن من تنبيهات مبحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين: إذا عُلم إجمالاً دخل شيء في الواجب الارتباطي، وتردّد أمر دخله بين أن يكون وجودياً أو عدمياً، هذا الذي يُعبّر عنه بدوران الأمر بين الشرطية والمانعية أو بين الجزئية والمانعية، فهل يلحق هذا بباب الأقلّ والأكثر، ويقال: إن كُلّاً منهما في نفسه مشكوك، فتجري البراءة عنهما؟ أو إنه لا يمكن إجراء الأصلين معاً؛ باعتبار تشكّل علم إجمالي يدخل الوجود أو العدم بدخل وجود هذا الفعل في الواجب الارتباطي، أو دخل عدمه فيه؟ 

ونفرض الكلام الآن فيما لو كان الواجب مضيّقاً، بحيث لا يمكن إيقاعه إلّا في ضمن فرد واحد، تارةً، وأخرى نفرض الكلام فيما إذا كان موسّعاً بحيث يمكن إيقاعه ضمن أفراد طولية متعدّدة.

كلام للشيخ الأعظم

وعلى كلّ حال فالذي يظهر من الشيخ الأعظم هو أنه لم يذهب إلى منجزية هذا العلم الإجمالي، وذلك: لأنه بانٍ على أن العلم الإجمالي ليس علّة لوجوب الموافقة القطعية، وإنما تأثيره على ذلك بنحو الاقتضاء لا العلّية. ومسلك الاقتضاء يقتضي أن يكون جريان الأصول في تمام الأطراف ممنوعاً فيما 

ــــــــــ[384]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

إذا أدّى إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وفي المقام جريان البراءة عن المانعية وجريانها عن الشرطية معاً لا يؤدّيان إلى الترخيص في المخالفة القطعية؛ لأن الفرد الموجود بحسب الخارج لا ينفكّ عن أن يكون معه وجود ذلك الفعل أو عدمه، لاستحالة ارتفاع النقيضين، وعلى كِلا التقديرين فالمخالفة القطعية غير حاصلة؛ لأنه إذا كان وجود معه وجود ذلك الفعل فلعلّه جزء وقد تمّ العمل بوجوده، وإن كان معه عدمه فلعلّه كان مانعاً وقد تمّ الفعل بعدمه، فالمخالفة القطعية غير معقولة التحقّق في المقام. ومن هنا لا بأس بجريان الأصلين معاً. 

وشُبّه هذا العلم الإجمالي من هذه الناحية بالعلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة في موارد دوران الأمر بين المحذورين، فإن مثل ذلك العلم الإجمالي لا ينجّز، ولا يمنع عن جريان البراءة عن الوجوب من ناحية، وعن الحرمة من ناحية أخرى؛ لأن الجمع بين هذين الأصلين لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، لاستحالة وقوعها من المكلّف، لعدم إمكان ارتفاع النقيضين.

جواب النائيني عليه ومناقشته

واعترض على ذلك المحقّق النائيني والسيد الأستاذ: بأن هذا العلم الإجمالي في المقام لا بأس بتنجيزه، ومانعيته عن جريان الأصول في كِلا الطرفين؛ لأن جريانها فيهما يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وتوهًم عدم إمكانها في مثل هذا العلم الإجمالي غير صحيح، وذلك لأنه من الممكن المخالفة القطعية، وذلك بترك العمل رأساً. نعم، الشيخ حينما فرض فرداً مأتيّاً به في الخارج في مقام امتثال الأمر بالصلاة، فبعد هذا الفرض يستحيل المخالفة 

ــــــــــ[385]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

القطعية؛ لأن الفرد الخارجي المفروض إما أن يكون معه وجود السورة أو عدمها، ولا يخلو الحال منهما. ولكنّ المخالفة القطعية ممكنة وذلك بترك العمل رأساً؛ لأنه إذا تركه يكون قد خالف ما يقتضيه الوجوب، سواء كان يقتضي المانعية أو الشرطية والجزئية. وعليه فلا مانع من تنجيز هذا العلم الإجمالي، فتتعارض الأصول في الأطراف وتتساقط. ولا بُدّ حينئذٍ من الاحتياط، وذلك بالإتيان بالفعل مرّتين لو كان الوقت موسّعاً: مرّة مع وجود الفعل، ومرّة مع عدمه؛ لكي تحصل الموافقة القطعية لهذا العلم الإجمالي. 

إلا أن هذا الكلام من المحقّق النائيني ومن تابعه في الإشكال على الشيخ غير صحيح.

لأنه في فرض ترك العمل رأساً وإن كان يتحقّق بذلك المخالفة القطعية للعلم الإجمالي؛ لأنه بذلك يكون قد خالف على كلّ تقدير الشرطية أو المانعية، ولكن فرض تركه رأساً هو فرض المخالفة القطعية التفصيلية للأمر، لأن بقية الأجزاء التسعة معلومة الوجوب بالعلم الوجداني التفصيلي، ففرض ترك العمل رأساً هو فرض مخالفة قطعية تفصيلية لشخص ذلك الأمر، ومثل هذه المخالفة لا يمكن التأمين عنها بجريان الأصول. ومعه فلا بأس بجريان الأصول في الطرفين: أصالة البراءة عن الجزئية وعن المانعية؛ لأنه لا يؤدّي إلى محذور الترخيص في المخالفة القطعية الإجمالية؛ لأنه إذا أتى بأصل العمل فالمخالفة القطعية غير معقولة أصلاً، وإذا ترك أصل العمل، فالمخالفة حينئذٍ ليست مخالفة إجمالية حتّى يلزم من جريان الأصلين معاً التأمين من ناحيتهما، بل المخالفة حينئذٍ 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

مخالفة علمية تفصيلية وجدانية، وهي لا يؤمّن عنها بالأصل. فلا يلزم محذور من ناحية جريان الأصلين؛ لأن المخالفة في أحد الفرضين غير معقولة، وفي الفرض الآخر تفصيلية لا إجمالية. 

وعليه إذا بنينا على هذا المسلك: مسلك أن الأصول إذا كان جريانها في تمام الأطراف غير مؤدٍّ إلى الترخيص في المخالفة العملية القطعية الإجمالية، فتجري الأصول في الأطراف، إذا بنينا على ذلك فلا مانع من جريان الأصول في الأطراف وفاقاً (للرسائل) ؛ لأن جريانها في تمام الأطراف لا يؤدّي إلى المخالفة القطعية الإجمالية، ولا يعقل أن يؤدّي الى ذلك. إلّا أن أصل المبنى غير تامّ، فإننا لا نقول به، بل نقول: بأن الأصول في أطراف العلم الإجمالي لا تجري، سواء أدّى اجتماع جريانها إلى الترخيص في المخالفة القطعية أو لا. على ما سبق تحقيقه في محلّه. 

جواب السيّد الأستاذ ومناقشته

ثُمّ إن السيّد الأستاذ بعد أن اعترض على الشيخ الأعظم، بأن جريان الأصول في الأطراف يؤدّي إلى المخالفة القطعية، وتصوّرها بترك العمل رأساً. بعد هذا نقض على الشيخ وقال: والعجيب من الشيخ أنه ذهب إلى ذلك، مع أنه في موارد دوران أمر الصلاة بين القصر والتمام يفتي بوجوب الاحتياط، مع أن هذه الموارد بالدقّة داخلة تحت هذه المسألة؛ لأن المكلّف حينما تتردّد وظيفته بين القصر والتمام يحصل له علم إجمالي بأن السلام في الركعة الثانية عقيب التشهد، إما جزء في الصلاة وإما مانع فيها. فإنه إذا كانت وظيفته هي التمام فالسلام مانع، وإن كانت وظيفته هي القصر فالسلام جزء في الركعة الثانية. فأمر السلام يدور 

ــــــــــ[387]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بين الشرطية والمانعية، ومع هذا أفتى الشيخ بوجوب الاحتياط وتكرار العمل مرّتين. فكيف يقول في المقام بأن العلم الإجمالي غير منجّز؟ 

 وهذا النقض كالحلّ أيضاً غير وارد.

وذلك لأنه فرقٌ بين صورتين: بين أن يكون الأمر دائراً بين شرطية شيء أو مانعيته، بحيث لا يُتصوّر شقّ ثالث، وبين أن يكون الأمر دائراً بينهما بحيث يتصوّر شقّ ثالث. 

فإننا تارةً نفرض أن الأمر دائر بين شرطية السلام في نفسه أو مانعيته في نفسه، يعني إما صرف وجود السلام واجب بقول مطلق، وإما صرف عدمه واجب بقول مطلق، ولا يُتصوّر شقّ ثالث. ففي مثل هذا يأتي كلام الشيخ، والشيخ يلتزم بأن العلم الإجمالي هنا غير منجّز؛ لأن جريان الأصل في الطرفين لا يؤدّي إلى المخالفة القطعية، لأنها هنا غير معقولة. وهذا كلام منسجم مع ادّعاء الشيخ.

وأخرى يفرض بأن هناك شقّاً ثالثاً في مقابلهما: بأن يكون الأمر دائراً بين أن يكون السلام واجباً، أو تركه واجباً، الترك المقيّد بأن يكون بعده ركعتين كاملتين، فالأمر دائر بين وجوب صرف السلام ووجوب حصّة خاصّة من الترك، وهذان في مقابلهما شقّ ثالث: وهو أن يترك ليس من تلك الحصّة الخاصّة، أي: تركاً ليس بعده ركعة ثالثة، كما لو أتى بركعتين وتشهّد وترك السلام وقام عن الصلاة. فهذا يختلف عن الفرض السابق، فإنه هنا المخالفة القطعية ممكنة حتّى في فرض الإتيان بتمام الأجزاء المعلومة تفصيلاً. وأين هذا 

ــــــــــ[388]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

مما هو محلّ الكلام الذي كان فيما إذا دار الأمر بين الوجود والعدم بنحو مطلق لا يتصوّر له شقّ ثالث؟! وهنا يُتصوّر ذلك.

 وهذا هو سرّ الفرق بين فتوى الشيخ فيما إذا لم يُتصوّر شقّ ثالث، وبين فتواه في موارد القصر والتمام بوجوب الاحتياط. فإن فتواه ناشئة من اعتقاده بتصوّر الشقّ ثالث، فتكون المخالفة القطعية الإجمالية ممكنة، ويؤدّي جريان الأصول إلى الترخيص فيها. فهذا النقض غير صحيح.

تحقيق أصل المطلب

ولكن يبقى علينا بعد هذا تحقيق أصل المطلب في نفسه، أن يُرى أن النكتة التي دعت الشيخ إلى إبطال تنجيز العلم الإجمالي فيما إذا لم يكن هناك شقّ ثالث، هل تأتي تلك النكتة فيما إذا كان هناك شقّ ثالث أو لا تأتي؟ يعني: أن الفرق الظاهري بين الصورتين محفوظ، وعليه لم يقع الشيخ في تناقض، ولكنّنا نبحث حلياً في أن هذا الفرق الظاهري صحيح أو لا. الصحيح أن هذا الفرق غير مفرّق واقعاً(1)

والفرق الظاهري الذي تصوّرناه هو: أنه فيما إذا لم يكن هناك شقّ ثالث، لا يتصوّر مع الإتيان بتمام الأجزاء المعلومة مخالفة عملية قطعية إجمالية؛ لأن هذه الأجزاء انضمّ إليها حتماً إما الوجود وإما العدم. وأما إذا كان شقّ ثالث، فمع الإتيان بتمام الأجزاء المعلومة تفصيلاً يتصوّر المخالفة القطعية الإجمالية، 

ــــــــــ[389]ــــــــــ

() فاذا تمّت شبهة (الرسائل) فيما إذا لم يكن هناك شقّ ثالث فلتتمّ فيما إذا كان هناك شقّ ثالث. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

وذلك بأن يؤتى بالشقّ الثالث ولا يؤتى بالوجود ولا بذلك العدم الخاصّ.

حينئذٍ نقول: بأننا نتكلّم تارةً في الواجب العبادي وأخرى في التوصّلي. أما إذا كان عبادياً، فيمكن أن يقال في المقام: لا يمكنه أن يقع في مخالفة قطعية إجمالية إلّا وهي توأم مع مخالفة قطعية تفصيلية؛ لأنه لو أتى بالأجزاء المعلومة
-تفصيلاً- التسعة، فإما أن يضيف إليها الوجود أو العدم الخاصّ، إذن فلَم يقع في مخالفة قطعية إجمالية. وأما أن يضيف إليها الشقّ الثالث، فحينئذٍ يعلم تفصيلاً بأن الأجزاء التسعة التي أتى بها ليس لها أيّ دخل في تحصيل غرض المولى؛ لأن غرضه موقوف إما على وجود السلام، أو على تركه بنحو مخصوص، والمفروض أنه لم يعمل كِلا الأمرين، بل أتى بالشقّ الثالث. ومع العلم التفصيلي بأن الأجزاء التسعة ليس لها أيّ دخل في غرض المولى لا يمكنه قصد التقرّب بها؛ لأنه يدري أن وجودها وعدمها على حدّ سواء بالنسبة إلى المولى، وإذا استحال التقرّب بها فقد وقع في مخالفة قطعية تفصيلية؛ لأنه يعلم تفصيلاً بوجوب الإتيان بالتسعة بقصد القرب، وقد استحال عليه هذا القصد؛ لأنه يستحيل أن يقصد القربة بركوع يعلم بنحو ضمني أنه غير دخيل في غرض المولى. 

فهنا المخالفة القطعية الإجمالية توأم دائماً مع الوقوع في المخالفة القطعية التفصيلية مع فرض كون الواجب عبادياً(1).

وأما إذا فرضنا أن الواجب كان توصّلياً، فهنا هو يقدر أن يأتي بذات 

ــــــــــ[390]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: أن المكلّف إذا كان باقياً على الإتمام وكان الجزء المشكوك هو الأخير. نعم، يلحقه حينئذٍ حكم التوصّلي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

الواجب الضمني المعلوم تفصيلاً. افرضوا بأن الصلاة واجب توصّلي غير عبادي، وهو من أوّل الأمر يبني على أنه يأتي بتسعة الأجزاء من دون أن يضمّ إليها لا السلام ولا عدمه بنحو مخصوص، وقد أتى بذات الواجبات الضمنية المعلومة تفصيلاً. فقد يقال: إنه هنا لم يقع في مخالفة قطعية تفصيلية، بل وقع في مخالفة قطعية إجمالية؛ لأن الواجبات الضمنية المعلومة تفصيلاً قد أتى بذواتها، والواجبات الضمنية المعلومة إجمالاً قد أسقطها من الحساب، فالمخالفة هنا مخالفة إجمالية وليست توأماً مع مخالفة تفصيلية. 

إلّا أن هذا الكلام أيضاً غير صحيح، وذلك: بعد أن كان المكلّف عالماً تفصيلاً بالواجب الضمني للأجزاء التسعة، ويجب عليه امتثاله. والعقل الحاكم بوجوب امتثال التكليف المعلوم بالتفصيل، يحكم بلزوم التصدّي للامتثال، فيحتمل كونه كافياً في مقام امتثال ذلك التكليف، على أقلّ تقدير، وأن يكون مسقطاً له -للتكليف المعلوم تفصيلاً-. وهنا يعلم المكلّف تفصيلاً بأن تسعة الأجزاء المجرّدة -أي: التي مع الشقّ الثالث- ليست مسقطة للتكليف الضمني المعلوم تفصيلاً تعلّقه بالتسعة؛ لأنها ناقصة إما وجود السلام وإما تركه بوجه مخصوص. ومن هنا يعتبر هذا عاصياً للتكليف المعلوم تفصيلاً؛ لأن مجرّد الإتيان بعمل مع القطع بأنه لا يسقط التكليف المعلوم تفصيلاً، لا يكون مخرجاً للمكلّف عن عهدة التكليف عقلاً، ولا يكون محقّقاً لقيامه بحقّ المولوية. وعليه، فأيضاً يعتبر هذا مخالفة وعصياناً للتكليف المعلوم تفصيلاً(1)، 

ــــــــــ[391]ــــــــــ

() ومعه لا بأس بجريان الأصول في كِلا الطرفين على مبنى الشيخ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

فأيضاً أصبحت المخالفة القطعية الإجمالية توأماً مع مخالفة لتكليف معلوم بالتفصيل، ولم يحصل انفكاك بين المطلبين. 

ومن هنا يظهر أنه بعد التعمّق والتدبّر يمكن توسيع نكتة الشيخ بحيث تشمل كِلا الموردين: مورد ما إذا كان هناك شقّ الثالث، ومورد ما إذا لم يكن هناك شقّ ثالث.

هذا تمام الكلام في هذا التنبيه. 

فاتّضح بذلك أن الإشكال على الشيخ مبنائي لا بنائي، وأما لو قبلنا المبنى، فكلامه صحيح، بل هو صحيح في كِلتا الصورتين: صورة ما إذا لم يكن هناك شقّ ثالث وصورة ما إذا كان هناك شقّ ثالث. 

وبهذا تمّ بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

ــــــــــ[392]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 











الفهرس

 

[تحقيق المسألة] 11

في العوالم التي يقع فيها الكلام 13

[فيما يستدلّ به على عدم جريان البراءة بقول مطلق في موارد الأقلّ والأكثر] 19

الوجه الأوّل للاشتغال هو تنجيز العلم الإجمالي 19

الوجه الأوّل لانحلاله 21

كلام المحقّق العراقي في الاعتراض على التقريب ومناقشته 26

الوجه الثاني لانحلاله 28

الكلام في الواجبات الارتباطية 34

النظرية الأولى: نظرية التقيّد 34

النظرية الثانية: هي نظرية الوحدة المتأخّرة رتبة 41

النظرية الثالثة: في شرح حقيقة الارتباط في الواجب الارتباطي 49

[محاولة لإبراز عنصر التباين في العلم الإجمالي] 51

في الاستنتاج من النظريات الثلاث 52

الوجه الثاني للاشتغال ومناقشته 60

الأمر الأوّل: [مناقشة مقولة سقوط التكليف] 61

ــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

 [الأمر الثاني: ما ذكره الأعلام منهم السيّد الأستاذ] 67

[الأمر الثالث: لوجوب الاحتياط] 69

الوجه الثالث: شبهة الغرض 72

[الجواب الأوّل] جواب النائيني عن ذلك ومناقشته 74

التحقيق في الجواب 78

في جريان البراءة عن الغرض 86

الجواب الثاني عن هذا الوجه ومناقشته 88

الوجه الرابع للمحقّق العراقي 92

الوجه الأوّل: في المناقشة للمحقق العراقي نفسه ومناقشته 95

الوجه الثاني له أيضاً ومناقشته 98

الوجه الخامس للاحتياط ومناقشته 101

أمور في خاتمة البحث 106

الأمر الأوّل في مناقشة إشكالات الآخوند على الانحلال 106

[معاني الانحلال] 109

فيما إذا كان مراده الانحلال الحكمي 111

الأمر الثاني: في جريان البراءة الشرعية بالرغم من عدم جريان البراءة العقلية 120

في كلام السيّد الأستاذ ومناقشته 121

[في الكلام على المسلك الأوّل لإنكار البراءة العقلية] 121

ــــــــــ[394]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في الكلام على المسلك الثاني في الاشتغال 126

الأمر الثالث: ما الذي عدل بالآخوند عن إجراء البراءة عن الأمر بالأكثر إلى إجرائها عن الجزئية؟ 133

في ضمّ حديث الرفع إلى الأدلّة الاجتهادية 141

الأمر الرابع في مناقشة السيّد لصاحب (الكفاية)، ومناقشته 148

الأمر الخامس في عدول صاحب (الكفاية) عن رأيه في هامش (الكفاية) 153

الأمر السادس في وجود علم إجمالي آخر منجّز بالاحتياط ومناقشته 154

دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في باب الشرائط 159

في رجوع الشرطية إلى المتعلّق المباشر 161

كلام للمحقّق العراقي 167

دوران الأمر بين التعيين والتخيير 175

المسألة الأولى في الدوران العقلي 178

المسألة الثانية في الدوران الشرعي 184

المسالك الأوّل لتصوير الوجوب التخييري 184

التقريب الأول للاشتغال للنائيني 187

[التقريب الثاني للاشتغال للعراقي] 190

المسلك الثاني لتصوير الوجوب التخييري 190

المسلك الثالث: هو الذي اختاره السيّد الأستاذ 192

ــــــــــ[395]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

تحقيق الحال في الانحلال الحكمي 200

في إشكال في المسألة 204

[المسلك الرابع: رجوع الوجوب التخييري إلى وجوبات متعددة لكن الضيق في دائرة الواجب المتعلق] 206

في تنبيهات المسألة 213

التنبيه الأوّل: في استخدام الاستصحاب كدليل للبراءة والاحتياط معاً 213

الاستدلال به للاحتياط 213

الاستدلال به للبراءة 219

التنبيه الثاني: في الشبهات التحريمية 225

التنبيه الثالث في الشبهة الموضوعية 231

التنبيه الرابع في الشكّ في المحصل 235

التنبيه الخامس في ترك الجزء نسياناً 249

صحّة العمل الصادر حال النسيان 251

[التمسك بأدلة الأصول المؤمنة] 252

[تحقيق في صيغة الشك] 253

[المقام الأوّل: في تعلق التكليف بالفرد الناقص] 254

كلام للمحقّق النائيني 258

التعليق عليه 260

المقام الثاني: هل صيغة الشكّ مشمولة للأصول المؤمّنة 265

ــــــــــ[396]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

بناءً على إمكان تعلق التكليف بالناسي 266

أما في الصورة الأولى: إذا فرض أنه ارتفع نسيانه في أثناء الوقت 266

وأما الصورة الثانية: إذا استمرّ نسيانه في تمام الوقت 270

[بناءً على استحالة تعلق التكليف بالناسي] 271

دفع كونه مجرىً لاصالة الاشتغال 275

حول الأدلّة الاجتهادية وكلام القوم حولها 278

شبهتان متعاكستان 281

أما الشبهة الأولى: [دليل الجزئية بحكم ماله إطلاق] 282

الشبهة الثانية: [دليل الجزئية بحكم ما ليس له إطلاق] 284

البيان الأول [إبراز المانع المتّصل عن التمسك بالإطلاق] 284

البيان الثاني [إبراز المانع المنفصل عن التمسك بالإطلاق] 289

[بحثان في المقام] 290

التنبيه السادس: في زيادة الجزء 296

الجهة الأولى: في كون الزيادة متصوّرة أو لا 296

[أنحاء مبطلية الزيادة] 297

النحو الأوّل: [أخذ عدم الزيادة قيداً في الواجب] 297

النحو الثاني: [أخذ عدم الزيادة جزءاً في الواجب] 298

كلام المحقّق الاصفهاني 298

ــــــــــ[397]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

النحو الثالث: [أخذ عدم الزيادة قيداً في الجزء] 301

[كلام صاحب الكفاية] 301

[بيان المحقق الأصفهاني لكلام صاحب الكفاية] 303

التعليق عليه [التعليق على كلام المحقّق الأصفهاني] 304

كلام السيد الأستاذ والتعليق عليه 306

الجهة الثانية: في مانعية الزيادة 317

الجهة الثالثة: في ملاك آخر للإبطال 319

التنبيه السابع: في الجزئية حال التعذّر 325

في الفرق بين التنبيهين 326

الجهة الأولى: [من الفرق بين التنبيهين] 327

الجهة الثانية: للفرق بينهما 328

الجهة الثالثة للفرق 334

الأمر الأول: [نكتة الفرق بين النسيان والعجز] 336

الأمر الثاني: في طروّ الاستصحاب عند طروّ العجز 338

التقريب الأوّل لجريان الاستصحاب ومناقشاته 339

التقريب الثاني: لجريان الاستصحاب 344

مناقشته 347

التقريب الثالث: لجريان الاستصحاب 352

الجهة الرابعة: في قاعدة الميسور 356

ــــــــــ[398]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18 

في مناقشة دلالة الصيغة 358

الاعتراض الأوّل على الصيغة ومناقشته 360

الاعتراض الثاني ومناقشته 364

الاعتراض الثالث 366

الصيغة الأخرى لقاعدة الميسور 371

في فقه الحديث 373

في منبهية السؤال للتشريع 379

التنبيه الثامن: في دوران الأمر بين الشرطية والمانعية 384

كلام للشيخ الأعظم 384

جواب النائيني عليه ومناقشته 385

جواب السيّد الأستاذ ومناقشته 387

تحقيق أصل المطلب 389

الفهرس 393

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج18