أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج19

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء التاسع عشر

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج19 (248ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1723/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1723) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

6-41-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء التاسع عشر  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الكلام في شرائط جريان الأصول

 

ويحتوي على:

  • [المقام الأول: وجوب الفحص في الشبهات الحكمية]
  • تنبيهات

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 




الكلام في شرائط جريان الأصول

 

والمقصود الأساسي من هذا العنوان هو البحث عن شرطية الفحص في جريان البراءة، بمعنى أنه لا يجوز الرجوع إليها حتّى يفحص عن وجود الحجّة على الحكم الإلزامي، ويحصل اليأس من الحصول عليها. ولهذا سوف نجعل هذا المقصود الأساسي محور الكلام، ثُمّ بعد هذا نعقّب عليه بتنبيهات؛ لاستيفاء ما ذكر في هذا المجال. 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 















[اشتراط الفحص في جريان الأصول المؤمنة]

 

  • [المقام الأول: وجوب الفحص في الشبهات الحكمية]
  • المقام الثاني: في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 










[اشتراط الفحص في جريان الأصول المؤمنة]

 

فالكلام الآن في اشتراط الفحص في جريان البراءة ونحوها من الأصول المؤمّنة. والكلام في ذلك يقع تارةً في البراءة العقلية، وأخرى في البراءة الشرعية. وعلى كِلا الحالين تارةً يقع الكلام في الشبهة الحكمية وأخرى في الموضوعية. وعلى هذا الأساس نقسّم البحث إلى مقامين: الأوّل في الشبهة الحكمية، والثاني في الشبهة الموضوعية. فإذا وجدنا في الحكمية أنه لا دليل على وجوب الفحص وأنه جريان الأصل المؤمّن غير منوط به، فحينئذٍ لا ينبغي الاستشكال في أنه لا يجب الفحص في الشبهة الموضوعية. وأما إذا استطعنا أن نقرّب وجوب الفحص وشرطيته في جريان الأصل المؤمّن في الشبهات الحكمية بادلّةٍ، فحينئذٍ يقع الكلام في المقام الثاني في أن هذه الأدلّة هل تختصّ بالشبهات الحكمية، أو تجري في الأصول المجعولة في الشبهات الموضوعية؟ 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 





[المقام الأول: وجوب الفحص في الشبهات الحكمية]

 

المقام الأوّل: في وجوب الفحص في الشبهة الحكمية، بمعنى اشتراط جريان الأصول المؤمّنة بالفحص، وعدم جواز الرجوع إليها قبله.

كأن المشهور بين المحقّقين هو أن أدلّة الأصول المؤمّنة لو لوحظت في نفسها فهي تنقسم إلى قسمين -كما قلنا- إما البراءة العقلية بلحاظ قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وإما البراءة الشرعية المجعولة في الأدلّة الشرعية، ومن هنا تكلّموا في كلٍّ من هاتين البراءتين، وعقدوا بهذا اللحاظ جهتين من الكلام.

الجهة الأولى: البراءة العقلية وإنكارها

أما الجهة الأولى وهي: البراءة العقلية المقرّرة في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فقد وقع الكلام في ما بينهم في أنه هل يمكن أن تكون شاملة لموارد ما قبل الفحص أو لا يمكن؟ فذكر مشهور المؤمنين بهذه القاعدة أنها لا تشمل موارد ما قبل الفحص، وإنما يتمّ موضوعها بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل. وناقش بعض المحقّقين المؤمنين بها تمسّكاً بحرفية ملاكها، حيث إن اللا بيان موجود على أيّ حال قبل الفحص، فيكون برهان القاعدة تامّاً حتّى قبل الفحص أيضاً، كما في كلمات المحقّق الأصفهاني، وسوف نشير إلى بعض هذه الكلمات. 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

إلّا أن هذا البحث في البراءة العقلية عندنا يكون سالبة بانتفاء الموضوع؛ لأننا لا نؤمن بالبراءة العقلية أساساً، ولا نعتقد بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) كقانون عقلي، وكما ذهب إليه مشهور المحققين المتأخّرين، وقد فصّلنا الحديث في ذلك في بحث البراءة والاحتياط. 

وقلنا هناك بأن البراءة العقلية بالرغم من أنه ادّعي كونها قانوناً بديهياً ومن المسلّمات العقلية، وبالرغم من أن هذه الدعوى صدرت من جملة من أكابر المحققين المتأخّرين، نحن لا نرى صحّة هذه القاعدة، فضلاً عن بداهتها. وتفصيل الكلام في ذلك محوّل إلى محلّه، ولكن لا بُدّ من إعادة مجمله؛ لأنه يمهّد الطريق لاستنتاجات مفيدة في هذا البحث. -وأنا سوف أذكر ملخّصاً عمّا ذكره السيّد الأستاذ -.

ونحن كسرنا استبعاد عدم كون هذه القاعدة من البديهيات العقلية باستعراض تاريخها في علم الأصول وتطور فكرتها، ولاحظنا أنها لم تكتسب المضمون الذي تعرفه اليوم إلّا في العصور المتأخّرة قد لا تزيد على ما بعد مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني. أما قبله فلم تكن معروفة أو مدّعاة في لسان أحد ممن عثرنا على كلماتهم، بل كانت البراءة العقلية -في مرحلة من مراحل العلم من أيام الشيخ الطوسي إلى أيام المحقّق والعلّامة- عبارة عن استصحاب حال العقل، يعني: البراءة الأصلية العقلية الثابتة قبل الشرع. وفي مرحلة أخرى من مراحل تطور هذه الفكرة رأينا أنهم يعتبرون قاعدة البراءة العقلية أمارة من الأمارات الظنّية، مرجعها أن عدمَ الدليل دليلٌ على العدم، فإن هذا 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وجد في كلمات المحقّقين الحلّيين(1) ومن بعدهما، حيث إنه لا دليل على الإلزام، فيستكشف منه عدم الإلزام، فرجعت إلى أمارة ظنّية لا بُدّ أن نتساءل عن دليل حجيتها. ثُمّ وجدت في كلمات جملة من الأكابر وهو أن قاعدة (قبح العقاب..) مرجعها إلى استحالة التكليف بما لا يطاق. فكأنّه اشتبه بين المعنى غير المعيّن من جميع الوجوه، فإن التكليف به تكليف بما لا يطاق، وبين المعنى المعيّن المحتمل، فإن التكليف به تكليف بما يطاق. فتاريخ القاعدة بنفسه يبرهن على أن الصيغة الأخيرة لها لم تكن من الصيغ البديهية المدركة لكلّ الناس، بل إن هذه الصيغة لم تدّعَ ادّعاء تفصيلياً واعياً من قِبَل أحد من العلماء مئات السنين. ثُمّ جئنا إلى تحليل هذه القاعدة واكتشفنا أنها ليست قاعدة عقلية، بل هي قاعدة عقلائية. 

توضيح ذلك: أن معنى (قبح العقاب بلا بيان) قبحه على التكاليف المحتملة، ويرجع ذلك إلى أن المولى ليس له حقّ الطاعة في التكاليف المحتملة؛ إذ لو كان له فيها حقّ الطاعة لكان له العقاب مع سلب حقّه. وحقّ الطاعة هو جوهر المولوية، فمعنى سلبه عن التكاليف المحتملة وحصر الحقّ في التكاليف المعلومة: تضييق مولوية المولى، أنه مولى في التكاليف المعلومة دون غير المعلومة، فيرجع بالتحليل إلى هذا السؤال: أن الله تعالى المولى الحقيقي هل له حقّ الطاعة في التكاليف المحتملة، أو يختص حقّه في التكاليف المعلومة؟

بعد هذا قلنا: إن المولوية مولويتان: مولوية ذاتية ثابتة بلا جعل جاعل، وهي مولوية الله تعالى فقط. وهناك مولوية مجعولة، سواء كانت مجعولة لله 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

(1) صاحب الشرايع والعلّامة (منه ). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تعالى، كمولوية النبيّ والإمام، أو من قبل العبيد أنفسهم كمولوية الحاكم المنتخب، أو مجعولة من قبل الأعراف الاجتماعية كمولوية الأب لابنه وهكذا. وحينئذٍ فهذا السؤال الذي طرحناه نجيب عليه بالنسبة إلى المولويات الجعلية بالرجوع إلى الجاعل الذي جعل هذه المولوية؛ لأننا عرفنا أن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) معناها تضييق دائرة حقّ الطاعة، ومعناه تضييق دائرة المولوية وتخصيصها بخصوص التكاليف المعلومة. فإذا شككنا في ذلك نرجع إلى من جعله مولى، فنرى أن دليل مولوية هذا المولى هل له إطلاق للتكاليف المحتملة، أو انه جُعل مولى في التكاليف المعلومة فقط. فنرجع في هذا إلى الجاعل، على اختلافه، سواء كان هو الله أو الناس أو العرف الاجتماعي أو غيره؟ 

وحيث إن تمام المولويات الجعلية المعهودة عند العقلاء في مجتمعاتهم، جميعاً مولويات مجعولة بلحاظ التكاليف المعلومة فقط، ولا يوجد عندهم مولوية مجعولة حتّى بلحاظ التكاليف المحتملة، فإن رئيس القبيلة يعذر المرؤوس إذا خالفه في تكليف لم يتمّ عليه البيان، وكذلك الأب للابن وهكذا. فالمولويات المجعولة في المجتمعات العقلائية جميعها مولويات ضيقة النطاق، يتمثّل فيها حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة فقط.

حيث إن الأمر هكذا فتكون قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) صحيحة بلحاظ المولويات الجعلية. إلّا أنها بناءً على هذا ليست قاعدة عقلية، بل هي قاعدة عقلائية؛ لأن الجعل العقلائي للمولوية كان ضيّق النطاق. فضيق نطاق الجعل استوجب ضيق حقّ الطاعة، وضيقه استوجب (قبح العقاب بلا بيان)، ومن هنا نقول: إنها قاعدة عقلائية مركوزة في الأذهان العقلائية.

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وبذلك نضع يدنا على السبب الحقيقي في دعوى الآغايون بداهة هذه القاعدة، وهو اشتباه الارتكاز بالحكم العقلي الصرف؛ لقوة الارتكاز وترسّخه في الأذهان العقلائية.

وحينئذٍ فمثل هذه القاعدة العقلائية لا تنطبق على مولوية الله تعالى؛ لأن مولويته تعالى ليست مجعولة لجاعل حتّى يرجع إليه في تحديد نطاقها سعة وضيقاً، بل هي مولوية واقعية ثابتة بقطع النظر عن جعل أيّ جاعل يدركه الإنسان بعقله النظري كما يدرك به وجود الله تعالى. فهذا الحقّ من مدركات عقل الإنسان، وحينئذٍ يتبع سعة إدراك العقل وضيقه، من دون أن يُتصوّر أيّ برهان لا على السعة ولا على الضيق. ونحن ندرك أن الله مولانا في التكاليف المعلومة والمظنونة والمشكوكة والموهومة، يعني له حقّ الطاعة في كلّ ما يحتمل أنه لا يرضى بخلافه، غايته لو هو نصب قرينة على رضائه بالمخالفة، كما هو الحال في البراءة الشرعية، يخرج حينئذٍ عن دائرة حقّ الطاعة؛ لأنه هو يرضى بالمخالفة. أما في كلّ تكليف لم يثبت من قبله أنه يرضى بمخالفته، فله حقّ الطاعة فيه. وعليه فلا مجال لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

هذه خلاصة النتائج التي انتهينا إليها في بحث البراءة، أعدتها هنا لكي أقول: بأن الذي يستخلص من هذه النتائج هو أن قاعدة (قبح العقاب..) قاعدة ارتكازية عقلائية، موجودةً نكتةً وملاكاً في واقع لا شعور العقلاء، هذه القاعدة يصحّ أن يقال بشأنها أنها لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص. 

فإننا بعد أن فرضناها عقلائية، حينئذٍ نرجع إلى المولويات العقلائية، أليس قلنا بأنها غير شاملة للتكاليف المشكوكة، بل مختصّة بالتكاليف المعلومة؟ فالأب 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ورئيس القبيلة ليس مولى في التكليف المشكوك، ولكن أيّ تكليف مشكوك؟ في مشكوك لا يجد سبيلاً للاطّلاع لا في مشكوك يكون مشكوكاً لديه؛ لأنه أغمض عينيه وأغلق بابه عليه. فيرى بحسب قانون جعل المولويات العقلائية، أنها تشمل هذا مثل هذا التكليف المشكوك، أيّ المشكوك قبل الفحص. 

إذن فقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بعد إرجاعها إلى كونها قاعدة عقلائية، يكون من الواضح جداً أنها لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص؛ لأن نكتة هذه القاعدة هو ضيق دائرة المولوية المجعولة، وهذه النكتة غير موجودة في موارد الشكّ قبل الفحص، فإنه فيها يرى شمول المولوية له. وبهذا ينغلق البحث الدائر ما بين الآغايون في أن هذه القاعدة هل تشمل عقلاً موارد الشكّ قبل الفحص، أو لا تشمل؟ فإن كلّ ذلك البحث كان ينشأ من ناحية الجمود على ألفاظ هذه القاعدة، وكان البرهان قد دلّ على مقدار مدلولها. فيرى أن مدلولها هل يشمل موارد الشكّ قبل الفحص أو لا؟ والبرهان المتخيّل عليها هل يجري في مثل ذلك أو لا؟ 

وقد تورّط بعض المحقّقين في الاعتقاد ببرهانية هذه القاعدة، إلى درجة أنه تخيّل أن البرهان تامّ حتّى قبل الفحص. كالمحقّق الأصفهاني، ولكن حيث نعرف أن هذا البرهان ليس برهاناً عقلياً، وإنما هو مجرّد صناعة من المحقّق الأصفهاني، حينئذٍ يعرف أن هذه القاعدة يجب أن تكون دائرة مدار الارتكاز العقلائية. وسنتعرّض إلى هذا المطلب، يعني إلى الجدل القائم بين المؤمنين بعقلية هذه القاعدة؛ ليُرى أن هذا الجدل مما لا أساس له. 

*****

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

انتهينا(1) إلى أن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، قاعدة عقلائية ارتكازية، وليست أمراً واقعياً يدركه العقل، بل هي أمر جعلي يتبانى عليه جميع المجتمعات البشرية، مرجعه إلى التباني على تضييق المولوية وحقّ الطاعة، بحيث إن المولويات المجعولة دائماً تكون في إطار التكاليف المعلومة دون المشكوكة، إلّا أن التكاليف غير المعلومة إذا كانت غير معلومة من باب عدم الفحص عنها وعدم التعرّض لها، فمثل هذه التكاليف أيضاً تُرى بحسب الارتكاز العقلائي مشمولة لدائرة المولوية، فدائرة المولوية تشمل التكاليف المعلومة بالفعل، أو التي تكون في معرض أن تُعلم لو فحص عنها من قبل بيانات المولى ووسائل إثباته.

ومن هنا كانت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) غير شاملة لموارد الشكّ قبل الفحص، من باب أن الارتكاز العقلائي المقرّر لها لا يشمل هذه الموارد.

هذا ما انتهينا إليه من ناحية قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وهذه النتيجة لا تفيدنا طبعاً فائدة مباشرة شيئاً؛ لأن أصل قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بعد أن صارت قاعدة عقلائية منطبقة على المولويات المجعولة من قبل العقلاء، إذن فهي لا تجري في الأحكام الشرعية حتّى نتكلّم عن أنها هل يشترط في إجرائها الفحص أو لا. فهي أساساً لا تجري لا قبل الفحص ولا بعده؛ لأنها قاعدة عقلائية ناشئة من ضيق دائرة جعل المولويات العقلائية، فلا تنطبق على مولوية المولى الحقيقي سبحانه وتعالى غير المنجعلة من قبل جاعل.

 هذا هو الكلام في الجهة الأولى.

ــــــــــ[22]ــــــــــ

() أعرض سيّدنا الأستاذ صفحاً عن كلام المحقّق الأصفهاني. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الجهة الثانية: في البراءة الشرعية 

الجهة الثانية في البراءة الشرعية المجعولة في الدليل الشرعي، من قبيل (رفع ما لا يعلمون)، ونحوها من أدلّة البراءة التي تقدّمت في بحث البراءة والاشتغال.

المعروف بين المحقّقين: أن أدلّة البراءة الشرعية في نفسها لها إطلاق يشمل موارد ما قبل الفحص؛ لأن (رفع ما لا يعلمون)، لم يقيّد بأن يكون غير معلوم بعد الفحص، ومن هنا أخذوا يفتّشون عن مانع خارجي يمنع عن التمسّك بإطلاق هذه الأدلّة، سواء كان مانعاً عقلياً كتشكيل علم إجمالي، أو مانعاً شرعياً كالأخبار الدالّة على وجوب التعلّم والتفقه. إلّا أن الذي سوف يظهر أن المقتضى في نفسه قاصر، وأنه لو لوحظت أدلّة البراءة فهي لا إطلاق فيها لموارد الشكّ قبل الفحص، فلا نحتاج إلى التفتيش عن مانع يمنع عن إطلاقها، بل في نفسها لا إطلاق فيها لموارد الشكّ قبل الفحص. 

فهذا تلخيص وجهات النظر، وأما التقريبات والاستدلالات فما قيل أو يمكن أن يقال في تقريب وجوب الفحص والمنع عن إجراء البراءة الشرعية قبلها عدّة وجوه، نستعرضها ونرى أنه يرجع إلى منع أصل المقتضى -على ما هو التحقيق-، أو يرجع إلى إبداء المانع العقلي أو الشرعي.

الوجه الأوّل: وهو التحقيق

الوجه الأوّل وهو التحقيق في المقام: 

وحاصله: دعوى عدم وجود إطلاق في أدلّة البراءة حتّى في مثل (رفع ما لا يعلمون) يشمل موارد ما قبل الفحص. وتوضيح ذلك يتوقف على 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الجمع بين مقدمتين:

المقدّمة الأولى: تقدّمت بالأمس في الجهة الأولى، وحاصلها: أن البراءة قاعدة ارتكازية عند العقلاء، وهذه القاعدة لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص، فإن نكتتها هو ضيق دائرة المولوية، وهذا الضيق إنما هو بلحاظ التكاليف المشكوكة التي فحص عنها ولم يرتفع الشكّ بشأنها، وأما التكاليف التي أغمض العبد عينه عنها فلا ضيق في المولوية وشمولها لتلك التكاليف.

وأما المقدّمة الثانية: فمطلب كلّي تكرّر هنا في الأبحاث الفقهية في الطهارة وغيرها، وحاصله: أنه إذا ورد في دليل من الأدلّة حكم شرعي على موضوع، وفرضنا أن هذا الحكم لم يكن من الأحكام المبتدعة في النظر العقلائي، بل كان له جذور في الارتكاز العقلائي ومماثل الأذهان العرفية، فمثل هذا الدليل ينعقد له ظهور ثانوي سياقي في أنه في مقام إمضاء هذا المركوز في النظر العرفي. صحيح أن الإمضاء لم تدلّ عليه لفظة في الدليل، ولكن هذا هو معنى الظهور السياقي الذي لا يحتاج إلى لفظ دالّ عليه في نفسه.

وكون الدليل متكفّلاً لحكم، مركوز في الأذهان العقلائية جعلاً ونكتةً، يوجب انسباق معنى الإمضاء من مثل هذا الدليل بحسب الفهم العرفي والفهم الاجتماعي للنصّ، وهو حجّة كالفهم اللغوي على ما هو مقرّر في بحث الظواهر. فينعقد للدليل ظهور في أنه في مقام إمضاء هذا الحكم وفي مقام تسليم ما عليه العقلاء وإقرار العقلاء على جعلهم وخطابهم ونكتتهم. 

وقد طبّقنا هذا القانون على جملة من الموارد، فكنّا نضيّق دائرة الدليل تارةً، 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ونوسّع دائرته أخرى، تبعاً للإمضاء. فإننا بعد أن نفرض أن الدليل اكتسب ظهوراً سياقياً ثانوياً في أنه في مقام الإمضاء، فيتبع حينئذٍ حدود الممضى سعة وضيقاً، وحينئذٍ لا نجمد على حدود نفس الدليل ومداليله اللغوية، بل يرجع محصّل الدليل إلى أني أمضيت ما عليه بناؤهم وقرارهم، فنرجع حينئذٍ إلى الارتكاز العقلائي، ويتبع في حالتي السعة والضيق. 

ومن جملة تطبيقات هذه القاعدة، هو محلّ الكلام في المقام: فإننا بعد أن فرغنا عن هذه الكبرى التي قرّرناها في المقدّمة الثانية، وفرغنا عن المقدّمة الأولى التي تبيّن الصغرى لها، وحاصلها: أن قاعدة البراءة من القواعد المركوزة في الأذهان العقلائية والمجعولة في ما بينهم، وحينئذٍ فينعقد لدليل البراءة وهو قوله: (رفع عن أمّتي ما لا يعلمون) أنه في مقام إمضاء هذه القاعدة المركوزة تماماً لو دلّ دليل على حجّية خبر الثقة، وهي أمر مركوز في الأذهان العقلائية، فيقال: إنه ينعقد له ظهور سياقي في أنه إمضاء لِما هو المركوز. فنتبع المركوز حينئذٍ، ولا نجمد على حاقّ اللفظ. كذلك في المقام ينعقد لـ(رفع ما لا يعلمون) ظهور إمضائي للمركوز في الأذهان العقلائية، فيتبعه سعة وضيقاً، وحيث إن ما هو المركوز لا يشمل موارد ما قبل الفحص على ما بيّنا، إذن فالمجعول في دليل البراءة أيضاً لا يشمل موارد ما قبل الفحص. فكأن الشارع قال: (إنني امتننت على هذه الأمّة بإمضاء ما عليه قرارها في ما بينهم) وحيث إن ذاك القرار لا يشمل ما قبل الفحص فالبراءة الشرعية لا تشمله أيضاً. 

وهذا الوجه هو الذي عليه الاعتماد، وحينئذٍ فلا تجري البراءة الشرعية 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

قبل الفحص؛ لأجل قصور في المقتضي، وعدم شموله في إطلاق الدليل نفسه. 

الوجه الثاني: وهو التحقيق أيضاً

الوجه الثاني وهو التحقيق أيضاً وعليه المعوّل، وأيضاً هو يرجع إلى دعوى عدم شمول أدلّة البراءة في نفسها لموارد ما قبل الفحص. وفرق هذا الوجه عن الأوّل: أن هذا الوجه يقول: إننا إذا نظرنا إلى مجموع أدلّة البراءة يتحصّل من مجموعها عدم الشمول لموارد قبل الفحص. وأما الوجه الأوّل فهو ينظر بنظرة أفرادية إلى كلّ دليل دليل. 

الآن نفرض أن الوجه الأوّل لم يتمّ، وأنه في مقام بيان قاعدة مبتدعة وليست مرتكزة في الأذهان العقلائية، فالإطلاق في (رفع ما لا يعلمون) يكون تامّاً لِما قبل الفحص. لكنّ هذا الإطلاق معارض بباقي أدلّة البراءة، فإننا في الأبحاث السابقة قلنا: إن الأدلّة التي تمّت على البراءة في الشبهات الحكمية هو خصوص حديث الرفع من السُنّة، وآيتين في القرآن: هما لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا(1)، ووَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذ هَدَاهُمْ حتّى يبيّن لَهُمْ(2).

وهاتان الآيتان الكريمتان بنفسهما دالّتان على عدم جريان البراءة في موارد الشكّ قبل الفحص، وذلك تمسّكاً بإطلاق المستثنى فيها. والآية لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا تتعرّض لحكمين: حكم للمستثنى منه وهو نفي التكليف، وحكم للمستثنى وهو إثبات التكليف والكلفة، وموضوع الحكم 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

(1) الطلاق: 7.

(2) التوبة: 115.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الأوّل هو عدم الإتيان، وموضوع الثاني هو الإتيان. 

والإتيان ليس معناه أن الشارع يدقّ باب المكلّف ويبلّغه الحكم الشرعي، بل يصدق عنوان الإتيان بجعل الحجّة في معرض الوصول إلى المكلف. فلو فرض أن الحكم كان موجوداً في الكتاب وهو بين يدي المكلّف، يصدق أنه قد أتاه الحكم. فهذه الآية تكون قد جعلت البراءة في حال عدم الإتيان، أي: في حالة عدم وجود حجّة وبيان في معرض الوصول. وجعلت الكلفة في موارد الإتيان، أي: في موارد تكون هناك حجّة يترقّب كونها في معرض الوصول.

ومثل ذلك الآية الأخرى: وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذ هَدَاهُمْ حتّى يبيّن لَـهُمْ أيضاً تدلّ بالجزء الأوّل على البراءة وموضوعها قبل البيان، وتدلّ بالجزء الثاني على تسجيل المطلب على المكلّفين على فرض أن يبيّن لهم، وهذا يصدق حتّى في ما إذا كان البيان في معرض الوصول إليهم، بحيث لا يحتاج المكلّف إلى أكثر من فتح الكتاب، سواء فتح الكتاب وفحص أو لم يفحص. 

إذن فمقتضى إطلاق الكلفة المجعولة في المستثنى في هاتين الآيتين هو أن لا يفرّق بين أن يفحص أو لا يفحص. فإذا كانت الحجّة موجودة في الواقع، فلا تجري البراءة بالنسبة إلى هذا الشخص فحص أو لا. ومجرّد وجود البيان في الواقع يكفي في تنجيز التكليف وتسجيله عليهم. 

فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه بين إطلاق ذلك في الآيتين، وبين إطلاق (رفع ما لا يعلمون)؛ لأن إطلاق المستثنى في الآية يقتضي أنه إذا صدق عنوان الإتيان أو التبيين فلا براءة سواء فحص أو لم يفحص. وإطلاق حديث 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الرفع يقتضي: أنه ما دام لم يعلم فهناك براءة، سواء كان عدم علمه من ناحية تركه للفحص أو من ناحية أنه فحص ولم يجد. ومادّة الاجتماع هو أن لا يعلم من ناحية أنه لم يفحص عن الحجّة، مع أن الحجّة موجودة في الكتاب ولم يفحص عنها. ومقتضى الحديث جريان البراءة -مثلاً-، ومقتضى الآية عدم البراءة. 

وإذا وقعت المعارضة بين إطلاق الآية الكريمة وإطلاق حديث الرفع، حينئذٍ يقدّم إطلاق الآية الكريمة على إطلاق الحديث، وذلك: لما بيّناه مراراً من أنه متى ما وقع تعارض بين القرآن الكريم وبين سنةٍ غير قطعية الصدور بنحو العموم من وجه، يقدّم إطلاق القرآن على إطلاق السُنّة. إذن فيقدّم في المقام إطلاق الكتاب الكريم على إطلاق السُنّة. 

ثُمّ لو فرض في المقام التعارض والتساقط، يعني غضضنا النظر عن هذا المبنى، وفرضنا أنه لا فرق بين القرآن وغيره، بعد هذا نرجع إلى الاحتياط العقلي؛ لأننا لا نؤمن بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). نعم، غيرنا لو أوقع مثل هذه المعارضة يرجع إلى قاعدة (قبح العقاب..)، أما نحن فلا نرجع إليها. إذن فمجموع أدلّة البراءة في نفسها لو لوحظ بعضها مع البعض الآخر يتحصّل منها عدم الشمول لموارد ما قبل الفحص. وهنا ظهر الفرق بين هذا الوجه والوجه الأوّل، فإن الأوّل بيان لعدم الشمول بالنظرة الأفرادية إلى كلّ دليل دليل، وهذا بيان له بالنظرة المجموعية.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

التقريب الثالث(1): في المقام وهو أيضاً مقتضى التحقيق

كالتقريبين السابقين وهو يحتاج في توضيحه إلى بيان مقدّمة: 

حاصلها: هو أنه إذا ورد إلينا من قبلهم دليل له إطلاق في نفسه، واحتملنا اقتران هذا الإطلاق في وقت صدور الكلام بظهور يدلّ على خلافه، ويكون قرينة على تقييد ذلك الإطلاق. إلّا أن هذا الظهور اختفى عنّا بالمرّة، فهذا هو الذي يسمّيه علماء الأصول باحتمال القرينة المتّصلة.

واختفاء هذا الظهور تارةً يكون بلحاظ كبرى الظهور، وأخرى يكون بلحاظ صغرى الظهور. وأقصد بكبرى الظهور هو أننا نحتمل أن يكون فهمنا اللغوي أو فهمنا العرفي قد تغيّر عمّا سبق، حيث إن اللغة والذهنية العرفية في حركة وتغيّر مستمرّ، فالإمام قرن كلامه بكلمة لا نفهم الآن منها تقييد الإطلاق، لكنّه لعلّه في ذلك الوقت كان لمثل هذه الكلمة ظهور في تقييد الإطلاق، فذات الكلمة وصلت إلينا، ولكن الكبرى لم تصل إلينا.

وأخرى يكون الشكّ من ناحية صغرى الظهور، بأن نجزم -مثلاً- بأن فهمنا العرفي واللغوي لم يتغيّر عمّا هو عليه في أيام الأئمة، لكن لا ندري أن هذه الكلمة الدالّة على التقييد كانت أو لم تكن، فإنها لم تصلنا، ولكن نحتمل أنها كانت موجودة، وهذه الكلمة لو كانت موجودة لفهمنا منها التقييد نحن أيضاً، لكنّها سقطت.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) الوجه الثالث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

أما الشكّ الأوّل وهو الشكّ من ناحية كبرى الظهور، فهذا الشكّ -كما قلنا في بحث الظواهر- منفي بأصل من الأصول سمّيناه بـ(أصالة الثبات في اللغة) وهو أصل كاذب تكويناً صادق تشريعاً، يعنى عليه البناء تشريعاً وإن كان كاذباً واقعاً؛ لأن اللغة ليست في حالة الثبات، بل في حالة الحركة والتطور، على تفصيل سبق توضيحه في بحث الظواهر.

فمتى ما وصل إلينا مطلق من كلام الإمام أو النبي، وكان مقترناً بكلمة، لا نفهم الآن أنها مقيّدة، لكن نحتمل أن يكون أصحاب عصر النصّ يفهمون منها التقييد، في مثل هذا لا نهتمّ بهذا الاحتمال، بل نجري أصالة الثبات في اللغة.

وأما إذا كان الشكّ في صغرى الظهور: أن هذه القرينة التي لا إشكال في ظهورها هل هي موجودة مع النصّ أو لا؟ وهذا الإشكال في صغرى الظهور ينحلّ إلى قسمين، وقبل ذكرهما أقول: بأنه متى ما واجهنا مثل هذا الإشكال، فمثل هذا الاحتمال يوجب إجمال النصّ، فإننا بنينا في بحث الظواهر على أن احتمال القرينة المتّصلة بهذا المعنى -يعني من ناحية الشكّ في صغرى الظهور – يوجب إجمال النصّ وعدم جواز التمسّك بإطلاقه. خلافاً لجملة من الآغايون الذين قالوا: إن احتمال القرينة المتّصلة لا يوجب الإجمال، وإنما الذي يوجب الإجمال في نظرهم احتمال قرينية الموجود لا احتمال وجود القرينة. ونحن قلنا بأن التحقيق هو أن كِلا الاحتمالين يوجب الإجمال. 

وتفصيل الوجه في ذلك تقدّم في بحث الظواهر، وإجماله: أنه مع احتمال 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

القرينة المتّصلة، لا يحرز موضوع حجّية الظهور؛ لأن موضوعها هو الظهور الفعلي على ما حقّقناه هناك، ومع احتمال القرينة المتّصلة نشكّ بالظهور الفعلي؛ لأن هذه القرينة لو كانت موجودة لَما كان هناك ظهور فعلي في الإطلاق، ومعنى هذا هو الشكّ في موضوع الحجّية، ومع هذا الشكّ كيف يمكن التمسّك بالحجيّة.

ولكن مع هذا قلنا بأن هذه الصغرى المشكوكة -التي ما دامت مشكوكة تكون موجبة لإجمال النصّ- على قسمين: تارةً تكون لفظاً، وأخرى لا تكون لفظاً. فإن فرض كونها لفظاً أو ما بحكمه كحركة اليد، يعني نحتمل أن كلام الإمام كان قد اقترن بكلمة وسقطت حينما وصل النصّ إلينا. فهذا الاحتمال
-وإن كان يوجب إجمال النصّ- لكن نحن لنا طريق إلى نفي هذا الاحتمال، وهو شهادة الراوي؛ لأن الراوي له شهادتان: شهادة بأنه صدر من الإمام هذا، وشهادة أخرى بأنه لم يصدر غير هذا؛ لأن ظهور حال الراوي في أنه في مقام نقل تمام ما له ربط بالمسألة من كلام الإمام. ومن هنا ننفي احتمال القرينة المتّصلة بشهادة الثقة، كما نثبت صدور المطلق به. هذا فيما إذا كانت القرينة المحتملة لفظاً أو ما بحكمه.

وأما إذا فرضنا أن هذه القرينة المتّصلة المحتملة، كانت عبارة عن ظهور حال، أن يكون للمتكلّم حال عموميته، وهذه الحال على طولها وامتدادها لها ظهور ودلالة بحسب نظر المطّلع عليها. فهذا الحال يكون من قبيل القرينة المتّصلة؛ لأن الحال إذا كان بهذه المثابة فإنه يوجب عدم انعقاد الظهور الإطلاقي.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ومثل هذه القرينة المتّصلة لو احتملناها لا يمكن نفيها بشهادة الراوي؛ لأن الراوي لا يتعهّد بأن ينقل تمام الظهورات الحالية المتنوّعة من طول حياة هذا المتكلّم وسيرته، وإنما غاية ما يُفهم من رواية زرارة أنه ينقل ما سمعه، ويتعهّد أنه لا يسقط مما سمعه شيئاً، لا أنه ينقل ظهور الحال الطولانية للمتكلّم، فإنه ليس هناك بناءٌ للرواة على نقل مثل هذه الأحوال، اللّهم إلّا في تراجم الأئمة، فإنه حينما تكتب ترجمة للإمام تكتب جملة من أحواله الطولانية المستمرّة لا في مقام نقل الرواية.

ومن هنا نقول: إنه إذا فرض احتمال القرينة المتّصلة كان بهذا النحو، فهذا يوجب إجمال النصّ؛ لأنه ليس عندنا طريق إلى نفي مثل هذا الاحتمال في المقام؛ لأن الطريق منحصر بشهادة الرواية، وهو لا يشهد بنفي هذا الاحتمال. 

ويستخلص من ذلك أنه متى ما ورد مطلق واحتملنا اكتنافه بحال للمتكلّم، مثل هذه الحال لها ظهور في تقييد هذا المطلق، إذا احتملنا هذا فلا يمكن العمل بالإطلاق. هذا هو حاصل المقدّمة وهي مقدّمة منقّحة على مبانينا في بحث الظواهر.

حينئذٍ إذا علمنا ذلك نطبّق هذه في المقام ونقول: بأن (رفع ما لا يعلمون) مثلاً وإن كان في نفسه له إطلاق لِما قبل الفحص، -مثلاً- لكن نحتمل أن مثل هذا الإطلاق لم يفهم أصلاً من مثل هذه العبارة من أحد ممن سمع هذا الكلام من رسول الله، وذلك لاحتمال اكتناف مثل هذا المطلق بظهور حال يصلح للقرينية، وهذه الحال هي اهتمام النبي المستمرّ المتواصل بتبليغ الأحكام 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الشرعية وإيصالها المسلمين والحرص على اطّلاعهم على ذلك، وإيجاد التكاليف المتعدّدة في مقام جلبهم إلى تحصيل مثل هذه التكاليف، والوان الترغيب والتهديد الذي كان يستعمله، ونوع ما كان يعلّقه على امتثال هذه الأحكام من المصالح والمفاسد والملاكات  الواقعية. تمام حياة النبي تعكس أعلى مراتب الاهتمام بأحكام الشريعة الإسلامية والحرص على تبليغها. ومثل هذا الاهتمام والجهد المتواصل قد يكون له مرتبة عالية جداً من الظهور في أن لا ينعقد لمثل هذا الكلام إطلاق أصلاً يتناول ما قبل الفحص. فإنه مثل هذا الشخص كيف يتصوّر في حاله أنه حينما يقول: (رفع ما لا يعلمون) يعني أنت إذا كان كتاب الوسائل أمامك فلا تصدّع نفسك في أن تقرأ الروايات الموجودة فيه، مع أن المتكلّم هو يصدّع نفسه ويتعب روحه في سبيل إيصال الأحكام إلى المسلمين ما شاء الله. 

طبعاً لا أدّعي الملازمة العقلية، لكن أدّعي أن مثل هذا الحال يكون له ظهور عرفي، بحيث يفهم منه عرفاً ما يمنع عن انعقاد الإطلاق في مثل هذا المطلق.

من قبيل -بلا تشبيه- شخص له جار عدوّ له يتصيّد الفرص دائماً للإيقاع به وتنقيصه، فإذا التفت مرّة إلى ابنه وقال له: (أكرم جيراني)، لا يخطر على بال السامع أن هذا الشخص عفى عن هذا العدوّ وسكت عنه، فظهور الحال من القرائن المتّصلة التي توجب تقييد الإطلاق في جملة من الموارد. وحينئذٍ ففي المقام لا بأس بأن يقال بأننا نحتمل مثل هذا الحال، اقتران النصّ النبوي أو 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

النصّ الآخر. ومع هذا الاحتمال يكون مجملاً ولا يمكن التمسّك بالإطلاق(1)

واحتمال هذا يوجب كفاية البلوغ إلى المقصود، وهو إجمال النصّ، ولا أقلّ من الاحتمال(2)

التقريب الرابع(3): حكم العقل بالفحص ومناقشته

التقريب الرابع هو دعوى أن العقل يحكم بأن العبد بمقتضى وظيفة العبودية لا بُدّ له أن يتصدّى للفحص عن أحكام المولى وللتفتيش عنها، ومثل هذا الحكم العقلي يكون مقيّداً لإطلاق دليل البراءة الشرعية. 

هذا البيان بهذا المقدار واضح البطلان، وذلك لأن العقل وإن كان يحكم بأن العبد يجب عليه الفحص عن أحكام المولى، بل يحكم العقل بوجوب الاحتياط على العبد، سواء قبل الفحص أو بعده؛ لأننا أنكرنا قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). فلا نشكّ في مثل هذا الحكم العقلي لا قبل الفحص ولا بعده. 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: نقطع باقترانه بمثل هذا النقل؟ وهذا الكلام منّي في مقام الزهد العلمي، الآن اقطع باقترانه بمثل هذا الحال إلّا عند من لا يفهم حال رسول الله. وإلا كلّ شخص يفهم حاله وكان عرفياً وسليماً في ذوقه وفهمه العرفي، يؤمن بأن رسول الله هذا المجاهد الفريد الصابر المحتسب في حياته، لا يحتمل أنه يريد بـ(رفع ما لا يعلمون) الإطلاق لذلك، يعني لا يحتمل بحسب الفهم العرفي؛ لأن حاله الخارجية كالقرينة المتّصلة التي توجب تقييد الإطلاق..

(2) وهنا قال أحد الإخوان: هذا البيان يأتي في الآيات أيضاً؟

فأجاب (سلّمه الله): هذا البيان يأتي في تمام الأدلّة..

(3) الوجه الرابع.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ولكن مثل هذا الحكم العقلي لا يمكن أن يكون مقيّداً لإطلاق دليل البراءة، مهما كان هذا الحكم من حيث الوضوح والبداهة، وذلك لأنه حكم تعليقي وليس تنجيزياً؛ لأن العقل إنما يحكم بوجوب الفحص والاحتياط مالم يرخّص المولى في ترك الفحص، فهو حكم معلّق بعدم حجّية الرخصة من قبل المولى في ترك الفحص والاحتياط قبل الفحص. وحينئذٍ يكون إطلاق دليل البراءة الشرعية رافعاً لموضوع هذا الحكم العقلي؛ لأنه يثبت مجيء الرخصة من قبل الشارع. 

وكم فرقٍ بين مثل هذا البيان وما ذكرناه من البيان بالأمس، فإن ما ذكرناه كان مرجعه إلى دعوى ثبوت حكم عقلائي ارتكازي، وهو يصلح أن يكون صارفاً لظهور دليل البراءة إلى الإمضاء. وأما لو لاحظنا مُرَّ العقل -بقطع النظر عن الجعول العقلائية- فمُرّ الحكم العقلي هو حكم تعليقي لا تنجيزي، وإذا كان تعليقياً فلا يعقل أن يكون مقيّداً لإطلاق دليل البراءة الشرعية، بل يكون مرفوع الموضوع به. 

فهذا الوجه مما لا يمكن المساعدة عليه أو الذهاب إليه.

التقريب الخامس(1): ومناقشته

الوجه الخامس من الوجوه التي يمكن أن يبرهن بها على وجوب الفحص، وعدم جواز إجراء أصالة البراءة قبل ذلك. 

وحاصله: أننا حينما نواجه شبهة بدوية حكمية، فإما أن نحتمل وجود 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

(1) الوجه الخامس.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

حجّة في الواقع على التكليف، وإما إن لا نحتمل وجود الحجّة. فإن كنّا مسبقاً على الفحص لا نحتمل وجود حجّة على التكليف، فلا حاجة في مثل ذلك إلى الفحص، بل يمكن إجراء البراءة؛ لأننا نكون قد فحصنا قبل الفحص.

وإنما محلّ الكلام ما إذا كنّا نحتمل وجود حجّة في كتاب (الوسائل) بحيث لو فحصنا لوجدناها، ففي مثل ذلك لا يمكن التمسّك بإطلاق دليل الرفع
-وإن كان له إطلاق في نفسه- لأنه بالدقّة تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، وهو غير جائز. 

وتوضيحه: يتوقّف على استذكار تصوّرين أساسيين مختلفين لطبيعة الحكم الظاهري، أحدهما هو التصوّر المشهوري، والآخر: هو التصوّر المختار.

المشهور يذهبون إلى أن الأحكام الظاهرية لا يوجد في ما بينها تعارض وتنافٍ حتّى لو تنافى مفعولها ومنشؤها، فالوجوب الظاهري مع الحرمة الظاهرية لا يوجد بين دليلهما وبينهما تعارض وتنافٍ، إلّا في مقام ومرحلة الوصول وعلم المكلّف بتلك الأحكام الظاهرية، فهما يتنافيان بوجوديهما الواصلين، لا بوجوديهما الواقعيين النفس الأمريين، ولا الوجود الواصل لأحدهما والواقعي للآخر، وإن كانا في عرض واحد واختلف مفعولهما من حيث الإثبات والنفي أو الأمر والنهي. 

وهذا بخلاف الأحكام الواقعية -عندهم- فإنها متنافية في أنفسها، فالوجوب والحرمة الواقعيان متنافيان في أنفسهما، سواء وصلا أو لم يصلا أو وصل أحدهما دون الآخر، على كلّ تقدير التنافي موجود بين وجوداتها الواقعية 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

النفس الأمرية بقطع النظر عن الوصول. فيتقيّد موضوع أحد الدليلين بنقيض موضوع الآخر.

هذا المطلب له سرّ وله محصول ونتيجة:

أما سرّه عند المشهور: هو أنهم لا يرون نشوء الأحكام الظاهرية عن ملاكات ومبادئ حقيقية في مواردها، وإنما تنشأ عن ملاكات ومصالح في نفس خطاباتها. بخلاف الأحكام الواقعية، فإنها تنشأ عن ملاكات ومبادئ في مواردها. إذن فوجود وجوب ظاهري وحرمة ظاهرية في نفس الأمر ليس فيه محذور؛ لأنه ليس أيّ منهما معبّراً عن ملاك في متعلّقه وسنخ اهتمام واقعي في مورده حتّى يتنافى الاهتمامان والغرضان، وإنما كلّ منهما ينشأ من مصلحة في نفس الخطاب. لعلّ شخصاً أعطى المولى ديناراً على أن يجعل الحرمة وأعطاه ديناراً آخر على أن يجعل الوجوب الظاهري فجعلهما، من دون أن يلزم من اجتماعهما محذور واجتماع الضدّين أو أيّ محذور عقلي آخر.

نعم، حينما يصلان إلى المكلّف يلزم المحذور؛ لأنه يترتّب المنجّزية والمعذّرية على وصولهما؛ لأن الحكم الظاهري جُعل ليكون منجّزاً ومعذّراً، فإذا وصل الوجوب كان منجّزاً للفعل على المكلّف، وإذا وصلت الحرمة كانت منجّزة للترك عليه، وإذا وصلت الإباحة الظاهرية كانت معذّرة للمكلّف، والتنجّز والمعذّرية لا يمكن اجتماعهما في ظرف واحد، إذن فهما يتنافيان في مرحلة الوصول، وأما بقطع النظر عنه فلا تنافي بينهما. 

وهذا بخلاف الحكمين الواقعيين، فإنهما حيث إنهما ينشئان من اهتمامات 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

واقعية في مواردهما، ولهذا الوجوب والحرمة أو الحرمة والإباحة الواقعية بوجوداتها النفس الأمرية متنافية؛ لأنها تعبّر عن اهتمامات متعاكسة وأغراض متضادّة. هذا سرّ موقفهم. 

وأما نتيجة موقفهم: فهي أنهم متى ما وجدوا دليلين على حكمين واقعيين متنافيين أوقعوا التعارض بين الدليلين، كدليل (صلِّ) و(لا تغصب) يقع التعارض بينهما بناءً على استحالة اجتماع الأمر والنهي، فإنها بوجودها الواقعي متعارضة، سواء وصل الخطاب إلى المكلّف صغرى وكبرى أو لم يصل إليه صغرى أو كبرى.

وأما في الأحكام الظاهرية فلم يبنوا على التعارض بين دليلي الحكمين الظاهريين المجعولين على مستوى واحد، إلّا بمقدار الوصول الأكثر منه. فمثلاً دليل الرفع ودليل حجّية خبر الواحد، كلٌّ منهما متكفّل لحكم ظاهري، والحكم الظاهري المجعول في (رفع ما لا يعلمون) ينافي في كثير من الأحيان الحكم المجعول في حجّية خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد قد يخبر عن الحكم الإلزامي ويكون على خلاف الرفع. 

إلا أنهم لا يعاملون مع الوجود الواقعي لحجّية خبر الواحد وأصالة البراءة معاملة المتعارضين، فلا يرون هذين الحكمين بوجوديهما الواقعيين متعارضين ومتنافيين. وإنما يرون أنهما متنافيان بوجودهما الواصل. فلو فرض في مورد أن العادل أخبر عن حرمة (التتن) ولكن لم يصل إلي ّ خبره، فدليل حجّية خبر الواحد شامل في الواقع لهذا الخبر، ومتكفّل بتحريم (التتن) ظاهراً، ولكن مع 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

هذا يكون إطلاق دليل البراءة شاملاً لهذا المورد حقيقةً، وتكون البراءة جارية حقيقةً، بحيث يجتمع عندهم هذان الحكمان في نفس الأمر والواقع. ومفاد أحدهما الرخصة، والآخر مفاده التحريم، وهما مجعولان حقيقة، لماذا لا تنافي بين وجوداتها الواقعية، وإنما التنافي بين وجوداتها الواصلة. وخبر الواحد المفروض أنه لم يصل إلى المكلّف، فلا يكون هناك تنافٍ، فيكون إطلاق دليل البراءة محفوظاً واقعاً. هذا كلّه على تصوّر مشهوري.

وأما على تصوّر آخر: وهو أن الأحكام الظاهرية تنشأ كالأحكام الواقعية من اهتمامات واقعية نفس الأمرية في مواردها على تفصيل لا مجال له في المقام. فحينئذٍ يصير حالها حال الأحكام الواقعية، فحينئذٍ يقع التنافي بين واقع الوجوب الظاهري وواقع الإباحة الظاهرية، سواء كانا واصلين معاً، أو كان أحدهما واصلاً دون الآخر. ففي مثال ما لو أخبر العادل عن حرمة (التتن) ولم يصلنا، نلتزم بأن البراءة منافية مع حجّية خبر العدل، فلا يمكن أن يجتمعا في الواقع وإن لم يصلا معاً(1). هذه هي المقدّمة التي أردتُ بيانها. 

بعد هذه المقدّمة نأتي إلى دليل: (رفع ما لا يعلمون)، نقول: إنه يقول: إن كلّ ما لا يُعلم مرفوعٌ عن المكلّف، حتّى لو فرض أنه أخبر الثقة عن ثبوت الإلزام بما يحصل العلم به، ولو خلّينا نحن وإطلاق الدليل لقلنا إنه يدلّ 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

() فكما أن الخطابات الواقعية بوجوداتها النفس الأمرية متنافية، ويجب أن يقيّد موضوع أحدهما بنقيض موضوع الحكم في الآخر، كذلك الحال في الأحكام الظاهرية. (إعادة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بإطلاقه على عدم حجّية خبر الثقة؛ لأنه بإطلاقه يرفع المشكوكات حتّى في موارد إخبار الثقة على الإلزام. 

ولكن دلّ دليل آخر على حجّية خبر الثقة، وقال بأنه إذا أخبر الثقة عن حكم إلزامي(1) فهو لازم وثابت. فهنا بناءً على التصوّر المختار وهو: أن الأحكام الظاهرية متنافية بوجوداتها الواقعية، فيجب أن نعامل هذين الدليلين معاملة التخصيص، فنقيّد إطلاق دليل الرفع بعدم قيام خبر الثقة(2) على الخلاف، فيصير موضوعه بعد التقييد عبارة عن (ما لا يعلم) ولم يقم خبر ثقة على الخلاف؛ لأنه حيث يستحيل الجمع ما بين البراءة وحجية خبر الثقة، فلا بُدّ أن يتقيّد موضوع الحكمين بنقيض موضوع الحكم الآخر؛ لئلا يجتمعا(3). فيصير موضوع البراءة هو عدم العلم وعدم خبر الثقة.

فمتى ما احتملنا وجود خبر ثقة يدلّ على الحكم الإلزامي يصير هذا شبهة مصداقية لدليل البراءة؛ لأنني قبل الفحص أشكّ بأن خبر الثقة موجود أو لا، فأنا أشكّ في تحقّق موضوع دليل البراءة(4)، ويكون شبهة مصداقية.

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() وفرضنا أن ذاك الدليل مقدّم على إطلاق حديث الرفع؛ إما بالتخصيص وإما بالحكومة وإما بالورود وإما بالجمع العرفي (تكرار). (المُقرِّر).

(2) فيقيّد دليل البراءة بعدم واقع خبر العدل، أو واقعه في معرض الوصول. (المُقرِّر).

(3) ونرفع اليد عن إطلاق دليل الرفع بمقدار المنافاة، وهو على المختار: هو واقع حجّية خبر العدل، وعند الأكابر هو مقدار الوصول إلى مقدار الواقع. (المُقرِّر).

(4) بعد تقييده (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تماماً كما هو الحال في الدليلين المتكفّلين لحكمين واقعيين أحدهما يقول: (إكرام العلماء مرفوع عنكم)، وورد في دليل آخر: (أنه يجب إكرام علماء الإسلام بالخصوص). فحينئذٍ يقيّد موضوع الدليل الأوّل بأن لا يكون من علماء الإسلام، فإذا شكّ في شخص أنه من علماء الإسلام أو لا، هذه تكون شبهة مصداقية لا يمكن التمسّك فيها بالمطلق. هذا كله انسياقاً مع التصوّر الصحيح للحكم الظاهري. 

نعم هذه النتيجة لا يمكن الانتهاء إليها على المبنى المشهور، فإن المشهور لا يرى تنافياً بين واقع حجّية الواحد وبين واقع البراءة، بل يرى إمكان اجتماعهما في اللوح المحفوظ، وإنما التنافي بينهما بمقدار الوصول لا أكثر، وحينئذٍ فنرفع اليد عن دليل البراءة بمقدار وصول حجّية خبر الواحد، لا بمقدار واقع خبر الواحد؛ لأننا نرفع اليد عن دليل البراءة بمقدار التنافي لا أكثر، والتنافي عند المشهور بمقدار وصول الطرف الآخر لا بمقدار واقعه. وحينئذٍ فيقيّد (ما لا يعلمون) بأن لا يكون قد وصل خبر الواحد، والمفروض أنه حتّى الآن بعدُ لم يصل خبر الواحد قبل الفحص، فلا تكون الشبهة مصداقية(1)

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا كان الوصول بمعنى أن يكون في معرض الوصول، فأنا أشكّ في أن هذا الخبر في معرض الوصول أو لا، فتكون الشبهة مصداقية على مسلك المشهور.

 فأجاب (سلّمه الله): على المشهور يكون الوصول هو الوصول الحقيقي؛ لأننا بعدُ حتّى الآن لم نعثر على وجه لننجزه بمجرّد كونه في معرض الوصول، فإن المفروض عندهم أن التعارض من تبعات المنجّزية والمعذّرية، وحتّى الآن لم يتبيّن لنا أن الحجّة المشكوكة قبل الفحص تكون منجّزة، إذن فيكون التقييد بمقدار الوصول الفعلي، فلا تكون هناك شبهة مصداقية..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وهذا من النتائج المهمّة للاختلاف بين المسلكين في تصوّر الأحكام الظاهرية، بناءً على مسلكنا تكون الشبهة شبهة مصداقية، وبناء على مسلك المشهور تكون شبهة حكمية واقعية، يصحّ التمسّك فيها بإطلاق دليل الأصل(1)

هذا البيان بيان صحيح حسابي، في مقام إثبات كون الشبهة مصداقية لا يمكن التمسّك فيها ابتداء بدليل أصالة البراءة.

ولكن هذا البيان لا يكفي بلا متمّم(2)، وذلك لأنه يمكن في المقام أن يقال: بأن الشبهة المصداقية وإن كان لا يجوز التمسّك فيها بدليل أصالة البراءة ابتداء، ولكنّنا يمكننا التمسّك بالأصل المؤمّن بأحد وجهين آخرين: 

1- أما بأن نجري الاستصحاب الموضوعي ونحرز عدم مجيء خبر عدل، فإن موضوع دليل الرفع صار مركّباً من عدم العلم ومن عدم مجيء خبر عدل، فهنا عدم العلم وجداني، وعدم مجيء خبر عدل نثبته بالاستصحاب، فبضمّ 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إن هذا لو تمّ يأتي حتى بعد الفحص وعدم الظفر.

فقال (سلمه الله): هذا المطلب يكون الجواب عنه: أن دليل حجّية خبر الواحد مخصّص من أوّل الأمر بخصوص ما يكون في معرض الوصول، وليس فيه ما يكون شاملاً بإطلاقه ما كان بحيث لو فحص عنه لا يظفر به. مثل ذاك الخبر لم يبرز الشارع اهتمامه به بالتحفّظ عليه في خطاب. (انتهى). (المُقرِّر).

(2) ولا يكفي من الوجهة العملية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الاستصحاب إلى الوجدان ننقح موضوع العام المخصّص، وهو دليل البراءة. ونحن ديدننا دائماً في موارد الشبهات المصداقية للعامّ: أنه إذا أمكن إحراز موضوع العام بالاستصحاب فنتمسّك بالعام حينئذٍ. كما لو ورد: (أكرم كلّ عالم)، وورد: (لا تكرم الأموي من العلماء)، وشكّ في شخص عالم أنه أموي أو لا، نستصحب عدم كونه أموياً لإدراجه تحت العموم ولو بنحو العدم الأزلي. إذن فلا بأس بإجراء الاستصحاب وتنقيح موضوع العامّ به. فأيضاً انتهينا إلى الأصل المؤمّن.

2- أنه بقطع النظر عن الاستصحاب يقال: بأن البراءة عن الواقع لا يمكن إجراؤها؛ لأنها في عرض حجّية خبر العدل، ونحن نحتمل حجّية خبر العدل، فلا يمكن إجراء البراءة عن الواقع، لكنّ البراءة عن حجّية خبر العدل التي هي في طول حجّية خبر العدل حيث إنها في طولها، ولهذا تكون قابلة للاجتماع معه، فتطبيق دليل الرفع لنفي الواقع ابتداءً تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، لكنّ تطبيقه لنفي الحجية الناشئة من تمام خبر الواحد لا بأس به، وهذا أيضاً أصل مؤمّن، ولا يقيّد هذا الوجه في مقام إبطال الرجوع إليه(1).

إذن نحتاج في مقام إبطال الرجوع إلى هذه الأصول إلى دعوى العلم الإجمالي بوجود أخبار عدول في كتاب (الوسائل)، بحيث لا يمكن في كلّ مسألة أن 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: أن التأمين عن الحكم الظاهري هو تأمين عن الحكم الواقعي في المرتبة الثانية من مراتب الشكّ، على التفصيل الذي ذكرناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية. انتهى. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

نستصحب عدم إخبار العدل، أو أن نجري أصالة البراءة الطولية. فيرجع بالآخرة -بمتمّمه- إلى وجه جديد وهو دعوى العلم الإجمالي. وسوف يظهر أن هذا الوجه بمتمّمه له مزايا فنّية على العلم الإجمالي المفروض لو لا هذا الوجه(1)

الوجه السادس: العلم الإجمالي

الوجه السادس من الوجوه التي يمكن أن يستدلّ بها على وجوب الفحص، وعدم جواز إجراء البراءة في الشبهة الحكمية قبل ذلك، هو التمسّك بالعلم الإجمالي: أما العلم الإجمالي بلحاظ التكاليف الواقعية، المنتشرة في أخبار (الوسائل)، بحيث تجعل هذه التكاليف هي معلوم العلم الإجمالي، بأن 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إن إجراء البراءة عن حجّية خبر الواحد، هل هو تمسّك بالأصل، أو تمسّك بإطلاق حديث الرفع؟

فأجاب (سلمه الله): بل بإطلاق حديث الرفع؛ لأنه يشمل ما لا يعلم من الأحكام الظاهرية وهو حجّية خبر الواحد بحسب انحلاله على الأفراد.

وسألته بعد البحث: أننا أجرينا دليل الرفع عن حجّية خبر الواحد بعد تقييده بعدم حجّية خبر الواحد.

فأجاب (سلّمه الله) -ما محصّله-: أن دليل البراءة قيّدناه بعدم قيام الحجّة على الحكم الواقعي، -وهو نفس مدلول خبر زرارة، أي: نفس وجوب صلاة الجمعة مثلاً- فإذا احتملنا قيام الخبر على الحكم الواقعي لم تجر البراءة؛ باعتبار معارضتها مع دليل حجّية الخبر. وأما بالنسبة إلى الإطلاق الطولي فنجريه عن الحكم الظاهري –أي: عن وجود خبر زرارة-، وهذا الإطلاق لا معارض له في مرتبته، إلّا إذا احتملنا قيام الحجّة الظاهرية على الحكم الظاهري -من قبيل نقل محمّد بن مسلم عن زرارة-. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

يقال: إننا نعلم إجمالاً بتكاليف واقعية كثيرة موجودة ضمن أخبار (الوسائل)، وهذا العلم منجّز، فلا بُدّ من الاحتياط في أطراف هذا العلم الإجمالي، ولا تجري الأصول المؤمّنة فيها، ولأجل هذا يكون المكلّف ملزمًا بأن يفحص ليرى أنه هل يوجد خبر ثقة يدلّ على حكم واقعي بالإلزام أو لا؟ فإن وجد فهو المطلوب، وقد تمّ عنده الدليل الحاكم على البراءة، وإن لم يجد يستكشف خروج هذا المورد عن الطرفية للعلم الإجمالي، وعدم كونه مصداقاً للمعلوم بالإجمال؛ لأن المعلوم بالإجمال هي تكاليف واقعية جاءت على طبقها أخبار الثقات في كتاب (الوسائل)، وبعد الفحص يتبيّن أن حرمة (التتن) لم يجئ على طِبقه خبر ثقة في كتاب (الوسائل)، فلا يكون مصداقاً للمعلوم بالإجمالي فتجري عنه البراءة.

فهذا علم إجمالي بالأحكام الواقعية المحفوظة في (الوسائل)، بقطع النظر عن حجّية خبر الثقة وعدمه، فإنه علم إجمالي يتشكّل عند الإنسان، سواء آمن بحجية خبر الثقة أو لا، فتشكيله لا يتوقّف على البناء على حجّية خبر الثقة.

وأخرى يشكّل العلم الإجمالي بلحاظ حجّية خبر الثقة، أي: العلم الإجمالي بالحجّية لا بالتكليف الواقعي، بعد البناء على حجّية خبر الثقة يقال: نحن نعلم إجمالاً بوجود حجج ظاهرية كثيرة موجودة في كتاب (الوسائل)، وهذا العلم الإجمالي أيضاً يكون منجّزاً، لِما بيّناه في مباحث العلم الإجمالي من أنه لا فرق في التنجيز بين العلم الإجمالي في التكليف الواقعي أو العلم الإجمالي بالحجّة. فهذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً وموجباً لعدم جريان البراءة قبل الفحص. نعم، لو فحص ولم يجد في كتاب (الوسائل) حجّة على الحكم الشرعي، يستكشف من 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ذلك عدم كون هذا الطرف مصداقاً للمعلوم بالإجمال. هذا هو الشكل الثاني للعلم الإجمالي. 

وجامع هذا التقريب هو عدم جواز جريان البراءة قبل الفحص لوجود العلم الإجمالي؛ إما بالتكاليف الواقعية، أو الحجج الظاهرية. 

 وهذا التقريب يعترض عليه بعدة اعتراضات:

[عدة اعتراضات على الوجه السادس]
الاعتراض الأوّل

هو الاعتراض المشهور، وحاصله: أننا إذا التجأنا في مقام سدّ باب البراءة قبل الفحص إلى العلم الإجمالي، ولم نجد دليلاً آخر على وجوب الفحص سواه، فلا بُدّ من الالتزام بالاحتياط في تمام دوائر العلم الإجمالي، وغلق باب البراءة فيها، لا في خصوص ما قبل الفحص، وذلك لأننا نعلم إجمالاً بتكاليف واقعية، ليست مخصوصة بخصوص كتاب (الوسائل)، بل نعلم بتكاليف واقعية منتشرة في مجموع الأمارات الأعمّ من الأخبار المعتبرة أو غير المعتبرة، أو الأمارات غير المعتبرة من قبيل الشهرة والإجماع المنقول ونحوها، فنشكّل علماً إجمالياً في هذه الدائرة الواسعة، ويقتضي هذا العلم تنجيز تمام الشبهات الواقعة في هذه الدائرة الواسعة، وحينئذ فلا بُدّ من الامتناع عن جريان أصالة البراءة حتّى بعد الفحص؛ إذ بعده أيضاً تبقى الشبهة طرفاً للعلم الإجمالي الواسع الدائرة، فيكون المانع عن إجراء البراءة قبل الفحص باقياً بعد الفحص أيضاً.

وما قيل كان مبنيّاً على قصر النظر على العلم الإجمالي في الدائرة الضيقة، 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وهي دائرة كتاب (الوسائل) -مثلاً- حينئذً يقال: إننا إذا لم نجد في (الوسائل) رواية تخرج المسألة عن كونها مصداقاً للمعلوم بالإجمال، لكن بعد فرض الالتفات إلى الدائرة الواسعة للعلم الإجمالي فلا بُدّ من الاحتياط في المقام؛ إذ لا تخرج المسألة عن كونها داخلة في هذه الدائرة الواسعة، وطرفاً لهذا العلم الإجمالي الكبير.

هذا الاعتراض أجيب عليه بعدّة وجوه: 

الوجه الأوّل في الجواب على الاعتراض

الوجه الأوّل: هو دعوى الانحلال في المقام، انحلال العلم الإجمالي الكبير -في مجموع الأمارات- بالعلم الإجمالي الصغير -في خصوص أخبار (الوسائل)- وذلك: لأن ضابط الانحلال منطبق في المقام، وهو أن يكون عدد المعلوم بالعلم الصغير لا يقلّ عن عدد المعلوم بالعلم الكبير.

وهو هنا كذلك، كما يظهر من مراجعة كلّ إنسان إلى وجدانه، فإنه لا يعلم في الدائرة الواسعة من المقدار المتيقّن وجوده في كتاب (الوسائل)، وحينئذً فينحلّ العلم الكبير، ويعود العلم الكبير إلى علم بالدائرة الضيقة، وشكّ بدوي بالنسبة إلى الزائد، فيرجع فيه إلى البراءة، وحينئذٍ فيتمّ ما ادّعي من أنه قبل الفحص لا يجوز إجراء البراءة لأجل هذا العلم الإجمالي الضيق الدائرة. أما حين نخرج الشبهة عن كونها مصداقاً له تكون الشبهة بدوية؛ لأن العلم الإجمالي الواسع الدائرة قد انحلّ. 

وهذه الدعوى للانحلال، وإن كانت دعوى مشهورية، إلّا أننا برهنّا على استحالتها وبطلانها في بحث البراءة والاحتياط. وأعيد البرهان على وجه 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الاختصار، فإن التحقيق أن العلم الإجمالي الكبير لا ينحلّ بالعلم الصغير، وإن كان معلومه لا يقلّ عن معلومه. 

وذلك لأن هذا العلم الإجمالي الصغير في خصوص أخبار (الوسائل) لم يتولّد من برهان عقلي، وإنما تولّد من حساب الاحتمالات، أي: من تراكم الاحتمالات وتقوّي بعضها على بعض، ومعنى هذا أن هذا العلم الإجمالي لم يكن ناشئاً من جعل الحجّية التعبّدية لأخبار (الوسائل) ولا ربط له بها، بل هو ينشأ حتّى لو فرض أن الحجّية التعبّدية لم تكن مجعولة لأخبار (الوسائل)، مع هذا يعلم المكلّف وجداناً بوجود أحكام واقعية فيها، لأجل تراكم الاحتمالات والأمارات الظنّية.

وبناءً عليه فنفس هذا العلم الإجمالي بنفس الملاك يتشكّل في دائرة أخرى: في دائرة الشهرات، فإننا لا يمكن أن نقول ببطلان تمام الشهرات عند علماء الشيعة، هذا لا يحتمل؛ لأن الشهرة وإن لم يثبت عليها حجّة تعبّدية من قبل الشارع، إلّا أنها أمارة احتمالية، بل ظنّية في كثير من الأحيان. فيأتي بالنسبة إليها تراكم الظنون حتّى يبلغ إلى درجة العلم الإجمالي بأن بعض الشهرات الدالّة على الأحكام الإلزامية تكون مطابقة للواقع، وملاك نشوء هذا العلم الإجمالي هو نفس ملاك نشوء ذاك العلم الإجمالي. 

إذن فقد نشأ عندنا علمان إجماليان صغيران كلّ منهما في دائرة ضيقة، أحدهما في باب أخبار (الوسائل)، والآخر في باب الشهرات الفقهية مثلاً،
-ونغضّ النظر عن الأمارات الأخرى، وإن كانت تتشكّل فيها نفس الدوائر-، وافرضوا أن المعلوم الإجمالي في كلٍّ منهما عبارة عن مائة.

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ثُمّ لو جمعنا كِلتا الدائرتين ونظرنا إليهما بنظرة موحّدة، ولاحظنا الأخبار والشهرات بما هي أمارات ظنّية فطبعاً -أيضاً- يتشكّل لنا علم إجمالي -وهو العلم الإجمالي الكبير الذي كانوا يقولونه- إلّا أن المعلوم في هذا العلم الكبير لا يلزم أن يكون أكثر من مائة أيضاً.

والنكتة في ذلك: هو أن العلمين الصغيرين بينهما مادّة اشتراك كما أن بينهما مادّة افتراق، فهناك كثير من الشهرات إلى جانبها أخبار ثقات، وهناك جملة من الشهرات ليس إلى جانبها أخبار ثقات، وجملة من الأخبار ليس إلى جانبها شهرات، فافرضوا أن الشهرات ألف والأخبار ألف والتداخل بينهما في خمسمائة، ومادّة الافتراق من كلّ من الجانبين خمسمائة أيضاً، ونحن وإن كنّا نعلم بمائة في دائرة الأخبار ومائة في دائرة الشهرات، فهاتان وإن كانتا مائتين عنواناً ومقوّمتين لعلمين إجماليين يحتمل انطباقهما على مادّة الاجتماع من كِلتا الدائرتين، يعني: أن تكون الشهرات الصحيحة هي الشهرات التي معها أخبار ثقات، وبالعكس أيضاً(1). ومعه فهاتان حينما نريد أن ننقلهما إلى العلم الإجمالي الأوسع لا يزيدان على مائة، ولا نعلم فيه بأكثر من مائة؛ لاحتمال التطابق في مادّة الاجتماع. 

وهذا هو الذي أوهم الانحلال في المقام، مع أنه بناءً على هذا التشريع يستحيل الانحلال في المقام، إذ يكون عندنا علم إجمالي واسع الدائرة وعلمان إجماليان عرضيان صغيران في داخله، فهنا نسأل أن العلم الكبير ينحلّ بأيّ من الصغيرين؟ انحلاله بأيّ واحد منهما ترجيح بلا مرجّح، فيستحيل أن 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() يعني الأخبار الصحيحة هي التي معها شهرات. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ينحلّ بأيّ واحد منهما. 

بل، بحسب الحقيقة، مرجع تمام هذه العلوم الإجمالية الثلاثة إلى علم إجمالي واحد بثبوت مائة تكليف في مادّة الاجتماع، أو مائتي تكليف في مادّتي الافتراق، وعليه فهذا العلم الإجمالي لو انحلّ لكان معناه أن الشيء ينحلّ بنفسه، وهو غير معقول. فالانحلال مستحيل.

إذن فهذا الجواب غير تامّ.

الجواب الثاني

الجواب الثاني عن الإشكال: هذا العلم الإجمالي الصغير والكبير. بوجوده الكبير كنّا نواجهه في بحث البراءة والاشتغال، وواجهناه بوجوده الصغير هنا. وبوجوده الكبير استفاد منه العلماء الإخباريون هناك، واستدلّوا به على وجوب الاحتياط، وغلق البراءة في الشبهات الحكمية. والعلم الصغير هنا يتمسّك به الأصوليون، بعد إبطالهم لذلك العلم الإجمالي الكبير، لأجل أن يقولوا كلمة الإخباريين فيما قبل الفحص، لا بعده.

فالأصولي ملزم بأن يقف موقفين: يقف في العلم الكبير للإخباريين موقف السلب ويبطل منجّزيته، ويقف من العلم الصغير موقف الإيجاب فيثبت منجّزيته. ولا بُدّ -لأجل أن يتماسك البناء الأصولي- أن لا يكون موقفه هناك مناقضاً مع موقفه هنا، بل ينبغي أن يتلاحم الموقفان ويناسبان.

فهناك بعض الأشخاص في مقام إبطال منجّزية ذلك العلم الإجمالي الكبير ذكروا مسألة الانحلال التي سبقت قبل لحظة. وهذا الجواب وإن لم يكن صحيحاً، إلّا أنه منسجم بين الموقفين، فإنه هناك هو أصولي يقول للإخباري: 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

إن علمك الإجمالي الكبير منحلّ بالعلم الإجمالي الصغير، وهنا يقول: بأني أتمسّك بالعلم الإجمالي الصغير الذي حلّلتُ به الكبير. فالموقفان لصاحب هذا الوجه موقفان منسجمان.

كلام المحقّق العراقي ومناقشته 

ولكنّ هناك موقفاً آخر تجاه ذلك العلم الإجمالي الكبير، وهو الموقف الذي ذهب إليه المحقّق العراقي والسيد الأستاذ على اختلاف في الصياغة سوف نشير إليه.

وقبل أن أشرح الموقف لا بُدّ لي أن أذكر فتوى أصولية هي التي أصبحت منشأ لتعقيد موقف الأصوليين أمام الإخباريين في مسألة العلم الإجمالي. فإنه قد يقال: إن العلم الإجمالي الكبير الذي يستدلّ به الإخباري، يمكن حلّه بالبحث وتحصيل عدد من أخبار الآحاد، والإخباري يقول بحجّيتها؛ لأن العلم الإجمالي ينحلّ فيما إذا وجِد منجّز تعبّدي في بعض أطرافه، وبعد هذا نجري البراءة في باقي الأطراف. فلماذا هذا الضجيج من العلماء الأصوليين؟ 

جوابه: أننا قبل أن نفحص ونجد المنجّز -أي: أخبار الآحاد – قبل هذا العلم الإجمالي الكبير للإخباريين منجّز لا محالة، ويوجب تعارض الأصول في الأطراف؛ لأننا بعد لم نحصل على منجّز تعبّدي في بعض الأطراف بعينه قبل الفحص. وإذا كان منجّزاً تتعارض الأصول وتتساقط في الأطراف، وإذا تساقطت الأصول في الأطراف وفرضنا أن بعض أطراف العلم الإجمالي وجدت فيه أمارة وحجّة، فحينئذ لا يرجع الأصل الساقط في الطرف الآخر، فإن الأصول إذا تساقطت في أطراف العلم الإجمالي ثُمّ خرج بعض الأطراف 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

عن موردية الأصول، لا يرجع الأصل في الطرف الآخر، فإن الأصول حينما تتساقط لا ترجع مرّة أخرى. وتحقيقها الفني سبق في مبحث العلم الإجمالي. 

هذا هو الذي صار باعثاً للزحمة (للمحنة) في المقام، فإن للإخباري أن يقول للأصوليين: بأن العلم الإجمالي الكبير موجود عندنا قبل أن نفحص ونحصّل الحجّة والمنجّزات التعيينية في بعض الأطراف. فإذا كان موجوداً يكون منجّزاً وموجباً لتعارض الأصول وتساقطها في الأطراف. فإذا وجد الفقيه حججاً ومنجّزات تعيينية في بعض الأطراف لا يفيده بعد تساقط الأصول، فإنه ماذا يُجري في الأطراف الأخرى التي لا يجد فيها حجّة؟ فإن الأصول سقطت وإذا سقطت لا ترجع مرّة أخرى.

أجاب الآغايون هناك: بأن الأصول في أطراف هذا العلم الإجمالي قبل الفحص لم تتعارض ولم تتساقط؛ لأن الشبهة قبل الفحص في نفسها ليست مشمولة لأدلّة الأصول، فإن التعارض والتساقط فرع أن يكون هناك اقتضاء في دليل الأصل للجريان قبل الفحص، وقبل الفحص لا اقتضاء للبراءة للجريان؛ لأن جريانها مشروط بالفحص، إذن فقبله لم تتعارض عندنا الأصول وتتساقط، وإنما يتمّ المقتضى في دليل الأصل للمشمول بعد الفحص في المسألة، وعدم وجدان الدليل على الإلزام. حينئذ يتمّ مقتضى الأصل في خصوص هذه الشبهة. إذن فليجر ولا يقع تعارض؛ لأن المقتضى في الشبهات الأخرى التي لم نفحصها حتّى الآن غير تامّة، فلا يقال: إنه يدور الأمر بين جريان الأصل هنا وجريانه هناك، بل يجري هنا بلا معارض هناك.

هذا ما ذكره السيّد الأستاذ هناك.

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وشبيه له ما ذكره المحقّق العراقي على فرق دقيق بينهما؛ لأن السيّد الأستاذ ذكر: أن الحكم الواقعي قبل الفحص منجّز ولا تجري في حقّه البراءة. والمحقق العراقي ذكر: أن الأمارة قبل الفحص منجّزة ولا تجري معها البراءة. فإن الخبر في معرض الوصول يكون منجّزاً ولا تجري معه البراءة. ونكتة المطلب واحدة، وهي: أنه قبل الفحص لا تعارض ولا تساقط؛ لأنه فرع تمامية المقتضي للأصل في الأطراف وهو غير تامّ، إلّا بعد الفحص، وفيه تجري البراءة بلا معارض؛ لأن المسائل الأخرى لم يفحص عنها بعد.

هذا هو الموقف الذي اتّخذه المحقّق العراقي ومن اتبعه من الآغايون في تلك المسألة.

موقفنا من العلم الإجمالي كدليل على الاحتياط

وهذا الموقف يستبطن وجوب الفحص بقطع النظر عن العلم الإجمالي؛ لأنه يفترض أنه يريد أن يُبطل منجّزية العلم الإجمالي ويصحّح جريان البراءة على خلاف مذاق الإخباري، بأن البراءة قبل الفحص في نفسها لم يكن لها مقتضٍ، لا أنه من ناحية التعارض والتساقط الناشئ من منجّزية العلم الإجمالي لا يكون لها مقتضٍ. فمثل هذا الشخص مسؤول عن أن يبرهن على وجوب الفحص من غير ناحية منجّزية العلم الإجمالي.

إلا أن نفس هذا الشخص -وهو المحقّق العراقي ومن تبعه- حينما جاء إلى مسألة وجوب الفحص استدلّ عليه بالعلم الإجمالي. ومن هنا يقع التنافر بين الموقفين ويصبحا غير منسجمين؛ لأنه إذا كان لا يملك دليلاً على وجوب 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الفحص وعدم جريان البراءة قبله إلّا العلم الإجمالي، إذن، فالعلم الإجمالي الكبير للإخباريين تتعارض فيه الأصول قبل الفحص وتتساقط من ناحية منجّزية العلم الإجمالي، وبعد التساقط لا ترجع من جديد، فيتمّ إشكال الإخباريين هناك. 

وعلى هذا يبدو بذلك خلل في البناء الأصولي المجموعي لأصول المحقّق العراقي، نعم، كلّ موقف في نفسه معقول، إلّا أن البناء الكلّي للموقفين معاً غير معقول؛ باعتبار هذا التناقض المستكشف في داخله.

تلخيص وتحصيل

الاعتراض الأوّل(1): وهو المشهوري: 

إنه كما عندنا علم إجمالي في خصوص كتاب (الوسائل)، عندنا علم إجمالي بوجود تكاليف واقعية في مطلق الشبهات أو في مطلق الأمارات المعتبرة 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

() كرر السيّد الأستاذ في هذه المحاضرة جميع ما كان قاله سابقاً حول لابُدّية انسجام موقف الأصولي تجاه العلم الإجمالي الكبير والعلم الإجمالي الصغير. وشرح فيها ثلاثة مسالك للانحلال: أوّلها مسلك انحلال العلم الكبير بالصغير، ثانيها مسلك المحقّق العراقي، وثالثها المسلك المختار* وتحصّل من كلامه أن الانسجام واقع على المسلكين الأوّل والأخير دون مسلك المحقّق العراقي. ونحن ذاكرون مختصراً عن هذه المحاضرة: 

 بدأ أوّلاً بتقرير العلم الإجمالي كدليل على وجوب الاحتياط قبل الفحص، وذكر أن عليه عدّة اعتراضات: الاعتراض الأول…

* هذا الموقف شرحه السيد يوم الأحد. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وغيرها. وحينئذٍ لا يبقى مجال لإجراء البراءة حتّى الفحص، إذ تبقى المسألة طرفاً للعلم الإجمالي الأوسع، فيجب الاحتياط فيها، وينسدّ بذلك باب البراءة على الإطلاق. ففتح باب البراءة هو فرض غضّ النظر عن العلوم الإجمالية، فكيف يستدلّ بها؟! 

وفي الواقع عندنا علمان إجماليان: علم إجمالي صغير، وعلم كبير في مطلق الأمارات أو الشبهات. الأوّل هو الذي استدلّ به المستدلّ، والثاني نقض به المعترض، والعلم الإجمالي الأعمّ من هذين العلمين هو العلم الذي استدلّ به الإخباري في مسألة البراءة والاحتياط على وجوب الاحتياط حتّى الفحص. والأصولي كان مدعوّاً الى إبطال الاستدلال بهذا العلم الإجمالي الإخباري؛ لأجل نفي وجوب الاحتياط وإثبات جريان البراءة. ثُمّ نفس هذا الأصولي تقمّص هنا ثوب الإخباري فاستدلّ على وجوب الاحتياط قبل الفحص بالعلم الإجمالي أيضاً، العلم الضيق الدائرة ضمن كتاب (الوسائل). فالأصولي وقف موقفين مختلفين تجاه هذين العلمين الإجماليين، حيث نفى منجّزية الأوّل، وأثبت منجّزية الثاني، فكأنّه ميّز بين هذين العلمين، وبنى على أن الأوّل غير محقّق لوجوب الاحتياط، والثاني محقّق له. فلا بُدّ أن نرى أن ردّ الأصولي على ذلك العلم الإجمالي الواسع هل يكون ردّاً على هذا العلم الإجمالي الصغير أيضاً، أو لا يكون ردّاً عليه؟ يعني بدراسة موقف الأصولي السلبي من ذلك العلم نرى أنه هل يصحّ أن يقف من هذا العلم الصغير موقفاً إثباتياً، ويستدلّ به على وجوب الاحتياط قبل الفحص، أو لا يصحّ؟

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فهنا صرنا في مقام استعراض وجهات النظر للعالم الأصولي في مقام التخلّص عن العلم الإجمالي الإخباري. 

قال الإخباري: إن البراءة إنما تجري في الشبهة البدوية، لا في الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي. وكل شبهة حكمية هي مقرونة بالعلم الإجمالي؛ باعتبار العلم بوجود تكاليف واقعية في تمام الشبهات أو الأمارات. وحينئذ لا بُدّ من الاحتياط في تمام أطرافه. ونحن إذا عثرنا خلال البحث على حجج ظاهرية بمقدار المعلوم بالإجمال -لأن الإخباري يقول بحجّية خبر الواحد- لا ينحلّ العلم الإجمالي؛ لأن العلم سابق على هذا العثور، فقبل أن يحصل هذا العثور كان العلم الإجمالي الكبير منجّزاً وتساقطت فيه الأصول، وإذا تساقطت لا ترجع مرّة أخرى، فلا يمكن الرجوع إلى البراءة في غير الأطراف التي يعثر فيها على الحجّة؛ لأن البراءة تساقطت قبل الفحص ولا تعود من جديد.

الأصولي جاء بعدّة أجوبة على صيغة الإخباري في بحث البراءة والاحتياط:

 الجواب الأوّل: إن العلم الإجمالي الكبير موجود ولا ينحلّ بالعثور على الأمارات التفصيلية؛ لأنه متأخّر زمناً عنه كما قال الإخباري. ولكن عندنا منجّز موجود في زمانه وفي رتبته، إذن فهو يوجب انحلاله لا محالة، وهو العلم الإجمالي الصغير، وهو بإحدى صفتين: إما العلم الإجمالي بالتكاليف الواقعية المنتشرة في ضمن أخبار (الوسائل)، وإما العلم الإجمالي بالروايات الصحيحة الحجّة فيها. وهذا العلم موجود من أوّل الأمر؛ لأننا كنّا نعلم بالتكاليف الواقعية في الدائرة الواسعة، كذلك نعلم أن هناك تكاليف لا يقلّ عددها عمّا 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

هو المعلوم بالعلم الكبير في كتاب (الوسائل) إما تكاليف واقعية وإما ظاهرية، فلينحلّ العلم الكبير بالصغير.

هذا الموقف من الأصولي، وهذا الأصولي الذي يعطي هذا الجواب هناك له الحقّ أن يستدلّ هنا على وجوب الفحص بالعلم الإجمالي الصغير، ولا يكون هناك تناقض بين الموقفين. وذلك: لأن الأصولي هناك أبطل العلم الإجمالي الكبير بالعلم الصغير(1)، وهنا تمسّك بالعلم الإجمالي الصغير. فهو لم يتمسّك بشيء أبطله هناك.

إلّا أننا ذكرنا في بحث البراءة والاحتياط أن هذا الجواب في نفسه غير صحيح وإن كان يوجب انسجام الخطّ بين المسألتين، فإن العلم الإجمالي الكبير لا ينحلّ بالعلم الصغير، سواء العلم بالتكاليف الواقعية في كتاب (الوسائل) أو الظاهرية فيه(2)(3).

ــــــــــ[57]ــــــــــ

() وهو العلم في ضمن كتاب (الوسائل) إما بالتكاليف الواقعية أو الظاهرية. (المقرِّر).

(2) وهنا أشار إلى برهان الانحلال، كما ذكره في المحاضرة السابقة من وجود علميين إجماليين صغيرين، ولا يمكن أن ينحلّ العلم الكبير لا بأحدهما خاصّة ولا بكِليهما معاً. (المقرِّر).

(3) وهنا أشكل أحد الإخوان على هذا التقريب: هذا جواب عن الصيغة الأولى لا عن الصيغة الثانية!

فأجاب: بل عن الصيغة الثانية أيضاً؛ لأنه لا فرق بينهما، بعد فرض أن العلم الإجمالي بالتكاليف الظاهرية –على مبنى المشهور– ليس علماً بالتخصيص السابق على العلم الإجمالي، فهو علم بتكاليف ظاهرية يجب أن تتنجّز بنفس هذا العلم الإجمالي، وحينئذ فنقول: إن منجزيتها بهذا العلم الإجمالي فرع تعارض الأصول، والأصول كما تتعارض في أطراف هذا العلم الإجمالي تتعارض في أطراف العلم الإجمالي في باب الشهرات وفي باب الإجماع المنقول أيضاً، وهكذا تتساقط الأصول في عرض واحد. (المُقرِّر)

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الجواب الثاني: للأصولي هناك هو الجواب الذي ذكره المحقّق العراقي، وروح هذا الجواب: بأن العلم الإجمالي الكبير منحلّ بالعثور على الأمارات التفصيلية التي يحصل عليها الإنسان خلال فحصه.

فإن قيل: إن العثور عليها متأخّراً عن العلم الإجمالي، فلا موجب لانحلاله قبله.

حينئذٍ يقال: -بصيغة المحقّق العراقي- إن هذه الأمارات التي يحصل عليها منجّزة مع العلم الإجمالي من أوّل الأمر؛ لأنها من باب الشكّ قبل الفحص، لأن هذه الأمارة لم يفحص عنها، إذن تكون بمجرّد احتمالها منجّزة، إذن فالعلم الإجمالي الكبير قد اقترن بالمنجّز من أوّل الأمر، وهو احتمال الأمارة قبل الفحص، فلا تكون البراءة قبل الفحص جارية في نفسها؛ لأن وجوب الفحص منافٍ مع جريانها. 

ونقول -بصيغة الدراسات- يقال: إن التكاليف الواقعية قبل الفحص تكون بمجرّد احتمالها منجّزة، إذن فالبراءة لا تتعارض وتتساقط قبل الفحص(1)؛ لأنها قبله لا مقتضى لجريانها، لأن جريانها فرع الفحص، وبعد 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) لأنه قبل الفحص لا يوجد هناك إطلاق لأدلّة الأصول يشمل الأطراف قبل الفحص حتى تتعارض وتتساقط، ليقول الإخباري: إن الساقط لا يرجع.

فالتعارض غير موجود، لا قبل الفحص؛ لعدم المقتضي للأصل، ولا بعده؛ لتميّز الحجّة عن غيرها. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الفحص -بمقدار ما أفحص أنا- أجري البراءة بلا معارضة، إذ تتميّز الشبهات التي فيها حجّة عن غيرها، ونجري البراءة فيما ليس فيه حجّة، ويتنجّز التكليف فيما فيه حجّة ولا تقع معارضة. 

هذا الجواب قلنا هناك: إنه صحيح في نفسه، إلّا أنه يشكّل تناقضاً في موقف الأصولي الذي يريد أن يستدلّ هنا بالعلم الإجمالي، فإن نفس المحقّق العراقي الذي نقض العلم الإجمالي الكبير -هناك- بهذا الجواب ليس من حقّه أن يستدلّ هنا بالعلم الإجمالي الصغير على وجوب الاحتياط والفحص.

والبرهان على ذلك: أن المحقّق العراقي هناك أبطل منجّزية العلم الإجمالي، وأبطل تعارض الأصول قبل الفحص: بأن الأصول لا مقتضى لجريانها قبل الفحص، إذن فهو يفترض أن الفحص واجب من غير ناحية تنجيز العلم الإجمالي، إذ لو كان مدرك وجوب الفحص هو تنجيز العلم الإجمالي فقط، إذن فيكون العلم الإجمالي قبل الفحص منجّزاً، وموجباً لتعارض الأصول وتساقطها، وتتمّ شبهة الإخباري حينئذٍ. 

فكلامه هناك يتضمّن دعوى: أن البراءة في نفسها لا تجري قبل الفحص
-لا من ناحية العلم الإجمالي-، مع أنه في هذه المسألة لم يذكر دليلاً على وجوب الفحص إلّا العلم الإجمالي، بحيث يكون دليل وجوب الفحص عنده منحصراً 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بقانون تنجيز العلم الإجمالي، فإذا كان كذلك إذن تتمّ شبهة الإخباري هناك؛ لأن العلم الإجمالي قبل الفحص يكون هو المنشأ لوجوب الفحص، يعني: يكون هو المنشأ لتعارض الأصول وتساقطها.

فالمحقّق العراقي بين أمرين: إما أن يبدّل موقفه هنا، أو يبدّل موقفه هناك، يعني: إما أن يحصّل دليلاً آخر غير العلم الإجمالي على وجوب الفحص؛ فيتمّ كلامه هناك. وإما أن يكون دليله منحصراً بالعلم الإجمالي؛ إذن فيتسجّل عليه شبهة الإخباري ولا يتمّ جوابه عنه.

هذا هو الموقف الثاني للأصولي. 

الموقف الثالث(1): موقف وقفناه نحن هناك(2) تجاه ذلك العلم الإجمالي الكبير، وقلنا: إن هذا العلم لا يمنع عن جريان أصالة البراءة في الشبهة بعد الفحص وعدم وجدان الدليل؛ لأن توهمّ مانعية ذلك العلم الإجمالي عن جريان البراءة إنما هو بدعوى: أن العلم الإجمالي بالتكاليف الواقعية المنتشرة في مختلف الشبهات، بمجرّد حدوثه ينجّز ويوجب تعارض الأصول في الأطراف وتساقطها، ثُمّ بعد هذا لا ينفعنا أن نعثر بالتدريج على حجج ظاهرية بمقدار المعلوم بالإجمال، لا ينفعنا ذلك في أن نرجع إلى البراءة في غير تلك الموارد؛ لأن 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً عنوان المسألة، وأن الأصولي ينبغي أن ينسجم موقفه في رفض العلم الإجمالي للإخباريين مع موقفه في الاستدلال على وجوب الفحص بالعلم الإجمالي الصغير. (المقرِّر).

(2) يعني: في بحث البراءة والاحتياط. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

البراءات تساقطت ولا ترجع مرّة أخرى. هذا هو توهّم الإخباري. 

إلّا أن هذا التوهّم غير تامّ؛ لأن التحقيق أن لا تعارض بين البراءات في أطراف هذا العلم الإجمالي. فإن تعارضها في أطرافه معناه أن البراءة في نفسها تامّة الاقتضاء في كلّ طرفٍ طرفٍ، غاية الأمر أن جريان البراءات الكثيرة في تمام الأطراف غير ممكن، فيحصل التعارض بينها. مع أن التحقيق أنه في موارد العلم الإجمالي الكبير المقتضى غير تامّ في تمام أطرافه، بل لعلّه تامّ في بعضها دون بعض، فلا يحصل هناك تعارض أصلاً.

وتوضيحه مربوط بالمبنى الذي نقّحناه في التقريب الخامس على وجوب الفحص، حيث ذكرنا أن هناك خلافاً بيننا وبين الأكابر في أن دليل الحجّية هل يكون مدلوله -وهو حجّية خبر الثقة مثلاً- بوجوده الواقعي مخصّصاً لإطلاق دليل البراءة أو بوجوده الواصل المنجّز؟ عند الآغايون يكون دليل الحجّية بوجوده الواصل المنجّز مخصّصاً، وبمقدار وصوله ومنجّزيته يهدم إطلاق دليل البراءة؛ لأنهم لا يؤمنون بتعارض الأحكام الظاهرية بوجوداتها النفس الأمرية. أما على مسلكنا: فدليل الحجّية مدلوله -وهو الحجّية- يكون بوجوده الواقعي منافياً مع مدلول دليل البراءة، فيكون مخصّصاً بوجوده الواقعي، فدليل البراءة لا إطلاق له في الواقع لموارد ثبوت خبر الثقة، سواء وصل إلينا خبر الثقة وتنجّز أو لم يصل ولم يتنجّز. فإذا جاء خبر الثقة في شبهة أخرجها على إطلاق دليل البراءة بحكم مخصّصية دليل الحجّية له على مسلكنا. 

اذا عرفنا ذلك، فحينئذٍ فهنا حيث نواجه هذا العلم الإجمالي الكبير، وهو 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

العلم الإجمالي بتكاليف مائة في مجموع الشبهات الألف -مثلاً-، هذه الشبهات الألف ليست كلّها داخلة تحت دليل البراءة حتّى يقع التعارض بين ألف براءة في هذه الأطراف الألف، بل إن الأطراف التي تكون بحسب الواقع فيها خبر ثقة في نفسها غير مشمولة لدليل البراءة قبل وصولها بهذا العلم الإجمالي، وبقطع النظر عن تنجيزها به. فالموارد التي دلّ الثقة على الحكم الإلزامي في نفسها خارجة عن إطلاق دليل البراءة. 

إذن فهذه الشبهات تنقسم إجمالاً في نظر المكلّف قبل الفحص إلى: شبهات ورد فيها أخبار ثقات، فهي نفسها خارجة عن إطلاق دليل البراءة -لا من باب المعارضة وتنجيز العلم الإجمالي-، وإلى شبهات لم يرد فيها خبر ثقة، فهي في نفسها داخلة تحت إطلاق دليل البراءة، وحيث إن المكلّف قبل الفحص لا يعرف ما هي الشبهات التي جاء فيها خبر الثقة، وما هي الشبهات التي لم يرد فيها الخبر، فبابه يصير باب عدم تمييز مورد البراءة عن غيره، هذا الذي يسمّى باشتباه الحجّة باللا حجّة. لا أن البراءات تتعارض وتتساقط في الأطراف؛ لأن مقتضيها ليس تامّاً في تمام الشبهات الألف، بل تامّ في البعض دون البعض، فلا تعارض، بل هي تجري فيما تمّ فيه المقتضى، غايته أن المكلّف قبل أن يفحص لا يدري أين تمّ المقتضى وأين لم يتمّ. فإذا فحص ولم يجد خبر ثقة يعرف أن هذا من الموارد التي تمّ فيها المقتضي على جريان البراءة.

إذن فهذا العلم الإجمالي لا يوجب تعارض الأصول وتساقطها حتّى يقال: إن التساقط يوجب امتناع رجوع الأصل مرّة أخرى، بل يوجب اشتباه الحجّة 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

باللا حجة، وبالفحص يتميّز مورد البراءة عن غيره. إذن لا إشكال من هذه الناحية، ولا يكون -بناءً على هذا- إشكال في عدم منجّزية ذلك العلم الإجمالي الكبير.

هذا هو موقفنا الذي اتخذناه تجاه ذلك العلم الإجمالي الكبير.

بناء على هذا الموقف، نحن الآن متمكّنون فنّاً من إثبات وجوب الفحص أيضاً بالعلم الإجمالي، فنستدلّ به على وجوب الفحص دون أن نقع في تناقض على نحو ما وقع فيه المحقّق العراقي.

وذلك لأننا في المقام نقول: بأننا قبل أن نفحص لا ندري مورد البراءة عن غيره؛ لأننا نعلم إجمالاً أن موارد معيّنة خرجت عن إطلاق دليل البراءة. يعني هذا العلم الإجمالي الصغير الذي تمسّك به الأصولي في المقام، هو بحسب حقيقته على مسلكنا عبارة عن العلم الإجمالي بخروج جملة من الموارد عن إطلاق دليل البراءة؛ لأنه علم إجمالي بقيام أخبار معتبرة حجّة في مائة مورد
-مثلاً- من الألف شبهة، فهو علم إجمالي بخروج جملة من أطراف العلم الإجمالي الكبير عن دليل البراءة.

وهذا العلم الإجمالي(1) وظيفته أن يسقّط بالتعارض الأصول الثانوية التي بها كان يمكن(2) أن يتنقّح موضوع البراءة الأوّلية، كاستصحاب عدم مجيء خبر 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() ليست وظيفته إيقاع التعارض بين الأصول الأوّلية، فإنها غير متعارضة في ما بينها، بل هي مشتبهة. (المُقرِّر).

(2) إذ لولا هذا العلم الإجمالي لأمكن القول بأنه لا يجب الفحص؛ تمسّكاً بهذه الأصول الطولية. ((المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الثقة، أو يسقط البراءات الطولية الجارية في المرتبة الثانية على النحو الذي شرحناه في التقريب الخامس. فإن هذه الأصول مقتضيها تامّ، وهو يسقطها بالتعارض(1). وأما البراءات الأوّلية الجارية بلحاظ التكاليف الواقعية فلا يسقطها؛ لأنها غير متعارضة، لأنها تجري في بعض الأطراف دون بعض، غاية الأمر أنها مشتبهة مع غيرها، لا أنها متعارضة مع غيرها. وبالفحص يتميّز مورد البراءة الأوّلية عن غير موردها. وبعد الفحص نتمسّك بالبراءة الأوّلية لا بالبراءة الثانوية. فإذا جئنا إلى شبهة، قبل أن نفحص، لا يمكننا التمسّك بالبراءة؛ لأن البراءة الأوّلية لا أدري أن هذا موردها أو لا، والبراءة الثانوية سقطت بالمعارضة. وأما إذا فحصت ولم أجد دليلاً فأُجري البراءة الأوّلية التي هي بعدُ -حتى الآن- لم تسقط بالمعارضة.

فبهذا ينسجم ويصّح للأصولي أن يبطل أثر العلم الإجمالي الكبير على النحو الذي يرومه الإخباري على وجوب الاحتياط بعد الفحص، ومع هذا يستدلّ بالعلم الإجمالي الصغير على وجوب الاحتياط قبل الفحص.

وهذا من أعظم مكاسب هذا المسلك، يعني: من أعظم نتائج الخلاف بيننا وبين الأكابر في فهم الحجّية، والتوفيق بين دليل الحجّية ودليل البراءة. هذا تمام الكلام في الاعتراض الأوّل على الاستدلال بالعلم الإجمالي، وهو الاعتراض بأننا يجب أن نلحظ العلم الإجمالي الأكبر منه، فيثبت مدعى الإخباري، إلّا أننا أمكننا أن نميّز بينه وبين العلم الإجمالي الكبير.

ــــــــــ[64]ــــــــــ

() وحينئذٍ فتتنجّز الشبهات قبل الفحص. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الاعتراض الثاني على العلم الإجمالي

الاعتراض الثاني على الاستدلال بالعلم الإجمالي على وجوب الفحص، وهو أيضاً اعتراض مشهور قرأناه جميعا في (الكفاية).

وحاصله: هو أن العلم الإجمالي بوجود تكاليف واقعية -المائة مثلاً- في ضمن الشبهات الألف، هذا العلم وإن كان موجوداً قبل الفحص، ولهذا يجب على الفقيه أن يفحص، ولكنّه لو فحص ووجد مائة حكم إلزامي، ينحلّ علمه الإجمالي بهذا العلم التفصيلي، فيقول: أنا بعد الآن لا يجب عليّ الفحص. 

هذا الإشكال طبعاً مبنيّ على أن العلم المتأخّر زماناً يوجب انحلال العلم الإجمالي المتقدّم، وإلّا لو فرض أن العلم المتأخّر زماناً لا يوجب انحلال العلم الإجمالي المتقدّم، فما علمناه من التكاليف التفصيلية المائة لا يوجب انحلال العلم الإجمالي المتقدّم؛ لأنه متأخّر عنه زماناً. وأما لو بنى على انحلال العلم الإجمالي المتأخّر بالرغم من تأخّره يوجب انحلال المتقدّم، وفرض في المقام مثل هذا العلم المتأخّر، فحينئذٍ تأتي في المقام شبهة الانحلال، وأن ذلك العلم الإجمالي ينحلّ بهذا العلم التفصيلي.

 وقد جاء في تقريرات المحقّق النائيني محاولات لبيان عدم انحلال هذا العلم، إلّا أنه لا يُحتاج إلى التعرّض لها، بل أنتم بقراءتها يمكنكم الالتفات إلى أن هذه المحاولات ليست ناجحة في المقام. 

وعليه فهذا الانحلال بعد تسليمه المبنى وهو أن المتأخّر يحلّ المتقدّم، هذا 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الانحلال بعد تسليم المبنى قدرٌ لازمٌ وأمرٌ حتمٌّي لا بُدّ من الالتزام به. وأن العلم الإجمالي ينحلّ بحيث لا يبقى له اقتضاء لوجوب الفحص بالنسبة إلى مسائل أخرى. 

غاية ما نملك تجاه هذا العلم الإجمالي إطالة عمره بالتدريج، وذلك بأن نقول: إن هذا المستنبط إذا شرع بالاستنباط من أوّل كتاب الطهارة، ووصلت أحكامه الإلزامية إلى مائة، لا يجوز له أن يغلق الكتاب ويقول قد حصلت على مقدار المعلوم بالإجمال؛ لأن علمه الإجمالي الكبير ينحلّ إلى علوم عديدة؛ باعتبار كتب الفقه الكثيرة، فإنه لم يكن يحتمل أن تمام أحكام الشريعة الإسلامية الإلزامية موجودة في كتاب الطهارة. بل كان له علم إجمالي بوجود خمس تكاليف في كتاب الطهارة، وخمس في كتاب الصوم، وعشرين تكليفاً في كتاب الصلاة وهكذا. وحينئذٍ فوجد أن مائة تكليف في كتاب الطهارة لا يغنيه عن الفحص في الكتب الأخرى. 

نعم، لو وجد بالآخرة في كلّ كتاب المقدار المعلوم بالإجمال، فيكون مثل هذا العلم الإجمالي غير مقتضٍ لوجوب الفحص عن الباقي(1).

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: إذن أنتم تلتزمون بجريان البراءة، بعد أن فحصنا في كتاب الطهارة ووجدنا المقدار المعلوم بالإجمال فيه؟

فأجاب: نعم، من ناحية هذا العلم الإجمالي، يعني: لا يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً؛ لأننا نقول بالبراءة، فإننا قلنا بأن أدلّة البراءة غير شاملة في نفسها لموارد الشكّ قبل الفحص، لكن هذا العلم الإجمالي لا يكون دليلاً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الاعتراض الثالث وهو اعتراض خاصّي

الاعتراض الثالث على الاستدلال بالعلم الإجمالي، وهي اعتراض خاصّي(1)

نقول: سلّمنا أننا نعلم إجمالاً بوجوب تكاليف واقعية مائة في ضمن الشبهات الألف، وأن هذا العلم الإجمالي منجّز فهو يوجب تعارض الأصول قبل الفحص، بناءً على مسلك المشهور في أن الباب باب التعارض بين الأصول، لا باب اشتباه مورد الأصل بغيره. 

ولكن هنا يجب أن تحسب حساب شيء، وهو: أن الأصول الجارية في الأطراف ليست كلّها من سنخ واحد، بل هي من أشكال شتى:

منها: البراءة عن الواقع.

ومنها: الاستصحاب.

ومنها: أصالة الطهارة -في الشبهات الحكمية- وهكذا. 

وهذه الأصول كلّها في ما بينها تكون تامّة الاقتضاء بحسب الغرض على المسلك المشهوري، وإنما تسقط باعتبار المعارضة.

فحينئذٍ، هذه الأصول تنقسم إلى قسمين:

قسم يكون من الأصول العامة التي تجري في كلّ الشبهات أو جلّها، كالبراءة أو الاستصحاب مثلاً. ففي مثل هذه الأصول يعلم إجمالاً بسقوط هذا الأصل؛ لأنه يعلم إجمالاً بأنه على خلاف الواقع في بعض موارده، فإن دليل البراءة مستوعب لتمام أطراف العلم الإجمالي في نفسه، وكذلك دليل 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

() ظاهر معناه أنه مستنبط من قبل السيّد نفسه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الاستصحاب، إذن فيسقط الدليل في نفسه بمعارضة داخلية في داخل استصحاباته أو براءاته.

وأما الأصل الذي يكون غير مستوعب لتمام الشبهات، بل يأخذ حصّته من أطراف العلم الإجمالي، بحيث لا يتشكّل علم إجمالي بلحاظ خصوص تلك الحصّة. 

كما لو فرض هو الحال في دليل أصالة الطهارة: أننا ليس لنا علم إجمالي بأكثر من المقدار المعلوم تفصيلاً بالضرورة من الدين قبل الفحص، كالبول والخرء ونحوه، بل حتّى بعد الرجوع إلى الأدلّة أنا شخصياً ليس عندي علم إجمالي بوجود نجاسة أكثر من المقدار الثابت بالضرورة. 

بناءً على هذا فدليل أصالة الطهارة في نفسه بتعارض ذاتي في داخل طهارته، بينما أدلّة الأصول الأخرى كلّها ابتلت بتعارضات داخلية. ومعنى هذا أن دليل أصالة الطهارة يبقى سليماً عن المعارضة. ولا يمكن أن نقول: إن أصالة الطهارة هنا تعارض مع البراءة هناك، أو مع الاستصحاب هناك؛ لأننا حقّقنا في بحث العلم الإجمالي أنه كلّما كان هناك دليلان لأصلين، وكان أحدهما مبتلى بتعارض داخلي في ذاته والآخر غير مبتلى بذلك، فالدليل غير المبتلى بالتعارض الداخلي يكون جارياً، ولا يعارض بأحد طرفي ذلك الدليل المبتلى بالتعارض الداخلي، فيلزم في المقام التمسّك بأصالة الطهارة قبل الفحص، ولا يمنع هذا العلم الإجمالي عن التمسّك به. وهذا بخلاف ما إذا نظرنا إلى المسألة من وجهة النظر: المختار هو أن الأصول الأوّلية سواء كانت براءة عن الواقع 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

أو أصالة الطهارة أو استصحاب عدم الواقع، هذه الأصول الأوّلية لا تعارض بينها أصلاً، ولكن لا يجوز التمسّك بها قبل الفحص؛ لأنها إنما هي مشتبهة المورد لا ندري أين تجري وأين لا تجري، والتعارض إنما هو بين الأصول الطولية، والأصول الطولية كلّها من سنخ واحد، كلّها براءة وكلّها استصحاب، وحينئذ فالأصول الطولية تسقط بالمعارضة، ولا يبقى عندنا أصل له دليل مستقلّ عنه مبتلى بالمعارضة، والأصول الأوّلية في المقام اشتبه موردها؛ لأنها متعارضة حتّى يقال بأن هذا الدليل بنحو من المعارضة وذاك الدليل يبتلي بالمعارضة، فلا يأتي إشكال أن أصالة الطهارة تبقى سليمة عن المعارضة(1)

وهذا أيضاً من النتائج الدقيقة التي تترتّب على الفرق بين المسلكين. فهذا الإشكال بحسب الحقيقة يتّجه على الاستدلال بالعلم الإجمالي على مسلك الآغايون، دون مسلكنا.

الإعتراض الرابع: وهو خاصّي أيضاً

كان الكلام في الاعتراضات التي وجهت إلى الاستدلال بالعلم الإجمالي على وجوب الفحص، ووجوب الاحتياط قبله.

الاعتراض الرابع وهو خاصّي أيضاً، وأيضاً ننطلق فيه من نظرية في بحث العلم الإجمالي، وهي النظرية التي تقول: إن العلم الإجمالي يوجب تعارض 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

() وإذا سقطت الأصول الطولية نرجع إلى الأصول الأوّلية بعد الفحص. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الأصول في الأطراف، لكن إذا وجد في بعض الأطراف أصل طولي في المرتبة الثانية، ولم يوجد ما يوازيه في الأطراف الأخرى، فحينئذٍ المعارضة تكون بين الأصول الأولى، وتنتهي النوبة إلى الأصل الطولي بلا معارض. مثلاً لو كان التكليف مردّداً بين طرفين في علم إجمالي، وكان في أحد الطرفين براءة، وكان في الطرف الآخر أصل سببي وأصل مسبّبي، وكِلاهما أيضاً نافيان للتكليف، فالمعارضة تقع بين البراءة في هذا الطرف والأصل السببي في ذلك الطرف، وتصل النوبة إلى الأصل الطولي المسبّبي في أحد الطرفين بلا معارضة؛ إذ لا يوجد في رتبته أصل طولي في الطرف الآخر.

بناء على هذه النظرية نقول في المقام:

افرضوا أن العلم الإجمالي نجّز أطرافه وأوجب تعارض الأصول(1) في تمام أطراف هذا العلم الإجمالي الكبير، إلّا أن المتعارض هنا هو الأصول العرضية، فتسقط بالمعارضة. ولكن قد يتّفق أن يكون هناك في بعض الشبهات المندرجة في دائرة هذا العلم الإجمالي الكبير، أن يكون فيها أصول طولية أيضاً، وتكون سليمة عن المعارض؛ إذ لا يوجد مثلها في الأطراف الأخرى، فتنتهي النوبة إليها بلا معارض.

ففي مثال أمس، كان في بعض أطراف العلم الإجمالي شبهات الطهارة، فيها يوجد أصلان سببي ومسبّبي، الأصل الأوّلي هو أصالة الطهارة -بناءً على جريانها في الشبهات الحكمية أيضاً- والأصل الطولي هو أصالة الإباحة -التي هي في طول أصالة الطهارة عندهم-.

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() بناء على مسلك المشهور من أن قيد الثقة بوجوده الواقعي لا يرفع موضوع الأصل، فتكون الأصول تامّة الاقتضاء في نفسها في تمام الأطراف (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

حينئذٍ يمكن القول تطبيقاً لتلك النظرية: إن أصالة الطهارة في الشبهات المربوطة بباب الطهارة تسقط بالمعارضة مع تمام الأصول العرضية الجارية في الشبهات الأخرى، كأصالة البراءة عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وبعد التساقط في باب الطهارة يبقى عندنا أصل طولي، وهو أصالة الحلّ في الشرب مثلاً، ولا يوجد في مسألة وجوب الدعاء أصل طولي في طول البراءة؛ لكي يكون في عرض أصالة الحلّ، فلازم ذلك الاعتراف بجريان الأصول الطولية المؤمّنة في بعض أطراف العلم الإجمالي الكبير قبل الفحص، ويلزم من ذلك عدم وجوب الفحص في تلك الموارد. ولا يكون هذا العلم الإجمالي مانعاً عن جريان تلك الأصول الطولية المؤمّنة بناءً على النظرية التي انطلقنا منها.

وهذا الإشكال إنما يتسجّل بناءً على مسلك المشهور ومبانيهم في الحجّية القائلة بأن حجّية خبر الثقة بوجوده الواقعي لا ترفع الأصل، وإنما يرفعه بوجوده الواصل. هذه المباني التي تؤدّي إلى وقوع التعارض بين الأصول العرضية الأوّلية بلحاظ التكاليف الواقعية. بناءً على هذا لا محيص عن هذا المحذور، وهو أن التعارض يختصّ بخصوص الأصول العرضية الأوّلية، وينتهي بعد ذلك إلى الأصول الطولية الجارية في بعض الأطراف بلا معارض.

وأما بناءً على ما حقّقناه من أن الحجّية بوجودها الواقعي مانعة عن جريان الأصل -لا بوجودها الواصل – وأن الباب باب اشتباه الحجّة باللا حجة، فإن أصالة الطهارة جارية في مواردها، وكذلك أصالة الطهارة والاستصحاب تجري من دون معارضة، ومورده هو مورد خلوّه من خبر الثقة، لكن أنا لا أدرى قبل الفحص أنه ما هو مورده؟ بناءً على هذا لا يمكن إجراء الأصل 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الطولي في أيّ شبهة للعلم التفصيلي بعدم جريانه؛ لأن أيّ شبهة وضعت يدي عليها -من شبهات الطهارة مثلاً- أقول: هذه الشبهة إما قد جاء فيها خبر ثقة أو لا. فإن جاء فيها خبر ثقة؛ إذن فالأصول المؤمّنة كلّها غير جارية في الواقع، وإن لم يكن جاء فيها خبر؛ إذن فالأصل الحاكم موجود في المقام بلا محذور. فالأصل الطولي هنا لا يمكن أن يجري للعلم التفصيلي بوجود حاكم عليه إما خبر الثقة وإما الأصل العرضي الأوّل.

وهذا أيضاً من النتائج الدقيقة للفرق بين مسلكنا وبين مسلك الآغايون في تصوير وقوع التعارض بين دليل الحجّية.

هذا هو الاعتراض الرابع، وهنا نفرغ من هذا التقريب للعلم الإجمالي، ويتبيّن في نهاية هذا البحث أن العلم الإجمالي ليس كافياً لإثبات وجوب الفحص بالنحو المطلوب.

التقريب السابع(1): لوجوب الاحتياط قبل الفحص

هذا التقريب يحتاج إلى مقدّمة، وهي في نفسها واضحة، وسبق مزيد توضيح لها.

وحاصلها: أن التكليف الذي يجعله المولى -واقعياً وغيره- فهو يبرز مرتبة من مراتب الاهتمام بتحصيل هذا المطلب الذي يتصدّى ذلك التكليف إلى تحصيله، كتحصيل الصلاة في (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، أو تحصيل ترك شرب (التتن) في (لا تشرب التتن).

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) الوجه السابع.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

والاهتمام بتحصيل المطلب له مراتب من حيث الشدّة والضعف، وكلّما قويت مرتبة الاهتمام بالتحصيل اشتدّ تحفّظ المولى على تحصيل ذلك المطلب. وينعكس اهتمام المولى بالتحصيل في موارد المزاحمة، واختلاط أمر الواجب بغير الواجب، أو الحرام بغير الحرام.

فاذا فرض أن المولى كان في غاية الاهتمام بتحصيل غرض هذا التكليف، فحينئذٍ متى اختلط التكليف بغيره ولو اختلاطاً احتمالياً وشبهة بدوية، يحكم بوجوب الاحتياط، يقول: (إذا احتملت حرمة شيء وجب عليك الاجتناب عنه).

وأخرى يفرض أن غرضه كان أضعف من ذلك، واهتمامه أقلّ، فيمكنه أن يرخّص في الشبهة البدوية، فيقول: (إذا احتملت تكليفاً فلا بأس لك أن تقدم)، فيكشف هذا عن نقصان في مرتبة شدّة الاهتمام.

ويمكن أن يفرض أن الاهتمام أقلّ من المقدار، بحيث أن المولى لا يهتمّ بحفظ تكليفٍ فيما لو علم إجمالاً أيضاً، فيما لو دار أمر التكليف بين أمرين لا يعلم أن الحرام هذا أو ذاك، فالمولى يرخّص في كلِا الطرفين، وذلك تحفّظاً على الرخصة الموجودة في أحدهما، وضعف اهتمامه بالحرام الواقعي، فيمكنه أن يرخّص في كِلا طرفي العلم الإجمالي، ومن هنا قلنا في بحث العلم الإجمالي: إن الترخيص في المخالفة القطعية أمر ممكن عقلاً. 

ويمكن أن نفرض أن اهتمام المولى بغرضه الواقعي ضعيف إلى درجة بحيث لا يكلّف العبد بأن يفتح عينيه لأجل أن يفحص هذا التكليف أصلاً؛ 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

لأن مؤونة الفحص في نفسها مؤونة لا يقوى الغرض اللّزومي الواقعي على توطين النفس على الإلزام بتلك المؤونة، فالمولى مع أن له غرضاً لزومياً مع ذلك لا يكلّف بالفحص، ويقول: (لا بأس بأن تغمض عينيك).

وكلّ هذا فسّرناه وحلّلناه وشرحناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والأحكام الظاهرية، وهناك تصوّرنا كيف يعقل كلّ هذا. إلّا أن نتائج هذا التصوّر نتائج عرفية، يمكن أن نفهمها بلا حاجة إلى أن نفلسفها.

ولكن بالرغم من أن هذه المراتب من الاهتمام معقولة ثبوتاً، إلّا أن الخطاب الصادر من المولى -الذي يتكفّل التكليف- يكون دالّاً على بعض هذه المراتب دون بعض، يعني: يكون منصرفاً عن بعضها، فلو قال المولى: (صلِّ)، يكون مبرزاً لمرتبة من الاهتمام المولوي، وهذه المرتبة بحسب مرّ العقل يمكن أن تكون أعلى تلك المراتب، ويمكن أن تكون أنزلها، لكن بحسب الفهم العرفي من الخطاب يفهم بعض المراتب العالية دون بعض المراتب السافلة، فإن الارتكاز العرفي والعقلائي -في باب الأغراض اللّزومية المعمولة في الأمور العقلائية- يقتضي أن الغرض اللّزومي عادة لا يبلغ إلى درجة بحيث إن المولى يضحّي به في موارد العلم الإجمالي، ويرخّص في تمام أطراف العلم الإجمالي؛ تحفّظاً على المباح الموجود، ويرفع يده عن الغرض اللّزومي، فتحقّق غرض لزومي بهذه المرتبة على خلاف الارتكاز العرفي، من باب غلبة خلافه في الأمور العقلائية، فهذا الارتكاز يوجب ظهور الخطاب في أنه دالّ على مرتبة أعلى من الاهتمام، بحيث لا تسمح بالترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي. 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ومن هنا قلنا: إن الترخيص بالمخالفة القطعية غير جائز؛ لأنه على خلاف مدلول الخطاب الواقعي الثابت بالارتكاز العقلائي.

هذا الكلام بنفسه أيضاً يجري في مسألة الفحص، فإن وجود غرض لزومي لا يحرّك المولى نحو إيجاب الفحص، ويسمح له بأن يجوّز إغماض العين، مثل هذا الغرض اللّزومي وإن كان ممكناً عقلاً وتصويره العقلي سبق في بحث اجتماع الأمر والنهي، ولكنّه غير مفهوم عرفاً وعقلائياً، فإنهم لا يفهمون معنى الغرض اللّزومي الذي يجتمع مع ترخيص صاحبه في إغماض العين منه، في حالة أن المكلّف حينما يغمض عينه لا يصل إليه هذا الغرض اللّزومي بحسب العادة. وحيث إنه على خلاف الارتكاز العرفي، فحينئذٍ نفس الخطاب الواقعي يكون كاشفاً عن مرتبة من الاهتمام لا تناسب مع الترخيص في إغماض العين. 

إذا اتّضحت هذه المقدّمة فحينئذ نقول: إنه عندنا في المقام خطابان: الخطاب المتكفّل للتكليف الواقعي، والخطاب المتكفّل للتكليف الظاهري وهو دليل حجّية خبر الثقة. الخطاب المتكفل للتكليف الواقعي يدلّ على أن غرض المولى الواقعي بمرتبة يأبى عن الترخيص في ترك الفحص وإغماض العين، لكن مثل هذا لا يفيدنا؛ لأن الخطاب لم يصل إلينا، لأن المفروض أننا شاكّون. فهذا الخطاب بتمام مداليله المطابقية والالتزامية لم يصل إلينا، فلا يمكن أن نتمسّك به لإثبات عدم جواز غمض العين؛ لأننا شاكّون فيه(1)

ــــــــــ[75]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: نعم، يكفي الاحتمال بعد فرض البناء على عدم البراءة العقلية.

وقال جواباً على سؤال لي: حول ما إذا كان العلم الإجمالي بورود أخبار الثقات في الشبهات كافياً في إحراز مداليها الالتزامية.

أجاب: أننا نقطع النظر عن الاستدلال بالعلم الإجمالي، فنفرض أنه انحلّ، بأن نفرض أننا عثرنا على جملة من التكاليف. وإلّا رجعنا إلى الدليل السابق، فنفرض الآن أن الواقع مشكوك بالشكّ البدوي، فلا يمكننا التمسّك بالخطاب الواقعي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

لكن عندنا خطاب آخر معلوم، وهو الخطاب المتكفّل لجعل الحجّية لخبر الثقة، لو ثبت هذا الخطاب قبل الفحص فهذا الخطاب يكشف عن أن هذه الحجّية مورد لاهتمام المولى، بنحوٍ بحيث لا يجوز إغماض العين عنها. فيثبت بذلك وجوب الاحتياط، بمعنى وجوب الفحص عن خبر الواحد؛ لأن عدم فتح كتاب (الوسائل) إغماض للعين عن دليل حجّية خبر الثقة، وهذه المرتبة منفيّة بالمدلول الالتزامي الارتكازي لنفس دليل الحجّية. 

ومن هنا سوف يأتي إن شاء الله أننا في الشبهات الموضوعية التي تكون من هذا القبيل أيضاً نقول بوجوب الفحص، وعدم جواز إجراء البراءة قبلها… كلّ شبهة موضوعية يكون عدم الفحص فيها من قبيل إغماض العين، نقول بعدم جواز الإغماض ولزوم الفحص. إذن فنحن نتمسّك بالمدلول الالتزامي العرفي العقلائي لدليل حجّية خبر الثقة لإثبات وجوب الفحص. وبذلك لا بُدّ لنا من أن نقيّد إطلاق دليل الرفع حينئذٍ. هذا هو التقريب السابع.

التقريب الثامن: أخبار التعلّم

التقريب الثامن -وهو الأخير- هو الاستدلال بأخبار وجوب التعلّم، الأخبار التي قرأناها في (الكفاية) و(الرسائل). بأن يقال: بأن هذه الأخبار 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

مقيّدة لإطلاق دليل البراءة لو سلّم إطلاق دليل البراة في نفسه. 

وقبل أن ندخل في المناقشات التفصيلية لا بُدّ لنا أن نشير إلى شيء قد ينفعنا أيضاً في بعض الأبحاث السابقة، وهو: أن هذا الوجه لو تمّ لا ينفع في تسجيل المطلب تسجيلاً كاملاً؛ لأنه ما المُلجئ لنا أن نفحص عن أخبار التعلّم؟ فإن هذه الأخبار -التي يدّعيها صاحب (الكفاية)- لو لم يكن يوجد في المرتبة السابقة عليها منجّز لوجوب الفحص، فأنا لا أفحص عنها، فإني قبل هذا احتمل أن تكون غير تامّة سنداً أو دلالة، خصوصاً إذا رأيت شخصاً محقّقاً دقيقاً بصيراً كالمحقّق العراقي يقول: إن أخبار وجوب التعلّم غير دالّة. فأنا قبل أن أنظر فيها يحصل عندي الشكّ في سندها ودلالتها على وجوب الفحص، فأُجري البراءة عن الفحص؛ تمسّكاً بإطلاق دليل البراءة.

فهذه الأخبار لو تمّت لا تنفع إلّا بعد الوصول الاتّفاقي، أما قبله فلا تنفع؛ لأنها هي نفسها مشكوكة قبل الفحص، فلا بُدّ من فرض منجّز غيرها ينجّزها حتّى نفحص عنها، ليتبيّن أنها تامّة سنداً ودلالة أو لا؟ فلو لم يبقَ لنا حقيقة دليل على وجوب الفحص وعدم جواز إجراء البراءة وتقييد إطلاق دليلها، لو لم يكن عندنا إلّا هذه الأخبار -كما هو كذلك عند جملة من الآغايون- فأحسن طريقة للخروج من الدين هو عدم الفحص في هذه الأخبار، إلّا أن المسألة في الواقع ليست مسألة أخبار وروايات، وإنما هي مسألة أن الإنسان -قبل أن يستدلّ على المدّعى فيها- هو قاطع بالمدّعى، فالدليل هنا يطلبه لكي لا يقال: إنه قطع بلا دليل. فهذا المطلب يكشف عن ذلك، لا أن هذا استدلال حقيقي. 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وعليه فالمسألة أوضح وأبده من هذا، ولكن مع هذا لا بُدّ من النظر إلى هذا الدليل في نفسه؛ لنرى أن أخبار وجوب التعلّم هل يمكن الاستدلال بها على وجوب الفحص وعلى تقييد دليل البراءة أو لا(1)؟ 

*****

كان الكلام في الدليل الثامن الذي يستدلّ به على وجوب الاحتياط والفحص، هو ما دلّ من الكتاب والسُنّة، على وجوب التعلّم والسؤال، ومعاقبة المكلّف الذي يقع في مخالفة الواقع نتيجة لعدم السؤال والتعلّم. فهذه الأدلّة تكون مقيّدة لإطلاق دليل البراءة، وموجبة لخروج موارد ما قبل الفحص عن ذلك الإطلاق. 

وقد اعترض على هذا الاستدلال بعدّة اعتراضات كما جاء في تقريرات المحقّق العراقي.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: قلتم: إن هذا قد يفيدنا فيما سبق. كيف؟ فأجاب: نعم، مثلاً: أن هذا الوجه السابق كان يفرض فيه أنه تمّ عندنا دليل على حجّية خبر الثقة، فأيضاً نغمض عيننا عن هذه المسألة الأصولية.

وسألته بعد البحث: عمّا إذا كان ما ذكره في التقريب السابع من المدلول الالتزامي خاصّ بدليل حجّية خبر الواحد؟ 

فأجاب: بأنه عامّ لأدلّة الأمارات بشكل عامّ.

فقلت: قد يكون دليل الأمارة دليلاً لُبّيا كالإجماع ونحوه.

فقال: إذا كان كذلك فنعم. 

ومقصوده أن الدليل اللُّبّي لا يكون له مدلول التزامي.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الاعتراض الأوّل ومناقشته

ورد بصيغة إجمالية إذ جاء في (التقريرات): إن بالإمكان حمل هذه الروايات على موارد العلم الإجمالي الذي هو الغالب في الشكّ قبل الفحص. فهذه الروايات يمكن أن تحمل على ما هو الغالب من كون الشكّ قبل الفحص مقروناً بالعلم الإجمالي. 

من المعلوم أن هذا الإمكان وحده لا يكفي إشكالاً في المقام، بل لا بُدّ من بيان صناعية هذا الإمكان وانطباقه على القواعد في فهم الأدلّة، فلا بُدّ من النظر إلى مقدار هذه الأدلّة ومقايساتها بدليل البراءة؛ ليُرى أن حمله على موارد العلم الإجمالي ممكن صناعة أو لا. وإلّا فمجرّد الإمكان الذاتي لحمل الدليل لا يكفي جواباً.

وفي مقام تحقيق الإمكان الصناعي لحمل هذه الروايات والأدلّة على العلم الإجمالي، نقول: بأن الظاهر عدم إمكان ذلك، وذلك لظهور نفس هذه الروايات في أنها في مقام بيان استدعاء عدم العلم للفحص، لا في مقام بيان استدعاء العلم له، فمثلاً يقول في بعض هذه الروايات: (إن العبد يقال له: لِم لمَ تعمل؟ فإذا قال: لم أكن أعلم. فيقال له: لِم لم تتعلم؟!)(1)، وظاهر مثل هذا اللسان في عدم العلم بنفسه كان يحتّم عليه أن يتعلّم وأن يتصدّى للسؤال، والتصدّي للسؤال ولزوم التعلّم من تبعات ونتائج أنه لم يكن يعلم، لا من 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) تفسير البرهان ج 1 ص 560 من الطبع الحديث وكذا في البحار ج 2 ص 29 و180 من الطبعة الثانية عن أمالي المفيد.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

نتائج أنه كان يعلم إجمالاً بوجود تكاليف إلهية.

صحيح، أن الشكّ قبل الفحص يقترن كثيراً بموارد العلم الإجمالي، إلّا أن ظهور هذا اللسان في تفريع لابُدّية السؤال على عنوان أنه لم يعلم، لا على عنوان أنه علم إجمالاً، غير قابل للإنكار. ويكون هذا الظهور دالّاً على أن مجرّد الشكّ يُحتّم على الإنسان أن يسأل ويفحص. إذن فلا يمكن تقييد هذه الأخبار بخصوص موارد العلم الإجمالي. 

ثُمّ إنه لو قطع النظر عن هذا الاستظهار، فحينئذٍ لا بُدّ من ملاحظة سعة المدلول وضيقه، وملاحظة النسبة بينه وبين دليل البراءة في مقام الجمع بين الدليلين، فهنا يقال: إن هذا الدليل في نفسه مطلق، يشمل موارد العلم الإجمالي وموارد عدمه. فإذا شكّ قبل الفحص فيجب عليه أن يفحص سواء كان عنده علم إجمالي أو لم يكن. أما دليل البراءة فلا إشكال أنه لا يشمل موارد العلم الإجمالي؛ لأن الأصول فيه متساقطة. لكن هل دليل البراءة لا يشمل موارد العلم الإجمالي؛ لضيق ذاتي في نفسه، أو لمخصّص منفصل من خارج، وهو حكم العقل لقبح المخالفة القطعية؟ والأوّل هو المختار، والثاني هو كلام الآغايون. 

فإن فرضنا الثاني وإن دليل البراءة في نفسه لا بأس بإطلاقه لموارد العلم الإجمالي، إلّا أن حكماً عقلياً نظرياً(1) اقتضى استحالة الترخيص في المخالفة 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

() كذا قال السيد، والصحيح أنه من أحكام العقل العملي الحاكم لحسن الطاعة وقبح المعصية، كما هو واضح. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

القطعية، فيكون من قبيل المخصّص العقلي المنفصل(1). إذا كان الأمر هكذا إذن فدليل البراءة في نفسه مطلق فوقاني، يشمل بحدّ ذاته موارد العلم الإجمالي وغيرها، وموارد الشكّ قبل الفحص، والشكّ بعده. ووجد له مخصّصان متّصلان: 

أحدهما: حكم العقل أخرج موارد العلم الإجمالي، سواء كان قبل الفحص أو بعده. 

والآخر: أخبار وجوب التعلّم أخرجت مطلق موارد الشكّ قبل الفحص، سواء كان هناك علم إجمالي أو لم يكن. فهذان مخصّصان بينهما عموم من وجه. 

هنا لا إشكال من إعمال كِلا المخصّصين وتقييد الدليل بكِليهما، ومعه لا يمكن حمل هذا الأخبار على خصوص مورد العلم الإجمالي، بل نتمسّك بإطلاقها، ونحكّمه في إطلاق دليل البراءة. هذا على المبنى المشهوري. 

وأما إذا بنينى على المبنى الصحيح، وهو أن دليل البراءة فيه قصور ذاتي عن الشمول لموارد العلم الإجمالي، وإن شئتم قلتم: إنه مخصّص بمخصّص ارتكازي متّصل، لا بمخصّص منفصل. إذن فموضوع دليل البراءة من أوّل الأمر هو الشكّ غير المقرون بالعلم الإجمالي. فحينئذٍ قد يقال: إنه تحصل النسبة بنحو العموم من وجه بين الدليلين؛ لأن دليل وجوب الفحص يقول: بأن الشكّ قبل الفحص منجّز، سواء كان معه علم إجمالي أو لم يكن. ودليل البراءة 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

() قال جواباً على سؤال: إن المخصّص إذا كان بديهياً في أذهان عموم الناس يكون كالمتّصل وإن لم يكن بديهياً يكون كالمنفصل. (المُقرِّر)..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

يقول: الشكّ بلا علم إجمالي غير منجّز، سواء كان قبل الفحص أو كان بعده، فمادّة الاجتماع هو الشكّ قبل الفحص بلا علم إجمالي، ولكلٍ من الدليلين مادّة افتراق. فيقع التعارض في مادّة الاجتماع.

فإذا فرضنا أنه لا يوجد مزية في أحد الدليلين على الآخر، مثلاً من حيث كون أحدهما قرآنياً والآخر غير قرآني، فيحصل التساقط في المقام في مادّة الاجتماع، أي: في الشكّ قبل الفحص بلا علم إجمالي. فلا يبقى عندنا إطلاق في دليل البراءة الشرعية. 

حينئذ هل يكون هذا التساقط في مصلحة البراءة أو الاحتياط؟ يمكن تصوير كونه في مصلحة البراءة على أحد وجهين: إما أن يبني على ما بنى عليه الحاج شيخ محمّد حسين من جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) حتّى في موارد الشكّ قبل الفحص، فيرجع بناءً على هذا إلى هذه القاعدة بعد التساقط، وإما بوجه آخر وهو أن يقال: إنه بعد أن تساقط إطلاق أخبار وجوب التعلّم والاحتياط بالمعارضة مع إطلاق دليل الرفع للتكاليف الواقعية المشكوكة قبل الفحص، يتولّد بعد التساقط شكّ جديد، هو الشكّ في وجوب الاحتياط قبل الفحص بالنسبة إلى التكاليف الواقعية؛ لأن وجوب الاحتياط لم يكن دليله
-بحسب الفرض- إلّا إطلاق وجوب التعلّم، وقد فرض أنه سقط بالمعارضة، فحينئذٍ لا نلتزم بكِلا المتساقطين، فلا نستطيع أن نفتي بجريان البراءة عن التكاليف الواقعية المشكوكة قبل الفحص، ولا أن نفتي بوجوب الاحتياط تجاهها، فهنا يتولّد لنا في طول ذلك شكّ جديد في نفس وجوب الفحص 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ووجوب الاحتياط، أي: شكّ في الواقع في المرتبة الثانية. ومثل هذا الشكّ موضوع في نفسه لدليل البراءة، ولم يسقط إطلاقه لهذا الشكّ الطولي. فإن الذي سقط من إطلاق دليل البراءة هو البراءة عن الواقع المشكوك قبل الفحص، أما البراءة عن وجوب الاحتياط تجاه الواقع المشكوك قبل الفحص، فهو لم يسقط فنتمسّك بالبراءة، وتكون النتيجة في صالح البراءة لا الاحتياط. 

ومنه يظهر حال بعض ما تقدّم من البحوث أيضاً، فإننا فرضنا أيضاً تعارضاً بين أدلّة البراءة وغيرها. فإننا كلّما فرضنا تعارضاً بين دليل البراءة تجاه الواقع وغيرها يمكن أن نرجع إلى هذه البراءة الطولية. 

هذا هو حاصل الإمكان الصناعي في ملاحظة النسبة بين الدليلين.

هذا هو حاصل الإشكال الأوّل على الاستدلال بالأخبار.

الاعتراض الثاني: 

الإشكال الثاني على الاستدلال بالأخبار، وحاصله: أن أخبار وجوب التعلّم مسوقة مساق الإرشاد لا مساق المولوية، فهو إرشاد إلى ما يستقلّ به العقل من وجوب الفحص، وعدم جواز ترك السؤال، ولزوم الاحتياط قبل الفحص. أليس قلنا: إن كلّ الآغايون عدى من شذّ يقولون بأن البراءة العقلية لا تجري قبل الفحص؟ أليس معنى هذا يستقلّ بوجوب الاحتياط والفحص؟ تكون هذه الروايات إرشاداً إلى هذا الحكم العقلي، وبياناً لعدم جواز إهمال الواقع وعدم التعرّض له.

فإذا كانت هذه الأخبار إرشاداً إلى حكم العقل، فلا تزيد على نفس حكم 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

العقل، فكما أن حكمه بوجوب الفحص محكوم لإطلاق دليل البراءة الشرعي، فإن حكم العقل بوجوب الفحص مقيّد بأن لا يرخّص الشارع في ترك الفحص، فدليل البراءة الشرعية رافع لموضوع حكم العقل. كذلك يكون إطلاق دليل البراءة الشرعية رافعاً لموضوع هذه الأخبار وحاكماً عليها؛ لأنها إرشاد لحكم العقل ولا تزيد عليه.

وتحقيق هذا الإشكال: هو أن أخبار وجوب الفحص والتعلّم، يُتصوّر لها أحد مفادين: إما أن يكون مفادها هو عدم جواز إهمال التكليف الواقعي المشكوك، ولزوم التصدّي لمعرفة حاله. وإما أن يكون مفادها هو عدم جواز إهمال الوظيفة العقلية، ولزوم تحديد ما هي وظيفة العبودية في مقام العمل، سواء كانت الوظيفة عبارة عن نفس التكليف الواقعي أو عن أصل أو أمارة.

فإن فرض أن مفاد الروايات كان هو الثاني، فالأمر كما قيل، فإن لزوم تشخيص وظيفة العبودية تجاه المولى هو بنفسه حكم العقل بحقّ الطاعة وبلزوم التبعية والعبودية للمولى. وحينئذٍ يكون إطلاق دليل البراءة الشرعية حاكماً على ذلك؛ لأنه ينقّح ما هي الوظيفة، ويقول له: (وظيفة العبودية هنا تناسب مع إغماض عينك عن التكليف الواقعي المشكوك). فهذا الشخص الذي يجري البراءة قبل الفحص؛ تمسّكاً بإطلاق قوله: (رفع ما لا يعلمون)، لم يخرج عن إطلاق أخبار وجوب التعلّم؛ لأنه شخّص ما هي وظيفة العبودية وعمل على أساسها. وهذا معنى حكومة دليل البراءة الشرعية على مثل هذه الأخبار.

وأما إذا فرضنا أن مفادها هو لزوم التصدّي لتشخيص ما هو التكليف 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الواقعي المشكوك، التكليف الذي قد يتورّط في مخالفته. فحينئذٍ مثل هذا اللسان يكون بنفسه إعمالاً للمولوية في مقام حفظ التكاليف الواقعية المشكوكة ولزوم الاحتياط تجاهها. ويكون هذا اللسان بنفسه إبرازاً لنقيض ما يبرزه لسان (رفع ما لا يعلمون)؛ إذ يبرز عدم الاهتمام بالواقع المشكوك. 

ولو سلّم أنه يكون إرشاداً إلى حكم العقل، فإنه أيضاً يحكم حكماً تعليقياً بوجوب الاحتياط والفحص تجاه الواقع المشكوك، معلّقاً على عدم مجيء الرخصة من قبل الشارع. لو سلّم أنه إرشاد إلى حكم العقل فمثل هذا الإرشاد أيضاً نافع في المقام، وذلك: لأن مثل هذا الإرشاد بنفسه يكون دليلاً على أن حكم العقل فعلي في هذا المورد، وإن المعلّق عليه محقّق وبعد عدم مجيء الرخصة من قبل الشارع، فيكون دالّاً بالالتزام على عدم جريان البراءة الشرعية، فتكون هذه الأخبار نافعة ودالّة على ما هو المقصود في الدلالة على عدم جريان البراءة الشرعية تجاه الواقع المشكوك، سواء استظهرنا منها إعمال المولوية مباشرة، أو كانت إرشاداً إلى حكم العقل بوجوب الاحتياط. 

نعم، لو كانت الأخبار متصدّية لتلك المرتبة التي قلناها، وهي تشخيص الوظيفة -لا لزوم تشخيص الواقع-، لكان الأمر كما قيل من حيث حكومة دليل البراءة الشرعية على مفاد مثل هذه الأخبار، ولا ينبغي الشكّ في أن ظاهر الأخبار ما هو نافع في المقام لا ما هو غير نافع، فإن ما دلّ على (أن طلب العلم فريضة)، لو تمّت دلالته من سائر الجهات، وما دلّ على (أن من يقع في مخالفة تكليف يُسأل: لم خالفت؟ يقول: لا أعلم. يقال: لِمَ لَمْ تتعلّم؟)، هذا ظاهر جداً 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

في أن التكليف الذي خالفه من باب أنه لم يفحص عنه منجّز بمجرّد الشكّ قبل الفحص، وأنه لا بُدّ من التصدّي لاستعلام حاله في المقام، فالروايات ناظرة إلى المرتبة الأولى لا إلى المرتبة الثانية. وعليه فيكون هذا الإشكال أيضاً غير وارد على الاستدلال في الروايات. 

الاعتراض الثالث للمحقّق العراقي

الاعتراض الثالث من الاعتراضات على الاستدلال بأخبار وجوب التعلّم، هو: أن هذه الأخبار إنما تدلّ على وجوب السؤال، فيما إذا كان التكليف الإلزامي المحتمل بحيث لو سُئل عنه لوصل إلى المكلّف. وبتعبير آخر: تدلّ على وجوب السؤال فيما إذا كان السؤال سبباً في اكتشاف واقع حال المسألة، لا فيما إذا كان من الممكن أن يتمّ السؤال ومع هذا لا يكتشف واقع حالها. فبالنسبة إلى شخص معاصر للإمام يتمكّن من السؤال منه، هنا تكون هذه الأخبار دالّة على وجوب السؤال منه، بحيث لو سأل لكشف حال المسألة. وأما بالنسبة إلى شخص يحتمل أن وسائل كشف واقع حال المسألة غير متوفّرة لديه، فحتّى لو سأل لَما استطاع أن يكشف حالها، في مثل ذلك لا يشمله دليل وجوب السؤال. فهذا هو الاعتراض الثالث الذي ذكره المحقّق العراقي على ما في تقريرات بحثه.

وهذا الاعتراض وارد على جملة من الروايات لا على كلّها، فإن بعضها يمكن أن يقال: إنها مختصّة بخصوص ما إذا كانت المسألة -أي: السؤال- طريقاً لاكتشاف حال المطلب، ولا يتعدّى منه إلى ما إذا لم يكن الأمر هكذا؛ لأن الغرض 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الذي يكون بحيث لو كان موجوداً لوصل، هذا يكون محرّكيته للمولى في مقام الحفظ أشدّ من الغرض الذي يكون بحيث قد لا يصل حتّى بعد السؤال، فإيجاب السؤال في الصورة الأولى لا يلزم منه إيجابه في الصورة الثانية.

 ولكن بعض الروايات الأخرى يمكن دعوى إطلاقها بحيث لا يفرّق بين الحالين. وسوف يظهر هذا التفصيل الذي أقوله حينما نقرأ روايات الباب إجمالاً(1)

روايات الباب. عدّة طوائف

أما الروايات في المقام فيمكن تقسيمها إلى عدّة طوائف:

الطائفة الأولى: ما دلّ على وجوب طلب العلم

وأحسن ما جاء فيها من الصيغ هذه الصيغة المستفيضة من الطريقين: عن خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام: “طلب العلم فريضة(2)، أو “طلب 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: نحن لا نعلم أننا هل نصل إلى الواقع أو لا نصل، فهل يجب أن نفحص، أو يجب أن لا نفحص؟ 

فأجاب: لا نفحص؛ لأنه إن فرض أن المأخوذ قيداً كان هو العلم بترتّب اكتشاف حال المسألة على السؤال، فهذا غير مشمول لأدلّة وجوب التعلّم جزماً؛ لأنني لا أعلم فعلاً بترتّب ذلك وعدمه. وإن فرض أن القيد كان هو واقع الترتّب، فحينئذٍ أكون شاكّاً في المطلب، فأكون شاكّاً في موضوع وجوب الفحص؛ لأنه أُخذ في موضوعه واقع الترتّب، وهو مشكوكاً، فيكون على الثاني شبهة موضوعية لوجوب الفحص.

(2) اُنظر: الكافي، ج1، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحثّ عليه، ص31، ح:5.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

العلم فريضة على كلّ مسلم(1)، أو “طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة(2)، على اختلاف الصيغ. والروايات التي نقلت جملة من هذه الصيغ وإن كانت ضعيفة السند، إلّا أن استفاضة أصل هذه الصيغة وتطابق الفريقين على نقلها عن رسول الله وتظافرها يوجب القطع بصدور مثل هذه الصيغة من قبل النبي. إلّا أن القطع يقدّر بقدره، يعني: أن الذي يكون مقطوعاً به هو صدور أصل هذه الصيغة، أما القيود والحدود من حيث إنه على (كلّ مسلم) أو (على كلّ مسلم ومسلمة)، ونحوها من الخصوصيات التي تميّزت بها الروايات المتعدّدة، فهذه الخصوصيات لا يمكن إثباتها؛ لأنها غير مستفيضة، ولا جاءت في روايات معتبرة سنداً حتّى تثبت بلحاظ حجّية خبر الواحد. ولكن أصل الصيغة ثابت بقطع النظر عن حجّية خبر الواحد. 

في الكافي(3) عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد الله، عن عيسى بن عبد الله العمري، عن أبي عبد الله قال: “طلب العلم فريضة“.

وفي الكافي أيضاً، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() اُنظر: المصدر المتقدّم.

(2) عوالي اللآلي، ج ٤، ص: ٧٠، ح:36. واُنظر أيضاً: الجامع الصغير للسيوطي، ج ١، ص:٤٤.

(3) السيد لم يذكر الأسناد في الدرس، وإنما نقلناه عن جامع أخبار الشيعة للبروجردي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

يعقوب بن يزيد، عن أبي عبد الله، عن رجل من أصحابنا، رفعه، قال: قال أبو عبد الله: “قال رسول الله طلب العلم فريضة“. وفي حديث آخر
-مرسل في الكافي-: “قال أبو عبد الله: قال رسول الله: طلب العلم فريضة على كلّ مسلم أَلَا وإن الله يحبّ بُغاة العلم(1).

وهناك رواية أخرى عن الإمام الرضا يسندها عن طريق آبائه إلى رسول الله، قال: “قال رسول الله: العالم بين الجهّال كالحي بين الأموات، إن طالب العلم يستغفر له كلّ شيء حتّى حيتان البحر وهوامه وسباع البرّ وأنعامه، فاطلبوا العلم فإنه السبب بينكم وبيبن الله، وإن طلب العلم فريضة على كلّ مسلم”.

ورواية أخرى منقولة أيضاً عن الإمام الرضا بسنده المتّصل عن آبائه، عن أمير المؤمنين ، قال: “سمعت رسول الله يقول: طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فاطلبوا العلم في مظانّه، واقتبسوه من أهله، فإن تعلّمه لله حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة فيه تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة، والدليل في السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين على الأخلّاء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة، يقتبس آثارهم، ويهتدى بفعالهم، وينتهى إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، في 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) تمّ تخريجه قريباً.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

صلواتها تبارك عليهم، يستغفر كلّ رطب ويابس حتّى حيتان البحر وهوامه وسباع البرّ وأنعامه، إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوت الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، ومجالس الأبرار، والدرجات العُلى في الدنيا والأخرة. الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الربّ ويعبد، وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال من الحرام. العلم أمام العمل والعمل تابعه، يلهم به السعداء، ويحرم به الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله من حظّه”.

هذه هي الروايات وهناك ما يوازيها.

وهذه الروايات لا ينبغي الإشكال في دلالتها على وجوب طلب العلم، ولكن ما المراد بالعلم الذي يجب طلبه؟ هل المراد به مجرّد الاطّلاع على حال الأحكام اللّزومية الواقعة في محلّ ابتلاء كلّ مكلّفٍ مكلّفٍ، سواء كان الاطّلاع عليها عن طريق الاجتهاد أو التقليد؟ وهذا هو وجوب الفحص الذي نتكلّم عنه. أو المراد بالعلم في المقام مرتبة من الثقافة الإسلامية التي كان يعبّر عنها في عصور المجتمع الإسلامي وقتئذٍ بـ(العلم) بقول مطلق، وحتّى الآن يعبّر بكلمة العلم عن مرتبة من الثقافة المعقّدة الخصوصية. وهذه المرتبة نشأت منذ عصر النبي، ونمت بعد هذا في عصور الأئمة عليهم الصلاة والسلام. فإن جملة من الصحابة في أيام النبي تميّزوا بقريحة فقهية وبحفظٍ للآثار والأخبار، بحيث كانوا مرجعاً في الحلال والحرام بعد وفاة رسول الله، ومثل هذا التميّز حصل في جملة من أصحاب الأئمة على طول الخطّ، فإن جماعة 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

في كلّ جيل يحملون ثقافة الشريعة وأحكامها حملاً اجتهادياً تفصيلياً، لكنّه اجتهادي على مستوى وضع العلم وقتئذٍ، لا على مستوى وضع العلم في هذه المراحل التي نعيشها.

فبالآخرة، عنوان العلم كان ولا يزال بحسب الفهم العرفي، مصطلحاً اجتماعياً، يعبّر عن مرتبة من الثقافة المعقّدة الاختصاصية، التي يتميّز بها جماعة من الناس عن غيرهم. وهذا المعنى من العلم لا يفرّق فيه بين الأحكام الداخلة في محلّ ابتلاء الشخص وبين غيره من الأحكام، وهذا وجه فرق بين هذا العلم وذاك، والوجه الآخر أن هذا العلم طُعّم بمعنى التخصّص والتعقيد والفهم الاجتهادي، أما ذاك العلم فكان مجرّد الاطّلاع على حال المسألة، ولو كان بالتقليد والرجوع إلى المجتهد.

فإن فرض أن المراد من قوله: “طلب العلم فريضة” هو العلم الأوّل، فتكون هذه الروايات داخلة في محلّ الكلام، وأما إذا كان المراد من العلم هو المعنى الثاني فتكون الروايات في مقام إثبات وجوب التثقّف في الشريعة والإحاطة بها، وأن المسلم لا بُدّ أن يكون فقيهاً بالشريعة بصيراً بها وواقفاً على أسرارها، وحينئذٍ تكون هذه الروايات أجنبية عمّا هو محلّ الكلام.

والمتعيّن بحسب الظهور في هذه الصيغة هو الثاني لا الأوّل، فإن نفس كلمة (العلم) ظاهرة عرفاً في الثاني لا في الأوّل؛ لأن العلم لغة وإن كان يطلق على كلّ انكشاف في الواقع، لكن بحسب المصطلح العرفي السائد اجتماعياً منذ عصر الأئمة إلى يومنا هذا أن العلم يطلق على مرتبة معقّدة من المعرفة، وليس 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

كلّ انكشاف يسمّى علماً. وحينئذٍ فتكون هذه الروايات بحسب هذا الظهور ناظرة إلى الوجوب الثاني لا الأوّل.

ويؤيّد ذلك بالقرائن المنتشرة في نفس متون الروايات، كالمقارنة بين حال العالم وحال الجاهل، وكذكر فوائد العلم وشأن العلم(1)، وكل هذا لا ينطبق إلّا على هذا النحو من العلم، وإلّا فمجرّد استطلاعٍ على المسألة بنحو تامّ ليس سلاحاً على الأعداء، ولا زيناً على الأخلّاء، وليس مؤنساً للإنسان في الوحشة، وليس مناراً للإسلام والشريعة. وإنما ما هو كذلك إنما هو العلم بالمعنى الثاني. إذن فهذه الروايات ناظرة إلى وجوب طلب العلم بالمعنى الثاني. 

غاية الأمر أن هذه الروايات ظاهرة في أن الوجوب ثابت على كلّ مسلمٍ مسلمٍ، حتى لو لم نتعبّد بلفظ (كل مسلم)، فإن مقتضى إطلاق “طلب العلم فريضة” هو أنه فريضة على كلّ مسلمٍ مسلمٍ. إلّا أن مثل هذا يقيّد حينئذٍ بما دلّ على سقوط هذا الوجوب بقيام عدد كافٍ به في مقام حفظ الشريعة والإسلام. وليكن في المقيّدات آية النفر، وغيرها من الأدلّة الدالّة على إعفاء المسلم من امتثال هذا الوجوب على تقدير قيام من فيه الكفاية. وعليه فلا تكون هذه الروايات دليل على ما هو محلّ الكلام، وإن كانت دليلاً على الوضع المتقمّص به. وهو الوضع الذي يتقمّص به (الطلبة) فعلاً، فإنه يؤدّي هذه الرسالة الواجبة المفروضة. هذ هي الطائفة الأولى. 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

() وذكر جملة من الأوصاف. راجع الرواية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الطائفة الثانية في وجوب التفقه 

 الطائفة الثانية هي الروايات الآمرة بالتفقّه في الدين.

الكافي(1): علي بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن أبي حمزة، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: تفقّهوا في الدين، فإنه من لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله تعالى يقول: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(2)“.

والكافي أيضاً: الحسين بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن الربيع، عن المفضّل بن عمر، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالتفقّه في دين الله، فلا تكونوا أعراباً، فإنه من لم يتفقّه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزكّ له عملاً“. وغير ذلك من الروايات(3).

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() وهنا قرأ السيّد هذه الروايات من دون أسنادها. (المقرِّر).

(2) سورة التوبة، الآية: 122..

(3) أقول: نحوها ما في الكافي أيضاً: عن الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله قال: “إذا أراد الله بعبد خيراً فقّهه في الدين”. ونحوها ما في الكافي عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن حسان، عن إدريس بن الحسن، عن أبي إسحاق الكندي، عن بشير الدهان قال: قال أبو عبد الله: “لا خير فيمن لا يتفقّه من أصحابنا، يا بشير إن الرجل منهم إذا لم يستغنِ بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم” [الكافي: ج ١، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ص: ٣٣، ح:5].

أقول: ولعلّ في هذه الرواية من القرائن ما يدلّ على ما سيقوله السيّد من أن المراد بالفقه أيضاً: الثقافة الإسلامية المعمّقة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

هذه الروايات أيضاً يأتي فيها نفس الكلام السابق، فإن التفقّه في الدين تارةً يجمد فيه على معنى لغوي بحسب مرّ اللغة، فإن الفقه عبارة عن الفهم، وتفقّهوا في الدين يعني: استطلعوا حال أحكام الدين التي تقع في طريق امتثالكم لأوامر الله، وأخرى يقصد بالتفقّه في الدين مرتبة من فهم الدين، هي مرتبة معقّدة خاصّة، عبّر عنها هناك بالعلم وعبّر عنها هنا بالفقه. وعلى الثاني لا تكون الروايات دالّة على ما هو المقصود.

والظاهر منه هو الثاني، فإن نفس كلمة التفقّه في الدين تعطي ذلك، مضافاً إلى أنه يعلّل بأن لا تكون أعرابياً، والأعرابي هو ذاك الشخص الذي يتخلّف عن الهجرة إلى بيت النبوة، وهم من نسمّيهم بالعوام، فيقول: أنت لا تختر أن تكون من العوام، بل اختر أن تكون من الواعين البصيرين الخبيرين، ثُمّ يُطبّق على ذلك الآية الكريمة، كن أنت ممن يحظى بهذا الشرف ويمتثل هذا الوجوب الكفائي. فحينئذٍ من المعلوم أن يكون النظر إلى المعنى الثاني لا الأوّل؛ لأن الآية بنفسها ناظرة إلى المعنى الثاني دون الأوّل.

فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ليست ناظرة إلى وجوب الفحص في المسائل الداخلة في محلّ ابتلائهم، بل هي توجب على كلّ فرقة من طائفة أن يصبحوا علماء الشريعة، بصيرين بالرسالة، حتّى يكونوا مناراً وهداة لغيرهم، والأعرابي لم يُعفَ من الفحص عمّا هو محلّ ابتلائه بالمعنى الذي هو محلّ الكلام، وليس هو جاهلاً به، وإنما هو جاهل في مقابل المعنى الثاني. فكلّ هذا يدلّ على أن هذه الطائفة ناظرة إلى المعنى الثاني دون المعنى الأوّل، فتكون أجنبية عمّا هو محلّ الكلام.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الطائفة الثالثة: في وجوب السؤال من الأئمة

الطائفة الثالثة الدالّة على وجوب السؤال من الأئمة بالخصوص، وهي الروايات الواردة في تفسير أهل الذكر في قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1)، حيث جاءت عدّت روايات تقول: (نحن أهل الذكر، نحن المسئولون وأنتم السائلون، وتجب عليكم المسألة)(2)

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() النحل: 43، الأنبياء: 7.

(2) أقول: ولم يذكر السيّد واحدة من هذه الروايات. اُنظرها في ص35 من جامع أحاديث الشيعة، باب حجّية قول الأئمة.

منها: ما في الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي بكر الحضرمي، قال: كنت عند أبي جعفر ودخل عليه الورد أخو الكميت فقال: “جعلني الله فداك، اخترت لك سبعين مسألة ما تحضرني منها مسألة واحدة. قال: ولا واحدة يا ورد؟ قال: بلى، قد حضرني منها واحدة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تبارك وتعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، من هم؟ قال: نحن. قال: قلت: علينا أن نسألكم؟ قال: نعم. قلت: عليكم أن تجيبونا؟ قال: ذاك إلينا”.

ومنها: ما في تفسير علي بن إبراهيم: حدّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد، عن أبي داود عن سليمان بن سفيان، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر: قوله: “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ: من المعنون بذلك؟ فقال: نحن والله. فقلت: فأنتم المسؤولون؟ قال: نعم. قلت: ونحن السائلون؟ قال: نعم. قلت: فعلينا أن نسألكم؟ قال: نعم. قلت: وعليكم أن تجيبونا؟ قال: ذلك إلينا إن شئنا فعلنا، وإن شئنا تركنا. ثُمّ قال: هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ “. ومثلها كثير. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فهذه الروايات دلّت على وجوب مسائلة الأئمة، ولا بأس بدعوى تعرضها إلى ما هو محلّ الكلام، فإن السؤال من الإمام بما هو سؤال من الإمام ينطبق على ما هو محلّ الكلام بلا إشكال.

إلّا أن مثل هذه الطائفة يأتي فيها إشكال المحقّق العراقي حيث إنها مختصّة بخصوص السؤال من الإمام، ومن المعلوم أن السؤال منه ملازم عادة مع التوصل إلى واقع الحال على فرض تحصيل الجواب من قبله، ومعه لا يمكن التعدي من ذلك إلى غيره إلّا بدليل.

الطائفة الرابعة: استحقاق العقاب على الترك وهي تامّة الدلالة 

الطائفة الرابعة- والأخيرة- هي الدالّة على استحقاق العقاب للشخص المتورّط في مخالفة الواقع على فرض عدم السؤال والفحص. وأحسن ما جاء في هذه الطائفة هو قوله في رواية مسعدة بن زياد -وهي صحيحة سنداً-. 

أقول: وهي ما نقل عن أمالي المفيد: حدثّنا الشيخ الجليل المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد، قال: حدّثني محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، قال: حدّثني هارون بن مسلم، قال: حدّثني مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمد وقد سُئل عن قوله تعالى: فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ(1)، فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال: أفلا عملت بما علمت، وإن قال: كنت جاهلاً، قال له: أفلا تعلّمت حتّى تعمل، فيخصمه، 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) الأنعام: 149.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وذلك الحجّة البالغة لله عزّ وجلّ في خلقه“.

هذه الرواية لا بأس بدلالتها على ما هو المقصود، فإنها فيها إطلاق لفرض ما إذا كان السائل يعلم بأنه سوف يترتّب على السؤال اكتشاف بالواقع أو لا يعلم، وإلّا لم يكن لله الحجّة البالغة على كلّ تقدير، بل يكون للعبد -للمحقّق العراقي- الحجّة البالغة، حيث إنه لا يعلم أنه هل يترتّب على سؤاله اكتشاف المطلب أو لا.

فظهور الرواية في أن الله له الحجّة البالغة على كلّ تقدير، يكون دالّاً على أن السؤال مطلوب منه على كلّ تقدير، وعليه فتكون هذه الرواية دالّة على وجوب السؤال، ومثلها بعض الروايات الأخرى التي هي من قبيلها أيضاً.

ويؤيّد هذا المطلب بل يمكن الاستدلال به أيضاً هو نفس آية النفر فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، فإن إيجاب التفقّه والإنذار والنفر يدل ّبالالتزام على إيجاب الفحص على الباقين. المولى يوجب على جماعة أن يذهبوا ويتفقّهوا ويتعبوا ويرجعوا إلى بلدهم، ثُمّ لا يوجب على أهل بلدهم أن يتصدّوا للسؤال من هذا الفقيه. مثل هذا لا يفهم عرفاً، بل الذي يفهم عرفاً أن المولى يوجب الفحص على المكلّف أيضاً، وإنما كلّ هذه الوجوبات مقدّمة لأن يهيأ مجال الفحص للسائل والاستطلاع له. وعليه فلا إشكال في دلالة هذه الأدلّة اللفظية على ما هو المقصود في المقام. 

هذا هو الدليل الثامن على وجوب الفحص.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الوجه التاسع للاحتياط قبل الفحص 

ما جاء في (الدراسات) وحاصله التمسّك بالأخبار الدالّة على وجوب التوقّف، وهي الأخبار التي استدلّ بها العلماء الإخباريون (قدست أسرارهم) على وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية والتحريمية، كقوله: “قف عند الشبهة، فإن الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة“. يقول: إن تلك الأخبار تدلّ على وجوب الاحتياط قبل الفحص وبعده، ويعارضها أخبار البراءة الدالّة على عدم وجوب الاحتياط لا قبل الفحص ولا بعده، وإذا وقع التعارض بينهما نحمل الطائفة الأولى على ما قبل الفحص، ونحمل الثانية على ما بعده.

ونكتة هذا الحمل هي: أن الأخبار الدالّة على أخبار التوقّف، جملة منها وردت في موارد قبل الفحص، فيكون هو المتيقّن منها، إذن فتكون كالنصّ بالنسبة إلى ما قبل الفحص. وحينئذٍ نقيّد إطلاق دليل البراءة، ونُخرج منه ما قبل الفحص، وتحمل أدلّة البراءة على ما بعد الفحص.

إلّا أن هذا الوجه غير تامّ لا مبنىً ولا بناءً.

أما مبنىً فلِما يأتي إن شاء الله في بحث التعادل والتراجيح أن مثل هذه النصوصية لا تكون موجبة للتقديم، فإذا فرض تعارض طائفتين بنحو التساوي، لكن إحداهما كانت نصّاً في بعض الحصص دون بعض، ولا باعتبار كونه هو المورد، فمثل هذه النصوصية الناشئة من هذه المناشئ لا تكون منشأً للقرينية والجمع العرفي. وهذا هو النزاع المبنائي الذي يأتي تحقيقه في بحث التعادل والتراجيح.

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وأما لو سُلِّم المبنى في المقام فنقول: إنك إذا اعترفت بأخبار التوقف، وتمّت عندك سنداً ودلالة، فيلزمك أن تعمل بها في وجوب الاحتياط حتّى بعد الفحص، وذلك لأنها بتمام مدلولها أخصّ مطلقاً من دليل الرفع، لا أنها معارضة بنحو التساوي، فإن دليل الرفع يشمل ما قبل الفحص وما بعده
-بحسب دعواك- ويشمل الشبهات الحكمية والموضوعية معاً، وأخبار التوقّف تختصّ بخصوص الشبهات الحكمية، سواء كانت قبل الفحص أو بعده. إذن فأخبار التوقّف أخص مطلقاً من (رفع ما لا يعلمون)، فيقيّد دليل الرفع بذلك، ويخصّص بخصوص الشبهات الموضوعية، وتخرج منه الحكمية مطلقاً قبل الفحص وبعده.

فلو بنى على تمامية أخبار التوقّف سنداً ودلالة، فاللازم لا بُدّ من تقييد دليل الرفع به، وإخراج مطلق الشبهات الحكمية منه، ونكون إخباريين من هذه الناحية. إلّا أن الصحيح أن أخبار التوقّف في نفسها لم تتمّ روايةٌ واحدة منها لا سنداً ولا دلالة، فكيف يمكن أن نتمسّك بها على وجوب الاحتياط في المقام؟!

هذا تمام الكلام في الأدلّة التي يستدلّ بها على وجوب الفحص في الشبهات الحكمية.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 

المقام الثاني: في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية

 

قسمنا البحث منذ البدء إلى قسمين: 

أحدهما: في اشتراط الفحص في جريان البراءة في الشبهة الحكمية. وقد سبق.

ثانيهما: جريان البراءة في الشبهة الموضوعية، هل يشترط فيه الفحص أو لا يشترط. والكلام فيه أيضاً يكون على مستويين: مستوى البراءة العقلية ومستوى البراءة الشرعية. 

في البراءة العقلية 

أما على المستوى الأوّل -أي: على مستوى البراءة العقلية- فقد فصّلنا الكلام سابقاً وشرحنا أن البراءة العقلية ليست قانوناً عقلياً كما ادّعى ذلك جملة من علماء الأصول المتأخّرين. فإن العقل لا يستقلّ (بقبح العقاب بلا بيان)، بل هي ترجع بالتحليل إلى قاعدة عقلائية ارتكازية، وهذه القاعدة المجعولة من قبل العقلاء لا تنفذ على الشارع ما لم يثبت إمضاء لها من قبله، ولولا أدلّة البراءة الشرعية التي جاءت إمضاءً لها لَما قلنا بالبراءة اعتماداً على هذه القاعدة.

وقلنا في الشبهات الحكمية: إن هذه القاعدة لا تشمل ما قبل الفحص، فإن البراءة المجعولة اجتماعياً لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص. بل تعتبر 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

هذه الموارد داخلة تحت حقّ الطاعة والمولوية، ولا بُدّ للعبد أن يتصدّى للفحص عن تكاليف المولى. 

وأما بلحاظ الشبهة الموضوعية، فالأمر في الجملة أيضاً كذلك، فإن مرتبةً من الفحص لازمةٌ بحسب الارتكاز العقلائي، بمعنى: أن البراءة العقلائية لا تعفي الإنسان من هذه المرتبة من الفحص، وهذه هي المرتبة التي يعتبر خلافها وتركها تهرّباً من الحكم وإغماضاً للعين عنه.

توضيح ذلك: إن المكلّف تارةً يقف موقفاً -وهو شاكّ- بحيث إن تكليف المولى بحسب العادة -حتّى لوكان موجوداً- لم يصل إلى المكلف، ففي مثل هذا صحيح أن العبد يشكّ أن التكليف موجود أو لا، ولكنّه لا يعذر في هذا الشكّ بحسب الارتكاز العقلائي، وقاعدة البراءة العقلائية لا تشمل مثل هذا الشكّ، ولا تكون مسوّغة لمثل هذا التهرّب من تبعة التكليف.

فإن البراءة العقلائية تقول بهذا المقدار: إذا كنت واقفاً في موقف بحيث يمكن للتكليف أن يصل إليك عادة على فرض أن يكون موجوداً، ومع هذا لم يصل إليك فأنت غير مسؤول عنه وغير مطالب به، فلا بُدّ للمكلّف أن يزحف نحو التكليف بمقدارٍ، بحيث يحقّق له موقفاً يمكن ويحتمل أن يصل التكليف إلى ذلك الموقف، وأما إذا كان في موقف لا يحتمل عادة وصول التكليف إليه، كما لو كان مغمض العين مثلاً، ففي مثله لا تجري البراءة بحسب الارتكاز العقلائي. 

ولعلّ هذه النكتة هي نكتة ما سبق من عدم جريان البراءة العقلائية في 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

موارد الشكّ قبل الفحص في الشبهة الحكمية أيضاً(1)؛ لأن إغماض العين عن كتاب (الوسائل) كإغماض العين عن القطرة من الدم، أي: إن العادة جارية في تبليغ الأحكام من الموالي إلى المحكومين: أن هذه الأحكام تصل إلى مقام معيّن، يذهب المحكوم إليه فيفحص عمّا إذا كان فيه أحكام أو لا، لا أنها تصل إلى كلّ إنسان في بيته، وذلك كنشرها في الجريدة الرسمية، فعدم الذهاب إلى ذلك المقام هو بنفسه كإغماض العين، فإنه نحو من إغماض العين، إلّا أن الإغماض يختلف مصداقه باختلاف طبيعة الشبهة واختلاف كيفية وصول الحكم، فإغماض العين في الشبهة الموضوعية له نحو من المصداق، وإغماضها في الشبهة الحكمية له نحو آخر من المصداق.

فكلّ من ترك الفحص في الشبهة الحكمية في المقام الذي ينعكس عليه بحسب العادة أحكام المولى، وترك الفحص في الشبهة الموضوعية بمقدار عدم فتح النظر، يكون نحو من غمض العين والتهرّب الذي لا يشمله الارتكاز العقلائي، وإن كان خروج ذاك أوضح في الارتكاز العقلائي من خروج هذا.

فاذا انتزعنا هذا العنوان الجامع لكِلتا الشبهتين، يمكننا أن نقول: بأن القاعدة العقلائية لا تشمل الموارد التي لم يتحقّق فيها هذا المقدار الجامع من الفحص، الذي يصدق معه عدم التهرّب وغمض العين. هذا بالنسبة إلى البراءة 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() غاية الأمر إنما اتّسعت دائرة الفحص في الشبهة الحكمية، وضاقت في الموضوعية؛ لاختلاف طبيعة الشبهتين من حيث كيفية وصولها إلى المكلّف خارجاً، وإلا لعلّ العنوان الجامع واحد. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

العقلائية وتحديد حدودها، ولكنها -كما قلنا- إنها لا تنفعنا؛ لأننا نتكلّم في المولى الحقيقي لا المولى المجعولة مولويته في المجتمعات العقلائية، ولكنّها تنفعنا في فهم دليل البراءة الشرعية. 

هذا على المستوى الأول.

في البراءة الشرعية

وأما الجهة الثانية وهي: البراءة الشرعية، فنحن إذا لاحظنا مطلقات أدلّة البراءة الشرعية، وتكلّمنا أنه هل يجب الفحص في جريان البراءة أو لا، يجب أن نرجع إلى الوجوه التسعة التي فرغنا عنها في الشبهة الحكمية. وبرهنّا بجملة منها على وجوب الفحص فيها. 

لنرى أن تلك الوجوه هل تدلّ على وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية أو لا؟ أو هي مختصّة بالشبهة الحكمية؟ 

أما الوجه الأوّل: وهو أن دليل البراءة له ظهور بأنه دليل إمضائي لا تأسيسي، إمضاء للبراءة العقلائية الارتكازية. وحيث إن البراءة العقلائية لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص في الشبهة الحكمية، فدليل البراءة الوارد في مقام إمضائها أيضاً لا يكون شاملاً لموارد الشكّ قبل الفحص، لظهوره بالإمضائية. 

 هذا الوجه يأتي في المقام ويثبت وجوب الفحص، لكن بمقدارٍ ما يساعد عليه الارتكاز العقلائي في باب البراءة. وقد ذكر في الجهة الأولى أن البراءة العقلائية الارتكازية لا تسوّغ غمض العين من العبد عن التكليف في الشبهة 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الحكمية أو الموضوعية، يعني: لا تسوّغ منه الشكّ الذي يحفظه بابتعاده عن المواقف التي يحتمل أن يصل إليها التكليف عادة، فإن مثل هذا الشكّ لا يكون مؤمّناً عنه بإجراء البراءة العقلية.

وحينئذ فحيث إن دليل البراءة الشرعية يكون إمضاءً للقاعدة العقلائية الارتكازية، فيكون أيضاً ضيّقاً ضيقها، فلا يكون مسوّغاً لترك هذه المرتبة من الفحص المساوقة لإغماض العين والتهرّب، وحفظ الشكّ بالابتعاد عن تلك المقامات التي يمكن أن يصل إليها التكليف عادة.

فهذا الارتكاز الذي كان قرينة على وجوب الفحص في الشبهة الحكمية، بنفسه يكون قرينة على عدم الإطلاق في دليل البراءة الشرعية، ولزوم هذه المرتبة من الفحص، يعني: عدم جريان البراءة بالنحو المسوّغ لترك هذه المرتبة. إذن فالشكّ لو لم يحفظه بالابتعاد عن هذه المقامات، بل حفظ حتّى بعد دخوله إليها، يكون مثل هذا الشكّ مشمولاً للارتكاز العقلائي، فتشمله أدلّة البراءة الشرعية.

ومن هنا لو اقتصرنا على هذا الوجه، لكنّا نفصل في الشبهات الموضوعية بين مرتبة ومرتبة: مرتبة مساوقة مع إغماض العين، وحفظ الشكّ بالابتعاد عن مقامات يصل إليها التكليف عادة، وبين المرتبة الزائدة. فالمرتبة الثانية تنفي البراءة دون الأولى.

الوجه الثاني: -مما تقدم- هو مسألة إيقاع المعارضة بين إطلاق دليل البراءة وإطلاق المؤونة من المستثنى من البراءة القرآنية. فإنه استثنى من البراءة في القران عنوان يشمل الشكّ قبل الفحص، فأوقعنا المعارضة بينهما، وبعدها 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

انتهينا إلى وجوب الاحتياط، وذلك في قوله تعالى: حَتَّى يُبَيِّنَ لَـهُمْ(1)، فإننا قلنا بأن البيان يصدق فيما إذا كان الكتاب أمام المكلّف.

هذا الوجه لا يأتي في المقام رأساً؛ لأننا قلنا في بحث البراءة: إن الآيات الشريفة الدالّة على البراءة تختصّ بالشبهات الحكمية، ولا تشمل الموضوعية، فالشبهات الموضوعية لا تكون مشمولة للدليل القرآني على البراءة حتّى يأتي فيه مسألة المعارضة بينها وبين دليل الرفع.

الوجه الثالث: وهو هدم إطلاق دليل الرفع بطريق إبداء احتمال القرينة المتّصلة التي تقيد إطلاق دليل البراءة، وقلنا وقتئذٍ: إن هذا الاحتمال بخصوص محلّ الكلام يوجب الإجمال، وإن كان لا يوجبه في كثير من الموارد. وهذا الاحتمال كان موجوداً في الشكّ قبل الفحص في الشبهة الحكمية؛ لأن منشأ هذا الاحتمال هو ظهور حال نفس النبي بالاهتمام المتزايد بإفناء الشكّ في الشبهة الحكمية، فإن عمله ليلاً ونهاراً كان على إيصال الأحكام الكلّية إلى المسلمين، فهذا الحال قد يوجب إجمالاً، وقد يكون صالحاً للقرينية على أن المولى لا يرضى بإجراء البراءة قبل الفحص.

إلّا أن مثل هذا لا يأتي في الشبهة الموضوعية؛ لأن حال النبي إنما كان هو علاج الشبهات الحكمية دون الشبهات الموضوعية(2).

فالوجه الثاني والثالث كِلاهما لا يأتي.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

() التوبة: 115.

(2) لم يكن يقول: (هذا طاهر)، (هذا نجس)، (هذا خلّ)، (هذا خمر). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الوجه الرابع: قالوا: إن دليل البراءة يقيّد بحكم العقل. وقلنا: إنه لا معنى له، إلّا بأن نُرجع حكم العقل إلى حكم العقلاء، فيرجع إلى ما تقدّم، فيكون حاله حال الوجه الأوّل، وقد بيّنا ما هو مقتضاه.

الوجه الخامس: أن احتمال وجود خبر ثقة على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فهذه شبهة مصداقية لدليل البراءة؛ لأن (رفع ما لا يعلمون) خرج منه موارد خبر الثقة، لا بوجوده الواصل، على خلاف بيننا وبين الآغايون. فتكون الشبهة مصداقية.

هذا الكلام أيضاً يأتي لو احتملنا وجود خبر ثقة يُخبر عن نجاسة هذا الإناء مثلاً. إلّا أنه لا بأس بإجراء استصحاب عدم وجود خبر الثقة، وهناك إنما كنّا لا نُجري الاستصحاب باعتبار العلم الإجمالي، وهو غير موجود في المقام. فهذا الوجه أيضاً لا يجري في المقام. 

الوجه السادس: هو العلم الإجمالي: يقولون: إن البراءة لا تجري قبل الفحص للعلم الإجمالي بوجود تكاليف، هذا الوجه واضح أنه لا يجري؛ إذ لا يوجد هنا علم إجمالي بالتكاليف(1)

الوجه السابع: أن دليل حجّية خبر الثقة يدلّ بالالتزام على اهتمام المولى 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال لي: إذا كان العلم الإجمالي موجوداً –في الشبهات الموضوعية الداخلة في محلّ الابتلاء– فيجب الفحص، كما فرغنا عنه في باب العلم الإجمالي، فيدخل في وجوب الاحتياط، لكنّنا نفرض مورداً لا يكون فيه علم إجمالي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بالواقع المجعول في هذا الدليل، بحيث يحكم بوجوب الاحتياط في موارد الشكّ قبل الفحص. وبيّنا هناك نكتة هذا الالتزام.

هذا بنفسه يمكن أن يأتي في المقام أيضاً، فيما لو احتمل وجود خبر ثقة، فإن دليل حجّية خبر الثقة لو تمّ في الشبهات الموضوعية، يدلّ بالالتزام على وجوب الفحص، ولكن أيّ وجوب فحص؟! تلك المرتبة التي بيّنا أنها على مقتضى الارتكاز العقلائي لا أكثر؛ لأن هذه الملازمة ملازمةٌ عرفيةٌ، فتثبت بمقدار الارتكاز لا أكثر. فهذا الوجه إذا تمّ فهو لا يزيد على ما يقتضيه الوجه الأوّل من التسعة.

الوجه الثامن: هو الأخبار الدالّة على وجوب التعلّم، وهو واضح أنها لا تجري في الشبهة الموضوعية؛ لأن المولى أوجب تعلّم الشريعة لا تعلّم الموضوعات الخارجية.

الوجه التاسع: أخبار التوقّف، وقد قرأنا فيما سبق أنها مختصّة بالشبهة الحكمية. 

إذن فأكثر هذه الوجوه التسعة لا يشمل الشبهة الموضوعية، وبعضها يشمل كالوجه الأوّل والوجه السابع، لكن لا يقتضي أكثر من هذا المقدار، بمقدار لا يصدق عليه أنه إغماض النظر والتهرّب.

هذا كلّه بمقتضى القواعد الأوّلية للبراءة(1). فيمكن أن يستفاد أن البراءة 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() فلو خلّينا نحن ومطلقات أدلّة البراءة لقلنا بمرتبة من وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية. (تكرار). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الشرعية الثابتة بأدلّتها العامة لا تنفي هذه المرتبة من الفحص ولا تسوّغ تركها. 

في الاستدلال بالروايات الخاصّة

ولكن هناك روايات وردت في موارد خاصّة، صريحة في عدم وجوب حتّى هذه المرتبة من الفحص، فإما أن نعمل بها في خصوص موردها، وإما أن نتعدّى منها إلى غير موردها من سائر الشبهات الموضوعية حسب ذوق الفقيه.

منها: صحيحة زرارة الثانية في باب الاستصحاب، وفيها يقول له: “فإذا شككت في أنه هل وقع عليَّ شيء أم لم يقع هل عليَّ أن أنظر أو لا؟ قال: لا، ليس عليك أن تنظر، إلّا أن تريد أن تذهب بالشكّ الذي وقع في نفسك“.

فهذا إعفاء حتّى في هذه المرتبة -من الفحص- التي هي النظر، وهذا من أوضح مصاديق غمض العين.

ومنها(1): ما عن أمير المؤمنين يقول: (أنا لا أبالي أماءٌ وقع عليّ أم بول ما دمت لا أعلم). وعبارة (لا أبالي) واضحة عرفاً في أنه لا يتصدّى لأيّ مرتبة من مراتب تشخيص المطلب، حتّى أنه لا يسأل ولا ينظر. وعبارة (لا أبالي) بالإغماض عن تمام مراتب الفحص.

ومنها: رواية عبد الله بن سليمان في الجبن، قال له: “كلّ شيء لك حلال، حتّى يجيئك شاهدان يقولان لك أن فيه ميتة“. وعبارة “حتّى يجيئك شاهدان” لا يبعد أن يكون لها ظهور (بأنك اجلس في مكانك، فإذا جاءك شاهدان حينئذٍ تتمّ الحجّة، وإلا فأنت قل: أن هذا حلال). فلا يبعد أن يكون فيها ظهور في 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() ومظنوني أنها صحيحة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الإعفاء عن هذه المرتبة من الفحص. إلّا أن هذا وارد في خصوص الميتة، وإن كان في أوّله يقول: “كلّ شيء لك حلال“، فإن ذيله يكون قرينة على أن المقصود من “كلّ شيء” يعني: كلّ شيء يناسب أن يكون فيه ميتة. 

هذه هي الروايات، وعلى أساسها يُفتى بعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية لباب الطهارة(1) والنجاسة كلّيةً، ولو بإلغاء خصوصية الثوب أو البدن أو الميتة. وحينئذٍ إن أمكن تجريد آخر، حيث تلغى هذه الخصوصية أيضاً، وتعمّم إلى تمام موارد الشبهات الموضوعية، وإلّا فيُقتصر على خصوص باب الطهارة والنجاسة، الذي هو محلّ الابتلاء غالباً. 

وعليه بناءً على الاقتصار ينبغي أن يقال بعدم لزوم هذه المرتبة من الفحص في خصوص باب الطهارة والنجاسة. هذا بحسب الأدلّة الثانوية للبراءة. هذا تمام الكلام في البحث في الشبهة الموضوعية.

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() فإنها جميعهاً واردة في هذا الباب. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تنبيهات

  • التنبيه الأوّل: في مقدار الفحص اللازم
  • التنبيه الثاني: في عدم جريان سائر الأصول قبل الفحص
  • التنبيه الثالث: في استحقاق العقاب 
  • التنبيه الرابع: في الاستحقاق فيما إذا كان الواقع بحيث يظفر به
  • التنبيه الخامس: في الإشكال على وجوب التعلّم في بعض الموارد
  • التنبيه السادس: في وجوب التعلّم عند الشكّ بالابتلاء 
  • استدراك للتنبيه الخامس: في الجمع بين الصحّة واستحقاق العقاب

ــــــــــ[111]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تنبيهات

 

فرغنا من أصل المسألة، وهو أن الفحص شرط في جريان أصالة البراءة في الشبهات الحكمية، وليس شرطاً في الشبهات الموضوعية، على تفصيل تقدّمت الإشارة إليه بالأمس.

ونذكر سائر الأمور المربوطة بهذا المطلب بعنوان التنبيهات.

 

التنبيه الأوّل: في مقدار الفحص اللازم

 

التنبيه الأوّل في مقدار الفحص اللازم الذي فرغنا عن لا بديته قبل إجراء البراءة. 

وهنا نتكلّم في الفحص عن الجانب السَندي، والفحص عن الجانب الدلالي. فإن الفحص في الشبهة الحكمية ينحلّ إلى جهتين:

أحدهما: الفحص عن أصل صدور خطاب من قبل الشارع متعلّق بهذا الواقعة، وهذا هو البحث عن الجهة السندية.

ثانيهما: أن هذا الخطاب هل يدلّ على الوجوب أو على الحرمة أو لا؟ وهذا هو الفحص في الجهة الدلالية.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وفي الجهة السندية نتكلّم أنه هل يكفي الفحص عن صدور الخطاب في الكتب المعدّة لتجميع مثل هذه الخطابات من قبل الشارع، أو لا بُدّ من الفحص حتّى في غير مثل هذه الكتب؟ 

فإن قيل بالأوّل، كفى الفحص في القرآن الكريم، وفي كتب الأحاديث المعدّة لذكر الروايات الصادرة عن النبي والأئمة في المسائل الفقهية، ولا يجب الفحص في ما لو احتمل رواية أخرى موجودة في غير هذا النطاق، ككتاب من كتب التاريخ أو اللغة.

وإن قيل بالثاني، فلا بُدّ من استيعاب الفحص حينئذٍ حتّى في غير هذه المنطقة، حتّى يحصل الاطمئنان والوثوق بعدم وجود خطاب من قبل الشارع، فإذا حصل مثل هذا الاطمئنان كان حجّة لا محالة، باعتبار الحجّية العقلائية للاطمئنان الممضاة شرعاً.

وفي جهة الفحص الدلّالي نتكلّم في أنه هل يكفي في مقام الفحص الدلالي أن الإنسان الذي يكون واجداً للخبرة العامة الدخيلة في فهم معاني خطابات الشارع من تلك الخطابات، هل يكفي في مقام الفحص عن الجانب الدلالي أن يعمل ما يملك هو من خبرة في فهم هذا الدليل، ويتأمّل ويدقّق في أطراف هذا الدليل، لأجل أن يقرّر إما أنه يدلّ على الحكم الإلزامي، أو لا يدلّ عليه؟ أو انه لا بُدّ له أن يفحص بأكثر من هذا المقدار، فلو تأمّل في الخطاب بحسب ذهنه فلم يجد فيه ما يدلّ على الحكم الإلزامي، ولكنّه احتمل أنه يوجد لدى فقيه آخر أعلم منه وأدّق وأبصر، يوجد له به بيان يثبت دلالة هذا الخطاب، أو دلالة 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

مجموع الخطابات على الحكم الإلزامي، فهل لا بُدّ أن يرجع إليه أيضاً في مقام الفحص، لأجل استيعاب الفحص أو لا؟

وكِلا هذين المطلبين مهمّ جداً: تحقيق دائرة الفحص من ناحية السند من حيث السعة والضيق، وتحقيقه من حيث الدلالة كذلك ولعلّ هذا أهمّ من ذاك؛ لأن احتمال أن يحصل على دلالة بعد الرجوع إلى الغير يتطرق إلى ذهن المجتهد الذي يعترف بوجود من هو أعلم منه وأعمق وأبصر بعملية الاستنباط. فإذا رأى ذاك الأبصر يفتي بالإلزام، ولا يجري البراءة، ينقدح في نفسه احتمال أنه يمكن لذاك الأبصر أن يعرّفه على بيان يثبت به دلالة هذا الخطاب أو مجموع الخطابات، ولو بحيلة أصولية كانقلاب النسبة ونحوها.

فإذا قلنا: إن الفحص الواجب هو الفحص بالمقدار الأقلّ، فهنا لا يعتنى بمثل هذا الاحتمال، ويجري البراءة. وأما لو قلنا بأن الواجب من الفحص الدلالي هو الفحص الأوسع، إذن فهذا لا يجوز له إجراء البراءة ما لم يغنِ هذا الاحتمال من نفسه بالرجوع إلى الأخير الأبصر؛ لأجل أن يطّلع على بيانه، فإن قبله فهو، وإلّا أفتى بالبراءة. ونتيجة ذلك أننا نسدّ باب الاجتهاد والاستنباط على هذا النوع من المجتهدين؛ باعتبار أنه لا يتمّ في حقّهم موضوع البراءة قبل غلق باب هذا الاحتمال وهو المراجعة إلى الغير.

فيجب أن نتأمل أن الفحص اللازم في جريان البراءة من ناحية السند وناحية الدلالة، هل هو ضمن الدائرة الضيقة، أو ضمن الدائرة الواسعة؟ وطريقة ذلك هي أن نرجع إلى أدلّتنا وبراهيننا على وجوب الفحص؛ لنرى أنها 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تدلّ على وجوب الفحص ضمن الدائرة الضيقة أو الواسعة من كِلتا الناحيتين السندية والدلالية(1)

[الوجه الأول: الارتكاز العقلائي]

الدليل الأوّل هو تحكيم الارتكاز العقلائي في تقييد دليل البراءة، فإننا استظهرنا أن دليل الرفع دليل إمضائي للقاعدة العقلائية المركوزة، فيتبعها سعة وضيقاً، وحيث إن الارتكاز العقلائي لا يشمل موارد الشكّ قبل الفحص، ولهذا دليل البراءة أيضاً لا يشمل.

فهذا البيان: أما من الناحية السندية، ناحية صدور الخطاب من المولى، فقد ذكرنا بالأمس أن نكتة لزوم الفحص بحسب الارتكاز العقلائي، هي عدم جواز التهرّب من حكم المولى، وعدم جواز إغماض العين عن حكمه، وإن شئتم قلتم عدم جواز حفظ الشكّ بالابتعاد عن المقام الذي يصل إليه عادة حكم المولى. فالعقلاء يحكمون على العبد بلزوم الفحص في تلك المقامات، لا أن يغمض نظره عن ذلك المقام، ويقول: أنا شاكّ، ويجري البراءة.

وحينئذٍ قد يتخيّل أن هذا يوجب من الناحية السندية الفحص في الكتب 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا البحث لا بُدّ وأن يجري في تمام مراتب عملية الاستنباط، لكن في كلّ مرتبة له نحو من العلاج غير علاجه بالنسبة إلى المرتبة الأخرى، ولهذا نحن الآن نبحث عن العلاج بمقدار هذه المرتبة. وإلا فإنه حتّى على مرتبة البراهين العقلية، كما لو كان يؤدّي عقله إلى استحالة الترتّب، ولكن الأعلم منه يقول بإمكان الترتّب. انتهى. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

التي من العادة أن يوجد فيها هذه الرواية، من قبيل الكتب الأربعة و(الوسائل)، لا الكتب التي لا توجد فيها بحسب العادة مثل هذه الرواية. إلّا أن الصحيح هو خلاف ذلك، فإنه من الناحية السندية لا بُدّ من الفحص حتّى في غير هذه الكتب؛ لأن عادة وجدان خطابات المولى في كتاب (الوسائل) ليست عادة مقرّرة بحسب عمل نفس المولى، كما هو الحال في الحكومة، فإن عادة وجود قوانينها في الجريدة الرسمية عادة ناشئة من مبنى نفس الحكومة، وأما هنا فلم يقل المولى: (إذا أردتم الاطّلاع على قوانيني فراجعوا الكتب الأربعة و(الوسائل)، وإنما قال: (ارجعوا إلى ثقاتي) (لا ينبغي التشكيك فيما يروي عنّا ثقاتنا)، فلو احتملنا وجود رواية موثّقة في كتاب لغة أو تاريخ، فلا بُدّ من التصدّي له. فإن هذه العادة ليست إلّا عبارة عن أن جماعة من العلماء تصدّوا لاستيعاب هذه الروايات، فلو احتملنا غفلتهم عن رواية، ولم يكن عندنا اطمئنان بعدمه، فلا بُدّ من الرجوع إليه؛ لأن المقام الذي يحتمل أن يصل إليه المولى لا يكون محدّداً بخصوص (الوسائل)، وإنما يكون منتشراً في عامّ ما يصل إلينا مما يمكن أن يكون فيه كلام الأئمة والنبي عليهم الصلاة والسلام.

وحينئذٍ فمن الناحية السندية لا بُدّ من الفحص إلى أن يحصل الاطمئنان بالعدم. نعم، غالباً الاطمئنان بالعدم يحصل في المقام لمجرّد عدم وجدان رواية في الكتب المعدّة من قبل علمائنا لذلك؛ لأن احتمال الغفلة فيهم مع تمام حرصهم على الاستيعاب، وتتابع أعمالهم جيلاً بعد جيل، هذا الاحتمال على خلافه أمارة اطمئنانية، وهي تفيد في أغلب الموارد الاطمئنان بالعدم. 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وأما لو فرض في مورد لم يكن هناك اطمئنان بالعدم لنكتة؛ لأننا رأينا فقيهاً يفتي على خلاف ذلك مدّعياً وجود رواية في كتاب لغة، حينئذٍ لا يجوز لنا أن نغمض عيننا عن كتاب اللغة ولا نراجعه. وإن كان الغالب هو حصول الاطمئنان بالعدم. 

بل الغالب حصول الاطمئنان بالعدم مع المراجعة للأبواب المعدّة للمسألة، فضلاً عن مراجعة تمام الكتاب.

وقد نبّه المرزا إلى نكتة صحيحة ومفيدة في المقام وهي: أن كتاب (الوسائل) مرتّب حسب تفريع المحقّق في الشرايع، ولهذا الفرع الذي يوجد في الشرائع يوجد التعرّض في (الوسائل) لو كانت هناك رواية فيه. فلو لم يكن رواية في تسلسله المناسب يحصل الاطمئنان بعدم وجود رواية فيه. وأما الفرع الذي هو غير موجود الشرايع، فعدم وجود رواية في تسلسله المناسب، فأحياناً قد لا يحصل الاطمئنان بالعدم. هذا من ناحية السند.

وأما من ناحية الدلالة، فلا بُدّ من الفحص بمقدار الخبرة الذاتية لهذا الإنسان الخبير، ولا بُدّ أن يعمل قدرته في فهم المعنى من اللفظ والنحو المتعارف بين الخبراء بالنسبة إلى تلك المادّة، وقد يدخل في هذا التعارف أحياناً الاستفادة من الخبرات السابقة؛ لأن الخبراء في كلّ عام قد يستفيدون من الخبرات السابقة، إذا انقدح في نفوسهم احتمال أن الخبراء السابقون قد تنبّهوا إلى مطلب بحيث يخفى عليهم. فهذا المقدار الاعتيادي الذي يعمله كلّ خبير في مقام التوصّل إلى الحقيقة في مجال خبرته لا بُدّ منه في المقام. 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وأما الأزيد أي: نفي احتمال أن يكون الأشخاص الآخرون قد استفادوا من الأصول الموضوعية المشتركة بينه وبينهم استفادوا نكتة هو لم يستفدها. احتمال هذا المطلب لا يجب إفناؤه؛ لأن مثل هذا الارتكاز موجود عند العقلاء. وما لم يكن هناك ارتكاز على وجوب هذا الزائد يرجع إلى وجوبه، يرجع إلى إطلاق دليل الرفع؛ لأن إطلاقه إنما قيّد باعتبار ارتكاز وجوب الفحص في أذهان العقلاء، وهو غير موجود بأكثر من المقدار المتعارف. فنأذن لهذا المجتهد الذي يحتمل أن يكون هناك مجتهد أبصر منه قد التفت إلى نكتة لم يلتفت إليها، لا نمنع من إجرائه للبراءة إذا فحص وأعمل خُبره بالمقدار المتعارف في كلّ باب من أبواب الخبرات البشرية. 

إذن فمقتضى الوجود الأوّل هو توسعة دائرة الفحص وناحية السند، وتضييق دائرة الفحص من حيث الدلالة بالمقدار الذي بيّناه. 

الوجه الثاني وما بعده ومناقشتها

الوجه الثاني لوجوب الفحص هو إيقاع التعارض بين حَتَّى يُبَيِّنَ لَـهُمْ الشامل لِما إذا كان البيان موجوداً في كتاب (الوسائل)، وبين إطلاق دليل البراءة. أما من حيث السند فلو فرض أن البيان كان موجوداً في كتاب يمكن الوصول إليه إلّا أن اسم كتاب لغة، فعنوان حَتَّى يُبَيِّنَ لَـهُمْ موجود ويقع التعارض لا محالة، ومقتضاه عدم إطلاق دليل البراءة لمورد يحتمل أن يكون البيان موجوداً في كتاب اللغة، فلا بُدّ من الفحص بالنحو الأوسع كما هو الحال في مقتضى الوجه الأوّل. 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وأما من حيث الدلالة -حَتَّى يُبَيِّنَ لَـهُمْ- لو فرض أن هناك رواية قرأها المجتهد المفضول، ويحتمل أنه إذا رجع للمجتهد الأفضل فإنه يمكن أن يبيّن له بيانا فنّياً، بحيث يفهم معنىً جديداً من هذه الرواية، هنا لا يصدق حَتَّى يُبَيِّنَ لَـهُمْ، فإنه لم يبيّن لهذا المجتهد هذا المطلب؛ لأن الخطاب غير دالّ على هذا، والمفروض أن الارتكاز العقلائي لا يلزمه أن يفحص بأكثر من هذا المقدار. وهو قد فحص بالمقدار الذي يلزمه به الارتكاز العقلائي ولم يتّضح له، فلا يصدق أن المولى قد بيّن له. إذن فمن هذه الناحية لا إطلاق في دليل حَتَّى يُبَيِّنَ لَـهُمْ. وإن كان من الناحية الأولى فيها إطلاق. فالنتيجة هي نتيجة الوجه الأوّل. 

الوجه الثالث: هو احتمال القرينة المتّصلة، ومن ناحية السند لا بأس بدعوى أن هذا الاحتمال لا يفرّق فيه بين أن تكون الرواية قد غفل عنها صاحب (الوسائل)أو لا، ومجرّد كون الشخص الذي جمع روايات الفقه غفل عنها وضاعت من ذهنه، لا يوجب خروجه عن القدر المتيقّن من اهتمام الشارع. 

وأما من ناحية الدلالة فهنا احتمال القرينة المتّصلة بنحوٍ بحيث لا يجيز الشارع أن تجري البراءة بالنسبة إلى هذا المجتهد المفضول، إلّا بعد أن يرجع إلى شخص آخر، ويرفع احتماله، مثل هذا غير موجود وجوداً عقلائياً معتدّاً به. وذلك: لأن ظهور حال النبي إنما اقتضى الوصول إلى الأحكام بالمقدار المتعارف بين العقلاء، ولم يقتضِ أكثر من هذا المقدار. والمفروض أن الوصول إلى الدلالة بهذا النحو ليس متعارفاً بين العقلاء والخبراء. إذن فمثل هذا لو كان مورداً لاهتمام الشارع فهو مورد لاهتمام واقعي غير مبرز بظهور حال، بحيث يوجب إجمالاً في إطلاق دليل البراءة فيتمسّك بإطلاقه. فالنتيجة هي النتيجة أيضاً. 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الوجه الرابع: حكم العقل، وهو بما هو حكم عقل لا معنى له، وإذا رجعنا إلى حكم العقلاء يرجع إلى الوجه الأوّل وقد تقدّم. 

الوجه الخامس: هو دعوى أننا قبل الفحص نحتمل وجود حجّة وخبر ثقة، ويكون التمسّك بإطلاق (رفع ما لا يعلمون) تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية. نعم، هذا موجود فيما إذا احتمل وجود رواية في كتاب آخر غير هذه الكتب المتعارفة، فإنه حينئذٍ يحتمل وجود حجّة ومخصّص لإطلاق دليل البراءة في المقام، فمعنى ذاك الوجه إن تمّ هناك يجري هنا أيضاً من ناحية السند. 

وأما من حيث الدلالة فاحتمال أن يكون هناك ظهور غير واصل إلى المجتهد إلّا بمراجعة المجتهد الأفضل منه، فلا يجري هذا الوجه فيه؛ لأنه لا دليل على لزوم الفحص من قبل هذا الظهور في المقام، فإن القدر المتيقّن من دليل حجّية الظهور هو الظهور الذي يكون في معرض الوصول إليه بحسب الطريقة الاعتيادية للوصول إلى أهل الخبرة. كما قلنا في حجّية خبر الثقة: إن المتيقّن منها هو حجّية خبر ثقة في معرض الوصول إليه. وهذا ليس معرض الوصول إليه بهذا النحو، فلا يشمله دليل الحجّية ليكون الشكّ فيه شكّاً في الشبهة المصداقية. فالنتيجة على النتيجة أيضاً. 

الوجه السادس: هو العلم الإجمالي بوجود تكاليف واقعية، أو بوجود حجج ظاهرية. فهذا من حيث السند لا بُدّ وأن ينظر إلى هذه الموارد التي يحتمل فيها وجود رواية غير موجودة في الكتب الأربعة؛ ليرى أنها خارجة عن أطراف العلم الإجمالي، بحيث إن العلم الإجمالي يتشكّل بدونها ولا يمكن تشكيل علم 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

إجمالي آخر بضمّها إليه، إذن فهي خارجة عن العلم الإجمالي، يعني ينحلّ بخصوص ما في الكتب الأربعة. ولا يجري هذا الوجه من هذه الناحية، وإلّا فيجري هذا الوجه من هذه الناحية أيضاً. هذا من حيث السند. 

وأما من حيث الدلالة: فالعلم الإجمالي لا يقتضي الفحص بأكثر من المقدار الذي تقدّم، فإن هذا العلم الإجمالي لو فرض أننا فحصنا في أحد أطرافه ولم نجد دليلاً، ولكن احتملنا وجود دليل بحيث يمكن أن نحصّله بطريق غير متعارف، مثل هذا لا يكون مانعاً عن جريان البراءة حينئذٍ، وتمام الوجوه التي سبقت لبيان إجراء البراءة قبل الفحص تجري هنا؛ لإثبات جواز البراءة، هذا المقدار من الفحص: إما انحلال العلم الإجمالي الكبير بعلم إجمالي آخر، وإما دعوى عدم وجود مقتضٍ بجريان البراءة قبل الفحص، بل بوجه بعده. 

الوجه السابع: هو الدلالة الالتزامية لدليل الحجّية، عُرف أيضاً حاله مما سبق. فإنها دلالة التزامية مبنيّة على الارتكاز، وحيث عرفنا حكم الارتكاز في الوجه الأوّل، عُرف مقدار هذه الدلالة الالتزامية. 

الوجه الثامن: أخبار وجوب التعلّم والسؤال، من حيث السند تفي بوجوب التعلّم والاستقصاء. وأما من حيث الدلالة فهي منصرفة إلى وجوب التعلّم بالنحو الاعتيادي والمتعارف في مقام السؤال والتعلّم، والمتعارف بين الخبراء هو هذا المقدار.

وبتعبير آخر: لو أن خبيراً سأل وفحص وتعلّم يصدق عليه أنه سأل، ولا يصحّ للمولى أن يقول له: (لِمَ لَمْ تتعلّم)، فإنه يجيب: (سألتُ وتعلّمتُ ولم أجد). 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فالمصداق العرفي للواجب يكون محقّقاً، فالنتيجة هي النتيجة أيضاً. 

الوجه التاسع: أخبار التوقّف، وهذا الوجه في نفسه غير تامّ(1)

فعلى أيّ حال تمام الوجوه التامّة أو الممكنة التمامية تقتضي نتيجة واحدة، وهي: أنه من حيث السند لا بُدّ من استيعاب الفحص في غير الكتب المعدّة أيضاً، لو احتمل ذلك احتمالا معتدّاً به، حتّى يحصل الاطمئنان بالعدم. وأما من حيث الدلالة فيجب الفحص بمقدار ما يملك كلّ خبير من خبرة، ولا يجب الفحص لإفناء احتمال وجود دليل بالرجوع إلى الأكمل والأفضل. 

إلّا أن هذا إنما يكون فيما إذا لم يتولّد لدى هذا المفضول علم إجمالي -كما لعلّه الغالب في المفضولين أن هذا العلم الإجمالي يتولّد لو نظر الإنسان بعين الإنصاف – يقول: لو راجعت في مجموع الفقه للشيخ الأنصاري إذن لَغيَّر فتواي في مسألة من هذه المسائل. فإذا حصل مثل هذا العلم الإجمالي، وكان مستجمعاً لشرائط تنجيز العلم الإجمالي، فحينئذٍ لا تجري البراءة؛ لأنها لا تجري في أطراف العلم الإجمالي. هذا تمام الكلام في هذا التنبيه.

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() ولم يذكر السيّد الأستاذ ما يقتضيه هذا الوجه من حيث السند والدلالة. وحينما سألته عن ذلك قال: هذا أمر يحتاج إلى تفكير. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 






التنبيه الثاني: في عدم جريان سائر الأصول قبل الفحص

 

التنبيه الثاني: كما أن أصالة البراءة لا تجري قبل الفحص، كذلك سائر الأصول المؤمّنة الأخرى لا تجري في الشبهة الحكمية قبل الفحص. 

فأصالة التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين لا تجري قبل الفحص. فلو علم إجمالاً بالوجوب أو الحرمة، لا يمكنه أن يجري أصالة التخيير قبل أن يتبيّن أن هناك دليلاً على أحدهما أو لا. وأصالة الطهارة في الشبهات الحكمية لا تجري قبل الفحص، وكذلك الاستصحاب النافي للتكليف -استصحاب عدم التكليف في الشبهات الحكمية- أيضاً لا يجري قبل الفحص. 

أما أصالة التخيير فلأنها أصل عقلي محض، والعقل يستقلّ بالتخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين، بملاك العجز وعدم إمكان امتثال التكليف المعلوم بالإجمال؛ لأن مرتبة الامتثال القطعي مستحيلة التحقّق، ومرتبة الامتثال الاحتمالي مستحيلة الانتفاء. وحينئذٍ فالعقل يحكم بالمعذّرية بملاك العجز. 

ومن المعلوم أن المعذّرية التي يستقلّ بها العقل لا يتمّ ملاكها قبل الفحص، فإنه ما دام يحتمل بالفحص أن يتعيّن ما هو التكليف في جانب 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الوجوب أو جانب الحرمة، فهو يحتمل كونه قادراً على امتثال قطعي لهذا التكليف المعلوم بالإجمال ببركة تعيينه في أحد الطرفين. وما دام يحتمل القدرة فيكون التكليف منجّزاً عليه؛ لأن الشكّ في القدرة منجّز، واحتمال العجز ليس مؤمّناً كما تقدّم في جملة من المباحث السابقة. 

وعليه فملاك أصالة التخيير وهو الجزم بالعجز لا يحصل إلّا بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل. ومن هنا لا تجري قبل الفحص. 

ومن هنا يمكن القول بأنه لا فرق بين موارد دوران الأمر في الشبهة الحكمية أو موارده في الشبهة الموضوعية، فلو علم المكلّف بنحو الشبهة الموضوعية بالوجوب أو الحرمة، فهذا العلم الإجمالي من حيث كونه بياناً ومنجّزاً للواقع، وإنما القصور فقط في قدرة المكلّف وعجزه عن الامتثال. وحينئذٍ فما دام يحتمل كونه قادراً على امتثال هذا التكليف المعلوم بالإجمال لا بُدّ له من الفحص وتبيّن الحال. 

وليس حال الشبهة الموضوعية لدوران الأمر بين المحذورين حال الشبهة الموضوعية لأصل الشكّ في الوجوب، أو لأصل الشكّ في الحرمة حتّى بناءً على جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في الشبهات الموضوعية مطلقاً قبل الفحص. فحتّى لو قيل بذلك لا نقول بهذا في الشبهات الموضوعية لدوران الأمر بين المحذورين؛ لأن التكليف هنا معلوم، وقد تمّ عليه البيان، ولا قصور فيه من ناحيته البيانية، ولذا اخترنا في ذلك البحث أنه لا تجري البراءة لا عقلاً ولا شرعاً في موارد دوران الأمر بين المحذورين. 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فالتكليف من حيث بيانه لا قصور فيه، وإنما القصور في قدرة المكلّف، وهذا القصور إنما يصبح معذّراً عقلاً فيما إذا قطع بالعجز، ولا يكفي احتمال العجز، ولا يقطع به إلّا بعد الفحص واليأس عن تعيين هذا المطلب في جانب الوجوب أو جانب الحرمة. 

فمن هنا لا بأس بالقول بوجوب الفحص في موارد دوران الأمر بين المحذورين، وعدم جواز الرجوع إلى أصالة التخيير قبل الفحص، من دون فرق بين الشبهة الحكمية والموضوعية. هذا حال أصالة التنجيز. 

كلام في الاستصحاب ومناقشته

وأما حال أصالة الطهارة واستصحاب عدم التكليف في الشبهات الحكمية، فأيضاً لا يجوز إجراؤها قبل الفحص، لجريان جملة من الوجوه المتقدّمة بالنسبة إلى هذين الأصلين. 

الوجه الأوّل: وهو دعوى الارتكاز وتقييد إطلاق دليل البراءة بالارتكاز، هذا الوجه لا يجري لا في دليل الاستصحاب ولا في دليل أصالة الطهارة، وإنما يختصّ بدليل البراءة. وذلك: لأن هذا الوجه موقوف على أن يجيء الدليل متضمّناً لكبرى لها مماثل مركوز في الأذهان العقلائية، فينعقد لهذا الدليل ظهور ثانوي سيأتي، بحسب الفهم العرفي، في أنه إمضائي لا تأسيسي، فيتبع المُمضى سعة وضيقاً، فإذا كان الممضى ضيّقاً، فحينئذٍ لا يتمسّك بإطلاق حرفية الدليل وإنما يتبع ضيق القاعدة الارتكازية. 

وهذا المعنى إنما كان يتمّ في مثل دليل البراءة؛ لأن قاعدة (قبح العقاب) 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بعد كونها قاعدة عقلائية مركوزة تجعل للدليل ظهوراً في الإمضاء على حدّ ظهور أدلّة حجّية خبر الثقة بالإمضاء عندهم، وحينئذ فيتبع الممضى في السعة والضيق، وحيث إن البراءة العقلائية لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص فالبراءة الشرعية أيضاً لا تشمل. 

وهذا بخلاف قاعدة الاستصحاب وأصالة الطهارة الشرعية، فإنه لا يوجد كبرى مماثلة بالنسبة إلى كلٍّ منهما. أما الاستصحاب فواضح؛ لأن عدم نقض اليقين بالشكّ ليس من القواعد المركوزة في الأذهان العقلائية. ولهذا لم نقبل، وسوف يأتي أنهم لم يقبلوا الاستدلال على الاستصحاب بالسيرة العقلائية. فالاستصحاب ليس مركوزاً في الأذهان العقلائية بدرجة من الارتكاز، بحيث يوجب كون دليل الاستصحاب ممضياً لها وكاسباً ظهوراً ثانوياً في إمضاء تلك القاعدة، بل هي قاعدة من القواعد الشرعية التي جعلها الشارع في مقام تشخيص الوظيفة تجاه تكاليفه الواقعية، فمن هذه الناحية لا مانع من التمسّك بإطلاقها. 

وكذلك الحال في دليل أصالة الطهارة، فإنه لا يوجد هناك كبرى من هذا القبيل مركوزة في الأذهان العقلائية، بحيث يكون دليل أصالة الطهارة إمضاءً لها. 

نعم، قد يمكن أن يقال: بأن أصالة الطهارة مرجعه بحسب الحقيقة إلى البراءة والإعفاء من الأحكام الإلزامية المترتّبة على النجاسة، إذن فهو أيضاً مركوز في الأذهان العقلائية، ويكون هذا الدليل إمضاءً لقاعدة البراءة 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

العقلائية بمقدار موارد الطهارة والنجاسة، فيأتي فيه أيضاً قرينية الارتكاز والظهور في الإمضاء بالنحو الذي تقدّم في دليل البراءة. 

إلّا أن هذا الكلام غير صحيح. فإن دليل أصالة الطهارة لا يقوم فقط بوظيفة البراءة، وإنما يقوم بوظائف أخرى مهمّة لا تقدر عليها البراءة. بل لولا أصالة الطهارة لكان الجاري عند العقلاء والعقل أصالة الاشتغال دون البراءة. فمثلاً دليل أصالة الطهارة يحرز وجود الشرط للواجب في الموارد التي يعلم بتعلّق التكليف فيها بالوضوء بالماء الطاهر مثلاً، فإنه لو شكّ بأن هذا الماء طاهر أو ليس بطاهر، فهذا ليس مجرىً للبراءة عقلائياً، بل مجرىً لأصالة الاشتغال؛ للعلم بوجوب الوضوء بالماء الطاهر، والشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وهنا أصالة الطهارة تؤمّن من هذه الناحية، فدليل أصالة الطهارة يؤمّن في موارد تجري فيه أصالة الاشتغال العقلائية، وليس مخصوصاً بخصوص البراءة العقلائية من قبيل التأمين عن حرمة شرب الماء المحتمل النجاسة، فإنه هنا تجري البراءة العقلائية. لا يختصّ بذلك حتّى يقال: إن دليل أصالة الطهارة شعبة من دليل البراءة، فما يقال في الأصل يقال في الشعبة. بل هو قاعدة تأسيسية من قبل الشارع، وعليه فلا يأتي عليها دعوى الظهور وقرينية الارتكاز. 

فالوجه الأوّل لا يأتي لا بلحاظ الاستصحاب ولا بلحاظ دليل أصالة الطهارة. 

وأما الوجه الثاني: وهو إيقاع المعارضة بين إطلاق دليل الاستصحاب أو 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

دليل أصالة الطهارة لِما قبل الفحص، وبين إطلاق قوله تعالى حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ بناءً على ما بيّناه من أن البيان يصدق في حالة وجود الحجّة في كتاب (الوسائل) وإن لم يفتحه. فمقتضى إطلاق الآية أن الحجّة على النجاسة أو على التكليف المستصحب العدم إذا كانت موجودة في كتاب (الوسائل) فإن الله تعالى يعاقب على حسابه ويسجّل ويكلّف ويضلّ، وهذا ينافي مع جريان البراءة، فيقع التعارض بينهما. 

هذا الكلام في المقام يأتي أيضاً، يوقع التعارض ثُمّ يقدّم إطلاق القرآن على إطلاق السُنّة، كما هي القاعدة المتّبعة عندنا متى ما تعارض إطلاق القرآن مع أمثال هذه الأدلّة(1)

هذا هو الوجه الثاني، وهو يأتي في المقام إذن. 

الوجه الثالث: احتمال القرينة المتّصلة بلحاظ شدّة اهتمام الشارع بإيصال التكاليف، وإفناء الشكّ في التكليف في الشبهات الحكمية. وهذا الوجه لا يفرّق فيه بين البراءة وبين دليل الاستصحاب ودليل أصالة الطهارة. 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() وهنا قلت له: لكن الآيات تدلّ على خصوص البراءة دون الاستصحاب والأصول الأخرى.

فأجاب (سلّمه الله): نعم، ولكنّ الاستثناء إثبات، إذ يقول: حيث لا يبيّن لهم فالبراءة تجري، وحيث يبيّن لهم يضلّهم، يعني يكتبهم ضُلّالاً إذ يخالفون، ويكون التكليف مسجّلاً عليهم، وهذا كما ينافي مع البراءة ينافي مع الاستصحاب وسائر الأصول المؤمّنة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الوجه الرابع: حكم العقل، … بعد تحويله إلى حكم العقلاء يرجع إلى الوجه الأوّل، وقد تقدّم الكلام فيه. 

الوجه الخامس: دعوى أنه قبل الفحص نحتمل وجود حجّة على التكليف الإلزامي أو على النجاسة -مثلاً-، فيكون التمسّك بالعموم تمسّكاً بالعموم في الشبهة المصداقية، بناءً على ما هو المختار من أن دليل الحجّية بوجوده الواقعي يخصّص دليل الأصل لا بوجوده الواصل. هذا الكلام لو تمّ هناك يأتي هنا. وكما يحتاج هناك إلى تتميم بالعلم الإجمالي، كذلك هنا، إذ لو لا العلم الإجمالي بورود الحجّة يمكن أن نجري استصحاب عدم مجيء الحجّة، فننقّح بذلك موضوع البراءة أو الاستصحاب أو أصالة الطهارة. 

الوجه السادس: هو العلم الإجمالي بوجود تكاليف، وهو كما يمنعه عن جريان أصالة البراءة بأيّ وجه قلناه قبل الفحص، كذلك يمنع عن جريان الاستصحاب قبل الفحص. نعم، هل يمنع عن جريان أصالة الطهارة؟ قدّمنا هنا إشكالين: الثالث والرابع. وقلنا بأن العلم الإجمالي لا يمنع عن جريان أصالة الطهارة على مسلك مشهوري. وتوضيحه في محلّه. 

الوجه السابع: هو الدلالة الالتزامية لدليل الحجّية، فالدليل الدالّ على حجّية خبر الثقة يدلّ بالالتزام على وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعية لهذا الدليل. هذا بنفسه أيضاً يأتي في المقام. فإن الدليل الدالّ على حجّية خبر الثقة يدلّ على وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعية لهذا الدليل، فإذا شكّ في أنه هل ورد خبر ثقة على النجاسة أو لا، أو يدلّ على انتقال الحالة السابقة أو لا؟ 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فمقتضى دليل الحجّية وجوب الاحتياط، بمعنى الفحص والتثبّت من أنه هل ورد مثل هذا الدليل أو لا؟ 

الوجه الثامن -وقد كان من أهمّ الوجوه- وهو الأخبار الدالّة على وجوب التعلّم.

والوجه التاسع: وهو الأخبار الدالّة على وجوب التوقّف.

وكلا هذين الوجهين يجري في أصالة الطهارة بلا إشكال، لأن مقتضى إطلاقات أدلّة وجوب التعلّم والسؤال، وإطلاقات وجوب التوقّف، عدم جواز البناء على الطهارة ظاهراً، ومعاملته معاملة الطاهر. 

نعم، قد يقال: إن النسبة بينهم وبين خصوص دليل أصالة الطهارة هي العموم من وجه، بخلاف دليل البراءة فإنه مستوعب، يعني: دليل السؤال ودليل التوقّف ورد في مورد البراءة، ولكنّه لم يرد في خصوص موارد أصالة الطهارة، فتكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، بأن يقال مثلاً: بأن دليل أصالة الطهارة يقتضي عدم التوقّف وعدم التعلّم وإجراء أصالة الطهارة حتّى قبل الفحص بمقتضى إطلاقه. ودليلي وجوب التعلّم والتوقّف يقتضيان الفحص حتّى في شبهات الطهارة، فتكون النسبة ما بينهما هي العموم من وجه. 

قد يقال هذا، إلّا أن هذا المطلب لا ينفع في تقديم دليل وجوب التوقّف والسؤال على ذلك الدليل، وذلك لأن دليل وجوب التعلّم بحسب الجمع العرفي أقوى ظهوراً من دليل أصالة الطهارة؛ إذ لم ندّعِ أن له نظراً إلى تمام المؤمّنات الشرعية، ولساناً يقتضي أن الشكّ قبل الفحص ليس مؤمّنا عنه بوجه 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

من الوجوه. إن لم يكن له مثل هذا النظر فلا أقلّ من أن يدّعى أنه بحسب الظهور العرفي أقوى من دليل أصالة الطهارة. وأن التخصيص فيه أبعد من التخصيص في دليل أصالة الطهارة. 

على أنه سلّم التعارض والتساقط، فلا يرجع بعد هذا إلى دليل يقتضي أصالة الطهارة من هذه الناحية، فلا يمكننا إثبات الطهارة من ناحية أخرى. هذا بالنسبة إلى أصالة الطهارة. 

وأما بالنسبة إلى دليل الاستصحاب فقد يتوهّم في المقام أن دليل الاستصحاب حاكم أو رافع لموضوع تلك الأخبار؛ لأن موضوعها هو الشبهة والشكّ، إذ يقول: إذا شككت فتوقّف، أو إذا شككت فتعلّم، ودليل الاستصحاب يجعله عالماً، ويخرجه عن كونه شاكّاً، فيكون رافعاً لموضوع تلك الأخبار. 

إلّا أن هذا الكلام غير صحيح، وذلك: إما في الأخبار الدالّة على وجوب التوقف، فهي بنفسها تنفي الاستصحاب؛ لأن معنى وجوب التوقّف هو النهي عن البناء على أحد طرفي الشكّ، وهذا النهي بإطلاقه الشامل لموارد الاستصحاب ينفي الاستصحاب لا محالة(1). ولهذا ذكرنا في بحث البراءة: أن دليل الاستصحاب يقع طرفاً للمعارضة مع أخبار التوقّف لو تّمت، لا أنه يكون حاكماً عليها. 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() لأن الاستصحاب حتى لو سلّم بأن المجعول منه هو الطريقية، فهو تتميم لأحد طرفي الشكّ والنهي عن البناء على أحد طرفي الشكّ هو. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وكذلك الحال بالنسبة إلى الأخبار الدالّة على وجوب السؤال والتعلّم، فإن عنوان السؤال والتعلّم لا يصدق بالنسبة إلى الاستصحاب، وموضوع السؤال والتعلّم هو التكليف الواقعي. فإنه لا يجوز مخالفة الناشئة من ترك السؤال والتعلّم. والاستصحاب لا يجعل المخالفة مخالفة غير ناشئة من ترك السؤال والتعلّم، بل حتّى مع جريانه لو وقعنا في المخالفة وأجريناه قبل الفحص، لكانت المخالفة مخالفة ناشئة من ترك السؤال والتعلّم؛ لأن نفس الاستصحاب العلم التعبّدي لا يصدق عليه أنه سؤال أو تعلّم. وحينئذٍ لا إشكال من هذه الناحية في اقتضاء أدلّة وجوب السؤال والتعلّم، وعدم جريان الاستصحاب. 

وعلى أيّ حال، فقد تلخّص مما تقدّم أن تمام الأصول المؤمّنة في الشبهات الحكمية لا تجري قبل الفحص. 

هذا هو حال التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة.

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 



التنبيه الثالث: في استحقاق العقاب 

 

لا إشكال في استحقاق العقاب في الجملة لو ترك الفحص وقصر وخالف الواقع، لكن وقع الكلام في أن استحقاق العقاب هل يكون على التكليف الواقعي الذي لم يفحص عنه، أو على مخالفة خطاب وجوب الاحتياط قبل الفحص، أو وجوب الفحص، هذا الخطاب الآخر الذي به التزمنا بوجوب الفحص؟ 

فقيل: إن استحقاق العقاب كان على مخالفة الخطاب الواقعي المتروك فحصه. وقيل: إن الاستحقاق يكون على مخالفة الخطاب الآخر.

الفائدة(1) في أن الملاكات غير متلازمة. لو فرض أن الملاك هو وجوب التعلّم بما هو وجوب التعلّم، أي: وجوب الفحص بما هو كذلك، فبمجرّد أن يترك الفحص يستحقّ العقاب، سواء ابتلى بمخالفة الواقع. وأما لو بان الملاك هو مخالفة التكليف الواقعي، فلو ترك الفحص ولم يخالف التكليف الواقعي لا يستحقّ عقاب العصيان. نعم، على القول بالتجرّي يستحقّ عقاب التجرّي. وحيث إن الملاكات غير متلازمة يمكن أن يفرض أن هذا الملاك موجود دون ذاك أو العكس. نعم، في مورد تكون الملاكات متلازمة، لا يوجد أثر عملي. انتهى الجواب. وهنا أضاف على القولين السابقين: 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: عن فائدة هذا البحث: الفائدة… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 [كلام المحقق النائيني]

وقيل -وهذا هو ما أفاده المحقّق النائيني– إن العقاب ليس على ذاك في نفسه ولا على هذا في نفسه. أما أن العقاب ليس على مخالفة الخطاب الواقعي في نفسه، فلأن هذا الخطاب غير مبيّن بل هو مشكوك بحسب الفرض، وغير واصل إلى المكلّف، فيكون تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فيستحيل أن يكون العقاب على الواقع مع أن الواقع غير مبيّن. ومجرّد أن المولى حكم بوجوب الاحتياط تجاهه، أو بوجوب الفحص، لا يجعل غير المبيّن مبيّناً، فدعوى استحقاق العقاب على مخالفة نفس التكليف الواقعي بما هو، غير معقول؛ لمنافاته مع كونه لا مبيّناً ومع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان. كما أن دعوى: أن تكون المعاقبة على مخالفة الخطاب الآخر بما هو، أيضاً غير صحيح؛ لأن الخطاب الآخر طريقي وليس خطاباً نفسياً، فإن الظهور العرفي في مثل الأوامر بالتعلّم والسؤال والاحتياط ونحو ذلك من العناوين التي يكون لها دخل في التوصّل إلى امتثال تكليف آخر، الظهور العرفي لها أنها مأمور بها بالمعنى الحرفي لا بالمعنى الاسمي، والأمر بالمعنى الحرفي كاشف عن الملاك فيها أيضاً بالمعنى الحرفي، ومرجع ذلك إلى التحفّظ على الملاكات الواقعية، إذن فهذا خطاب طريقي، والخطابات الطريقية لا يستحقّ العقاب على مخالفتها بما هي. 

إذن فلا يمكن أن يقال باستحقاق العقاب لا على الخطاب الواقعي؛ لأنه بلا بيان، ولا الطريقي؛ لأنه لا عقاب عليه. بل العقاب يكون على المجموع المركّب منهما، أي: على ترك التعلّم أو ترك الاحتياط أو ترك الفحص بقيد أن 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

يكون مؤدّياّ إلى تفويت الواقع. وهذا الترك الخاصّ: ترك التعلّم المؤدّي إلى مخالفة الواقع، حيث إنه لما يُنظر إليه بعين الخطاب الطريقي واصلاً فلا يأتي إشكال قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، ولمّا يُنظر إليه بعين الخطاب النفسي، فلا يأتي عليه إشكال أن الخطاب الطريقي لا عقاب عليه. هذا حاصل ما أفاده المحقّق النائيني في التقريرات(1)

هذا الكلام قد يتراءى في بادئ الأمر أنه لا محصّل له؛ لأنه إذا كانت مخالفة الخطاب الواقعي يستحيل العقاب عليها في نفسها، ومخالفة الخطاب الطريقي يستحيل العقاب عليها في نفسه، فضمّ ما لا يمكن العقاب عليه إلى ما لا يمكن العقاب عليه، كيف ينتج موضوعاً يمكن العقاب عليه؟! إلّا أنه سوف يظهر في المرحلة الثالثة من كلامنا مع المرزا أن هذا كلام متين، لو تنزّلنا عن الإشكال الوارد عليه في المرحلتين الأولى والثانية. فلنا ثلاث مراحل مع المرزا.

[مناقشة ما أفاده المحقق النائيني] 

المرحلة الأولى

هي أنه لماذا لا يقال: بأن استحقاق العقاب على مخالفة الواقع بما هو هو بلا حاجة إلى ضمّ مخالفة أخرى إليه. وهذا لا يوجد عليه إشكال إلّا ما ذكره المرزا 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: العقاب يكون على مخالفة الخطاب الطريقي المؤدّية إلى مخالفة الواقع، وإن كان العبارة فيها تذبذب؛ إذ يقول أحياناً: ويمكن أن تعبّر بأنه مخالفة الواقع التي تنشأ من ناحية مخالفة الطريق. كأن ملاك اندفاع المحذور في نظره هو عنوان الجمع، أما التركيز على ركنية أحدهما، فهو غير موجود في عبائر التقريرات. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

من أن التكليف الواقعي، حيث إنه غير واصل فيستحيل العقاب عليه؛ لأنه عقاب بلا بيان. إلّا أن هذا الكلام غير صحيح، لا لأجل إنكار قاعدة (قبح العقاب..) رأساً كما هو الحال على مسلكنا، بل إضافة إلى ذلك أو يقطع النظر عن ذلك، أي: لو سلّمنا قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) فلا إشكال في أننا لا نسلّمها في موارد الشكّ قبل الفحص، ولهذا قلنا بأن البراءة العقلية -حتى عند من يقول بها- لا تجري في موارد الشكّ قبل الفحص:

أما بدعوى: أن نفس احتمال الواقع قبل الفحص يكون بياناً في نظر العقل، ويكون منجّزاً ومخرجاً للمورد عن اللا بيانية. فلا تكون قاعدة قبح العقاب جارية جزماً. 

وأما بدعوى: أن البيان المأخوذ عدمه في قاعدة قبح العقاب ليس المراد منه خصوص البيان بالفعل، بل البيان الذي في معرض الوصول، وحيث إن المفروض أن البيان في معرض الوصول موجود في كتاب (الوسائل)، فأيضاً قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) غير جارية. 

فعلى كلّ حال لا بُدّ من الالتزام بعدم جريان قاعدة قبح العقاب، واشتراط الفحص في البراءة العقلية. ومعه لا معنى للاعتراض بأن مخالفة التكليف الواقعي يستحيل العقاب عليها؛ لأن ذلك منافٍ (قبح العقاب بلا بيان). 

وكأنّه وقع خلط بين وجوب الاحتياط هنا ووجوبه في الشبهات البدوية. فإنه في الشبهات البدوية لو حكم بوجوب الاحتياط، فأيضاً هناك بحث في أن العقاب على مخالفة الواقع أو على مخالفة نفس خطاب وجوب الاحتياط. 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وهناك يمكن للمرزا أن يقول بأن العقاب لا يمكن أن يكون على مخالفة الواقع؛ لأن الواقع حيث إنه مشكوك بنحو الشبهة البدوية بعد الفحص، فتجري عنه قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، ومجرّد إيجاب الاحتياط لا يجعل غير المبيّن مبيّناً أو غير الواصل واصلاُ. هناك قد تأتي هذه الشبهة وأما في محلّ الكلام حيث إن المفروض أن الشكّ قبل الفحص، وأن البراءة العقلية لا تجري في مثل ذلك، وإذا لم تكن جارية فمعناه أنه لا قبح في العقاب على مخالفة الواقع، ومعنى عدم القبح في ذلك هو الاستحقاق، إذ لولاه لكان قبيحاً؛ لأن معاقبة شخص لا يستحقّ أمر قبيح. فمعنى عدم قبح العقاب، استحقاقه على مخالفة الواقع وتنجيز الواقع عليه. 

فهذا الكلام منه لا يناسب إلّا مع مبنى من قبيل مبنى حاج شيخ محمّد حسين الأصفهاني الذي يلتزم بأن قاعدة قبح العقاب جارية حتّى في موارد الشكّ قبل الفحص. وأما بناءً على ما أفاده هو وسائر المحقّقين المؤمنين بالبراءة العقلية، ما أفادوه من أن البراءة العقلية لا موضوع لها، ولا تجري قبل الفحص بأحد البيانين المذكورين. فلا معنى لمثل هذا الكلام. 

إذن فبناءً على إنكار البراءة العقلية إما مطلقاً وإما في خصوص موارد الشكّ قبل الفحص، لا بُدّ وأن يقال: إن المكلّف يستحقّ العقاب على مخالفة التكليف الواقعي متى صدرت منه. ثُمّ لو قيل بأن وجوب التعلّم أو وجوب الفحص وجوب نفسي، فيستحقّ عقاباً آخر حينئذٍ، بحيث يعاقب بعقابين: عقاب على ترك التعلّم وعقاب على مخالفة التكليف الواقعي، وإن قيل بأنه 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

طريقي وليس نفسيا -كما هو الظاهر من أدلّته- فينحصر ملاك العقاب في ناحية الواقع. هذه هي المرحلة الأولى من الكلام مع المرزا. 

المرحلة الثانية

لو قطعنا النظر عمّا قلناه في المرحلة الأولى، وسلّمنا بأن قاعدة قبح العقاب جارية حتّى في موارد الشكّ قبل الفحص، كما عليه ذوق حاج شيخ، فهل يتمّ ما ذكره المرزا من أنه يستحيل أن يكون استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي؛ لأنه عقاب على المجهول فيدخل تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

هذا أيضاً غير صحيح على مبناه، وذلك: لأن المرزا في مسألة الشكّ قبل الفحص، استدلّ على وجوب الاحتياط فيه بالعلم الإجمالي بالتكاليف الواقعية في كتاب (الوسائل)، وأنكر انحلال هذا العلم الإجمالي، وذكر أنه ينجّز تمام التكاليف الموجودة في كتاب (الوسائل). وحينئذٍ فهنا تكون التكاليف الواقعية مبيّنة، غاية الأمر أنها مبيّنة بالعلم الإجمالي، ولا إشكال في أن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) لا تجري في موارد العلم الإجمالي، فإنه لو سلّم جريانها في الشبهة البدوية حتّى قبل الفحص، فلا نسلّم جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في موارد العلم الإجمالي. ولهذا يقول المرزا وغيره بأن العلم الإجمالي منجّز ومصحّح للعقاب على الواقع، وقد فرغنا أن العلم الإجمالي منجّز وبيان ورافع لموضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وحيث إن المرزا يعترف بوجود العلم الإجمالي في موارد الشكّ قبل الفحص وينكر انحلاله، إذن فهو يكون منجّزاً 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

للتكاليف الواقعية. إذن فالتكاليف الواقعية خرجت من دائرة اللا بيان إلى البيان بلحاظ هذا العلم الإجمالي غير المنحلّ، فيصحّ العقاب على التكليف الواقعي من دون اصطدام مع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

فما المانع من أن يقال: إن استحقاق العقاب يكون على مخالفة التكليف الواقعي الواصل بالعلم الإجمالي، والعلم الإجمالي نحو بيان في المقام، فهذا الكلام منه أيضاً غير منسجم مع مبناه. 

هذه هي المرحلة الثانية من الكلام مع المرزا. 

المرحلة الثالثة

لو سلّمنا أن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) تجري في جميع موارد الشكّ حتّى قبل الفحص، وفرضنا أنه لا علم إجمالي -اخترنا مثلاً انحلاله- وهو شيء لا يقبله المرزا، -لكنّنا اخترناه- فالشكّ قبل الفحص يكون شبهة بدوية غير مفروضة بالعلم الإجمالي، ويكون التكليف الواقعي مجرىً لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

حينئذٍ يصحّ من المرزا أن يقول: بأنه يستحيل استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي؛ لأن هذا التكليف داخل تحت كبرى البراءة العقلية، وهذا الشيء الذي نفرضه هنا تنزّلاً هو موجود حقيقة عند القائلين بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في موارد الشبهة البدوية بعد الفحص، الذي هو مورد الاحتياط عند الإخباري. فإنه هناك يقال: بأن استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي غير معقول؛ لأنه يكون داخلاً تحت كبرى قاعدة (قبح 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

العقاب بلا بيان). إذن فالعقاب على ماذا؟ ويقع القائلون بقاعدة قبح العقاب في مضيقة من هذه الناحية لو لا البيانان اللذان ذكرناهما في بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقي، إذ يصلح أيٌّ منهما أن يكونا مخلصاً فنّياً من المضيقة. 

فإن العقاب على التكليف الواقعي بملاحظة خطابه من دون ملاحظة الخطاب الثاني، غير معقول؛ لأنه مجرىً للبراءة العقلية، واستحقاق العقاب على مخالفة الخطاب الثاني بما هو بلا ملاحظة الخطاب الأوّل غير صحيح؛ لأنه خطاب طريقي لا نفسي. فمن هنا يقول بأن المخالفة تكون بلحاظ ضمّ كِلا الخطابين أحدهما إلى الآخر بنحوٍ من أنحاء الضمّ. وبهذا الضمّ يتحقّق ملاك استحقاق العقاب. 

وبيان ذلك تقدّم منّا في بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقي وأعيده الآن مرّة أخرى: 

هنا تصويران لاستحقاق العقاب بناءً على مباني قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) -ذكر السيّد تصويراً واحداً منهما- وهو أن يقال: 

بأن التكاليف المشكوكة على قسمين: فإنه تارةً يكون التكليف مشكوكاً، وتكون أهمّية هذا التكليف على فرض وجوده أيضاً مشكوكةً. وأخرى أيضاً مشكوكاً، ولكن أهمّيته على فرض وجوده معلومة، بحيث نعلم أنه على فرض وجوده فالشارع مهتمٌّ به ولا يرضى بتفويته. فالشكّ قد يكون مركّباً كالأوّل، وقد يكون بسيطاً كالثاني. 

فحينئذٍ يمكن للمؤمنين بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) أن يقولوا: إنه موضوع هذه القاعدة هو أن لا يكون هناك بيان على أصل التكليف، أو بيان 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

على أهمّيته على تقدير وجوده. فإن كان كلٌّ من أصل التكليف وأهمّيته على تقدير وجوده مشكوكاً، اجتمع الشكّان، فتجري قاعدة قبح العقاب. فموضوعها مجموع الشكّين. أما إذا انتفى أحد الشكّين بأن كان أصل التكليف معلوماً، أو أن أهمّيته على تقدير وجوده كانت معلومة وإن كان أصله مشكوكاً، فيكون البيان تامّاً ولا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان. 

إذا صيغت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بهذا النحو، فحينئذٍ ففي الموارد التي يصل فيها أصل التكليف الواقعي، يرتفع موضوع القاعدة؛ لأن أصل التكليف معلوم. وفي الموارد التي يكون التكليف الواقعي غير واصل لكن علمنا بأهمّيته على تقدير وجوده، علمنا به بخطاب (اِحتط في دينك)، فخطاب وجوب الاحتياط كشف لنا عن أهمّية تقديرية، فإنه لم يكشف لنا عن الواقع كحرمة شرب (التتن)، بل كشف لنا عن أهمّيتها على تقدير وجودها. فهنا أيضاً ترتفع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

وحينئذٍ بناءً على هذا يستحقّ العقاب على مخالفة التكليف الواقعي، لكن منضمّاً إليه الخطاب الظاهري. فإنه لم يكن يستحقّ العقاب على مخالفة التكليف الواقعي لولا العلم بأهمّيته على تقدير وجوده، وهذا العلم حصل بلحاظ الخطاب الظاهري. فالمجموع المركّب من الخطاب الواقعي والخطاب الظاهري تمّم ملاك العصيان في المقام. لا أحدهما بالخصوص. أما الخطاب الظاهري وحده؛ فلأنه ليس له ملاك مستقلّ، والعصيان إنما يكون بلحاظ تفويت غرض المولى، وهو إنما هو قائم في الخطاب الواقعي لا الظاهري. وأما أن الخطاب الواقعي وحده لا يصحّح العقاب العصياني؛ فلأنه وحده لا يكشف عن الأهمّية على تقدير الوجود، 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وإنما كان ذلك بالخطاب الظاهري. فالمجموع منهما هو الذي تمّم ملاك قاعدة(1) (قبح العقاب بلا بيان). فمن هنا صحّ للمرزا -في المرحلة الثالثة- أن يقول: إن ملاك استحقاق العقاب يتكون من المجموع(2) المركّب من الخطاب الواقعي والظاهري. ولا تأتي مغالطة أن ضمّ ما لا يعاقب عليه إلى ما لا يعاقب عليه لا ينتج ما يعاقب عليه، فإن هذا ليس برهاناً، فإن ضمّ ما لا يكون ملاكاً مستقّلاً إلى ما لا يكون ملاكاً مستقّلاً قد ينتج ملاكاً مستقّلاً. 

هذا أحد التصويرين على استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي المشكوك بناءً على جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. 

إلا أننا نحن في فسحة من هذا التصوير؛ لأننا لا نؤمن بقاعدة قبح العقاب كلّية، ولا نؤمن بها في خصوص موارد الشكّ قبل الفحص. فمن هنا نقول: بأن العقاب على مخالفة التكليف الواقعي، وذلك: لأن التكليف الواقعي في نفسه داخل في دائرة حقّ الطاعة وحقّ المولوية؛ لعدم جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بالنسبة إليه، وحيث إنه داخل في دائرة حقّ الطاعة، فالعقل يستقلّ بالمعاقبة على مخالفته ما لم يحصل هناك ترخيص من قبل الشارع، والمفروض أن أدلّة البراءة الشرعية لم تشمل موارد الشكّ قبل الفحص، فالعقاب يكون على الواقع على القاعدة بلا إشكال ولا تعمّل. هذا هو تمام الكلام في هذا التنبيه. 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

() أي: ملاك البيانية وصحّة العقاب لا محالة، كما هو المقصود إثباته. (المُقرِّر).

() لأن الخطاب الواقعي يعطي تفويت الغرض، والخطاب الظاهري يعطي بيان الأهمّية على تقدير الوجود، فيتمّ بذلك موضوع استحقاق العقاب العصياني. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 



التنبيه الرابع: في الاستحقاق فيما إذا كان الواقع                              بحيث يظفر به

 

التنبيه الرابع: تبيّن في التنبيه السابق أن استحقاق العقاب هو على مخالفة الواقع، لا على مجرّد مخالفة ترك الفحص وترك التعلّم، وهذا التنبيه معقود لبحث نقطة، وهي: أن المكلّف إذا ترك الفحص ابتلى بمخالفة الواقع، فهل يستحقّ العقاب على مخالفة الواقع على كلّ حال، أو لا يستحقّ العقاب على مخالفة الواقع، -إلّا إذا كان الواقع بحيث لو فحص عنه لظفر به- فلو لم يكن هكذا كما لو شكّ في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وتركه قبل أن يفحص، وكان هذا الوجوب عارياً عن الدليل في كتاب (الوسائل). فهنا هل يستحقّ العقاب أو لا يستحق؟ يستحقّه أنه بلحاظ خالف الواقع من جرّاء ترك فحصه وتعلّمه، ولا يستحقّ من ناحية أن هذا الواقع سنخ واقع لم يكن في معرض الوصول، ولو فحص لَما وصل إليه أيضاً فتركه للفحص لم يكن له أثر في تبعيده عن الواقع. 

قد يقال -كما أفاده المحقّق النائيني على ما في التقريرات-: إن استحقاق العقاب على الواقع حيث يحتاج إلى منجّز، فهذا المنجّز إن كان هو العلم الإجمالي 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

-بأن بنينا على ما هو مبنى المرزا من وجود علم إجمالي لا ينحلّ بالتكاليف الواقعية، ويكون منجّزاً لتمام أطرافه- إذا بنينا على هذا فينبغي في المقام أن يحكم باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع على كلّ حال، سواء كان على طِبق الواقع روايةٌ في معرض الوصول لو فحص عنها لوجدها أو لم تكن. وذلك: لأن المنجّز للواقع ثابت على كلّ تقدير، وهو الطرفية للعلم الإجمالي، فهذه الشبهة وهي وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أصبحت طرفاً للعلم الإجمالي المنجّز للواقعيات على واقعها. وحينئذٍ حيث إن المنجّز فعل على أيّ حال، فلا بُدّ من أن يفرض الالتزام باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع على كلّ تقدير. 

نعم، لو بنى على مسلك آخر، وقُطع النظر عن العلم الإجمالي، وقيل بأن الشبهة قبل الفحص من قبيل الشبهة البدوية، ولكنّها منجّزة بوجوب طريقي، بوجوب الفحص والتعلّم، لو قيل هذا فبالإمكان أن يقال حينئذٍ أن هذا الوجوب الطريقي لا ينجّز الواقع فيما إذا لم يكن حجّة في معرض الوصول على ذلك الواقع؛ لأن هذا الوجوب الطريقي طريق إلى الحجّة لا طريق إلى الواقع ابتداءً، فإنه إيجاب للفحص عن الحجّة في الواقع لا روح في هذا الوجوب الطريقي(1).

وأما على مسلك العلم الإجمالي، فلا يفرّق بين أن يكون على طبقه حجّة في معرض الوصول أو لا؛ لأن الطرفية للعلم الإجمالي ثابتة على كلّ حال وهي ميزان التنجيز. هذا خلاصة ما أفاده المحقّق النائيني. 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() فلا يكون هذا الحكم الطريقي منجّزاً، إلّا إذا كانت هناك رواية في معرض الوصول على ذلك التكليف الواقعي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

التحقيق في ذلك

إلّا أن التحقيق: هو أن هذا مما لا يمكن المساعدة عليه، بل إن الأمر قد يكون بالعكس تماماً مما أُفيد، قد يكون المسلك الأوّل منتجاً للنتيجة المدّعاة للمسلك التالي وبالعكس. 

وتحقيق الكلام في ذلك: هو أننا تارةً نبني على وجوب الفحص وتنجّز الواقع بالعلم الإجمالي -كما بنى عليه المرزا والمحقّق العراقي-، وأخرى نعامل مع الشكّ قبل الفحص معاملة الشبهة البدوية، ومع هذا نقول بتنجّز الواقع، وعدم جريان البراءة من جهة أخرى غير العلم الإجمالي. 

فإن فرض أننا نقول بالتنجّز من ناحية العلم الإجمالي، بحيث لولاه لَما قلنا بالتنجز، ويكون التنجّز منحصراً من ناحيته، بناءً على هذا يمكن أن يقال: بأنه لو فرض أن شبهة الدعاء عند رؤية الهلال خالية من الرواية في كتاب (الوسائل)، ولكن الوجوب ثابتٌ في الواقع، وتركه من دون فحص يمكن أن يقال: بأنه لا يستحقّ العقاب العصياني. وذلك: تمشياً مع مباني المرزا، فإن العلم الإجمالي بالتكاليف الواقعية المنجّز لأطرافه فرضناه منحلّاً عند المرزا وغيره بعلم إجمالي أصغر، وهو العلم الإجمالي بالتكاليف الواقعية في خصوص موارد الروايات والأخبار. وبهذا الانحلال ذكروا عدم وجوب الاحتياط بعد الفحص وعدم وجدان الدليل. 

فإذا قلنا بالانحلال وإن المعلوم الإجمالي الفعلي هو التكاليف الواقعية التي تكون موجودة في كتاب (الوسائل)، وهذا العلم الإجمالي، يحتمل قبل الفحص 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

انطباقه على كلّ شبهة، كشبهة الدعاء عند رؤية الهلال، فلا تجري الأصول المؤمّنة في أطراف العلم الإجمالي. 

ولكن لا مانع من جريان الأصول المؤمّنة عن غير المقدار المعلوم الإجمال، بعنوانه الإجمالي، أي: جريان الأصول المؤمّنة عن أيّ تكليف آخر غير التكاليف الموجودة في كتاب (الوسائل)؛ لأن المفروض أن العلم الإجمالي الكبير انحلّ بالصغير وانقلب إلى علم بمائة تكليف -مثلاً- في خصوص (الوسائل)، وشكّ بدوي في وجود تكليف أكثر من ذلك. فلا بأس بإجراء الأصول المؤمّنة عمّا زاد عن تلك المائة تكليف المعلومة إجمالاً بالعلم الإجمالي الصغير. كما هو مقتضى قانون انحلال الكبير بالصغير. 

وحينئذٍ، ففي كلّ شبهة يوجد في الحقيقة احتمالان: احتمال أن يكون فيها تكليف من التكاليف المعلومة بالعلم الصغير، أي: التي عليها رواية، واحتمال: أن يكون في هذه الشبهة تكليف زائداً على التكاليف المعلومة إجمالاً بالعلم الصغير، أي: تكليف ليس على طِبقه رواية. والاحتمال المنجّز من هذين الاحتمالين هو الاحتمال الأوّل دون الثاني، فإنه مجرىً للأصول المؤمّنة عقلاً وشرعاً -بناءً على تماميتهما-. وحينئذٍ فلو كانت شبهة الدعاء عند رؤية الهلال خالية في الواقع عن وجود رواية تكون دالّة على وجوبه، فبهذا يتبيّن أن هذه الشبهة ليست داخلة في المعلوم الإجمالي بالعلم الإجمالي للصغير، أي: إن الاحتمال المنجّز فيها لم يكن مطابقاً للواقع، بل الاحتمال المطابق للواقع هو الثاني؛ لأن الواقع هنا هو تكليف خالٍ من الرواية. فالاحتمال الذي كان منجّزاً 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

لا واقع لمحتمله، والاحتمال الذي يكون محتمله واقعاً ليس منجّزاً، بل هو تحت البراءة بعد انحلال العلم الإجمالي الكبير أصبح شكّاً بدويا فيكون تحت البراءة عقلاً وشرعاً، ولا محذور من مخالفته وإن كان مطابقاً للواقع. والاحتمال الأوّل وإن كان منجّزاً ولكنّه غير مطابق للواقع، والمفروض أننا لا نقول باستحقاق المتجرّي للعقاب بحسب مباني المرزا، إذن فهذا لا يستحقّ العقاب العصياني. وحينئذٍ لا يستحقّ العقاب العصياني، بحيث لو قلنا بأن التجرّي لا عقاب عليه، كما يقول المرزا صاحب هذه المقالة التي نناقشها. فحينئذٍ يُقال للمرزا: بأن مقتضى التحليل الفنّي للموقف هو أن هذا المؤمن لا يستحقّ العقاب في المقام. فبالدقّة لا بُدّ من المصير -على مسلك العلم الإجمالي لو قلنا بأن ملاك المنجّزية منحصر به- إلى عدم استحقاق العقاب العصياني لهذا المكلف. 

نعم، لو قلنا باستحقاق المتجرّي للعقاب، بناءً على ما تقدّم منا في محلّه من أن مناط استحقاق العقاب هو مخالفة المنكشف بما هو منكشف، وأما مصادفة الانكشاف للواقع وجوداً وعدماً فلا دخل لذلك في عالم استحقاق العقاب. بناءً على هذا يستحقّ هذا المؤمن العقاب، لكن على تجرّيه لا على عصيانه، على تجرّيه بلحاظ التكليف المحتمل بالاحتمال الأوّل الذي لا واقع له. 

إذن فما ذكره المرزا من اختيار استحقاق العقاب على مخالفة الواقع، حتّى فيما إذا لم تكن عليه رواية على طِبقه، بحيث تكون في معرض الوصول. هذا الذي ذكره مستدلّاً عليه بمسلك العلم الإجمالي، يتبيّن أن هذا المسلك على مبانيه ينتج العكس، وعدم استحقاق العقاب العصياني. هذا بناءً على أن يكون 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

مدرك تنجيز الواقع قبل الفحص هو العلم الإجمالي. 

وأما لو قطعنا النظر عن العلم الإجمالي، ونظرنا إلى الشبهة قبل الفحص بما هي شبهة بدوية. فحينئذٍ إما أن نقول: بأن الواقع المشكوك في المقام منجز عقلاً باعتبار عدم جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) إما لإنكارها رأساً، وإما لدعوى اختصاصها بما بعد الفحص وعدم جريانها قبله. وإما أن نقول: إنها تجري حتّى في موارد الشكّ قبل الفحص؛ لأنه قانون عقلي لا يقبل التخصيص، كما نسبنا ذلك إلى المحقّق الأصفهاني. بناءً على هذا لا بُدّ أن يكون المنجّز للواقع عبارة عن حكم الشارع بوجوب الاحتياط والتعلّم. فنتكلّم على كِلا التقديرين. 

أما على التقدير الأوّل: وهو أن يكون المنجّز للشبهة البدوية قبل الفحص منجّزاً عقلياً، وقصور قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) عن الجريان في موارد الشكّ قبل الفحص. ومعنى ذلك أن العقاب ليس قبيحاً في موارد الشكّ قبل الفحص. ومعنى أنه ليس قبيحاً وأنه مستحقّ هو: أن حقّ الطاعة ثابت والمولوية فعلية. فيترتّب عليه استحقاق العقاب، ولا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان. 

هؤلاء الذين أنكروا قاعدة قبح العقاب: أما أن يكونوا من قبيلنا بأن ينكر أصل هذه القاعدة، فبناءً على هذا يكون الاحتمال منجّزاً ابتداء للواقع بلا إشكال، فيتنجّز الواقع بمجرّد الاحتمال، والمفروض أن الاحتمال مطابق للواقع أيضاً فيستحق العقاب العصياني على كلّ حال من دون حاجة إلى ملاحظة كونه متجرّياً أو لا. بل يكون عقابه عصيانياً ويستحقّ العقاب على الواقع ولو لم تكن رواية عليه في معرض الوصول إلى المكلّف أصلاً. 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وأما لو أنكروا قاعدة قبح العقاب.. هنا، مع الاعتراف بها كلّية؛ باعتبار أنه هنا اللا بيان غير ثابت؛ لأن البيان موجود، فتكون منتفية بانتفاء موضوعها لا بانتفاء محمولها. فحينئذٍ ما هو البيان؟ تارةً يقولون: إن البيان هو مجرّد الشكّ(1) قبل أن يصبح الإنسان في مقام الفحص، الشكّ في غير هذا المقام يكون بياناً في نظر العقل. إن قالوا هذا فالكلام هو الكلام أيضاً. فيكون الاحتمال بنفسه منجّزاً للواقع، والمفروض أنه احتمال مطابق للواقع، فيستحقّ العقاب العصياني على كلّ حال، ولو لم يكن للواقع رواية في معرض الوصول إلى المكلف. 

وأما لو قالوا: بأن المراد من قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، يعني: بلا بيان في معرض الوصول، وقبل الفحص يكون شبهة مصداقية لها، لا أن موضوعها يكون منتفياً حقيقة على كلّ تقدير، بل يكون محتمل الانتفاء.

إذ هنا يحتمل وجود بيان في معرض الوصول، فيكون شبهة مصداقية للقاعدة، ومرجع هذا بحسب الحقيقة إلى أن حقّ الطاعة ومولوية المولى مقيّدة بأن تكون هناك رواية في معرض الوصول واقعاً. فالتكليف الذي تكون عليه رواية في معرض الوصول واقعاً هو الذي يكون حقّ الطاعة ومولوية المولى تامّة بالنسبة إليه، أما إذا لم يكن على طِبقه رواية في معرض الوصول فلا حقّ للطاعة ولا مولوية للمولى. 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() يعني الاحتمال الصادر من المكلّف، الواقع في مقام غير مقام وصول الأحكام إليه، هذا الاحتمال يكون منجّزاً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وقبل الفحص حيث إن الشبهة مصداقية، ولا يعلم أن حقّ الطاعة ثابت أو لا، وأنه هل يستحقّ العقاب أو لا يستحقّه، فيكون الفحص منجّزاً عليه من باب الفرار عن العقاب المحتمل. 

فهنا لو كان الدعاء عند رؤية الهلال واجباً، ولكن لم يكن عليه رواية في معرض الوصول، فهنا لا يستحقّ العقاب العصياني بلا إشكال، وذلك: لأن العقاب العصياني فرع تمامية حقّ الطاعة للمولى، والمفروض أن هذا الحقّ إنما يتمّ فيما إذا كان هناك رواية في معرض الوصول، أما إذا لم تكن رواية كذلك فقاعدة قبح العقاب جارية واقعاً وان لم يُحرز المكلّف موضوعها خارجاً. ومع جريانها يستحيل ثبوت حقّ الطاعة للتقابل فيما بينهما، وإذا لم يكن حقّ الطاعة ثابتاً فلا موجب لاستحقاق العقاب بنحو الاستحقاق العصياني. 

إذن فبناءً على هذا المسلك لا بُدّ أن يفصل بين ما إذا كانت هناك حجّة في معرض الوصول على الواقع، وبين ما إذا لم تكن. فإن كانت هناك حجّة كذلك فقاعدة قبح العقاب غير جارية، والواقع منجّز حينئذٍ. وإن لم يكن فقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) جارية في الواقع وإن لم يحرز المكلّف جريانها، ومعه يستحيل أن يفرض حقّ الطاعة للمولى؛ لأنه ينافي قبح العقاب من المولى. ومع عدم الحقّ للمولى لا بُدّ من المصير إلى عدم استحقاق العقاب العصياني. 

وأما استحقاق العقاب بملاك التجرّي، فهل يجري أو لا؟ استحقاقه بالملاك الذي بيّناه في بحث التجرّي لا يجري في المقام أيضاً، فإننا بيّنا هناك أن استحقاق العقاب منوط بحقّ الطاعة، وهذا الحقّ أوسع من موارد العصيان 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

والتجرّي، وليس لثبوت الواقع دخل فيه، بل تمام الموضوع لحقّ المولى على العبد هو انكشاف تكليف المولى لدى العبد بانكشاف منجّز، سواء كان الواقع موجوداً أو لم يكن. ولهذا قلنا في محلّه: إن استحقاق العقاب للمتجرّي بنفس ملاك استحقاق العقاب العاصي لا بملاك آخر. 

ذاك الملاك العرضي غير معقول في المقام؛ لأن مفروض المسلك أن لوجود الرواية التي هي في معرض الوصول دخلٌ في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، أي: دخل في حقّ الطاعة، فلا يمكن أن يفرض حينئذٍ أن حقّ الطاعة منوط بمجرّد احتمال وجود الرواية في معرض الوصول؛ لأن هذا خُلف المبنى. فذاك الملاك لاستحقاق العقاب للتجرّي لا يأتي في المقام، فلا بُدّ أن نتصوّر ملاكاً طولياً لاستحقاق العقاب للمتجرّي هنا، يعني: ملاكاً في طول ملاك استحقاق العقاب للعاصي لا نفسه. 

هذا كلّه بناءً على قصور قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) عن الشمول للشبهة. 

وأما إذا فرضنا أننا قلنا: إن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) تشمل الشبهة قبل الفحص أيضاً كما هو مسلك حاج شيخ، وإنما المنجّز هو الوجوب الطريقي المجعول من قبل الشارع، كوجوب التعلّم أو الفحص أو الاحتياط(1)، فحينئذٍ 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() فيجب أن نرى أن وجوب التعلم هل ينجّز الواقع ابتداء، أو ينجّزه بتوسيط الرواية؟ فعلى الأّول يستحقّ العقاب مطلقاً، وعلى الثاني لا يستحقّه إلّا إذا كانت هناك رواية (تكرار). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

هل يصحّح بذلك العقاب على مخالفة الواقع حتّى لو لم يكن عليه رواية في كتاب (الوسائل)، أو لا يصحّح العقاب من ناحية إلّا على الواقع الذي يكون عليه رواية في كتاب (الوسائل)؟ 

*****

انتهينا(1) إلى المسلك الثالث، وهو أن يقال: بأن الشبهة قبل الفحص بدوية، ومجرىً لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، غير أن المنجّز للواقع هو وجوب الاحتياط، وهو الحكم الطريقي المجعول من قبل الشارع، وبه نرفع يدنا عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

هنا قد يقال: -كما نقلنا ذلك عن تقريرات المرزا-: إن هذا الحكم الطريقي جعل بلحاظ احتمال وجود حجّة على الواقع، فالشارع أوجب الفحص والتعلّم بلحاظ احتمال حجّة في معرض الوصول، وبداعي التحفّظ على وصول هذه الحجّة على فرض وجودها في المعرض، لا بداعي التحفّظ على الواقع ابتداءً، وإلا لأوجب الاحتياط حتّى في موارد الشكّ بعد الفحص. فجعل وجوب التعلّم بعناية الشكّ قبل الفحص إنما يكون بلحاظ التحفّظ على الحجّة التي تكون في معرض الوصول، ولأجل رعاية احتمالها. وحينئذٍ فحيث لا يكون هناك حجّة في معرض الوصول، يكون هذا الحكم الطريقي فاقداً لروحه وحقيقته؛ لأنه تحفّظ على أمر موهوم لا واقع له، فلا يكون مثل هذا الحكم الطريقي منجّزاً وموجباً لاستحقاق العقاب العصياني. نعم، تدخل 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً عنوان المسألة ونتائجها السابقة: (المقرِّر)..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

المسألة في بحث التجرّي؛ لأن المكلّف لم يكن يدري أن الجهة التي جعل الشارع وجوب التعلّم عليها تحفّظاً عليها غير موجود في الواقع. 

إلّا أن التحقيق هو أن إيجاب الاحتياط في المقام وإن كان هو في الواقع في طول احتمال الحجّة، وفي المرتبة المتأخّرة عن الشكّ فيها، إلّا أنه مع هذا ينجّز الواقع ابتداءً، لا أنه ينجّز الحجّة أو ينجّز الواقع بمقدار ما تقوم عليه الحجّة المحتملة، بل هو ينجّز الواقع من دون أن يتوقّف هذا التنجيز على توسيط وجود تلك الحجّة المحتملة الواقعة في المرتبة السابقة على وجوب الاحتياط هذا. 

وهذا هو الشأن في جميع الأحكام الظاهرية عرضية أو طولية. فإنها في تمام مراتبها تنجّز الواقع ابتداءً وتؤمّن عنه ابتداءً. هذا المطلب يحتاج إلى شرح تصوّري وشرح تصديقي.

شرحه التصوّري: هو أننا نعلم أن الأحكام الظاهرية لها مراتب طولية، فمثلاً: إذا دلّ خبر الثقة على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فالشارع هنا يحكم بوجوب تصديق هذا الخبر وحجّيته. فهذا حكم ظاهري. ونحن قد لا تصل إلينا هذه الحجّية، ونشكّ في أن الشارع هل جعل خبر الواحد حجّة أو لا؟ فهذا شكّ جديد في طول تلك الحجّية، فيجعل هناك حكماً ظاهرياً جديداً، افرضوا أنه الاحتياط أو أنه البراءة. فهذا حكم ظاهري طولي؛ باعتبار وقوعه في المرتبة المتأخّرة عن الشكّ في الحكم الظاهري الأوّل. 

وفي هذا التسلسل الطولي قد يفرض أن الحكم الظاهري منجّز في كِلتا المرتبتين، كحجّية خبر الثقة الدالّ على الحكم الإلزامي في المرتبة الأولى، 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ووجوب الاحتياط عند الشكّ في هذه الحجّية في المرتبة الثانية. وقد يختلف الحال فيكون منجّزاً في إحدى المرتبتين، ويكون مؤمّناً في المرتبة الأخرى، كما لو جعلت البراءة فيما إذا شكّ في الحجّية وعدمها، فإن الحجّية تكون منجّزة في المرتبة الأولى، والبراءة مؤمّنة في الثانية. 

فهذه الأحكام الظاهرية بمراتبها الطولية تكون ناظرة إلى الواقع ومنجّزة له ابتداءً، بلا توسيط وجود الوسط في المقام، أو جود المرتبة السابقة. 

وأما شرح ذلك تصديقاً: فهو ينتزع من أبحاثنا السابقة، وسوف الخّصه في بيان أمرين: 

الأمر الأوّل: أننا ذكرنا تفصيلاً في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية: أن الحكم الظاهري سواء كان تنجيزياً أو تعذيرياً لا يوجد ملاك مستقلّ في متعلًقه، وإنما هو ناتج عن نفس ملاكات الخطابات الواقعية، فهذه الملاكات تنتج في المرتبة الواقعية خطاباً واقعياً، وتنتج في مرتبة الحكم الظاهري خطاباً ظاهرياً. إلّا أن الفرق بين الخطاب الواقعي والخطاب الظاهري: أن الواقعي ناتج عن الملاكات الواقعية ابتداءً، والظاهري ناتج عن الملاكات الواقعية بعد فرض وقوع التزاحم بينها في عالم الحفظ. 

وذلك أن الملاكات الواقعية يقع التزاحم بينها في عالم الحفظ في حالة عدم وصولها، واشتباه بعضها ببعض، فهناك ملاكات ترخيصية في موارد المباحات تعبّر عن غرض مولوي في إطلاق العنان في تلك الموارد، وهناك أغراض لزومية في موارد المحرّمات والواجبات. فإذا اشتبه في واقعة ولم يدرِ من أيّ 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الموارد هي، فيقع التزاحم بين الأغراض الواقعية الترخيصية والأغراض اللزومية في عالم الحفظ. بمعنى أن الملاكات الترخيصية تقتضي حفظها بتوسيع نطاق الترخيص، وإنشاء الرخصة هنا، عسى أن يكون هذا من موارد الرخصة، والأغراض اللزومية تقتضي حفظها في مقام الشكّ بتوسيع نطاق الإلزام، وإنشاء الإلزام هنا عسى أن يكون هذا من موارد الإلزام. هذا تزاحم في عالم الحفظ، وهو تزاحم بلحاظ حال المولى وجعله. وفي مقام هذا التزاحم يقدّم الأقوى ملاكاً. 

فإذا كان المولى يهتمّ بالملاكات الترخيصية أكثر يجعل البراءة، وإن كان يهتمّ بالملاكات اللزومية أكثر يجعل الاحتياط. هذا هو روح الأحكام الظاهرية. 

الأمر الثاني: هو أنه بعد أن عرفنا أن الأحكام الظاهرية نتيجة للتزاحم بين الملاكات الواقعية، نعرف أن تمام الأحكام الظاهرية بمراتبها الطولية ملاكاتها واحدة، وليس هناك طولية بينها من حيث الملاكات؛ لأن ملاكاتها نفس ملاكات الأحكام الواقعية، وليس لكلّ حكم ظاهري ملاك نفسي مستقلّ، حتّى يفرض الطولية في ملاكاتها تبعاً للطولية في ترتّبها وتشريعها، بل إن الأحكام الظاهرية بالرغم من الترتّب في تشريعها وجعلها ليس بينها طولية في ملاكها. 

والنكتة في ذلك منقدحة من الأمر الأوّل، حيث إنها ليست ذوات ملاكات مختصّة، حتّى تكون الطولية في جعلها مساوقة مع الطولية في ملاكاتها، بل ملاكاتها نفس ملاكات الأحكام الواقعية، وملاكات الأحكام الواقعية شيء 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

واحد، لا أنها أشياء متعدّدة بعضها في طول بعض، فنفس الملاكات التي اقتضت جعل الحكم في المرتبة الأولى هي بنفسها تقتضي جعل الحكم في المرتبة الثانية والثالثة. 

وهذه الطولية بين الأحكام الظاهرية إذا لم تكن هي بلحاظ الملاكات، فمن أين نشأت هذه الطولية؟ نشأت من ناحية أن كلّ حكم من هذه الأحكام مربوط بوعاء للتزاحم جديد غير الوعاء الآخر، أي: إن هناك تزاحمات طولية، لكن المتزاحمات دائما هي الملاكات الواقعية. فهي -أي: الملاكات الواقعية- يقع بينها تزاحمات في المرتبة الأولى، ثُمّ تزاحمات في طول ذلك في المرتبة الثانية، ثُمّ تزاحم في طول ذلك في المرتبة الثالثة. فالطولية ليست بين الملاكات، بل بين تزاحمات تلك الملاكات في عالم الحفظ. 

وتوضيحه: أننا في المرتبة الأولى نقول: إن هذا خبر ثقة يُخبِر عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، إلّا أني احتمل أن يكون على خلاف الواقع، فهنا يقع التزاحم لا محالة بين الأغراض الترخيصية والأغراض اللزومية، فاللزومية تقتضي حفظها بإنشاء الحجّية لخبر الثقة، والترخيصية تقتضي حفظها بإنشاء الرخصة في هذه الشبهة. افرضوا أنه في مقام المزاحمة غلبت الأغراض اللزومية على الترخيصية، ومعناه: أن احتمال أن يكون خبر الثقة مخالفاً للواقع لا يوجب وهناً في الغرض اللّزومي للمولى، بحيث يغلب عليه الغرض الترخيصي. 

وهناك شكّ آخر في أن الثقة أخبر أو لم يُخبِر، وهو في طول ذلك الشكّ، فيكون هذا الشكّ الجديد وعاء لتزاحم جديد بين نفس تلك الملاكات الواقعية، 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

إذ لعلّ هذا المولى الذي لم يرفع يده في مقام التزاحم عن الأغراض اللّزومية لمجرّد احتمال واحد في صالح الأغراض الترخيصية، وهو احتمال كذب الرواية، عسى أن يرفع يده الآن عن غرضه اللّزومي في مقام التزاحم الناشئ من الشكّ، باعتبار طروّ احتمال جديد في المرتبة الثانية، وهو احتمال أن لا يكون الثقة قد أخبر أصلاً بذلك. فهنا يحتاج تحفّظ المولى على غرضه اللّزومي إلى اهتمام أكثر من اهتمامه الذي اقتضى جعل الحجّية في المرتبة الأولى، حتّى يحكم بوجوب الاحتياط لمجرّد احتمال أن يكون الثقة قد أخبر بذلك. 

ومن هنا قد تكون نتيجة التزاحم الواقع في المرتبة الثانية، مختلفة عن نتيجة التزاحم الواقع في المرتبة الأولى، فيكون المجعول في المرتبة الأولى حكماً تنجيزياً والمجعولة في المرتبة الثانية حكماً تعذيرياً. كما قد يكون المجعول في كلٍّ من المرتبتين حكماً تنجيزياً. 

هذا هو معنى الطولية، وهي ترجع إلى طولية التزاحمات لا إلى طولية الملاكات. وإلّا فملاك الحكم في المرتبة المتأخّرة هو ملاك الحكم في المرتبة الأولى على حدّ واحد. هذا هو الأمر الثاني الذي أردنا بيانه. 

فاذا تمّ هذان الأمران فيتّضح المدّعى ببرهانه. وذلك: أنه بعد أن عرفنا في الأمر الأوّل أن الأحكام الظاهرية ملاكاتها نفس ملاكات الأحكام الواقعية، وعرفنا في الأمر الثاني أن الطولية بين الأحكام الظاهرية ليست بلحاظ ملاكاتها، بل بلحاظ التزاحمات بين الملاكات الواقعية، فالملاك واحد في تمام المراتب الطولية، أي: ما أُنشىء الخطاب لأجل التحفّظ عليه في المرتبة الثالثة 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

هو الذي أُنشىء الخطاب لأجل التحفّظ عليه في المرتبة الأولى أو الثانية. 

فينتج هذا أن وجوب التعلّم أو الفحص عن الحجّة عند الشكّ، وإن كان هو وجوباً ظاهرياً طولياً في طول حجّية خبر الواحد، إذ لو لم نكن شاكّين في حجّية خبر الواحد كبرى أو صغرى لَما وجب علينا الفحص والتعلّم في كتاب (الوسائل)، فوجوب الفحص أُخذ في موضوعه الشكّ في خبر الثقة كبرى أو صغرى فهو واقع في طوله، إلّا أن ملاكه نفس ملاكه وهو التحفّظ على الواقع، فالمولى كما أنه في مقام التزاحم الأوّل بين الملاكات الترخيصية واللزومية لم يرفع يده عن غرضه اللّزومي الواقعي لمجرّد احتمال أن يكون الثقة كاذباً، كذلك في التزاحم الثاني لم يرفع يده عن ذلك الغرض اللّزومي أيضاً لمجرّد احتمال أن يكون الثقة لم يخبر في المقام، بل كان احتمال إخباره كافياً في أن يمنع المولى عن الترخيص في هذه المرتبة. وبمجرّد أن يمنع المولى عن الترخيص في هذه المرتبة يتنجّز ذلك التكليف الواقعي لكن في هذه المرتبة. 

فالمرتبة: مرتبةٌ ودعاءٌ للتنجّز، وليست مرتبةً للدعاء المتنجّز، وعليه فالأحكام الظاهرية بتمام مراتبها الطولية تنجّز الواقع من دون توسيط تلك المرتبة التي فوقها. 

والمتلخّص من تمام هذا الكلام أن تارك الفحص إذا ابتلي بمخالفة الواقع فيستحقّ العقاب على ذلك الواقع، سواء كان هناك دليل في معرض الوصول أو لم يكن. هذا هو تمام الكلام في التنبيه الرابع.

 

 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

التنبيه الخامس: في الإشكال على وجوب التعلّم                                      في بعض الموارد

 

التنبيه الخامس: هو أن وجوب التعلّم بعد الفراغ عن ثبوته في هذه المسألة، وقع الكلام في شموله لبعض الموارد التي وقع في الشمول خفاء. وهذه الموارد متعدّدة: 

منها: ما إذا كان التكليف غير ملتفت إليه

منها: ما إذا كان التكليف بعنوانه مغفولاً عنه، وغير ملتفت إليه من أوّل الأمر أصلاً. فإننا تارةً نتكلّم في فقيه وفي شخص قرأ الرسالة العملية وأصبحت تمام الشبهات مشكوكة لديه بالفعل، هذا لا إشكال أنه يجب عليه التعلّم والفحص، ويتنجّز عليه الواقع المشكوك، ولا يكون الشكّ مؤمّناً بالنسبة إليه. 

وأخرى نتكلّم في شخص لم يلتفت آناً مّا أصلاً لهذه(1) الواقعة، من ناحية ــــــــــ[160]ــــــــــ

() لأجل أنه ليس له اطّلاع مسبق على موارد الشبهات، فأصل التصوّر الاحتمالي للشبهة غير موجود في ذهنه، وإن كان يوجد لو بدأ بالفحص والتعرّض لكلمات الفقهاء والروايات. إلّا أننا حيث نفرضه قبل الفحص فأصل التصوّر الاحتمالي غير ملتفت إليه في ذهن المكلف. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بعده عن الفقه عمّا يحتمل كونه حراماً أو واجباً. لأجل بعده عن ذلك لم يخطر على باله أن يكون لهذه الشبهة حكم أصلاً. 

في مثل هذا: قد يقال: بأن مثل هذا التكليف الذي لم يخطر على بال المكلّف أصلاً من أوّل الأمر، لا يعقل تنجّزه على المكلّف؛ لأن المنجّزية فرع الوصول ولو بنحو الوصول الاحتمالي، فإن الوصول ولو ببعض مراتبه لازم في مقام التنجيز وحكم العقل بتحميل هذا التكليف على العبد، والمفروض في المقام عدم الوصول بأيّ مرتبة من المراتب، فحينئذٍ يستحيل تنجّز مثل ذلك التكليف على المكلّف، أو إيجاب التعلّم عليه بالنسبة إلى ذلك التكليف. 

هذه الشبهة إذا أوردت بنحو تكون إشكالاً ثبوتياً في أصل التنجيز، فهي شبهة واضحة البطلان، وذلك: لأن هذا التكليف وإن كان مغفولاً عنه وغير ملتفت إليه بعنوانه التفصيلي، ولكنّ العنوان الإجمالي يكفي لأن يكون منجّزاً، وهو عنوان أن يكون هناك تكليف في الشريعة بحيث لو تصدّى للفحص هنا وهناك لانكشف له في الأثناء مثل ذلك. التكليف بمثل هذا العنوان الإجمالي إذا كان ملتفتاً إلى الشكّ فيه يكفي في مقام التنجّز وسريان التنجّز إلى ذلك الواقع الذي يشار به إلى ذلك العنوان الإجمالي. فإن التنجّز لا يحتاج إلى وصول التكليف بعنوانه التفصيلي، بل وصوله ولو احتمالا بالعنوان الإجمالي يكفي في صلاحيته لأن يقع موضوعاً للمنجّزية عقلاً وشرعاً. فمن ناحية مقام الثبوت لا إشكال. 

يقع الكلام بعد ذلك في مقام الإثبات، ومن ناحية هذا المقام تمام الأدلّة 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

التي دلّت على تنجيز الواقع المشكوك تدلّ على تنجيز هذا الواقع المشكوك بتوّسط عنوانه الإجمالي، وإن كان مغفولاً عنه بلحاظ عنوانه التفصيلي. إن كان المدرك هو العلم الإجمالي فهذا طرف له، وهو بعنوانه الإجمالي، فإن المكلّف يعلم إجمالاً بأن هناك تكاليف في الشريعة الإسلامية، وهذا المقدار من الطرفية يكفي للتنجيز. 

وإن كان المدرك هو قصور قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فالقصور أيضاً ثابت في المقام، فإن البيانية الاحتمالية ولو بتوّسط هذا العنوان الإجمالي تكفي لرفع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

وإن كان المدرك هو الأخبار الدالّة على وجوب التعلّم فالأمر أيضاً كذلك في المقام؛ لأن هذه الأخبار أُخذ في موضوعها التكاليف الإلهية، وأنه يجب تعلّمها. غاية الأمر لا بُدّ بالمناسبات العقلية للحكم والموضوع وأن يفرض أن ما هو موضوع وجوب التعلّم، لا بُدّ وأن يكون سنخ موضوع يمكن أن يطلب؛ لأن المجهول المطلق لا يمكن أن يطلب، ويكفي في صحّة أن يقع موضوعاً للطلب الواجب أن يكون ملتفتاً إليه ولو بالعنوان الإجمالي، فإطلاق أدلّة وجوب التعلّم أيضاً يكون ثابتاً بالنسبة إليه.

فمن هذه الناحية لا إشكال في تنجّز مثل هذا الواقع، واستحقاق العقاب على تقدير المخالفة. هذا هو المورد الأوّل من الموارد والتي وقع الإشكال في شمول المنجزية له. ويأتي الكلام في الموارد الأخرى.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

منها: ما إذا طرأت الغفلة في الوقت

ومن(1) جملة الموارد التي وقع الإشكال فيها: 

هو ما إذا كان الواجب مطلقاً وموسّعاً، والمكلّف ترك التعلّم للواجب حتّى طرأت عليه الغفلة في أثناء الوقت، وحينئذٍ تتحقّق منه المخالفة في تمام الوقت لذلك التكليف المطلق. مثلاً إذا فرض أن صلاة الزلزلة كانت موسّعة، ونفرض أن هذا الشخص تسامح في تعلّم أحكامها حتّى عرضت له الغفلة بعد هذا عن أصل التكليف بها، وترك صلاة الزلزلة نتيجة لغفلته، فهل يكون التكليف الواقع منجّزاً عليه، ويستحقّ عليه العقاب من ناحية أنه لم يفحص أوّلاً؟ 

قد يقال: إنه لا عقاب عليه، وذلك: لأن المخالفة حينما صدرت منه صدرت منه في حال الغفلة، وعدم الالتفات إلى أصل التكليف، وحينما يلحظ الوضع النَسَبي للمخالفة من حيث عللها وأسبابها، فهي وإن كانت منتهية إلى ترك التعلّم وتأجيله في مدّة من الزمان، إلّا أن المفروض أن الواجب موسّع، فتأجيل الواجب وتأجيل بعض مقدّماته عن أوّل الوقت جزءاً من الزمان لا محذور فيه. فالمخالفة لا بحسب وضعها الفعلي ولا بحسب وضعها النسبي فيها تقصير. وحينئذٍ فلا يعاقب على مثل هذه المخالفة. ولهذا ذهب المحقّق الأصفهاني إلى عدم استحقاق العقاب في مثل ذلك. 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة، وذكر المورد الأوّل من الموارد التي وقع الإشكال فيها من حيث شمول دليل وجوب الفحص لها كما سبق: ومن جملة الموارد… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

إلّا أن الصحيح هو التفصيل في المقام بين ما إذا كان هذا المكلّف المؤجّل للتعلّم قد احتمل أن يكون التأجيل مؤدّياً إلى الغفلة المؤدّية إلى المخالفة، وبين ما إذا لم يكن قد احتمل ذلك. فإن فرض أنه لم يكن قد احتمل ذلك، أما للقطع بأنه سوف لن يغفل، أو للغفلة حتّى عن هذه الناحية، فالأمر كما ذكر فإنه لا ملاك لاستحقاق العقاب حينئذٍ. 

وأما إذا فرضنا أنه كان يحتمل -فضلاً عن القطع- أن ترك التعلّم وتأجيله في أوّل الوقت سيؤدّي به إلى الغفلة المؤدّية به إلى وقوع المخالفة منه خارجاً. ففي مثل ذلك لا إشكال في المنجّزية وفي حكم العقل باستحقاق العقاب. وذلك: لأن صدور المخالفة منه وإن كان مشكوكاً أيضاً. فإنه حينما أجّل التعلّم لم يكن يقطع -مثلاً- بأن هذا الترك سوف يؤدّي إلى الغفلة والمخالفة، وإنما كان يحتمله، فصدور المخالفة مشكوك منه. إلّا أن الشكّ في صدور المخالفة ليس مؤمّناً، وإنما المؤمّن عنه هو الشكّ في وجود التكليف المخالف بالبراءة عقلاً أو شرعاً. وأما إن كان أصل وجود التكليف معلوماً، وإنما يشكّ في صدور المخالفة له وعدمه، ففي مثله يكون الشكّ منجّزاً بقاعدة أن الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني. فلا بُدّ من تحصيل الجزم بصدور الامتثال منه خارجاً، ولا يحصل هذا الجزم إلّا بأن يسرع إلى التعلّم لأجل أن يسدّ باب المخالفة من هذه الناحية. 

فالصحيح إذن هو التفصيل بين ما إذا كان تأجيل ترك التعلّم مقروناً بالالتفات الاحتمالي على أقلّ تقدير إلى انتهاء ذلك إلى المخالفة الناشئة من الغفلة، وبين ما إذا لم يكن مقروناً بذلك. ففي الأوّل يستحقّ العقاب دون الثاني. 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

منها: في التعلّم قبل الوقت المضيّق

المورد الثالث: هو ما إذا كان هناك واجب مؤقّت ومشروط، وكان هذا الواجب لا يسع وقته للتعلّم، بل لا بُدّ من التعلّم خارج الوقت. مثلاً صلاة الكسوف لا يسع المجتهد أن يستنبط أحكامها بعد أن يتحقّق هذا الكسوف خارجاً، بل لا بُدّ أن يستنبطها قبل ذلك. فهنا هل لا بُدّ من الفحص والتعلّم قبل مجيء وقت ذلك الواجب أو لا؟ 

قد يتخيّل أنه لا يجب الفحص والتعلّم قبل مجيء وقت ذلك الواجب ولا بعد مجيء وقته. أما بعده فللعجز عنه؛ لأن وقت الواجب يضيق عن الفحص والتعلّم، وأما قبله؛ فلأنه لا وجوب للواجب حتّى يجب مراعاته بالفحص والتعلّم. 

وهذا الإشكال إنما يستحكم صورةً فيما إذا فرض أن ترك التعلّم في خارج الوقت كان موجباً لسقوط التكليف في داخل الوقت، لا ما إذا لم يكن موجباً لسقوطه في داخل الوقت. 

وذلك: لأنه تارةً يفرض أن المكلّف مع تركه للتعلّم يتمكّن من امتثال التكليف في داخل الوقت بالاحتياط. فإن هذا المجتهد وإن لم يستنبط أحكام صلاة الكسوف قبل ذلك، إلّا أنه يمكنه أن يحتاط ويأتي بما هو القدر المتيقّن منها على إجماله، من دون أن يشخّص ما هو الواجب من غيره. ففي مثل ذلك لا إشكال في أن هذا المكلّف يجوز له ترك التعلّم قبل مجيء الوقت، كما لا إشكال في أنه لو ترك التعلّم قبل مجيء الوقت يتعيّن عليه الاحتياط في الوقت، للعلم بوجود التكليف الموجب للزوم تحصيل الفراغ الجزمي عنه. 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وفي مثل هذا لا يوجد هناك إشكال أو فراغ. 

وكذلك أيضاً لا يوجد هناك إشكال فيما إذا كان ترك التعلّم في خارج الوقت مؤدّياً إلى العجز عن الاحتياط في داخل الوقت، لا عن الإتيان بذات الواجب. كما لو فرض أن صلاة الكسوف كانت مردّدة في نظر المجتهد بين عشرين صورة مثلاً، فلو ترك الفحص والتعلّم، وجاء وقت صلاة الكسوف، فهو لا يسع للعشرين صورة بكاملها -أي: للاحتياط- ولكنّه يسع لأيّ واحدة منها، يعني يسع ما هو الواجب الواقعي. فالقدرة على الواجب الواقعي محفوظة بالرغم من ترك التعلّم قبل مجيء الوقت. وإذا كانت القدرة محفوظة فالوجوب محفوظ، والخطاب محفوظ، والملاك محفوظ، ومعه يتعيّن على المكلّف أن يتعلّم قبل مجيء الوقت؛ لأن تركه للتعلّم حينئذٍ تفويت احتمالي للتكليف الفعلي في ظرفه خطاباً وملاكاً. وكما لا يجوز بحكم العقل تفويت التكليف الفعلي خطاباً وملاكاً تفويتاً احتمالياً كذلك لا يجوز أن يعمل عملاً بحيث يفوّت على نفسه بعد هذا فعلياً خطاباً وملاكاً. ففي مثل ذلك لا بُدّ للمكلف من أن يتعلّم خارج الوقت، حتّى يكون قادرا ًعلى امتثال ذلك التكليف الفعلي في ظرفه خطاباً وملاكاً(1)

هذا إذا فرضنا أنه كان قادراً على ذات الواجب في ظرفه. 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا كان عدم التعلّم يغيّر تكليفه، من قبيل الجهر والإخفات، فإذا لم يتعلّم ينقلب تكليفه من موضوع إلى موضوع آخر. فهذا يكون استثناءً من هذه الصورة.

فأجاب (سلّمه الله): هذا الاستثناء يأتي في صلاة القصر والتمام والجهر والإخفات مثلاً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 [إشكال في المقام]

وإنما يتسجّل هذا الإشكال فيما إذا كان ترك التعلّم في خارج الوقت مؤدّياً إلى عجزه عن ذات الواجب في داخله، من قبيل تعلّم أصل أحكام الصلاة، أو تعلّم القراءة، فإنه يوجب عجزه عن الإتيان بذات الواجب في داخل الوقت. فهل يجب عليه التعلّم أو لا؟ هنا يستحكم الإشكال، وذلك لأنه يقال حينئذٍ: بأنه قبل مجيء الوقت لا ملزم له بالتعلّم، حيث لا وجوب للصلاة، وقبل مجيء الوقت فإنه لو كان قد ترك التعلّم قبل مجيء الوقت فلن يصبح الوجوب فعلياً في حقّه؛ لأن ترك التعلّم يعجزه عن امتثال الواجب، وإذا أصبح عاجزاً فلا وجوب في حقّه أيضاً. فترك التعلّم بالنسبة إلى هذا الشخص يوجب خروجه عن موضوع الوجوب، لا أنه يوجب صدور المخالفة منه للوجوب بعد فرض دخوله تحت موضوعه. وما هو الممنوع عقلاً هو الثاني دون الأوّل. 

وروح هذا الإشكال مطّرد في مطلق المقدّمات المفوّتة، من قبيل الغسل للمستحاضة على بعض الأقوال، أو السفر بالنسبة إلى الحجّ على بعض الأقوال، كلّ ذلك من المقدّمات المفوّتة التي يقع فيها هذا الإشكال، وهو أن الموقّت حيث لم يجئ ظرف فعلية الوجوب فيه، فما الملزم بالإتيان بهذه المقدّمات المفوّتة؟ 

والجواب عن هذا الإشكال الذي قدّم من قبل الآغايون في المقام يرجع بعضه إلى النقاش في الصغرى، وبعضه إلى النقاش في كبرى المقدّمات المفوّتة. 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

كلام الآغايون حول ذلك صغروياً

أما ما يعالج الصغرى فهو إنكار أن يكون محلّ الكلام من الواجب الموقّت، ويقال: بأن وجوب الصلاة مثلاً أو أيّ وجوب آخر في الشريعة الإسلامية ليس مؤقّتا بمجيء ظرفه، بل هو فعلي من أوّل أزمنة البلوغ. فإذا كان كذلك لا يأتي هذا الإشكال؛ لأنه إنما نشأ من تخيّل كون الوجوب غير فعلي، فإذا فرض كون الوجوب فعلياً إما بنحو الواجب المعلّق أو بنحو الوجوب المشروط بالشرط المتأخّر مثلاً، فحينئذٍ لا يدخل المقام تحت تلك الكبرى؛ لأن الوجوب فعلي، ويكون هذا الوجوب الفعلي مقتضياً لإلزام المكلّف بالتعلّم وبسائر المقدّمات الأخرى. هذا ما يرجع إلى الصغرى(1).

وهناك أجوبة ترجع إلى الكبرى، أي: بعد تسليم أن الواجبات الشرعية موقَنة، مع هذا يصوّر في المقام أنه كيف يلزم بالتعلّم، وكيف يكون التعلّم واجباً على المكلّف، بحيث يستحقّ العقاب من ناحية تركه.

[كلام صاحب الكفاية]

أما تلك الأجوبة التي ترجع إلى الصغرى قد ذكرها صاحب (الكفاية)، إذ ذكر: أنه من الممكن الالتزام في المقام بالواجب المعلّق، أو بالوجوب المشروط بالشرط المتأخّر، فحينئذٍ لا يبقى موضوع لهذا الإشكال. والبحث في ذلك يقع ثبوتاً تارةً وإثباتاً أخرى: 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() أي: منع كون الوجوبات مؤقّتة، ويرجعها إلى وجوبات فعلية مطلقة وإن كان الواجب استقبالياً. (المحاضرة الأخرى). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 [بلحاظ مقام الثبوت]

أما ثبوتاً: فاصل تحقيق هذه الصناعات: الواجب المعلّق، والمشروط بالشرط المتأخّر، وخصوصياتها، موكولٌ إلى بحث مقدّمة الواجب. وما سوف نذكره من البحث الثبوتي هو نكتة ثبوتية مربوطة بخصوص وجوب التعلّم، لا بغيره من المقدّمات المفوّتة الأخرى. 

وهذه النكتة هي النكتة التي ذكرها المحقّق العراقي، حيث ذكر اعتراضاً على أستاذه صاحب (الكفاية): أنه لا يعقل لصاحب (الكفاية) أن يلتزم -في حلّ العويصة- بالواجب المعلّق أو ما هو بحكمه؛ لأنه يلزم من ذلك (الترتّب) وهو مستحيل عنده، وحينئذٍ لا بُدّ له إما من رفع اليد عن استحالة الترتّب، وإما من رفعها عن جوابه هنا. 

توضيح ذلك في مثال -ينتزع منه القانون العام-: فإنه هناك حكم اسمه وجوب صوم شهر رمضان، وحكم اسمه وجوب قضاء شهر رمضان على تقدير الإفطار، وحكم اسمه وجوب التكفير عن الإفطار متعمّداً في شهر رمضان. وإذا لوحظت متعلّقات هذه الأحكام فيرى بينها مضادّة؛ لأن صوم شهر رمضان مع تدارك صوم شهر رمضان أو التكفير عنه لا يمكن أن يتحقّق بحسب الخارج بأن يوجد الصوم ويوجد تداركه، أو يوجد التكفير عنه؛ لأن فرض تدارك الصوم هو فرض أنه لا صوم، وفرض الصوم هو فرض أنه لا تدارك. 

وحينئذٍ فإن فرض أن وجوب صوم شهر رمضان يبدأ حين طلوع الفجر من شهر رمضان، وحينما يسقط هذا الوجوب بالعصيان مثلاً، يبدأ عندنا 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وجوب جديد وهو وجوب تدارك صوم شهر رمضان، أو وجوب التكفير عنه. هذا أمر معقول، فإنه وإن كان الصوم مع التدارك ضدّين، لكنّه لم يجتمع الأمر بهما في زمان واحد. وأما إذا فرضنا أن الأوامر في الشريعة الإسلامية ثابتة من أوّل أزمنة البلوغ، لأجل أن تحمل على هذا البالغ منذ الزمان الأوّل تعلمّ تمام الأحكام الشرعية، فلا بُدّ من الالتزام أنه منذ أوّل زمان البلوغ مخاطب بالصوم ومخاطب بتدارك الصوم أيضاً، غاية الأمر بنحو الواجب المعلّق أو المشروط بالشرط المتأخّر، ضمّ بشرط متأخّر مشروطاً بطلوع الفجر عليك من شهر رمضان، وتدارك الصوم مشروطاً بشرط متأخّر بالعصيان للأمر الأوّل، وإفطار شهر رمضان. فحينئذٍ الوجوب يكون فعلياً في كلٍّ من الضدّين. وهل هذا إلّا الترتّب الذي أنكرتموه. فإنه قد اجتمع الأمران بالضدّين، غاية الأمر أنه على وجه الترتّب؛ لأن الأمر الثاني وهو الأمر بالتدارك مشروط بأن يفطر في شهر رمضان، يعني: أن يخالف الأمر الأوّل، وهذا مستحيل عند المحقّق الخراساني(1)

هذه هي النكتة الثبوتية التي نتعرّض لها. الآن باعتبار أنها تختصّ بخصوص التعلّم، ولا تجري في المقدّمات المفوّتة الأخرى، كما يظهر بأدنى تأمّل. فمن حقّ هذه النكتة أن يتعرّض لها هنا، مع ترك سائر خصوصيات صناعات هذه الأجوبة إلى بحث مقدّمة الواجب. 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنه يكفي هذا النقض على صاحب (الكفاية)، وإن هذه الأجوبة لا تجري في تمام* أحكام الشريعة، وإلّا لتورّط في مشكلة الترتّب.

* في قبال اختصاصه بما له قضاء من الواجبات، كما كان وارداً في السؤال. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

التحقيق: أن هذه النكتة غير تامّة، وأن هذا النقض غير وارد على المحقّق الخراساني، يعني: المحقّق الخراساني يمكنه تطبيق الأجوبة في المقام من دون أن يلزم برفع يده عمّا قرره في بحث الترتّب. 

وتوضيح ذلك: أن الواجب في الأمر القضائي أو الأمر الكَفَّاري، تارةً نفرض أنه ذات صوم شهر رمضان في خارج الوقت، أو ذات إطعام ستين مسكيناً عقيب إفطار شهر رمضان. وأخرى نفرض أن الواجب هو عنوان قائم بهذا الفعل، كعنوان التدارك وعنوان التكفير مثلاً. فإن فرض الأوّل، يعني: أن صاحب (الكفاية) استظهر فقهياً الأوّل من الأدلّة، فيكون اندفاع هذا الإشكال عليه في غاية الوضوح، وذلك: لأن ذات الصوم في خارج شهر رمضان وذات الصوم في داخل شهر رمضان ليس بينهما أيّ تضادٍّ فيعقل الأمر بهما على وجه الترتّب، والترتّب بنفسه يصير منشأً للتضادّ بين صفة الواجبية لهذا، وصفة الواجبية لذاك، بمعنى: أنهما لا يمكن أن يقعا معاً على صفة الواجبية. إلّا أن هذا التضادّ في صفة الواجبية نشأ من ناحية هذا الترتّب، لا أنه تضادّ بين ذات الفعلين بما هما، الذي هو ملاك استحالة الترتّب عند صاحب (الكفاية). 

وأما إذا فرضنا أننا استظهرنا من الأدلّة أن الأمر القضائي أو الكفاري متعلّق بعنوان التدارك -مثلاً- وهو مع وجود التدارك أمران متنافيان بحسب الخارج، فيصير المقام من قبيل الأمرين بالضدّين. ولكن مع هذا لا يلزم في المقام محذور الترتّب من الالتزام بفعلية الأمرين من أوّل الأمر. 

وذلك: لأن التنافي بين الأمرين الترتيبيين عند صاحب (الكفاية) -كأمر 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 (صلِّ) المهمّ وأمر (أزلْ) الأهمّ- إنما هو بلحاظ محرّكية الأمر بالمهمّ نحو متعلّقه في ظرف تمامية شرطه الذي هو ترك الأهمّ. فإن الأمر بالمهمّ مشروط بترك الأهمّ بنحو الشرط المقارن. ففي ظرف ترك الأهمّ يكون الأمر بالصلاة فعلياً، وإذا كان فعلياً فيكون فاعلاً تامّاً أيضاً؛ لأن فاعليته فرع فعليته. فيكون محرّكاً نحو الصلاة، وتحريكه نحو الصلاة هو بنفسه تبعيدٌ عن الإزالة لا محالة؛ لأن التحريك نحو أحد الضدّين بنفسه تبعيدٌ عن الضدّ الآخر. والأمر بالإزالة أيضاً لا يزال فعلياً؛ لأنه لم يسقط حتّى الآن، حيث إن العصيان لم ينته إلى آخره، بل الآنُ هو الآنُ الأوّل من آنات العصيان، وفعلية الأمر بالإزالة تستتبع فاعليته، وفاعليته تستتبع محرّكيته نحو الإزالة، وتحريكه نحو الإزالة بنفسه تبعيد عن الصلاة. فلا محالة يقع التنافي بينهما في مقام المحركية وفي عالم الفاعلية. هذا هو التصوّر الذي تصوره صاحب (الكفاية) للبرهنة على استحالة الترتّب. 

ولم يذكر صاحب (الكفاية) هناك أن الأمر بالمهمّ يكون منافياً للأمر بالأهمّ من ناحية حفظه لموضوعه، وشرطه ابتداء الذي هو ترك الأهمّ، فإن ترك الأهمّ حيث إنه أُخذ مقدّمة وجوبية للأمر بالمهمّ فلا يعقل أن يحفظ الأمر بالمهمّ مقدّماته الوجوبية، كما صرّح الآخوند في أوّل مقدّمة الواجب: أن الأمر لا يترشّح منه إلزام إلى المقدّمات الوجوبية. فالأمر بالمهمّ ليس له محرّكية ابتدائية نحو موضوعه الذي هو ترك الأهمّ، حتّى يحصل التنافي من هذه الناحية. وإنما يحصل التنافي بعد فرض فعلية ترك الأهمّ وفعلية الأمر بالمهمّ، من ناحية أن الأمر بالمهمّ يحرك نحو متعلقه، والتحريك نحو الصلاة بنفسه تبعيد عن الإزالة. 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وهذا التصوّر لا يأتي في المقام، وذلك: لأن الأمر بالصوم والأمر بتداركه، وإن اجتمعا فعلية، إلّا أنهما لم يجتمعا فاعلية؛ لأن كلّ واحد من الأمرين ظرف فاعليته نحو متعلّقه، ومحرّكيته نحوه هو ظرف مجيء زمان الواجب بالنسبة إليه، والمفروض أن زمان الواجب بالنسبة إلى أحدهما غير زمان الواجب بالنسبة إلى الآخر، فلم يجتمع الأمر بالضدّين في الفاعلية وان اجتمعا في الفعلية، وما هو ملاك التنافي والتطارد بين الأمرين هو الاجتماع في الفاعلية لا الاجتماع في الفعلية. 

نعم، لو كان صاحب (الكفاية) يدّعي أن الأمر بالمهمّ له فاعلية ابتدائية نحو حفظ موضوعه وشرطه، حينئذٍ يمكن أن يقال في المقام: أن الأمر بالتدارك -المشروط بإفطار صوم شهر رمضان- وإن لم يجئ ظرف الواجب فيه، ولكنّه من الآن يحفظ مقدّمة هذا الواجب التي هي إفطار شهر رمضان فهو يحرك نحو الإفطار. إلّا أن هذا لا يقوله صاحب (الكفاية)، فإنه لا يتصوّر المنافاة بين الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ من ناحية افتراض محرّكية مباشرة للأمر بالمهمّ نحو حفظ موضوعه ومقدّمته الوجوبية، وإنما يفترض أن له محرّكية وفاعلية نحو ذات المهمّ وأن التحريك نحو أحد الضدّين بنفسه تبعيد عن الضدّ الآخر، فيحصل التمانع من هذه الناحية. والأمر بالمهمّ لا يعقل فاعليته ومحرّكيته نحو المهمّ إلّا في ظرف مجيء زمان الواجب، إذن فقد اختلف زمان الفاعليتين بالمقام. ففي ظرف يكون الأمر به فيه فاعلاً يكون الأمر بالمهمّ فيه قد سقط وانتهى وقته، وفي ظرف يكون الأمر بالأهمّ فاعلاً يكون الأمر بالمهمّ بعدُ لم يجئ 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

دور فاعليته، فلم تجتمع الفاعليتان وإن اجتمعت الفعليتان، ومن هنا لا يأتي برهان استحالة الترتّب عند صاحب (الكفاية). ويكون هذا الجواب منسجماً مع مبناه. 

وبتعبير آخر(1): إن طلب الضدّين بلحاظ عالم الفعلية ليس فيه محذور عند صاحب (الكفاية)، وبلحاظ عالم الفاعلية لم يتحقّق في المقام. وما هو المحذور هو الثاني الذي لم يتحقّق في المقام. 

[بلحاظ مقام الإثبات]

الآن ننتقل(2) إلى مقام الإثبات لهذا الإشكال، افرضوا أن صناعات الواجب المعلّق والمشروط بالشرط المتأخّر تامّة، فهذا مجرّد فرض فما هو الدليل على أن وجوب الصلاة أو وجوب الحجّ أو صلاة الزلزلة تكون كذلك؟ هذا الافتراض خلاف ظواهر أدلّتها، فإن ظاهر قوله: (إذا زلزلت الأرض فصلِّ) أو (إذا زالت الشمس فصلِّ) هو الوجوب المشروط، كما بيّنا في بحث الواجب المشروط، إذن فيحتاج تأويله وإرجاع الشرط إلى مرتبة أخرى غير الوجوب، والالتزام بأن الوجوب فعلي قبل ذلك يحتاج إلى قرينة في مقام الإثبات، لنرفع يدنا عن ظواهر الأدلّة. 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

() وهنا قال جوابا على سؤال -فيما قال-: وبتعبير آخر… (المُقرِّر).

() لخّص أوّلاً فكرة المقدّمات المفوّتة، وذكر الإشكال العامّ المشهور عليها كما ذكره في غضون المحاضرة السابقة. ثُمّ أشار إلى مناقشته صغرى. ثُمّ أشار إلى مناقشته من حيث الكبرى ثبوتاً كما سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وما يمكن أن يدّعى شاهداً على هذا، هو إطلاق وجوب التعلّم، فإنه بقطع النظر عنها لا يوجد عندنا ما يشهد -عندنا- في التصرّف لظهور هذه الوجوبات والالتزام بكونها معلقة. فالإشكال الإثباتي لولا أخبار التعلّم مستحكم نعم، على مسلك أخبار وجوب التعلّم، قد يقال: بأنها دلّت بإطلاقها على أن كلّ مخالفة تنتهي إلى ترك التعلّم فهي يستحقّ العقاب عليها، وهذا بإطلاقه يشمل الواجب الموقّت في ظرفه الناشئة من ترك التعلّم قبل مجيء زمانه، فحينئذٍ تكون هذه الأخبار كاشفة إنّاً عن سبق الوجوب لا محالة، وأنه وجوب معلّق أو مشروط بالشرط المتأخّر لو لم يكن هناك جواب آخر وتصوير آخر للمطلب، وانحصر الجواب بهذا. فتدلّ أخبار وجوب التعلّم بإطلاقه أن مخالفة الواجب الموقّت المنتهية إلى ترك التعلّم موضوع الاستحقاق العقاب، وهو كاشف آناً عن سبق الوجوب. 

وحينئذٍ تقع المعارضة بين إطلاق أخبار التعلّم الدالّ على سبق وجوب صلاة الزلزلة، وبين ظهور الشرطية في قوله: (إذا زلزلت الأرض فصلِّ)، في أن الوجوب ليس سابقاً. وحيث يقع بينهما تعارض فمقتضى الصناعة في نفسها هو تقديم ظهور الشرطية، فإن مقتضاه هو تأخّر الوجوب، وبالتالي عدم استحقاق العقاب، وحيث إن هذا الظهور أقوى من الإطلاق هناك، فيكون صالحاً لرفع اليد به عن مثل ذلك الإطلاق. لولا دعوى أن مثل ذلك الإطلاق باعتبار سياقه مثلاً يكون إطلاقاً مستحكما آبياً عن التقييد والتخصيص. مثل قوله فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ، الظاهر جداً في أن كلّ مخالفة تنشأ من ترك التعلّم يفحم العبد بها من قبل المولى، يقال له: (لِمَ لَمْ تعمل؟ فيقول: لم أتعلم. فيقال: ِلَم لَمْ 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تتعلّم؟ فيكون لله الحجّة البالغة). ومثل هذا اللسان آبٍ عن التقييد بأن يُقال: (لله الحجّة البالغة) إلّا في صلاة الزلزلة مثلاً. فلو تمّت مثل هذه الدعوى بحكم إطلاق أخبار وجوب التعلّم في تمام تلك الظهورات(1)

هذا الأمر مبني على أمرين:

أوّلاً: أن نستفيد مثل هذا العرض العريض لأخبار وجوب التعلّم.

الثاني: أن نلتزم بإباء سياقها عن التخصيص والتقييد.

وإلا فإن لم تستفد مثل هذا العرض العريض لها، وقلنا بأن أخبار وجوب التعلّم ناظرة إلى ما يكون تكليفاً بالفعل لا ما يكون تكليفاً بنفسه بقطع النظر عن التعلّم، أو قلنا: إن الإطلاق ثابت إلّا أنه غير آبٍ عن التخصيص والتقييد، فلا يتمّ مثل هذا الكلام في المقام. ويكون المحذور الإثباتي قائماً مسجّلاً، يعني لا ينجح هذا الجواب إثباتاً. 

هذا كله في منع الصغرى. 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

() وهنا سألته: إذا لم يتعلّم وأصبح عاجزاً، فالخطاب غير موجود لا خطاباً ولا ملاكاً، فالمخالفة لا تكون متحقّقة.

فأجاب بأن: ظاهر الأخبار بأن المخالفة أو ترك الواجب الناشئ من ترك التعلّم يعاقب عليه في نفسه. ولو كان في عنوان المخالفة مسامحة نبدّله بترك الواجب.

فقلت له: أيضاً كذلك فإنه ليس واجباً.

فقال (سلّمه الله): هذا واجب بالآخرة، غاية الأمر أن ترك التعلّم أخرجه عن الوجوب. إذن فهذا في المرتبة السابقة عن التعلّم يكون محكوماً عليه بالوجوب شرعاً. وكل ما يكون كذلك يكون تركه الناشئ من ترك التعلّم موضوعاً للعقاب. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وأما منع الكبرى

سلّم أن الواجب موقّت وأن الوجوب ليس فعلياً قبل زمان الواجب، ولكن مع هذا يقال: إن المقدّمات المفوّتة تحصل على المكلّف بأحد وجهين: 

أما باعتبار أن الملاك فعلي حتّى في حال العجز، وإن لم يكن الوجوب حينئذٍ فعلياً. فلو ترك المقدّمة قبل مجيء زمان الواجب، فهو لا يقع في مخالفة خطابٍ؛ لأن الخطاب يسقط بالعجز، لكنّه سوف يقع في تفويت ملاك؛ لأنه غير مشروط بالقدرة، بل هو ثابت حتّى في حال العجز، والعقل لا يفرّق في قبح تفويت الملاك بين أن يعمل عملاً يفوّت به ملاكاً فعلاً، أو يعمل عملاً يفوّت به ملاكاً سوف يصبح فعلياً في زمان متأخّر. كِلاهما قبيح وخروج عن قانون العبودية.

 والتقريب الآخر أن يلتزم في وجوب التعلّم بأنه وجوب نفسي تهيّؤي. وفي الواقع إنه لا تقابل ما بين الوجهين، فإن الوجوب النفسي التهيّؤي من نتائج افتراض إطلاق الملاك في الوجه الأوّل، على تفصيل وتحقيق موضعه بحث المقدّمات المفوّتة. ومن هنا أيضاً نقول: إن الكلام أيضاً: تارةً يقع في مقام الثبوت، وأخرى في مقام الإثبات. 

أما مقام الثبوت لهذين الوجهين فيرجع إلى بحث المقدّمات المفوّتة، وهناك سوف نوافق على هذين الوجهين ونرتضيهما. 

وأما بحسب مقام الإثبات، فما هو الدليل على أن الملاك مطلق، وثابت حتّى في حال العجز؛ كي نحمل على العبد الإتيان بالمقدّمات المفوّتة تحفّظاً على الملاك في ظرفه؟ 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

طبعاً من أدلّة الأحكام نفسها لا يمكن أن نستفيد ثبوت الملاك لِما مرّ مراراً من أنه إذا سقط الخطاب بلحاظ مدلوله المطابقي لا يمكن التمسّك بمدلوله الالتزامي، وعلى ما يأتي توضيحه إن شاء الله في بحث التعادل والتراجيح. وفي المقام: الخطاب بلحاظ مدلوله المطابقي وهو البعث والتحريك ساقط عن العاجز، فلا يمكن أن نثبت به الملاك. يبقى وجه إثبات الملاك منحصراً في نفس أخبار وجوب التعلّم، بأن ندّعي لها إطلاقاً وعرضاً عريضاً، ونثبت به فعلية الملاك وإطلاقه. وذلك بأن ندعي بأن المتحصّل من أخبار وجوب التعلّم أن كلّ ترك تعلّمٍ يؤدّي إلى ترك واجب في نفسه فهو غير جائز. وإن شئتم قلتم: بأن كلّ تعلّم يؤدّي إلى امتثال واجب فهو لازم، سواء صار واجباً في طول التعلّم، أو هو واجب بقطع النظر عن التعلّم. إذا تمّ هذا الإطلاق فيمكن به أن نثبت إطلاق القدرة في المقام، وأن نقول: إن الواجب هو تعلّم كلّ وظيفة يكون التعلّم واقعاً في طريق الإتيان بالواجب في تلك الوظيفة. سواء كان وجوبه ناشئ من هذا التعلّم، أو كان وجوبه الخطابي ثابتاً بقطع النظر عن هذا التعلّم، فتكون أخبار التعلّم -مع ثبوت إطلاقها- دليلاً إنِّياً على أن الملاك مطلق وثابت حتّى في حال العجز. هذا تمام ما ينبغي أن نقوله في هذا التنبيه.

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 






التنبيه السادس: في وجوب التعلّم عند الشكّ بالابتلاء 

 

التنبيه السادس: في أنه هل لا بُدّ من التعلّم في موارد الشكّ بالابتلاء أيضاً أو لا يجب؟ مثلاً إن الإنسان يشكّ في أنه هل يبتلي بفروع العلم الإجمالي المذكورة في (العروة)، أو لا، بل قد يشكّ في أنه هل يبتلي بالشكوك التسعة الصحيحة أو لا؟ فهل يجب عليه التعلّم مع الشكّ بالابتلاء، أو لا يجب إلّا حيث يقطع بأنه سوف يبتلى بهذه الوظيفة؟ 

قد يقال: بأنه مع الشكّ لا يجب التعلّم، وذلك لأنه حيث يشكّ في الابتلاء يجري استصحاب عدم الابتلاء، ولو بلحاظ ما يأتي. فنستصحب أننا سوف لن نبتلى بالسفر حتّى نتعلّم أحكام صلاة المسافر، ولا بالاستطاعة حتّى نتعلّم أحكام الحجّ، وهكذا في كلّ ما نشكّ به، وبذلك لا نتعلّم. 

[كلام السيد الأستاذ في المقام ومناقشته]

أُفيد في (الدراسات) مقام تحقيق هذا الاستصحاب، أنه مبني جريانه إثباتاً ونفياً على تحقيق ما هو قانون جريان الاستصحاب. 

وتوضيح ذلك يكون ببيان أمرين: 

[الأمر الأول:] أنه فرض في (الدراسات) أن وجوب التعلّم أُخذ في موضوعه الشكّ في الابتلاء، أي: الحكم الشرعي الذي لا يعلم بالابتلاء به؛ 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

لوضوح أن التكاليف التي يعلم بعدم الابتلاء بها لا موجب لوجوب تعلّمها؛ لأننا لا نتكلّم في الاجتهاد ووجوب التعلّم الكفائي، وإنما نتكلّم في وجوبه الطريقي. إذن فكل ما يشكّ في الابتلاء به وعدمه يشمله أدلّة وجوب التعلّم. هذا هو الأمر الأوّل. 

الأمر الثاني المتفرّع على الأمر الأوّل: هو أنه بناءً على هذا يكون موضوع الحكم الشرعي هو الشكّ في الابتلاء وعدمه وعدم العلم بعدم الابتلاء، لا عدم الابتلاء واقعاً. فينتج من هذين الأمرين الشكّ في الابتلاء واحتماله، دون واقع الابتلاء أو واقع عدمه. 

وحينئذٍ نأتي -بناءً على تمامية هذين الأمرين- إلى محلّ الكلام نقول: إذا استصحبنا عدم الابتلاء، فهذا المستصحب الذي هو عدم الابتلاء لا هو حكم شرعي ولا هو موضوع لحكمٍ شرعي. أما أنه ليس هو حكماً شرعياً فهو واضح. وأما أنه ليس موضوعاً لحكم شرعي فأيضاً كذلك على ما تبيّن في الأمرين السابقين، حيث عرفنا أن الحكم الشرعي بوجوب التعلّم أُخذ في موضوعه الشكّ في الابتلاء وعدم العلم بعدم الابتلاء، لا واقع عدم الابتلاء، إذن فواقع عدم الابتلاء ليس موضوعاً لحكم شرعي ولا حكماً شرعياً.

وحينئذٍ يجب أن نرجع إلى قانون الاستصحاب، فإن فرض أنه لا يجري إلّا إذا كان المستصحَب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، إذن لا يجري هذا الاستصحاب. وأما إذا أنكرنا هذا القانون المشهوري لجريان الاستصحاب، وقلنا: إنه يجري حتّى لو لم يكن كذلك، فإنه قد يجري بلحاظ الأثر المترتّب على 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

نفس المجعول الاستصحابي والمنشأ في دليل الاستصحاب. فإن المنشأ فيه هو الطريقية والكاشفية، والاستصحاب كما قد يجري بلحاظ أن المستصحَب حكم شرعي، ويكون حينئذٍ قائماً مقام القطع الطريقي، كذلك قد يجري بلحاظ أن نفس المجعول في دليل الاستصحاب موضوع لحكم شرعي، وهو العلمية والطريقية، ويكون حينئذٍ قائماً مقام القطع الموضوعي دون الطريقي. بناءً على هذا لا بأس أن يجري الاستصحاب في المقام؛ لأن عدم الابتلاء في الواقع وإن كان ليس موضوعاً لحكمٍ شرعي، لكنّ القطع بعدم الابتلاء موضوع لحكم شرعي وهو عدم وجوب التعلّم، فبدليل الاستصحاب نُوجد قطعاً تعبّدياً بعدم الابتلاء في الواقع. وبذلك يكون الاستصحاب جارياً بلحاظ الأثر المترتّب على القطع الموضوعي، لا بلحاظ الأثر المترتّب على واقع المستصحب. 

نعم، غاية محذور هذا الاستصحاب أنه يلزم منه تخصيص الأكثر لأخبار وجوب التعلّم، إذ لو صار البناء على إجرائه فنجريه في أكثر الأحكام. وإلّا فالاستصحاب في نفسه تامّ الأركان. 

هذا هو تفصيل ما أُفيد في (الدراسات). 

إلّا أن هذا الذي أُفيد لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: لأن التكليف الذي نبحث عن أنه هل نتعلّم بلحاظه -فيما إذا شككنا في الابتلاء به-، أو لا. تارةً يكون هذا التكليف الآن فعلياً وأخرى لا يكون فعلياً، بل مشروطاً بشرط نشكّ في أنه هل سوف يتحقّق في حقّنا، أو سوف لا يتحقق. 

فإن فرض الأوّل كوجوب الصلاة بعد زوال الشمس، إذ بعد الزوال يجب 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

على المكلّف الصلاة الجامع بين صلاة القصر وصلاة التمام. وأنا لا أعرف أحكام صلاة السفر، وأشكّ بأني هل أبتلى في آخر الوقت بسفر أو لا. فهذا شكّ في الابتلاء بلحاظ تكليف فعلي. 

في مثل هذا لا إشكال، ولا ريب في أنه لا يمكن إجراء استصحاب عدم الابتلاء -استصحاب أني لا أسافر إلى آخر الوقت-. وذلك: لأنه لا أثر له بوجه من الوجوه، فإن الشغل اليقيني بالجامع ما بين صلاة المسافر وصلاة الحاضر يستدعي الفراغ اليقيني بحكم العقل، بمعنى: أن العقل يستقلّ بلزوم تحصيل الجزم بإتيان الوظيفة خارجاً. ومن المعلوم أن استصحاب أني لن أسافر إلى آخر الوقت لا يثبت(1) أني قادر وأني سوف آتي بالوظيفة التمامية في آخر الوقت بالنحو الصحيح إلّا بنحو الملازمة العقلية. فإن العقل الحاكم بأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، يحكم بلزوم أن نحصّل الجزم بالإتيان بالوظيفة، ومجرّد استصحاب أني سوف لن أسافر لا يوجد عندي جزم ولو تعّبداً بأني سوف آتي بالوظيفة، إلّا بالملازمة العقلية غير المقبولة في باب الأصول. هذا في التكليف الفعلي. 

وأما إذا كان التكليف المشكوك في الابتلاء بمخالفته مشروطاً، كما لو فرضنا أنه تكليف بصلاة الزلزلة، وأنا احتمل أنه في تمام عمري الباقي سوف لن تقع زلزلة على وجه الأرض، فهل يجري استصحاب أنه سوف لن تقع الزلزلة أو لا يجري؟ 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

() لا يثبت الجزم بأني سوف تصدر مِنّي الوظيفة كما في الواقع. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

في حكومة الاستصحاب على أدلّة وجوب التعلّم ومناقشته

الصحيح أنه لا يجري هذا الاستصحاب في نفسه أيضاً، وذلك: لأن موضوع دليل وجوب التعلّم ما هو؟ هل موضوعه هو التكليف الذي أبتلى به في الواقع، وهو التكليف الذي لا أقطع بعدم الابتلاء به. وفي (الدراسات) اختار الوجه الثاني كما بيّنا، ونحن نتكلّم على كِلا الوجهين. 

أما على الأوّل، فيكون واقع الابتلاء وجوداً وعدماً موضوعاً للحكم الشرعي، ويجري الاستصحاب حتّى على القانون المشهوري عند الآغايون القائل بأن الاستصحاب يشترط فيه أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، ولا تكون المسألة مربوطة بالناحية التي أُفيدت. 

وإذا فرض أنه لم يؤخذ في موضوع وجوب التعلّم واقع الابتلاء، بل يجب تعلّم الأحكام كلّية، لا الأحكام المبتلى بها بالخصوص، غاية الأمر خرج من ذلك العلم بعدم الابتلاء؛ لأنه معه لو وجب التعلّم لكان هذا خُلف كونه طريقياً، ولأصبح وجوباً نفسياً، فهنا هل يمكن أن نقول: إننا بالاستصحاب نوجد علماً بعدم الابتلاء، ويكون الاستصحاب حاكماً حينئذٍ على دليل وجوب التعلّم، على حدّ حاكميته على دليل أصالة الطهارة؟ فإن استصحاب القذارة(1) يوجد علماً بها عندهم، فيصير حاكماً على دليل أصالة الطهارة. فهنا نقول: (تعلَّم حتّى تعلم بعدم الابتلاء)، وإنما بالاستصحاب أُوجد علماً بعدم الابتلاء. هل هذه الحكومة صحيحة أو لا؟ 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() إشارة الى الخبر: “كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر“. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الصحيح أن هذه الحكومة غير صحيحة. فإن هناك فرقاً بين دليل أصالة الطهارة، ودليل وجوب التعلّم. ويأتي تفصيل هذا الفرق في بحث الاستصحاب وأبيّن نكتته الآن: 

وحاصلها: أن الدليل إذا خصّص وأخرج منه صورة العلم، فقيل -مثلاً- كلّ شي طاهر حتّى تعلم أنه قذر، تارةً يكون التخصيص لفظياً كما هو الحال في دليل أصالة الطهارة. وأخرى يكون التخصيص عقلياً بملاك استحالة شمول إطلاق التكليف لصورة العلم بالعدم. 

فإن فرض أن التخصيص كان لفظياً، وذكر العلم بعنوانه غاية وحدّاً. هكذا بنى الآغايون -وإن كنّا لا نقبل هذه المطالب -على الحكومة، وأن دليل الاستصحاب يكون موجِداً للعلم بالقذارة ورافعاً لموضوع أصالة الطهارة؛ لأن دليل الاستصحاب يوجِد علماً تعبّدياً بالقذارة، ويوسّع بذلك موضوع (حتّى تعلم أنه قذر). 

وأما إذا فرض أن التخصيص كان عقلياً لُبّياً بملاك استحالة شمول الإطلاق لصورة العلم بالعدم، ففي مثل ذلك لا تتمّ الحكومة، كما لو فرض أن دليل أصالة الطهارة كان إخراج صورة العلم منه لُبّياً لا لفظياً، لا يكون دليل الاستصحاب حاكماً عليه عند الآغايون القائلين بالحكومة. ولهذا لا يقولون بحكومة دليل الاستصحاب على دليل حجّية الأمارة، مع أن هذا الدليل أيضاً مخصّص بصورة عدم العلم والشكّ؛ لأن التخصيص هناك لُبّي عندهم لا لفظي. فإنه قال: خبر الواحد حجّة، وصورة العلم بالكذب خرجت بحكم العقل. 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وسرّ الفرق ما بينهما: أن التخصيص حينما يكون لُبّياً وبحكم العقل، يتقدّر بمقدار ملاك حكم العقل، والعقل ملاكه إنما هو بمقدار العلم الوجداني الثابت تكويناً لا أكثر. ودليل الاستصحاب لا يُوجِد علماً وجدانياً ثابتاً تكويناً لا محالة. ولهذا فدليل الاستصحاب لا يحكم على التخصيصات الثابتة بأدلّة لُبّية بملاك مخصوص بصورة العلم الوجداني، وإنما يحكم على التخصيصات اللفظية الثابتة بعناوينها الشرعية، وهذا من الأصول الموضوعية للحكومة عندهم. 

وحينئذٍ ففي محلّ الكلام: العلم بعدم الابتلاء لم يخرج بمخصّص لفظي، لم يقل: (تعلّم كلّ تكليف حتّى تعلم أنك لا تبتلى به)، وإنما خرج من باب حكم العقل باستحالة شمول الحكم الطريقي لموارد العلم بعدم الابتلاء، وهذا الحكم العقلي يقدّر بقدره، وهذه الاستحالة مخصوصة بخصوص موارد العلم الوجداني الثابت تكويناً، فيكون دليل الاستصحاب مع دليل وجوب التعلّم كدليل الاستصحاب مع دليل حجّية خبر الواحد. 

إذن فالاستصحاب في المقام لا يكون جارياً بناءً على هذا التقدير، من دون حاجة إلى التمسّك بمحذور التخصيص المستهجن، وإن كان هذا المحذور في نفسه أيضاً تامّاً إلّا أن النقاش كان صناعياً محضاً، وإلّا بحسب النتيجة الأمر هكذا. 

وعليه فالظاهر: أن في موارد الشكّ في الابتلاء يجب الفحص والتعلّم احتياطاً؛ لأجل سدّ باب المخالفة من هذه الناحية. 

هذا تمام الكلام في هذا التنبيه.

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 

استدراك للتنبيه الخامس: في الجمع بين الصحّة                 واستحقاق العقاب

 

عقدنا(1) تنبيهاً لاستعراض الموارد التي استُشكِل في شمول هذه القاعدة لها، فاستعرضنا عدّة موارد، وانتهينا إلى هذا المورد الجديد: 

وهو: ما إذا ثبت بالدليل الخاصّ إجزاء غير المأمور به الصادر في حال الجهل بالحكم، فإنه ثبت في الفقه أن الجاهل بحكم القصر والتمام لو ترك التعلّم والفحص، وأتمّ في موضوع القصر، أجزأته صلاته، حتّى لو كان جهله بالحكم جهلاً غير معذور فيه، أي: كان متمكّناً من الفحص ولم يفحص، وكذلك دلّ الدليل على أن الجاهل بكبرى الجهر والإخفات لو جهر في موضوع الإخفات أو عكس، أجزأته تلك الصلاة، ولا تجب عليه الإعادة، ولو التفت إلى ذلك في أثناء الوقت. 

هذا الحكم أدّى إلى توهّم أن هذا الجاهل بالحكم الذي ثبت إجزاء عمله غير المأمور به، هذا الجاهل لا يمكن أن يلتزم في حقّه بوجوب الفحص، 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() ذكر في هذه المحاضرة موضوعاً ملحقاً بالتنبيه الخامس –ما قبل الأخير– الذي ذكر فيه الموارد التي يشكّ في وجوب الفحص فيها، فذكر مورد من تلك الموارد فقال: عقدنا تنبيهاً…

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

واستحقاق العقاب استحقاقاً عصيانياً. وذلك: لأن ما هو المأمور به في الواقع لهذا الشخص لا يمكن أن يكون هو خصوص القصر أو الجهر مثلاً، إذ لو كان المأمور به ذلك لَما أمكن الحكم بصحّة ما أتى به؛ لأنه ما أتى به حينئذٍ لا يكون مصداقاً للمأمور به. فالحكم بصحّة ما أتى به مساوق مع فرض سعة دائرة الأمر، وإن المأمور به هو الجامع بين القصر والتمام، وانطباق الواجب على ما أتى به خارجاً. ومع فرض سعة الأمر وانطباقه على ما أتى به لا يكون هناك عصيان من قبله؛ لأنه يكون قد أتى بما هو المأمور به الواقعي، وإن كان قد ترك الفحص. فلا يتصوّر في حقّه العصيان واستحقاق العقاب. 

إلّا أن المشهور عند الفقهاء هو الجمع بين المطلبين: بين الحكم بإجزاء ما أتى به، وتطبيق القاعد الكلّية القاضية باستحقاق العقاب بالنسبة إليه. فهذا المكلّف من حيث كونه جاهلاً بالحكم، وترك الفحص والتعلّم، فابتلى بتغيير الوظيفة الواقعية، وصلى تماماً في موضع القصر، من هذه الناحية يستحقّ العقاب. ومن ناحية الدليل الخاصّ الذي دلّ على إجزاء عمله، وعدم وجوب الإعادة عليه، يحكم بصحّة ما أتى به. 

والتزام المشهور بالجمع بين هذين المطلبين: بين استحقاق العقاب، وبين الصحّة الواقعية؛ أدّى إلى الإشكال المشهور الذي قرأتموه في (الكفاية) وغيرها، وحاصله: أنه كيف يمكن تصوّر الجمع بين هذين الحكمين؟ فإنه إن كانت وظيفته الواقعية هو الجامع ما بين القصر والتمام، إذن فالحكم بالصحّة في محلّه؛ لأنه أتى بمصداق الجامع. ولكن لماذا يستحقّ العقاب العصياني بعد أن أتى بما 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

هو الواجب الواقعي؟ وإن فرض أن الواجب الواقعي كان هو خصوص القصر ولا يشمل التمام، فاستحقاق العقاب في محله؛ لأنه فوّت ما هو الواجب الواقعي، ولكن لا وجه للحكم بالصحّة حينئذٍ، إذ كيف يحكم بصحّة عمل أوتي به غير مأمور به؟! ولا معنى لإجزائه عن المأمور به، ولا معنى لإعفائه من الإعادة لو تنبّه في الوقت. 

فيبدو أن شيئاً من التهافت موجود بين هذين الحكمين. وهذا التهافت المرئي تصدّى المحقّقون لحلّه، ولتصوير إمكان الجمع بين هذين الحكمين. ومن هنا يقع الكلام في مقامين: المقام الأوّل في تصوير الجمع بين هذين الحكمين ثبوتا. المقام الثاني: في إثباتهما بحسب مقام الإثبات والأدلّة. 

المقام الأوّل: وهو تصوير الجمع بينهما ثبوتاً 

ذكرت عدّة وجوه للجمع بين هذين المطلبين:

الوجه الأوّل للكفاية

الوجه الأوّل في (الكفاية) للمحقّق الخراساني. وحاصله، تقديم فرضية، هي ممكنة ثبوتاً بحسب دعوى المحقّق الخراساني، وهي كفيلة بتفسير كلّ جهات الموقف. 

وحاصل هذه الفرضية: الالتزام بأن صلاة القصر -التي هي الواجب في الواقع، والتي يجهل هذا المؤمّن وجوبها- واجدة لمصلحة ملزمة، وهذه المصلحة منحلّة إلى ذات وإلى مرتبة. فأصل المصلحة موجودة في صلاة التمام، كما هي موجودة في صلاة القصر. إلّا أن مرتبتها العالية مختصّة بقصرية الصلاة. 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فأصل ذات المصلحة قائم بالجامع بين القصر والتمام، ومرتبتها الشديدة قائمة بخصوص صلاة القصر، وذاك الجامع الذي هو ذات المصلحة يمكن استيفاؤه بالقصر تارةً وبالتمام أخرى. وأما تلك المرتبة الشديدة الزائدة فلا يمكن استيفاؤها إلّا بالقصر؛ لأنها قائمة بالخصوصية القصرية. 

ونُدخِل على هذه الفرضية عاملاً جديداً، وهو أن الجامع -وهو أصل المصلحة- لو استوفي في ضمن الفرد التامّ -أي: صلاة التمام- فهو وإن كان قد حصل ولم تحصل المرتبة الشديدة، غير أن المرتبة الشديدة تصبح متعذّرة بعد استيفاء الجامع في ضمن صلاة التمام. 

وحينئذٍ لا يمكن استيفاء هذه المرتبة الشديدة في ضمن نفس صلاة القصر مرّة أخرى حتّى لو أتى بها. 

وهذا أمر عرفي يتحقّق خارجاً كثيراً، فإن الإنسان قد يكون له شهية إلى الطعام، فهذه هي أصل المصلحة، ولها درجة عالية هي مرتبة المصلحة. وأصل الشبهة يمكن استيفاؤها بالجامع ما بين الخبز والتفاح، إلّا أن تلك المرتبة العالية لا تتحقّق إلّا بالتفاح. إلّا أنه لو استوفى الجامع في ضمن الخبز وأكله حتّى شبع، بعد هذا لا يمكنه استيفاء تلك المرتبة العالية في التفاح. فهذا مطلب عرفي بحسب الخارج، وهو نفترضه هنا وأن الجائع هو المولى، وأن المصلحة تكون بهذا النحو. إلى هنا تمّ الهيكل الأساسي للفرضية. 

وعلى ضوئه يقول صاحب (الكفاية): إن الحكم بصحّة ما أتى به الجاهل بالحكم وهو صلاة التمام، تفسيره أن صلاة التمام محصّلة لأصل المصلحة 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وجامعها، إذن فهو قد أتى بعبادة واجدة لملاك مولوي، وتقرّب بها بلحاظ ملاكها إلى المولى، ولا يشترط في عبادية العبادة وصحّتها أكثر من ذلك، فالحكم بالصحّة يكون معقولاً، كما أن الحكم باستحقاق العقاب أيضاً يكون معقولاً؛ لأن هذا الشخص الجاهل بالحكم ورّط نفسه وأتى بصلاة التمام بدلاً عن القصر، وبذلك فوّت على نفسه المرتبة الزائدة من المصلحة؛ لأن تلك المرتبة القائمة بخصوص صلاة القصر تعذّر عليه الإتيان بها بسوء اختياره؛ لأنه أتى بصلاة التمام، فعجّز نفسه عن المرتبة الزائدة من تلك المصلحة، فيكون مستحقّا للعقاب باعتبار تفويته للمصلحة الزائدة اللزومية من مصلحة صلاة القصر. 

ومن ذلك يظهر الوجه في أنه يُعفى من الإعادة لو التفت في أثناء الوقت، فإنه لو أراد أن يصلّي مرّة أخرى قصراً، فإنها لا تفيده؛ لأنه من قبيل من أكل الخبز ثُمّ وجد التفاح، فإنه لا يفيده حينئذٍ؛ لأنه أصبح عاجزاً عن استيفاء تلك المرتبة الزائدة من المصلحة عن طريق صلاة القصر. هذه هي الفرضية. 

ثُمّ بعد هذا يعترض على نفسه اعتراضاً، وفي الجواب يُدخِل عاملاً جديداً في الفرضية. وحاصل الاعتراض: أنه بناءً على هذا يمكن -حتّى لنا نحن العالمين بوجوب القصر على المسافر- أن نأتي بصلاة التمام في السفر، وتكون صلاتنا صحيحة؛ لأنها واجدة لأصل المصلحة المتعلّقة بالجامع بين صلاة القصر والتمام، فتقع الصلاة صحيحة، وإن كان يعاقب على تفويت المصلحة، مع أنه لا يلتزم فقيه بذلك. 

في مقام الجواب عن هذا الاعتراض يُدخِل عاملاً جديداً في الفرضية، وحاصله: أن أصل المصلحة قائم بالجامع بين صلاة القصر وصلاة التمام، لا 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

كلّ صلاة تمام، بل صلاة التمام -المقرونة بالجهل بالحكم-. إذن فصلاة التمام المقرونة بالعلم بالحكم ليست فرداً من الجامع الواجد لأصل المصلحة، ولهذا لا تصح ّمثل هذه الصلاة من العالم بالحكم. 

هذه الفرضية نوقشت بعده مناقشات من قبل الآغايون: 

مناقشة (الدراسات)

المناقشة الأولى ما ذُكرت في (الدراسات)، وكأنّها موجودة بوجه من الوجوه المنغمرة في (أجود التقريرات) أيضاً. وحاصله: الاستبعاد. فإن التضادّ هكذا تصوّره صاحب (الكفاية): فإنه لم يتصوّر تضادّاً بين نفس الفعلين: صلاة القصر وصلاة التمام؛ لبداهة أن بإمكان الإنسان أن يجمع بينهما. وإنما فرض تضادّاً بين التمام وبين تحصيل تلك المرتبة الزائدة من مصلحة صلاة القصر، فالتضادّ بلحاظ عالم المصالح لا بلحاظ ذوات الأفعال. ويقول: بأن فرض التضادّ بلحاظ عالم المصالح فرض وهمي من أنياب الأغوال، ومن البعيد جداً أن يكون محلّ الكلام من قبيله، ولو بحساب الاحتمالات، حيث إننا لا نجد له مثالاً ومصداقاً، فافتراضه يكون افتراض أمر موهوم مطمأن بعدمه. 

هذا الاعتراض غير وارد، وذلك: 

أما أوّلاً: فلِما بيّناه من أن هذا المطلب عرفي، واقع في حياتنا الاعتيادية، فإن المرتبة الشديدة من الشهية التي تقوم بخصوصية التفاح، حقيقة لا يمكن استيفاؤها مع فرض تطبيق جامع الشهية على الخبز، فافتراض هذا ممكن في نفسه، وليس بالذهنية العرفية من قبيل أنياب الأغوال. 

وأما ثانياً: فلأنه بالإمكان إرجاع التضادّ إلى نفس الفعلين، لا إلى 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

المصلحتين بما هما، بأن يدّعى أن صلاة القصر الواجدة للمصلحة الشديدة هي الحصّة الخاصّة من صلاة القصر غير المسبوقة بصلاة التمام، بحيث يجعل عدم صلاة التمام قيداً في صلاة القصر، فيحصل التضادّ بين ذات الفعلين بالعرض، وهذا أمر معقول. يبقى السؤال أنه كيف صار هكذا؟ فهذا السؤال يأتي في كلّ التقييدات: أنه كيف صارت صلاة العصر مقيّدة بأن يسبقها صلاة الظهر؟ فهذا مطلب يكون راجعاً إلى الملاكات المولوية في المقام. 

مناقشة المرزا في (الفوائد)

المناقشة الثانية هي التي ذكرها المرزا في (الفوائد) أي تقريرات الشيخ محمّد علي الخراساني. وحاصلها: أن هذه المرتبة الزائدة من المصلحة القائمة بصلاة القصر، أهي مرتبة لزومية أو غير لزومية؟ إن فرض أنها غير لزومية؛ إذن فلماذا يعاقب على تفويتها؟ وإن فرض أنها مرتبة لزومية في نفسها فنسأل: أن هذه المرتبة هل قيامها بصلاة القصر مشروط بأن لا يسبقه صلاة التمام أو لا؟ فإن كان مشروطاً بأن لا يسبقه صلاة التمام، إذن فمع سبق صلاة التمام لا مصلحة في صلاة القصر، وهذه المرتبة الزائدة لا تكون ثابتة في صلاة القصر، فلماذا نعاقب عليها؟ وإذا فرض أن قيام هذه المرتبة الزائدة في صلاة القصر كان غير مشروط بأن لا يسبقه صلاة التمام، بل هي موجودة في صلاة القصر، سواء وقعت قبلها صلاة التمام أو لم تقع؛ إذن فلماذا لا نأتي بها بحسب الخارج، ونحصّل هذه المرتبة الزائدة. 

هذا الإشكال أستبعد صدوره من المرزا، وأحتمل أن هناك ضعفاً في العبارة، وأنه أُريد من هذا الإشكال الإشكال الثالث الذي يأتي، غاية الأمر أن 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ضعف العبارة عكسه بهذا النحو، وإلا فهذا إشكال من لا يفرّق بين قيود الواجب وقيود الوجوب؛ لأننا نختار في المقام: أن المرتبة الزائدة القائمة بصلاة القصر لزومية، وأنها يكون عدم سبق صلاة التمام قيداً فيها، لكن قيد للواجب لا قيد للوجوب، لا أن عدم سبق صلاة التمام قيد لأصل اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة حتّى يقال: بأننا بعد أن نصلي صلاة التمام لا يوجد عندنا مصلحة أصلاً حتّى نعاقب على تفويتها، بل هو قيد لترتّب المصلحة على الفعل، لا لأصل اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة. يعني: قيداً على حدّ قيدية الوضوء للصلاة، لا على حدّ قيدية الاستطاعة لوجوب الحجّ. 

فبناءً على هذا يكون ما أُفيد في (الكفاية) تامّاً، وهو أنه وجد أن يأتي بصلاة التمام، المصلحة فعلية؛ لأن أصل المصلحة غير مقيّد بعدم صلاة التمام، ولكن إيجادها بحسب الخارج غير ممكن؛ لأن ترتّبها على الفعل مقيّد بعدم صلاة التمام، فعدم صلاة التمام قيد في الترتّب، لا قيد في أصل الاتّصاف. 

والمرزا الذي هو أسّس هذه المصطلحات لشروط الاتّصاف وشروط الترتّب، وأوضحها بغاية الدقّة في بحث الواجب المطلق والمشروط، لا يحتمل في شأنه أن يخفى عليه مثل ذلك. 

مناقشته في (أجود التقريرات)

المناقشة الثالثة ما ذكره المرزا في (أجود التقريرات):

وحاصله: هو أن صاحب (الكفاية) تصوّر في المقام أصل المصلحة ومرتبة المصلحة. حينئذٍ نسأل: أن مرتبة المصلحة هل هي مرتبطة بأصل المصلحة، بحيث 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

لا يمكن تفكيكها عنها، ولا يمكن إيجاد أصل المصلحة بدونها؟ أو أنه يمكن تفكيك أحدهما عن الآخر؟ فإن فرض أنه لا يمكن تفكيك أحدهما عن الآخر وأنهما مترابطان(1): فيلزم من ذلك عدم صحّة صلاة التمام؛ لأنها لم يتحقّق فيها لا أصل المصلحة ولا المرتبة الشديدة منها؛ لأن المفروض الترابط بين أصل المصلحة ومرتبتها. ولو فرض أنه لا ترابط بينهما، ويمكن أن يتحقّق أحدهما دون الآخر، كما هو مدّعى صاحب (الكفاية) صريحاً في المقام. فيلزم بناءً على هذا تعدّد العقاب. فإن هذا الجاهل بالحكم لو فرض أنه ترك الصلاة رأساً ولم يصلِّ لا تماماً ولا قصراً يعاقب بعقابين: بعقاب على تفويت الملاك اللّزومي القائم بالجامع بين صلاة القصر والتمام، ويعاقب بعقاب آخر على تفويت الملاك اللّزومي الزائد أو المرتبة الشديدة القائمة بخصوص صلاة القصر. من قبيل من نذر في موارد التخيير بين القصر والتمام -لو نذر- التمام -بناءً على أنه أفضل الفردين-، وترك الصلاة رأساً، فحينئذٍ يعاقب بعقابين: بعقاب على الجامع بين القصر والتمام، وبعقاب آخر على خصوص ترك صلاة التمام. كذلك يلزم في المقام تعدّد العقاب. ونحن بصدد توجيه العقاب الواحد، لا بصدد توجيه العقابين(2)

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() فلا يمكن أن تتحقق في صلاة التمام. (المُقرِّر).

(2) وهنا قال جوابا على سؤال: إن صاحب الإشكال يريد أن يقول: إنه يلزم أن يكون هذا عقابه أكثر ممن هو عالم بصلاة القصر وتركها؛ لأن ذاك يعاقب بعقاب واحد لتركه صلاة القصر، أما هذا فيعاقب بعقابين: على الجامع بين القصر والتمام، وعلى القصر بالخصوص، مع أن هذا ليس بأسوأ حالاً من ذاك بلا إشكال.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فيما هو التحقيق في مناقشة الاخوند 

في(1) المقام تحقيق جواب هذا الإشكال، بعد فرض اختيار الشقّ الثاني الذي هو صريح كلام المحقّق الخراساني، وهو أن أصل المصلحة قابل للانفكاك عن المرتبة الزائدة. وقد اعترض عليه أنه يلزم منه تعدّد العقاب. 

وتحقيق عدم صحّة هذه المناقشة يكون بعد بيان جهتين، الجهة الأولى: في أصل تصوير تعدّد العقاب. والجهة الثانية: في تصوير ملاك تعدّد العقاب. وبهما تنحلّ هذه المناقشة. 

أما الجهة الأولى: وهو تصوير أصل تعدّد العقاب فتعدّده له أحد معنيين: إما أن يكون تعدّد العقاب بلحاظ المستحقّ، وإما بلحاظ نفس الاستحقاق. 

توضيح ذلك: أنه إن فرضنا أن العقاب الذي يستحقّه المكلّف على ارتكاب معصية من المعاصي كالكذب مثلاً. إن فرض من هذا العقاب كان محدّداً بحسب الواقع -بحسب حكم العقل- عبارة عن عشر ضربات بالعصي مثلاً. فتعدّد العقاب لو كذب مرّتين، يعقل أن يكون بلحاظ المستحقّ حيث يتصوّر عدم التداخل، فبمرّة واحدة يستحقّ عشر ضربات وبالمرّتين يستحقّ عشرين ضربة. 

وأخرى يفرض أن العقاب المستحقّ على المعصية الواحدة غير محدود أصلاً، بل هو قابل للزيادة بمقدار ما يُعمل المولى مولويته في مقام المعاقبة. فالكذبة الواحدة ليس العقاب الذي يحكم العقل باستحقّاقه من قبل المولى 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

(1) لخّص أوّلاً المناقشة الثالثة لفرضية الآخوند.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تعالى عقاباً محدّداً، وإنما هو عقاب مفتوح تحت اختبار المولى مهما زاد وصعد. فبناءً على هذا تعدُّد العقاب لا يمكن أن يكون بلحاظ المستحقّ، وذلك لأن المستحقّ لا يقبل أن يزاد عليه، وإنما الزيادة والتعدّد يكون في نفس الاستحقاق(1) لا في المستحقّ. ومعنى تعدّد الاستحقاق يعني: تأكّده وشدّة حسن هذه المعاقبة، يعني هذه المعاقبة المفتوحة الباب بغير نهاية، كانت حسنة من قبل المولى بنحوٍ، واشتدّ حسنها الآن بتعدّد صدور المعصية من العاصي. 

الجهة الثانية: في أن هذا التعدّد العقابي سواء رجع إلى زيادة في المستحقّ، أو إلى تأكّد وتكثّر في نفس الاستحقاق، ما هو ملاكه؟ لا بُدّ من النظر إلى ما هو مناط استحقاق العقاب، ومناطه بحسب الحقيقة هو حقّ الطاعة، حيث إن علاقة المولى الحقيقي بالعبد تتمثّل في هذا الفعل الذي يستقلّ به العقل، فإذا لم يطع العبد يدرك العقل استحقاق العقاب؛ نتيجة لعدم إعطاء المولى حقّه، وهو حقّ الطاعة، ومناط استحقاق العقاب هو حقّ الطاعة. 

وحقّ الطاعة يمكن أن نتصوّره بتصوّرين: 

التصوّر الأوّل: أن نقول: إن حقّ الطاعة حقّ بملاك المولوية، وهو حقّ بسيط غير قابل للتشكيك والشدّة والضعف والزيادة والنقصان. حيث إن المولى هو المولى، فلا معنى لأن يقال: إن حقّ طاعته في هذا التكليف أشدّ منه في ذلك التكليف؛ لأن حقّ الطاعة هو باعتبار مولوية المولى، وهي واحدة في سائر التكاليف. فحقّ الطاعة حقّ بسيط غير قابل للشدّة والضعف، بل هو بنحو 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() استحقاق بعد استحقاق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

واحد، غاية الأمر بأن حقّ الطاعة يتعدّد بحسب الخارج بتعدّد المحرّكات المولوية، فكلّ تحريك وترتّب مولوي يقع موضوعاً لفرد من حقّ الطاعة، وهذه الأفراد من حقّ الطاعة كلّها بنحو واحد ومن سنخ واحد؛ لأن حقّ الطاعة لا يقبل التشكيك. هذا تصوّر. 

وبناءً على هذا التصوّر: يكون الموجب لتكثّر العقاب هو العامل الكمّي فقط، أي: أن يوجد عندنا تحريكان مولويان، فيترتّب عليهما فردان من حقّ الطاعة، فيترتب على الفردين استحقاق العقاب هنا واستحقاقه هناك، فيتكرّر العقاب إما بلحاظ المستحقّ أو بلحاظ نفس الاستحقاق.

فيكون العامل الكمّي هو العامل الأساسي في تصوير تعدّد العقاب في المقام، حيث إن حقوق الطاعة بنحو واحد مترتّبة على أفراد التحريكات المولوية. 

التصوّر الثاني: هو أن نفرض أن حقّ الطاعة الذي هو مناط استحقاق العقاب بنفسه قابل للشدّة والضعف أيضاً، فحقّ الطاعة للمولى في احترام دم سيد الشهداء وأن لا يُقتل، أشدّ بمراتب في أن يحقن دم الذمّي، مع أن كُلّاً منهما حرام شرعاً، إلّا أن حقّ الطاعة هنا أشدّ منه هناك، وإن كان المولى هو المولى ومولويته لا تختلف، إلّا أن نفس هذه المولوية تقتضي مرتبة شديدة من حقّ الطاعة هنا، وتقتضي مرتبة ضعيفة منه هناك، تبعاً للأغراض المولوية التي بسببها جاءت التحريكات المولوية والتوقيعات المولوية.

فمهما كان الغرض أقوى تكون مولوية هذا المولى مؤثّرة في إيجاد مرتبة أشدّ من حقّ الطاعة، وبالتالي يترتّب على ذلك عقاب أشدّ لا محالة. 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بناءً على هذا يتدخّل العامل الكيفي في مسالة العقاب، فإذا أردنا أن نعرف أن زيداً يعاقب أزيد من عمرو أو لا، لا نحسب فقط العامل الكمّي، أن هذا قصّر في حقّ تحريك مولوي واحد، وذاك قصّر في تحريكين، بل يجب أن نلحظ سنخ التحريك أيضاً، هذا قتل ذمّياً وذاك قتل سيد الشهداء، فالتحريك المولوي في كلٍّ منهما على حدّ واحد، إلّا أن حقّ الطاعة هنا أشدّ، وبالتالي فاستحقاق العقاب هنا أقوى وأشدّ من استحقاقه هناك. 

ومن هنا يمكن أن يفرض: أن معصيتين بمجموعهما يكون العقاب عليهما مساوياً لمعصية واحدة أو أقلّ منها، إذا فرض أن الغرض المولوي من وراء ذاك التحريك الواحد أقوى من مجموع الغرضين من وراء التحريكين المولويين الآخرين، فإن حقّ الطاعة يشتدّ ويضعف بتبع ذلك، ويكون مؤثّراً في شدّة العقاب وضعفه. هذا هو التصوّر الثاني. 

وخلال عرض نفس التصوّرين تبيّن ما هو المختار، وهو التصوّر الثاني. وحينئذٍ بناءً على هذا نقول في المقام: 

إنه لو كان ميزان تعدّد العقاب هو العامل الكمّي فقط -أخذاً بالتصور الأوّل- لأمكن أن يقال في المقام: بأن فرضية الآخوند توجب تعدّد عقاب لم يكن لولا الفرضية. فإنه لولاها كنّا نقول: بأن هناك مصلحة واحدة ملزمة بسيطة قائمة بالصلاة، وهي تقتضي تحريكاً وترقّباً مولوياً واحداً، إذن فلم يصدر من المكلّف إلّا تقصير في حقّ تحريك مولوي واحد، وأما بعد أن جاءت فرضية الآخوند، وفرض مصلحتين: المصلحة الأمّ قائمة بالجامع، والمصلحة البنت قائمة بخصوص صلاة القصر، فقد فرض على طِبق المصلحتين تحريكان 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

مولويان لا محالة، بتعدّد المحرّك بتعدّد العقاب لا محالة. فلو ترك هذا المؤمن الجاهل بالحكم أصل الصلاة يعاقب بعقابين؛ لأنه قصّر في حقّ ترقّبين للمولى. 

وأما لو أخذنا بالتصوّر الثاني وأدخلنا العامل الكيفي أيضاً في مناط استحقاق العقاب، وآمنّا أن حقّ الطاعة قابل للشدّة والضعف بتبع اقتضاءات مولوية المولى، فحينئذٍ لا تدخل فرضية الآخوند شيئا في المطلب، وما كان موجوداً لولاها موجوداً بعدها؛ لأن الآخوند لا يريد أن يزيد في الغرض الموجود في الصلاة، وإنما يريد أن يجزّئه. يقول: هذا الغرض الذي هو موجود في صلاة القصر، على واقعه، أقوم بتجزئته، وأن هذا الغرض له مرتبتان: قوية وضعيفة، وليس ذا مرتبة واحدة، وتجزئته وعدمها لا دخل له في مرتبة حقّ الطاعة، وبالتالي لا دخل له في مقدار العقاب المستحقّ. 

فإننا بعد أن بيّنا على أن مناط استحقاق العقاب هو حقّ الطاعة، ومناط حقّ الطاعة هو المقدار المفوَّت من الغرض، ومن المعلوم أن المفوَّت من الغرض هو حدّ واحد، سواء كان المفوّت من الغرض قابل للتجزئة في نفسه، وللتبعيض في مقام الإتيان خارجاً، أو غير قابل. قابليته للتبعيض لا تزيد من المقدار المفوّت من الغرض. وحينئذٍ فيكون حقّ الطاعة بلحاظ المرتبتين هو حقّ الطاعة بلحاظ المرتبة البسيطة، لو قيل باندماج المرتبتين في مرتبة واحدة، والتفكيك أو الجمع لا أثر له في مرتبة حقّ الطاعة بوجه من الوجوه. وعليه فتعدّد العقاب ليس من مستلزمات فرضية صاحب (الكفاية). 

نعم، لو فرض أن صاحب (الكفاية) كان يريد أن يقول: إنه زائداً على المصلحة الموجودة في صلاة القصر، يوجد مصلحة أخرى في صلاة التمام. 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فحينئذٍ يلزم أن يكون هذا الجاهل بالحكم إذا ترك الصلاة رأساً، يكون قد فوّت زائداً على ذلك الغرض مصلحة جديدة، فيعاقب حينئذٍ بعقابين؛ لاشتداد حقّ الطاعة. لكنّ الآخوند لا يريد أن يقول هذا، وإنما يشير إلى نفس ذلك الغرض المحفوظ، ويقول: أجزّئه وأحلّله إلى مرتبتين، وتحليله ليس فيه أدنى تأثير في اشتداد حقّ الطاعة، وبالتالي في تكثير العقاب خارجاً(1)

فهذا جواب المناقشة الثالثة. 

مناقشة الأصفهاني للآخوند

المناقشة الرابعة لفرضية الآخوند، ذكرها المحقّق الأصفهاني في حاشيته على (الكفاية). 

وهي تحتاج إلى استذكار مقدّمة قرأناها في مبحث الإجزاء في (الكفاية).

وحاصلها: أنه هناك ذكرت الروايات الدالّة في صلاة الجماعة على أن الشخص إذا صلّى فرادى، يستحب له أن يعيد الصلاة جماعة، والله تعالى يختار أحبّها إليه، كما في بعض الروايات. 

وقد وضع صاحب (الكفاية) هناك فرضية في تفسير هذا الدليل الفقهي. فقال: إن الذي يستفاد من هذه الرواية: أن الصلاة ليست علّة تامّة في تحصيل الغرض، وإلّا لَما أمكن إعادتها مرّة أخرى لتحصيل المصلحة بوجه أكمل، فإنها قد استوفيت. بل المستفاد من هذا الدليل: أن الصلاة كالمعدّ بالنسبة إلى حصول 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: أنه على المبنى الأوّل هل الإشكال مسجّل على الآخوند؟

فأجاب: فيه أيضاً تشقيق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

المصلحة، نسبته إليها كنسبة تقديم كأس الماء إلى المولى مع رفع عطشه، فإنه معدّ لرفع عطشه، وليس علّة تامّة له. فكما يمكن للعبد بعد أن يأتي بكأس الماء فله أن يبدّله بماء أبرد أو يضمّ الكأس الثاني إلى الأوّل ليختار المولى أحبّها إليه. كذلك في المقام، يصلّي العبد الجماعة حتّى يختار المولى أحبّهما إليه.

وقد وضع لهذا اصطلاحاً وهو: جواز تبديل الامتثال بالامتثال، أو جواز ضمّ الامتثال إلى الامتثال. 

هذا هو المطلب الذي ذكره صاحب (الكفاية)، صاحب هذه الفرضية في مبحث الإجزاء. 

يقول حاج شيخ: بأن تلك الفرضية في تفسير ذلك الدليل الفقهي تهافت هذه الفرضية في تفسير هذا الدليل الفقهي. 

وذلك لأننا إن بنينا على أن صلاة التمام التي يأتي بها الجاهل بالحكم، إن بنينا على أنها مجرّد معدّ لتحصيل المصلحة الموجودة في الجامع، -كما هو مقتضى ما أفاده في بحث الإجزاء- فحينئذٍ يبقى مجال لاستيفاء تمام المصلحة بالإتيان بصلاة القصر، كما يمكن لهذا الجاهل تمسّكاً بإطلاقات جواز الإعادة إعادة نفس صلاة التمام جماعة، كذلك يمكن الإتيان بصلاة القصر. فإذا صحّ له هذا من باب أن صلاة التمام ليست علّة تامّة في استيفاء المصلحة، إذن فالمصلحة لم تستوفَ حتّى الآن، إذن فلم تفت، فإذا لم تفت فيجب عليه إعادة صلاة القصر، فلماذا لا يكلّف بإعادتها؟! 

وإن فرض أن صلاة التمام كانت علّة تامّة لتحصيل المصلحة في الجامع، كعلّية أكل الخبز لتحصيل المصلحة في الجامع، بحيث لا تُبقي مجالاً لأكل التفاح 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بعد ذلك، فهذا خلاف جواز إعادة صلاة الفرادى جماعة خلاف تلك الفرضية. 

والتفرقة بين بعض الموارد وبعض، بأن نقول: بأن هذه الصلاة، إن جاءت بعدها صلاة القصر، فسوف تصبح من أوّل الأمر علّة تامّة، وإن لم تجئ بعدها صلاة القصر، فسوف لن تصبح علّة تامّة، مثل هذه التفرقة غير عقلائية. هذه هي مناقشة المحقّق الأصفهاني. 

جوابها -مع لطافتها – هو: أن صلاة التمام -افرضوا أنها- ليست علّة تامّة لاستيفاء المصلحة كعلّية أكل الخبز لاستيفاء مصلحة الجامع، بل هي معدّ، ولكن نفرض أنها ذات أثرين إعداديين. 

بمعنى: أنها معه لتحصيل أصل المصلحة الموجودة في الجامع، ومن ناحية أخرى تؤثّر في إفناء الاستعداد لتحصيل المرتبة الزائدة من المصلحة الموجودة في صلاة القصر. فصحّة هذه الصلاة باعتبار كونها واجدة لتلك الخصوصية، هي كونها معدّة ومهيئة لكسب أصل المصلحة. وتعجيزها عن صلاة القصر باعتبار أنها تفني الاستعداد والتهيؤ عند الإنسان؛ لكسب تلك المرتبة الزائدة من المصلحة القائمة بصلاة القصر. 

وبناءً على هذا يكون جواز الإعادة جماعة أيضاً على حاله، فنلتزم حتّى في خصوص هذا المورد أنه يجوز للجاهل بالحكم -ما دام هو كذلك- إذا صلى تماماً أن يعيدها تماماً مرّة أخرى؛ لأن تأثير هذه الصلاة في كسب مصلحة الجامع تأثير إعدادي وليس علّياً، فالمصلحة بالجامع بعدُ لم توجد، ولكن المكلّف هيّأ الإعداد لها، فلو أراد أن يُهيّء إعداداً أقوى وذلك بأن يصلّي جماعة يكون هذا لا بأس به. 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ولكن لو انكشف له الواقع لا يستطيع أن يصلّي صلاة القصر؛ لأن نفس صلاة التمام التي كانت إعداداً لأصل مصلحة الجامع، كانت بنفسها إعداداً مفنيّاً لقابلية حصول تلك المرتبة الزائدة من مصلحة الجامع. 

إذن فأصل المناقشة كانت مبنية على حرفية فرضية صاحب (الكفاية): أن صلاة التمام محصّلة لمصلحة الجامع فعلاً. أما لو فرضنا أن صلاة التمام محصّلة للاستعداد لفعلية الجامع، ومن ناحية أخرى مغنية للاستعداد لتلك المرتبة الزائدة، فنجمع بين صحّتها وبين عدم إجراء صلاة القصر بعد انكشاف الحال، وبين جواز إعادتها جماعة مادام لم ينكشف الحال. فكلّ هذه الأمور يمكن التوفيق بينها بناءً على هذه الفرضية. 

هذه هي المناقشة الرابعة. 

المناقشة الخامسة لصاحب (الكفاية)(1)

المناقشة الخامسة والأخيرة(2): هي(3) أنَّ المصلحة التي تستوفى بصلاة التمام أليست لا تبقي مجالاً لاستيفاء مصلحة القصر، باعتبار المضادّة بينهما؟ إذن فيكون هذا الضدّ حراماً، لأنّ تركه مقدّمة للضدّ الآخر؛ لأنّ صلاة التمام إذا 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

() كان تاريخ الشروع في هذا الدفتر بتاريخ 18/7/1387هـ- 23/10/1967م. (المُقرِّر).

(2) ذكرها صاحب (الكفاية)نفسه في المتن بعنوان إن قلت بأنَّ المصلحة… (المقرِّر).

(3) لاحظ: كفاية الأُصول 2: 190 وما بعدها.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فرضنا أنّها موجبة لتعذّر استيفاء مصلحة صلاة القصر -باعتبار المضادّة بينهما- فتركه يكون مقدّمة لوجود صلاة القصر، فيكون تركه واجباً، فيكون فعله حراماً، أي: فعل صلاة التمام، وإذا كان حراماً كيف يقع عبادة؟! 

وأجاب عن هذا الإشكال(1) بأنَّنا حقّقنا في بحث الضدّ: بأنّ ترك أحد الضدّين ليس مقدّمة للضدّ لآخر.

تعليق حاج شيخ(2) ومناقشته(3)

وهنا علّق حاج شيخ على هذا الجواب، وقال: إنَّه هذا غير صحيحٍ من الآخوند، وذلك؛ لأّنّ التضادّ ليس بين الفعلين -صلاة التمام وصلاة القصر- كالتضادّ بين الصلاة والإزالة، حتّى يقال: بأنّ ترك أحدهما ليس مقدّمة للآخر، بل التضادّ بين معلوليهما ومحصوليهما -أي: المصلحتين-؛ إذ محصول صلاة التمام ضدّ محصول صلاة القصر، ومن المعلوم حينئذٍ أنّ عدم علّة أحد الضدّين يكون جزء مع علّة العلّة لعلّة الضدّ الآخر(4)

مثلاً: السواد والبياض ضدّان، فلا يكون عدم أحدهما مقدّمة للآخر، 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() بعد تسليم كبريات المناقشة. فإنّنا بيّنا في بحث الضدّ أنّ عدم أحد الضدّين هو ملازمٌ مع الضدّ الآخر وليس مقدّمة له؛ فلا يتّصف حينئذٍ عدم صلاة التمام بالوجوب، لكي تتّصف صلاة التمام بالحرمة لكي تبطل. (محاضرة غد). (المقرِّر).

() الشيخ الأصفهاني.

() راجع: نهاية الدراية في شرح (الكفاية) ‏4: 434.

() لاحظ: المصدر نفسه.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

ولكن عدم المقتضي للسواد يكون جزء العلّة للبياض وعدم المقتضي للبياض يكون جزء العلّة للسواد الذي يقال عنه: عدم المانع الذي هو عدم علّة الضدّ، وهو يكون دخيلاً في المقام. إذن فالمقدّمية تامّة. 

فلو تمّت كبرى وجوب المقدّمة، وكبرى أنّ وجوب المقدّمة يقتضي فساد العبادة، يستحيل هذا الإشكال في المقام.

إلّا أنّ هذه(1) المناقشة من المحقّق الأصفهاني أيضاً غير تامّةٍ لأمرين: 

الأمر الأوَّل: فإنَّ غاية ما يقتضيه هذا البيان هو أن يكون المفوّت للواجب والذي يكون حراماً ويكون عدمه مقدّمة عبارةً عن خصوصيّة التماميّة أو خصوصية الجهريّة، لا الجامع المحفوظ في ضمن الصلاة القابل الانطباق على القصر والتمام، فإنّ هذه الصلاة التي يأتي بها الجاهل بالحكم يمكن أن نلحظها بلحاظين: 

اللحاظ الأوَّل: أنّ جامع الصلاة وطبيعتها الذي هو محطّ أصل المصلحة محفوظ في ضمن هذا الفرد.

 اللحاظ الثاني: أن نلحظ خصوصيّةً زائدةً على ذلك الجامع، وهي خصوصيّة التماميّة والجهريّة، وما يكون مفوّتاً ليس هو الجامع المحفوظ في ضمن هذا الفرد، فإنّ هذا الجامع بقطع النظر عن خصوصيته لا موجب للالتزام بكونه مفوّتاً، وإنَّما لا بُدّ لنا أن نلتزم بالمفوتيّة بهذا المقدار، وهي مفوتيّة خصوصيّة هذا الفرد من التماميّة والجهريّة. وعليه فما يكون مفوّتاً -وهو 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً مناقشة المحقّق الأصفهاني كما سبق، ثُمَّ قال:… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الخصوصيّة- لا يمكن التقرّب به ولا يصحّ كونه عبادة. 

وأمّا الجامع المحفوظ في ضمنه الذي هو واجد الملاك وهو أصل المصلحة، فلا موجب للالتزام بكونه دخيلاً في التفويت ليستحيل التقرّب به ووقوع التعبّد به. إذن فهي حيثيّة واجدة للمصلحة وغير واجدةٍ لملاك المبغوضيّة، فيصحّ التقرب بها إلى المولى وتقع عبادة. 

فلو فرضنا أنّ حيثيّة الجهريّة أو التماميّة كانت مفوّتة فهي محرّمةٌ وأنّ الحرمة تقتضي البطلان، فغاية الأمر أنّ هذه الحيثيّة لا تقع عبادة؛ لأنّ أصل الجامع المحفوظ في ضمنه لا يقع على وجه العباديّة.

 إذن، لا يأتي إشكال من هذه الناحية بعد فرض عزل إحدى الحيثيتين عن الأخرى (1)، فلو فرضنا أنّ هذه الخصوصيّة تكون محرمة، وتكون سائر الحيثيات الأخرى جائزة؛ فهذا من الموارد التي نقول فيه بجواز اجتماع الأمر والنهي. 

وكذلك الأمر في حيثيّة التماميّة، فإنّها منتزعةٌ بحسب الحقيقة من تأخير السلام عن التشهد في الركعة الثانية، فليفرض أنّ هذا التأخير في نفسه يكون مفوّتاً ولا يقع عبادة، إلّا أنّ ذاك السلام المسبوق بالركعات الأربع لا بأس أن يصحَّ عبادة، فالحيثيات في المقام تتعدّد، ومعه لا بأس بالالتزام ببقاء المبغوضيّة على الحيثيّة الشخصيّة وبقاء المحبوبيّة والمصلحة على حيثيّة الجامع. 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: ألَا يلزم اجتماع الوجوب والحرمة؟

فأجاب: لا؛ لأنّ الحيثيتين إحداهما مغايرة مع الأخرى، أمّا في مسألة الجهر في الصلاة فواضح؛ لأنّ الجهر خصوصيّة زائدة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الأمر الثاني: من الممكن الالتزام في المقام بأنّ الصلاة لا بحيثيّة الجامع ولا بالحيثيّة الشخصيّة الجهريّة والتماميّة تكون دخيلة في التفويت أصلاً، فلا يكون التفويت مستنداً إلى الصلاة لا بلحاظ الجامع المحفوظ في ضمنها ولا بلحاظ الحيثيّة الشخصيّة فيها، بل يكون التفويت مستنداً إلى الجهل بالحكم المقيّد بالجري على طبقه خارجاً.

وتوضيح ذلك: عندنا في المقام أمران:

 أحدهما: جهل المكلّف بالحكم. 

ثانيهما: إتيانه بصلاة التمام.

 وإن انفكّ أحد الأمرين عن الآخر لا يكون هناك تفويت بلا اشكالٍ. فلو كان جاهلاً بالحكم، لكن لم يأتِ بصلاة التمام، فإنّ مصلحة القصر لا تفوته، ولو فرض أنّه صلى التمام، ولكن من دون جهل بالحكم فأيضاً لا تفوته، وبهذا نقول: بأنّ العالم بالقصر لو صلى صلاة التمام تبطل، ويجب عليه إعادتها قصراً. 

إذن، فالتفويت إنَّما يقع حينما ينضمّ الجهل بالحكم إلى وقوع صلاة التمام خارجاً، وحينئذٍ من الممكن أن نقول: إنّ هذا التفويت غير مستندٍ إلى المجموع المركّب من الجهل بالحكم وصلاة التمام بما هي هي، ولا إلى صلاة التمام المقيّدة بالجهل بالحكم، بل يكون مستنداً إلى الجهل بالحكم المقيّد بصلاة التمام، فإنَّ كلّاً من الصور الثلاثة ممكنة الافتراض.

 أحدها: أن نفترض أنَّ التفويت ينشأ من المجموع المركّب من الجهل بالحكم ووقوع صلاة التمام خارجاً، بحيث إنَّ كلَّ واحدٍ يقع جزءاً للمفوّت.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 ثانيها: أن نفترض أنَّ المفوّت هو الصلاة، لكن مقيّدة بالجهل بالحكم.

 ثالثها: أن نلتزم أنّ المفوّت هو الجهل بالحكم، لكنَّه مقيّداً بالصلاة. فإذا التزمنا بالشقّ الثالث، وهو: أنّ المفوّت هو الجهل بالحكم مقيّداً بالصلاة على نحو يكون التقيّد داخلاً والقيد خارجاً، فحينئذٍ تكون صلاة التمام ملازمة مع الفوت، ولا تكون دخيلة في التفويت. 

إلّا أنّه هنا يمكن أن يقال: إذا فرض أنّ المفوّت كان هو الحصّة الخاصّة، والجهل بالحكم المقيّد بصلاة التمام، فتكون صلاة التمام مقدّمة للمفوّت بنفسها، وإن لم تكن دخيلة فيه، إلّا أنّها تكون مقدّمة للمفوّت؛ لأنّها قيدٌ فيه؛ ولأنّ المفوّت هو الجهل بالحكم المقيّد بصلاة التمام، وبالتالي تنتهي المقدميّة إليه. 

وعليه: فالأوْلى الاقتصار في مقام توجيه المطلب والتخلّص عمّا أفاده المحقّق الاصفهانيّ على ما بيّناه أوّلاً. 

وبهذا تمّت المناقشات الخمسة مع ردودها، وتبيّن أنّ الفرضيّة التي ذكرها صاحب (الكفاية) فرضيّة معقولة، لا ادّعي أنّها معقولة بخطوطها التفصيليّة، بل بجوهرها، وإن كان قد يعدّل الباحث خطوطها التفصيليّة كلّما واجه صعوبة؛ لأجل جعل أنّ الفرضية ممكنة ومنسجمة مع تمام الموقف الفقهي في هذه المسألة؛ فأصل الفكرة وجوهرها تامّ، ولا يواجه استحالة منطقيّة. هذا هو الجواب الأوّل الذي أفاده المحقّق الخراساني.

 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الجواب الثاني(1): للميرزا على الشبهة

أفاده المحقّق النائيني. وبالرغم من أنّ المعروف أنّ المحقّق النائيني أقرب إلى الذوق من صاحب (الكفاية)، وأنّ صاحب (الكفاية) أقرب إلى الدقّة من المحقّق النائيني، وسوف نرى أنّ هذا الوجه أغرب بكثير وأبعد عرفيّة وعقلائيّة من الوجه الذي ذكره صاحب (الكفاية).

وحاصله: إنّنا نلتزم بأنّ الإخفات في مورد الجهل بوجوبه واجب نفسي مستقلّ عن وجوب أصل الصلاة، بمعنى: أنّه واجب في داخل واجب. وهذا الوجوب النفسي المستقلّ الزائد عن وجوب أصل الصلاة، والمفروض أنّ الجاهل قد أخلّ به؛ لأنّه صلى جهراً من دون إخفات، فحينئذٍ من حيث صحّة الصلاة نحكم بصحّتها؛ لأنّ الإخفات ليس شرطاً في الصلاة ولا قيداً ولا جزءاً للواجب الصلاتي، فقد أتى بالواجب الصلاتي بتمام أجزائه وشرائطه، ومن هنا تصحُّ صلاته(2)

وأيضاً نحكم باستحقاقه للعقاب؛ لأنّه ترك واجباً نفسيّاً مستقلّاً، وهو الإخفات. فإنّه واجبٌ مستقلّ، وقد قصّر فيه فيعاقب عليه، فإلى هنا أمكننا أن نوفّق بين صحّة الصلاة الجهريّة الصادرة من هذا الجاهل بالحكم وبين استحقاقه للعقاب(3)

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() الوجه الثاني.

(2) يُنظر: أجود التقريرات ‏2:335.

(3) وهنا قلتُ له: هل القصر أيضاً واجب نفسيّ؟

 فقال: هناك نوعٌ من العناية لا بدّ من إعمالها لأجل تطبيق هذا الوجه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وهنا يبقى سؤالٌ واحدٌ: أنّه بناءً على هذا يلزم أن يقال: بأنّ العالم بوجوب الإخفات في صلاة الظهر، أيضاً لو صلاها جهراً تصح صلاته وإن كان يعاقب على ترك الإخفات؛ لأنّ الإخفات واجب نفسي مستقل. 

وفي مقام الجواب عن هذا السؤال يدخل هذه الفرضيّة التي هي جوهر كلامه، وحاصلها: هو أنّ ذلك الواجب النفسي المستقلّ الذي هو عبارةٌ عن الإخفات بقراءة الظهر، هذا الوجوب إذا علم به ينقلب بإذن الله عن كونه وجوباً نفسياً مستقلّاً إلى كونه وجوباً غيرياً ضمنياً؛ فهذا الوجوب ما دمنا لم نعلم به فهو نفسيّ استقلاليّ، فلو صلّينا بلا إخفاتٍ فصلاتنا صحيحة، لأنّنا لن نخلّ بجزء الصلاة ولا بشرطها، وإنَّما يعاقب الجاهل بالحكم على تركه للإخفات؛ لأنّه واجبٌ مستقلٌ.

 لكن إذا علم بوجوب الإخفات ينقلب إلى وجوب غيري ضمني، فلو صلّى بلا إخفات تقع صلاته باطلة؛ لأنّه يكون قد أخلّ بشرطٍ في الصلاة. 

وظاهر كلام الميرزا في كلا التقريرين هو أنّ الوجوب النفسي الاستقلالي ثابت ملاكاً في كلتا الحالتين، علم به أو لم يعلم. وإنّما الانقلاب في مرحلة الخطاب لا في مرحلة الملاك، حيث إنّ الميرزا كأنّه يتصوّر بأنّه لا يمكن الجمع بين الوجوب النفسي الاستقلالي للإخفات والوجوب الغيري الضمني له، فلا يمكن الجمع بينهما خطاباً. فإذا علم بالوجوب الاستقلالي فمن حيث هو عالم الملاك ليس هناك انقلاب، بل هناك إضافة ملاك إلى ملاكٍ، إضافة ملاك الوجوب الغيري إلى ملاك الوجوب الاستقلالي، لكن من حيث عالم الخطاب حيث لا يمكن اجتماع هذين الخطابين بحسب تصوّر الميرزا.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 فلماذا لا بدّ أن يتبدّل الخطاب فيسقط خطاب الوجوب النفسيّ الاستقلاليّ وينشأ خطاب الوجوب الغيري. فالانقلاب في عالم الخطاب والإضافة في عالم الملاك. هذا الذي يتحصّل من ظاهر كلامه(1). هذا حاصل تصوّر الميرزا للموقف. 

[الإشكال الأول] اشكال المحقق العراقي على الميرزا وجوابه

هذا الكلام أشكل عليه المحقّق العراقي، وقال: بأنّ هذه الفرضيّة تستبطن استحالة عقليّة؛ وذلك: لأنّه هنا فرض أنّ العلم بالوجوب النفسي الاستقلالي يؤخذ موضوعاً لتبدّل هذا الوجوب الاستقلالي وتحوّله إلى وجوب ضمني غيري، وهذا غير معقول؛ وذلك: لأنّه يلزم منه اجتماع المتنافيين بحسب نظر العالم نفسه؛ لأنّ فرض علمه بالوجوب النفسي الاستقلالي، هو فرض أنّه قد فرغ في المرتبة السابقة عن ثبوت الوجوب الاستقلالي، وفرض أنّ هذا العلم يكون موضوعاً لتحوّل ذلك الوجوب، وهو فرض أنّ ذلك الوجوب عنه، 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هو يقول بأنّ الوجوب النفسي الاستقلالي يندكّ في ضمن الوجوب النفسي الغيري، وكأنّه يشير إلى قاعدة ابتدعها هو، وهي: أنّه كلّما اجتمع ملاكان لوجوبين وكان في أحدهما نكتة زائدة يندكّ فاقد النكتة في واجدها، فمثلاً: إذا اجتمع الوجوب والاستحباب، حيث الوجوب فيه نكتة زائدة يندكّ الاستحباب فيه. وإذا اجتمع الوجوب التوصّلي مع التعبّدي، فحيث إنّ التعبّدي فيه نكتة زائدة فيندكّ الوجوب التوصّلي فيه ويصبح تعبّدياً وهكذا، فكأنّه يريد أن يطبّق هنا هذه القاعدة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بالشكل الذي فرغ عنه، وهذا تهافتٌ(1)

فهذا العالم بالوجوب النفسي الاستقلالي الذي بعلمه يحصل التحول في معلومه. نسأله الآن: هل إنك عالم بالوجوب الاستقلالي أو لا؟

 إن كنتَ عالماً به فكيف يمكن أن تصدق بتحول في معلومه، وأنّه ليس هناك وجوب نفسي استقلالي؟ فإنّه لا يمكنه أن يصدق بالمتنافيين.

 وإن كنتَ غير عالمٍ بالوجوب الاستقلالي، فلم يتمّ موضوع الانقلاب، فمثل هذا الانقلاب يؤدي إلى التهافت في نظر القاطع. 

[الجواب عن إشكال المحقّق العراقي]

وهذا الكلام جوابه يظهر من بعض الطرق التي تخلّصنا بها عن استحالة العلم بالحكم في موضوع شخص ذات الحكم، فإنّ هذا التهافت بنفسه موجود هناك، فإنّ العلم بالحكم لا يمكن أن يؤخذ موضوعاً لشخص ذلك الحكم ولا موضوعاً لإفناء شخص ذلك الحكم؛ لأنّ كلاً منهما يكون مؤدّياً إلى التهافت في نظر القاطع، وتخلّصنا عن ذلك بالتمييز بين مرتبة الجعل ومرتبة المجعول، فقلنا: بأنّ العلم بالجعل يؤخذ في موضوع المجعول، إذن فما هو موضوعٌ للعلم سابق عليه، أيّ: المعلوم غير ما هو مترتّبٌ على العلم، فما هو سابقٌ على العلم هو الجعل، وما هو مترتّبٌ عليه هو المجعول، وأحدهما غير الآخر، فلا يلزم في المقام التهافت. 

فالمولى كان يمكنه أن يقول: من يعلم بجعل حرمة الكذب ويحرم عليه 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) لاحظ: نهاية الأفكار 3: 487.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الكذب، فأخذ العلم بجعل الحرمة في موضوع الحرمة المجعولة، فالمترتّب على العلم هو فعليّة المجعول، والذي يكون العلم مترتّباً عليه هو أصل الجعل؛ فلا يلزم تهافت من هذه الناحية. 

وهذا الكلام بنفسه يأتي في المقام أيضاً، وذلك بأن يقال: إنّ العلم بجعل الوجوب النفسي استقلالي يؤخذ عدمه في موضوع الوجوب النفسي الاستقلالي، ويؤخذ وجوده موضوعاً لفناء ذلك الوجوب الاستقلالي، أي: لفناء المجعول؛ فالعلم يجعل الوجوب الاستقلالي يؤخذ موضوعاً لفناء مجعوله، أي: يؤخذ عدمه قيداً في المجعول؛ فلا يلزم حينئذٍ أن يكون العلم بشيءٍ مفنياً لذات الشيء، بل العلم بجعلٍ يفني مجعول ذلك الجعل؛ لأنّه أخذ عدمه قيداً في المجعول؛ فلا تهافت. هذا هو حاصل الإشكال الأوّل على الميرزا مع جوابه. 

الإشكال الثاني(1): [على هذه الفرضية]

أنّ لازمها هو أن يكون الخطاب المتكفّل للوجوب النفسي المستقلّ قد أخذ في موضوعه عدم العلم؛ لأنّه بالعلم يتبدّل إلى الوجوب الضمني؛ فلا بدّ أن يكون قد أخذ في موضوعه عدم العلم -ولو بالنحو الذي تصورناه فيما سبق- وهو أن يكون عدم العلم بالجعل مأخوذاً في موضوع المجعول، وهذا يلزم منه ألَّا يكون التكليف قابلاً للوصول والمنجزية، وكلّ تكليفٍ لا يقبل المنجزيّة لا يمكن جعله. 

أمّا أنّه لا يقبل المنجزيّة، فلأنّ هذا التكليف أخذ في موضوع جعله عدم 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً كلام النائيني. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الوصول. إذن، فما دام لم يصل فهو غير منجزٍ لعدم وصوله، وجريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) عنه. 

ومع وصول جعله يرتفع موضوع مجعوله، فإذا لم يكن قابلاً للتنجيز فلا يقبل الجعل من المولى أيضاً؛ لأنّ التكليف الذي لا ينجّز يكون جعله لغواً. 

[جواب هذا الإشكال] 

وهذا الإشكال بهذا المقدار يمكن أن يُجاب عنه أيضاً، وذلك: بأن يقال: إنّ هذا الإشكال إنّما يتمّ إذا كان الجهل بهذا الحكم وعدم وصوله مساوقاً مع التأمين، وإمّا إذا لم يكن مساوقاً مع التأمين لا يأتي مثل هذا الإشكال، وفي المقام الأمر كذلك، فإن عدم وصوله حيث إنّه من تعبات ترك الفحص، إذن فهو غير مؤمّنٍ عنه، ويكون منجّزاً -لا محالة- لوجوب الفحص. 

فهذا الإشكال ليس أمره دائراً بين التأمين إذا لم يصل وبين الانتفاء إذا وصل، فإنّه يرتفع موضوعاً، بل إذا لم يصل لا يكون مؤمّناً عنه؛ لأنّ هذا التكليف حيث إنّ عدم وصوله من تبعات ترك الفحص؛ فيكون منجزاً بمنجزية الشبهة قبل الفحص، إذن فهذا المقدار من صيغة الإشكال لا يفي بإبطال مثل هذا التكليف. 

الإشكال الثالث: 

هو أن ندخل تعديلاً في هذه الصيغة ونقول: 

إنّ هذا التكليف وإن كان قابلاً للمنجزيّة وتسجيل العقاب، ولكنّه لا يقبل المحركيّة والباعثيّة؛ وذلك: لأنّ عدم العلم والجهل بالحكم الذي يؤخذ في موضوع هذا الخطاب إن كان المراد منه عدم العلم المناسب مع الشكّ والتردد 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الفعلي من قبيل العامي الذي لا يدري أنّه يجب عليه القصر أو الإتمام، بحيث هو بالفعل شاك ومتردد في المطلب، لو قبل مثل هذا الجاهل المتردد بالفعل تكون صلاة التمام منه صحيحة، ويعاقب على ترك صلاة القصر لو التزم بذلك، فمثل هذا الشاكّ الجاهل يعقل أن يتحرك وأن يبعثه ذاك الخطاب النفسي المستقل؛ لأنّ ذاك الخطاب يكون مشكوكاً فيه بالنسبة إلى هذا الجاهل والتكليف المشكوك قابل للمحركيّة ولو بعنوان الاحتياط.

وإمّا إذا فرض أنّ المراد بالجاهل بالحكم -كما هو لعلّه ظاهر عبائر الفقهاء- وهو الشخص الغافل عن مسألة تشريع القصر في مورد عمله، وإن كانت غفلة مستندة بالآخرة إلى تركه للفحص تقصيراً، إذا فرض أنّ محلّ الكلام هو هذا، فمثل هذا الجهل المساوق مع الغفلة وعدم الالتفات؛ فلا يمكن أن يكون مورداً قابلاً للمحركيّة والانبعاث عن مثل ذلك التكليف. 

فحال هذا الإشكال الثالث يدور مدار تحقيق هذه النكتة، وهي أنّ عدم العلم المأخوذ في موضوع هذا الوجوب النفسي المستقلّ هو عدم العلم المناسب مع الشكّ الفعلي أو المساوق مع الغفلة؛ فعلى الأوّل يكون التكليف قابلاً للمحركيّة ولو بعنوان الاحتياط، وعلى الثاني لا يكون قابلاً للمحركيّة لا محالة. هذا هو الإشكال الثالث. 

الإشكال الرابع: 

هو أنّنا لا ندري كيف أنّ الميرزا أشكل على الآخوند بلزوم تعدّد العقاب وهنا غض النظر عن هذا الإشكال، مع أنّه يرد عليه بنحو أوضح وأكمل ممّا يأتي على الآخوند. 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

فإنّ الآخوند في فرضيته لم يزد على الملاك المتفق عليه شيئاً، وإنّما حلّله وجزَّأه إلى مرتبتين، ومن هنا قلنا: إنّ تحليله لا يوجب شدّة في استحقاق العقاب. 

وأمّا الميرزا فقد أضاف إلى الملاك المتفق عليه شيئاً، وذلك: لأنّ الملاك المتفق عليه هو الملاك الموجود في الصلاة، وهو يقول: إنّه زائداً عليه يوجد هناك ملاك نفسي مستقلّ في الإخفات، وهذا الملاك على طبقه خطاب وغاية الأمر أنّ هذا الخطاب يسقط حين العلم به من باب استحالة اجتماع الوجوبين، وهذا الملاك -لا محالة- يزيد من حقّ الطاعة، وبالتالي يزيد من استحقاق العقاب، كما لو نذر الإخفات في مورد التخيير بينه وبين الجهر، كما في البسملة في صلاة الظهر على القول به. 

فهذا الإشكال لم يكن وارداً على الآخوند، ولكنّه واردٌ على الميرزا، وعليه فيلزم عليه الالتزام بتعدّد العقاب. فلو فرض أنّ تعدّد العقاب في نفسه محذورٌ، فهو يأتي عليه، ولا يمكنه أنّ يتخلص منه بما تخلّص به الآخوند.

 نعم يمكنه أن يقول: بأنّه ليس محذوراً في نفسه؛ فنلتزم بتعدّد العقاب لتارك صلاة الظهر؛ فإنّه يعاقب لأصل الصلاة، ويعاقب بعقاب آخر لترك الجهر فيها. وهذه الإشكالات ترجع إلى أصل الفرضيّة.

الإشكال الخامس: 

ثُمّ إنّ هنا إشكالاً خامساً لا يرجع إلى إبطال أصل الفرضيّة، بل إلى تفاصيل الفرضيّة، حيث إنّ الميرزا التزم بأنّ الخطاب النفسي المستقلّ ينقلب 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

بالعلم به إلى خطاب ضمني غير مستقلٍ، وهذا الانقلاب ليس من باب انقلاب الملاك؛ لأنّه يرى أنّ الملاكين مجتمعان معاً، وإنما أنّ الانقلاب في حقّ العالم بالحكم، من باب استحالة اجتماع الوجوبين معاً النفسي والضمني؛ فلا محالة يكون أحدهما مندكّاً في ضمن الآخر. وهذا الكلام لنا حوله أمران: 

الأمر الأوّل: هو أنّنا إذا بنينا على أنّ الوجوب الضمني يتعلّق بالحصّة الخاصّة المقيّدة بسائر الاجزاء -كما هو ظاهر كلمات الميرزا في بحث الاقل والاكثر الارتباطيين- وأنّ الوجوب النفسي يتعلّق بذات الشي لا بالحصّة الخاصّة؛ فهنا لا تنافي بين الوجوب الضمني والوجوب النفسي الاستقلالي، ويمكن أن يجتمعا معاً، ولا يلزم من ذلك اجتماع المثلين؛ لأنّ تعلّق أحدهما غير متعلّق الآخر؛ فإنّ متعلّق الوجوب الضمني هو الحصّة الخاصّة من الإخفات، وهو الإخفات المنضمّ إلى سائر الخصوصيات والاجزاء الأخرى، يعني: هذا الوجوب بحسب الحقيقة جزء من الوجوب المتعلّق المركّب الواحد الاعتباري الذي يضمّ تمام الأجزاء؛ فلا مانع من أن يفرض أنّ هذا الشيء الواحد، بما هو مندرجٌ في ذاك الواحد الاعتباري يكون متعلقاً للوجوب، وبما هو مستقلّ يكون متعلّقاً لوجوب آخر. 

هذا الكلام لا يأتي على الميرزا، وذلك لأنّنا وإن قلنا سابقاً: إنّ الاجزاء تكون موصوفة بالوجوب بثبوت الوحدة الاعتباريّة إلّا أنّ هذه الوحدة -كما ذكرنا فيما سبق- هي أمر ذهنيٌّ وفانٍ في واقع هذه الاجزاء، فما هو المنظور إليه بهذا اللباس الاعتباري هو ذوات الاجزاء، وذوات الاجزاء هي تلك مرةً أخرى؛ فالمنظور إليه واحد في المقام، وإن كان المنظور به مختلفاً، فإنّ 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

المنظور به هو الواحد الاعتباري هنا والعنوان التفصيلي هناك. إلّا أنّ المنظور به بهذا الواحد الاعتباري هو نفس ذات الجزء. إذن فيلزم محذور اجتماع المثلين، لو كان هذا في نفسه محذوراً من المحاذير؛ فهذا الكلام لا يأتي على الميرزا.

الأمر الثاني: وهو أنّه لماذا يلتزم باندكاك الوجوب النفسي الاستقلالي في الوجوب الضمني؟ 

والوجه في التزامه في ذلك هو القاعدة التي أسّسها، وهي: أنّه كلّما اجتمع طلبان متماثلان اكتسب كلّ منهما ما فقده من مزايا الآخر ويتحصل منهما طلبٌ واحدٌ واجدٌ لمزايا الطرفين، فاقداً لنقائص الطرفين، كما لو اجتمع طلب عبادي استحبابي مع طلب وجوبي توصلي، وتحصل منهما وجوب عباديّ، وإذا اجتمع الاستحباب مع الوجوب يندكّ الاستحباب في ضمن الوجوب؛ لأنّه فاقدٌ مزيةً في الوجوب دون العكس. 

فكأنّه في المقام يريد أن يطبّق هذه القاعدة فإنّه عندنا في المقام أمران: 

الأمر الأوّل: وجوب نفسي استقلالي للاخفات. 

الأمر الثاني: وجوب نفسي ضمني له أيضاً.

ومزية الوجوب الضمني هي ربط صحّة الأجزاء الأخرى به، فإنّ الوجوب النفسي الاستقلالي لا يربط صحّة الأجزاء الأخرى به، ولكن الوجوب الضمني يربطها به؛ فحيث إنّ فيه نكتة زائدة فيندكّ فاقد النكتة في واجدها، يعني: يندكّ الوجوب النفسي الاستقلالي في الوجوب النفسي الضمني. هذا توجيه كلامه.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 وأمّا تحقيق هذه القاعدة وتفاصيلها فهو في بحث الواجب المطلق والمشروط، وسوف نرى أنّ هذه القاعدة غير صحيحةٍ(1)

 على أيّ حال ذكرتُ هاتين الخصوصيتين الأخيرتين، فقط لأجل التوسع في فهم كلام الميرزا ولا يترتّب عليهما شيٌ آخر، وهو المهمّ في المناقشة مع الفرضيّة كفرضيّة في مسألتنا هي الإشكالات الأربعة التي تقدّمت. هذا هو التصوير الثاني لحل الإشكال. 

التصوير الآخر للجواب(2) عن الشبهة على وجه الترتّب

بقي عندنا تصويرٌ واحدٌ، وهو عبارةٌ عن دعوى أنّ صحّة صلاة التمام ناشئة من تعلّق الأمر بها، وذلك على نحو من أنحاء الترتّب في المقام. وتصحيحها بهذا النحو، وتصحيح استحقاق العقاب على صلاة القصر بلحاظ تفويت الأمر بالأهمّ. 

والترتّب يبيّن له وجهان:

أحدهما: الترتّب الحقيقي. 

ثانيهما: الترتّب بالمسامحة. 

– أمّا الترتّب بالمسامحة، فهو أنّ يلتزم بالأمرين على نحو تعدّد المطلوب، 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

() وهنا قلتّ له: الحيثيّة النفسيّة هنا حيثيّة مفقودة في الآخر؛ فلا بدّ أن يكون نفسياً. 

فأجاب: هو نفسي، غاية الأمر أنّه مرّةً نفسي ارتباطي، ومرةً نفسي غير ارتباطي، وإلّا فأصل النفسيّة في المقام ثابتة مثلاً. (المقرِّر).

(2) الجواب الثالث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وذلك: بالالتزام بأمر بالجامع ما بين صلاة القصر والتمام، وأمر آخر بصلاة القصر. وهذا غير الوجه الذي ذكره الميرزا، فإنّه التزم بأمر بذات الصلاة وأمر نفسي استقلالي بالإخفاتيّة في الصلاة.

 أمّا هنا فنلتزم بأمرٍ في الجامع ما بين التمام والقصر وأمر تعييني بصلاة القصر بخصوصها، وهذا مرجعه إلى تعدّد المطلوب، أي: الجامع مطلوب بطلب، والفرد مطلوب بطلب الآخر. 

وهذا التصوير بحسب الحقيقة منسجم تمام الانسجام مع فرضيّة الآخوند. غاية الأمر الآخوند اقتصر على عالم الملاك، وهنا تتم ملاكات الآخوند بالأمر. فإنَّ تصور تعدّد المطلوب في عالم الملاك، وأنّ هناك ملاكاً في الجامع وملاكاً في الفرد، فهنا نقول: تعدّد المطلوب حاصل ملاكاً وخطاباً. فكما أنّ هنا ملاكين أيضاً فهناك خطابان أحدهما بالجامع والآخر بالفرد. 

– الوجه الآخر الترتّب بمعناه الحقيقي المصطلح: وذلك بأن يكون عندنا أمر بصلاة القصر بخصوصها، وامرٌ آخر بصلاة التمام بخصوصها معلقاً على عصيان الأمر بصلاة القصر. 

قلنا إنّ تصوير الأمر بصلاة التمام يكون بأحد وجهين: إمّا بنحو تعدّد المطلوب وإمّا بنحو الترتّب المصطلح.

أما تعدّد المطلوب فبأن نتصور أمرين: 

أحدهما: يتعلّق بالجامع بين صلاة القصر وصلاة التمام. 

وأمر آخر: يتعلّق بخصوص صلاة القصر، وهذا في الحقيقة تتميم خطابي 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

للفرضيّة الملاكيّة التي ذكرها صاحب (الكفاية). وهذا التصوير يعترض عليه باعتراضين: 

الاعتراض الأوّل للمحقّق النائيني:

 وهو وإن لم يورد في هذه المسألة إلّا أنّه لا يرضى بأن يتعلّق أمر بالجامع، ويتعلّق أمر آخر الزامي بالفرد، ويرى التنافي بين هذين الأمرين، بل لا بدّ وأن يرجع محصّلهما إلى أمر واحدٍ بالفرد له نحو من التأكّد والشدّة، كما ببعض الاعتبارات. 

وهذا مطلب حقّقه في بحث المطلق والمقيد(1)، وعلى أساسه برهن على لزوم حمل المطلق والمقيد، كما لو قال: (اعتق رقبةً)، وورد مقيّداً: (اعتق رقبةً مؤمنةً)، فهنا أمر بالمطلق وأمر بالمقيّد.

 والمعروف بين الفقهاء -قبل الميرزا- أنّ هذا المطلق والمقيد: إن علم من الخارج أنّ الحكم واحدٌ فيحمل المطلق على المقيد؛ لأنّ هذا الحكم إمّا متعلّق بالمطلق أو بالمقيّد، وباعتبار قرينيّة المقيّد واقوائيته من المقيّد يحمل المطلق على المقيد(2). وإن لم يعلم بتعدّد الحكم من الخارج واحتملنا أنّ الحكم متعدّدٌ، وأنّ هناك وجوبين للعتق للمطلق وللمقيّد؛ فلا نحمل المطلق على المقيّد، بل نلتزم بوجوبين: أحدهما يتعلّق بالجامع، والآخر يتعلّق بالحصّة الخاصّة. فلو أتى بالحصّة الخاصّة فقد امتثل كلا الوجوبين؛ لأنّه أتى بالجامع وأتى بالحصّة. وإذا 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

() يُراجع: اجود التقريرات1:534.

() يُنظر على سبيل المثال: القوانين المحكمة في الأُصول ‏2: 181 وما بعدها.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

اتى بالحصّة الأخرى المقابلة للحصّة الخاصّة، كما لو أعتق رقبةً كافرةً، فقد امتثل الأمر بالمطلق دون الأمر بالمقيّد. 

أمّا الميرزا فقد قال: بأنّه لا يتعلّق في المقام تعدّد الأمر، أمر متعلّق بالجامع، وامرٌ متعلّق بالمقيّد، فهو أمر واحدٌ أكيداً. وهذا نستفيده بالبرهان، لا أنّنا نستفيد من ناحية دليل خارجي، ومن هنا ذكر أنّ القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيّد دائماً. 

وأمّا البرهان على وحدة الحكم واستحالة تعدّده؛ فحاصل ما أفادته مدرسة الميرزا في مقام توضيح هذا البرهان هو: أنّ فرض تعلّق الأمر بالجامع على الإطلاق هو فرض الترخيص من قبل المولى في تطبيق هذا الجامع على أي حصّة من حصصه، سواء على الحصّة الخاصّة أو على غيرها. والترخيص فعلاً في تطبيق الجامع على عتق الرقبة الكافرة بدلاً من عتق الرقبة المؤمنة ينافي مع الالزام التعييني في عتق الرقبة المؤمنة؛ إذ كيف يجتمع إلزام المولى بعتق الرقبة المؤمنة بالخصوص وعدم رضائه بغيره -الذي هو معنى الحرام التعييني- مع ترخيصه في تطبيق الجامع على الحصّة الأخرى الفاقدة للإيمان؟ فيحصل نحو من التهافت بين مدلول الإطلاق في المطلق ومدلول التقييد في المقيّد.

فهذا المطلب هو الذي جعل أساساً في أُصول مدرسة الميرزا، لوجوب حمل المطلق والمقيد، بل جعل أساساً -في بحث اجتماع الأمر والنهي- لامتناع اجتماعهما على تفصيل لا يسعه المقام. 

فبناءً على تماميّة هذا البرهان يقال في المقام: إنّ تعدّد الأمر بالنحو المذكور
-يعني: أمر بالمطلق وأمر بالمقيّد- غير معقولٍ، بأنّ يتعلّق أمر بطبيعي الصلاة 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الجامع بين القصر والتمام وأمر آخر بخصوص صلاة القصر؛ لأنّ مقتضى إطلاق الجامع الذي تعلّق به الأمر الأوّل، هو أنّ المولى يرخّص في تطبيق الجامع على أيّ حصّة يشاء المكلّف، فلا مانع من صلاة القصر والتمام. ومقتضى الالزام والتعيين بصلاة القصر الذي هو مفاد الأمر بالمقيّد، وهو أنّ المولى له مانع من العدول من صلاة القصر إلى غيرها، وأنّ المولى لا يرخّص في تطبيق صرف الوجود على خصوص صلاة التمام؛ فيقع حينئذٍ التهافت الثبوتي ما بين جعل الأمر بالمطلق وجعل الأمر بالمقيّد. هذا هو حاصل الموقف المقتنص من قواعد أصول الميرزا. 

مناقشته

إلّا أنّ هذا الموقف غير صحيحٍ؛ لأنّ أصل الاستحالة -المدعاة ميرزائياً- لا أساس لها، بل بالإمكان أن يجعل أمر بالمطلق وأمر بالمقيّد، ولا يقع تهافت بين إطلاق ذلك المطلق، وبين الإلزام التعييني المجعول في ضمن الأمر المقيّد. 

وتوضيح ذلك: أنّ الأمر بالمطلق بصرف الوجود الجامع -مثلاً- بين عتق الرقبة المؤمنة وعتق الرقبة الكافرة وإن كان هذا مساوقاً مع الترخيص من قبل المولى في تطبيق الجامع على أيّ حصّة من الحصص، وأنّ المولى لا مانع له من ذلك. إلّا أنّ مفاد الإطلاق ليس هو عدم المانع على الإطلاق، بل هو عدم المانع من قبل شخص هذا الآمر المتعلّق بطبيعي عتق الرقبة، أيّ: من قبله لا مانع من أن يطبّق الامتثال على عتق الرقبة المؤمنة أو الكافرة، لا أنّه لا مانع عن الإطلاق؛ فإنّ الترخيص ليس هو مفاد الإطلاق بالدلالة المطابقيّة، بل مفاده
-بالدلالة المطابقيّة- هو سعة دائرة الواجب المكلّف به بنحو صرف الوجود وسعة دائرته تستلزم عقلاً أنّ المولى لا مانع له من قبل هذا التكلّيف من أن 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

يطبّق متعلّقه على هذه الحصّة(1) أو تلك، فالإطلاق بمدلوله المطابقي ليس هو الترخيص حتّى يقال: بأنّ ظاهر الترخيص هو الترخيص على الإطلاق. 

وإن شئتم قلتم: بأنّ مفاد الإطلاق هو الترخيص الوضعي لا الترخيص التكليفي.

 ومرادي من الترخيص الوضعي هو تحقّق الامتثال به للأمر بالمطلق، وأنّ هذا الأمر يتحقّق بعتق الرقبة الكافرة كما يتحقق بعتق الرقبة المؤمنة، لا الترخيص التكليفي الفصلي المساوق مع الإذن في رفع اليد عن المقيّد رأساً، حتّى يكون منافياً مع الإلزام التعييني بالمقيّد. هذا هو التعبير الثاني وروح التعبيرين واحدٌ. 

وعليه: فليس هناك تهافت بحسب الحقيقة بين الأمر بالمطلق والأمر بالمقيّد، ومن هذه الناحية لا إشكال في تصوير الأمر بهذا النحو في المقام: أن نتصور أمراً بالمطلق وأمراً بالمقيّد. 

 الإشكال الثاني(2) للمحقّق العراقي

وهو مختصّ بخصوص المقام، لا أنّه جارٍ في سائر موارد تعدّد المطلوب، وهو 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

() ولكنّه لا يستلزم عدم المانع على هذا الإطلاق، بل عدم المانع من قبل هذا التكليف الشخصي المتعلّق بالجامع. أمّا أنّه هل هناك مانعٌ من قبل أمر آخر؟ فمثل هذا لا يتكفّل الإطلاق لإثباته ولا لنفيه.

وحينئذٍ فلا تهافت بين عدم المانع من هذه الجهة وبين وجود المانع من ناحية وجود المقيّد أيضاً. (المقرِّر ).

(2) الاعتراض الثاني.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

عبارة عن الجامع الذي نريد أن نقول: إنّه يتعلّق به الأمر الأوّل ثُمّ يتعلّق أمر ثاني بإحدى حصّتيه، فهذا الجامع جامع بين صلاة القصر وصلاة التمام الصادرة من الجاهل بوجوب صلاة القصر، فإنّ هذه الحصّة الخاصّة من صلاة التمام هي التي يقع الكلام في شمول الأمر بالجامع لها وعدم شموله، وهذا غير معقولٍ؛ لأنّ هذه الحصّة حيث إنّها مقيّدة بالجهل بالأمر فهي في طول الأمر فكيف يعقل أن يشملها إطلاق متعلّق الأمر الذي هو إطلاق في الرتبة السابقة على الأمر؟!

 فالصلاة التمام حيث إنّها مقيّدة بالجهل بالحكم فهي في طول الحكم، فكيف يعقل أن تكون الحصّة التي في طول الأمر مما يشملها إطلاق متعلّق ذلك الأمر، لأنّ المتعلّق أسبق رتبة من الأمر، أسبقية كلّ معروضٍ لعرضه، فلو شملها الإطلاق لزم كون هذا الحصّة متأخّرة ومتقدّمة، متأخّرة؛ لأنّها في طول الجهل بالأمر ومتقدّمة؛ لأنّها في رتبة متعلّق الأمر؛ لأنّه شملها إطلاق تعلّق الأمر؛ فيلزم التهافت من حيث التقدم والتأخّر.

فهذا إشكال اعترضه المحقق العراقي.

مناقشته

وهذا الإشكال غير صحيحٍ. وذلك:

أما أولاً: فلأنّه لا ملزم لأن نقول في المقام: بأنّ هذه الحصّة -وهي صلاة التمام- مقيّدة بالجهل بالأمر، فليقال: بأنّها مقيّدة بالاعتقاد خطأ بوجوب صلاة التمام، كما هو واقع المطلب، فإنّ ما يكون صلاة التمام موقوفاً صحّتها عليه هو 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الاعتقاد بوجوب صلاة التمام(1)، فصلاة التمام تكون مقيّدة بالاعتقاد بوجوبها، لا مقيّدة بالجهل بالأحكام الأخرى التي نتصوّرها. 

وهذه حصّة من الجامع الذي يتعلّق به الأمر الأوّل، ومن المعلوم أنّ هذه الحصّة تكون في طول وجوب التمام الخيالي؛ لأنّها مقيّدة بالقطع بوجوب التمام، لا أنّها في طول وجوب القصر أو وجوب الجامع ما بين القصر والتمام. إذن فلا يكون بينها وبين الجامع أي طوليّة، ليستحيل أخذه في متعلّق الأمر بالجامع. 

وأما ثانياً: فلما ذكره نفس المحقّق العراقي حيث ذكر أنّه يمكن أن يقال في المقام(2): إنّ صلاة التمام الصلاة مقيّدة بالجهل بالأمر بالخصوصيّة، الجهل بالأمر الثاني لا الجهل بالأمر الأوّل. وحينئذٍ تكون في طول الأمر الثاني لا في طول الأمر الأوّل. ولا مانع حينئذٍ في أخذها في متعلّق الأمر الأوّل. 

وأيضاً يرد عليه ثالثاً: أنّنا لو سلمنا أنّ الحصّة التماميّة قيّدت بعدم الأمر الأوّل أيضاً، فمن قال لكم: إنّ عدم الأمر الأوّل متأخّر رتبة عن الأمر الأوّل؟

 فإنّ ما يمكن أن يقال: إنّه متأخّر رتبة عن الأمر الأوّل، هو العلم بالأمر الأوّل، لا عدم العلم به. وقد ذكرنا مراراً في أبحاث الأصول: أنّه إذا كان أحد النقيضين متأخّراً عن شيءٍ لا يلزم أن يكون نقيضه أيضاً متأخّراً رتبة عن نفس ذلك الشيء؛ فالعلم بالأمر الأوّل متأخّر رتبة عن الأمر الأوّل، وأمّا عدمه؛ فلا 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

() وهذا لا يجعلها في طول الأوامر المفروضة بالفعل. (المقرِّر).

(2) إنّه لو سلم أنّه في طول الجهل بالأمر فهو في طول الجهل بالأمر الثاني دون الأوّل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

يلزم أن يكون متأخّراً رتبة عنه. 

وأما رابعاً: فلو سلّم تمام هذه الخصوصيات، فقد سبق في بحث التعبّدي والتوصّلي: أن أخذ ما يكون في طول الأمر، لا مانع من أخذه قيداً في متعلّق الأمر بالمقدار الذي يتحقّق في المقام ولا بأس به، وليس فيه استحالة وإنّما المحال أخذ ما يتوقّف على الأمر في موضوع الأمر لا في متعلّقه(1)؛ فأخذه في المتعلّق لا بأس به، وإنّما المحال اخذه في الموضوع الذي يكون فعليّة الأمر دائرة مدار فعليته؛ فمثلاً وجوب الحج متعلّقه هو الحج وموضوعه هو الاستطاعة، فأخذ ما يتوقف على وجوب الحج، وما يوجد في طول وجوبه قيداً في الحج لا مانع منه. ولكن أخذه في الموضوع -أي: الاستطاعة- غير معقولٍ، وتمام البحث في بحث التعبّدي والتوصّلي.

إذن، فهذا الإشكال غير تامٍ؛ لهذه الوجوه المتعدّدة، وبهذا اتّضح أنّ تصوير تعدّد الأمر بهذا النحو بمكان من الإمكان(2).

*****

ــــــــــ[227]ــــــــــ

() وفي المقام لا يلزم الثاني إنّما يلزم الأوّل فما يلزم ليس بمحالٍ، وما هو محالٌ ليس بلازمٍ. (المقرِّر).

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: أنّنا في الجواب الثالث: نفرض مسلميّة الكبرى، وهي أنّ ما يكون متأخّراً عن الأمر يستحيل أن يؤخذ في متعلّق الأمر، لكن نناقش في الصغرى. أمّا في الإشكال الأخير فناقشنا في أصل الكبرى، وأن يكون متأخّراً عن الأمر يعقل أن يؤخذ قيداً في متعلّقه، ولا يلزم من ذلك التهافت. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

كان الكلام في تصحيح الفتوى بصحّة صلاة التمام ممن أتى بها وهو مسافرٌ مع جهله بالقصر، مع الالتزام باستحقاقه للعقاب من ناحية تركه للقصر، فقد يصحّ ذلك بأمرين ترتيبين، فيقال: بأنّ هذا الجاهل بحكم القصر، يكون مخاطباً بأمرين ترتيبيين، والأمر بالأهمّ متعلّق بصلاة القصر والأمر بالمهمّ متعلّق بصلاة التمام على تقدير عدم الاتيان بصلاة القصر. وحيث إنّ كبرى الترتّب قد اتّضح إمكانها في محلّه، ولهذا يتصوّر الأمر في المقام متعدّداً بنحو الترتّب أيضاً. 

وقد اعترض على تطبيق كبرى الترتّب في المقام بعدّة اعتراضات، وتفصيل الكلام فيها يرجع إلى بحث الترتّب. ونقتصر على المهمّ منها في المقام(1)

النحو الآخر(2) للترتب والاعتراض الأول للنائيني 

وحاصله: أنّ الأمرين بالضدّين على وجه الترتّب، إنما يعقل في المتضادين اتّفاقاً، في فعلين غير متضادّين ذاتاً وعرض لهما التضادّ اتّفاقاً، كالصلاة وإزالة النجاسة عن المسجد، ففي مثل ذلك يلتزم ببقاء الأمر بكلّ منهما، لكن الأمر بالأهمّ يبقى مطلقاً والأمر بالمهمّ يقيد بعصيان الأمر بالأهمّ(3).

 وأمّا إذا كان التضادّ دائمياً، كما في الحركة والسكون، فلا يعقل الترتّب. 

ومقامنا من قبيل القسم الثاني، لأنّ التضادّ هنا بين الجهر والإخفات، 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: لأنّ هذه المسألة بالخصوص تعرّض لها الميرزا هناك أيضاً، ونحن في تسلسل هذه الدورة تعرّضنا لها هناك تفصيلاً. (المقرِّر).

(2) الاعتراض الأوّل.

(3) يُراجع: أجود التقريرات،‏1: 284، وفوائد الأصول 1: 372.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تضادّ دائمي، لا في بعض الاحيان، فكيف يتصوّر الأمر ب الإخفات على وجه الإطلاق والأمر بالجهر مرتباً على عصيان أنّ الأمر ب الإخفات؟ فمثل هذا لا يعقل؛ لأنّ التضادّ هنا دائميٌّ(1)

 ولا يفرق فيها بين موارد الاتفاق والدوام. فإنّ طلب الضدّين على وجه الترتّب: 

إن قلنا: إنّه يؤدي إلى طلب الجمع بين الضدّين. فهو محالٌ على كلّ حالٍ، سواء كان التضادّ اتفاقياً أو دائمياً. 

وإن قلنا: إنّ هذا الترتّب بين الأمرين يجعلهما غير مؤدّيين إلى طلب الجمع بين الضدّين.

 إذن فلا(2) يكون فيهما استحالة سواء كان التضاد اتّفاقياً أو دائمياً. 

والكبرى وإن كانت صحيحة -كما أفاده السيّد الأستاذ- يعني لا يفرق في إمكان الترتّب بين كون التضادّ دائمياً أو اتفاقياً -كما حقّق في بحث الترتّب- إلّا أنّ الصغرى ليس من موارد التضادّ الدائمي، بل ولا الاتفاقي أيضاً؛ لأنّ الترتّب في المقام ليس بين الجهر والإخفات، وإنّما هو بين الصلاة الجهريّة والصلاة الإخفاتيّة -على ما سوف نبرهن عليه في تعرّضنا للإشكال الثاني- 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

() والسيّد الأستاذ كأنّه قبل الصغرى، وهو كون التضادّ دائمياً، إلّا أنّه أشكل على الكبرى، مقتصراً على ذلك، وقال: “بأنّ الترتّب كما يعقل أن يكون في موارد التضادّ”.  (المقرِّر).

(2) أقول: اقتصر السيّد الاستاذ في مقام البيان على ذلك ولم يذكر وجهاً فنّياً لذلك. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

وحينئذٍ فلا تضادّ بين الواجبين بالدوام ولا بالاتفاق؛ لأنّ، الصلاة الجهريّة والإخفاتيّة بما هي ليس بينهما تضادّ ذاتي. 

الإشكال الثاني(1): للنائيني أيضاً ومناقشته

وهو أنّ الأمر بالمهمّ على نحو الترتّب إنّما يعقل بالضدّين اللذين لهما ثالث، من قبيل الصلاة والإزالة، فإنّه يعقل أن يؤمر بالإزالة أولاً ويؤمر بالصلاة على تقدير ترك الإزالة؛ لأنّه في فرض تركها قد يصلي وقد لا يصلي، ومن المعلوم أنّ الأنفع بحال المولى على تقدير أن يترك الإزالة هو أن يصلي، ولهذا يأمر بالصلاة على تقدير ترك الإزالة(2)

وأمّا إذا كان الضدّان ليس بينهما ثالث، فلا يعقل أن يؤمر بأحدهما، فيؤمر بالآخر على تقدير ترك ذلك الضدّ، لأنّ فرض ترك ذلك الضدّ، وفرض فعل هذا الضدّ؛ فلا معنى حينئذٍ للأمر به والبعث نحوه، ومقامنا من هذا القبيل؛ لأنّ الضدّين هنا هما الجهر والإخفات، وهما من الضدّين اللذين ليس لهما ثالث، فإنّ القراءة إمّا يجهر بها، وإمّا يخفت بها. فلو فرض أنّه أمر بالإخفات، ثُمّ قيل له: إنّ لم تخفت في قراءتك فاجهر بها. هذا الأمر بالجهر في مرتبةٍ متأخّرة عن ترك الإخفات غير معقولٍ؛ لأنّ فرض ترك الإخفات هو فرض كون الجهر ضروري الوقوع خارجاً، ومع ضرورة وقوعه خارجاً يستحيل الأمر به والبعث نحوه مولوياً. هذا هو الإشكال الثاني.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) الاعتراض الثاني.

(2) راجع فوائد الأصول 1: 372، وأجود التقريرات 1: 311.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 [جواب السيّد الأستاذ]

وأجاب عنه السيّد الاستاذ بما يرجع حاصله إلى أنّ الترتّب ليس بين الجهر والإخفات، بينما هو بين القراءة الجهريّة والقراءة الإخفاتيّة؛ فهناك أمران: 

الأمر بالأهمّ وقد تعلّق بالقراءة الإخفاتيّة. 

والأمر بالمهمّ تعلّق بالقراءة الجهريّة. 

وهذان لهما ثالث، وذلك: بأن يقرأ لا إخفاتاً ولا جهراً؛ فليس الأمر بالمهمّ مستحيلاً؛ لأنّ فرض ترك القراءة الإخفاتيّة ليس هو فرض تعيّن القراءة الجهريّة؛ بل قد يقرأ جهراً وقد لا يقرأ أصلاً، فيبقى مجال لإعمال المولويّة من قبل المولى للإلزام بالمهمّ، وهو القراءة الجهريّة(1)

[لنا كلام في كلّيهما]

وكلّ من الإشكال والجواب غير صحيحٍ، فإنّ الترتّب بحسب الرتبة ليس بين الجهر والإخفات، ليقال: إنّهما من الضدّين اللذين ليس لهما ثالث، ولا بين القراءة الجهريّة والإخفاتيّة، كما ذكر السيّد الأستاذ، بل الترتّب بالدقّة بين الصلاة المقروء فيها جهراً والصلاة المقروء فيها إخفاتاً، كما أشرنا في تعليقنا على الإشكال الأوّل. فهنا أمران: 

الأمر الأوّل: يتعلّق بالصلاة المشتملة على القراءة الإخفاتيّة.

 الأمر الثاني: أنّه إذا لم تصل صلاة مشتملة على القراءة الإخفاتيّة فصلِّ 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) راجع أجود التقريرات 1: 310، في الهامش‏.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

صلاةً مشتملةً على القراءة الجهريّة، فالترتّب بين الصلاتين بقيديهما، لا بين القراءتين ولا بين الجهر والإخفات. 

والبرهان على ذلك: هو أنّ الأمر بالقراءة أمر ضمني مجعول في ضمن الأمر النفسي الاستقلالي المتعلّق بالمجموع المركّب، وحينئذٍ نسأل(1) عن هذا الأمر النفسي للمركّب، أنّه هل يشمل على أمرين ضمنيين بالقراءة الجهريّة والإخفاتيّة، أو يقتصر على أمر ضمني بخصوص القراءة الإخفاتيّة، يعني: أنّ الأمرين بالقراءتين، حيث إنّهما أمران ضمنيان، فهل هما ضمنيان من أمر استقلالي واحد أو ضمنيان من أمرين استقلاليين، أو أنّ أحدهما ليس ضمنياً أصلاً؟ 

أمّا الأخير فهو خُلف، لأنّ المفروض أنّنا لسنا بصدد واجب نفسي مستقلّ كما تصوّره الميرزا؛ فلا بدّ من فرض أنهما واجبان ضمنيان، إمّا مجعولان في ضمن أمر نفسي استقلالي واحد أو في ضمن أمرين كذلك. فإنّ كان الثاني
-أي: أنهما مجعولان في ضمن أمرين استقلاليين نفسيين- فهذا هو المقصود، ويكون الترتّب بين الأمرين النفسيين والاستقلاليين لمتعلّق أحدهما بالصلاة المشتملة على الأمر ضمناً بالقراءة الجهريّة، والمتعلّق الآخر بالصلاة المشتملة على الأمر ضمناً بالقراءة الإخفاتيّة. 

وإن فرض أنّ الأمرين الضمنيين(2) المجعولين في ضمن أمر واحد يشتمل 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

() يعني نسأل مَن السيّد الاستاذ الذي تصوّر الترتّب بين القراءتين. (المقرِّر).

(2) اللذين نُريد أن نتصوّر التّرتب بينهما (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

عليهما معاً فهذا غير معقولٍ في نفسه؛ وذلك لأنّ هذين الأمرين الضمنيين، نسأل هل إذا ترك أحدهما -وهو ترك القراءة الإخفاتيّة- هل أخذ قيداً في الآخر أو لم يؤخذ قيداً؟ 

وإن فرض أنّه لم يؤخذ قيداً بوجه من الوجوه. إذن فمعناه وجوب(1) الجمع بين القراءتين؛ لأنّ المفروض أن كلّاً منهما تعلّق بها أمر ضمني في ضمن أمر واحد نفسي استقلالي. 

وإن فرض أنّ ترك أحدهما أخذ قيداً بوجه من الوجوه حينئذٍ ترك أحدهما، أي القراءة الإخفاتيّة. يؤخذ قيداً في ماذا؟

 لا يخلو ذلك من أحد وجوه ثلاثة: 

إمّا أن يؤخذ شرطاه قيداً في نفس الأمر النفسي الاستقلالي الذي اشتمل على الأمر بكلتا القراءتين. وهذا غير معقولٍ، إذ كيف يعقل أن يقيد الأمر النفسي المتعلّق بالمركّب المشتمل على كلتا القراءتين بعدم أحداهما. فإنّ الأمر بالمركّب لا يعقل أن يقيد بترك أحد أجزاء المركّب. 

وإمّا أن يؤخذ ترك القراءة قيداً في الوجوب الضمني الآخر المتعلّق بالقراءة الجهريّة(2) وهذا أيضاً غير معقولٍ؛ لأنّ الوجوب الضمني غير مستقلّ 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

() فيلزم من ذلك أن يكون الأمر النفسي الاستقلالي الواحد أمراً بالجمع بين القراءتين وهو خلف المقصود. (المقرِّر).

(2) بأن نقول: إنّ الوجوب الضمني للقراءة الجهريّة مشروط بعدم القراءة الإخفاتيّة من دون أن تكون سائر الوجوبات الضمنية مشروطة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

في مقام الجعل، حتّى يتصوّر له قيداً مستقلّاً لا يسري إلى سائر الوجوبات الضمنية(1)، بل معنى تقييد هو الوجوب النفسي الاستقلالي فيرجع إلى الشقّ الأوّل الذي عرفنا أنّه غير معقولٍ. 

وإمّا أن يكون هذا القيد وهو ترك القراءة الإخفاتيّة قيداً في الواجب الضمني، يعني: القراءة الجهريّة مقيّدة بترك القراءة الإخفاتيّة، لا أنّ وجوبها الضمني مقيد. وهذا أيضاً غير معقول؛ لأنّه يلزم(2) من ذلك اشتمال الأمر على الضدين؛ لأنّ الأمر النفسي الاستقلالي، يكون أمراً بالقراءة الإخفاتيّة بالفعل(3) ويكون أمراً بالفعل بالقراءة الجهريّة المقيّدة بأن لا يكون معها قراءة إخفاتيّة؛ فيكون طلباً للجمع بين الضدّين. فتمام هذه الصور للشقّ الأوّل مبرهنة البطلان. 

إذن، فيتعيّن الشقّ الثاني الذي هو المقصود، وهو أن يكون عندنا أمران 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

() فلا يعقل اشتراطه في المقام؛ لأنّ الاشتراط في عالم الجعل فرع الوجوب في عالم الجعل، والوجوب الضمني ليس له وجود في عالم الجعل إلّا بعد التحليل. وعالم الاشتراط هو عالم الجعل، فلا يعقل أن يستقل بالاشتراط الوجوب الضمني. (المقرِّر).

(2) أقول: لفرض إطلاقه؛ لأنّه أمر بالأهمّ، وكذلك وجوب القراءة الجهريّة مطلق، وإن كان الواجب مقيّداً؛ فيكون الوجوبان بالضدّين قد اجتمعا في الواجب النفسي الواحد وهو محالٌ. (المقرِّر).

(3) فيلزم من ذلك أن يكون الوجوب الضمني فعلياً. وهذا معناه: أنّنا بالفعل مكلّفون بالقراءة الإخفاتيّة ومكلّفون بالفعل أيضاً بالقراءة الجهريّة المشروطة بأن لا يكون معها قراءة إخفاتية، وهذا تكليف بالضدّين وهو غير معقولٍ. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

نفسيان استقلاليان، وكلّ واحدٍ منهما مشتمل على أمر ضمني خلاف الأمر الضمني الذي اشتمل عليه الآخر. 

وعليه: فيتبرهن أن الترتّب يجب أن يكون بين الصلاتين لا بين القراءتين ولا بين الوصفين. هذا هو الاعتراض الثاني مع تحقيقه. 

الاعتراض الثالث: للأصفهاني ومناقشته(1)

وهو مستفاد من كلمات المحقق الأصفهاني ، وإن كنتُ سوف أقوله بنحو التطوير عمّا في كلماته.

وحاصله: أنّ الأمر بالقراءة الجهريّة أو بتعبير أصحّ الأمر بالصلاة الجهريّة مقيد بماذا؟ لا بدّ وأن تقولوا: إنَّه مقيدٌ بعصيان الأمر بالاهمّ، أي: الأمر بالصلاة الإخفاتيّة. وعصيان الأمر بالاهمّ يكون بأحد نحوين: إمّا بترك الصلاة الإخفاتيّة إلى آخر الوقت، وإمّا بأن يعجّز نفسه عن الصلاة الإخفاتيّة في اثناء الوقت. وذلك بأن يأتي بالصلاة الجهريّة؛ لأنّ المفروض بحسب فرضيّة الآخوند أنّه لو أتى بالصلاة الجهريّة فإنّه يعجّز نفسه عن استيفاء المصلحة الزائدة المطلوبة من الصلاة الإخفاتيّة؛ فهذا نحو من العصيان أيضاً. 

هنا نسأل: هل المأخوذ في موضوع الأمر بالصلاة الجهريّة هو العصيان الأوّل أو العصيان الثاني؟

 فإن كان المأخوذ هو العصيان الأوّل، يعني: الترك للصلاة الإخفاتيّة في تمام الوقت، فالمفروض أنّه بعد لم يتحقق هذا الشرط، لأنّ المفروض أنّه في أثناء 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

(1) لاحظ: نهاية الدراية 2: 315.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الوقت قد أتى هذا المؤمن بالصلاة الجهريّة، فلو فرض أنّه بعد أن أتى بالصلاة الجهريّة انكشف له المطلب وأتى بالإخفاتيّة، فلا يكون شرط الأمر بالصلاة الجهريّة محققاً؛ لأنّ شرطها هو الترك في تمام الوقت، وهذا لم يتمّ في تمام الوقت. مع أنّنا لا بدّ من تصحيح الصلاة الجهريّة سواء أتى بصلاة الإخفات أو لا. 

وإذا فرض أنّ الموضوع كان هو العصيان الثاني، أي: العصيان العجزي، فهو لا يتحقّق إلّا بعد الإتيان بالصلاة الجهريّة، فكيف يمكن أن يقال بعد الإتيان بالصلاة الجهريّة أتى بالصلاة الجهريّة لا بحال الأمر بالفعل بعد فرض وجوده؛ لأنّه يلزم منه تحصيل الحاصل؟ 

والجواب عنه: أنّ بالإمكان الالتزام بأنّ الشرط هو الجامع ما بين هاتين الحصتين من العصيان، أي: عدم استيفاء الزائد من الملاك، بأن يقال: إذا لم تستوف الزائد من الملاك سواء كان عدم استيفائه ناشئاً من الترك الطولاني في تمام الوقت، أو من التعجيز عنه في أثناء الوقت، فعند استيفاء الملاك من صلاة الإخفاتيّة يكون شرطاً في الصلاة الجهريّة. غاية الأمر أنّ هذا الأمر في هذا الترتّب الخاصّ يجب أن يؤخذ بنحو الشرط المتأخّر لا بنحو الشرط المقارن، فإنّ الترتّب الاعتيادي نتصوره بنحو الشرط المقارن، أمّا هنا فلا يمكن أن نأخذ عدم استيفاء الملاك بنحو الشرط المقارن؛ لأنّ تفويت الملاك لا يتحقّق من هذا المؤمن إلّا بعد انتهائه من صلاته، وفرض انتهائه منها هو فرض تماميّة صلاة التمام واستحالة تكليفه بها؛ فلا بدّ أن يؤخذ جامع التفويت بنحو الشرط المتأخر، وذلك بأن يقال له: إن كان سوف يصدر منه جامع التفويت بين التفويت العجزي والطولاني فأتِ الآن بنحو الشرط المتأخر، فالشيء الذي 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

يحتاج إليه الموقف لأجل أن نصحّح هذا الترتّب أن نلتزم بأن الشرط هو الجامع بنحو الشرط المتأخّر أو ما بحكمه(1)، وبذلك يندفع هذا الإشكال. 

الإشكال الرابع(2): للنائيني ومناقشته

الإشكال الرابع والأخير: هو ما ذكره المحقّق النائيني. فإنّه قال: بأنّ الأمر الترتّبي لا يعقل؛ لأنّه لا يعقل وصوله وكلّ ما لا يعقل وصوله لا يعقل جعله؛ لأنّ الأمر الترتّبي مشروط بعصيان الأمر الأهمّ فيقول له: ائتِ بالصلاة الجهريّة أن عصيت الأمر بالصلاة الإخفاتيّة، فموضوعه هو العاصي، والجاهل بالحكم لا يصدق أنّه عاصٍ إلّا إذا ارتفع جهله، فبمجرّد أن يصل إليه هذا الخطاب يخرج عن كونه جاهلاّ بالحكم، فيخرج عن كونه موضوعاً لهذا الخطاب، فهذا الخطاب لا يقبل الوصول، فلا يقبل الجعل(3)

[اعتراض السيّد الأستاذ عليه]

 إنّ شرط الخطاب الترتّبي ليس هو العصيان، بل هو ترك الأهمّ، يعني: الصلاة الإخفاتيّة أو القصر. وذات الترك أمر قابل للالتفات اليه، فإنّ الجاهل للحكم ملتفت أنّه تارك لصلاة القصر أو للاخفات، فالموضوع إن جعلناه عنوان العصيان لا يمكن الالتفات أليه، وأمّا إذا جعلناه ذات الترك فهو مما يمكن الالتفات إليه. 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

() قال جواباً على سؤال: الشرط المتأخّر غير مربوط بكلام الحاج، وإنّما أنا أضفته، لا جواباً عن إشكال الحاج شيخ، بل جواباً عن إشكالٍ مقدّرٍ مثلاً. (المقرِّر).

(2) الاعتراض الرابع.

(3) راجع فوائد الأصول 1: 373 وأجود التقريرات 1: 311- 312.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 [الصحيح في المقام]

إلّا أنّ هذا الكلام ممّا لا يدفع الإشكال، وإن فرض أنّه اوجب تبديل عنوان بعنوان؛ لأنّ الأمر الترتّبي بالصلاة الجهريّة المنوطة بترك الصلاة الإخفاتيّة، مثل هذا الأمر لو وصل إلى المكلّف فيلتفت لا محالة إلى أنّ الوظيفة الأوليّة ليست هي الصلاة الجهريّة، وإنّما هي الإخفاتيّة، والمفروض أنّه هو جاهل بالوظيفة الأوليّة، وهذا الأمر التّرتبي يجعل في حقّ هذا الجاهل، فكيف يمكن أن يتحفظ على كونه جاهلاً بالوظيفة الأوليّة، ومع هذا يوصل إليه أمر بالجعل منوط بالصلاة الإخفاتيّة؟ فإيصال هذا الأمر إلى الترتّبي يكون مساوقاً لإلفاته إلى أنّ الوظيفة الأوليّة هي تلك لا هذه، وبهذا يخرج عن كونه جاهلاً بالحكم. 

وإن شئتم قلتم، بتقريب آخر: إنّ الجاهل بالحكم معناه -على ما مرّ في بعض الأبحاث السابقة- المعتقد بوجوب ما أتى به، وهو صلاة الجهر أو التمام. فلو كان هناك أمر ترتّبي يجب أن يؤخذ في موضوعه الاعتقاد بوجوب صلاة التمام أو صلاة الجهر. 

 ومن المعلوم أن من اعتقد بهذا الوجوب لا يكون بحاجة إلى إعمال مولوية في مقام تحريك آخر، وهذا التحريك الآخر لا يصل إليه بحسب الخارج أصلاً؛ فإنّ المحرك المولوي تامّ في المرتبة السابقة ويستحيل ترتّب المحركيّة من ناحية هذا الأمر الترتّبي؛ لأنّ وصوله يخرج عن كونه جاهلاً بالحكم إلى كونه عالماً به. 

فهذا الإشكال من الميرزا إشكال وارد وصحيح، ويوجب عدم إمكان 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

تصوير الترتّب في المقام وإن تصورناه كليّة. هذا بحث اجمالي في الترتّب، وهناك إشكالات أخرى عديدة حذفناها، وتفصيل ذلك في بحث الترتّب. وبذلك تمّ الكلام في شرائط جريان الأُصول(1)

وبهذا ينتهي البحث في مبحث جريان الأُصول ويبقى البحث في قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إلى الآن باحثنا في مرحلة الثبوت؟ 

فقال: أمّا البحث الإثباتي فموكول إلى الفقه، بحث الجهر والإخفات وصلاة المسافر من كتاب الصلاة، لأجل التخلّص.

وهنا قلت له: بعد بطلان الترتّب تتعيّن فرضيّة الآخوند بعد تطويرها؟

 فقال: بلى، لا بأس. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 





الفهرس

 

[اشتراط الفحص في جريان الأصول المؤمنة] 15

[المقام الأول: وجوب الفحص في الشبهات الحكمية] 16

الجهة الأولى: البراءة العقلية وإنكارها 16

الجهة الثانية: في البراءة الشرعية 23

الوجه الأوّل: وهو التحقيق 23

الوجه الثاني: وهو التحقيق أيضاً 26

التقريب الثالث: في المقام وهو أيضاً مقتضى التحقيق 29

التقريب الرابع: حكم العقل بالفحص ومناقشته 34

التقريب الخامس: ومناقشته 35

الوجه السادس: العلم الإجمالي 44

[عدة اعتراضات على الوجه السادس] 46

الاعتراض الأوّل 46

الوجه الأوّل في الجواب على الاعتراض 47

الجواب الثاني 50

كلام المحقّق العراقي ومناقشته 51

ــــــــــ[241]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

موقفنا من العلم الإجمالي كدليل على الاحتياط 53

تلخيص وتحصيل 54

الاعتراض الثاني على العلم الإجمالي 65

الاعتراض الثالث وهو اعتراض خاصّي 67

الإعتراض الرابع: وهو خاصّي أيضاً 69

التقريب السابع: لوجوب الاحتياط قبل الفحص 72

التقريب الثامن: أخبار التعلّم 76

الاعتراض الأوّل ومناقشته 79

الاعتراض الثاني 83

الاعتراض الثالث للمحقّق العراقي 86

روايات الباب. عدّة طوائف 87

الطائفة الأولى: ما دلّ على وجوب طلب العلم 87

الطائفة الثانية في وجوب التفقه 93

الطائفة الثالثة: في وجوب السؤال من الأئمة. 95

الطائفة الرابعة: استحقاق العقاب على الترك وهي تامّة الدلالة 96

الوجه التاسع للاحتياط قبل الفحص 98

المقام الثاني: في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية 100

في البراءة العقلية 100

في البراءة الشرعية 103

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

في الاستدلال بالروايات الخاصّة 108

تنبيهات 113

التنبيه الأوّل: في مقدار الفحص اللازم 113

[الوجه الأول: الارتكاز العقلائي] 116

الوجه الثاني وما بعده ومناقشتها 119

التنبيه الثاني: في عدم جريان سائر الأصول قبل الفحص 124

كلام في الاستصحاب ومناقشته 126

التنبيه الثالث: في استحقاق العقاب 134

[كلام المحقق النائيني] 135

[مناقشة ما أفاده المحقق النائيني] 136

المرحلة الأولى 136

المرحلة الثانية 139

المرحلة الثالثة 140

التنبيه الرابع: في الاستحقاق فيما إذا كان الواقع بحيث يظفر به 144

التحقيق في ذلك 146

التنبيه الخامس: في الإشكال على وجوب التعلّم في بعض الموارد 160

منها: ما إذا كان التكليف غير ملتفت إليه 160

منها: ما إذا طرأت الغفلة في الوقت 163

منها: في التعلّم قبل الوقت المضيّق 165

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

 [إشكال في المقام] 167

كلام الآغايون حول ذلك صغروياً 168

[كلام صاحب الكفاية] 168

[بلحاظ مقام الثبوت] 169

[بلحاظ مقام الإثبات] 174

وأما منع الكبرى 177

التنبيه السادس: في وجوب التعلّم عند الشكّ بالابتلاء 179

[كلام السيد الأستاذ في المقام ومناقشته] 179

في حكومة الاستصحاب على أدلّة وجوب التعلّم ومناقشته 183

استدراك للتنبيه الخامس: في الجمع بين الصحّة واستحقاق العقاب 186

المقام الأوّل: وهو تصوير الجمع بينهما ثبوتاً 188

الوجه الأوّل للكفاية 188

مناقشة (الدراسات) 191

مناقشة المرزا في (الفوائد) 192

مناقشته في (أجود التقريرات) 193

فيما هو التحقيق في مناقشة الاخوند 195

مناقشة الأصفهاني للآخوند 200

المناقشة الخامسة لصاحب (الكفاية) 203

تعليق حاج شيخ ومناقشته 204

ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الجواب الثاني: للميرزا على الشبهة 209

[الإشكال الأول] اشكال المحقق العراقي على الميرزا وجوابه 211

[الجواب عن إشكال المحقّق العراقي] 212

الإشكال الثاني: [على هذه الفرضية] 213

[جواب هذا الإشكال] 214

الإشكال الثالث 214

الإشكال الرابع 215

الإشكال الخامس 216

التصوير الآخر للجواب عن الشبهة على وجه الترتّب 219

الاعتراض الأوّل للمحقّق النائيني 221

مناقشته 223

الإشكال الثاني للمحقّق العراقي 224

مناقشته 225

النحو الآخر للترتب والاعتراض الأول للنائيني 228

الإشكال الثاني: للنائيني أيضاً ومناقشته 230

[جواب السيّد الأستاذ] 231

[لنا كلام في كلّيهما] 231

الاعتراض الثالث: للأصفهاني ومناقشته 235

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19 

الإشكال الرابع: للنائيني ومناقشته 237

[اعتراض السيّد الأستاذ عليه] 237

[الصحيح في المقام] 238

الفهرس 241

ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج19