الجزء العشرون
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج20 (264ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1724/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1724) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
3-42-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء العشرون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قاعدة (لا ضرر)
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بمناسبة وقع الكلام في (قاعدة لا ضرر) والمناسبة هي: إنّ الفاضل التوني ذكر في بعض كتبه: أنّه يشترط في جريان أصالة البراءة أن لا يلزم منها ضرر على مسلمٍ آخر(1).
ففي مقام تحقيق هذه الشرطية، ذكر الشيخ الأعظم ومن تأخّر عنه: أنّ هذا الشرط مستدرك في المقام لا موضع له(2)، وذلك: لأنّه إذا فرض أنّ الواقعة كانت في نفسها من الوقائع المشمولة لقاعدة لا ضرر، فيثبت الحكم فيها بدليلٍ اجتهادي، وهو هذه القاعدة، ويكون لهذه القاعدة على الأدلّة الاجتهاديّة الأخرى فضلاً عن أصالة البراءة.
وإن لم تكن الواقعة مشمولة في نفسها للقاعدة؛ فلا مجال لدعوى أنَّ البراءة لا تجري فيما إذا استلزم جريانها الإضرار بالآخرين.
إلّا أنّ السيّد الاستاذ في (الدراسات) دافع عن شرطيّة الفاضل التوني، وذكر أنّها في محلّها، بمعنى: أنّنا لو قطعنا النظر عن قاعدة (لا ضرر)، وفرضنا
ــــــــــ[11]ــــــــــ
(1) يُراجع: الوافية: 193.
(2) لاحظ: فرائد الأصول 2:449، و533.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أنّها بوجه من الوجوه غير تامّةٍ، مع هذا نقول: إنَّ البراءة لا تجري بنحو يلزم من جريانها الإضرار بالآخرين.
فمثلاً لو شكّ في أنّه يجوز ايذاء المسلم أو الاضرار به أو لا؟ ونفرض أنّه لا يوجد عندنا دليل اجتهادي على حرمة الاضرار بالآخر وانتهى المطلب إلى أصالة البراءة فإنّنا لا نجريها؛ لأنّها تؤدّي إلى وقوع المسلم الآخر في الضرر.
والوجه في ذلك: هو أنّ حديث الرفع مسوق مساق الامتنان؛ فهذا يمنع عن انعقاد له بموارد يكون جريان البراءة فيها على خلاف الامتنان بلحاظ شخص آخر؛ لأنّ ظاهر السوق الامتناني هو أنَّ الامتنان على مجموع الأمّة، وهو يمنع عن انعقاد ظهور إطلاقي في حديث الرفع بحيث يشمل موارد استلزام جريان البراءة خلاف الامتنان على فرد آخر. إذن فهذه الشرطيّة تامّة.
إلّا أنّ هذا الكلام -لو سلّم أصله الموضوعي- فلا يجدي في المقام شيئاً، فإنَّه لو سلّم أنَّ حديث الرفع يكون سوقه الامتناني بنحو يقتضي عدم إجراء البراءة في مثل هذه الموارد؛ فغايته أنَّ حديث الرفع يبتلي بالإجمال من ناحية اقترانه بما يصلح للقرينيّة؛ فلا يكون فيه اقتضاء الجريان في مثل هذه الموارد، فليرجع في مثل هذه الموارد إلى أدلّة البراءة الأخرى، كقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) التي يقول بها هؤلاء الأعلام، أو إلى سائر أدلّة البراءة الأخرى، كأصالة الحلّ أو أدلّة البراءة، فإنَّ فيها هذا السوق الامتناني المستفاد من حديث الرفع من قوله:”رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي…”(1)، فمثل هذا السوق الامتناني غير موجودٍ في
ــــــــــ[12]ــــــــــ
(1) التوحيد (للصدوق) 353.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قوله: “كُلْ مَا يَكُونُ فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ“(1)؛ فلا يكون مثل هذا شرطاً في إجراء أصالة البراءة، بل يكون نكتة توجب الإجمال في بعض نصوص البراءة.
نعم، لو كانت هذه النكتة سبباً في أن ينعقد مفهوم في حديث الرفع بحيث يدلّ على عدم جريان البراءة في موارد مخالفة الامتنان، لأمكن أن يقال: بأنَّ هذا المفهوم يقع طرفاً للمعارضة مع سائر الأدلّة الأخرى، ولكنّه لا يوجب انعقاد مفهوم له في نفي البراءة في أمثال هذه الموارد، فإنّ غاية ما يقتضيه هذا السوق هو أنَّ العبارة المتأطرة بإطار هذا السوق الامتناني لا يكون لها قابليّة الشمول لهذه الموارد، لأنَّها تقتضي عدم الشمول بحيث تنافي ما يقتضي الشمول. إذن فلا محصل لمثل هذه الشرطيّة في المقام.
وهذا المطلب ذكرته فقط لأجل بيان ما هو المصحّح للاستطراد إلى قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار)، وإلّا فهو في نفسه ليس مطلباً يستحقّ الذكر.
وحيث إنَّه وقعت هذه الشرطيّة محلّاً للبحث إثباتاً ونفياً بالنحو الذي ذكرناه.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) المحاسن 2: 495.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
[التحقيق في المقام]
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
من هنا استطرد الشيخ الأعظم في (الرسائل)(1)، ومن بعده بحث هذه القاعدة الكليّة. والكلام في قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) يقع في عدّة مقامات:
المقام الأوّل: سند القاعدة، وإثبات جهة الصدور في هذا النصّ.
روايات هذه القاعدة كثيرة، إلّا أنّ أهمّها ترجع إلى طوائف ثلاث:
هي الروايات التي تحدثت بقصة سمرة بن جندب. وفي نهايتها علّل الحكم بهذه القاعدة، ويندرج في هذه الطائفة عدّة روايات:
أحدها: ما جاءت فيها هذه الصيغة -بالنحو الذي تقدم-: “لا ضرر ولا ضرار“.
وفي روايةٍ أخرى اُضيف إلى هذه الصيغة: “على مؤمن“.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) يُنظر: فرائد الاصول 2:534.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وفي روايةٍ ثالثةٍ لم تذكر هذه القاعدة كبروياً، بل صغروياً، قال: “إنّك رجل مضارّ بهذه النخلة واغرسها أينما شئت“.
فهذه الروايات تشكل الطائفة الأولى على اختلافٍ فيما بينها؛ فلا بدّ من دراسة هذه الروايات المشار إليها:
الرواية الأولى: وهي الصحيحة الوحيدة -على ما سوف يذكر- التي رواها الكليني في (الكافي)، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر قال: “إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ كَانَ لَهُ عَذْقٌ فِي حَائِطٍ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَ مَنْزِلُ الأَنْصَارِيِّ بِبَابِ البُسْتَانِ وَكَانَ يَمُرُّ بِهِ إلى نَخْلَتِهِ وَلَا يَسْتَأْذِنُ فَكَلَّمَهُ الأَنْصَارِيُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ إِذَا جَاءَ فَأَبَى سَمُرَةُ فَلَمَّا تَأَبَّى جَاءَ الأَنْصَارِيُّ إلى رَسُولِ اللَّـهِ فَشَكَا إِلَيْهِ وَخَبَّرَهُ الخَبَرَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّـهِ وَخَبَّرَهُ بِقَوْلِ الأَنْصَارِيِّ وَمَا شَكَا وَقَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الدُّخُولَ فَاسْتَأْذِنْ فَأَبَى فَلَمَّا أَبَى سَاوَمَهُ حَتَّى بَلَغَ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ مَا شَاءَ اللَّـهُ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَ فَقَالَ لَكَ بِهَا عَذْقٌ يُمَدُّ لَكَ فِي الجَنَّةِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّـهِ لِلأَنْصَارِيِ اذْهَبْ فَاقْلَعْهَا وَارْمِ بِهَا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ“(1).
ثُمّ قال: ورواه الصدوق عن أبي بكير مثله(2)، ورواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد بن خالد مثله(3).
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) الفروع من الكافي 5: 292، كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث: 2.
(2) من لا يحضره الفقيه 3: 147، باب المضاربة، الحديث: 18.
(3) تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد 7: 147، باب بيع الماء والمنع منه… الحديث: 36.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أقول: الشيخ في (الرسائل) وصف هذه الرواية بالموثّقة(1).
الرواية الثانية: ما رواه الكليني في (الكافي) عن أبن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر، قال: “إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ كَانَ لَهُ عَذْقٌ وكَانَ طَرِيقُهُ إِلَيْهِ فِي جَوْفِ مَنْزِلِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَكَانَ يَجِيءُ ويَدْخُلُ إلى عَذْقِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنَ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ الأَنْصَارِيُّ يَا سَمُرَةُ لَا تَزَالُ تُفَاجِئُنَا عَلَى حَالٍ لَا نُحِبُّ أَنْ تُفَاجِئَنَا عَلَيْهَا فَإِذَا دَخَلْتَ فَاسْتَأْذِنْ فَقَالَ لَا أَسْتَأْذِنُ فِي طَرِيقٍ وهُوَ طَرِيقِي إلى عَذْقِي قَالَ فَشَكَا الأَنْصَارِيُّ إلى رَسُولِ اللَّـهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّـهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ فُلَاناً قَدْ شَكَاكَ وزَعَمَ أَنَّكَ تَمُرُّ عَلَيْهِ وعَلَى أَهْلِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهِ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّـهِ أَسْتَأْذِنُ فِي طَرِيقِي إلى عَذْقِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّـهِ خَلِّ عَنْهُ ولَكَ مَكَانَهُ عَذْقٌ فِي مَكَانِ كَذَا وكَذَا فَقَالَ لَا قَالَ فَلَكَ اثْنَانِ قَالَ لَا أُرِيدُ فَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُهُ حَتَّى بَلَغَ عَشَرَةَ أَعْذَاقٍ فَقَالَ لَا قَالَ فَلَكَ عَشَرَةٌ فِي مَكَانِ كَذَا وكَذَا فَأَبَى فَقَالَ خَلِّ عَنْهُ ولَكَ مَكَانَهُ عَذْقٌ فِي الجَنَّةِ قَالَ لَا أُرِيدُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّـهِ إِنَّكَ رَجُلٌ مُضَارٌّ ولَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ عَلَى مُؤْمِنٍ قَالَ ثُمَّ أمر بِهَا رَسُولُ اللَّـهِ فَقُلِعَتْ ثُمَّ رُمِيَ بِهَا إِلَيْهِ وقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّـهِ انْطَلِقْ فَاغْرِسْهَا حَيْثُ شِئْتَ“(2).
الرواية الثالثة: ما رواه الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) بإسناده عن الحسن الصيقل، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: قال أبو جعفر: “كَانَ لِسَمُرَةَ
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) يُراجع: فرائد الاصول 2:534
(2) الفروع من الكافي 5: 294، باب الضرار، الحديث: 8.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بْنِ جُنْدَبٍ نَخْلَةٌ فِي حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَكَانَ إِذَا جَاءَ إلى نَخْلَتِهِ نَظَرَ إلى شَيْءٍ مِنْ أَهْلِ الرَّجُلِ يَكْرَهُهُ الرَّجُلُ قَالَ فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلى رَسُولِ اللَّـهِ فَشَكَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّـهِ إِنَّ سَمُرَةَ يَدْخُلُ عَلَيَّ بِغَيْرِ إِذْنِي فَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ فَأَمَرْتَهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ حَتَّى تَأْخُذَ أَهْلِي حِذْرَهَا مِنْهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّـهِ فَدَعَاهُ فَقَالَ يَا سَمُرَةَ مَا شَأْنُ فُلَانٍ يَشْكُوكَ وَيَقُولُ يَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنِي فَتَرَى مِنْ أَهْلِهِ مَا يَكْرَهُ ذَلِكَ يَا سَمُرَةُ اسْتَأْذِنْ إِذَا أَنْتَ دَخَلْتَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونَ لَكَ عَذْقٌ فِي الجَنَّةِ بِنَخْلَتِكَ قَالَ لَا قَالَ لَكَ ثَلَاثَةٌ قَالَ لَا قَالَ مَا أَرَاكَ يَا سَمُرَةُ إِلَّا مُضَارّاً اذْهَبْ يَا فُلَانُ فَاقْطَعْهَا واضْرِبْ بِهَا وَجْهَهُ”(1).
هي الطائفة التي تضمنت هذه القاعدة، وكانت في مقام استعراض أقضية رسول الله، وهذه الطائفة أيضاً يدخل تحتها عدّة روايات؛ فإنّه بلحاظ روايات العامّة لهذه الأقضية النبويّة، نقلت بعدّة طرق، وأشهرها طريق عبادة بن الصامت.
أقول: هو ما رواه أحمد في مسنده قال: “حدثنا عبد الله، قال حدثنا أبو كامل الجحدري، قال حدثنا الفضيل بن سليمان، قال حدثنا موسى بن عقبة، عن اسماعيل بن يحيى، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن عبادة. قال: (إنّ من قضاء رسول الله أنّ المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جرحها جبار)، والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم. (وقضى
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 3: 59، باب حكم الحريم، الحديث: 9.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في الركاز الخمس، وقضى أن تمر النخل لمن أبرّها إلّا أن يشترط المبتاع، وقضى أنّ مال المملوك لمن باعه. -إلى أن قال- وقضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء، وقضى أنّ من أعتق شركا في مملوك فعليه جواز عتقه، إن كان له مال، وقضى أن لا ضرر ولا ضرار، وقضى أنّه ليس لعرق ظالم حقّ)(1).
وأمّا في رواياتنا فقد جاء: “لا ضرر ولا ضرار” ملحق بقضاءين مرويين في روايتين عن الإمام الصادق في أحداهما: روى عقبة بن خالد عن أبي عبد الله قضى رسول الله بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن وقال: “لا ضرر ولا ضرار“، وقال: “إِذَا أُرِّفَتِ الأُرَفُ وَحُدَّتِ الحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ…”(2).
وفي روايةٍ أخرى يرويها نفس الراوي بنفس السند عن الإمام الصادق قال: “قضى رسول الله بين اهل المدينة في مشارب النخل أنّه لا يمنع نفع الشيء وقضى بين أهل الباديّة أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال: لا ضرر ولا ضرار“(3).
إذن، فالقاعدة في هاتين الروايتين جاءت في أعقاب قضاءين بنحوين. وفي رواية عبادة، هذان القضاءان النبويان موجودان فيها، والقضاء بالقاعدة أيضاً موجود، وكأنّه قضاء في عرض القضاءات الأخرى، لا أنَّه تعليلٌ وكبرى لها.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) مسند أحمد بن حنبل، 5: 327.
(2) وسائل الشيعة 17: 319، أبواب الشفعة، الباب 5، الحديث: 1.
(3) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 17: 333، أبواب إحياء الموات، الباب 7، الحديث: 2.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
هي الأخبار التي نقلت هذه الصيغة من دون أن تكون مربوطة بمورد معين أو بأقضية النبي، بل نقلت هذه الصيغة مجرّدة بما هي، ويدخل تحت هذه الطائفة مراسيل عديدة شيعيّة وسنيّة.
فمن جملة المراسيل الشيعيّة، أنّ الصدوق أرسل في (الفقيه) عن رسول الله أنَّه قال: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“. والشيخ الطوسي في (الخلاف) أرسل عن النبي هذه الصيغة في موضعين في الشفعة، ففي الشفعة: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“(1)، وأورد في البيع بدونها(2). وأرسل أيضاً عن النبي من المتأخّرين عن الصدوق والشيخ الطوسي كالعلّامة وغيره من المتأخّرين.
ومن المراسيل السنيّة، ما أرسله ابن الاثير في (النهاية) أنّه قال: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“(3).
وهناك روايات أخرى غير هذه الطوائف الثلاث، سوف يظهر حالها في سياق الكلام. ونبحث الآن عن هذه الطوائف الثلاث، وإثبات صدور هذه
ــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) كتاب الخلاف 3: 440.
(2) المصدر نفسه 3: 42، 81، 83.
(3) يلاحظ: النهاية في غريب الحديث 3: 81.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الصيغة بلحاظ هذه الطوائف الثلاثة له عدّة طرق يختلف بعضها عن البعض في النتائج والاثار وصناعة الاستدلال.
هو التصحيح والالتزام بصدور الصيغة من ناحية تطبيق قواعد السند على هذه الروايات؛ فإذا أردنا أن نطبّق عليها قواعد السند، لأجل أن نتثبت وجود رواية واحدة لشرائط الحجيّة بلحاظ السند؛ فلا نجد في مجموع هذه الروايات إلّا روايّة واحدة، وهي في ضمن الطائفة الأولى دون الطائفتين الأخيرتين.
أمّا الطائفة الثالثة فهي مراسيل، وليست مسندة لأجل أن تطبق عليها قواعد الاعتبار السندي؛ فمن هذه الناحية تكون ساقطة.
وأمّا الطائفة الثانية المتعرضة لأقضيّة النبي فهي تنتهي عندنا بعقبة بن خالد، وهو لم يثبت توثيقه بالطرق ولا بوجه من الوجوه، بحيث لا يمكن حصول الاطمئنان الشخصي بوثاقته؛ فلا يشمله دليل الحجيّة من هذه الناحية، مضافاً إلى وجود ضعف فيما قبله من الوسائط.
وأمّا الروايات العاميّة المتعرضة لأقضيّة النبي، فتنتهي إلى شخص صحابي كعبادة بن الصامت، ولكن حتّى لو التزم أنَّ هذا الصحابي كان ثقة وشيعياً وجليلاً -كما يقول شيخ الشريعة الاصفهاني(1)– لا يمكن تصحيح هذه الروايّة، لأنّنا لم نسمع هذه الرواية من عبادة بن الصامت، وإنّما نقلها علماء السنة في كتبهم كأحمد بن حنبل في مسنده بعدّة طرق اليه؛ فحتّى من ناحية السند لا يمكننا تزكيته.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
(1) يُلاحظ: قاعدة لا ضرر: 23.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وأمّا الطائفة الأولى فهي روايات ثلاث:
الرواية الأولى: ما نقله الصدوق بإسناده إلى الحسن بن صيقل عن ابي عبيدة الحذاء عن الإمام. وفي هذه الرواية يوجد بيان الصغرى دون الكبرى.
الرواية الثانية: ما نقله عبد الدين بكير عن زرارة عن الإمام.
الرواية الثالثة: ما نقله أبن مسكان عن زرارة عن الإمام.
ومن هذه الروايات الثلاثة لا يتحصّل سنديّاً إلّا رواية واحدة.
وذلك: لأنَّ الرواية الأولى لا يمكن تصحيحها سنديّاً، وذلك: لأنَّ فيها عدة نقاط ضعف فإن أصلح بعضها بقي البعض الآخر.
النقطة الأولى: هو الشخص الواقع في سند الصدوق إلى الحسن بن صيقل؛ لأنّه يرويها عن محمّد بن موسى المتوكّل وهو من مشايخ الصدوق عن السعدآبادي عن الحسن بن صيقل.
وهناك مشكلة معروفة عند علماء الرجال في مشايخ الصدوق، لأنّ كثيراً منهم لم يوثَّقوا في كتب الرجال بوجه من الوجوه؛ فمن هنا أسّس بعضهم قاعدة بعنوان: أنَّ مشايخ الأكابر الثلاثة نفس كونه شيخاً لأحدهم يكفي في مقام تزكيتهم وتوثيقهم.
إلّا أنَّ مثل هذه الكبرى غير صحيحةٍ، كما هو محققٌ في محلّه؛ فنحتاج إلى
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
توثيق شخصي لمحمّد بن موسى المتوكل، ولا نجده في كلمات الشيخ الطوسي والنجاشي ومن إليهما.
نعم، نجد له توثيقاً في كلمات المتأخّرين عن الشيخ والنجاشي، كالعلّامة الحلّي فإنّه وثّقه(1) إلّا أنَّ هذه التوثيقات المتأخّرة كلّها مما لا نعوّل عليها في علم الرجال.
ومن هنا يقع إشكالٌ في توثيق هذا الرجل بالرغم من احتمال أنّه كان من أكابر العلماء والثقاة؛ فهذه نقطة ضعف بالنسبة إلى هذا الشخص.
[النقطة الثانية]: ولو حلت هذه النقطة [الأولى] بنحو من الأنحاء، نواجه نقطة ضعف أخرى في شيخ هذا الشيخ، وهو السعد آبادي، وهو لم يوثّق، فحينئذٍ لا تكون الرواية معتبرة من ناحيته.
وما يمكن أن يقال في مقام دفع الضعف الناشئ من السعدآبادي هو أحد أمور:
الأوّل: أن يطبّق عليه بعض النكات الكبروية غير الصحيحة كأن يقال: إنَّ هذا أحد مشايخ الإجازة، وحيث إنَّه كذلك فهو ثقةٌ بحسب طبعه، فلا يحتاج إلى توثيق أو أنَّه يروي عنه جملة من الأكابر، وهذا يدلّ على وثاقته، ونحو ذلك من النكات غير الصحيحة.
الثاني: هو الاعتماد على توثيق عامّ يدخل هذا تحته في كتاب جعفر بن محمّد
ــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) يُراجع: خلاصة الأقوال: ٢٥١.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بن قولويه في كتاب: (كامل الزيارة)، فإنّه في مقدّمة الكتاب شهد بأنّه ينقل الأدعيّة والزيارات عن الثقات، وهذه العبارة القدر المتيقن منها هو توثيق الأشخاص الذين يروي عنهم مباشرة؛ ولهذا ذكر الحاج النوري في مستدرك (الوسائل) في ترجمة بن قولويه بأنَّ هذا الرجل العظيم يصير باباً لتزكية تمام مشايخه الذين نقل عنهم مباشرة في كتاب كامل الزيارة(1).
نعم، هناك من استظهر أعمّ من هذا، وأنّ كلّ من ينقل عنه ولو بالوسائط في هذا الكتاب يكون ثقة. ومثل هذا الاستظهار غير مقبولٍ؛ إلّا أنّنا في المقام لا نتوقف على مثل هذا الاستظهار؛ لأنَّ ابن قولويه ينقل عن السعد آبادي مباشرةً في كتاب كامل الزيارات لا بالواسطة؛ فيدخل حينئذٍ تحت توثيق عمومي من هذه الناحية، ولا بأس بذلك.
الطريق الثالث: هو طريق التعويض بتطبيق نظريّة التعويض التي أشرنا إليها في بعض الأبحاث السابقة، وهذا الطريق لو تمّ فإنَّه يفيد في التخلص من ضعف محمّد بن موسى المتوكل، ومن ضعف السعد آبادي؛ وذلك بأن نقول: إنَّ الصدوق له طريق آخر صحيح إلى شخص وراء السعد آبادي في هذه الرواية وهو البرقي، والبرقي ومن بعده صحيح بحسب الفرض حتّى الآن. والصدوق له طريق آخر إلى البرقي ذكره في مشيخته، وهو طريق صحيح لا يوجد فيه ابن المتوكل، ولا السعد آبادي.
إذن فنحن نجعل ذاك الطريق مكان هذا الطريق. فبالتلفيق ينتج عندنا
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) يلاحظ: خاتمة المستدرك 3: 251.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
سند صحيح. أمّا بعد البرقي فبحسب الفرض وقبله بالتعويض.
إلّا أنَّ نظريّة التعويض وإن كانت مقبولة ضمن شرائط تعرّضنا لها في بحث حديث الرفع، إلّا أنَّها لا تنطبق على محلّ الكلام؛ وذلك: لأنَّ هذه النظريّة إنما تأتي فيما إذا فرض أنَّ الصدوق قال: حدثني محمّد بن موسى المتوكل قال حدثني السعد آبادي قال حدثني البرقي؛ ثُمّ في مكان آخر قال: إنَّه حدثني بكلّ روايات البرقي أبي عن محمّد بن الحسن بن الوليد -مثلاً- عن البرقي، فأنّنا حينئذٍ نقول: إنّ مقتضى العموم في العبارة الثانية هو أنَّ تلك الرواية الأولى أيضاً قد حدث بها أبوه عن محمّد بن الحسن عن البرقي، وحيث إنَّ هذا السند صحيح، يتمّ التعويض؛ فلنحذف أبن المتوكل والسعد آبادي، ونجعل مكانهما أباه ومحمّد بن الحسن؛ فيكون السند صحيحاً.
وأمّا فرض أنّ العبارة الثانية لم يكن لها مثل هذا العموم، وإنّما كان له طريق إلى البرقي بالنسبة إلى جملة من الروايات المشخصة المعيّنة خارجاً، فمن قال بأنّ هذا الطريق يكون طريقاً لشخص هذه الرواية التي هي محلّ الكلام؟
والواقع خارجاً هو الثاني لا الأوّل، فإنّ طريق الصدوق الصحيح إلى البرقي ذكره في مشيخته في آخر كتاب: (من لا يحضره الفقيه)، وقال: كلّ ما ذكرته في هذا الكتاب عن البرقي فقد حدثني به فلان عن فلان(1) وهذا العنوان لا يشمل محلّ الكلام، فإنَّ هذه الرواية (رواية لا ضرر) لم ينقلها عن البرقي ولم
ــــــــــ[27]ــــــــــ
() يعني: كلّ روايةٍ بدأتها باسم البرقي وحذفت السند قبله فأنا أنقلها عن فلان عن فلان. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
يبدأ بها الكلام من البرقي، وإنّما بدأ الكلام بها من الحسن بن صيقل.
إذن فالعبارة الثانية ليس لها عموم يقتضي السند الصحيح، شاملاً حتّى لهذه الرواية التي هي محلّ الكلام في المقام، والتعويض إنّما يتمّ إذا ثبت هذا العموم، وهو غير ثابتٍ.
و على أيّ حال لو فرض أنّنا سلمنا من مشكلة الشيخ والتلميذ معاً، فنواجه مشكلة الحسن بن صيقل نفسه، الذي يكون الاسناد منتهياً إليه والرواية مبتدئة باسمه؛ فإنّ الحسن بن صيقل لم يثبت توثيقه، ولا طريق لتوثيقه إلّا أنَّ عدداً مهماًّ من أصحاب الإجماع نقلوا عنه بعض الروايات، كـ(أبان)، إلّا أن نقل أصحاب الإجماع شيئاً عن شخصٍ لا يثبت توثيقه؛ فإنّ معنى كونه من أصحاب الإجماع يعني: أجمعت العصابة على قبول روايته من ناحيته هو، لا أنّه من ناحية تمام الوسائط التي ينقل عنها، فمثل هذا غير ثابتٍ في أصحاب الإجماع؛ فمجرّد نقل أصحاب الإجماع عنه لا يوجب توثيقه. وعليه فالرواية ساقطة من هذه الناحية.
وأمّا رواية بن مسكان فهي مرسلةٌ، يعني: وقع فيها إرسال؛ لأنّه قال: حدثني بعض أصحابنا عن -مثلاً- أبن مسكان عن زرارة. إذن، فهي ساقطة باعتبار الإرسال ولا يمكن إصلاحها.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فتبقى رواية واحدة وهي رواية عبد الله أبن بكير عن زرارة، وهي الرواية التي جاء فيها تصريح بقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار)، دون اشتمالها على زيادة “على مؤمن”. وهذه الرواية تبقى معتبرة بحسب القواعد السنديّة.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده الشيخ في (الرسائل) من أن أصحّ الروايات هي رواية زرارة، ثُمّ ينقلها وفيها كلمة (على مؤمن)(1) في غير محلّه، فإنّ الصيغة التي جاء فيها: (على مؤمن) هي الصيغة التي وقع فيها الإرسال في السند، وأمّا التي لم يقع فيها إرسال فليس فيها ذلك.
إذن فبحسب الطريق الأوّل من طرق صدور الصيغة من المعصوم وهو طريق تطبيق قواعد السند، لا يتحصّل لنا إلّا رواية واحدة من الطائفة الأولى، وهي تكفي لإثبات المطلب.
ولو فرض أنّه لم يتمّ عندنا إلّا هذا الطريق، وهو لم يتحصّل به إلّا هذه الرواية الواحدة، فحينئذٍ نستريح من عدة بحوث من قبيل البحث في التهافت الموجود ما بين الروايات كزيادة كلمة: (على مسلم)، هنا ونقصانها، وهناك وجود كلمة (في الإسلام) وعدمها، والتطبيقات المتعددة للقاعدة، فكلّ هذا نستريح منه، لأنّه لا يكون عندنا دليل معتبر إلّا على صيغة معيّنة، والروايات الأخرى غير معتبرةٍ، هذا لو اقتصرنا على خصوص هذا الطريق.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) يُنظر: فرائد الأُصول 2:533.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وبناءً(1) على هذا الطريق قلنا: إنَّ هناك آثاراً تختلف من طريق إلى طريق، فبعض هذه الطرق تقتضي جرياً خاصّاً بلحاظ تلك الآثار وبعضها الآخر يقتضي جريا آخر بلحاظها.
ونلخّص هذه الآثار في ثلاث نقاط، حتّى يتميّز الفرق ما بين الطرق التي سوف نستعرضها:
النقطة الأولى: هي نقطة التهافت في المتن؛ إذ نلاحظ أنَّ صيغ الروايات متهافتة بعضها مطلقة، وبعضها مقيّدة بكلمة: (على مؤمن) واُخرى بكلمة: (في الإسلام)، وبعضها مذيل: (بالشفعة) وبعضها غير مذيلٍ بها، وهكذا.
وهذه النقطة لا نواجهها في البحث أصلاً، بناءً على الطريق الأوّل لو اقتصرنا عليه، لأنّنا لو قلنا: بأنَّه لم يسلم من روايات هذه القاعدة إلّا رواية واحدة. إذن، فهذه الرواية هي الحجة بكلّ ما جاء فيها من حيثيات وجوديّة أو عدميّة، وبقية الصيغ كلّها لا حجيّة لها؛ فلا نواجه مشكلة التهافت، حتّى نقع في مقام حلّه.
النقطة الثانية: هي فهم معنى القاعدة، وبناءً على الطريق الأوّل لا نحتاج إلى أن نفهم تمام الروايات الواردة في المقام، وإنّما نقتصر على خصوص الرواية التي ثبت اعتبارها سنداً، ونتأمّل في معناها فيتحدد لنا مدلول القاعدة.
النقطة الثالثة: إذا فرض أنَّ قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) وقعت معارضة
ــــــــــ[30]ــــــــــ
() لخّص الطريق الأوّل أوّلاً ثم قال: وبناءً… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
لدليل من الأدلّة، مع إطلاق من الإطلاقات أو عموم من العمومات، فحينئذٍ نتعامل معها معاملة الدليل الظني الذي يقع طرفاً للمعارضة؛ لأنَّ هذا خبر ظني، وليس قطعياً؛ فهذه آثار ثلاثة تتجلّى من حيث هذه الطريق الأوّل.
الطريق الثاني: لإثبات صدور النصّ عن المعصوم هو: دعوى التواتر أو الاستفاضة الموجبة للاطمئنان الشخصي -على أقلّ تقدير- بصدور هذه الصيغة من قبل المعصوم.
والتواتر الذي يؤدي إلى الظنّ الاطمئناني الشخصي -كما ذكرنا في بحث الإجماع المنقول- يكون قائماً على أحد وجهين: إمّا بلحاظ العامل الكمّي فقط، أو بلحاظ العامل الكيفي.
والعامل الكمّي: هو المتكوّن من كثرة الرواة المخبرين محضاً، فكلّ منهم يخبر عن واقعةٍ غير واقعة الآخر، وهو يحدث اطمئناناً شخصياً بأنّ واحداً منهم على الأقل صدق فيما قال. وهذا الاطمئنان غالباً لا يحصل إلّا إذا وجد عدد كبير من الرواة، بحيث لو لوحظوا بمجموعهم يطمئن بعدم كذب واحد منهم.
والعامل الكيفي: هو اخبار عدد من الأشخاص عن واقعة واحدة، ومقصودي من الكيف: اشتراك هذه الإخبارات في محورٍ أو مضمونٍ واحد سواء كان هذا المحور الواحد هو اللفظ والمعنى معاً؛ فيسمى بالتواتر اللفظي أو المعنى دون اللفظ؛ فيسمى بالتواتر المعنوي، وهنا تحتاج إلى عددٍ أقل من الأوّل ليحصل لك الاطمئنان.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وفي محلّ الكلام كثرة الروايات لم تبلغ إلى درجة تحقّق ذلك العامل الكمي بلا اشكالٍ. وإنّما الكلام في أنَّه هل بلغت الكثرة إلى درجة بحيث إنَّه بانضمام نكتة العامل الكيفي وهو كون الرواة كلّهم يخبرون عن مضمونٍ واحد، وهو: (لا ضرر ولا ضرار)، فباعتبار وحدة المصبّ يسرع إليك الاطمئنان، ولا نحتاج إلى عددٍ كبير من الرواة؛ فالعدد هل كان كافياً بهذا المقدار بعد ملاحظة الكيفيّة ووحدة المصبّ أو ليس العدد كافياً؟
وكفاية هذا العدد أيضاً فيه نحو إشكال؛ فإنّ الروايات وإن كانت متعدّدة؛ فالطائفة الأولى تشتمل على ثلاث روايات، اثنان منها تنتهي إلى راوٍ واحدٍ، وهو زرارة بطريقين، واُخرى بأبي عبيدة الحذاء. والطائفة الثانية: تشتمل على ثلاثة رواة، واحد من طرقنا وهو عقبة بن خالد، واثنان من طرق العامّة: عبادة بن الصامت، وعبد الله بن العباس، وقد نقل عنهما معاً أحمد في مسنده، وهناك أيضاً نقل عن بعض الصحابة الآخرين مرسلاً، والمراسيل الموجودة في الطائفة الثالثة.
وهذا العدد يشكل كونه موجباً لحصول الاطمئنان الشخصي بصدور هذه القضيّة من النبي؛ لأنَّه ليس عدداً متكثراً، بل قد لا يزيد بالنتيجة على خمسة -مثلاً -، إلّا أنَّه يمكن أن يضمّ إلى هذا العدد جهة تقويّة وركيزة بحيث يوجب الاطمئنان الشخصي، وهذه الجهة هي وضوح هذه القاعدة في نفسها ما بين المسلمين وعلماء الاسلام جيلاً بعد جيل؛ فإنّ هذه القاعدة كانت محور الاستنباط في تمام عصور الفقه الشيعي والسني معاً من أيام الشيخ الطوسي إلى يومنا هذا.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وكذلك في كلمات علماء العامّة، حتّى قال بعضهم: “إنّ الفقه مبني على خمس روايات، أحدها: لا ضرر ولا ضرار”(1).
وفي الجدل الفقهي ما بين الشيعة والسنة دائماً يحتج بهذه القاعدة. والمحجوج منهما لا يناقش بالكبرى، وإنّما دائماً يناقش في الصغرى والتطبيق.
هذا كلّه يوجب نحو معروضيّة ومغروسيّة ومشهوديّة لهذا النصّ، ومثل هذه الشهرة بحدّ ذاتها أيضاً أمارة قويّة.
فيمكن أن يقال: إنَّها إذا اضيفت إلى ذلك العدد الذي في نفسه لم يكن كافياً، فتتقوى أماريّة العدد إلى جنب أماريّة هذه الشهرة، ويحصل من مجموعهما أمارة اطمئنانيّة، وإن كان كلّ واحدٍ منهما وحده لا يوجب الاطمئنان؛ فمثل هذا العدد وإن كان في مسألة مغمورة قد لا يفيد، لكن في هذه المسألة مع ضمّ هذه الشهرة قد يفيد الاطمئنان الشخصي بصدور هذا النصّ من المعصوم.
الآن نرى أنّ هذا الطريق في ماذا يختلف عن الطريق الأوّل من حيث الاثار؟
أمّا على الطريق الأوّل وهو الاقتصار على روايةٍ واحدةٍ، فالمتن هو متنها ولا نواجه مشكلة التهافت بوجهٍ من الوجوه. وأمّا على هذا الطريق فأيضاً لا نواجه مشكلة التهافت والتعارض، لأنَّ الخصوصيات لا تثبت بالتواتر الإجمالي
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) يراجع: تنوير الحوالك (للسيوطي) ٢: ١٢٢.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وإنّما يثبت به الحيثيّة المشتركة، وحينئذٍ فإنَّ فرض أنَّ هذه الصيغة -في ضمن الروايات المتعدّدة التي حصلت بضمّ بعضها إلى بعضٍ التواتر- كانت مرددة بين المطلق والمقيد، أي: بين (لا ضرر ولا ضرار) بلا قيدٍ أو قيد (على مؤمن) مثلاً، فحينئذٍ التواتر إنّما يثبت صدور ذات المطلق مهملاً من حيث إنَّه انضمّ إليه القيد أو لم ينضمّ. فبهذا المقدار يثبت المتن ولا طريق لإثباته بأكثر من ذلك.
وأمّا لو فرضنا أنَّ هذه القاعدة في تمام الروايات التي حصل منها التواتر، كانت في كلّ روايةٍ مقرونة بخصوصيّة مباينة مع الخصوصيّة المقرونة بها في الآخر، بحيث تردد الأمر بين المقيدات المتباينة لا بين المطلق والمقيد، كتردد الأمر بين: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، وبين (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن)، فحينئذٍ تثبت الحيثيّة المشتركة بالتواتر بلا إشكالٍ. فيثبت ثبوتاً مهملاً من حيث إنَّها في ضمن هذا المقيّد أو في ضمن ذلك المقيّد مثلاً.
وهل يثبت أحد القيود وإحدى الخصوصيات على وجه الإجمال أو لا؟
إن فرض أنَّ التواتر كان قائماً على أساس العامل الكمي فقط، من قبيل حصول العلم بوجود صادق واحد من اخبار ألف. إذن، فتثبت أحد الخصوصيات على سبيل الإجمال؛ لأنَّ المفروض أنّك عرفت أنَّ واحداً منهم صادقاً في تمام ما يقول. إذن فإحدى الخصوصيات والقيود على وجه الإجمال صادرة من المعصوم. وإذا فرض أنَّ التواتر في المقام كان بلحاظ وحدة المصبّ والعامل الكيفي؛ فإنّه حينئذٍ لا يثبت بهذا التواتر إلّا المصبّ الواحد وهو: (لا ضرر ولا ضرار)، أمّا القيود فلا يثبت أيّ واحد منها؛ لأنَّ أي واحد منها لم
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
يخبر عنها إلّا واحد، ولا يثبت الواحد بالواحد(1).
ونحن قرّبنا حصول الاطمئنان بضمّ الشهرة إليه، فهل تقتضي هذه الشهرة إثبات أحد الخصوصيات أو لا تقتضي؟
إن فرضنا أنّنا نريد أن نأخذ هذه الشهرة بما هي أمارةٌ ضمنيّة على أصل صدور النصّ من قبل النبي فهي لا تثبت أحد الخصوصيات، وإذا أردنا أن نأخذها بما هي أمارة على انجبار أحد هذه الروايات من باب أنَّ الفقهاء بما أنّهم جميعاً عملوا بهذه الرواية فلا بدّ أنّهم اختاروا أحدها وعملوا به، ولا يحتمل أنّهم جميعاً خُدِعوا بروايةٍ واحدةٍ عاطلةٍ باطلةٍ. فيحصل من ناحية هذا العمل اعتبار أحد هذه الروايات وتثبت أحد هذه الخصوصيات على سبيل الإجمال.
وأمّا النقطة الثانية: وهي فهم الحديث.
بناءً على هذا التواتر بهذا المعنى لا بدّ وإن نلحظ تمام الصيغ خلافاً على
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() فهنا قلتُ له: يثبت بالتواتر كونه مقيّداً.
فأجاب: كونه مقيّداً عنوان انتزاعي، وهو لا يؤثّر، وكلامنا في حيثيات واقعيّة تشترك فيها هذه الأخبار، وكونه مقيّداً بهذه القيود لم يخبر به الجميع، يعني ليس كلّ واحدٍ منهم يقول: لو كنتُ مخطئً في هذه الكلمة فالنبي قد قال تلك الكلمة. إذن فلو كان كلّ واحدٍ منهم يخبر عن الجامع مستقلّاً ويخبر عن الخصوصيّة؛ لكان الأمر كما تقولون، لكن لا يتبيّن من الأخبار مثل هذا فهو مجرّد انتزاع من قبلنا هو لا يؤدّي إلى الاطمئنان. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الطريق الأوّل الذي كنا نلحظ فيه الصيغة الثابتة في رواية زرارة، وحينئذٍ إذا لاحظنا تمام الصيغ نأخذ بالأقل والقدر المتيقن منها، فلو كان أمرها يدور بين الاقل والاكثر نأخذ بالمتيقن؛ لأنّ هذا هو المتواتر، فمثلاً في بعض الروايات: “لا ضرر ولا ضرار” على الإطلاق، وفي بعضها: “على مؤمن“، والقدر المتيقن منها أن يكون “على مؤمنٍ“. أمّا نفي الضرر عن غير المؤمن فلم يثبت تواتره. ولو دار الأمر بين معنيين متباينين إن كان مقيداً بـ: (على مؤمن)، فقد استقرب بعض الفقهاء فيها حرمة الإضرار، وإن كان مقيداً قوله: “في الإسلام“، فقد استظهر منه بعض الفقهاء أنَّ معناه: أنَّ وجوب الوضوء يرتفع إذا كان ضررياً(1)، فحينئذٍ لا ندري أنَّ الصادر هل هو دليلٌ يحرم الإضرار أو دليل يرفع وجوب الوضوء الضروري فيدور الأمر بين المتباينين، فيثبت بالتواتر أحدهما على وجه الإجمال.
وحينئذٍ فإن كان كلاهما على خلاف الأدلّة الأوليّة؛ فلا محالة يحصل التعارض، وإن كان أحدهما على خلاف الأدلّة دون الآخر فيصرف حينئذٍ إلى الآخر الذي لا يكون على خلاف الأدلّة، كما هو الحال في مثل هذا المثال، فإنّ نفي وجوب الوضوء الضرري على خلاف إطلاق أدلّة الوضوء، لكن إثبات حرمة الإضرار ليس على خلاف دليل اجتهادي، فيتعيّن حينئذٍ صرفه إلى حرمة الإضرار(2).
ــــــــــ[36]ــــــــــ
() راجع: مسألة لا ضرر تقريرات المحقق النائيني: ٢١٥.
(2) وهنا قال جواباً على سؤال: هذا الانصراف من جهة أنَّ هذه القاعدة تثبت أحد الأمرين على وجه الإجمال، وإذا ضمّ إلى ذلك نفي أحد الطرفين، فإنّ دليل وجوب الوضوء يقول: وجوب الوضوء الضرري غير منفي، فبضمّ هذا إلى ذلك لا بُدّ أن يتعيّن الشقّ الثاني. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
النقطة الثالثة هي نقطة قوّة المعارض، لو وقعت قاعدة لا ضرر طرفاً للمعارضة مع دليلٍ آخر؛ فهنا تكون قوتها أكبر من قوتها على الطريق الأوّل؛ لأنّ هذا دليل قطعي، وذاك ليس قطعياً. هذا هو الطريق الثاني.
*****
هذا هو الطريق الثاني، وبعدُ في النفس شيء من هذا الطريق، فبالرغم من أنّه أحياناً تميل النفس إلى الجزم والاطمئنان بهذا الطريق إلّا أنَّه احياناً أيضاً نتراجع عن الجزم به، وبالتالي مبررات المطلب ثبوتاً ونفياً بين أيديكم وكلّ إنسانٍ مع وجدانه ونفسه.
الطريق الثالث: وهو تصحيح المرسل والاعتماد عليه. وهو قول الصدوق: قال رسول الله: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“.
وتوضيح الاعتماد على هذا المرسل، هو أنَّ مقتضى ادلّة حجيّة خبر الثقة هو الاعتماد على كلّ ثقةٍ فيما يخبر به إن احتمل أن يكون خبره مستنداً إلى الحسّ، وليس المراد بالحسّ معناه اللغوي، أي: الحسّ المباشر، ولكن المراد بذلك أن يكون الإخبار عن إحساس إمّا به أو بما يلازمه عادة، فالصدوق حينما يقول:
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
(قال رسول الله)، لا نحتمل أن يكون إخباره عن حسٍ مباشر بهذه الكلمة؛ لأنَّه لم يعاصر النبي، ولكن نحتمل أن يكون إخباراً عن حسّ بما يلازم صدور هذه الكلمة من النبي وهو التواتر، فإنّ التواتر في الطريق الثاني الذي قرّبناه، وكدنا أن نميل عليه، فهو وإن لم نقطع به إلّا أنّه محتمل على أيّ حال؛ فيحتمل أن تكون هذه الكلمة في عصر الصدوق من الشهرة والاتساع بحيث كان أمراً كالمحسوس بالنسبة إلى الصدوق؛ فيحتمل أن يكون مستند قول الصدوق هو التواتر، فيكون الإخبار إخباراً عن حسّ ويشمله دليل الحجيّة في المقام.
ولا استبعاد في هذا في أن تكون هذه الكلمة متواترة ومستفيضة، مع أنَّها لم توجد في الكتب الأربعة، إلّا بنحو أخبار الآحاد، لا بنحو التواتر، وذلك لما أشرنا إليه في بحث كتاب الطهارة من أنَّ جملة من أعلام النبوّة ونصوص النبي من المظنون أنّها أُهملت في كتب الحديث الشيعيّة خاصّة اعتماداً على وضوحها واشتهارها بين المسلمين وتسلّمها يداً بيدٍ، وكون بناء الكتب الأربعة على تسجيل الروايات المنقولة عن الائمة، لا الروايات المنتهية إلى النبي عن غير طريق الأئمة؛ ولذا أُهملت جملة من أعلام النبوّة، ولهذا كان الفقهاء يستدلّون بهذه المضامين العامّة من باب أنَّها واضحةٌ كلّ الوضوح، وبعد هذا خفيت هذه المعالم بمرور الزمان إلى أن اصبحنا نقول: بأنّها مراسيل نبويّة لا حجيّة فيها.
وهذا المطلب معقول وقريب من الذهن، وهو يرفع صورة استبعاد أن
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تكون هذه الرواية متواترة عن النبي مع أنّها غير موجودةٍ في الكتب الأربعة إلّا بنحو أخبار الآحاد. وحينئذٍ فدليل حجيّة خبر الثقة يشمل أخبار الصدوق، بعد احتمال كونه إخباراً عن حسّ(1).
الطريق الثالث: لتصحيح(2) حيثية الصدور في هذا النصّ هو تصحيح المرسل، وذلك بالالتزام بأنّ المرسل يكون حجة إذا توفّر فيه قيدان:
أحدهما: هو أن يخبر المرسل عن صدور النصّ من المعصوم ابتداء؛ لا عن الرواية عن المعصوم، فيكون مدلول الحكاية هو نفس قول المعصوم.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() وهنا قلتُ له: هل هذه الكبرى تشمل سائر الروايات التي يعبّر فيها الصدوق (قال النبي) أو (قال الصادق)؟
فأجاب: فيما إذا احتملنا التواتر. أمّا إذا قال الصدوق: (قال النبي)، وذكر نصّاً غير مألوفٍ ولا معروفٍ، فلا؛ لأنَّه هناك عندنا اطمئنان بعدم التواتر، وأنّه استند إلى شيءٍ آخر غير التواتر.
وهنا قلتُ له: أقصد أنّ أدلّة حجيّة خبر الواحد تقتضي أنّ تمام إخبارات الصدوق عن روايات الائمة مطابقة للواقع تعبّداً؟
فأجاب: فيما إذا احتمل التواتر، أمّا إذا لم يحتمل التواتر احتمالاً عقلائياً معتدّاً به، فلا؛ لأنَّ معناه: أنّنا جازمون بأنّ الصدوق أخبر عن حدسٍ لا حسّ، ومع هذا الجزم لا يكون خبره حجة. (المقرِّر).
(2) لخّص في مبدأ المحاضرة الطريق الثالث بعرض جديد، ومن ثَمّ فالأحسن تلخصيه فيما يلي: الطريق الثالث: لتصحيح… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ثانيهما: أن يحتمل كون الاخبار من هذا المرسل مستنداً إلى الحسّ، ومرادنا بالحسّ ليس خصوص سماع هذه الكلمة من المعصوم، بل الإحساس بما يكون ملازماً عادياً عرفاً مع صدور هذه الكلمة، فيشمل الإحساس بتواتر الكلمة، فإذا توفّر في المرسل هذان القيدان يحكم بحجيته؛ لأنَّه خبر ثقة يحتمل استناده إلى الحسّ.
ومن قبيل هذه المراسيل الواجدة لهذين الشرطين، توثيقات الشيخ الطوسي والنجاشي في علم الرجال للرواة عن الطبقات المتقدّمة؛ فإنّنا نقبل ذلك باعتبار أنَّ ظهور كلام الشيخ في أنَّه شهادة يقتضي كون الاخبار عن حسٍّ، بمعنى: أنَّه اخبار عن مطلبٍ واضحٍ عرفيٍّ بحيث يكون كالمحسوس، فهذه هي قاعدة تصحيح المراسيل، ونطبق هذه القاعدة على مرسلة الصدوق في (الفقيه)، حيث قال: قال رسول الله: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“، فإنّ هذه المرسلة واجدة لكلا القيدين:
أمّا القيد الأوّل؛ فلأنَّه أخبر عن قول رسول الله ابتداءً.
وأمّا القيد الثاني؛ فلأننا نحتمل كون المخبر به حسيّاً للصدوق، بمعنى: كونه متواتراً واضحاً عنده، كوضوح وثاقة عمار الساباطي عند الشيخ حينما يوثّقه في كتاب الرجال، فيؤخذ به(1) بعد توفّر هذين الشرطين فيه.
وهذا الطريق ماذا يقتضي بالإضافة إلى النقاط التي كنا نشير إليها في اعقاب الطريقين السابقين:
ــــــــــ[40]ــــــــــ
() أي: بإخبار الصدوق. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
النقطة الأولى: تعيين متن العبارة والتخلّص من التهافت من هذه الناحية. فمتن العبارة معيّن في العبارة التي نقلها الصدوق، وهي: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“؛ فلا يقع تهافت من حيث تهافت العبارة.
وقد يقال: إنَّه يقع التهافت بلحاظ أنّ هناك مراسيل أخرى غير هذه المرسلة أيضاً ونقول بحجيتها، وفيها سقطت كلمة: (الإسلام) فإنَّ الشيخ الطوسي أرسلها عن النبي بدونه، فيقع التهافت ما بينهما، بعد استبعاد أن يكون هناك نصان متوافران: أحدهما بلا هذا القيد، وثانيهما معه، فيقع مثل هذا التعارض بينهما.
إلّا أنّ هذا الكلام غير صحيحٍ، حتّى لو فرض صحّة هذا الاستبعاد، وذلك: لأنَّ المراسيل الأخرى لا يمكن تصحيحها بهذا الطريق؛ لأنَّ المراسيل الأخرى هي مراسيل الشيخ الطوسي في كتاب البيع والعلّامة في (التذكرة) وصاحب (مجمع البحرين).
وهذه المراسيل لا يمكن تصحيحها بهذا الطريق باعتبار وضوح أنَّ مبنى الشيخ في (الخلاف) -مثلاً- أو العلّامة في كتاب (التذكرة) على التقمّص بثوب الفقيه. فيما لو كان يستدلّ فقيه على الأقوال فيقول: قال النبي: “لا ضرر ولا ضرار“، وليس لكلامه ظهور بوجه من الوجوه في أنَّه يخبر عن حسًّ، فإنّ الفقيه بما هو فقيه يخبر عن مقدار ما يقتضيه نظره الفقهي وتشخيصه، فلو وجدنا في كتاب (الجواهر) يقول في قوله: “إِذَا كَانَ المَاءُ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْء“(1)، فهل نحتمل أن يكون هذا المطلب متواتراً عنده أو محسوساً؟ وصدور
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() الكافي ٣: ٢، الحديث: 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
هذا الكلام منه بما هو فقيهٌ لا يبقي له أي ظهور في أن يكون ناظراً إلى جهة الحسيّة.
وهذا بخلاف كلام الصدوق، فإنَّه ذكر ذلك في كتاب (الفقيه) -وهو كتاب أحاديث- الفرق ما بينهما من هذه الناحية وهو يوجب عدم الاعتماد على تلك المراسيل الأخرى طرّاً، وما يمكن أن يعتمد عليه ولو في بادئ الأمر إنّما هو هذه المرسلة. وعليه فلا تهافت من هذه الناحية(1).
النقطة الثانية: من ناحية فهم الحديث، فنرجع إلى فهم هذه العبارة أيضاً من دون أن نحتاج إلى فهم الصيغ الأخرى.
النقطة الثالثة: من ناحية قوّة الحديث، وتكون قوته قوّة ظنيّة لا قوّة قطعية؛ لأنّه ثبت بالتعبّد بحجيّة قول الصدوق.
وهل هذا الطريق صحيح أو لا؟
قلنا: إنَّ كبراه وإن كانت صحيحة، إلّا أنّ صغراه غير صحيحةٍ، وذلك: لأنَّه إن احتمل احتمالاً معتدّاً به بأن تكون صيغة: (لا ضرر ولا ضرار) متواترة عن النبي؛ فلا يحتمل احتمالاً عقلائياً معتداً به أن تكون متواترة بقيد: (في الإسلام)؛ إذ لا يوجد قيد: (في الإسلام) في روايةٍ مسندةٍ أصلاً في كتب الشيعة
ــــــــــ[42]ــــــــــ
() وهنا قلتُ له: هل أنّ هذا الطريق يعيّن هذه المرسلة فقط، دون تلك الرواية المعتبرة؟
فأجاب: أنّنا نفرض في كلّ طريقٍ أنّه لو كان هذا الطريق وحده ماذا كنّا نصنع؟ وأمّا التلفيقات الصناعيّة، وأنّه لو كان هذا الطريق مع ذاك الطريق فهو يبقى عليكم. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وفي كتب العامّة، وحينئذٍ كيف يمكن أن يكون هذا الحديث بهذا القيد متواتراً مع أنّه لم ينقل في أي جامع من جوامع الحديث؟! فهذا المطلب في غاية البعد، بحيث لا يحقّق دخول مثل هذا المرسل تحت ادلّة الحجيّة.
نعم، لو فرض أنَّ الصدوق كان مصبّ نظره إلى نقل: (لا ضرر ولا ضرار) فقط، لكان الأمر كما قيل، ولكنّه أضاف إليه: (في الإسلام)، والذي يظهر من عبارته في (الفقيه) أنَّه له نظر مخصوص إلى هذا القيد، لا أنَّه أضافه من باب الصدفة؛ لأنَّه يريد أن يستدلّ بهذه الرواية على أنَّ المسلم يرث الكافر، فإنَّه لو كان المسلم لا يرث الكافر؛ لكان الإسلام مضرّاً بحال المسلم مع أنَّه: (لا ضرر في الإسلام)(1).
إذن، فلا يبقى عندنا احتمال معتدّ به في كون هذه المرسلة مستندة إلى حسّ تواتري، حتّى تندرج تحت أدلّة حجيّة خبر الثقة.
ومما يؤيّد ذلك: أنَّ الصدوق كثيراً ما يستعمل في (الفقيه): (قال الصادق) أو (قال النبي) في نصوص أو روايات لا يحتمل عادةً فيها التواتر، فمثل هذا يكون مضعفاً جداً لاحتمال أن يكون له نظر إلى النقل الحسيّ حينما يقول: (قال النبي).
ويؤيّد ذلك أيضاً، أنّه في خصوص هذه المسألة نقل مع هذا النصّ نصين نبويين آخرين(2)، وهما: أنّ النبي قال: “إنَّ الاسلام يزيد المسلم (أو يزداد)
ــــــــــ[43]ــــــــــ
() يُراجع: من لا يحضره الفقيه 4: 334 بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ المِلَل.
(2) في كتاب الإرث من الفقيه. “كذا قال السيّد” (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
خيراً“، وإن “الْإِسْلَامُ يَعْلُو ولَا يُعْلَى عَلَيْهِ“(1). وهذان النصان خصوصاً أولهما لا يحتمل في شأنه أن يكون متواتراً. وقد عطف هذين الحديثين على قوله: قال رسول الله: “لا ضرر….”؛ فهذا أيضاً يوجب وهناً في كون نظره إلى النقل الحسيّ في المقام.
ويؤيد ذلك أيضاً أنَّه تقمّص ثوب الفقيه في هذه المسألة؛ لأنَّه صار في مقام الاستدلال على المطلب، فإنّه ينقل هذه الروايات في مقام الاستدلال على حكم، وهو أنَّ المسلم يرث الكافر وإن لم يرث الكافر المسلم، وحينئذٍ فكلّ هذه المؤيّدات منضمّة إلى الاطمئنان الشخصي بأنَّ كلمة: (في الإسلام) ليست متواترة، وهذا يوجب عدم إمكان التعويل على مثل هذا المرسل، وعدم المصير إلى شمول دليل الحجية له. هذا هو الطريق الثالث.
الطريق الرابع هو أن يقال: بأنَّ هذه القاعدة وإن لم يكن تواترها بالحسّ والوجدان، ولكن نقل تواترها، فيكون التواتر هنا تواتراً منقولاً، على حدّ الإجماع المنقول، وحيث إنَّ التواتر ملازم مع ثبوت المطلب واقعاً، فالذي ينقل التواتر يثبت التواتر بلحاظ نقله تعبّداً، فيثبت ما يلازم التواتر تعبّداً، وهو صدور الحديث من النبي.
وناقل التواتر هو فخر المحقّقين في (الإيضاح)، فإنَّه أشار إلى أنَّ هذا الحديث متواتر في نظره(2)، وأن تكون هناك روايات كثيرة وصلت إليه ولم تصل
ــــــــــ[44]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 4: 334، بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ المِلَل، الحديث: 5719.
(2) يلاحظ: إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد 2: 48.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إلينا، باعتبار أنَّ جملة من الكتب والأُصول الأوليّة كانت متعارفة إلى أيام المحقّق والعلّامة، ثُمّ بعد هذا انعدمت بالتدريج وسيطرت عليها صولة الكتب الأربعة. فمن المحتمل أنَّه كان في تلك الأُصول التي كانت لا تزال متداولة إلى تلك الأزمنة يوجد فيها هذا النصّ في عدة أسانيد وطرق، ثُمّ انعدمت ولم ينقل في الكتب الأربعة إلّا بنحو أخبار الآحاد.
وهذا الطريق أيضاً موهونٌ، وذلك باعتبار أنّنا لا ندري ما هي حدود مفهوم كلمة المتواتر عند فخر المحققين؟ ولا يتحصّل لنا من عبارة المتواتر هنا، إلّا أنَّ هناك حديثاً واضحاً مستفيضاً يوجب القطع عندي وعند كثير من الناس، ولا يتحصّل أكثر من ذلك، وهذا المقدار قابل للانطباق على ما هو موجود بالفعل بحسب الخارج، والذي كنا نقول: بأنّ النفس تذهب احياناً إلى الجزم به واحياناً لا تذهب.
إذن، فهذه العبارة لا يمكن أن نحصل منها بالتعبد أكثر مما حاصل بالوجدان. إذن فلا محصّل لهذا الطريق.
إلّا أنَّ هذا الطريق لو تحصّل يكون حاله حال التواتر الإجمالي إلّا من ناحية أنَّ ذاك تواتر إجمالي بالوجدان، وهذا تواتر إجمالي بالتعبد.
هو أنَّ يبنى على توسعة في باب الأسانيد، وهذه التوسعة مشى عليها جملة من الفقهاء، كالمحقّق النائيني، وشيخ الشريعة الأصفهاني وغيرهما؛ حيث يذهب إلى أنّ الروايات الموجودة في الكتب الأربعة المشهورة المتداولة بين
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الفقهاء تكون مقبولة عموماً ما لم يكن فيها غمز أو لمز.
بناءً على هذا المشرب الوسيع يمكن تصحيح كثير من هذه الروايات، فتصحيح روايات سمرة بن جندب بتمامها أو أكثرها على أقل تقدير، وتصحيح روايات أقضية النبي.
وبناءً على هذا ينفتح باب للحديث في مشكلة التهافت وتعييّن المتن؛ حيث إنَّ المتن حينئذٍ يكون مضطرباً فإنَّه في دائرة قصة سمرة بن جندب يوجد هناك اضطراب، إذ في رواية لم يذكر أصلاً القاعدة، وإنَّما ذكرت صغراها، وفي روايات أخرى ذكرت القاعدة مجرّدة، وفي روايةٍ أخرى ذكرت مع قيد: (على مؤمن).
كما أنَّه في روايات أقضية النبي أيضاً يقع اضطراب، من ناحية أنَّ قوله: “لا ضرر ولا ضرار“، في أقضية النبي المنقولة عن طريق عقبة بن خالد الذي هو من أصحاب الإمام الصادق نقل كتعليل وتذييل لحديث الشفعة وحديث عدم منع الكلأ.
وأمّا في رواية عبادة بن الصامت فقد نقل قضاء مستقلّاً في عرض الأقضية الأخرى. فمن هنا أيضاً يقع تهافت وتذبذب من حيث تعيين كيفية صدور هذه العبارة.
وإلى هنا ينتهي المقام الأوّل في تعييّن النصّ.
وتبيّن أنّ الطريق الأوّل صحيح لا غبار عليه. وبه تصفوا عندنا رواية واحدة من الطائفة الأولى والتواتر الإجمالي غير بعيدٍ، إلّا أنَّ وجوده ليس مؤثّراً
ــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في صناعة الاستدلال إلّا من(1) حيث إنَّه يوجب ارتفاع قوّة هذا الدليل من كونه ظنياً إلى كونه قطعياً. وعليه فأصل صدور النصّ ولو تعبّداً ثابت بلا اشكالٍ.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
() وهناك أثر آخر أُشير إليه فيما سبق، وهو أنّه على التواتر الإجمالي لا يمكن التمسّك بإطلاق العبارة؛ لأنّها تثبت بالتواتر فهمله من حيث الإطلاق والتقييد بخلافه على الطريق الأوّل كما هو واضحٌ. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بعد فرض تصحيح جملة من الروايات المتضاربة، فيُرى أنَّه على المشرب الوسيع -الذي مشى عليه الأعلام- ماذا يتحصّل من هذه الرواية المتهافتة متناً، وماذا كانت العبارة الصادرة من المعصوم؟
وفي هذا المقام يقع الكلام في جهات:
الجهة الأولى: في تعيين المتن في طائفة روايات سمرة بن جندب.
الجهة الثانية: في تعيين المتن في طائفة أقضية النبي.
الجهة الثالثة: في لحاظ حال المراسيل مع الطائفة الأولى والثانية من حيث تعيين المتن.
قلنا: إنَّها ثلاث في واحد، فمنها ما ذكرت الصغرى، وفي روايةٍ أخرى ذكرت القاعدة بلا قيدٍ، وفي الثالثة ذكرت مع قيد (على مؤمن)، فماذا نصنع في المقام؟
لا بدّ أن يُعرف أنّ المقام من موارد التعارض من حيث الزيادة والنقيصة، بعد الاطمئنان أو القطع بأنَّ القصة واحدة بحيث كانت هناك قضيّة شخصيّة واحدة لسمرة بن جندب مع ذلك الشخص، وقد أوجبت تصرفاً خاصاً من
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قبل سيّد المرسلين، وقد حدده الإمام الباقر، واختلف في كيفية نقله، فباعتبار وحدة القصة يكون المقام من باب دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة؛ حيث إنَّ البعض أنقص والآخر أزاد فيدور الأمر بين أن يكون ذاك قد أنقص شيئاً أو هذا أزاد.
وفي هذا المقام، أي: في كبرى دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة ينبغي أن يعلم ميزاناً كلياً، وحاصله: أنَّ هذه الكلمة التي يرويها هذا الراوي ولا ينقلها الآخر، إمّا أن يفرض أنَّ وجودها كعدمها من حيث المعنى العرفي لفهم الحديث، وإنَّما هو مجرّد تلطيف في العبارة، وإمّا أن يفرض أنَّ وجودها مؤثر في فهم الحديث، بحيث معها يكون للعبارة معنى، ولو حذفت يكون للعبارة الباقية معنى آخر، وإمّا أن يفرض الشكّ في هذا، ولا ندري أنّ المعنى الذي يفهم على تقدير وجودها بعينه أيضاً يفهم في حالة عدمها أو يتبدّل المعنى في حالة عدمها. فهذه صور ثلاث:
الصورة الأولى: وهو ما إذا فرض أنَّ وجود هذه الكلمة كعدمها بحسب الفهم العرفي(1) ولا يعتبر وجودها وعدمها إلّا تعبيرين من حيث الزيادة والنقيصة عن معنى واحد عرفاً؛ ففي مثل ذلك(2) لا يمكننا الجزم بـأنَّ هذا أنقص أو بأنَّ ذاك أزاد، يعني: كانت في كلام المعصوم أو لا. وذلك لأنَّ هذه
ــــــــــ[49]ــــــــــ
() يعني الباقي لا يختلف معناه سواء انضمّت إليه هذه الكلمة المحذوفة أو لا. (المقرِّر)..
(2) ففي الحقيقة لا تعارض بين هذين الكلامين. (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الكلمة قد تكون كانت في كلام المعصوم، ومع هذا أنقصها أحد الراويين، وليس إنقاصه على خلاف القاعدة؛ لأنّ الراوي يتعهد بنقل تمام ماله دخل في استفادة المعنى من العبارة التي ينقلها، والمفروض أنّ العبارة الثانية ليس لها دخل في استفادة المعنى. إذن هذه ليست من القرائن المتّصلة التي تفسّر العبارة السابقة، فليس في كلامه أدني ظهور في نفي الكلمة الزائدة. إذن فالذي أنقص لا يخبر عن عدم الزائد.
كما أنَّ الذي أزاد أيضاً لعلّه أزاد من باب النقل بالمعنى، وهو جائزٌ إذا تحفّظ على المعنى، والمفروض أنَّ هذه الكلمة لا تغير من المعنى؛ فلعله سمع الناقص من الإمام وهو أضافها، وهو لا يتعهد بأنّ لا يزيد، بل يتعهد بأن لا يزيد زيادة مغيرة للمعنى، وهذه الزيادة -بحسب الفرض- غير مغيّرة للمعنى.
إذن فلا ظهور للمنقص في نفي صدور هذه الكلمة، ولا ظهور في كلام المزيد في أنَّ شخص هذه العبارة صدرت من المعصوم، ولا يحصل تعارض بين الشهادتين من هذه الناحية.
وهنا في الواقع أيضاً لا أثر لتحقيق المطلب؛ لأنّنا فرضنا أنَّ وجود العبارة وعدمها سيّان إلّا في الفهم العرفي، ولا يختلف الفرض في فهم (لا ضرر ولا ضرار).
الصورة الثانية: وهو أن نفرض أنَّ هذه العبارة -المختلف في زيادتها ونقصانها- وجودها يوجب فهم معنى من العبارة الموجودة، وعدمها يوجب تغيير هذا المعنى. فهنا يتعارض الحديثان.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وذلك: لأنَّ ظاهر المزيد أنَّه يشهد أنَّه سمع هذه الكلمة إمّا بلفظها أو يرويها من المعصوم؛ لأنَّها مؤثرةٌ في المعنى.
وظاهر المنقص أنّه يشهد بظاهر حاله أنَّه لم يسمع هذه الكلمة؛ لأنّها كانت دخيلة فيما نقل، فلو كان قد سمعها(1) ومع ذلك حذفها لكان ذلك خيانة؛ فإن نقل شيئاً مع حذف قرينة تجيز فهمه فهو على خلاف الأمانة في مقام النقل. فظاهر حاله أنَّه ينفي هذه الكلمة الزائدة، فتتعارض الشهادة بالوجود مع الشهادة بالعدم، فيتعارض المثبت والنافي، أي: يتعارض أصالة عدم النقيصة بأصالة عدم الزيادة، فيقع بحث في تقديم أي الأصالتين. وهذا بحث سوف نستعرضه بعد بيان حكم الشقّ الثالث.
الشقّ الثالث(2): وهو(3) أن ندري بمعنى: (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن). فإنّ معناه (أ). ولكن لا ضرر ولا ضرر مجرّداً، أو قل: هل معناه (أ) أو معناه (ب) فلا ندري، وشككنا أنَّ هذه الكلمة هل لها تأثير أو لا؟
فهنا بحسب الحقيقة أيضاً لا تعارض، أي: يلحق بالقسم الأوّل لا بالثاني. وذلك: لأنّ هذا الذي أزاد يشهد بصدور كلمة: (على مؤمن) إمّا لفظاً أو روحاً
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() لأنّ ظهور حال الراوي وأمانته أنه لا يحذف أي قرينة يكون لها دخل في اقتناص المعنى من الكلام الذي ينقله. (المقرِّر).
(2) الصورة الثالثة.
(3) إنَّ هذه الكلمة على فرض وجودها يكون للباقي معنى، وعلى فرض عدمها نشكّ في أنَّ الباقي هل يحتفظ بنفس ذلك المعنى أو يكون له معنى آخر غيره. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
من المعصوم، وهي شهادة واضحة(1) في نفسها ومشمولة لأدلّة خبر الواحد.
وأمّا ذاك الذي قال: (لا ضرر ولا ضرار)، شهادته بأنَّه لم يسمع كلمة: (على مؤمن) فرع أن تكون مغيرة للمعنى(2)، إذ لو لم تكن مغيّرة للمعنى إذن فهو لا يتقيد بذكرها، وإنَّما يتقيد بها لو كانت مغيرة للمعنى، فإذا كنا شاكّين بأنَّها مغيّرة للمعنى أو لا، فنكون شاكّين بأنَّ المنقص هل في كلامه ظهور في نفي هذه الزيادة أو لا؟
إذن، فلا يحصل في المقام تعارض، فإنَّ المزيد يقطع بشهادته بالزيادة، والمنقص لا يقطع بأنَّه يشهد بعدم الزيادة، فشهادة المزيد تبقى بلا زيادة. وحينئذٍ يكون من باب تعارض الشاهد مع غير الشاهد، ولا يؤخذ حينئذٍ بالزيادة، يعني: نبني على وجود هذه الكلمة، لا من باب تقديم أصالة عدم الزيادة على عدم النقيصة، بل لعدم إحراز وجود التعارض(3).
ــــــــــ[52]ــــــــــ
() لأنّ شهادته بصدور كلام دالّ عرفاً على هذا المعنى الذي نفهمه من: (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن)، شهادته بهذا متيقّنة فنأخذ بها. (المقرِّر).
(2) فرع أن يكون لهذه الكلمة دخل في المعنى حتّى يكون هو ملتزماً بنقلها على فرض وجودها، حتّى يكون عدم نقله لها إخباراً عن عدم وجودها. وهذا كلّه مشكوك فيه في المقام. فلعلّه أنقصها؛ لأنّه لم يرَ لوجودها أهميّة، لا من باب أنّه يشهد بعدمها. إذن فلا شهادة عندنا بالعدم حتّى تعارض تلك الشهادة بالوجود، فيؤخذ بالشهادة بالوجود. (المقرِّر).
(3) وهنا قال أحد الإخوان: إنَّنا نفرض العكس، وهو أن نفرض أنَّ الناقص معناه واضح، ونشكّ في معنى الزائد أنَّه هل يغيّر شيئاً من المعنى أو لا يغير؛ فالناقص يشهد أنّ تمام ما قاله إمّا لفظاً وإمّا معنى هو هذا، وذاك الذي أزاد* لا يعلم أنَّه يشهد بشيءٍ، فيصير عكس ما بيّنتموه؟
فأجاب: بلى صحيح، الميزان هو الأخذ بما نعرف معناه.
* ونقول: إنّ ذاك الذي أزاد كلمة “على مؤمنٍ” لعلّه إنّما أزادها من باب أنّه لم يكن يرى في ضمنها ضرراً؛ لأنّ وجودها وعدمها على حدٍّ واحد. إذن ففي الحالة الثالثة يؤخذ بالمميّز من الصيغتين، ولا يوقع التعارض بينهما. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
هذا هو الكلام في هذا القانون الكلّي.
ويبقى علينا أن نبحث حكم الصورة الثانية، يعني في صورة ما إذا استقطب التعارض بين شهادة المزيد، فهل تتقدّم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة أو العكس؟
قلنا(1): إنّه توجد لهذه الرواية متون ثلاثة:
[الأوّل]: متن خالٍ من القاعدة رأساً، وإنّما ذكر صغراها، وهي رواية عبيدة الحذّاء، وهذه الرواية اختصّ بنقلها من المشايخ الثلاثة الصدوق بإسناده من الحسن بن الصيقل عن أبي عبيدة الحذّاء في كتاب (الفقيه).
والرواية الأخرى: هي التي جاءت فيها القاعدة مع زيادة: (على مؤمن)، وهي التي نقلها عبد الله بن مسكان عن زرارة، وقد اختصّ بنقلها الكليني في (الكافي).
ــــــــــ[53]ــــــــــ
() أشار في عنوان المسألة إلى أنه يقع الكلام في حلّ التعارض بين روايات سمرة بن جندب، وقال: قلنا:… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والرواية الثالثة: هي التي جاءت فيها جملة القاعدة دون زيادة، وقد نقلها المشايخ الثلاثة: الكليني في (الكافي)، والشيخ في (التهذيب)، والصدوق في من لا يحضره (الفقيه).
إلّا أنّ هذه الرواية الثالثة التي نقلها المشايخ الثلاثة أيضاً وقع فيها اختلاف، على ما يبدو من عبارة (الوسائل)؛ فإنّه بعد ذكر هذه الرواية عن الكليني، قال: ومثله نقله محمّد بن الحسن بإسناده إلى أحمد بن محمّد بن خالد، ونحوه نقله الصدوق(1). والشيخ الحرّ العاملي متى ما كان هناك أدني اختلاف يعبّر بكلمة: (نحوه)، ومتى ما كان التطابق يعبّر بكلمة: (مثله).
ولم أجد أحداً ممن تعرّض إلى هذه الروايات ممن نقل هذه الرواية ابتداء. نعم، ينقلون رواية الحسن بن صيقل عن الصدوق ابتداء، أمّا هذه الرواية فلم أجد من نقلها عنه ابتداءً، بل ينقلونها عن صاحب (الوسائل) عن الصدوق. فبالتدريج حصل لي الظنّ المعتد به أنّه وقع هنا سهو من صاحب (الوسائل) في هذا المطلب، وأنَّ هذه الرواية لم ينقلها الصدوق في (الفقيه). فعزمتُ على أن اتتبع (الفقيه) من أوّله إلى آخره لأتحقّق من وجودها وعدمها. وحينئذٍ عثرتُ على هذه الرواية في كتاب المضاربة، ولا أدرى ما هي أدني مراتب المناسبة بينها وبين المضاربة، وهذا يستدعي إلى التأكّد من وجودها، وأظنّ أنّ هذا أوجب أن الآغايون الذين رأيت كلامهم ما تصدوا إلى التأكّد من وجودها، وإنّما اعتمدوا
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) راجع: تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 25، 429، بَابُ حَدِّ حَرِيمِ البِئْرِ وَالْعَيْنِ والطَّرِيقِ والمَعْطِنِ والنَّاضِحِ والنَّهَرِ والمَسْجِدِ والمُؤْمِن، الحديث: 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
على صاحب (الوسائل)، ولكنّ صاحب (الوسائل) حيث كان يقول: (ونحوه)، فهو يدلّ على وجود اختلاف؛ فلا بدّ من تحقيق هذا الاختلاف.
ولتعيين مواضع هذه الروايات من الكتب الثلاثة نقول: هذه الرواية الأخيرة التي نقلها المشايخ الثلاثة، قد نقلها الكليني في الجزء الخامس في الصفحة: 292 في كتاب المعيشة، ونقل في نفس الجزء بعد صفحتين تلك الرواية الأخرى التي فيها زيادة: (على مؤمن).
والشيخ الطوسي نقل الرواية أيضاً في (التهذيب) في الجزء السابع الصفحة: 147، والشيخ الصدوق نقل هذه الرواية في كتاب المضاربة في الجزء الثالث في الصفحة: 147.
وهنا فرق ضئيل في فقرة الاستدلال بين نقل الصدوق ونقل كلّ من العلَمين الكليني والشيخ الطوسي.
يقول الصدوق: “فأمر رسول الله الأنصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه، وقال: لا ضرر ولا ضرار”.
وأمّا ما نقله الكليني والشيخ الطوسي فهو: فقال رسول الله للأنصاري: “اذهب فاخلعها وارمِ بها إليه فإنّه لا ضرر ولا ضرار“؛ وقد جاءت جملة (لا ضرر ولا ضرار) هناك بلا تفريع الفاء، وجاءت هنا مفرعة بالفاء، وبذلك يتبين أن هناك اضطرابات ثلاثة في المتن:
الاضطراب الأوّل: من حيث أصل وجود كلمة: (لا ضرر ولا ضرار)، فإنّها موجودةٌ في رواية زرارة المنقولة في الكتب الثلاثة، وفي رواية عبد الله بن
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مسكان عن زرارة التي اختصّ بها (الكافي)، وغير موجودة في رواية الحسن بن صيقل عن أبي عبيدة الحذّاء التي اختصّ بها الصدوق.
الاضطراب الثاني: أنَّ هذه الجملة هل هي مفرعة بالفاء أو لا؟
الاضطراب الثالث: هل يضاف اليها كلمة: (على مؤمن) أو لا(1)؟
على هذا نأتي إلى تطبيق القانون -الذي مرّ ذكره قريباً- بحالاته الثلاث بالنسبة إلى التهافتات الثلاثة:
التهافت الأول: من حيث أصل وجود (لا ضرر ولا ضرار) وعدم وجودها، إذ هي حذفت في رواية الحسن بن صيقل عن أبي عبيدة الحذاء، وكانت موجودة في رواية زرارة.
والصحيح أنَّ هذا من الحالة الأولى، بمعنى: أنَّ جملة (لا ضرر ولا ضرار) في نفسها وإن كانت ذات مضامين عالية، ولكن ليس لنقلها أثر في فهم الباقي الذي نقله الحسن بن صيقل عن أبي عبيد الحذّاء؛ فأبو عبيدة حينما أسقط جملة (لا ضرر ولا ضرار) نحتمل أنَّه اسقطها تسامحاً، ولا يكون ذلك مخلّاً بأمانته؛ لأنَّه هو ملزم بأنَّ لا يفرق بين القرينة وذيها، وهنا ليست هذه الجملة قرينة على الكلام الذي أتى به. وإنَّما الذي أتى به كلام عالٍ في نفسه، ولكنّه لا دخل له في فهم بقية مضامين الحديث(2).
ــــــــــ[56]ــــــــــ
() ثُمّ قرّر القانون الكلّي في موارد الزيادة والنقيصة كما سبق، فراجع. (المقرِّر).
(2) فالمنقص إنّما بيّن لنا باقي فقرات الرواية؛ لأنَّه كان في مقام نقل قصّة لأجل الاعتبار بشقاوة سمرة بن جندب، وأسقط هذه الجملة فإنَّها لا تؤثّر في فهم القصّة بما هي قصّة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ففي المقام يحتمل أن يكون الإنقاص من باب التساهل، وأمّا الزيادة؛ فلا يحتمل فيها ذلك، فالحجيّة في طرف الزيادة لا يعارض أصالة الحجيّة في طرف النقيصة، بل يؤخذ بالزيادة بلا معارضٍ، لا من باب تقديم أصالة عدم الزيادة على عدم أصالة النقيصة بعد فرض التعارض بين المنقص والمزيد، بل بحسب الدقّة لا تعارض بينهما.
الذي وقع بين نقل الصدوق لشخص هذه الرواية، ونقل الشيخ الكليني والطوسي معاً لها؛ حيث قال الصدوق: “فأمر رسول الله الأنصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه، وقال: لا ضرر ولا ضرار“. وفي (الكافي) وفي (التهذيب) يقول: فقال:”اذهب فاقلعها وارمِ بها إليه فإنّه لا ضرر ولا ضرار“.
والفرق بينهما -هو أنَّ هذه الصيغة وإن كانت في كلا الجملتين ظاهرة في أنّها تعليل للحكم الذي قبله- غاية الأمر أنه يوجد في العبارة عدّة أحكام:
أحدها: أنّ سمرة لا يجوز له أن يدخل بلا استئذانٍ.
ثانيها: الحكم بجواز قلع النخلة ورميها على وجه سمرة، وبحسب نقل الكليني والشيخ الطوسي، فإنّه (لا ضرر…)، واضح كلّ الوضوح في هذا التعليل يشمل حتّى الحكم الأخير وهو قلع الشجرة.
وإمَّا في قول الصدوق، وقال: (لا ضرر ولا ضرار)، لا يبعد أن يكون
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تعليلاً لتمام هذه الأحكام، ولكن ليس فيها هذا الظهور القوي؛ إذ قد يقال بأنَّ قوله: (لا ضرر ولا ضرار)، تعليل لحكمه الأوّل، وهو عدم جواز الدخول بلا استئذانٍ لا الحكم الأخير.
ومن هنا يظهر أنَّ أصل المطلب محفوظ فيهما معاً، غاية الأمر أنَّ في أحدهما يكون أقوى ظهوراً من الآخر، وفي مثل هذا لا بأس بأنَّ يؤخذ بهما معاً، ويقال بأنَّ هذا نقل بالمعنى، وفي باب النقل بالمعنى طبعاً لا يتحفظ على درجة الظهور، إذ قد تضعف درجته وقد تشتد.
والمظنون به هنا أن يكون الأصح هو ما عليه (الكافي) أو (التهذيب) لا ما عليه (الفقيه)، وأنّ هذا التحريف الذي وقع في عبارة (الفقيه) نشأ من طبيعة نقله للقصة، فإنَّه لم يتعهّد لنقل العبارة كاملة فلم يكن بإمكانه إبراز (الفاء)؛ لأنّه في الجزء الأوّل من كلامه عبّر عنه بعنوان أمر، أمّا هناك فقد بين واقع الأمر من النبي:”اذهب فاقلعها“؛ فقد عبّر عن الجزء الأوّل هناك بعنوان الفعل، وهنا بعنوان القول، ولعلّ هذا صار منشأ لتغيير العبارة. وعليه فلا تعارض من هذه الناحية أيضاً.
وقد وردت في روايةٍ اختصّ بها الكليني(1) في (الكافي) ولم ينقلها الشيخ الطوسي والصدوق(2).
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() عن عبد الله بن مسكان عن زرارة. (المقرِّر).
(2) بينما لم تُضف هذه الكلمة في رواية عبد الله بن بكير عن زرارة ورواها المشايخ الثلاثة. (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فهنا إمّا أن نقول إنَّ كلمة: (على مؤمن) وجودها وعدمها سيان بحسب الاستظهار العرفي من العبارة، يعني: أن ما نفهمه من قوله: (لا ضرر ولا ضرار)، هو ما نفهمه من قوله: (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن) أو أنّنا نشكّ في تأثير هذه الكلمة، أي: أن ما نفهمه على أحد التقديرين واضح وعلى التقدير الآخر نشكّ فيه، فنأخذ بما هو الواضح على كلّ تقدير.
لكن إذا فرض أنَّ هذه الكلمة أتت مؤثرة في المعنى العرفي جزماً، حيث مثلاً: أنَّ (لا ضرر ولا ضرار) لو كانت وحدها تدلّ على نفي تشريع الأحكام الضرريّة، وأمّا لو كانت (على مؤمن) لدلّت على حرمة الإضرار بالغير لا على نفي تشريع الأحكام الضرريّة. فحينئذٍ يقع التعارض لا محالة بين النقيصة والزيادة، حيث إنَّ المزيد يشهد بوجودها والمنقص يشهد بعدمها ضمناً(1). فيدخل حتّى في باب التعارض بين الزيادة والنقيصة؛ فندخل في القانون الثاني، وهو ما إذا تعارض الزيادة والنقيصة، فهل يقدم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة -كما هو المعروف- أو لا؟
لو قيل بتقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة فمقتضى ذلك هو تسجيل كلمة (على مؤمن)(2). ويكون المتحصّل: (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن).
ــــــــــ[59]ــــــــــ
() لأنّ المفروض أنَّ هذه الكلمة تكون قرينة على معنى الجملة التي نقلها وكلّ راوٍ يتعهد بأن لا يفصل القرينة عن ذي القرينة وأن لا يأتي بكلام ويسقط قرينته فسكوته عن الزيادة شهادة ضمنية منه عن عدم صدور هذه الكلمة من المعصوم . (المقرِّر).
(2) بأن يقال: إنَّ الشخص الذي انقصها سهواً وغفلة وأمّا الذي أزادها فهو ازادها بحقّ وليست زيادة من قبله. (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والكلام في ذلك يقع تارةً من ناحية الكبرى، واُخرى من ناحية الصغرى، أي: تطبيق البحث على خصوص هذه الرواية.
أمّا من ناحية الكبرى -أي: فيما إذا تعارضت الزيادة والنقيصة- فتقدّم أصالة عدم الزيادة على صاحبتها أو لا يقدّم.
هنا نبيّن وجوهاً لتقديمها عليها:
الوجه الأوّل: لتقديم أصالة عدم الزيادة
هو أنَّ كلام الراوي الذي أزاد، صريحٌ ونصٌّ في نقل الزيادة والالتزام بصدورها من المعصوم. وأمّا ذاك الراوي الذي أنقص، فليس في كلامه تصريح بنفي الزيادة، وإنّما هو ظهور مقامي وإطلاق سكوتي(1)، فالتعارض يكون من قبيل التعارض بين النصّ والإطلاق، والصراحة والنصّ تقدم على الإطلاق السكوتي فتتقدم الزيادة.
وهذا الوجه غير صحيحٍ، وذلك: لأنَّ تقديم الصراحة على الإطلاق السكوتي بالنسبة إلى متكلّمٍ واحد يعلم بأنّه صادق(2) ويراد استكشاف مراداته من كلماته المختلفة، من قبيل الإمام؛ فإنّ الإمام إذا تكلّم بكلامين
ــــــــــ[60]ــــــــــ
() حيث إنَّه في مقام بيان تمام ما ينقل وقد سكت عنه؛ فمقتضى الإطلاق السكوتي هو نفي الزيادة عنه. (المقرِّر).
(2) ونعلم أنَّ مراده شيء واحد إمّا هذا على طبق النصّ أو على طبق الظهور، فحينئذٍ يجعل النصّ قرينة على تفسير مراده من الكلام الظهوري. (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
متعارضين: أحدهما: يدلّ بالإطلاق على معنى، والآخر: يدلّ بالصراحة على خلافه نقدّم الكلام الصريح على المطلق.
وأمّا لو فرض أنّه من قبل شاهدين: أحدهما شهد بالطهارة، والآخر: شهد بالنجاسة: غاية الأمر أنَّ شهادة أحدهما كانت أصرح من شهادة الآخر وأقوى دلالّةً، في مثل هذا لا نؤوّل كلام الشاهد الآخر ونجمع بينهما بحمل غير الصريح على الصريح. كما هو واضح، بل نقول(1): إنَّ بابه باب التكاذب بين الشهادتين؛ فهذا الوجه غير تامّ.
الوجه الثاني: لذلك
الوجه الثاني(2) لتقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة أن يقال: إنَّ الزيادة لو فرض أنَّها لم تكن صادرة من المعصوم، فلا يوجد وجه لزيادة الراوي لهذه الكلمة، بالرغم من عدم صدورها من المعصوم، إلّا الغفلة أو الكذب، وكلّ من هذين الاحتمالين منفي بالأُصول العقلائيّة، أمَّا الغفلة فبأصالة عدم الغفلة، وأمّا الكذب فبأصالة حجيّة خبر الثقة.
أمّا لو فرض أن ذاك الذي أنقص، أنقص بالرغم من صدور الكلمة من المعصوم؛ فإنقاصه لا ينحصر أمره بأحد أمرين: إمّا الغفلة أو الكذب، بل
ــــــــــ[61]ــــــــــ
() فكبرى حمل غير النصّ على النصّ وقرينة النصّ على غيره فرع وحدة المتكلّم، وفي المقام الشاهد متعدّد، ومعه لا معنى للقرينيّة. (المقرِّر).
(2) بدأ هذه المحاضرة بتفصيل القول في التهافت الثالث، وذكر الوجه الأوّل في تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة كما سبق. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
هناك احتمالات أخرى للإنقاص لا تنفى بالأُصول العقلائيّة، من قبيل أن لا يكون في مقام البيان من سائر الجهات، بل يكون في مقام بيان مطلب دون آخر، فأنقص ذلك المطلب، أو أن يكون له طبع في اختصار الكلام، فإنّ الناس يختلفون في مقام نقل المطالب، بعض الناس يطنب وبعضهم يختصر، فقد يكون حذفه ناشئاً من طبيعة الاختصار فيه. وهذا ذوق من الأذواق عند العقلاء، وليس أمراً على خلاف العادة أو الطبع حتّى ينفى بالأُصول العقلائيّة.
إذن، فاحتمالات الزيادة من قبل المزيد منفية بالأُصول العقلائيّة، لكن احتمالات النقيصة غير منفيةٍ بها؛ فتقدم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة.
وهذا الكلام أيضاً لا يرجع إلى محصّلٍ مفهوم، وذلك: لأنّه كيف يقال: بأن الزيادة ليس لها إلّا منشأ واحد هو احتمال الكذب أو الغفلة، وأمّا النقيصة فلها مناشئ اُخر من قبيل ألّا يكون في مقام البيان أو ذوقه الاختصار؟ فإنَّ كلمة: (على كلّ مؤمن) إمّا أن يفرض أنّها من القرائن في تفسير جملة: (لا ضرر ولا ضرار) بحيث يكون لها دخل في اقتناص المعنى من الجملة، وإمّا أن لا يكون لها دخل؛ فإن كانت مجرّد تفنّن في التعبير، إذن فلا تعارض أصلاً بين أصالة عدم الزيادة وأصالة عدم النقيصة، بل يدخل المقام في الحالة الأولى من الحالات الثلاث من القانون السابق، ويكون من حقّ كلّ منهما أن يزيد أو أن ينقص، فلعل الكلمة كانت موجودة وأنقصها هذا، ولعلّها كانت غير موجودةٍ وأزادها هذا، وكلاهما على طبق القاعدة بلا إشكالٍ. وهذا خُلف.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فإنّ المفروض أنّ كلمة (على مؤمن) هي من القرائن التي تؤثر في اقتناص معنى لا ضرر ولا ضرار إثباتاً ونفياً، وحينئذٍ فلا يمكن أن يقال بأنّ إنقاص الراوي الثاني لعلّه لم يكن في مقام البيان من هذه الناحية أو لأنَّ ذوقه الاختصار في مقام التحدث، هذا لا يمكن أن يقال، لأنّ كلّ راوٍ ظاهر حال مقتضى أمانته أن لا يفكك بين القرينة وذيها، يعني: أن لا يذكر كلامه ويسقط ما هو قرينة على فهمه.
نعم، يمكن أن يذكر كلاماً ويسقط كلاماً إذا لم يكن المسقط له دخل في فهم المعنى الذي أتى به، أو لو كان له دخل فلا يجوز إسقاطه، بل ظاهر حاله أنَّه متعهّد بنقل تمام ما يكون له دخل من حديث المعصوم في اقتناص معنى من الكلام الذي يذكره، فبناءً على هذا ينحصر أمر اسقاطه له إمّا بالغفلة أو بالكذب، أي: إمّا أن يكون غفل عن سماع هذه الكلمة من المعصوم أو أن بناءه على التلاعب بالألفاظ واخراج اللفظ من دائرة معنى إلى دائرة معنى آخر، وهذا هو الكذب.
إذن فالمنشأ في كلّ منهما منحصر في الغفلة أو الكذب، لا أنّه في طرف الزيادة يكون المنشأ منحصراً في ذلك وفي طرف النقيصة يكون هناك مناشئ أخرى.
الوجه الثالث لذلك:
الوجه الثالث من الوجوه التي قيلت في المقام: هو أنَّ أصالة عدم الغفلة إنّما هي أصل عقلائي معتبر بلحاظ كاشفيته وأماريته وحكايته عن الواقع، ومن المعلوم أنّ الغفلة على الإطلاق على خلاف طبع الإنسان، ومن هنا كان
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الأصل عدم غفلة الإنسان على الإطلاق، لا الغفلة عن كلمة سمعها فلم يذكرها ولا الغفلة عن كلمةٍ لم يسمعها فتخيّل أنَّه سمعها، فالغفلة من كلا الطرفين على خلاف طبع الانسان، ولهذا تكون الأمارة الغالبيّة العقلائيّة قائمة على نفي الغفلة.
ولكن احتمال الغفلة في طرف الزيادة أوهن وأضعف من احتمال في طرف النقيصة. وذلك لأنَّ افتراض أنّ إنساناً لم يسمع كلمةً وتخيّل أنَّه سمعها، أكثر ندرة من افتراض أنَّه سمعها فغفل عن استماعه إليها ولم يذكرها؛ فالغفلة عن الموجود أو الغفلة عن تخيّل غير الموجود موجوداً فمن هذه الناحية تكون أصالة عدم الغفلة عن الزائد أقوى من أصالة عدم الغفلة عن الناقص، فتقدم أصالة عدم الغفلة عن الزيادة على صاحبتها.
وهذا الكلام من حيث أصل المدعى لا بأس به، بأن يقال: إنَّ درجة الأماريّة النوعيّة في أصالة عدم الغفلة عن الزيادة أقوى من درجة الأماريّة النوعيّة في أصالة عدم النقيصة. ولكن الكلام في أنَّ هذه الاقوائيّة هل تؤثر في الحجيّة أو لا؟ ومجرّد أمارتين متعارضتين أحداهما أقوى أماريّة من الأخرى لا يكفي في تقديم أقوى المتعارضين، بل لا بدّ من النظر إلى دليل الحجيّة، ليُرى أنَّه -أي دليل الحجيّة- هل يقتضي تقديم الأقوى أو لا؟
فلو فرض خبران ثقتان أحدهما أوثق من الآخر بمقدارٍ ما، فلا يمكن تقديمه لمجرّد الأوثقيّة ما لم يقتضِ ذلك دليل الحجيّة، ودليل الحجيّة في هذه الأُصول ليس إلّا البناء العقلائي، والجزم بانعقاد بناء عقلائي على أنّ هذه
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الأقوائيّة النوعية تكون مؤثرة في مقام الترجيح، والجزم بهذا في غير متناول اليد، وإنّما المتيقن من العقلاء أنّ هذه الأمارة يلتفتون إليها ويضمون إليها سائر نكات الباب، فإن تحصّل لهم من ذلك ظن قوي وثوقي بأنّ الأمر على طبقه فيعملون به، وأمّا إذا لم يحصل لهم وثوق بذلك فلا يعملون به. فمجرّد الاقوائيّة هذه لا علم لنا على استقرار البناء العقلائي على العمل به من باب أنَّه أمارة نوعيّة غالبيّة. وعليه فالكبرى بلحاظ دليل الحجيّة لا تكون تامّة(1).
بناءً على هذا لم تتمّ عندنا الوجوه الثلاثة.
وعليه ففي كلّ موردٍ تتعارض الزيادة مع النقيصة لا بدّ من حساب المورد، وحساب تمام الخصوصيات والنكات فيه، لأجل أن يرى أنّه هل يمكن الظنّ القوي المعتد به في أحد الطرفين أو لا؟ فإن حصل فهو، وإلّا فلا يمكن العمل لا على طِبق الزيادة ولا على طِبق النقيصة. هذا من حيث الكبرى.
وأمّا من حيث الصغرى وتطبيقه على محلّ الكلام فالميرزا كأنّه سلم بكبرى أنَّ أصالة عدم الزيادة يقدّم على أصالة عدم النقيصة(2). وظاهر هذه العبارة بالفهم الفني، هو: أنَّ الأماريّة النوعيّة الموجودة في أصالة عدم الزيادة
ــــــــــ[65]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: إنّ ذلك في فرض التعارض، وإلّا في غيره غير محتاجٍ إلى الظنّ الوثوقي. يعني: مقصودي من الظنّ الوثوقي: الذي يخرج أصالة عدم الغفلة الأخرى عن الحجيّة في نفسها. (المقرِّر).
(2) لاحظ: منية الطالب 2: 191- 192.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تكون ميزاناً في تقديم هذا الأصل على الأصل الآخر في مقام التعارض، سواء كانت هذه الاقوائيّة النوعية مؤثرة فعلاً في الظنّ على طبقها أو لم تكن؛ لأنّ الأمارات التي تكون حجة من باب الظنّ النوعي لا يشترط في حجيتها عند العقلاء إفادتها للظن فعلاً.
لكن يظهر من تضاعيف كلام الميرزا أنَّه في حاق نفسه لا يدعي هذا المطلب، بل كأنّه هو أيضاً يستشكل في ذلك، وإنّما يرى التقديم بلحاظ هذه الاقوائيّة فيما إذا أثرت بالفعل في ظنٍ قوي معتدّ به في أنَّ المزيد على حقّ وأن المنقص ليس على حقًّ.
ومن هنا صار في مقام بيان أنَّه هنا لا ظن بالفعل على طبق أصالة عدم الغفلة عن الزيادة؛ لأنَّ هذه الاقوائيّة النوعيّة معارضة بنكات أخرى في صالح أصالة عدم الغفلة عن النقيصة، وبعد الكسر والانكسار لا يبقى لنا ظنٌ بالفعل بالزيادة، وذكر من هذه النكات نكتتين:
النكتة الأولى: أنّ أصالة عدم الغفلة عن الزيادة إنَّما تقدم على صاحبتها فيما إذا كان الراوي للزيادة عن الإمام واحداً والراوي للنقيصة أيضاً واحداً، وحينئذٍ يقال: إنَّه وقعت غفلة واحدة، وهي إمّا زيد الذي أنقص وإمّا من عمرو الذي أزاد، وحيث إنّ غفلة عمرو عن الزيادة أبعد احتمالاً من غفلة زيد عن النقيصة، فيبنى على أنّ الزيادة صدرت من الإمام.
وإمّا إذا فرض أن راوي الزيادة عن الإمام كان واحداً، وإمّا الذي روى عنه النقيصة كان متعدّداً، فالأمر يدور بين غفلةٍ واحدةٍ هنا وغفلات
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
متعدّدة هناك؛ لأنَّ الكلمة إن كانت صدرت من المعصوم، فهؤلاء الثلاثة أو الأربعة كلّهم قد غفلوا وأنقصوها، وإلَّا فهذا الواحد قد غفل، وغفلة هذا وإن كانت أبعد من كلّ واحدٍ من أولئك، لكنّها ليست أبعد من مجموع تلك الغفلات.
إذن فبعد الكسر والانكسار لا يبقى عندنا ميزان لتقديم أصالة عدم الغفلة عن الزيادة على أصالة عدم الغفلة عن النقيصة.
[الردّ على الميرزا]
وهذا الذي ذكره بظاهر عبارته غير مقبولٍ، ويحتاج إلى تطوير وذلك لأن المقام ليس من قبيل أن يكون الراوي للزيادة واحداً والراوي للنقيصة متعدداً؛ فإنّه ما هو مراده من أن راوي النقيصة عن الإمام يكون متعدداً؟ إن كان مراده راوي النقيصة عن الإمام في غير طائفة سمرة بن جندب، فهذا لا دخل له في هذه القصة، فإنّ هذه قصة واحدة، الكلام في تشخيص النصّ الصادر عن النبيفيها، أمّا أنّه في رواية أخرى كقصة الشفعة روى العبارة بلا قيدٍ، فلا دخل له في المقام، ولا يكون ذلك طرفاً للمعارضة مع هذا الذي هو محلّ الكلام.
وإن أراد النقيصة في قصة سمرة بن جندب فمن هو ناقل النقيصة فيها ليس هو إلّا راوٍ واحد؛ وذلك لأنّ هذه القصة رواها اثنان عن الإمام الباقر لا أكثر، زرارة وأبو عبيدة الحذاء، أمّا أبو عبيدة فقد أنقص أصل عبارة: (لا ضرر ولا ضرار)، فضلاّ عن قيد (على مؤمن). فانقاص أبو عبيدة أو
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
من هو في طوله لا يكون قرينة على تضعيف كلمة (على مؤمن)؛ لأنَّه أسقط أصل الجملة، فكيف يتحفظ على ذيلها؟
يبقى الراوي الآخر وهو زرارة، وقد نقل عنه شخصان، أحدهما: عبد الله بن بكير، والآخر عبد الله بن مسكان. فابن بكير نقلها بلا زيادةٍ، وابن مسكان نقل مع زيادة: (على مؤمن)؛ فالتنافي هنا ليس ما بين الرواة عن الإمام مباشرة، بل ما بين راويين عن زرارة فقط، واحد أنقص، وواحد أزاد، فليس المقام من قبيل رواة متعددين هنا وراوٍ واحد في عرضهم هناك.
إلّا أنَّ روح كلام الميرزا قابل للتطوير، ولعلّه هو مقصوده واقعاً، وإن كانت عبارته قاصرة عن أداء ذلك.
وذلك بأن يقال: إنّه في سلسلة الرواية التي أنقصت (على مؤمن) مزايا ونكات تعادل أو تفوق تلك الاقوائيّة النوعيّة لأصالة عدم الغفلة في الرواية المزيدة.
وذلك أنَّ هذه الرواية التي أنقصت كلمة (على مؤمن)، رواها الكليني عن عدّة من اصحابنا عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر. والرواية التي زادت فيها الكلمة رواها الكليني أيضاً عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن بعض أصحابنا عن عبد الله بن مسكان عن زرارة عن ابي جعفر(1)؛ فرواية النقيصة فيها مزايا على رواية الزيادة:
أوّل المزايا: ان هذه الرواية الوسائط فيها بين الكليني والإمام فيها خمسة،
ــــــــــ[68]ــــــــــ
(1) الفروع من الكافي 5:292، بَابُ الضِّرَار، الحديث: 8.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وفي الرواية المزيدة الوسائط ستة. وأنتم تعلمون أنَّ الغفلة المحتملة محتملة في كلّ راوٍ طولي في تسلسل السند. إذن فيتكثر احتمال الغفلة بعدد الوسائط، إذن ففي جانب التنقيص خمس غفلات محتملة وفي جانب الزيادة ست غفلات محتملة؛ فهذا نحو امتياز للنقيصة على الزيادة، باعتبار قلة الوسائط.
المزية الثانية: هو أنّنا إذا لاحظنا أنَّ واسطة من هذه الوسائط تكاد تكون مقطوعاً بها بحيث إنّ احتمال الغفلة بالنسبة إليه موهون جداً، وهي الواسطة التي ينقل عنها الكليني مباشرة؛ إذ يقول: (عدّة من أصحابنا)، وهم أربعة وفيهم من هو من أجلّاء الشيعة وكبارهم. وأمّا في تلك الرواية لا يوجد في أي واسطة تعدّد رباعي؛ فلا محالة أنّ إحدى هذه الغفلات الخمس وهي التي في الواسطة الأولى تكون غاية الوهن، بل تكاد أن تكون معدومة.
المزية الثالثة: لهذا السند هو أنه عندنا طريق آخر إلى عبد الله بن بكير، وهو طريق الصدوق، فإنّه بإسناده -وهو غير هذه الأسناد- نقل عن عبد الله بن بكير نفس الرواية ولم يضف كلمة: (على مؤمن )؛ فهذا يقوي عدم الغفلة في الوسائط التي هي قبل عبد الله بن بكير، بحيث يكاد أن ينحصر احتمال الغفلة في عبد الله بن بكير ومَن فوقه دون مَن تحته.
المزية الرابعة: إذا اُضيف إلى ذلك أنَّ واسطة من الوسائط في الرواية الأخرى، أي: في رواية الزيادة، كان مرسلاً عن بعض اصحابنا، وقد بنينا على حجيّة المرسل على الفرض، ولكن لا نعلم من هو هذا؛ فلعلّه شخص لا يساوي مع هؤلاء الأشخاص الذين كلّهم من أكابر الثقات كأحمد بن محمّد بن
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
خالد البرقي، وأبي عبد الله بن بكير، وزرارة.
وأمّا المرسل عنه من هو؟ فهو غير معلومٍ فاحتمال الغفلة بالنسبة إليه يكون أقوى من احتمال الغفلة بالنسبة إلى هؤلاء.
إذا حسبنا هذه الحسابات الرياضيّة في المقارنة بين السندين، حينئذٍ لا يبقى عندنا أقوائيّة فعليّة بالنسبة إلى أصالة عدم الغفلة عن الزيادة(1).
الجهة الثانية: ضبط الحديث الواقع في روايات أقضية النبي.
يبدو أنّ هناك نحواً من الاختلاف بينها، وذلك: أنَّ هذه الجملة وردت في طريقين، في طريق عن الإمام الصادق برواية عقبة بن خالد، وفي طريق عن رسول الله برواية عبادة بن الصامت، وفي الطريق الأخير نقل هذه الجملة مستقلة كقضاء من اقضيته بعد أن استعرض جملة من اقضيته.
وأمّا في الطريق الأوّل فهناك روايتان كلاهما عن نفس الراوي، إحداهما في باب الشفعة، والأخرى في باب إحياء الموات، وكلاهما مذيّل بهذه الجملة مع
ــــــــــ[70]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: إنّ هذا تغييراً للعبارة -يعني عبارة الميرزا-؟
فأجاب: نعم، نحتمل أنَّ مراد الميرزا كان هذا، غاية الأمر أن عبارة مقرّره لا تفي بهذا المعنى. (المقرِّر).
(2) نسي السيد الأستاذ من ذكر النكتة الثانية للنائيني، وحينما ذكر بعد البحث وَعد بذكرها غداً إن شاء الله تعالى فراجع، وذكر الجهة الاولى وهو ضبط متن الرواية في روايات سمرة بن جندب قد انتهت. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
كلا من القضائين المذيّلين بهذه الجملة موجودين في تسلسل أقضية عبادة بن الصامت من دون ذيل، كما أنَّ هذه الجملة موجودة بنفسها في رواية عبادة كقضاء مستقلّ في عرض سائر الأقضية لا كتعليل وتذييل لبعض الأقضية الأخرى، وسوف يأتي أنَّ هذا الاختلاف ليس له مزيد تأثير في اقتناص النتيجة.
يعني: لا يتغير المعنى المستنبط من هذه الجملة، سواء أكانت هذه وردت مستقلة أو وردت في ذيل الشفعة، وذيل منع فضل الماء والكلاء، إلّا أنَّ ورود هذه الجملة في ذيل الشفعة ومنع الماء يعزز إلى درجة كبيرة ذلك المعنى المستنبط.
وعلى وجه الإشارة أقول: بأنّ هناك اتّجاهين في تفسير جملة: (لا ضرر ولا ضرار):
أحدهما: يبني على أنّ هذه القاعدة حكم من الأحكام الفقهيّة كسائر الأحكام الفقهيّة كحرمة الغيبة والنميمة، فهذه حرمة أنشأت في هذه الجملة، وهي حرمة الإضرار.
والاتّجاه الآخر يقول: بأنّها ليست حكماّ فقهياً تحريمياً في عرض تلك الأحكام التحريميّة، بل هي قاعدة مشرّعة للأحكام أيّ: أنَّها ميزانٌ في التقنين والتشريع في الشريعة الإسلاميّة، فقد تنشئ أحكاماً تكليفيّة أو وضعيّة، وقد تغيّر الحقوق وقد تغيّر الملكيات، وغير ذلك من التصرف التي يستدعيها نفي الضرر في الإسلام.
فإذا فرض أنَّ الجملة قد وردت تعليلاً وذيلاً لمسألة الشفعة أو منع فضل الماء، فيتعزز إلى درجة كبيرة هذا الاتّجاه الثاني؛ فإنّه تكون هذه الجملة كأنّه
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قانون علل به إنشاء حقّ الشفعة، فهو من صغريات هذا القانون، وكذلك حقّ الرعاة في ماء البئر فيما زاد على حاجة المالك منه؛ فيكون هذا القانون مشرّعاً ومنشأ للأحكام في الشريعة الإسلاميّة.
ولا معنى لأنّ يقال حينئذٍ: بأنّ هذا القانون هو مجرّد تحريم الإضرار بالغير.
وإمّا لو فرضنا أنَّ هذه الجملة وردت من دون أن تكون ذيلاً وتعليلاً للحكم، فهذه الجملة وإن كان معناها أيضاً ذلك إلّا أنَّه ليس بذلك الوضوح والتعزز؛ لأنَّه من الممكن أن يقال حينئذٍ بأن (لا)، هنا ناهية لا نافية، وأن المقصود النهي عن الاضرار.
وحيث إنَّ شيخ الشريعة الاصفهاني ذهب إلى هذا الاتّجاه، وفسّر القاعدة بأنَّها حكم بمحرمة الإضرار، ولم يفهم منها أنّها قانون مشرّع للأحكام؛ لهذا وقعت عليه مسؤوليّة إسقاط ما يتراءى من روايتي عقبة بن خالد من تطبيق هذه القاعدة على حقّ الشفعة، وحقّ الماء الزائد. وبذل عناية فائقة في تقديم ظهور رواية عبادة بن الصامت على روايتي عقبة بن خالد بعد أن أوقع التعارض بينهما؛ حيث إنَّ رواية عبادة لها ظهور في استقلال هذه الجملة وروايتي عقبة لهما ظهور في ذيلية هذه الجملة وكونها تعليلاً للحكم، وانتهى إلى القول بأنّ هذه الجملة دالّة على حكم فقهي هو حرمة الإضرار، وليس قانوناً مشرعاً(1).
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) يُنظر: قاعدة لا ضرر:23.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وكأنّه هنا في بداية الأمر يوجد افتراضان:
أحدهما: افتراض كون الجمع بين (لا ضرر ولا ضرار) وبين (الشفعة)، جمعاً في المروي.
ثانيهما: كونه جمعاً في الرواية.
يعني: تارةً تفرض أنَّ هذين المطلبين وجد أحدهما في زمان غير زمان وجود الآخر، غاية الأمر أنَّ الناقل جمع بينهما، فهذا يسمى بالجمع في الرواية، واُخرى يفرض أنّهما وجدا معاً، ويسمى هذا جمعاً في المروي.
فيقال: بأنّ ظاهر روايتي عقبة بن خالد -بحسب الطبع الأولي- وإن كان هو الجمع في المروي لا الجمع في الرواية، أي: أنّ الذيل والمذيّل كان مجتمعين في كلام النبي، فيعترف شيخ الشريعة أنَّ هذا هو ظاهره.
إلّا أنَّ مثل هذا الظهور ضعيف جداً، ويمكن رفع اليد عنه بعد الالتفات إلى نكات توجب تقديم رواية عبادة بن الصامت وشهادته باستقلاليّة هذه الجملة على مثل هذا الظهور على ما يأتي تفصيل كلامه(1).
تحقيق الكلام في ذلك: هو أنَّ رواية الشفعة الواردة عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله قال:” قضى رسول الله بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن”، وقال: “لا ضرر ولا ضرار”، وقال: “إذا أرّفت الأرَف وحدّت الحدود فلا شفعة”.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: لو سقطت رواية عبادة بن الصامت عن الحجيّة لكونها رواية سنيّة؟
فقال: يؤخذ حينئذٍ بهذا الظهور. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ولا بدّ أن نتساءل عن فاعل (قال) الثانية، قال: (لا ضرر…). فإنّه في بداية الأمر يوجد احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون فاعلها الإمام الصادق لا رسول الله، فإنّ عقبة يقول: (قال)، وفاعلها الإمام الصادق، و(قال) الثانية أيضاً تعود إلى الإمام.
وتكون هذه الكلمة من كلام عقبة بن خالد، فكأنّه نقل قولين للإمام، قال الإمام الصادق: (قضى رسول بالشفعة)، وقال الإمام الصادق: (لا ضرر ولا ضرار).
وبناءً على هذا الاحتمال لا يبقى دلالة في الرواية على أنّ الذيل والمذيل كانا مجتمعين في كلام النبي؛ لأنَّ الذيل -بناءً على هذا- لا يكون من كلام النبي، بل المذيل فقط، ويكون الذيل من كلام الإمام الصادق.
إلّا أنَّه مع هذا لا يتحقّق مقصود شيخ الشريعة، وذلك: لأنّ الإمام الصادق حينما يقول: قال رسول الله بالشفعة فتكون (قال) الثانية من قبل عقبة بن خالد، وهي بنفسها يكون لها ظهور في أنّه نقل كلاماً عن الإمام الصادق متّصلاً بالكلام الأوّل، لا أنَّه كلام آخر سمعه في مجال آخر فخلطه به. وكأن الكلام الثاني كان في اعقاب نقل الإمام لقضيّة الشفعة، ونقله في اعقابه فينعقد له ظهور، بحسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في أذهان العرف في أنَّه تعليل وتفسيرٌ له.
إذن، فيأتي نفس الإشكال أيضاً. غاية الأمر أنَّه تارةً يكون تعليلاً من كلام
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
النبي، واُخرى الإمام الصادق علل القضاء الذي صدر من النبي.
فهذا الاحتمال بالرغم من أنَّه يناسب مع عدم كون المطلبين مجهولين مجتمعين في كلام النبي، ومع هذا لا يفيد شيخ الشريعة شيئاً.
الاحتمال الثاني: أن يكون فاعل (قال) الثانية هو النبي، وتكون (قال) الثانية من كلام الإمام، فإنّه قال الإمام الصادق: (قضى رسول الله بالشفعة)، وقال: (لا ضرر ولا ضرار).
وهذا الاحتمال لعلّه هو الأظهر من الاحتمال الأوّل؛ لأنَّ كلّ من بدأ بنقل حديث عن شخصٍ؛ فظاهر سياقه -بحسب أساليب المحاورة العرفيّة- أنَّه يستمر نقله لذلك الحديث ما لم ينصب قرينة على أنَّه انتهى منه.
وإمّا ما دام لم ينصب قرينة على أنَّه انتهى منه فيبقى في عهدة النقل، وهنا عقبة بن خالد بدأ بحديث عن الإمام الصادق ولم ينصب قرينة على الانتهاء منه والانتقال إلى شيءٍ آخر، وهذا الظهور الحالي السياقي هو الذي يوجب عندنا في سائر الموارد أن نقول: إنّ الفقرات المتأخرة من الروايات من الإمام، مع أنّها في جملة من الموارد يناسب أن تكون صادرة من الراوي في مقام التعليق على كلام الإمام، فهذا الظهور السياقي يعين الاحتمال الثاني(1)(2).
ــــــــــ[75]ــــــــــ
() وهو أن يكون فاعل قال هو النبي . (المقرِّر).
(2) وهنا قلتُ له: إنَّ نفس (قال) يكون قرينة على هذا المطلب؟
فأجاب: لا يكون؛ لأنَّه يناسب مع كلا الأمرين؛ فإنّ الإمام الصادق لو كان يريد أن يحدّث عن أمر خارجي، فهكذا، (أي يكون معناه استئناف لكلام)، ولكن حيث إنَّ الإمام الصادق هو أيضاً في مقام النقل، فـ(قال) الثانية يناسب أن تكون استمراراً لحديث الإمام فتسقط عن القرينيّة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وبناءً على هذا أيضاً يواجه شيخ الشريعة نفس المشكلة وهي: مشكلة تطبيق هذا القانون على تشريع الأحكام، وذلك: أمّا أولاً فلما أُشير إليه من أنّ الظهور السياقي يقتضي كون الجمع جمعاً في المروي لا في الرواية. يعني: ظاهر كلام الإمام الصادق أنّه ينقل كلامين مترابطين في حديث رسول الله، ونكتة هذا الظهور السياقي: هو أنَّ وحدة النقل أو وحدة مشهد النقل بحسب التفاهم العرفي تكون ملاكاً لوحدة مشهد المنقول عنه فيما إذا كان مقام النقل في مرحلة الإثبات واحداً، فهذه الوحدة توجب ظهوراً للمنقول في أنَّه واحدٌ أيضاً في مرحلة الثبوت، فإنَّه وإن لم يوجد هناك تصريح بأنّه قال فور ذلك، ولكن هذا يستفاد منه أنّه نقل الثاني فور نقل الأوّل. إذن فيقع شيخ الشريعة في المشكلة من هذه الناحية من حيث إنَّ هذا القانون يطبّق في كلام النبي على إنشاء الأحكام وهو حقّ الشفعة.
و[أمّا ثانياً]: لو غضّ النظر عن هذا وفرضنا أنَّ الكلامين لم يكونا مجتمعين في كلام النبي، وإنّما جمعهما الناقل، ولكن الناقل هو الإمام الصادق، فجمع كلامين متفرقين لجده في هذا الخطاب. ومثل هذا الجمع ليس نكتته بحسب الارتكاز العرفي إلّا التعليل. حيث إنّه هو (سلام الله عليه) يعرف أنَّ هذا القضاء مستند إلى تلك الكبرى ولهذا جمع بينهما. وإلّا كيف قال: “قضى
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
رسول الله بالشفعة في الأرضين”، وقال: “لا ضرر ولا ضرار”، وقال: “إذا أرّفت الأرف وحدت الحدود فلا شفعة“؟ فليست نكتة الجمع بين هذه المختلفات إلّا أن ذاك كان تعليلاً لهذا.
فينعقد أيضاً له ظهور بلحاظ جمع الإمام الصادق لهذه المتفرّقات، في أنّه في مقام التعليل، فأيضاً يقع شيخ الشريعة في المشكلة.
فيتّضح من هذا أنَّه على جميع هذه التقادير، يواجه هذا الفقيه المشكلة، من حيث إنَّه كيف طبقت هذه القاعدة على إنشاء الأحكام.
ولهذا قلنا: إنّه بذل عناية فائقة في سبيل التغلب عليها، وكلامه -في تصور أصل المشكلة وفي كيفية التغلب عليها وتقديم رواية عبادة بن الصامت على ظهور روايتي عقبة بن خالد – غاية الاختصار والتشويش والتفكك.
وقد نقل هذا الكلام في تقريرات الميرزا(1) على تشويش، واُضيفت إليه بعض الخصوصيات والنكات الأخرى. وسوف ننقل هذا الكلام مع الالتفات إلى ما اُضيف في تقريرات الميرزا إليه، لكننا ننقله مع تطويره وترتيبه.
يمكننا أن نحلل استدلال هذا الفقيه إلى مقدّمات ثلاثة: كأنّه يحاول تثبيتها، ثُمّ يستنتج منها أنّ ظهور رواية عبادة بالاستقلاليّة أقوى من ظهور روايتي عقبة في الذيليّة.
المقدّمة الأولى: هي في مقام ضبط وإتقان ووثاقة عبادة بن الصمت.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) يلاحظ: منية الطالب في حاشية المكاسب2:194.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
المقدمة الثانية: أنّ عقبة بن خالد -بحسب ما نرى الآن في الكتب الأربعة- عنده روايات عديدة عن الإمام الصادق في أقضية النبي، إلّا أنَّ الشيء الذي يحدس به هذا الفقيه، هو: أنَّ هذه الأقضية بتمامها كانت مجموعة في رواية واحدة. ولكن الفقهاء حيث إنَّ شأنهم التقطيع في الروايات ولهذا تفرقت رواياته في المقام. فعقبة سمع تمام الأقضية من الإمام الصادق مرة واحدة في مجلس واحد وقطعها العلماء بعد ذلك فتبينت كأنّه روايات متعدّدة تحكي عن مشاهد متعدّدة.
المقدّمة الثالثة: هو أنَّه بعد فرض إرجاع تمام روايات عقبة بن خالد إلى رواية واحدة طويلة عن الإمام الصادق لا يكون يبين هذه الرواية ورواية عبادة بن الصامت إلّا في خصوصيّة واحدة، وهي خصوصية أنَّ جملة: (لا ضرر) هناك جاءت مستقلة وهنا جاءت ذيلاً ومربوطة؛ فطرف المعارضة ظهورها في ذيليّة جملة: (لا ضرر)، وهذا الظهور(1) إمّا غير موجودٍ، وإمّا في غاية الضعف والوهن، فيقدم عليه كلام عبادة بن الصمت وشهادته.
فهذه مقدّمات ثلاث لو اختل واحد منها يختلّ المقصود:
فإنّه لو اختل الأوّل، وهو وثاقة وإتقان عبادة، ففيما إذا تعارض الظهور مع الظهور في روايتي عقبة بن خالد فإنَّه يرفع اليد عنه لحساب عبادة بن الصمت، ولو كان ضعيفاً.
وأمّا المقدّمة الثانية فلو لم يثبت أنَّ أقضية النبي كانت مجموعة في رواية
ــــــــــ[78]ــــــــــ
() هذا جعله نتيجة للمقدّمات الثلاث وبه ينتهي البرهان. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
واحدة سمعها عقبة مرة واحدة، ونقلها مرةً واحدةً وفرقها الأصحاب، وفرضنا أنّ عقبة سمع هذه الجملة بالخصوص أيضاً لاختلف الموقف كثيراً؛ لأنّ الإمام الصادق إذا أصبح في مقام نقل الأقضية المتفرقة للنبي فينقل له كثيراً من الأقضية من أبواب الفقه، وينقل له أيضاً: (لا ضرر ولا ضرار)، فمثل هذا لا يبقى له ظهور في أنّ المنقولات كانت متحدة، وأنّ لا ضرر ولا ضرار مع قضاء النبي بالشفعة؛ لأنَّ المفروض أنّ الإمام في مقام نقل المتفرقات.
وهذا بخلاف ما لو فرضنا أنَّ عقبة بن خالد قال: قال الصادق: “قضى رسول الله بالشفعة“، وقال: “لا ضرر ولا ضرار“، ففي مثل هذا لم يظهر أنَّه في مقام نقل المتفرقات حتّى يختلّ ظهوره السياقي في أنّه في مقام نقل المترابطات؛ فالمقدّمة الثانية لو اختلت يختلّ المقصود.
وكذلك المقدّمة الثالثة فلو فرضنا: أنَّ التعارض بين رواية عقبة ورواية عبادة كانت في أمور كثيرة مهمّة(1) لا في مجرّد هذا المطلب الطفيف؛ فقد لا يمكننا عند وجود تعارضات في أمور عديدة أن نرفع يدنا عن تمام ظهورات رواية عقبة لحساب عبادة، فإنّ ضعف المعارض له دخل في تقديم معارضه عليه لا محالة.
فهذه مقدّمات ثلاث مقتنصة من كلماته أو متمّمة بها كلماته.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
() لأنَّه بهذا يضل وثوقنا بإتقانه وضبطه. (جواب على سؤال عن ارتباط المعارضات الأخرى بالموضوع). (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أمَّا المقدّمة الأولى (1)، وهي شدّة ضبط عبادة بن الصامت فيذكر لذلك وجهين:
الوجه الأوّل: ما يذكر في مقام عبادة بن الصامت، وأنَّه كان من الصحابة الواعين المؤمنين الثقات وغير ذلك من ألقاب المدح والثناء عليه.
الوجه الثاني: هذا استكشاف ضبطه واتقانه عن مطابقة روايته للأقضيّة، مع الروايات المتفرقة التي وردت عندنا تحكي عن أقضية النبي، فإنّها أيضاً جاءت في طرقنا وروايتنا عن الإمام الباقر والصادق. وهذه الروايات إذا جمعناها من مختلف أبواب الفقه نجد أنّها مطابقةٌ مع رواية عبادة بن الصامت، فيبدو من ذلك أنّ عبادة كان على قدر كبير من الضبط والإتقان والتحفظ على الخصوصيات، بحيث إنَّ طرقنا كلّها طابقت مع ما ينقله من أقضية النبي بحيث لم يبق من عدم المطابقة إلّا أنَّه نقل قضيّة الشفعة بلا ذيلٍ، وهنا يقول: من دون ضرر يعود عليه وخسارة تتصوّر له فيما لو نقل هذا الذيل على فرض كونه موجوداً.
وكلا هذين الشاهدين لا يرجع إلى محصلٍ فني.
أمّا الشاهد الأوّل، فلو فرضنا أنّ عبادة بن الصامت كان من الصحابة الثقاة الواعين، إلّا أنّنا لم نسمع من عبادة هذا المطلب وإلّا كنا في طبقة التابعين، وإنّما تلقينا ذلك من الإمام أحمد بن حنبل بوسائط ستة إلى عبادة، وهؤلاء الستة
ــــــــــ[80]ــــــــــ
() قال بعد أن لخص مما سبق ولخص برهان شيخ الشريعة: أما المقدمة الأولى… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
من رجال رواة المسند، وممن لم نعرف فيهم شيئاً من هذه المراتب التي تذكر عبادة، بل أنّ بعضهم عرفوا بعكس هذا حتّى عند رجالهم.
وعلى هذا لا يفيدنا مهما كان عبادة بن الصامت ورعاً وتقياً بعد إن كانت الرواية مربوطة بمصائر تمام سلسلة السند.
أمّا الشاهد الثاني، وهو التطابق الموجود بين أقضية عبادة بن الصامت والاقضيّة المتفرقة للنبي في طرقنا للنبي.
فهذا يرد عليه: أنَّ هذا التطابق لو فرض كان تاماً، إلّا أنّه لا يقتضي إلّا أنّ عبادة قد أحسن أداء هذه الرواية بنحو التطابق الكامل -مع غض النظر عن الناحية التي هي محلّ الكلام- وهذا التطابق الكامل لا يكشف منه تلك المرتبة العالية من الضبط والإتقان التي توجب التقديم.
وإنّما يصح هذا لو فرض أنّنا استقرأنا عدداً كثيراً من روايات عبادة بن الصامت في كثير من المجالات، وتأكدنا من أنّها وردت على شكلٍ مضبوط، فقد يؤدي ذلك إلى اكتشاف مزيد الضبط والإتقان فيه. أمّا التطابق مع شخص رواية واحدة، وإن كانت طويلة بمقدارٍ ما، لا يوجب وحده كشف هذه المرتبة من الوثاقة والضبط والإتقان.
هذا مضافاً إلى أنّ مثل هذا التطابق غير موجودٍ، فإنّه في بعض الروايات قد وردت أقضية النبي مختلفة عمّا جاء في أقضية النبي في رواية عبادة من غير ناحية كون الجملة ذيلاً أو أصلاً منها، فنفس قضاء الشفعة إذا اسقطت منه جملة في كلام عبادة، وهي قوله: “وقال: إذا ارفت الارف وحدت الحدود
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فلا شفعة“، فهذه الجملة التي هي تقييد وقرينة متّصلة عن الإطلاق في دليل الشفعة لم ترد في رواية عبادة، فبقى دليل الشفعة مطلقاً بحيث تمسّك به جملة من فقهاء السنة(1)، وافتوا بالشفعة حتّى في الخليط لا في خصوص الشريك(2).
وهناك ناحية أخرى من عدم التطابق، وهو أنّ جملة من الأقضية التي وردت في رواية عبادة بن الصامت لم تنقل في طرقنا أصلاً. من قبيل قضائه بمنع الرسولمن التصرّف في حالها إلّا بإذن الزوج، ولعل أكثر من قضاء من هذه الأقضية غير موجودةٍ في روايتنا.
وشيخ الشريعة في تصفحه ذكر في الأقضية حوالي الثلث بالنسبة إلى المجموع، وذكر من الأقضية التي جاءت ولو من غير طريق عقبة بن خالد حوالي النصف. وبعض ما لم يذكره موجوداً وبعضه غير موجودٍ؛ فلعل هنا زيادة من هذه الناحية.
على أنَّ جملة من هذه الروايات التي عزّز بها رواية عبادة بن الصامت روايات ضعيفة السند وليست معتبرة في نفسها، فلا يمكن أن تعتبر تعزيزاً قوياً بالنسبة إلى رواياته.
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() راجع: المغني لابن قدامة 5: 476، وشرح العناية على الهداية في هامش شرح فتح القدير 7: 414.
(2) وهنا قال جواباً على سؤال: الخليط أن يجلسوا في بيت واحد مقسوم إلى قسمين أو جاء بحيث يكون ما بينهما نحو من التفاعل، يعني: يملكانه من دون اشاعة قد أرفت الأرف وحددت الحدود. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
على أنَّه لو فرض هذا التطابق، فمن قال إنَّه كان من قبل عبادة بن الصامت؟ فإنّه لو ثبت أنَّ عبادة نقل نصاً بهذا الشكل الصحيح المضبوط لكان هذا أمارة لضبطه وإتقانه، لكن حيث لم يثبت عندنا وثاقة من ينقل عن عباد، فمن المحتمل أن يكون مثل هذه النصوص قد دست عليه.
وكانت هناك أقضية معروفة مشهورة للنبي، وقد جمع التابعين وتابعهم وخلطوا بينها، وأضافوها بتمامها إلى عبادة، ولم ينقل هو كلّ هذه الأقضية، فلعلّه نقل قضاءين أو ثلاثة أو أربعة دون غيرها، وإنما أضيفت إلى إليه على مرّ الزمان.
وليست رواية عبادة من الروايات المشهورة المتواترة بحيث لا يمكن فيها الإضافة أو التلاعب. خصوصاً أنَّها لم تنقل في شيء من الصحاح الستة، وإنَّما نقلت في مسند أحمد فقط.
إذن فمحلّ هذا التطابق لا يمكن أن يكون أمارة على مزيد الضبط والإتقان. هذا تمام الكلام في المقدّمة الأولى.
المقدّمة الثانية: وهي استظهار هذا الفقيه أنّ روايات عقبة بن خالد مرجعها إلى رواية واحدة؛ فكأنّ الإمام الصادق نقل الحديث بطوله وسمعه عقبة ونقله بطوله، ولكن قطّعه الفقهاء بعد ذلك.
وهذا المطلب له أمارتان:
الأولى: هي أنَّ تمام هذه الروايات التي وردت عن عقبة بن خالد في أقضية النبي ووردت بطريقٍ واحد، فيحدس من ذلك أنّها كانت رواية
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
واحدة طويلة بسند واحد قطّعت بعد هذا ووزعت على الكتب المختلفة في الفقه وأنَّها كانت روايات متعدّدة كثيرة، فكيف يقال أنّ تمام هذه الروايات رواها شخصٌ واحدٌ عن شخصٍ واحدٍ إلى أن ينتهي إلى عقبة بن خالد؟
فمثل هذه الصدفة بحساب الاحتمالات ضعيفة جداً لو لم يمكن المجموع رواية واحدة.
وهذه الأمارة غير تامةٍ، وذلك: لأنّ عقبة بن خالد له كتاب كما يذكر النجاشي في ترجمته، ويذكر النجاشي طريقه إلى هذا الكتاب. وطريقه إليه ينتهي إلى الراويين الطوليين الذين ينتهي إليهما سند محمّد بن يعقوب الكليني، وحينئذٍ فمن المحتمل جداً أن يكون طريق الكليني إلى هذه الروايات إنّما هو باعتبار هذا الكتاب، وكانت كلّ هذه الروايات موجودة فيه. وطريق الكليني إليه وإن اختلف في وسائطه الأخيرة، ولكنّه اتّحد في وسائطه الأولى مع طريق النجاشي؛ فبناءً على هذا يكون النقل نقلاً من كتابه، وتكون الروايات كلّها بسندٍ واحدٍ من باب أنّ النقل نقل عن كتابه لا من باب أنّها روايةٌ واحدةٌ.
والذي يعزز هذا المطلب، أنّنا راجعنا روايات عقبة بن خالد من غير ناحية النبي، يعني: روايات عن الائمة ابتداء غير مربوطةٍ بالاقضيّة، فرأيناها أيضاً بهذا الطريق، يعني: فيها هذان الشخصان اللذان وقعا في آخر السند.
ونحن نذكر الآن رواية له في الفقيه في كتاب الوصية أيضاً وقد وقع فيها هذان الشخصان، وهناك أيضاً عدة روايات بهذا النحو.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فهذا كلّه يعزز أن يكون عقبة بن خالد صاحب كتاب وأن تكون هذه الروايات منقولة عنه، وإلّا كيف اتفق أن يكون هذا السند سنداً غير قضيّة النبي لولا أن يكون تمامها مجموعة في كتابٍ واحدٍ؟
الأمارة الثانية: أنَّ هذه الأقضية كانت مجموعة في رواية واحدة، وحاصلها: أنَّ هذا الحديث وصل إلينا بطوله من عبادة بن الصامت، وتقطيع الحديث في المشهد الواحد على خلاف الطبع، وهذا التقطيع إمّا أن يكون ارتكبه الإمام الصادق، أو عقبة بن خالد الراوي عنه، أو اصحاب الجوامع.
إمّا أن يكون الإمام الصادق أو عقبة قد ارتكب الذي هو خلاف الطبع، فهذا بعيد باعتبار كونه على خلاف الطبع بالنسبة إليهم، ولم يحصل منهم التزام بمثل هذا التقطيع، وهذا بخلاف اصحاب الجوامع فإنّ هذا ليس على خلاف طبعهم الثانوي، بعد استقرار بنائهم على تقطيع الروايات، فحينئذٍ إمّا أن نفرض أن التقطيع حصل من قبل أصحاب الجوامع، فهذا هو المطلوب، وإمّا أن نفرض أنَّه حصل من الرواة، فهذا على خلاف الطبع، وإمّا أن نفرض أن هذه المقطعات أمور أخرى مباينة مع ذلك الحديث الطويل، وهذا أيضاً افتراضه في نفسه بعيد.
وهذه الأمارة مبنيّة على مقايسة كلام عبادة بن الصامت بأنَّه حديث صدر من النبي، يعني: لو كان الأمر هكذا، كما لو كان عبادة ينقل خطبة رسول اللهيوم الغدير على طولها، ونقل عقبة بن خالد فقرات متفرقة منها، فيغلب على الظنّ بأنّ هذه العبارات المتفرقة كانت بحسب الأصل نقلاً لتلك الخطبة
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الطويلة وفرّقها أصحاب الجوامع.
ولكن مدلول كلام عبادة بن الصامت ليس هو حديثاً نبوياً، بل مدلوله عبارة عن أنَّه جمع بنفسه الأقضية التي شاهدها في عهد النبي، وحدث عنها حتّى يكون مرجعاً للمسلمين في أحكامهم. وحينئذٍ أي ظهور وأي طبع يقتضي في أنّ الإمام الصادق لا بدّ وأن يجمع سنخ ذلك الجمع الذي جمعه عبادة؟ لعل الإمام لا يكون في مقام الجمع، فيذكر في كلّ مقام يذكر القضاء الذي يناسبه. مثل هذا لا يكون على خلاف الطبع بوجه من الوجوه.
والذي يشهد بهذا أنّ روايات عقبة بن خالد الواردة في طرقنا بمجموعها لو حسبناها لا تصل الأقضية فيها إلّا ثلث الأقضية الموجودة في رواية عبادة، وجملة من الرواة الآخرين غير عقبة نقل أقضية متفرقة من النبي عن الإمام الباقر، واحد منهم ينقل قضاء واحد والآخر قضائين.
مما يظهر أنَّ الإمام كان يكرر هذه الأقضية في مشاهد متعدّدة وفي مناسبات متعدّدة، لا أنّه بينّها مرةً واحدةً، فالسكوني ويحيى بن أبي العلاء، والحسن بن سماعة، وغياث بن إبراهيم وغيرهم، كلّهم نقلوا عن الإمام أقضية عن النبي. إذن فلا يوجد هناك طبع يقتضي توحد هذه القضايا.
وأمّا المقدّمة الثالثة: وهو أنّ الاختلاف انحصر بين روايات عقبة بن خالد وعبادة بن الصامت، في خصوصيّة الذيليّة والاستقلاليّة لهذه الجملة، وظهر حاله فيما أشرنا إليه على المقدّمة الأولى، حيث إنَّ هناك اختلافاً من ناحية أخرى، وهي ناحية إسقاط جملة برأسها وهي جملة: (إذا أرّفت الأرف وحدت
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الحدود فلا شفعة)، ولأنّ كان تغيير الجملة من التبعية إلى الاستقلاليّة جائزاً، لا يغير المعنى، فإسقاط هذه الجملة برأسها، التي هي من القرائن المتّصلة غير جائز. وعليه فالمقدّمة الثالثة أيضاً لا يمكن تتميها.
لو فرض صحّة هذه المقدّمات، وأنَّ عبادة بن الصامت كان ثقة ضابطاً متقناً، وأنّها كانت رواية واحدة، وأنّه لا معارضة إلّا من ناحية الاستقلاليّة والذيليّة، وحينئذٍ ماذا نصنع بظهور عقبة بن خالد بأنّ حديث لا ضرر كان مقترناً مع حديث الشفعة؟
إمّا أن يقول: إنَّ هذا الظهور غير موجودٍ أصلاً في كلام الإمام الصادق، وإنّما نشأ من التقطيع -الذي ثبت في المقدّمة الثانية- وبعد اكتشاف التقطيع يتبين أنّ هذا الظهور لا أصل له.
وإمّا أن يقول: إنَّ هذا الظهور وإن كان موجوداً في أصل المتن، ولكنّه مع هذا نقدّم عليه ظهور رواية عبادة من باب أنَّه أوثق واضبط، كما ثبت بالمقدّمة الأولى.
فلذا فرض أنّه ينكر أصل وجود ظهور في رواية عقبة، ويدعي أنّه نشأ من ناحية التقطيع فقط، ولو ارجع بعضه إلى بعض لا يبقى مثل هذا الظهور؛ إذ لو وردت وحدها لا نحفظ فيها الظهور، ولكنّها لو وردت مع عدد كبير من الأقضية، لا يبقى ظهور في أنَّ كلامين من هذه الكلمات وقعتا في مقام واحد.
إن ادّعى ذلك فهذا المطلب غير صحيحٍ، وذلك:
أولاً: فلأنَّ هذا خلاف مأخذ هؤلاء المقطّعين في مقام التقطيع، فإنّ مقتضى
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
امانتهم أن لا يقطّعوا بحيث يخلقوا هناك ظهوراً عرفياً لا يرونه موجوداً في أصل المتن، وإلّا -لو لم يكن هذا على خلاف الامانة- لانفتح باب هذا الاحتمال في كثير من الموارد والمقامات، فنفس نقل الكلمات المقطعة مساوق مع ضمان حفظ تمام ظهوراتها وهي مقطّعة في أصل المتن. فإبداء مثل هذا الاحتمال خلاف شهادة هؤلاء المقطّعين وأمانتهم.
ثُمّ إنَّ هذا المطلب لا يفسّر لنا عدّة أمور، يعني: لو جمعنا تمام متون عقبة بن خالد، وفرضناها صادرة دفعة واحدة من الإمام الصادق فهل صحيح أنّه لا يبقى فيها ظهور في الذيليّة أو لا؟
كيف لا يبقى لها ظهور في الذيليّة؟
على القول بالسلب فهناك عدّة أسئلة تبقى بلا جواب.
السؤال الأوّل: كيف تكرر: (لا ضرر ولا ضرار) في التقطيع مرتين؟ فإنّ هؤلاء المقطّعين مرةً جعلوا هذه العبارة في حديث الشفعة واُخرى جعلوها في حديث منع فضل الماء، مع أنّ التقطيع لا يقتضي تكرار الكلمة وإنّما يقتضي جعلها في أحد المقطعات(1).
السؤال الثاني: كيف اختلفت لغة المطلب وطرز التعبير؟ حيث إنّنا نجد أنّ عقبة بن خالد بالنسبة إلى الأقضية المستقلة، يستهلها بقضى رسول الله أومن
ــــــــــ[88]ــــــــــ
() فهذا التكرار لا يفسره إلّا أنّه وقع في نفس كلام الإمام في مقام النقل. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قضاء رسول الله، ولا يوجد قضاء مستقلّ يستهلّه يقال إلّا هذا(1). فلو جمعناه بهذا النحو أو سمعناه من الإمام مجموعاً: (قضى رسول الله في الشفعة…) وقال: (لا ضرر.. وقضى بميراث الجد والجدة وقضى بدية الجنين)؛ فنستكشف من اختلاف طرز التعبير أنه قال هناك من متممات القضاء الأوّل، وليست في عرض الأقضية الأخرى.
السؤال الثالث(2): أنّ (لا ضرر ولا ضرار) حفّت بجملتين مربوطتين بالشفعة حيث قال: “قضى رسول الله بالشفعة في الأراضي والمساكن“، وقال: “لا ضرر ولا ضرار” وقال: “إذا ارفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة“. وحينئذٍ من البعيد جداً أن يحتمل أنَّ المقطع جاء بهذه الجملة ودسها بين جملتين(3) مربوطتين بالشفعة، ثُمّ جاء بها مرةً أخرى ودسها في مكان آخر ودسها بهذا النحو في الشفعة يجعل لها ظهوراً قوياً على أنّها تابع لذلك لا أنّها قضاء مستقل.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
() فلماذا خصوص لا ضرر لم يعبر عنه بقضى لو كان قضيّة في عرض سائر القضايا. (المقرِّر).
(2) هكذا جعل عنوانه السيد وهو مربوط بالسؤال الثاني كما هو معلوم. (المقرِّر)..
(3) بيّن القرينة وذي القرينة قبل أن يستكمل القضاء بالشفعة، مع أنَّ من عادة هذا التسلسل أن لا يذكر القضاء الآخر إلّا بعد استكمال القضاء الأوّل، فلو لم تكن الجملة المباركة من شؤون القضاء بالشفعة مما استحسن ذكره بين الجملتين المربوطتين بالشفعة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إذن فظهوره في الذيليّة محفوظ حتّى لو بنينا على أنّ تمام هذه الروايات رواية واحدة وأن الفقهاء قطَّعوا، ولا يمكن أن نقول إنَّ الظهور نشأ من التقطيع محضاً، بحيث لولاه لا ظهور.
فإذا كان الظهور موجوداً، فلماذا نرفع اليد عنه؟
نقول: نرفع اليد عنه؛ لأنّ عبادة ابن الصامت ينقل أنّ الجملة وقعت مستقلة لا ذيلاً، وكيف ينقل عبادة ذلك، فإنّه فقط نقل قضاء رسول الله بالشفعة.
أولاً: لعلّ هذه القضيّة التي هو سمعها من النبي بالشفعة، لم يعللها، فإنّه لا يستبعد ان يكون له قضاءات متعددة بالشفعة؛ لأنَّه كان هو المرجح في تمام شكليات وتداعي المسلمين، فمرةً قضى بالشفعة ولم يعلل، ومرةً أخرى قضى بها وعلل بلا ضرر ولا ضرار؛ فلعل عبادة لم يسمع المزيد وإنّما ينقل ذاك الذي لم يعلل في كلام النبي، والإمام نقل ما علل باعتبار النكتة الزائدة، وهي التعليل، فأيّ تعارض بينهما من هذه الناحية لعدم احراز وحدة القضيّة.
ثانياً: لعل عبادة بن الصامت ينقل نفس القضيّة، ولكنّه أسقط الذيل ولا عيب في ذلك، فإنا ذكرنا في القانون السابق أنّ اسقاط ما لا يكون قرينة على ما أتى به من الكلام لا بأس به، ولا ضرر ولا ضرار ليس قرينة على الحكم بالشفعة بوجه من الوجوه؛ فعدم نقله له لا يكون شهادة أصلاً من قبل عبادة بن الصامت بعدم وجود هذا الذيل حتّى يقع تعارض بين شهادته وبين ظهور
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
رواية عقبة حتّى يقدم عليه باب الأضبطيّة والأوثقيّة(1).
هذا تمام الكلام في مناقشة ما ذكره شيخ الشريعة في الاستدلال على إثبات استقلالية الجملة.
توجد نقطة في كلام شيخ الشريعة من أهم النقاط الاساسيّة، وتعتبر أصلاً موضوعياً. وهي أنَّ روايات عقبة كلّها رواية واحدة ذات متن طويل ولكن أصحاب الجوامع قطّعوه فصيروا منه روايات متعدّدة(3).
وبناءً على هذا الأصل الموضوعي يمكن أن يدعى من قبل شيخ الشريعة دعويان:
أن يقال: بأنّنا إذا لاحظنا رواية الشفعة لعقبة بن خالد، وإن كنا نرى فيها ظهوراً سياقياً في قضاء النبي بالشفعة مربوطاً بالجملة المباركة. إلّا أنّه بعد
ــــــــــ[91]ــــــــــ
() ولعلّه شجعه على عدم نقله أنّه نقل “لا ضرر ولا ضرار” مستقلاً؛ لأنّه كان من الاقضيّة المستقلة التي كان قد سمعها من النبي ، ولم يلتفت إلى أنَّه لو نقل هذا الذيل لا وقع شيخ الشريعة في مشكلة ولغير مبناه. (المقرِّر).
(2) أعاد سيدنا الأستاذ في هذه المحاضرة مختصراً عن المحاضرة المطوّلة السابقة، فيها ما هو مكرر محض وفيها ما هو بعرضٍ جديد، فنثبت الآن ما فيه جدة نسبياً. (المقرِّر).
(3) راجع: قاعدة لا ضرر ولا ضرار: 195.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الالتفات إلى ذلك الأصل الموضوعي وهو أنَّ تمام روايات عقبة كانت واحدة، يزول هذا الظهور رأساً، ولا يبقى أي ظهور في أنَّ هاتين الجملتين كانتا مترابطتين بوجه من الوجوه.
وذلك: لأنَّ هذه المتون إذا أرجعناها إلى متن واحد مفصّل يرجع هكذا: قال: رسول الله: “الشفعة بين الشركاء“، وقال: “لا ضرر ولا ضرار“، وقال: “دية الجنين كذا...”، لا يبقى ظهور بأنَّ لا ضرر ولا ضرار مربوطة بالشفعة؛ لأنَّه من الواضح أنَّ المتكلّم في مقام نقل المتفرقات، إذن فالظهور السياقي بالترابط نشأ من التقطيع، وبعد ارجاع المتون إلى متن واحد ينعدم هذا الظهور رأساً.
وبهذا التقريب يعلم أنّه لا تتوقّف هذه الدعوى من شيخ الشريعة على أن يدّعي أنَّ تمام أقضية عبادة بن الصامت كانت موجودة في روايات عقبة بن خالد، بل تمام همّه وغرضه يتوقف على إثبات أنَّ رواية عقبة كان لها متن واحد يستوعب ولو ست أو سبع قضايا متفرقة حتّى يختلّ بذلك ظهوره في وحدة المنقول عنه، ويتكون له ظهور حال في أنَّه في مقام نقل المتفرقات.
ومن هنا يعلم أنّ الإشكال عليه بأنّ روايات عقبة بن خالد الموجودة عندنا في الفقه لا تزيد على سبع أقضية من عشرين قضاءً(1).
وهذا الإشكال غير واردٍ، إذ لا تتوقف هذه الدعوى على أن ندعي أن تمام أقضية عبادة بن الصامت موجود فيه.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
() رواها عبادة بن الصامت. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
نعم، سلمنا أنَّها سبعة، ولكنّها حيث إنَّها ذات متن واحد؛ فلا يبقى لها ظهور بالترابط.
وجواب هذه الدعوى بعد فرض تسليم الأصل الموضوعي، وهو أنَّ هذه المتون كانت متناً واحداً.
أنّنا لا يمكن أن نقول: إنَّ هذا الظهور نشأ محضاً من تقطيع الأصحاب، بل الظهور بالترابط بين قضيّة الشفعة والجملة المباركة محفوظ في نفس الكلام الصادر من الإمام الصادق، حتّى بعد الاعتراف بأنّ تمام المتون ترجع إلى متن واحد، ولا يمكن أن نقول إنَّه ناشئ من التقطيع وإلّا تبقى عدة أسئلة بلا جواب(1) والعجيب أنَّ كلمة (قال) هنا جعلها بعضهم دليلاً على العكس فقال: إن لا ضرر ولا ضرار ليست تتمة للشفعة وإلّا لمّا استأنف مرة أخرى كلمة: (قال).
وهذا غير تام، وذلك: لأننا ذكرنا بأنَّ الأقضية المستقلة تستهل بعنوان: (قضى) و(من اقضية)، لا بعنوان: (قال)(2).
وأمّا قوله: (قال)، فمن ناحية طبيعة السياق؛ لأنَّه قال: “قضى رسول الله بالشفعة”، ويريد أن يذكر علّة هذا القضاء فقال: وقال: “لا ضرر ولا
ــــــــــ[93]ــــــــــ
() وهنا ذكر الأسئلة كما سبق. إلا أنه أضاف على السؤال الثاني حول اختلاف طرز التعبير قائلاً: والعجيب ان كلمة… (المقرِّر).
(2) يُنظر: المصدر نفسه.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ضرار“. ولم يكن القضاء بالشفعة مقولاً لقال، فإنّه لوكان هكذا: قال رسول الله (الشفعة بين الشركاء)… (ولا ضرر ولا ضرار). لكنا نقول إنَّه لا حاجة إلى تكرار القول لو كان هذا استمرار لكلامه الأوّل. ولكنّه بدأ الحديث بقول قضى رسول الله بالشفعة، فلا بدّ أن يقول: قال، فهذه الكلمة دليل على الربط لا دليل على عدمه.
السؤال الرابع: هو أنّ عقبة بن خالد له ست أو سبع أقضية منقولة، في خمسة منها ذكرت فقرات ولم يعطف عليها (لا ضرر ولا ضرار)، وفي فقرتين منها عطفت. كأن لا ضرر، بناءً على أنَّها قضاء مستقل، فكانت جملة يتيمة غير مربوطةٍ بكتابٍ معين في الفقه فكان لا بدّ للكليني أو لراوٍ قبله من أن يدرجها في أحد الكتب وقد أدرجها الكليني مع فقرتين من باب الصدفة، مع قضاء الشفعة وقضاء منع فضل الماء، دون الخمسة الأخرى.
وهنا يأتي كلام: هو أنَّ الكليني -حسب ما نقلنا عنه عن روايات سمرة بن جندب في كتاب المعيشة- هناك عقد باباً تحت عنوان: (الضرر) ونقل روايات سمرة وجملة أخرى. وكان أنسب ما يكون لو أنَّه رأى لا ضرر ولا ضرار قضاءً مستقلّاً أن يذكره هناك مستقلاً، ولا يحتاج إلى ضمه إلى الشفعة؛ فحيث ذكره هناك منضمّاً إلى مسألة الشفعة يعرف بأنّ انضمامه إليها ليست مسألة تفتيش عن موضع لها، فحرص الكليني على أن ينقلها مربوطة بقضاء الشفعة، مع أنَّ الباب يناسب أن يذكر فيه هذه القضاء وحده، فلا يكون له وجه واضح أوضح من أنَّ هذا المطلب هو بنفسه كان مربوطاً بالشفعة ولم يشأ الكليني أن يفكك
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بين الجملتين بعد ترابطهما في كلام الراوي.
نعم، لو كان قد ذكر قضاء الشفعة في كتاب الشفعة مع هذه التتمة لكنا نقول: لعله ذكرها هناك من باب أنّها ليس لها موضع مستقلّ في الفقه. ولكن حيث إنَّه باب مستقلّ يناسب ذكر هذا القضاء المستقلّ تحته؛ فربطه في هذا الباب مع الشفعة، فيكون أمارة قوية علماً أنّ الترابط لم يكن من ناحية الكليني، بل كان من ناحية أصل الرواية.
فهذه وجوه اربعة تبعد الدعوى الأولى لشيخ الشريعة، وهي ارجاع الظهور بالارتباط إلى التقطيع.
الدعوى الثانية: لشيخ الشريعة، يعني الدعوى التي نستطيع أن نحملها عليه من أن يقول: سلمنا للأمارات التي ذكرتم، أنّ ظهور الجملتين بالترابط كان موجوداً حتّى في كلام الإمام الصادق في المتن الطويل. ولكن هذا الظهور ظهور سياقي ضعيف يرفع اليد عنه باعتبار وجود معارض أقوى، وهو شهادة عبادة بن الصامت بأنَّ هذه الجملة لم تكن ذيلاً، وإلّا لنقلها من دون ضرر عليه في نقلها.
وقلنا: إنَّ هذا غير صحيحٍ، وذلك: لأنَّه لا تعارض أصلاً ما بين رواية عبادة ورواية عقبة.
فبناءً(1) على هذا لا يمكن أن تتم الدعوى الأولى والثانية. هذا كلّه مضافاً
ــــــــــ[95]ــــــــــ
() وهنا ذكر الوجوه التي ذكرها في آخر المحاضرة السابقة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إلى أنَّ الأصل الموضوعي في نفسه باطل، وهو أنَّ تمام روايات عقبة بن خالد ترجع إلى رواية واحدة.
وعليه فلا يمكن إثبات استقلال هذه الجملة، بل الصحيح هو إثبات ذيليتها وفقاً لمّا نقله عقبة بن خالد.
*****
ثُمَّ(1) إنَّ المحقّق النائيني اتفق مع شيخ الشريعة في أنّ (لا ضرر ولا ضرار) أكبر الظنّ أنّها كانت قضاءً مستقلّاً من قبل النبي على مستوى سائر الأقضية لا أنّه تعليل وذيل لقضائه بالشفعة وبعد أن استعان بالأمارات التي استعان بها شيخ الشريعة اضاف إلى ذلك اموراً ثلاثة أخرى (2):
لو قلنا: إنَّ لا ضرر ولا ضرار كانت واردة في رواية عقبة بن خالد ذيلاً وتعليلاً لقضيّة الشفعة لم تكن قضاء مستقلاً، لكان اللازم من ذلك أن تخلو رواية عقبة بن خالد المفصلة من هذا القضاء الذي هو من أشهر وأهم قضاياه المستقلة المعدودة في سيرته التشريعيّة، فلو لم يكن قوله: (لا ضرر ولا ضرار) معبرة عن قضاء مستقلّ وحملها على الذيليّة، لبقى علينا أن نتساءل إذن اين قضاؤه المستقلّ المعهود المعروف بلا ضرر ولا ضرار، وكيف أن عقبة
ــــــــــ[96]ــــــــــ
() قال، بعد أن لخّص النتيجة التي انتهى إليها بعد مناقشة شيخ الشريعة. (المقرِّر).
(2) راجع: قاعدة لا ضرر (للنائيني): 110.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بن خالد لم ينقل هذا القضاء المستقل؟
هذا الكلام كأنّه مبنيٌّ على أنّ هناك تسالماً في المرتبة السابقة على وجود قضاء مستقلّ من قبل سيّد المرسلين بمفاد هذه الجملة، بحيث لو التزمنا بأنّ جملة (ولا ضرر ولا ضرار) قد جاءت في رواية عقبة ذيلاً لا أصلاً للزم مع هذا فرض جملة أخرى تكون واردة بعنوان القضاء المستقل، فكأن أصل ورود هذه الجملة بعنوان القضاء المستقلّ مفروغ عنه، وإنّما الكلام في أنَّ هذه الجملة التي جاءت عقيب الشفعة هي ذاك القضاء المستقلّ أو هي غيره فإنّ قيل هي غيره فيبقى علينا أن نتساءل: فأين ذاك القضاء المستقلّ وكيف لم يروه عقبة؟
وهذا الافتراض بلا موجبٍ جداً، وهو أن يكون لرسول الله قضاء مستقلّاً بمفاد (لا ضرر ولا ضرار)، فإنّ المتيقن إنّما هو صدور هذه الجملة منه، إمّا صدورها بعنوان القضاء المستقلّ أو بعنوان الذيل لحديث الشفعة، فهذا هو محلّ الكلام بين رواية عقبة بن خالد ورواية عبادة بن الصامت. فكيف يفرض أحد صدور قضاء مستقلّ بلا ضرر من قبل النبي، فيفرضه أمراً مفروغاً عنه ثُمَّ يسأل أين صار هذا القضاء المستقل؟
هذا، على أنَّ الانسب في المقام أن يكون لا ضرر اساساً لقضاء مستقل، لا أن يكون هو متعلّق قضاء مستقل، فإنّ القضاء عبارة عن الحكم في مقام فصل مشكلة من المشاكل التي يعيشها الناس، ومن المعلوم أنَّ لا ضرر ولا ضرار إنّما تكون حلاً لمشكلة من المشاكل بعد أن تتقمص قميصاً محدداً وتتعين تعيناً خارجياً في قضيّة معينة في الشفعة أو في احياء الموات في قضيّة سمرة بلا
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
استئذان. فإذا تتحدد تصبح قضيّة يتداعى حولها الناس ويذهبون إلى النبي فيحكم بتلك القضيّة.
فالمناسب للقضاء أن ينصبّ على مصاديق هذه القاعدة، يعني: على وجوداتها المتشخصة المتقمصة بالعناوين التفصيليّة، لا على نفس هذا العنوان الكلّي. أمّا هذا العنوان فهو أساس(1) للقضاء في الإسلام ومرجع للقاضي لا أنَّه مدلول قضائي، مناسبة الحكم والموضوع هو هذا.
إذن فنحن لا حاجة لنا إلى الالتزام بأنّ هناك قضاءً مستقلّاً للنبي بمفاد هذه الجملة المباركة حتّى نتساءل أنَّه أين صار ذاك القضاء المستقل؟
على أنَّه لو سُلّم وجود مثل هذا القضاء المستقل؛ فنقول: إنَّ (لا ضرر ولا ضرار) ورد كقضاء مستقلّ تارةً وورد كتعليل لقضاء آخر أخرى وهو قضاء الشفعة، وعقبة بن خالد نقل الثاني ولم ينقل القضاء المستقل.
ولا غرابة في ذلك فإنّ غرابته فرع أن يكون عقبة في مقام استقصاء تمام أقضية النبي، وهذا لم يعلم بوجه من الوجوه خصوصاً أنَّه لم يذكر عنه في مجموع كتبنا وطرقنا إلّا ما يقارب الثلث من أقضيته المنقولة في رواية عبادة الصحابي الذي قبل روايته شيخ الشريعة والمرزا؛ فهذا بنفسه يكون مبعداً عن أن يكون عقبة في مقام استقصاء أقضية النبي فلعل هذا من جملة الثلثين المتروك.
ــــــــــ[98]ــــــــــ
() لا يخفى أن هذا إنَّما يتمّ على مسلك سيدنا الأستاذ في فهم القاعدة أمّا على فهم شيخ الشريعة من أنَّها تفيد تحريم الضرر فيصح أن تقع مدلولاً للقضاء ابتداءً كما هو واضح. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
خصوصاً يمكنه أن يتشجع على تركه من باب أن ذكره بعنوان الذيل في بعض الأقضية؛ فلا يرى نفسه ملزماً بذكره بعنوان القضاء المستقل.
وعليه فهذا الوجه الأوّل الذي ذكره الميرزا انتصاراً لشيخ الشريعة أيضاً لا يرجع إلى محصّل.
أن يُقال: بأنّ (لا ضرر ولا ضرار) لو كان تعليلاً لقضاء النبي بالشفعة، فما يكون تعليلاً إنما هو نفي الضرر، وأمّا نفي الضرار بالمعنى الذي سوف يأتي منه، فهو ليس مربوطاً بباب الشفعة.
فإنّ الضرار بمعنى: الإصرار على الضرر والمعاندة بالإضرار، وهذا لا ربط له بالشفعة، فإنّه لم يفرض فيها اصرار وعناد لا من قبل البائع ولا المشتري. فالفقرة الثانية لا دخل لها في التعليل. فكيف يمكن أن يقال: إنَّ هذه الجملة وردت في مقام التعليل مع أنَّ الجزء الثاني لا دخل له في الشفعة؟
وجوابه: هو أنَّ الجملة الثانية، وإن لم يكن لها دخل في تشريع الشفعة، ولكن ذكرها لا يتوقّف على ذلك، بل يكفي أن يكون بينها وبين الجزء الأوّل مناسبة أكيدة تقتضي الجمع بينهما. والمناسبة الأكيدة بين نفي الضرر ونفي الضرار واضحة. وهذه المناسبة الأكيدة تكفي داعياً للجمع ما بينهما، وإن كان التعليل بالجزء الأوّل فقط.
خصوصاً إذا التفتنا أنَّه من المحتمل أن يكون غرض في صياغة هذه الجملة
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) الأمر الثاني.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
صياغة قانونيّة، وأن تلغى هذه الجملة بمجموعها، يعني: أنَّها خرجت عن كونها لفظاً يعبر عن معنى إلى كونها شعاراً واسماً لقانون معين؛ فتجعل رمزاً لقانون معهود في الشريعة الإسلاميّة، بحيث يخرج عن باب اللفظ والمعنى إلى باب الإشارة وذي الاشارة. فحينما يقول: (لا ضرر ولا ضرار)، فإنّه يشير إلى ذلك القانون المعهود، والاشارة لا تكون إلّا بتمام هذه الجملة.
وحينئذٍ يكون ذكر الجزء الثاني بناءً على هذا في محلّه جداً.
الذي ذكره الميرزا، وفيه يترقّى على الأمر الثاني، فإنَّه هناك كان يقول: إنَّ لا ضرر لا دخل له في الشفعة.
والآن يقول: إنَّ لا ضرر أيضاً لا دخل له في الشفعة. بحيث يعلل الحكم بالشفعة بلا ضرر، وأي ربط لهذه القاعدة بالشفعة، فإنّ تعليل الحكم بالشفعة بلا ضرر معناه: أنَّ مورد الشفعة هو من صغريات لا ضرر، بحيث إنَّ الفقيه لو لم يرو إليه هذه الرواية من النبي هو أيضاً يفتي بالشفعة استناداً إلى هذه القاعدة مع أنّنا لا نظن بفقيه في الإسلام -لو لم يكن له دليل على الشفعة- أن يستنبط الحكم بالشفعة من هذه القاعدة فإنَّ لا ضرر ينفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر، وبيع الشريك لحصته لا ينشأ منه الضرر على تفصيل يأتي في شرح معنى الحديث.
وحيث إنَّ التعليل خطأ وتطبيق هذه الكبرى على هذا الحكم لو صدر من
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فقيه لقلنا: إنَّه استدلال خاطئ، إذن لا نحتمل(1) صدور مثل هذا الاستدلال الخاطئ من قبل النبي؛ فلا بدّ وإن نفرض أنَّ هذه الكبرى كانت مستقلة ولم تكن تعليلاً بالنسبة إلى هذا المورد.
وهذا الكلام غير صحيحٍ لأمورٍ:
الأمر الأوّل: فلما سيأتي -إن شاء الله- في المقام الرابع من هذه القاعدة، وهو الذي نعقده لفقه الحديث وتفسير مدلول الجملة المباركة، وبعد أن نعرف مدلولها نعرف أن التطبيق على الشفعة صحيح وتامّ، وفي نفس الوقت نعترف أنَّه لو لم يكن هذا التطبيق موجوداً لمّا استطعنا نحن بما أنّنا مفسرون ومستنبطون للأحكام أن نستنبط حكم الشفعة من هذه القاعدة.
الأمر الثاني: أنَّه لو بنى على أنَّ الجملة (لا ضرر ولا ضرار) بالمعنى المفهوم منه عرفاً فلا ينطبق على مورد القضيّة، فأولى من أن يجعل قرينة على اشتباه الراوي، أن يجعل ذلك قرينة على إرادة غير المعنى الظاهر من هذه الجملة، فإنّه حيث يدور الأمر بين أن يراد المعنى غير الظاهر أو بين أن نبدل نفس الرواية ونغيرها، فمقتضى الصناعة أن نتحفظ على الرواية ونفس الكلمة بغير الظاهر، لا أن نفترض صدور كلام آخر غير المروي تحفظاً على المعنى المأنوس في الذهن. فلو انتهى الأمر إلى أحد أمرين:
إمّا إلى تخطئة هذا التعليل، وإمّا إلى الاعتقاد بوجود معنى آخر، فلا بدّ من الالتزام بمعنى آخر، لا تخطئة الراوي.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
() فلا بدّ بدلالة الاقتضاء من حمله على الوجه الآخر (جواب على سؤال). (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إذن فهذا الأمر الثالث الذي ذكره الميرزا لا يرجع إلى معنى محصل فني.
وعليه ننتهي إلى نفس النتيجة التي انتهينا إلى إليها سابقاً، وهي:
أنَّ الصحيح هو التحفّظ على ظهور رواية عقبة ابن خالد، بأنّ هذه الجملة المباركة جاءت ذيلاً وتفريعاً لقضاءه بالشفعة، وهذه الذيليّة والتفريعيّة إذا كان لها مكاسب في عمليّة الاستنباط، فسوف تحصل هذه المكاسب.
نعم، نحن حيث إنّنا لم نبن على صحّة عقبة بن خالد، فنحن محرومون من هذه المكاسب، غاية الأمر تكون رواية عقبة -بالرغم من عدم حجيتها التعبديّة- معززة ومؤيدة ومقربة للمعنى الذي سوف نذكره(1)(2).
النكتة الثانية التي وذكرها الميرزا: هي أنَّ اصالة عدم الزيادة، إنّما نبني على تقديمها على أصالة عدم النقيصة، من باب أنَّ الزيادة السهويّة أبعد احتمالاً من النقيصة السهويّة، وهذا إنّما يكون فيما إذا لم تكن الزيادة على مقتضى الطبع، وأمّا إذا كانت الزيادة بنفسها على مقتضى الطبع، والاستئناس الذهني والمناسبات العرفيّة، فحينئذٍ لا تكون الزيادة السهويّة أبعد من النقيصة السهويّة.
والمقام من هذا القبيل، فإنّ هذه الزيادة على طبق الطبع؛ فإنّ الحكم
ــــــــــ[102]ــــــــــ
() هذا تمام الكلام في التهافت وبه ينتهي المقام الثاني. (المقرِّر).
(2) استدراك: النكتة الثانية للنائيني المتعلقة بطائفة سمرة بن جندب يلحق بعد محاضرة يوم الأربعاء. وذكر تاريخ المحاضرة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والموضوع المركوز في ذهن الراوي يناسبه كون المنّة الالهيّة تقتضي نفي الضرر والضرار، وهذه النعمة التشريعيّة تتناسب مع المؤمن؛ باعتبار أنَّ الإيمان هو الجدير بالنعمة الالهيّة، ومثل هذه المناسبة تكون موجبة لاستئناس الذهن بهذه الزيادة وانتقاله إلى هذا القيد، ومعه لا تكون الزيادة السهويّة أبعد من النقيصة السهويّة.
وهذا الكلام من الميرزا يحتاج إلى تفصيل وتشقيق، وذلك: لأنَّه قد يتراءى فيه ثلاثة احتمالات في بادئ الأمر:
الاحتمال الأوّل: أنَّ زيادة (على مؤمن) مما يسبق إليها اللسان، مع شدّة ترابطها مع الجملة المزيدة. وحينئذٍ فتكون الزيادة هنا اقل بعداً منها في سائر الموارد.
وهذا الاحتمال لا ينبغي أن يكون مراد الميرزا، وذلك: لأنّ سبق اللسان إلى الكلمة الثانية على أساس الكلمة الأولى، لا يكفي فيه مجرّد الترابط المعنوي بين مدلول الجملة الأولى ومدلول الجملة الثانية بل يحتاج إلى ترابط بين نفس الكلمتين في مقام النطق، بحيث تكون هناك عادة لسانيّة على النطق بالكلمة الثانية حينما ينطق بالأولى.
مثلاً أن تقرأ سورة التوحيد بعد سورة الفاتحة في الصلاة، فمن أراد أن يقرأ سورة الفاتحة سبعين مرةً، حينما يبدأ بالبسملة الثانية، يقول: قُلْ هُوَ اللَّـهُ أحَدٌ، فيسبق لسانه إلى ذلك باعتبار ترابط عادي في مرحلة النطق ما بين الجملتين.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والميرزا لم يدّع هذا، وإنّما ادّعى وجود الترابط المعنوي فحمل كلامه على هذا المعنى مما لا معنى له.
الاحتمال الثاني: إنَّ مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهن العرف توجب انصراف المطلق، وهو لا ضرر ولا ضرار إلى خصوص المؤمن.
فإنَّ مناسبات الحكم والموضوع قد توجب توسعة المقيّد وقد توجب تضيق المطلق، فيقال: إنَّ هذه المناسبة المركوزة في ذهن المتشرعة أو أهل العرف توجب انصراف المطلق: (لا ضرر..) إلى خصوص المؤمن؛ لأنَّ الكافر لا يناسبه مثل هذا التفضل، وإذا انصرف إلى خصوص المؤمن، فإذن الكلمة لعلّها كانت مطلقة من نفسها، وقد اوجبت هذه المناسبة انصراف الراوي إلى المقيّد، إذن نقل المقيّد بلحاظ أنَّه نقل ما استفاده بلحاظ الانصراف العرفي.
وهذا الاحتمال لا يفيد الميرزا أيضاً، وذلك لأنّ هذا الانصراف لو فرض تماميته فهو موجودٌ أيضاً في ذهن الراوي الآخر الذي لم ينقل الزيادة. فنعكس المطلب ونقول: لعلّ الجملة قد صدرت مع الزيادة من قبل الإمام، ولكن حيث إنَّ المطلق ينصرف إلى خصوص المقيّد، ولهذا نقل صاحب النقيصة المطلق، بدعوى أنَّه مثل المرادف له، فإنّ هذا الانصراف كما يسمح لسامع المطلق بأن ينقل المقيّد كذلك يسمح لسامع لمقيد بأن ينقل المطلق؛ فهذا الانصراف لو تم يكون منشأ للإشكال في كلّ منهما لا في أحدهما دون الآخر؛ فهذا الاحتمال لا يحقّق مقصود الميرزا أيضاً.
الاحتمال الثالث: أنّ مناسبات الحكم والموضوع في ذهن العرف بين نفي
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الضرر والضرار وبين الإيمان، بحيث تكون كالقرينة المتّصلة التي تغير ظهور اللفظ، بل هي مناسبة بمقدار أنَّ هذا الراوي لو ترك له أمر التشريع، لكان يميل بطبعه إلى تخصيص هذه القاعدة بخصوص المؤمن، فلعلّ هذا الميل أوجب غفلته عن أنَّ الشارع جرى على خلاف ميله، وتخيّل أنَّه جرى على طبق ميله وأُنسه؛ فتكون الزيادة السهويّة أقل بعداً بهذا الاعتبار لموجود احتمال على طبقها.
وهذا الكلام -كما أشرنا فيما سبق- يصحّ إذا كان الميزان في تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة هو حساب سائر الجهات، لا حساب الأبعديّة النوعيّة فقط للزيادة على النقيصة، فيكون كلاماً متيناً في نفسه ولا بأس به.
وبعبارةٍ أخرى: هذا يضمّ إلى سائر الجهات الأخرى التي قلناها في مقام تقوية احتمال النقيصة، ويتقوى بذلك أنَّ الحقّ مع من أنقص لا مع من أزاد.
يقع الكلام في المقام الثالث في شرح مفردات هذه القاعدة: (الضرر) و(الضرار)(1).
في المقام الثاني حينما كنا نتكلّم عن متن الحديث بقيت الطائفة الثالثة منها، وهي الكلام في المراسيل، فليس فيها مزيد كلام؛ إذ ليس هناك إلّا ما قد يتوهم من أن هناك تشويشاً أيضاً في متن الحديث في الطائفة الثالثة، باعتبار زيادة (في
ــــــــــ[105]ــــــــــ
() وهنا نبهته على ما كان وعد من الكلام حول الطائفة الثالثة المتكوّنة من المرسلات أو المراسيل، فلم يعر لها أهمّية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الإسلام) في بعضها وبعضها بلا قيدٍ، فيكون ما ورد مقيداً منافياً لما ورد مطلقاً، بل يكون منافياً للصيغة المطلقة الواردة في قضايا رسول الله أو في قصد سمرة بن جندب، أو توهم أنّ هذه القضيّة هنا وقعت مستقلة عن الصغرى والتطبيق، على حين في الطائفتين الأخريين وردت مربوطة بالصغرى والتطبيق.
وجواب كلّ ذلك واضح، وذلك: أنَّ كلّ هذا التهافتات من فرع احراز وحدة الصدور، وفي المقام لم يحرز ذلك، فربما صدرت هذه الجملة مرات متعدّدة في بعضها كانت مقيّدة بقيد (في الإسلام) وفي بعضها لم يقيد، في بعضها وردت مع تطبيقها وفي بعضها وردت بلا تطبيق أو جاءت مع التطبيق، ولكن نقلت بدونه ومع عدم احراز وحدة الصدور لا يحصل من هذه الناحية تهافت أصلاً. وبذلك يتمّ الكلام في المقام الثاني(1).
ــــــــــ[106]ــــــــــ
() وهنا سألته أنَّه على مسلك التوسعة في السند والقول بحجيّة المراسيل مع اختلاف مداليلها، كيف يكون الحال؟
فأجاب: إذا اختلفت مداليل فنأخذ بكلّ منها بما هو معناها العرفي؛ فنستفيد أمرين من هذا نستفيد أمراً ومن الآخر أمراً آخر. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وفي الحديث مفردتان: (الضرر)، و(الضرار).
أمّا الضرر: فقد اختلفت عبائر اللغويين في تفسيره، ففي بعض كلماتهم يقال: إنّه عبارةٌ عن الضيق أو سوء الحال أو الشدّة، ونحو هذا من المفاهيم. وفي بعض العبائر يقال: إنَّه عبارةٌ عن النقص، أو النقص في النفس والمال، أو حيثيات الانسان: النفس المال والكرامة(1).
والذي يساعد عليه الارتكاز العرفي في مقام التوفيق بين هذين المقامين، هو حل كلّ من هذين الكلامين على أنَّه في مقام شرح جانب من هذا المفهوم. حيث إنَّ مفهوم الضرر بحسب التفاهم العرفي له جانبان:
أحدهما: جانب موضوعي، أي: ما هو خارج نطاق ذات الإنسان.
والآخر: جانب ذاتي.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) يُنظر: لسان العرب 6: 153-158. والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير: 492-493. والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: 719-720. وتاج العروس 11: 384-393.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فالجانب الموضوعي يتمثل في تفسيرهم بالضرر بالنقص في النفس أو المال أو الكرامة.
والجانب الذاتي أو النفسي فهو الذي يعبر عنه بقولهم: الضرر هو سوء الحال أو الشدّة أو الضيق.
فإنّ الضرر من هذه الناحية يختلف عن الحرج وعن النفس في مفهوم النقص؛ فإنّ مفهوم النقص متمحض في الجنبة الموضوعيّة والخارجيّة، من دون أن يلحظ فيه جهة أثر ذلك على الإنسان. وبذلك تختلف عن مدلول الضرر.
وعلى العكس من ذلك الحرج أو الضيق أو سوء الحال؛ فإنَّها متمحضة من الناحية النفسيّة أو الذاتيّة؛ فإنّ الحرج الذي يقع فيه الإنسان قد يكون ناشئاً من وهم وخيال من دون أي واقع خارجي يؤدي إلى مثل هذا الحرج.
وأمّا الضرر فهو يختلف عن كلّ منهما، فيختلف عن النقص بأنّه مطّعمٌ بالناحية النفسيّة، وعن الحرج بأنّه مطّعمٌ بالناحية الموضوعيّة؛ فالضرر ليس هو النقص مطلقاً ولا الحرج مطلقاً، بل هو مزيج من أمرين: موضوعي والآخر ذاتي(1)، ومن هنا بعضهم نظر إلى وجهه من الخارج فقال: الضرر هو النقص في الحال، وبعضهم نظر إلى وجهة من داخل فقال: الضرر هو سوء الحال أو الشدّة أو الضيق.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
() ولهذا قد يصدق النقص ولا يصدق الضرر، كما أنّه ليس مساوقاً مع الضيق والشدّة بحيث إنّه كلّما صح هذا التعبير صح تعبير الضرر؛ لأنّه قد يصح أن يقال: إنّه ضيق الصدر بلا سبب، ولكن لا يصح أن يقال: بأنّه متضرر بلا سبب. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والمتحصل: أنَّ الضرر عبارة عن ذاك الأمر الخارجي، أي ذاك النقص في حيثيّة من الحيثيات العائدة إلى الإنسان الذي يكون مؤدّياً إلى الشدّة والضيق وإلى نوع من سوء الحال للشخص، هذا الذي ينتزع منه مفهوم الضرر.
وليس المراد في المقام أن يكون النقص مؤثراً في سوء الحال بالفعل، بل أن يكون بنحو يؤدي بحسب شأنه وطبعه إلى ذلك؛ ولذا يصدق الضرر حتّى مع عدم علم المتضرّر، فيقال: وقع عليه ضرر؛ لأنّ أملاكه سرقت لكنّه حتّى الآن لم يعلم. فالضيق لم يوجد بالفعل، ولكنّه من شأنه ذلك. فالضيق مستبطن بنحو الشأنيّة في مفهوم الضرر لا بنحو الفعليّة.
ولهذا تخرج مراتب النقص التي لا تستبطن هذا الضيق وسوء الحال؛ فلا يصدق عليه أنَّه ضررٌ وإن كان نقصاً في المال؛ فإنّ الشخص الغني لو تلف منه درهم واحد لا يصدق عليه أنَّه ضررٌ وإن كان نقصاً.
وقد يختلف النقص الواحد باختلاف من الأحوال، ففي بعض الأحوال يكون ضرراً وفي بعضها لا يكون، باعتبار ما يترتّب عليه من سوء الحال وما لا يترتّب. باعتبار أنّ الضرر ليس هو مجرّد النقص حتّى يساوقه، بل يستبطن معنى نفسياً؛ فلا بدّ وأن تلحظ حدود ذلك المعنى النفسي في مقام صدقه.
ثُمّ إنَّ الضرر يكون مطلقاً واُخرى يكون مقيداً، وهذا الاطلاق والتقييد تارةً يلحظ في جانب(1) الموضوع واُخرى في جانب المحمول.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
() في جانب الموضوع أي الشخص المتضرر أو جانب المحمول، أي صدق هذه الصفة (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وأمّا في جانب الموضوع أي في جانب الإنسان الذي وقع عليه الضرر:
فتارةً: يصدق عليه الضرر باعتبار شؤونه العامّة، بلا إضافة حيثيّة عارضة اتفاقيّة عليه؛ فلو فقد شيئاً من المتع التي في حوزته(1) يصدق عليه أنَّه وقع عليه الضرر. وهذا ضرر مطلق؛ لأنَّه يصدق على الذات بلا أن يؤخذ معها قيد خاصّ.
واُخرى: يفرض أنَّ الضرر لا يصدق على الذات إلّا إذا أخذ معها حيثيّة خاصّة، فالذات بما هي متحيّثة بتلك الحيثيّة تقع في ضرر لا بما هي هي. وذلك كما في موارد الاتجار، إذا فرضنا أنَّ التاجر الذي لم يربح يطلق عليه عرفاً أنَّه تضرر.
وليس هذا الإطلاق من باب أنَّ عدم النفع مع وجود مقتضيه يعني النفع يكون ضرراً، كما قيل، لأنَّ هذا لا يطرد عن تمام الموارد.
فلو كان لشخص ابن عم غني يرثه لو مات لا يصدق عليه أنَّه تضرر لو خسر ذاك ماله أو مات بعده، وإنّما يصدق على عدم ربح التاجر الضرر باعتبار نكتة إضافة حيثيّة تقيديّة إلى الذات، وهي الغرض؛ فإنَّ التجارة تتعلّق بغرض الاسترباح فزيد المقيّد بأنّه ذو غرضٍ في الاسترباح وقع عليه الضرر لا بما هو زيد؛ لأنَّ نفسه وماله وكرامته محفوظة لم تنقص.
أليس هذا الغرض نحو غرض يترتّب عقلائياً حصوله وتحققه خارجاً؟ ففشل هذا الغرض نحو نقص ووهن فيه بحسب النظر العرفي فـ(زيد) بما أنَّه
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() من قبيل أن يتلف ماله أو تقع يداه مثلاً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
متحيث بهذه الحيثيّة التقييديّة، وهي حيثيّة الغرض تضرر، ولكنّه بما هو زيد لم يتضرر، ولأنّ حاله حال من لم يتاجر؛ فالضرر من هذه الناحية نسميه بالضرر المقيّد أو المضاف؛ لأنَّه ضررٌ مقيدٌ بلحاظ هذه الحيثيّة لا ضرر بقولٍ مطلق، من قبيل ماء الرمان الذي ليس ماءً بقول مطلق.
وأمّا الضرر في ناحية المحمول، فأيضاً: تارةً يصدق الضرر في نظر كلّ شخصٍ. كما لو فرض أنَّه نقصٌ من أموال شخص شيئاً. إمّا بنحو الشبهة الموضوعيّة، كما لو تلف بعض أمواله، أو بنحو الشبهة الحكميّة، كما لو أمّمت أمواله أو أُلغيت ملكيته، فيقع عليه ضرر في كلّ منهما، وهذا الضرر لا يختلف في حسبانه شخص عن شخصٍ آخر.
واُخرى: يفرض أنَّ الضرر يختلف في حسبانه ناظر عن ناظر، فيكون بحسب هذا اللحاظ ضرراً، دون ذاك اللحاظ.
فمثلاً: الجهة التي تشرع عدم تملك الشخص لما يحييه من الأرض -كما هو موجودٌ في الأنظمة الاشتراكيّة- وهذا التشريع ضرريته تختلف باختلاف الانظار، لا أنَّه ضررٌ بقول مطلق؛ لأنَّه في النظر التشريعي الاعتباري لهذا المشرع ليس ضرراً بوجه من الوجوه؛ لأنَّه لم ينقص بهذا الشيء من ماله، وإنّما لم يجعل شيئاً ليس من ماله يدخل في ماله، فهو بنظره التشريعي يدعي أنَّه لم يوقع على هذا الشخص ضرراً غاية الأمر لم يحكم له بملك زائد.
أمّا في نظر تشريعي آخر، يرتكز فيه: “أن من أحيا أرضاً فهي له”(1)، بذلك
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) الوسائل 17: 326 باب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث: 1 و2 و3.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
النظر التشريعي يعتبر هذا التشريع ضررياً؛ لأنَّه يعتبر هذه الأرض هي له بحسب الحقيقة وأنّ هذا التشريع يربد أن يسلبه إياها؛ فضرريّة هذا التشريع تختلف من اعتبار إلى آخر؛ فهذا هو الضرر المقيّد بلحاظ المحمول في قبال المطلق الذي يكون ضرراً في نظر كلّ شخصٍ.
وتأتي تتمة الكلام في مناقشته.
*****
إن الضرر هو: النقص(1) المؤدي إلى هذه المرتبة من سوء الحال والضيق والحرج بحسب طبعه وشأنه.
ومن هنا كان في مقابل مفهوم المنفعة، فإنها تستبطن جانباً موضوعياً وجانباً ذاتياً، وبهذا تختلف عن الزيادة أو عن الاستئناس، فإن المنفعة، فيها جانب الزيادة التي الجانب الموضوعي، وفيها حيثية إضافة هذه الزيادة إلى المنتفع ومفعولها فيه، وهذا هو الجانب النفسي أو الذاتي.
فكما أن مفهوم الضرر يستبطن كِلا الجانبين، كذلك مفهوم المنفعة من هذه الناحية.
ولما كان الأمر هكذا(2)، نعرف أن الضرر بقولٍ مطلق، هو ذاك الضرر المضاف إلى الذات بما هي، بلا أخذ حيثيّة تقييديّة طارئة إليه؛ لأنَّ أخذها مؤنة
ــــــــــ[112]ــــــــــ
() قال بعد أن انتهى إلى أن الضرر هو: النقص… (المقرِّر).
(2) وهنا لخص ما كان قاله من تقسيم الضرر إلى مطلق ومقيد في جانب الموضوع وذكر معناهما على ما سبق ثم قال: ولما كان الأمر هكذا… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
زائدة لا موجبة لها، فالضرر بقولٍ مطلق هو الضرر الذي يضاف إلى الإنسان بمقدار ما يؤخذ في هذا اللفظ من عنايات واعتبارات أوليّة، بلا ضميمة غرض اتفاقي قد يحصل وقد لا يحصل. وإن كان الضرر المقيّد قد يصدق بالنسبة إلى إنسان خاصّ بما هو انسانٌ خاصّ؛ إلّا أنَّ هذا الفرد من الضرر يحتاج إلى عناية ملاحظة تلك الخصوصيّة في الموضوع فما لم يكن هنا قرينة على ملاحظة تلك الخصوصيّة الزائدة في الموضوع لا يشمل الكلام مثل هذا الضرر الذي يكون ضرراً إلّا بلحاظ تلك الخصوصيّة الزائدة فالإطلاق لا يكون شاملاً لمثل هذا الضرر.
نعم، قد يتفق أن يكون هذا الغرض الذي هو الخصوصيّة الزائدة يكون من الأغراض النوعية العقلائيّة الملازمة بحسب وضع العقلاء مع العموم، بحيث تبلغ مرتبة من التصاق بالإنسان والعموميّة والمشروعيّة في نظر العقلاء بحيث لا تزيد على نفس الانسان، فتكون من الجهات المندمجة في نفس ملاحظة الإنسان بالعنوان الاُولي بلا حاجةٍ إلى عناية زائدة وفرض التفات زائد.
ومن هذا القبيل الأغراض المعامليّة التي استقر ديدن الفقهاء في تمام العصور على الحكم بالخيار على فرض تخلّفها وتمسّك كثير من الفقهاء بقاعدة لا ضرر، وسوف يأتي في تنبيهات المسألة تحقيق هذا الكلام مفصلاً.
إلّا إني على سبيل التنبيه أقول: بأنّ هناك اغراض معامليّة من قبيل غرض الصحّة في البيع، وغرض عدم تبعّض الصفقة وغرض المساواة ما بين الثمن والمثمن في الماليّة. فهذه أغراض يوجب تخلّفها في المعاملة نحو ضرر. وهذه
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الاغراض باعتبار عموميّتها بحسب النظر العقلائي والتصاقها بكلّ إنسانٍ فكأنها داخلة تحت النظر الأوّل للإنسان، من دون حاجة لأنَّ يفرض التفات آخر إليها، كغرض الاستنماء والاسترباح بالتجارة. فإن هذا غرض اتّفاقي قد يحصل وقد لا يحصل؛ فيحتاج شمول الإطلاق له إلى عناية ملاحظة هذه الخصوصيّة.
وأمّا الضرر المطلق والمقيّد من حيث المحمول، فالضرر تارةً يكون واقعياً حقيقياً دون أن يختلف فيه نظر عن نظر من قبيل من قطع الأصابع.
واُخرى يفرض أنَّه ضررٌ بلحاظ التشريع وفي طوله، لا أنَّه ضرر بقطع النظر عنه؛ فمن احرقت داره بقطع النظر عن التشريع وكونه مالكاً لهذا البيت ومربوط به بحسب التعايش الاجتماعي، بقطع النظر عن هذا لا يكون ضرراً بالنسبة إليه، فكونه ضرراً عليه في طول رابطة اجتماعيّة بينه وبين هذا البيت، فالضرر هنا ليس ضرراً حقيقياً تكوينياً، بل هو ضرر حقيقي، لكن في طول الرابطة التشريعيّة لا ضرر صادق في نفسه.
وهذا القسم من الضرر يختلف عن الضرر الأوّل، ففي الضرر الأوّل ضرر في كلّ الانظار واللحاظات؛ لأنَّه ضرر تكويني لا ربط للتشريع في صدقه، وأمّا هذا فحيث إنَّه ضررٌ يكون في طول التشريع؛ ولهذا يختلف صدقه باختلاف الانظار بالنسبة إلى ذلك التشريع.
ومن هنا قلنا سابقاً: بأنَّه قد يفرض أن يكون حكم واحد ضرراً بنظر
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تشريعي ولا يكون ضرراً بنظر تشريعي آخر؛ فصدق الضرر مقيد لا مطلق؛ لأنَّه يختلف باختلاف الانظار، وحينئذٍ الضرر الذي يكون ضرراً مطلقاً وبكلّ لحاظٍ لا إشكال في شمول الدليل له. وأمّا الضرر الذي يكون ضرراً بلحاظ دون لحاظ آخر، فهذا يكون الدليل شاملاً له لو استفيد من الدليل امضاء ذلك اللحاظ والنظر الذي به يصدق عنوان الضرر، فإذا استفيد امضاؤه يشمل الاطلاق هذا الفرد وإلّا لا يشمل(1).
ثُمّ إنّنا قلنا: إنَّ الضرر له جانب موضوعي وهو النقص؛ فلا بدّ لنا أن نحدد دائرة هذا النقص، فقالوا: هو النقص في النفس والمال والعرض، ولنعبر عن الثالث بتعبير أوسع وهو: الكرامة والاعتبار، وهذا مما لا إشكال فيه؛ فإنّه من الحيثيات الراجعة إلى الإنسان.
وهذه العناوين الثلاثة هي عناوينها الاساسيّة، إمّا حيثيات حقيقيّة راجعة إلى نفس وجوده، وإمّا حيثيات اعتباريّة كالجاه والعرض والكرامة، وإمّا حيثيات ماليّة مربوطة باستحقاقاته في الأموال الخارجيّة أو على الناس الآخرين. فأيّ نقص يطرأ على واحد منها يكون ضرراً بلا إشكالٍ كما أن أي زيادة تطرأ في مثل هذه الأمور تكون منفعة بلا إشكالٍ.
ــــــــــ[115]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: يعني إذا استفيد امضاؤه من دليل خارجي؟
فقال: أو من نفس هذا الدليل المبارك الذي هو محلّ الكلام على ما يأتي إن شاء الله تعالى في مقام بيان فقه الحديث. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وتوهّم عدم صدق عنوان الضرر بالنسبة إلى العنوان الثالث من هذه العناوين: العرض أو الكرامة. بدعوى أنَّه لا يصدق في العرف على من سب شخصاً آخر أنّه أضر به، أو مجرّد أنّه هتك عرضه ونظر إلى محارمه بوجه غير مشروع لا يصدق أنَّه أضر به، كما أنّه -بالعكس- مجرّد أنَّه أثني عليه لا يقال إنَّه نفعه. ومن هنا خُصِص مفهوم الضرر -في بعض الكلمات- بخصوص النقص في النفس والمال.
إلّا أنَّ هذا الكلام غير تامٍ. وذلك: لأنَّ هذه الأمثلة ليس هي محلّ الكلام، فليست من أمثلة النقص في الكرامة أو العرض؛ فإنّ هناك فرقاً بين عدم احترام عرض الإنسان أو كرامته، عدم الجري على طبق حرمة كرامته، وبين تنقيص هذه الكرامة وهذا العرض، وهذا الفرق بنفسه محفوظ في المال أيضاً، فإنّنا تارةً نفرض أنّنا ننقص مال شخص فنتلف بعض كتبه، فهذا ضررٌ بلا اشكالٍ، واُخرى لا نحفظ حرمة مالكيته لهذا المال فنطالع في كتابه بلا اذنه، وهذا لا يصدق أنَّه ضررٌ على المالك.
ونفس هذا المطلب في الكرامة أيضاً موجود، فإنّه تارةً ينقص كرامته أو عرضه، بأن يعمل عملاً بحيث ينقص بذلك شأن هذا الإنسان واعتباره بين الناس وتنحط كرامته في المجتمع أو من كونه صاحب عرض مصون، فهذا ضررٌ بلا اشكالٍ، بل هو في أعظم من الأضرار الماليّة في جملة من الموارد.
واُخرى يفرض أنّه هذا الشخص لا ينقص كرامته إلّا أنَّه هو لا يرتب الأثر على هذه الكرامة أو على هذا العرض، فيسرق النظر إلى محارمه كما كان
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
يفعل سمرة بن جندب بالنسبة إلى الصحابي، ففي مثل ذلك كان لا بدّ وإن يقال: بأنّ هذا ليس نقصاً، فإنّ من سبه المنحط الجاهل فلم يؤثر في مقامه لم يضره شي، بل بقي على كرامته، وهذا الصحابي لم تتضرر كرامته أبداً، غاية الأمر أنَّ سمرة لم يرتّب الأثر على هذه الكرامة.
فما توهم في المقام، خلط بين تنقيص المطلب، وبين عدم ترتيب الأثر عليه. والشواهد التي ذكرت كلّها من قبيل الثاني لا الأوّل.
إذن فالنقص الذي هو مقوم مفهوم الضرر يعمّ النقص في العرض أيضاً أو النقص في الكرامة بالمعنى العامّ بلا اشكالٍ.
بقى شيء آخر:
وهو إنَّ هذا الجانب الموضوعي الذي هو النقص في النفس أو المال أو العرض احياناً يعوض عنه بشيءٍ آخر بحيث يصدق الضرر من دون نقص في شيء من ذلك.
فلو فرضنا: شخصاً عاملاً يريد أن يشتغل فيذهب إلى عدد من الشركات والتجار ليجد عملاً، فيذهب شخص مضار كسمرة بن جندب فيطلب منهم عدم تشغيل هذا العامل، وهذا ضرر من الأضرار العظيمة بالنسبة إلى هذا العامل بلا اشكالٍ، بل هو أشدّ من ضرر اتلاف دينار على هذا العامل.
أو مثلاً: شخص طاغية يأتي فيمنع أهل البلد من الخروج منه، مع بقاء نفوسهم وأموالهم وأعراضهم على حالها، ألّا يقال: بأنّه وقع على أهل هذه المدينة ضرر عظيم من ناحية هذا الرجل الذي حبسهم ومنعهم من الخروج؟
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مع أنّه لم يحصل نقص لا في المثال الأوّل ولا الثاني، لا في النفس ولا في المال ولا في العرض ومع هذا حصل ضرر عظيم.
فكأنّه هنا يعوض عن النقص في المال والنفس والعرض بشيءٍ آخر، وهو عمل خارجي من قبل شخص يؤدي بالإنسان إلى مكروه، ولعلّ هذا هو مقصود اللغويين حيث ذكروا في معنى هذه المادّة بأنّه الفعل الذي يوقع في المكروه، (فأضره) أو (ضره) يعني: فعل به فعلاً مكروهاً.
بناءً عليه يصدق على هذا الضرر؛ لأنَّ هذا فعل بالعامل أو بأهل المدينة فعلاً مكروهاً؛ فيصدق عليه من هذه الناحية الضرر بلا اشكالٍ.
فقد يكون هذا من باب التعويض عن ذاك العنصر الموضوعي بعنصر موضوعي آخر، وهو فعل اعتدائي من قبل شخص يؤدي إلى الضيق وسوء الحال؛ فإنّ الضيق تارةً ينشأ من النقص يورد على نفسه أو ماله أو عرضه، واُخرى ينشأ من فعل من الافعال الاعتدائيّة من الغير.
ويمكن أن يقال: بأنّ هذا بحسب الدقّة أيضاً يرجع إلى النقص، وليس من باب التعويض عن النقص بشيءٍ آخر؛ فهو نقصٌ وغبنٌ في حقّ هذا الشخص وذلك: لارتكاز استحقاق كلّ انسانٍ لمرتبة من الاستقرار والطمأنينة والعيش والحرية في التصرف والانتقال، مثل هذه المرتبة من المستقر بحسب الارتكاز العقلائي استحقاق كلّ انسانٍ لها، إلّا من خرج بملاكات خاصّة، كالمسجون بجريمة، وحينئذٍ فهذه الأعمال بحسب الحقيقة أيضاً تعتبر نقصاً في حقّه، أي: سلب لما هو حقّه؛ فإنَّه لا فرق في سلب الحقّ، بين أن يسلب حقّ عيني متمثل
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في مال خارجي أو يسلب حقّ معنوي متمثل في نحو من العيش والاستقرار.
فيقال: بأنّ هذا الشخص اعتدى على حقوق أهل المدينة، وإن لم ينقص من أموالهم شيئاً، فـأيضاً يرجع بحسب الارتكاز العقلائي إلى النقص.
وهذا النحو من الضرر مشمول لقاعدة لا ضرر بلا اشكالٍ بقرينة مورد رواية سمرة بن جندب، فإنّ سمرة ماذا فعل بالنسبة إلى ذلك الصحابي حتّى يصدق عنوان الضرر؟ هل أنقص من ماله أو نفسه أو كرامته شيئاً؟!
يقول جملة من الفقهاء: هذا ضررٌ عرضي، باعتبار أنَّه كان يهتك عرضه، وقد بيّنا فيما سبق أنَّ هذا خلط بين عدم ترتيب الأثر على حرمة العرض، وبين إنقاصه، وما يكون ضرراً هو الثاني دون الأوّل. فهنا لا يوجد ضرر لا نفسي ولا مالي ولا عرضي بحسب الحقيقة.
لا يوجد إلّا فعل أوجد ضيقاً وشدّة على هذا الشخص، لأنّ سمرة كان مصراً على أن يدخل إلى البيت بلا استئذانٍ من الأنصاري، وقد كان له حقّ الدخول والاستطراق إلى نخلته، ولكنّه كان يصر على عدم الاستئذان من صاحب البستان. فهذا العمل منه فعل يقع الصحابي من ناحيته في مكروه وضيق وسوء حال. ويرجع، بحسب الارتكاز العقلائي إلى نقص في حقّ له ثابت بحسب الارتكاز العقلائي، فإنّ من حقّ كلّ انسانٍ أن يكون قادراً على حفظ عائلته وشؤونه بنحو كامل، وسمرة يسلب هذا الحقّ فهو أيضاً إنقاص للحقّ بحسب الارتكاز العقلائي.
فالضرر طُبِّق في الرواية على مثل هذا المورد، فمثل هذا المورد يدخل تحت القاعدة بلا إشكالٍ.
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وهذا المطلب من المطالب المهمّة جداً في مقام الاستنباط، التي لا بدّ أن تكون على ذكر منكم؛ لأنَّ كثيراً من الفقهاء الذين فسروا الضرر بالنقص والمال والنفس والعرض، في كلّ موردٍ لا يرون نقصاً في ذلك لا يطبقون هذه القاعدة.
فمثل المثالين اللذين ذكرناهما وآلاف الأمثلة الأخرى لا يطبّق عليها هذه القاعدة مع أن الأضرار الواقعة فيها أشدّ بمراتب من الأضرار التي تقع بالمعنى التقليدي للضرر.
فهذه التوسعة في مفهوم الضرر، مضافاً إلى أنَّ الارتكاز العرفي يساعد عليها، لنا قرينة عليها من نفس الرواية، لأنَّ تطبيق مفهوم الضرر على مورد الرواية لا يكون إلّا بلحاظ هذه التوسعة.
بقي الكلام(1) فيما ذكره صاحب (الكفاية) : من أنَّ التقابل بين الضرر والمنفعة هو تقابل العدم والملكة. فإنه هكذا عبر(2).
واستشكل في ذلك المحقّق الاصفهاني قائلاً: بأنّ تعبيره في المقام يختلف عن التعبير المتعارف عند اللغويين، حيث إنَّ ظاهرهم هو من قبيل الضدّين لا من باب العدم والملكة(3).
وكلّ من التعبيرين غير صحيحٍ عنده، فقال: أمّا أنّهما من باب العدم
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() لخص بعض ما سبق ثم قال: بقي الكلام… (المقرِّر).
(2) راجع: كفاية الأصول 2: 194.
(3) لاحظ: نهاية الدراية في شرح (الكفاية) 4: 436.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والملكة، فليس الأمر كذلك؛ لأنَّ الضرر وإن كان هو عدماً، لكنّه هو عدم المنفعة، حتّى يكون تقابله معهما من تقابل العدم والملكة، بل هو عدم بقاء مرتبة التمام على حالها، فهو عدمٌ في مقابل مرتبة التمام لا في مقابل الزيادة؛ فالضرر وإن كان عدماً إلّا أنّه لا يقابل الزيادة تقابل العدم والملكة؛ لأنَّ المعدوم به ليس هو الزيادة بل هو مرتبة التمام.
وأمّا أنّ التقابل هو تقابل التضاد فهو غير صحيحٍ؛ لأنّ التضاد إنّما يكون بين أمرين ثبوتيين والضرر ليس أمراً ثبوتياً وجودياً، بل أنَّ عدم التمام أمر عدميٌّ، فكيف يكون تقابله مع الزيادة تقابل التضاد؟
وهذا الكلام ظهر حاله من تضاعيف كلماتنا. وذلك:
أمّا الإشكال في أن يكون التقابل بين الضرر والنفع من تقابل التضاد بأنّ الضرر أمر عدمي لا وجودي أو التضاد إنما يكون بين الأمور الوجوديّة، فقد تبين مما سبق أنّ الضرر ليس هو عبارةٌ عن مجرّد عدم التماميّة وليس عبارة عن هذا الجانب الخارجي فقط، بل عبارة عن مفهوم ثبوتي منتزع عن إضافة هذا العدم إلى الإنسان المتضرر، فليس هو مجرّد عدم التماميّة حتّى يقال: إنَّه كيف يكون ضداً للمنفعة؟ بل المنفعة أيضاً ليست مجرّد الزيادة، بل هي مفهوم ينتزع عن الزيادة بلحاظ إضافتها إلى الإنسان المنتفع، فكلاهما مفهوم ثبوتي منتزع.
فدعوى أنّهما أمران ثبوتيان بينهما غاية الخلاف، لا بأس به، فإنّ هذا في تسميتهما بالمتضادين، فليس أحدهما بأنَّه ضدّ للآخر.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وأمّا الإشكال في أنَّ التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة فالظاهر -لا من العبارة بل في نفسه- أن يكون مقصود من يدعي أنّ التقابل بين الضرر والمنفعة من تقابل العدم والملكة، ليس هو ما فهمه من أنّ الضرر هو عبارةٌ عن عدم المنفعة، حتّى يشكل عليه بأنّ الضرر ليس عبارة عن عدم المنفعة، بل عبارة عن عدم التماميّة، وإلّا يلزم أنّ الشخص الذي لا تزيد أمواله متضرر دائماً، لأنَّه لم ينتفع، مع وجود مقتضى المنفعة وقابليتها.
فليس مراد من يقول: بأنّ التقابل بين الضرر والمنفعة تقابل العدم والملكة، هذا لوضوح أنّ مجرّد عدم المنفعة لا يكون ضرراً مع فرض قابلية الموضوع للانتفاع، بل الظاهر أنَّ المراد من هذه الدعوى، يعني: فيه ملاك تقابل العدم والملكة لا أنَّه هو من باب تقابل العدم والملكة، أليس في هذا التقابل يشترط في صدق أحد المتقابلين قابليّة الموضوع للآخر؟
هنا أيضاً يشترط في صدق الضرر قابليّة الموضوع؛ لأنّ يتحقق فيه منفعة، فالموضوع الذي يكون زيادته منفعة يكون نقصانه ضرراً، وأمّا الموضوع الذي لا يتعقل فيه منفعة، بمعنى أنّه لا يصدق على زيادته أنّه منفعة، لا يصدق على نقيصته أنَّه ضرر.
فمثلاً المباحات الأوليّة، التي تكون نسبتها إلى هذا الإنسان والإنسان الآخر على حدٍ واحدٍ، لا يصدق على زيادته أنَّها منفعةٌ لهذا الشخص، فلو زادت كمية النفط في المعدن لا ينتفع، حيث إنَّه لا يصدق ذلك على قلّة هذا المعدن.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فالمراد ابداء نكتة(1) العدم والملكة، لا تطبيق عنوانه. بأن يقال: بأنّ الضرر لا يصدق إلّا في مورد يصدق في زيادته المنفعة، وهذا أمر صحيحٌ، إلّا أنّه ليس باعتبار أنّ مفهوم الضرر أخذ فيه قيد قابليّة الموضوع لأنّ يتّصف زيادته بالمنفعة، بل لأنَّه أخذ في كلّ من المنفعة والضرر قيد واحد، وهذا القيد الواحد يقتضي تساوقهما في مقام الصدق، وأنّه متى صدق أحدهما صدق الآخر ومتى ما لم يصدق أحدهما لم يصدق الآخر.
وذلك: أنّ كلا من المنفعة والضرر اُضيفا إلى حيثيّةٍ راجعة إلى الإنسان. فهما عبارة عن الزيادة أو النقيصة في حيثية راجعة إلى الإنسان، فإذا كانت الحيثيّة راجعة إليه فيصدق على زيادتها أنّها منفعةٌ وعلى نقيصتها أنّه ضرر. وإذا كانت الحيثيّة غير راجعةٍ إلى الإنسان فلا يصدق لا على زيادتها انها منفعة، ولا على نقيصتها أنّها ضررٌ، فالتلازم بينهما في مقام الصدق صحيح، وملاكه هذه النكتة المشتركة. هذا هو الكلام في كلمة (الضرر).
يقع الكلام بعد ذلك في كلمة الضرار، وقد جاءت في كلام رسول الله في الحديث، وهي إمّا أن تكون جاءت بلحاظ كونها مصدراً من باب المفاعلة وعندئذ تخضع للقانون الكلّي لوضع باب المفاعلة؛ فنحتاج حينئذٍ في فهمها وتحقيقها إلى تحقيق الوضع النوعي لباب المفاعلة.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
() نكتة العدم والملكة يمكن أن تدعى وإلّا بنحو الدقّة أيضاً غير منسبقة على النحو الذي بيناه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وإمّا أن يفرض أنّ هذه الكلمة لم تجيء باعتبار كونها مصدراً للمفاعلة، بل باعتبارها مصدراً آخر للفعل المجرّد، فإنّ الفعل المجرّد قد يفرض له أكثر من مصدر واحد كَكَتَبَ كتباً وكتاباً وكتابة فيفرض الضرار ككتاب مصدراً ثانٍ للفعل المجرّد.
ويمكن أن يفرض أنّ مادّة الضرار يكون فعلها فعلاً رباعياً لا ثلاثياً مجرّداً، إلّا أنّه رباعي أصيل لا مزيد -ليدخل في باب المفاعلة- كالقائلة المزيد -من قبيل ما يُدّعى- بالنسبة إلى بعض مصاديق هذه الصيغة من قبيل المجاورة، فإنها مصدر لجاور، وهو -مثلاً- فعل رباعي أصيل، لا أنّه ثلاثي مزيد(1)، وحينئذٍ قد لا تخضع في معناها لقانون المفاعلة التي تكون مصدراً للفعل الثلاثي المزيد، كالمشاركة في الفعل؛ هذه احتمالات ثلاثة.
هو احتمال أن يكون الضرار هنا جاء مصدراً من باب المفاعلة خاضعاً لقانون الوضع النوعي لهذا الباب، وحينئذٍ لا بدّ من الرجوع إلى هذا القانون العامّ لوضع باب المفاعلة ليعرف معناه ليطبق على محلّ الكلام.
نظريتان في باب المفاعلة
وهنا توجد نظريتان، أحدهما للمشهور والأخرى للمحقّق الاصفهاني في تحقيق مدلول باب المفاعلة.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
() كـ(سافر) الذي قد يدعى انه فعل في نفسه لا من سفر. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إنّ باب المفاعلة موضوع بالوضع النوعي لفعل الاثنين، يعني: يدلّ على نسبة يتشارك فيها الاثنان، كالمقاتلة والمضاربة والمنازعة. حاله في ذلك حال باب التفاعل كالتضارب والتنازع والتقاتل، غاية الأمر أنهم يفرقون بين باب المفاعلة وبين باب التفاعل أنّه في باب الأوّل يكون أحد الطرفين أصيلاً ويكون الآخر تابعاً، ومن هنا يصح أن يجعل أحدهما فاعلاً والآخر مفعولاً مع أنّ الفعل بنحو المشاركة فيما بينهما، فيقال مثلاً ضارب زيد عمراً، وأمّا في باب التفاعل فهما في عرضٍ واحدٍ ليس بينهما أصليّة وتبعيّة، بل تكون المادّة دالّة على فعل الاثنين في عرضٍ واحدٍ. ومن هنا لا يصحّ جعل أحدهما فاعلاً والآخر مفعولاً، بل كلاهما حكمه حكم الفاعل، مثل: تضارب زيد وعمرو(1).
في مقابل هذا نظرية للمحقق الأصفهاني، فإنه لم يقبل -المحقق الاصفهاني- أن يكون الوضع النوعي لباب المفاعلة راجعاً إلى فعل الاثنين، لكن مع فرّق بينه وبين باب التفاعل(2). وهنا يمكن تحليل كلامه إلى أقسام ثلاثة:
الاستدلال الاستقرائي اللغوي على عدم كون المفاعلة من فعل الاثنين، وذلك بالاستشهاد بموارد كثير من القرآن وغيره من موارد الاستعمال لهذه
ــــــــــ[125]ــــــــــ
(1) لاحظ على سبيل المثال: (الكفاية) 2: 194.
(2) يُراجع: نهاية الدراية 4: 437.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
المادّة، مع عدم مناسبة أن يكون المراد منها فعل الاثنين(1) مثل: هاجر ونافق وخادع يُخَادِعُونَ اللَّـهَ(2) وخالع المرآة، فهل المراد انه فعل واحداً صدر منهما معاً، ومن هو الشخص الآخر الذي يفعل الفعل مع من هاجر ونافق؟ ففي جملة من هذه الموارد لا يقصد اثنان يعلم أن يصدر منهما هذا الفعل الواحد، حتّى يقال: إنّ باب المفاعلة موضوع لإفادة فعل الاثنين(3).
إقامة برهان على استحالة ما ذكره المشهور وذلك: بعد بداهة أصل موضوعي وهو بداهة الفرق بين باب المفاعلة وباب التفاعل، كالمضاربة والتضارب.
حينئذٍ يُقال: بأننا لا نتصوّر الفرق ما بينهما على مذهب المشهور. لأنّ مذهب المشهور يفرق بينهما بلحاظ كون أحدهما أصلياً والآخر تبعياً، بأن يكون أحدهما أصلياً والآخر تبعياً في باب المفاعلة وأن يكونا معاً أصليين في باب التفاعل. وهذا غير معقول.
وذلك: لأنه لو كان يمكن أن تتحمل هيئة واحدة الدلالة على نسبتين في عرض واحد، لأمكن أن يُقال في المقام: إنّ هيئة ضارب أو هيئة تضارب، تدلّ على نسبتين: على نسبة (ضرب زيد لعمر) وعلى نسبة (ضرب عمر لزيد)، لكن
ــــــــــ[126]ــــــــــ
() فهذا يثلم أصالة كون المراد من باب المفاعلة هو كون فعل الاثنين هو الوضع النوعي الطبقي لباب المفاعلة، سيأتي الحديث عنه. (المقرِّر).
(2) البقرة: 9.
(3) لاحظ: نهاية الدراية 4: 437.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تدلّ على أحدهما بنحوٍ صريح وعلى الآخر بشكلٍ تبعي. ويفرض أنّ إحدى النسبتين في طول الأخرى ومن تبعاتها.
إلّا أنّ هذا غير معقولٍ في باب الهيئة، فإنّ الهيئة لا يعقل دلالتها على النسبتين، بل كلّ هيئةٍ موضوعة لنسبة واحدة لا لنسبتين، وحينئذٍ فهذه النسبة الواحدة لا يتعقّل فيها أن يكون أحد طرفيها أصلياً فيها والآخر تبعياً، فنسبة (ضرب عمرو لزيد) ونسبة (ضرب زيد لعمرو)، تمتزجان في نسبة واحدة قائمة بزيد وعمرو، وهذه النسبة الواحدة لا يتعقَّل فيها أن يكون أحد طرفيها أصلياً وأن يكون الآخر تبعياً، لاستواء نسبة كلا الطرفين إلى هذه النسبة، والنسبة الأصلية والتبعية إنّما تتصوّر في نسبتين لا في نسبة واحدة(1).
إذن فلا يتعقل الفرق بين باب التفاعل وباب المفاعلة على قول المشهور.
هذا هو القسم الثاني من كلامه.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
() وهنا قلتُ له: هذا أوّل الكلام، لأنّ برهانه رجع إلى هذا المطلب، وهو أنّ هذا لا يتصوّر، وإلّا فإنّ المشهور حينما يقول: بأنّ هذا أصلي وهذا تبعي، يقول: بأنّ هذا شيء يتصوّر، فرجع مصادرة على المطلوب؟
فأجاب: إنّنا حينما نحلل هذه النسبة إلى نسبتين نسبة (ضرب زيد لعمر) ونسبة (ضرب عمر لزيد)، وهاتان النسبتان هما الأساس لاقتناص نسبة واحدة ثالثة قائمة بين زيد وعمر، وهذه النسبة الثالثة لا يمكن أن يفرض أن يكون أحد طرفيها هو مدلول الخطاب بالأصالة ويكون الآخر مدلول الخطاب بالتبع، وذلك لأنّ مدلول الخطاب هو النسبة، والنسبة علاقتها بطرفيها على حدٍ واحد.
وبتعبير آخر: أنّ الأصالة والتبعية إنّما تتصوّر في النسب ولا تتصوّر في أطراف هذه النسب ويتّضح مقصوده أكثر حال التعليق عليه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
القسم الثالث من كلامه: بيان نظرية أخرى يعوض بها عن مذهب المشهور.
من كلامه هو الإشكال الفني على كلام المشهور. وهو مبني على طريقة فهم المحقق الأصفهاني لكلام المشهور.
فلا بدّ لنا من استعراض كلام المشهور بالنحو الذي يفهمه الاصفهاني حتّى يتبين إشكاله الفني عليهم.
إنّ المشهور قال في مقام التفرقة بين باب المفاعلة وباب التفاعل، أنَّ كليهما من فعل الاثنين، ومعنى هذا أنّ هناك نسبتين، نسبة الضرب لزيد ونسبة الضرب لعمر، وكلا ذينك البابين يدلّ على كلا هاتين النسبتين. غاية الأمر أنَّه في أحدهما أي في باب التفاعل، تضارب زيد وعمر، فالنسبتان عرضيتان، وفي باب المفاعلة، أي ضارب زيد وعمر، ليستا عرضيتين، بل إحدى النسبتين أصليّة والأخرى تبعية. وحيث إنَّها في باب التفاعل عرضيتان فكلاهما يكون فاعلاً: تضارب زيد وعمر، يرفع كلاهما بالفاعليّة.
وأمّا في ضارب حيث إنَّ احدى النسبتين أصليّة والأخرى تبعية، فيتناسب أن يجعل الفاعل الأصلي هو الفاعل في الجملة والفاعل التبعي هو المفعول.
وحينئذٍ اعترض الاصفهاني على كلام المشهور، وقال: إنَّه كيف يتصوّر أن
ــــــــــ[128]ــــــــــ
() لخّص -بعد عنونة المسألة- القسم الأول من كلام المحقق الأصفهاني كما سبق. ثم قال: القسم الثاني… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تكون الهيئة في باب المفاعلة أو باب التفاعل دالّة على نسبتين، سواء كانتا عرضيتين أو إحداهما أصليّة والأخرى تبعيّة؟ فإنّ كلّ هيئةٍ ولفظٍ إنّما يوضع لمعنى واحد لا لمعنيين، فكما أنَّ الكلمة الواحدة لا تستعمل إلّا في معنى واحد كذلك الهيئة الواحدة لا تستعمل إلّا في نسبة واحدة لا في نسبتين.
ثُمّ قال في توضيح حقيقة النسبة الواحدة: إنَّه هنا بحسب الواقع الخارجي يوجد نسبتان نسبة الضرب إلى زيد ونسبته إلى عمر، وهما نسبتان متغايرتان بحسب الخارج. لكن يمكن ملاحظة مجموع هذين الضربين شيئاً واحداً بينهم الوحدة، ويضاف بنسبة وإضافة واحدة إلى الاثنين. ويكون طرف هذه النسبة الواحدة الاثنين بما هما اثنان، بحيث يكون الاثنان طرفي لنسبة واحدة؛ لأنَّ كلا منهما يكون طرفاً لنسبة مغايرة للنسبة التي يكون الآخر طرفاً لها.
وحينئذٍ فباب التفاعل كتضارب زيد وعمر موضوع لهذه النسبة الواحدة المتحصلة من مجموع النسبتين.
أمّا في ضارب زيد عمر فماذا تقولون؟
إن قلتم: إنّها موضوعة لهذه النسبة الواحدة المتحصلة، إذن فلم يبق فرق بين فاعل وتفاعل، مع أنّ بداهة تقتضي الفرق بين المفاعلة والتفاعل.
وإن قلتم: إنَّ فاعل موضوع لكلتا النسبتين التفصيليتين اللتين انتزعنا منهما هذه النسبة الثالثة، فيلزم من ذلك أن تكون الهيئة الواحدة دالّة على نسبتين، وهو غير صحيحٍ.
وإن قلتم: إنَّ هيئة الفاعل تدلّ على إحدى النسبتين التفصيليتين بعينها،
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مثلاً تدلّ على نسبة ضرب زيد فقط؛ فهذا هو المقصود وبناءً عليه ليس باب المفاعلة فعل الاثنين، بل هو الواحد، وهو المطلوب.
وهذا بالنسبة إلى ما قاله المشهور من أنَّ كُلاً من هيئة فاعل وتفاعل تدلّ على فعل الاثنين.
ثُمَّ بعد هذا قالوا: بأنّ إحدى النسبتين أصليّة والأخرى تبعية، في باب فاعل، وأمّا في باب تفاعل فكلتاهما أصليّة.
هنا أيضاً يتساءل المحقّق الاصفهاني: هل المراد من كون إحدى النسبتين أصليّة والأخرى تبعيّة بحسب مقام الإثبات أو بحسب مقام الثبوت؟
أمّا الأصالة والتبعيّة بحسب مقام الإثبات فمعناه: أنّ هذه الهيئة الواحدة، -هيئة ضارب- تدلّ بالمطابقة على (ضرب زيد عمراً)، وتدلّ بالالتزام على (ضرب عمرو زيداً).
فهاتان النسبتان بحسب مقام الإثبات والدلالة ثانيتهما في طول أولهما أن أريد ذلك، فهو غير صحيحٍ؛ لأنّه ما هو الموجب لأنّ يدلّ قولنا: (ضارب زيد عمراً)، على أنّ عمراً أيضاً ضرب زيداً؟ لأنّ دلالة اللفظ على شيءٍ بالالتزام فرع الملازمة ما بين المدلولين، وفي المقام لا ملازمة بين المدلولين: نسبة ضرب زيد لعمر ونسبة ضرب عمرو لزيد، غاية الأمر اجتمعا صدفة في باب المفاعلة.
وإن اُريد الأصالة والتبعيّة بحسب مقام الثبوت، يعني: يكونان بحسب مقام الإثبات كليهما في عرضٍ واحدٍ، فكلاهما مدلول مطابقي لهيئة (فاعل)، غاية الأمر إحداهما في طول الأخرى ثبوتاً هذا غير صحيحٍ، وذلك:
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أولاً: فلأنّه لا طوليّة ثبوتيّة ما بين النسبتين.
ثانياً: فلأنّنا قلنا: بأنّ الهيئة الواحدة لا تدلّ بالمطابقة على نسبتين.
وأما القسم الثالث من كلام حاج شيخ، فهو في وضع نظريّة في مقابل ما ذكره المشهور، فإنّه قال: إنَّ باب المفاعلة موضوع لنكتة التعديّة.
وتوضيح ذلك: أنّ الفعل المضاف إلى فاعله، تارةً يفرض أنَّه قابلٌ لأن يُضاف إلى شخصٍ آخر، واُخرى يفرض أنّه غير قابلٍ لذلك. ومثال الأوّل: (قتل زيد عمراً). ومثال الثاني: (جلس)؛ فإنّه لا يمكن أن يتعدى بنفسه إلى شخصٍ آخر، وإنَّما يتعدّى إليه بالحرف بأن يقال: (جلس إليه). وهيئة باب المفاعلة موضوعة لهذه التعدية التي تؤديها هيئة الفعل في القسم الأوّل في قتل أو ضرب ويؤديها الحرف في الثاني، في جلس إليه وكتب إليه، هذه التعدية مدلول لنفس هيئة باب المفاعلة؛ فيقول: (خَدَعَه) وَ(خادَعَه) بمعنى واحد، و(ضَرَبه) و(ضارَبَه) بمعنى واحد، و(جلس إليه) و(جالَسَه) بمعنى واحد؛ غاية الأمر أنّه في الفعل الذي يتعدّى إلى الفعل الآخر بنفسه كَـ(ضَرَبَه)، تكون التعدية في (ضربه) من شؤون ذات النسبة ولازم ذاتي لها. وأمّا في (ضاربه) فهذه التعدية ملحوظة ومنظور إليها بالنظر الاستقلالي، بينما لم يكن ملحوظاً في (ضربه).
وأمّا في (جالسه) و(جلس إليه)، فواضح أنَّ (جالَسَه) يضيف معنى إلى (جلس)؛ لأنّه يؤدي دور (جلس إليه)، يعني: يضيف إليه مدلول الحرف.
إذن فـ(فاعَلَ) يؤدّي عملاً، هو إمّا مجرّد التأكيد فيما إذا كان الفعل بنفسه
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
يتعدّى إلى شخصٍ آخر، وإمّا تأسيس التعدية فيما إذا كان الفعل لا يتعدّى إلّا بالحرف، ويكون حينئذٍ مشتملاً على معنى الحرف، ويكون قد انضمّ الفعل والحرف في صيغةٍ واحدةٍ، وهي صيغة (جلس إليه) أو (كتب إليه).
هذا هو القسم الثالث من كلام المحقّق الأصفهاني. ونحن في مقام التعليق على كلامه نبدأ بالقسم الثالث ثُمّ الثاني ثُمّ الأوّل.
[القسم الثالث]
القسم الثالث هو بيان مختاره، وأنّ باب المفاعلة موضوع للتعديّة هذا المطلب غير صحيحٍ، وذلك لوجوه:
[الإشكال الأوّل: لعدم صحة مختار الأصفهاني]
الوجه الأوّل؛ فلأننا نأخذ الآن الفعل المتعدّي بنفسه كـ(قتل) و(ضرب)، فإنَّ هيئة (فاعَلَ) حينما تطرأ عليه، هل يؤدي نفس تلك التعدية الثابتة لذات الفعل المجرّد أو يؤدي تعديّة أخرى تختلف في حقيقتها عن تلك؟ نرى بوضوح الفرق بينهما، وعدم التمييز ما بين التعديتين ناشئ من أنّ المفعول المتعدي إليه من جملة من الموارد واحد في المجرّد والمزيد؛ فنقول: (ضرب زيد عمراً) أو (ضاربه)، فيتخيّل أنّ (ضاربه) قامت بنفس وظيفة (ضربه) من حيث تعديّة الضرب، غاية الأمر أنّ ذاك بمقتضى طبع المطلب، وهذا بمقتضى عناية في مقام لحاظ الواضع.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مع أنّه ليس كذلك، بل إنّ تعدية المعنى الحدثي في (ضرب زيد عمراً) غير تعديةٍ من المعنى الحدثي في (ضاربه عمراً).
ويظهر هذا فيما إذا اختلف المفعولان؛ فيقال مثلاً(1): (نزعت الخلافة)، و(نازعت عثمان الخلافة)؛ فنزع فعل يتعدّى بنفسه إلى الخلافة، وأمّا نازع فهو لا يقوم بتعديّة مدلول المادّة إلى الخلافة أيضاً، بل يعدّيه إلى عثمان وهذا معناه أنّ الفعل المجرّد حينما يدخل باب المفاعل يتقمّص معنى حدثياً آخر، يكون مفعوله ومقبوله غير مفعول الفعل المجرّد أحياناً، وأحياناً يكون عينه، وبالتالي هو معنى حدثياً آخر، ويختلف فيه سنخ التعديّة. فـ(ضرب زيد عمراً) تعدّى الضرب إلى عمر. وأمّا في (ضارب زيد عمراً). فتعدّى ذاك المعنى الذي عدّيناه إلى (عثمان) في المثال السابق، تعديّة به إلى (عمرو). غاية الأمر كان هنا المفعول واحداً، وهذا لا يعني أنّ المعنى الحدثي واحد أو أنّ سنخ التعدية واحد.
إذن فلا بُدّ من الالتزام بأن هناك معنى يطعّم به باب المفاعلة غير مسألة التعديّة، بحيث يختلف تعديته عن الفعل المجرّد(2).
[الإشكال الثاني:] في تعدية الفعل بنفسه وبالحرف
الوجه الثاني: نأخذ الفعل الذي يتعدّى بالحرف، كـ(جلس إليه) و(جالسه)،
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() أو مثلاً (جذب فلان الثوب) أو (جاذبه الثوب) أو (طارحته الشعر) و(طرحت الشعر) أو (راهنت فلاناً) أو (رهنت المال). (المقرِّر).
(2) لا أنّ نفس التعدي الذي هو طبع المادّة في (ضرب) يلحظ لحاظاً استقلالياً في (ضارب)، وسيأتي الحديث عنه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فهل قام الثاني بنفس وظيفة الأوّل؟ يعني: هل الحرف عدّي من الفعل إلى شخصٍ آخر، وقد قامت من باب المفاعلة بهذه التعدية وأغنت عن الحرف؟
هذا غير صحيحٍ، وهو مبنيّ على اصطلاح مشهوري لا أساس له، وهو أنّ يقال: إنّ الفعل إمّا لازم وإمّا متعدٍ واللازم يتعدّى بالحرف(1).
أو بتعبيرٍ آخر أنّ الفعل إمّا متعدٍّ بنفسه أو متعدٍ بالحرف فهذا يوحي أنّ الحرف يجعل متعدّياً، غاية الأمر متعدٍّ بالواسطة مع أنّ التحقيق هو أنّ الحرف لا يجعل الفعل متعدّياً، بل يبقى الفعل لازماً والتعدية الحرفيّة تختلف أساساً عن التعدية للفعل المتعدّي بنفسه.
وتوضيح ذلك: أنّ هيئة الفعل موضوعة لنسبة تامّة، على الإجمال في معناها فإنّ كلّ واحدٍ يفهم منها في قبال النسبة الناقصة، وهذه النسبة التامّة لمادّة الفعل، تارةً تلحظ بنحو القيام بالذات، واُخرى تلحظ بنحو الصدور من الذات.
فعلى الأوّل يقولون: إنّه يصير فعلاً لازماً.
وعلى الثاني: يصير الفعل متعدّياً. باعتبار أنّ النسبة الحلوليّة تلقي الحدث على الذات. وأمّا النسبة الصدوريّة، فتصدر الحدث من الذات، إذن فيكون له محلّ يتقبل هذا الحدث، ويكون الطرف القابل للنسبة غير الطرف الفاعل لها.
في هذا الفعل المتعدّي، وفيما إذا كانت النسبة صدوريّة، هذه النسبة التامّة الصدوريّة يكون لها طرفان: طرف فاعل وطرف قابل، هما الفاعل والمفعول في
ــــــــــ[134]ــــــــــ
() فيجعل التعدي بالحرف قسمين للتعدّي بنفسه. فكأنه نكتة واحدة في عالم المعنى تارةً يحصلها الفعل بنفسه، واُخرى يحصلها ببركة الحرف. وسيأتي الكلام عنه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
اصطلاح علم النحو، فالفاعل والمفعول كلاهما طرفان للنسبة التامّة كطرفيّة المادّة نفسها، فإنّها نسبة تحقّق الضرب من هذا على هذا، فهي نسبة تامّة قائمة بالفاعل والقابل، فالمفعول هنا كالفاعل طرف للنسبة التامّة.
وهذا بخلاف النسبة في القسم الأوّل، حيث إنّها نسبة حلوليّة، لا صدوريّة، ولهذا ليس لها -زائداً على المادّة- إلّا طرف واصل، وهو الفاعل؛ فيقال: (قعد).
اذن فالتعدي في الأفعال المتعديّة معناه: هو وقوع طرف آخر للنسبة التامّة، زائداً على طرفيّة الفاعل وهذا هو جهة امتياز الفعل المتعدّي عن الفعل اللازم.
أمّا تعديّة الفعل اللازم كـ(جلس إليه) إذا عدّيناه بالحرف، فماذا يصنع الحرف هنا؟ لو كان الحرف هنا يجعل عمراً -الذي جلسنا عنده- طرفا للنسبة التامّة التي هي مدلول هيئة (جلس)(1) لكان الحرف يجعل الفعل متعدّياً.
ولكنا نقول: إنّ الفعل زائداً الحرف متعدٍّ وإن كان وحده لازماً، لكن الحرف لا يصنع ذلك، بل الحرف هنا كسائر الحروف موضوع للنسبة الناقصة، أو يدل بنفسه عليها، وهذه النسبة الناقصة مرجعها إلى التقييد والتحصيص، والقيد هو مدخول الحرف المجرور بـ(إلى) والمقيد هو المادّة، وهو الجلوس التي هي المدلول الاسمي للفظة الجلوس؛ فـ (إلى) بحسب الحقيقة يوجد نسبة ناقصة وارتباط تقييدياً بين المعنى الاسمي المدلول لمادّة (جلس)، وبين هذا
ــــــــــ[135]ــــــــــ
() على حد طرفيه عمرو في قولنا ضرب زيد عمرو للنسبة التامّة التي مدلول هيئة ضرب، وسيأتي الحديث عنه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
المؤمن الذي جلست اليه. ولا يوجد ربط بين (عمرو) وبين مدلول هيئة (جلس)؛ لأنّ مدلول الحرف عبارة عن نسبة ناقصة تقييديّة، والتقييد عبارةٌ عن توحيد القيد مع المقيّد، فقولي: (جلست إليه) مرجعه إلى قولي: (الجلوس إليه) حققته، أي: حققت هذه الحصّة الخاصّة من الجلوس.
أمّا مدلول الهيئة وهو النسبة فتبقى غير متعديّةٍ لازمة على حالها، فيما إذا كان هو في نفسه لازماً، ولا يخرجه من اللازم إلى التعدّي، من هذه الناحية. فهذا يطلق عليه أنّه تعدٍّ لكن بوجه آخر، ليس هو التعدي بذاك المعنى الحقيقي، وإن أفاد فائدته.
وإذا اتّضح هذا تتّضح عدّة أمور:
[الأمر الأوّل]: أنّ هذا القول الشائع، وهو أنّ الفعل المتعدّي على قسمين، تارةً يتعدّى بنفسه واُخرى بالحرف، فإنّ التعدي بالحرف سنخ آخر غير التعدي بنفسه، إلّا أن يراد من المقسم فائدة التعدّي، مرةً يفيدها بنفسه واُخرى بالحرف، لا مشاحة في ذلك.
[الأمر الثاني]: ظهر بهذا أيضاً عدم صحّة ما ذكره المحقّق الاصفهاني، فإن (جلس إليه) لا يفيد معنى (جالسه)، لأنّ (جالسه) بجعل ذاك مفعولاً يعني: طرف للنسبة التامّة، يعني طرف لمدلول هيئة (جالسه) و(جلس إليه) يجعله قيداً لمدلول المادّة، فكم فرق بينهما!
إذن فيجب أن يكون في (جالس) شيء طوّر من هذه النسبة التامّة وغيرها عن حالها في (جلس) أخرجها من اللزوم إلى التعدي وجعلها نسبة أخرى بحيث أصبحت قابلة لأن تتعدّى إلى آخر.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
[الأمر الثالث]: ظهر بذلك أيضاً عدم صحّة كلام المشهور، فكما أن الشيخ الاصفهاني يدعي أنّ بعض الهيئات الاشتقاقيّة تعدّى بنفس تعديّة الحرف فقد يقال بأنّ الحرف قد يعدّى أحياناً تعديّة الهيئة الاشتقاقيّة، يعني: (ذهب به) بمعنى: أذهبه، و(خرج به) معناه: أخرجه
هنا ظهر أيضاً عدم صحّته؛ وذلك: لأنّ (أخرجه) و(أذهبه)، التعدي بمعنى وقوع المخرَج طرفاً للنسبة التامّة التي هي مدلول هيئة الفعل. أمّا (ذهب به) فيقع طرفاً للنسبة الناقصة التقييديّة التي يكون طرفها الآخر مدلولاً للمادّة يعني (الذهاب) و(الخروج) لا الهيئة؛ ولهذا فرق كبير بين مدلول (أخرجه) ومدلول (خرج به)، إذ يستفاد من الثاني أنّه هو صاحبه في الذهاب وأخذ بيده، لكن مشياً قاهراً مسيطراً به. أمّا (أخرجه) و(أذهبه) لا يدلّ بوجه من الوجوه على أنّه هو خرج معه.
وعدّة مطالب ظهر حالها من هذه النكتة الأساسيّة.
هذا هو الإشكال الثاني على حاج شيخ.
[استدراك على الإشكال الثاني]
إذا أمكننا(1) أن نوضح الفرق بين التعدية في الفعل بما هو فعل وبين التعدية بالحرف فيتّضح عدم صحّة ما اُفيد في المقام.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
() ذكر أولاً الوجه الأول من الإشكال على المحقق الأصفهاني كما سبق، ثم عنون الوجه الثاني وذكر مدعى ذلك المحقق وأنه بنى على الأصل الموضوعي المشهوري في تعدية الفعل كما سبق. وقال: إذا أمكننا… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وتوضيح ذلك: أنّ الفعل له هيئة وله مادّة، ومادّته موضوعة للمعنى الحدثي الخاصّ، وهيئته موضوعة للنسبة التامّة الواقعة على مدلول المادّة؛ فيكون نسبة هذه النسبة التامّة إلى مدلول المادّة نسبة العرض إلى الموضوع؛ فمثلاً في قولنا: (أخرجَ)، مدلول الهيئة نسبة بعثيّة تامّة. ومدلول المادّة هو المعنى الحدثي الذي هو الخروج، ومدلول المادّة أسبق رتبة من مدلول الهيئة، باعتبار أنّ مدلول الهيئة يطرأ على مدلول المادّة، وفي هذه الرتبة السابقة على مدلول الهيئة، أي: في مرتبة مدلول المادّة، مرتبة المعروض للنسبة التامّة، هنا قد ندخل تقييدات على مدلول المادّة بالحرف أو بالهيئة بنسب ناقصة نقيدها ثُمّ في المرتبة المتأخرة نصب عليها النسبة التامّة؛ فنقول مثلاً: (اخرج بزيد)، فالباء يدلّ على نسبةٍ تقييديّة ناقصة تربط بين زيد والمادّة وهو الخروج، فيصبح زيد قيد في الواجب؛ فيُفهم أنّ الواجب علينا ليس هو الخروج بقولٍ مطلق، بل حصّة خاصّة من الخروج، وهو الخروج بزيد؛ فالباء تدلّ على تحصيص مدلول المادّة، وليس لها أي ربط بمدلول الهيئة الذي هو الوجوب مثلاً، وبعد أن نحصص مدلول المادّة ونجعله حصّة خاصّة ويطرأ عليه مدلول الهيئة الذي هو النسبة التامّة البعثيّة الطلبيّة، فتحركه نحو هذه الحصّة الخاصّة؛ فالنسبة الناقصة المستفادة من الباء في قولنا: (اخرج بزيد)، هي في رتبة مدلول المادّة، وهي أسبق رتبة من مدلول الهيئة، بمعنى: هذا الكلام نقوله فيمن خرج بزيد، فإنّ مدلول الصيغة هي نسبة تامّة طرأت على مدلول المادّة بعد تحصّصها وتقيّدها. وهذا معناه: أنّه دائماً النسبة الناقصة التقييديّة التي تطرأ على مدلول المادّة فتلحظ في
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الرتبة السابقة، وبعد تحصّص مدلول المادّة، تطرأ على هذه الحصّة النسبة التامّة.
فإذا فهمنا هذا، فيجب أن نفهم أنّ تمام التعدّيات بالحرف مرجعها إلى تحصيص وتقييد مدلول المادّة في المرتبة السابقة على عروض الهيئة عليها؛ (فجلس إلى زيد)، معناه: أنّ الجلوس إلى زيد -وهو المادّة- وقد تحقّق، وانصبت عليه النسبة التامّة، أمّا نفس النسبة التامّة فلا تكتسب من ناحية الحرف طرفاً جديداً غير ما كان؛ لأنّ مدخول الحرف هو طرف لنسبة ناقصة تقييديّة يربطه بمدلول المادّة، فالنسبة التامّة التي هي مدلول الهيئة لم يحصل لها طرف جديد من هذه الناحية.
فالفعل بما هو فعلٌ -أي: بلحاظ مدلول هيئته- لم يصبح متعدياً، بعد أن كان لازماً، وهذا يعني: لم يصبح ذا طرفين بعد أن كان ذا طرفٍ واحدٍ، بل لا زال ذا طرفٍ واحدٍ، غاية الأمر أنّ المادّة التي انصبت عليها هذه النسبة وجد لها قيد ومخصص. وهذا هو معنى تعدّي الحرف.
وأمّا تعدّي الفعل بما هو فعل، فمعناه: أن النسبة التامّة التي تطرأ على مدلول المادّة، يكون لها -في مرتبتها- طرفان، طرف فاعل وطرف قابل، وهذا فيما إذا لوحظت النسبة على وجه الصدور لا على وجه الحلول؛ فإنّ النسبة إذا لوحظت بنحو الحلول يكون فاعلها وقابلها شيئاً واحداً، وأمّا إذا لوحظت بنحو الصدور يكون لها فاعل وقابل وطرفية القابل للنسبة التامّة على حدّ طرفية الفاعل لها، فلا يفرّق العقل بينهما وهذا هو التعدي في (ضرب زيد عمراً)؛ فإنّ عمراً وزيداً كلاهما طرف للنسبة التامّة التي طرأت على مدلول
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مادّة الضرب. فتعدّي الفعل بما هو فعل عبارة عن كون الشخص الآخر طرفاً للنسبة التامّة في مرتبتها.
وأمّا تعدّي الحرف، فليس عبارة عن زيادة طرف جديد للنسبة التامّة، بل عبارةٌ عن إيجاد تقييد في مرتبة مدلول المادّة التي هي أسبق رتبة من مرتبة عروض النسبة التامّة عليه، وبهذا التحقيق ينحل عدّة أمور:
الأمر الأوّل: ذاك الكلام المشهوري القائل من أنّ الفعل تارةً يتعدّى بنفسه، واُخرى يتعدّى بالحرف.
وقد عرفت أنّه لا يتعدّى بالحرف إلّا إذا اُريد من هذه العبارة معناها العرفي، يعني: أنّ النتيجة المتحصلة من التعدي تارةً نحصلها من نفس الفعل واُخرى نحصلها بالحرف، ولا مشاحة في ذلك.
أمّا إذا أردنا نفلسف اللغة، فحقيقة التعدي الذي يحصل للفعل بما هو فعلٌ، غير حقيقة التعدي الذي يحصل له بتوسط الحرف، فإنّ تعدّيه بما هو فعلٌ عبارةٌ عن كون شخص آخر يقع طرفاً لنفس النسبة التامّة في مرتبتها، وتعدّيه بالحرف عبارة عن تحصص مدلول المادّة في المرتبة السابقة على عروض المرتبة السابقة عليه بقيدٍ.
الأمر الثاني: ما اُفيد من قبل المحقّق الاصفهاني؛ فإنّه حينئذٍ لا يمكن أن يقال: إنّ (جالسه) يفيد معنى التعدي الحاصل بالحرف في (جلس إليه)، لأنّ التعدي في (جالسه) تعدٍّ فعلي لا تعدٍّ حرفي، يعني: أنّ عمراً في (جالست عمراً) طرف لنفس النسبة التامّة، وأمّا عمر في (جلست إلى عمر)، فليس طرفاً للنسبة
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
التامّة بل هو قيدٌ في مدلول المادّة؛ فهذا التشبيه(1)حصل من الخلط بين أصل هذين النحوين من التعدّي.
وعليه فلا يمكن أن يقال: إنّ (جالسه) يعطي معنى (جلس إليه)، بل لا بدّ وأن نقول: إنّ مادّة الجلوس بعد أن تقمصت ثوب باب المفاعلة، وخرجت من باب الفعل المجرّد إلى باب الفعل المزيد لا بدّ وأن تكون قد اكتسبت نسبة تامّة جديدة يصلح أن يكون لها طرفان، بعد أن كانت نسبتها في المجرّد حلوليّة لا يصلح أن يكون لها طرفان. إذن، فنفتش عن هذه النسبة ما هي؟
الأمر الثالث: ما قد يقال: من أن (ذهب به) بمعنى: أذهبه، و(خرج به) بمعنى: أخرجه.
وأيضاً اتّضح بطلانه مما ذكرناه؛ فإن (ذهب به) تعديّة حرفيّة بمعنى: تحصيص مدلول المادّة، و(أذهبه) تعديّة فعليّة بمعنى: كونه طرفاً للنسبة التامّة، ولا يمكن أن تكون التعدية الفعليّة عين التعدية الحرفيّة.
الأمر الرابع: أنّه ظهر أيضاً بطلان الكلام الذي قد يقال في مقام إثبات أنّ التعدية واللزوم ليسا من شؤون المعنى، وإنّما هو أمر اصطلاحي فتوائي من قبل أهل اللغة، ولا بدّ من الالتزام بفتواهم على أساس تعبّدية اللغة.
ويستدلّ على هذا في كلمات جملة من المحققين: بأنّ الفعل الواحد يمكن أن يفرض متعدياً ولازماً من قبيل: (أضرّ به)، و(أضرَّه)، و(دخل الغرفة)، و(دخل إلى الغرفة)؛ فيستكشف أنّ هذا ليس ناشئاً من خصوصيات المعنى،
ــــــــــ[141]ــــــــــ
() يعني تشبيه جالسه يجلس إليه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وإلّا فالنسبة الواحدة لا يختلف حالها من حيث إنّها متعديّة أو لا.
وهذا الكلام غير صحيحٍ، من دون حاجة في مقام إبطاله إلى أن نلتزم أنّ هناك معنين مختلفان، تارةً: يكون بلحاظ هذا المعنى واُخرى بلحاظ ذاك، بل ينحل بنفس ما بيناه، وذلك: لأنّ (أضرّ) نسبة تامّة متعديّة بحسب طبيعتها إلّا أنّنا تارةً نذكر مفعولها، واُخرى: لا نذكره، بل نجعله قيداً لمدلول المادّة في المرتبة السابقة، وهو معنى تعديّة الحرف، فنقول: (أضرّ بزيد)؛ فحينما نقول ذلك فليس معناه أنّ هذه النسبة خرجت عن كونها نسبةً لازمةً إلى كونها متعديّةً، ليقال إذن فتعدّي النسبة ولزومها أمر اعتباري، بل النسبة متعديّة في كلتا الحالتين غاية الأمر في إحدى الحالتين ذكرناها مع كلا طرفيها وفي الحالة الأخرى استغنينا عن ذكر طرفها الثاني بجعله قيداً لمدلول المادّة في المرتبة السابقة؛ فإين هذا من أن يكون اللزوم والتعدي مجرّد أمر فتوائي؟ هذا تمام الكلام في الوجه الثاني للاعتراض على المحقّق الاصفهاني.
[الإشكال الثالث]
الوجه الثالث: يقول: بأنّ (فاعَلَ) موضوع للتعدّية التي تحصل بالفعل المجرّد أو بالحرف(1). وفي هذا الاعتراض الثالث نتنزل عن الاعتراض الثاني، ونفترض أنّ التعدّي في (جلس إليه) و(جالسه) بنحو واحد، ونغفل عن الفرق بينها.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
() هذا الوجه قرره السيد في المحاضرة الأخرى بشكل أحسن فنكتبه من محاضرة غد ونطابقه على هذه المحاضرة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وحينئذٍ نقول: إنّنا فرضنا أنّ فاعل تكون متكفلة للتعديّة التي تحصل بالحرف في الأفعال اللازمة، ونحن بالاستقراء نرى أنّ التعدية بالحرف تحصل في نسب متباينة مختلفة باختلاف الموارد(1)، و(فاعَلَ) تأتي في جملة من تلك النسب فتعوّض عنها، فمثلاً: (جلس) يتعدّى إلى شخصٍ آخر بنسبة مدلول عليها بحرف (إلى)، فنقول: (جلس إليه)، هنا يأتي عوضاً عن جالسه.
واُخرى نقول: (سار معه)؛ فهو يتعدّى مدلول الكلمة بحرف (مع)، ويعوّض عنه (سايره)، وليس معناه (سار إليه).
إذن، فهنا نسبة أخرى مباينة مع النسبة المدلول عليها بكلمة (إليه) عوّض عنها بـ(فاعَلَ).
واُخرى تكون النسبة المعوّض عنها له مثل (كشف له) مطلب يعوَّض عنه (كاشفه) فإنّه ليس معناه (كشف إليه) ولا (كشف معه).
وحينئذٍ نسأل: أنّ كلمة فاعل بالوضع هل هي موضوعة لعنوان(2) التعديّة؟
والجواب: هذا غير صحيحٍ؛ لأنّه مفهوم اسمي وليس معنى حرفياً(3) أو
ــــــــــ[143]ــــــــــ
() فإنّه تارةً يُقال: (جلس عليه) أو (جلس فيه) أو (جالسٌ عليه)؛ فيتعدى بأنحاء مختلفة، وفي كلّ منها ينتزع عنوان التعدية ومداليل هذه الحروف التي حصلت بها التعدية متباينة ذاتاً، كما تقدم. (المقرِّر)..
(2) وهو عنوان انتزاعي مشترك بين تمام هذه الموارد. (المقرِّر).
(3) ويستحيل أن يكون هذا العنوان بمفهومه الاسمي مدلولاً للهيئة بعد التوافق خارجاً على أنّ الهيئة ملحقة بالحروف. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
موضوع الواقع منشأ انتزاع عنوان التعديّة، فهذا المنشأ هو نسب متباينة، لأنّ مدلول (إلى) ومدلول (مع) ومدلول (اللام) نسب متباينة فيما بينها، ولا يوجد فيما بينها جامع، إذ لا يوجد جامع حقيقي بين النسب على ما هو مبرهن عليه في كلمات الشيخ الأصفهاني وغيره من المحقّقين أيضاً.
إذن، فلا محيص عن أن يتصوّر الأصفهاني نسبة أخرى غير هذه النسب الثلاثة، فتكون(1) ملائمة صدقاً معها، وتكون هي الموضوع لها هيئة (فعال)(2).
وحينئذٍ تتساءل: أنّه ماهي تلك النسبة الأخرى؟ فلم يتّضح بعد معناها إذن. هذا هو الإشكال الثالث في المقام.
الإشكال الرابع
إنّنا نفرض التنزّل عن الاعتراض الأوّل الذي كان بلحاظ الفعل المتعدّي بنفسه، ونفرض أن (قتل) و(قاتل) التعدي فيهما بنحو واحد على عناية مخصوصة في الثاني.
وهنا أيضاً نسأل: أنّ هذا التعدي هل يراد منه المعنى الاسمي للتعدّي أو منشأ انتزاعه؟
فإن اُريد به الأوّل فهو معنى اسمي ولا يمكن أن يكون معنى حرفياً.
وإن اُريد به منشأ انتزاع عنوان التعدي فمنشأ انتزاع التعدي في (ضرب)
ــــــــــ[144]ــــــــــ
() تكون محفوظة في تمام موارد التعديات الحرفيّة التي يقوم مقامها هيئة باب المفاعلة، وتكون تلك النسبة هي مدلول باب المفاعلة. (المقرِّر).
(2) قال جواباً على سؤال: أو نلتزم بأوضاع شخصيته. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إنّما هو ذات النسبة؛ لأنّ التعدي هنا ذاتي للنسبة كما اعترف به.
إذن، فلو كان هذا بنفسه مدلول كلمة (ضارب) لكان مدلول كلمتي: (ضرب) و(ضارب)(1) شيئاً واحداً.
حول كلام حاج شيخ
وكأن حاج شيخ التفت إلى ذلك، ولهذا في مقام توضيح مطلبه بالأمثلة حوَّل معنى التعدي الملحوظ بنحو الاستقلال في فاعل فقصد به التعمد، يعني: التعدي الملحوظ للفاعل دون الملحوظ للواضع أو المستعمل.
وذلك: أنّنا مرةً نفرض أنّ شخصاً ضرب شخصاً آخر من دون التفات، فيقال: (ضربه)، أو أخرى (يضربه) ملتفتاً إلى أن (ضربه) يقع عليه فيؤذيه، فيقال له: (ضاربه)، وهذا بحسب الحقيقة معنى آخر للتعدّي -غير ما كنا نتكلّم عنه حتّى الآن- غير التعدي المصطلح، وليس هذا التعدي ذاتياً لمدلول المجرّد المتعدّي ولا مما يتكفل الحرف في (جلس إليه)، فكأنَّ ضارباً موضوع للضرب العمدي للنسبة الصادرة عن عمدٍ وبأنّها سوف تقع على شخصٍ آخر.
ولهذا ذكر بأنك إذا خدعت شخصاً وأنت غير ملتفتٍ، فيقال: (خدعته)، أمّا إذا تعمدت خديعته: (خادعته).
إلّا أنّ هذا المطلب مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الفهم والارتكاز العرفي لا يساعد على أخذ هذه النكتة، فنكتة العمديّة والقصديّة في مدلول فاعل في تمام الدائرة التي قال عنها المشهور: إنّها من باب فعل الاثنين، بأن نقول: إنّه دالٌ
ــــــــــ[145]ــــــــــ
() وهذا معناه عدم وجود أي فرق بينهما حتى بنحو التأكيد (تكرار). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
على فعل الواحد، لكنه المطّعم بالعمد والاختيار، ومثل هذا لا يمكن أن يقال فيه إنّنا نرى أنّ تلك الأفراد من (فاعل) أنّها تدلّ على فعل الاثنين، فلا يؤخذ فيها القصد والاختيار، وجملة منها هذا المطلب فيها في غاية الوضوح.
فمثلاً: في (صادف) أو (قابل) لا يؤخذ فيهما العمديّة، فلذا يصح بلا مؤونة أن يقال: (قابلته في الطريق عرضاً وصدفة) أو (قابلته من دون التفات سابق).
إذن، فالقصديّة والعمديّة أن فهمت من (خادعت) أو (ضاربت) فهو بنكتة أخرى غير أخذ مسألة نفس القصد دخيلاً في المدلول، بل النسبة سنخ نسبة تكون مناسبة مع القصد وأحياناً لا تكون مناسبة معه(1).
هذا هو تمام الكلام في القسم الثالث من كلام الشيخ الأصفهاني(2).
ــــــــــ[146]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: وهذا المعنى من التعدية أمر معقول يمكن أن يُقال إنه مأخوذ في مدلول (فاعل)، وإنه فعل الواحد المأخوذ فيه القصد والعمد. هذا أمر معقول ويوجب فرقاً بين (فعل) و(فاعل) ولا يوجب اللغوية*. ولكنه لا يساعد عليه الارتكاز العرفي، فإن الفهم العرفي يشهد على إمكان استعمال الصيغة مع التقييد بعدم العمد، كما في (قابلته صدفة) ونحو ذلك.
* هذا إشارة على إشكال قلتُه له، وهو (فعل) و(فاعل) إذا كان بمعنى واحد كانت ملاحظة (فاعل) استقلالاً، لغواً وعبثاً. (المقرِّر).
(2) وقد قالوا للسيد الأستاذ بعد البحث: بأن (فاعل) أخذ فيها التوكيد، فلا تكون مرادفة لـ(فعل).
فأجاب ما محصلة: بأننا نسأل أيضاً بأنه ما هو المقصود من التوكيد المأخوذ في فاعل، هل هو مفهوم التوكيد؟ هذا لا يمكن لأنه مفهوم اسمي. أو هل هو منشأ انتزاع التوكيد؟ فلا بد أن تكون هناك نكتة زائدة تتصف بها النسبة لتكون منشأ لانتزاعه، فيقع الكلام في حقيقتها.
ثم ذكر السيد في حقيقتها: أنه هو أن يتصور نحو من الامتداد في النسبة ينتزع منها مفهوم التوكيد. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
[القسم الثاني]
القسم الثاني من كلام (حاج شيخ): هو أنّه فهم من المشهور أنهم يقولون إنّ (فاعل) و(تفاعل) كلّ واحد منهما موضوع لنسبتين، غاية الأمر أنّ النسبتين في (فاعل) أحدهما في طول الأخرى، ولهذا أصبح طرف النسبة الطوليّة مفعولاً. وطرف النسبة السابقة فاعلاً.
وأمّا في (تفاعل) فالنسبتان في عرضٍ واحدٍ، ولهذا أصبحا معاً فاعلين.
[اعتراض المحقّق الأصفهاني]
واعترض عليه حينئذٍ بأنه: لا يصح القول بأنّ الهيئة موضوعة لنسبتين، بل أنّ (تَضَارَبَ) موضوع لنسبة واحدة متحصّلة من مجموع النسبتين على النحو الذي اوضحناه فيما سبق(1).
وهنا تساءل الشيخ الأصفهاني: أنّ (تفاعل) هل هي موضوعه لنفس النسبة المتحصّلة من مجموع النسبتين؟
إذن، لم يبق فرق بين (ضارب) و(تضارب).
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) راجع: نهاية الدراية 3: 317 و318.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أو موضوعة للنسبتين التفصيليتين بما هما تفصيليتان إلى نسبة (ضرب زيد لعمر) ونسبة (ضرب عمر لزيد)، بما هما اثنان؟
إذن، فيلزم وضع الهيئة لنسبتين وهو باطلٌ.
أو فاعل موضوعة لإحدى النسبتين التفصيليتين فقط؟
وهذا هو المقصود، ومعناه: أنّه فعل الواحد، ولا يدلّ على فعل الاثنين.
والظاهر أنّ المشهور لم يريدوا في مقام التفرقة بين (فاعل) و(تفاعل) أن يدعوا هذه الهيئة موضوعة لنسبتين بنحو الطوليّة هناك وفي عرضٍ واحدٍ هنا، بل هو موضوعٌ لنسبةٍ واحدةٍ في (تفاعل)، فلو فرضنا أنّه موضوع لهذه النسبة الثالثة المتحصّلة على النحو الذي شرحه المحقّق الاصفهاني وفي (فاعل) موضوع لإحدى النسبتين التفصيليتين لا للنسبة المتحصّلة ولا لمجموع النسبتين، لكن فرق (فاعل) عن (فعل) أن (ضرب زيد عمراً) موضوع لإحدى النسبتين التفصيليتين بلا قيدٍ، و(ضارب زيد عمراً) موضوع لنفس تلك النسبة التفصيليّة نسبة (ضرب زيد)، لكن مقيداً بأن يكون بنحو المشاركة، فالتشريك طعّم في مدلول هيئة فاعل، بينما لم يطعّم في مدلول هيئة فعل؛ ولهذا يقولون: إنّه يرجع معنى (ضارب زيد عمراً)، أنّه شارك زيد عمراً في الضرب، ولهذا يقولون أيضاً: إنّ عمراً هو مفعول للمشاركة بمعنى أنّه مشارَك
-بالفتح-، لا بالمعنى أنّه مضروبٌ.
إذ تصورنا هذا، لا يأتي الإشكال الذي اُفيد، لأنّنا لم نلتزم يكون هيئة (فاعل) موضوعة لنسبتين، بل موضوعة لنسبة تفصيليّة واحدة. وهذه النسبة
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مغايرة ومباينة ذاتاً مع النسبة الموضوع لها هيئة (تضارب)، لأنّ هذه الهيئة موضوعة لنسبة واحدة منتزعة من النسبتين. أمّا هيئة (فاعل) فموضوعة لإحدى هاتين النسبتين؛ فالتباين بين الهيئتين أيضاً حفظناه على حاله.
ومن ناحيةٍ أخرى، تحفّظنا على كون (فاعل) بمعنى فعل الاثنين. غاية الأمر أنّه بنحو الأصالة والتبعيّة كما يقولون. ومرادهم منها هذا المعنى أن (ضارب زيد عمراً) يدلّ بالمطابقة على صدور الضرب من زيد لعمر. ولكن حيث إنّ النسبة افيدت بنحو التشريك، فيدلّ على أنّ الآخر مشارك بالضرب بالفتح، ولازمه أن يكون ضارباً لا محالة. فيدلّ على النسبة الأخرى بالتبعيّة فقد تحفظ عن تمام المحاذير.
والظاهر أنّ مراد المشهور هو هذا، وإن لم يكن هذا أيضاً صحيحاً؛ فإنّه غير منسجمٍ مع الفهم العربي؛ فإنّ العربي لا ينتقش في ذهنه الصورة الذهنيّة التي توجد في ذهنه حينما يقال له: (شارك زيد عمراً في الضرب) فإنّ شارك… يعطي معنى الأصالة لضاربية عمر باعتباره مشاركاً، ومعنى التبعيّة لضاربية زيد شاركه.
وأقصد بالأصالة والتبعيّة: الأصالة والتبعيّة في الصورة الذهنيّة لا في الخارج، إذ لعلهما في الخارج في عرضٍ واحدٍ، و(زيد ضرب قبل عمر) مع أنّ الأمر على العكس في (ضارب زيد عمراً)، فإنّ الصورة الذهنيّة لها هو أن يكون زيد هو الأصيل فيها، وأن يكون عمر هو التابع في الفاعليّة مع أنّه لو قلنا: بأنّ انفهام فاعليّة عمر ومن باب تطعيم بالتشريك، للزم أن يكون عمر هو الأصل
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في الصورة الذهنيّة، وزيد هو التابع(1).
هذا هو الكلام في القسم الثاني من كلام الشيخ الاصفهاني.
[القسم الأوّل]
وأمّا القسم الأوّل من كلامه: وهو أنّه ذكر كثيراً من موارد (فاعل) مما لا يكون فعل الاثنين، ذكر أربعة عشر مورداً من القرآن وغيره. وهذه النقوض التي ذكرها أكثرها غير واردٍ على المشهور؛ لأنّ جملة منها جاءت في (فاعل) التي لا تكون مشتقة من فعل؛ فإنّها قد تكون مشتقة منها كـ(ضارب) و(قاتل)، وقد لا تكون كـ(سافر)، فإنّها غير مشتقةٍ من سفر؛ لأنّ معناه مغاير لها.
والمشهور القائلون بأنّ هيئة (فعال) موضوعه لفعل الاثنين. مقصودهم: تشخيص المعنى الموضوع له بالوضع النوعي، ومن المعلوم أنّ (فاعل) غير المشتقة من فعل موضوعة بالوضع الشخصي لا بالوضع النوعي، يعني لا بدّ أنّها موضعةٌ بخصوصها، كـ(سافر) و(جاور) ولا يكفي كونها موضوعةً بالوضع النوعي، لأنّها ليس لها مادّة موضوعة بوضع آخر ليكتفي بالوضع
ــــــــــ[150]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: أنا لا اريد أن أقول إن المشهور نظروا إلى الأصالة والتبعية بحسب الصورة الذهنية، بل هم نظروا بحسب الدلالة، ومطلبهم تم. ونحن نريد أن ننقض عليهم بوجداننا لا أكثر.
وهنا قال أحد الإخوان: مع أن (شارك) أيضاً من باب المفاعلة.
فأجاب (سلّمه الله): هذه العكسية من ناحية مادة(الشركة)، لا من ناحية هيئة(شارك). يعني أن مادة (الشركة) تقتضي هذا المطلب، فإذا طعّمنا هيئة (فاعل) بمادة (الشركة) يقتضي هذا المطلب حينئذٍ. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
النوعي لها، بل لا بدّ لها من الوضع الشخصي، والمشهور حيث إنّهم بانون على الأوضاع النوعيّة في الهيئات، فمرادهم من أنّ الأصل في باب المفاعلة هو فعل الاثنين، وتشخيص المعنى الموضوع له بالوضع النوعي، لا تشخيص المعاني الموضوع لها بالأوضاع الشخصيّة، فهذه النقوض تخرج عن محلّ الكلام.
فمثلاً: (بارز) و(ساعد) و(نادى) و(نافق)، كلّ هذا من فاعل غير المشتق من فعل. إمّا ليس له فعل(1) أو له معنى آخر.
وفي جملة أخرى من موارد النقوض المركوزة لنفس المادّة تشكل قرينة كالمتّصلة على صرف هذا اللفظ عن ذلك المعنى فإنّ بعض الموارد لا تناسب بحسب الارتكاز العرفي(2) أن تكون صادرة اثنين، بحيث تقع من كلّ واحدٍ على الآخر، مثل: (وارى)، و(باشر)، و(خالع)، و(آخذ). و(وارى) بمعنى:
ــــــــــ[151]ــــــــــ
() ومن المعلوم أنّ فاعل التي لا يكون لها فعل ليست موضوعة بالوضع النوعي، لأنَّ مادّتها ليس لها وضع بقطع النظر عن هذه الهيئة، ليحصل المعنى بضمّ مدلول الهيئة إلى مدلول المادّة. (المقرِّر).
(2) ومحط كلام المشهور هو عبارة عن وضع فاعل بالوضع النوعي لفعل الاثنين فيما إذا فرض أنَّ المادّة كانت مناسبة بحسب الارتكاز العرفي أو ارتكازات غير مفهومةٍ إذا كانت مناسبة؛ لأن تكون فعل الاثنين، وهذا القيد مأخوذ في كلّ التصاريف إذ قلّما توجد مادّة تكون مطاوعة لتمام التصاريف والهيئات، فهنا هكذا يفترض من قبل المؤمنين بالأوضاع النوعية، أنّ المواد تختلف مناسباتها بالنسبة إلى مداليل الهيئات، فَرُبَّ مادّة تقبل هذه النسبة لهيئة (فاعَلَ) ومادّة أخرى لا تناسبها مثل (تابع) و(شايع) و(بايع) و(آخذ)، القصور فيها من ناحية المادّة ولا يناسب بحسب الارتكاز العرفي أن تكون من الطرفين. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أخفى، ولا يناسب أن يقال (هذا أخفى ذاك وذاك أخفاه). و(باشر) معناه تولّيه أموره وجعله تحت قيمومته، كـ(باشر اليتيم) و(باشره الطبيب) وهو لا يناسب التكرر من الطرفين.
وحيث إنّ هذا لا يناسب فيشكّل هذا كالقرينة المتّصلة على صرفه عن هذا المعنى، ومع القرينة المتّصلة لا يبقى طبعاً مؤونة في استعماله في غير ذلك المعنى(1).
ويبقى بعد ذلك جملة من النقوض الأخرى، لا بأس من الالتزام بها، إلّا أنّها لا تشكل إشكالاً حقيقياً على المشهور، لأنّهم لا يريدون أن يقولوا: إنّ تمام (فاعل) في لغة العرب موضوعة لفعل الاثنين، فإنهم بأنفسهم يذكرون ثلاثة معاني أو اربعة لهذه الصيغة، وإنّما يقولون: بأنّ الأصل في باب المفاعلة أن يكون فعل الاثنين، وهذه الأصالة يتحفظ عليها مادام لا يوجد نقوض عليها بنحو من الكثرة بحيث توجب خروجه عن هذا الأصل(2).
ــــــــــ[152]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: إن هذا له مجرد بمعناه، وبيننا وبنيكم كتاب اللغة.
أقول: وبعد البحث في كتاب اللغة اتضح عدم وجود استعمال الثلاثي من (وارى) و(باشر) بمعنى الرباعي.
وقال السيد: إنها حينئذٍ تلتحق بالطائفة الأولى التي لها ثلاثي بغير معناها. (المقرِّر).
(2) وهنا قال جواباً على سؤال حول معنى الأصل: أتصور أن مقصودهم من الأصل أن المعاني الأخرى وضع لها (فاعل) بنكتة التقارب بين ذلك المعنى ومعنى الاثنين الذي وضع له اللفظ أولاً، فصار ذاك الوضع أصلاً وهذا فرعاً.
وهنا قال أحد الإخوان: أو ان الأصل الغلبة؟
فقال: نحن الآن اعتبرنا معناه الغلبة، ولهذا صرنا نناقش في نقوض (حاج شيخ)، وإلّا على التفسير الذي أتصوره، حتى لو تمّت كلّ النقوض، لا ينافي الأصلية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
هذا هو تمام الكلام في مناقشة كلام الشيخ الأصفهاني(1).
*****
فإذا اندفعت أكثر هذه النقوض(2) لا يبقى هناك ما يبرهن على أنّ فاعل بمعنى فعل الاثنين ليس هو الأصل، فلعلّه هو الأصل.
هذا كلّه بناءً على أن يكون المراد من الأصل هو الشي الغالب والكثير، وأنّ العادة في (فاعل) أن يكون بمعنى فعل الاثنين؛ فهذه العادة يريد الشيخ الأصفهاني أن يبرهن على عدمها بنقوض كثيرة جداً، ويجاب الشيخ بتقليل هذه النقوض بحيث تحفظ هذه للعادة.
نكتة أخرى في وزن: فاعَلَ
وهناك احتمال آخر في قولهم: إنّ الأصل في باب المفاعلة أن يكون بمعنى فعل الاثنين. ليس قصدهم الكثرة والغلبة بحسب الخارج، بل مقصودهم نكتة
ــــــــــ[153]ــــــــــ
() وهنا قال في جوابه عن سؤال: يعني أن المشهور الذين يقولون بالوضع النوعي، يقولون به بالنسبة إلى المواد التي لا يكون فيها قرينة ومناسبة ارتكازية تأبى عن التكرر، يعني من أول الأمر نضيق دائرة الوضع النوعي. وهذا القيد ملحوظ في تمام أوضاع الهيئات، لأنه لا يوجد هناك تصريف تقريباً، يسري في تمام المواد، فلا بد أن تلحظ نحواً من المناسبات الخاصة لمدلول الهيئة، فعدم السريان يكون من ناحية عدم مناسبة المادة، لا من ناحية كون هذا المعنى هو الأصل في باب المفاعلة. (المقرِّر).
() لخّص أولاً الرد على جملة مما ذكره الأصفهاني كما سبق ثم قال: فإذا اندفعت أكثر هذه النقوض… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
اُخرى، وهي: أنّ (فاعل) وضعت بوضع أولي لفعل الاثنين، ثُمّ وضعت بعد هذا لمعان أخرى متعددة، إلّا أنّه لوحظ في تمام موارد أوضاعها الأخرى المتعدّدة لوحظت نكتة تقربها من باب فعل الاثنين(1) فكأنه أصبح ذاك هو الأصل وهذا الفرع، كما يقال في الاستعمال المجازي إنّه لوحظت العلاقة ما بينه وبين المعنى الحقيقي، فأصبح ذاك هو الأصل وهذا هو الفرع.
وهذه النكتة التي تكون مشتركة بين تمام هذه المعاني، وهي: عبارةٌ عن التجاوز، وذلك لأنّ النسبة التي يدلّ عليها (ضارب) و(قاتل) الموضوعة لفعل الاثنين تتجاوز عن حد فاعلها ونذهب إلى شخصٍ آخر، وهو (عمرو) الذي هو شريك الفاعل في الضاربيّة، فهي فيها نحو التجاوز والامتداد.
وهذا التجاوز موجود بنحو وآخر في موارد استعمال كلمة (فاعل) حتّى في موارد غير فعل الاثنين، فمثلاً: يستعمل (فاعل) في الموارد التي بحسب طبعها لا بدّ لها من شخصٍ آخر، كـ(جاور) و(خاطب) و(نادى)، وهو ليس من فعل الاثنين، إلّا أنّه يمتد إلى شخصٍ آخر، فكأنه يشابه من هذه الناحية (ضارب) و(قاتل).
وكذلك يستعمل في (سافر) و(هاجر)، فهذا بناء على ما يقوله بعض علماء الصرف من أنّ فيه معنى التشديد والمبالغة. فكأن السفر تجاوز عن أصل المرتبة التي تحقق طبيعة الحدث، تجاوز عنها واستمرّ، كذلك تجاوز واستمرّ.
إلّا أنّه لا ينبغي أن يتوهّم ذلك؛ وذلك: وهو أنّه قد ينقدح هذا الاحتمال،
ــــــــــ[154]ــــــــــ
() فكأن الاوضاع الأخرى لاحظ فيها الواضع الوضع الأوّل. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وهو أنّ هيئة (فاعل) لماذا لا نقول: إنّها موضوعه لهذه النكتة المشتركة ما بين تمام الموارد؟ وذلك: لأنّ هيئة (فاعل) لا يمكن أن تكون موضوعة لهذه النكتة المشتركة، لأنّ هذه النكتة ليست مشتركة إلّا بالمفهوم الاسمي، وهو مفهوم الامتداد والتجاوز والإطالة ونحوها. وإلّا فمناشئ انتزاع الامتداد هي تصورات حرفيه متباينة كالـ(تجاوز) بمعنى اطالة نفس الحدث كما في سافر، واُخرى بمعنى انتهائه إلى شخصٍ اُخر كما في (خاطب). ونحن انتزعنا منها عنواناً عرفياً واحداً، وإن كانت هذه النكتة في كلّ موردٍ تمثل في نسبةٍ مباينة مع النسبة التي تمثلها في المورد الآخر، والإنصاف أنّ هذا قريب من الطبع.
بعد هذا التفسير يكون ما يقوله المشهور مطابقاً مع الوجدان والارتكاز العرفي، وهو أنّ الأصل في باب المفاعلة أن يكون من فعل الاثنين وتمام الموارد الأخرى لوحظ فيها نكتة ولو بنحو المعنى الاسمي مقرّبة له بالنسبة إلى فعل الاثنين.
ولكن الكلام في توجيهه فنياً، فكيف نتصوّر فعل الاثنين بحيث نتخلص من محاذير الشيخ الأصفهاني؛ فلا نلتزم بأنّ الهيئة الواحدة موضوعة لنسبتين، ولا أنّ قيد التشريك مأخوذ؛ لأنّه خلاف الصورة الذهنيّة.
لعلّ أحسن ما يمكن أن يقال في تصوير هذا المطلب ثبوتاً بنحو ينطبق على وجداننا الإثباتي: أنّ (فاعل) تنحلّ إلى أمور ثلاثة: إلى المادّة الأصليّة وهي (الضرب)، المحفوظ في ضمن المجرّد وسائر المشتقات الأخرى. وإلى هذه الألف الزائدة على هذه المادّة المحفوظة في ضمن مشتقات باب المفاعلة:
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
كـ(فاعل يفاعل مفاعل ومفاعل ومفاعلة). وهنا شيء ثالث مندّك، وهو هيئة الفعل المجرّد؛ فهي موجودةٌ أيضاً في (ضارب)، لكن لا بحدّها، بل مندّكة، فإنّها بطروّ الألف اختلفت عنها في المجرّد، فهي موجودة مع تغيّر في حدّها.
وهذه الأمور الثلاثة لها دوالّ ثلاثة، ومعاني ثلاثة:
أمّا المادّة فهي موضوعة بالوضع الشخصي للمعنى الحدثي الخاصّ، كـ(الضرب)، والألف المحفوظ في سائر المشتقات، وبه قوام هيئة المزيد، موضوع لنسبة ناقصة محصصة لمدلول المادّة وذلك: أنّ (الضرب) تارةً يراد به الفعل الصادر من الفاعل، أي خصوص حركته وضربه، واُخرى يراد به تمام العمليّة: العمل وعكس العمل، أو الفعل وردّ الفعل، أي ضربه وضرب الشخص الآخر بلحاظهما عمليّة واحدة، وهو معنى يمكن أن نستعمل فيه كلمة (الضرب)؛ فالألف الزائدة في (ضارب) تدلّ على تحصيص مدلول المادّة، فإنّه قابل أن يراد به خصوص الضرب الصادر من زيدٍ وقابلٍ لأنّ يراد به مجموع الضربين بما هما عمليّة واحدة، وألف الزيادة يدلّ على تحصيصه بالمعنى الثاني.
وبعد تحصيصه بذلك، تأتي عليه هيئة المجرّد والمحفوظة لا بحدها في ضمن المزيد، فتدلّ على صدور هذه العمليّة وتحققّها من قبل الفاعل، بعناية أنّ ذاك(1) من تبعات الأوّل؛ لأنّه ردّ الفعل له، وحيث إنّه أنشأ جزءاً منها، فكأن العمليّة تنتسب إليه. فهيئة المجرّد في (فاعل) تدلّ على انتساب مدلول المادّة بعد
ــــــــــ[156]ــــــــــ
() يعني ضرب الآخر. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تحصصه بحرف الزيادة انتسابه إلى الفاعل، فـ(ضارب) معناه أوجد هذه العمليّة بطوليّاتها، يعني: مجموع الفعل ورد الفعل(1).
ثُمّ(2) تأتي بعد هذا هيئة المجرّد المحفوظة لا يجدها ضمن (فاعل) فتنسب هذه العمليّة بتمامها إلى زيد، ويكون (عمر) حينئذٍ مفعولاً لهذه العمليّة، لا مفعولاً (للضرب).
ــــــــــ[157]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا ليس المقصود منه للابتداء الزماني الخارجي، هذه عمليّة واحدة يمكن أن تنسب إلى هذا ويمكن أن تنسب إلى ذاك باختلاف الاعتبار. يعني: تارةً نلحظ ونقول: هذا هو الفعل وذاك ردّ الفعل، واُخرى نقول: ذاك هو الفعل وهذا ردّ الفعل.
وقال جواباً على سؤال آخر: حول معنى (ردّ الفعل) هذا توضيح: وإلّا فليس مقصودي منه أنّ ذاك حقيقة جواب على هذا، بل المقصود أننا حينما نقول: (ضارب زيد) نُعمِل عناية أنّ ذاك ردّ فعله، وحينما نقول: (عمر ضارب) نُعمِل عناية: أن هذا ردّ فعله* يعني: نعمل العناية في الصورة الذهنيّة لا ردّ الفعل في الخارج.
* استبطن عناية كون ذاك الضرب الآخر بما هو من تبعات هذا الضرب ومن شؤونه وهذه العناية لوحظت في تحصيص مدلول المادّة بقرينة ألف الزيادة ولهذا من ناحية النسبة لا يكون هناك عناية، وإنّما العناية من ناحية تحصيصه بألف الزيادة ولا بأس بذلك لأنّ هذا هو طبع ألف الزيادة لا أنّ هذه العناية نعملها على خلاف رغبة الواضع، بل الألف موضوعة؛ لأجل اعمال هذه العناية عناية تحصيص مدلول المادّة؛ فتكون عناية على طبق قانون الوضع لا خلافه. (المقرِّر).
(2) وهنا كرّر ما كان قاله الآن من مداليل باب المفاعلة ثم قال: ثُمَّ… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بمعنى: أنّ هذه العمليّة التي صدرت من (زيد)، مرتبطة في الواقع بالآخر؛ لأنّ الآخر شريك فيها وقد ساهم في جزءٍ منها؛ فالآخر مفعول لهذه العمليّة، بتمامها، لا أنّه مفعول للجزء الأوّل منها وهو الضرب.
فهنا تصورنا ثلاثة دوال وثلاثة مداليل، بينما في (فاعل) التي ليس لها مجرّد من قبيل (جاور)، فعندنا دالّان، فإنّ الشيء الذي حصّلناه هنا من ضمّ حرف الزيادة إلى المادّة، نحصّله هناك من نفس المادّة ابتداء، فـ(جاور) ابتداءً موضوعة لمعنى من هذا القبيل، وهيئتها تعطي نفس معنى هيئة فعل.
إذن بناءً على هذا لا يلزم كون هيئة واحدة موضوعة لنسبتين ولا كونه فعل الواحد محضاً، ولا يلزم عدم الدلالة الآخر، بل يدلّ على فاعليته ضمناً وبالتبع، كلّ هذه الأمور نتحفظ عليها من دون أن يرد إشكال ثبوتي، ولا إشكال ذوقي.
وعليه، فهذا هو المعنى المعقول ثبوتاً المطابق مع الارتكاز إثباتاً، ومع قول المشهور للمحقّقين من علماء العربيّة في تمام اجيالها.
وبناءً على هذا يكون المدلول الأصلي لـ(فاعل) هو هذا، وهناك معانٍ أخرى لـ(فاعل) لوحظ فيها نكتة مقاربتها ولو بنحو المعنى الاسمي مع هذا المعنى على ما بيّنا.
ولهذا قالوا: بأنّ الأصل في باب المفاعلة هو ذاك. وهناك خصوصيات أخرى لوحظت في الاوضاع الأخرى تقرب إلى هذا المعنى(1).
ــــــــــ[158]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: بناء على هذا لم يبق فرق بين فاعل وتفاعل.
فأجاب: الفرق بينهما أنّه في تفاعل (الضرب) لا يوسع وإنّما ينسب (الضرب) إليهما معاً في عرضٍ واحدٍ.
يعني: نسبة (تضارب) تكون موضوعة لنسبة هذا (الضرب) إلى شخصين في عرضٍ واحدٍ، تدلّ على نسبةٍ واحدةٍ لهذه المادّة إلى شخصين؛ ولهذا يكون هذان الشخصان عرضيين بالنسبة إليهما. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تحقق ممّا بيناه: أنّ فاعل مجمع لدوالّ ثلاثة: المادّة، والألف، وهيئة المجرّد المحفوظة في ضمن (فاعل).
أمّا هيئة المجرّد فلا يختلف مدلولها في (فاعل) من مدلولها في (فعلٍ)، ووظيفتها نسبة مدلول المادّة إلى (الفاعل). غاية الأمر أنّ مدلول المادّة في (فعل) ينسب إلى الفاعل من دون تقييد. وأمّا في (فاعل) فتحصص المادّة بلحاظ ألف باب فاعل، فإنّه يمكن أن يوضع لهذا التحصيص، بأن يراد من المادّة العمليّة بتمامها، أي: الفعل ورد الفعل. وبعد أنّ يحصص مدلول المادّة حينئذٍ تأتي هيئة المجرّد فتنسب هذه العمليّة إلى الفاعل.
فالفرق بين فعل فاعل ليس في الهيئة الدالّة على النسبة، بل في المادّة المنتسبة، فإنّ المادّة في فعل لم تحصص في المرتبة السابقة على انتسابها، وفي فاعل حصّصت هذا التحصّص. هذا هو التصوير الثبوتي لمدّعى المشهور، وهو يبرهن على إنكار مدّعى المشهور
أمّا صحّة مدّعى المشهور فدليله ذهاب المشهور إلى ذلك، مع مساعدة الارتكاز والوجدان القاضي بانفهام ما يدعيه المشهور من كون الأصل في باب فاعل وهو فعل الاثنين مع شيء من الأصالة والتبعيّة.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وهذا الذي قلناه يكون أحسن من التزام بأنّ (فاعَلَ) موضوعة لنسبتين تفصيليتين في عرضٍ واحدٍ، كما فهم الشيخ الاصفهاني من المشهور؛ فإنّ هذا يلزم منه دلالة الدال الواحد على معنيين في عرضٍ واحدٍ، -على ما قلناه- فإنّها دوالّ ثلاثة لها معان ثلاثة، فيكون إرادتها من باب تعدّد الدالّ والمدلول.
كما أنّ هذا هو أحسن من أن يقال: إنّ هيئة (فاعَلَ) موضوعة لنفس النسبة الني نفترض أنّها مدلول (تفاعل)؛ لأنّه يلزم منه عدم الفرق بين معنيي البابين مع أنّ الفرق بينهما وجداني والفرق ما بينهما -بناءً على ما بيناه- هو في سنخ تحصيص مدلول المادّة، حيث إنّ مدلول المادّة في (فاعل) وفي (تفاعل) حصص واُريد به العمليّة بتمامها، يعني العمل وعكس العمل، لكن الفرق ما بينهما في سنخ ملاحظة هذه العمليّة فإنّه في (فاعَلَ) لوحظت العمليّة ذات رأس وذيل تبدأ من هنا وتنتهي إلى هناك. ولوحظ ضرب الثاني بما هو من تبعات وعكس العمل للضرب الأوّل. وأمّا في (تفاعل) فالعمليّة التي حصص بها مدلول المادّة لوحظت ذات رأسين ولوحظ الضربان جزئيين في عرضٍ واحدٍ لا بنحو الأصالة والتبعيّة، وهذا هو الذي يفسّر ما يقولونه من الأصالة والتبعيّة في الأوّل ومن العرضيّة في الثاني.
ومن هنا كانت العمليّة في (تفاعل) لائقة بفاعلين في عرضٍ واحدٍ، لأنّها ذات رأسين عرضيين. وأمّا في (فاعل) فهي لائقة بفاعلٍ واحدٍ؛ لأنّ جزئها الثاني لوحظ بما هو عكس العمل للجزء الأوّل فتنسب إلى فاعلٍ واحدٍ.
وهذا الذي قلناه في اعتراضنا على الشيخ الأصفهاني هو أولى أيضاً مما قيل:
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إنّ (فاعل) تنحلّ إلى دالّين لا أكثر، أحدهما المادّة الموضوعة للحدث والآخر هيئة (فاعل)، وهي موضوعة لنسبة المجرّد المقيّدة بالتشريك، سواء قلنا: إنّ معنى التشريك كونه (مشارِكاً) بالكسر أو كونه (مشارَكاً) بالفتح؛ وإن كان ظاهر كلام جملة من محققي علم الصرف هو أنّه مأخوذ بما هو (مشارِك).
ولهذا اشكلنا عليه بأن هذا يقتضي أصالة الآخر في الفاعليّة بحسب أفق الصورة الذهنيّة.
ولكن -على أيّ حال- سواء أخذناه بما هو (مشارِك) أو (مشارَك)، يكون ما فرضناه أولى من ذلك، لأننا إذا فرضنا: أنّ المادّة هي المادّة لم تتغير والنسبة هي النسبة لم تتغير، غاية الأمر أنّها قُيدت بأن تكون توأماً مع غيرها فحينئذٍ هذه النسبة المقيّدة لا يقع الشخص الآخر طرفاً لها، كما في قولنا: (جاذب زيد عمراً الثوب)؛ إذ يكون معناه -بناءً عليه-: نسبة الجذب المقيّدة بجذب شخص آخر مع أنّ عمراً ليس طرفاً لهذا الجذب، بل هو الثوب المجذوب؛ فلا يفسّر لنا هذا المطلب أنّه كيف صار عمرو مفعولاً له؟ فإنّ النسبة لم تتغير، غايته أصبحت مقيدة، والنسبة المقيّدة هي النسبة، فكيف صار لها طرف جديد لم يكن لها قبل تقييدها؟
بخلاف ما إذا قلنا: إنّه حصل تغيير في مدلول المادّة، فإنّه حينئذٍ الطرف الآخر حصل باعتبار كون هذه العمليّة تنتهي إلى الآخر وتكون مرتبطة به.
وكذلك ما قلناه هو أحسن من أن يقال: إنّ هيئة (فاعل) موضوعة للنسبة التي فيها نحو من الامتداد والطول والتجاوز؛ لأنّنا بيّننا سابقاً أنّ التجاوز
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بمفهومه الاسمي لا يمكن أن يكون موضوعاً له الحرف، وأمّا واقع مناشئ انتزاع عنوان التجاوز فهي نسب متعددة ومتباينة لا نسبة واحدة، فإنّ ما ينتزع منه عنوان الامتداد والتجاوز في (سافر)، غير ما ينتزع عنه هذا في (ضارب)؛ فلا يمكن أن يفرض أنّ هذا معنى جامع يليق بالحرف.
فما ذكرناه هو أحسن هذه الوجوه، وعليه فالأصل في باب (فاعل) هو أن يكون فعل الاثنين بهذا المعنى.
تطبيق البحث على محلّ الكلام وهو (الضرار)
بعد هذا نأتي إلى التطبيق في محلّ الكلام ففي كلمة: (الضرار) الواردة في الحديث النبوي الشريف، هل اُريد منه ما هو الأصل في باب المفاعلة، أي: فعل الاثنين؟
لا ينبغي أن يكون هذا هو المراد من كلمة (الضرار) في الحديث؛ لأنّه في مورد الرواية لم يفرض ضرر صادر من الأنصاري بالنسبة إلى سمرة بن جندب، حتّى يفرض أنّ العمليّة ذات جزأين وينسبان بمجموعهما إلى سمرة ويكون من باب فعل الاثنين.
وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب افتراضه: أن يكون المطلب قد لوحظ فيه زعم سمرة وادعاؤه؛ حيث إنّه كان يرى أنّ له حقاً في أن يدخل إلى نخلته متى ما شاء ويرى أنّ ممانعة الأنصاري له نحو ظلم له وضرر عليه؛ ولهذا اعترض على رسول الله، وقال: “استأذن للدخول على نخلتي”، فكأنه كان يدعي أنّ الأنصاري أوقع ضرراً عليه؛ فيكون الضرار صادقاً بلحاظ دعوى سمرة لا
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
بلحاظ الواقع، وبعد ضمّ الدعوى إلى الواقع ينتج فعل الاثنين، دعواه أنّ الأنصاري مضرّ بحاله وواقع بأنّه هو مضرّ بحال الأنصاري؛ فيصدق الضرار.
إلّا أنّ هذا التصوير لو نفع، فإنّما ينفع في توجيه كلمة (مضارّ) التي جاءت في بعض طرق الرواية؛ فإنّه يمكن أنّ هذا أطلق عليه ولو من باب التلفيق ما بين الدعوى والواقع؛ ولكنه لا يمكن أن يقال بلحاظ قانون (لا ضرر ولا ضرار)، وأن يكون تطبيق هذه الكبرى عليه بلحاظ دعواه، فهذا لا معنى له، فإن تطبيق كبرى على مورد لا بدّ أن يكون بلحاظ نظر النبي لا بلحاظ نظر هذا الشخص. إذن، فلا يحتمل أن يراد من الضرار فعل الاثنين.
نعم، في النصوص التي لم ترد فيها هذه الصغرى، يعني: “إنّك رجل مضارّ“، وجاء ابتداء: “لا ضرر ولا ضرار” لعلّ كلمة (الضرار) اُريد منها فعل الاثنين، ولم يكن سمرة مصداقاً لها؛ لأنّه من فعل الواحد لا من فعل الاثنين، ويكون مصداقاً للكلمة الأولى دون الثانية.
وهذا ممكن ولا يبقى فيه إشكال من ناحية التطبيق. إلّا أنّه مع هذا فهو متعين العدم مع هذه القرينة، كما سوف يأتي خلال الاحتمالات الأخرى، يعني: هذا الاحتمال منفي بالقرائن التي تنفي بها الاحتمالات الأخرى.
وحينئذٍ بعد غض النظر عمّا هو الأصل في باب المفاعلة وهو فعل الاثنين، حينئذٍ الأمر يدور ما بين احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأوّل: أنّ يكون ألف فاعل قد وضع بوضع هيئتي مخصوص لتحصيص مدلول المادّة، لا لكونها فعل الاثنين، بل لتحصيص مدلول بنحو
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
آخر بحيث يجعله مشابهاً لفعل الاثنين، كالشدّة والتأكد، فيفهم من الضرار هنا شدّة الضرر أو الضرر العمدي والمتقصّد ونحوها من التحصيصات التي تجعله قريباً من فعل الاثنين لما فيه من الامتداد والتوسع، فإنّ التوسع في مدلول المادّة تارةً يكون بضمّ عمل إلى عملٍ، واُخرى بتوسيع نفس هذا العمل أو تعميقه كمّاً أو كيفاً.
الاحتمال الثاني: أن يكون ألف (ضارب) ليس ألفاً زائداً؛ بل يكون جزءاً أصلياً من الكلمة، وتكون الكلمة موضوعة بتمامها، لذلك المعنى الذي كنّا نقول في الاحتمال الأوّل أنّه يحصل بتعدّد الدالّ، لكنّه يحصل هنا ابتداء، وأن ضارّ ابتداءً موضوعة للضرر الشديد أو المتعمد، كما نقول ذلك في (جاور) و(سافر)، وكلّ فاعلٍ التي لا تكون مشتقة من مجرّدها، وهذا هو الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة التي ذكرناها في أوّل البحث، فأيضاً يتردد الأمر بين أن يكون قد طعّم بمعنى الشدّة والتأكد أو بمعنى التقصد والتعمد.
الاحتمال الثالث: هو أن يكون (الضرار) مصدراً ثانياً لـ(ضرّ)، يعني: الضرّ والضرار كلاهما مصدر للفعل الثلاثي كالكتب والكتاب لـ(كتب)، أو الضرّ والضرار لِـ(ضرَّ).
وهذا الاحتمال في نفسه صحيح ومعقول، وبناءً عليه أيضاً حينما يكون عندنا مصدران، فالمصدر الثاني الذي يكون أكثر حروفاً يؤخذ فيه نحو من التعمّق والتأكد. فإنّ الضرّ غير الضرار والكتب غير الكتاب، فإنّه يؤخذ فيه نحو من الرسوخ؛ فالضرار أيضاً يؤخذ فيه نحو من الرسوخ.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وهذا الرسوخ -بحسب مناسبات الحكم والموضوع- يراد به التأكد أو التعمّد أو التقّصد واتّخاذه حرفة ونحو ذلك من الأمور، فأيضاً يرجع إلى تلك المحتملات السابقة.
وإن كان هذا الاحتمال الثالث منفياً بلحاظ قوله: “إنّك رجل مضارّ” بناءً على العمل بهذه الصيغة؛ فإنّه عبّر باسم الفاعل لباب المفاعلة ثُمّ طبّق عليه الضرار، فلا بدّ أن يكون نظره إلى باب المفاعلة، لا أن يكون نظره إليه بما هو مصدر ثانٍ للمجرّد؛ لأنّ المصدر الثاني له لا يكون له باب الفاعل.
إلّا أنّ هذه الصيغة غير واردةٍ في الرواية المعتبرة، ولهذا تبقى هذه الاحتمالات الثلاثة في نفسها واردة.
وتنتهي هذه الاحتمالات الثلاثة إلى محصّلٍ واحدٍ، ويكون الأمر دائراً في (الضرار) بين أن يراد به الضرر الشديد أو الضرر العمدي أو الضرر من الاثنين -بناءً على الاحتمال الذي احتفظنا به في أوّل الكلام- هو إرادة باب المفاعلة.
فبعد رفع اليد عن أن يكون المراد من الضرر في المقام المصدر غير المطعّم، بأي معنى زائد على كلمة (الضرر) -كما قد يدعى- بأنّ الضرار بمعنى الضرر، كما في المنجد(1) وغيره من كتب اللغة(2)، فإنّ هذا خلاف الظاهر، فإنّ التأكيد والتكرار المحض، يعني: تكرار اللفظ بنحو محض وإرادة المعنى الأوّل خصوصاً مع تكرار أداة النفي (لا ضرر ولا ضرار)، ولم يقل: (لا ضرر وضرار).
ــــــــــ[165]ــــــــــ
() راجع: النجد في اللغة: مادة ضرر.
(2) لاحظ: النهاية لابن الاثير 3: 81 (مادة ضرر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إذن، فيدور الأمر ما بين هذه الاحتمالات الساقطة، إلّا أن يكون المراد هو الضرر المتقصد والمتعمد.
والوجه في هذا تفصيلاً سوف يظهر في الابحاث الآتية، لكن نقول على وجه الإجمال: إنّ الظهور السياقي في “لا ضرر ولا ضرار” الذي انعقد ببركة تأخير كلمة (ضرار) عن كلمة (الضرر) يقتضي أن يكون نفي الكلمة الثانية معطياً لمعنى زائد على نفي الكلمة الأولى، وأن لا يكون نفي الثانية حصّة من نفي الكلمة الأولى.
وبهذا ينتفي أن يكون المراد من الضرار الضرر الشديد، إذ لا معنى بناءً على هذا الضرر السياقي أن يقال: لا ضرر ولا ضرر شديد؛ فإنّه ينفي أصل الضرر فينفي الضرر الشديد، وكذلك لا ضرر ولا ضرر من قبل اثنين أيضاً هكذا؛ لأنّه يدخل في الأوّل.
فلا بدّ بمقتضى هذا الظهور السياقي أن يراد من الضرار المنفي في الكلمة الثانية معنى يفيد شيئاً جديداً لم يكن يتكفله نفي الضرر، وهذا ينحصر في دائرة المعاني العرفيّة المتعارفة لكلمة الضرار، في تقصّد الضرر وتعمده وإعمال العناية فيه.
وتوضيح هذا كما قلتُ موكول إلى الأبحاث الآتية، لكن نقول على نحو الإجمال: إنّ نفي الضرر عبارة عن نفي الحكم الذي يؤدي إلى الضرر، يعني: نفي وقوع ضرر ينشأ من الأحكام الإسلاميّة -ببيان يأتي- و(لا ضرر ولا ضرار) يريد أن يقول: لا يستغل حكم شرعي، يعني: لا يوقع الإنسان ضرراً استغلالاً وتمسّكاً بالحكم الشرعي.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ومثاله: أنّ وجوب الوضوء مع كونه ضررياً، فهنا ينفع (لا ضرر)، يعني: أنّ الضرر هنا ينشأ من الحكم الشرعي، لكن إذا فرضنا أن هناك حكماً شرعياً، كـ: “الناس مسلطون على أموالهم“؛ فهذا الحكم لا ينشأ من ضرر، لكن الإنسان يريد أن يستغل هذا الحكم ويضرّ به أخاه، كما لو كان شريكاً مع شخصٍ آخر في جوهرة من الأموال التي لا تقبل القسمة، يقول له ذلك: (فلنبعه ونتقاسم الثمن)، وهو يصرّ على التقاسم ويقول له: (هذا نصفه لي وأنا لا أرضي أن تتصرّف فيه بأي نحو كان، فإنّه مالي و”الناس مسلطون على أموالهم”).
فهنا قانون السلطنة بنفسها ليست موجبة للضرر على حدّ وجوب الوضوء على المريض، وإنّما هو أراد أن يستغل هذا الحكم ويوقع الضرر بحجة أنّه سلطان على ماله، ومن هنا استدل الفقهاء عموماً على القسمة الإجباريّة بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، مع أنّه لا دليل على القسمة الإجباريّة لولا هذه القاعدة ولولا الإجماع، وكأن الفقهاء بارتكازهم فهموا ذلك، وهنا (لا ضرر) وحدها لا تكفي، يعني نقول: الضرر الذي ينشأ من الحكم غير موجودٍ فهذا الضرر غير ناشئ من قاعدة السلطنة، بل من التعاند والتعاسر الخارجي، فحينئذٍ يُنفى بهذا.
وهذا المعنى له تطبيق في نفس كلمات الائمة فإنّه في صحيح الغنوي الذي نقله صاحب (الوسائل) في كتاب البيع في بيع الحيوان(1) “عن هارون بن حمزة الغنوي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ فِي رَجُلٍ شَهِدَ بَعِيراً مَرِيضاً وهُوَ يُبَاعُ
ــــــــــ[167]ــــــــــ
() ص655 ج2. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وأَشْرَكَ فِيهِ رَجُلًا بِدِرْهَمَيْنِ بِالرَّأْسِ والجِلْدِ فَقُضِيَ أَنَّ البَعِيرَ بَرَأَ فَبَلَغَ ثمانية دَنَانِيرَ، قَالَ: فَقَالَ: لِصَاحِبِ الدِّرْهَمَيْنِ خُمُسُ مَا بَلَغَ فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ الرَّأْسَ والجِلْدَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ هَذَا الضِّرَارُ وقَدْ أُعْطِيَ حَقَّهُ إِذَا أُعْطِيَ الخُمُسَ“(1).
وأضاف سيدنا الأستاذ بعد نقل الحديث بالمعنى: وأنّ من حقّ ذاك الشخص عليه أن يقنعه ويجبره على أخذ دينارين في مقابل الدرهمين.
وقوله: (هذا الضرار) لعلّه أيضاً إشارة إلى شخص هذا الحديث الشريف، فإنّه على أيّ حال إشارة إلى كبرى معروفة مركوزة، وهو كبرى نفي الضرار، ولعل هذه الكبرى عبارة عن نفس الكبرى المأخوذة من هذا الحديث النبوي الشريف. إذن فهذا تطبيق لهذا المعنى ورد على يد الامام.
ومن أمثلته أيضاً: الموافقة مع فتاوى الفقهاء في مسألة الزوجيّة، فيما إذا قال الزوج: (أنا لا أطلّق ولا أنفق على زوجتي)، فالزوجيّة هنا بحدّ نفسها غير مؤديّةٍ إلى الضرر على حدّ أداء وجوب الوضوء، لأنٌ الضرر نشأ من عناد هذا الشخص، فإنّه أراد بقانون الزوجيّة إيقاع الضرر على زوجته.
فهنا أيضاً كثير من الفقهاء يستدلون بـ(لا ضرر ولا ضرار) على جواز إرجاع أمرها إلى الحاكم ومباشرته للطلاق، مع عدم إمكان إجبار الزوج على الطلاق.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
(1) تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 18: 275، الباب:22، من أبواب بيع الحيوان، الحديث: 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وسوف تأتي تطبيقات هذا المطلب وإشكالاتها وتحقيقاتها ودفع الشبهات عنها في المقامات الآتية. هذا تمام الكلام في المقام الثالث(1).
وتبيّن مما تقدم أنّ الضرر عبارة عن النقص بكلا فرديه المادّي والمعنوي، أي: النقص في النفس والمال والكرامة.
والضرار سواء كان مصدراً ابتدائياً(2) أو مصدراً ثانياً للحدث أو مزيداً حسب قانون باب المفاعل لا بدّ وأن يكون قد طُعّمَ بمعنى زائد على أصل الضرر، وهو -بحسب المناسبات العرفيّة- إمّا عبارة عن تأكد الضرر وإطاليته وشدّته واستمراره ونحو ذلك من الأمور التي توجب المبالغة في الوجه الخارجي للضرر، أو التعمد على الضرر والاصرار عليه والتفنن في كيفيّة استحداثه الذي يكون نحو مبالغة في الوجه الداخلي الذاتي للضرر، وكلاهما استعمال عرفي لهذه الكلمة صحيح بحسب مواردها.
وفي خصوص الحديث المبارك قلنا: إنّ المتعيّن هو اختيار الشقّ الثاني، وهو أن يكون الشيء المطُعّم به في الضرار هو القصد والتعمد؛ فهذا الضرار عبارة
ــــــــــ[169]ــــــــــ
() وأما المقام الرابع في فقه الحديث بعد شرح المفردات ويأتي بعد عيد الفطر في شهر شوال إن شاء الله تعالى. (المقرِّر).
(2) لخص في هذه المحاضرة النتائج التي توصل إليها في المقام الثالث من الكلام حول قاعدة لا ضرر، وأضاف فيها بعض الأمور فكان أن قال: تلخص مما شرحناه أن الضرر عبارة عن النقص بكلا فرديه المادي والمعنوي، أي النقص في النفس والمال والكرامة. والضرار سواء كان مصدراً ابتدائياً… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
عن الضرر المتعمد المتصيد وليس المراد به نتيجته الخارجيّة من شدّة واستمرار.
قد يقال: إن الضرر والضرار مختلفان ذاتاً…
وقد يقال في المقام: إنّ الضرر والضرار مفترقان ذاتاً، بمعنى: أنّ كلاً منهما له معنى غير المعنى الذي يدلّ عليه الآخر، لا أنّ معنى الضرار هو معنى الضرر مطعماً بنكتة زائدة وهي المبالغة، وذلك: أنّ الضرر عبارة عن النقص في المال والنفس، وأمّا الضرار فهو عبارةٌ عن سوء الحال والضيق والبؤس ولو لم يكن هناك نقص بحسب الخارج، فيكون أحدهما غير الآخر.
ويستشهد لهذه الفرضيّة بموارد استعمال كلمة الضرار في القرآن وغيره، حيث إنّها استعملت في القرآن دائماً في مورد ضيق الحال وشدّته دون أن يكون هناك نقص في النفس أو المال.
فمثلاً: اتخاذ المساجد ضراراً والتفريق بين المؤمنين(1)، ووَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا(2)، يشهد بأنّه لم يكن هناك نقص في النفس أو في المال وإنّما كان هناك ضيق الحال ونحو ذلك من موارد استعماله، فليس فيه نقص في النفس أو المال وإنّما فيه ضيق الحال والشدّة، فمنه يعرف أنّ الضرار يراد منه معنى غير معنى الضرر(3).
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() إشارة إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ…. التوبة: 107.
(2) البقرة: 231.
(3) وهنا سأل سائل عن معنى شدّة الحال في الآية الأولى.
فأجاب: يعني شدّة الحال في المسلمين، لأنهم يقعون في تشويش وارتباك، لأن المنافقين كانوا يستهدفون من هذا المسجد إيجاد البلبلة على المسلمين في عقائدهم وأفكارهم، من حيث إنّ هذا مسجد وذاك مسجد، ويقال هنا أشياء مخالفة لما يقال هناك، ولهذا يقول: وتفريقاً بين المؤمنين. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مناقشته
هذا الكلام غير صحيحٍ، وذلك لما بيّناه فيما سبق من أنّ الضرر وإن اُريد به لغة النقص، ولكن ما يضاف إليه النقص تارةً يكون جهة ماديّة كالنفس والمال ونحوه، واُخرى جهة معنويّة، وقلنا: إنّ الضرر يطلق في موارد سوء الحال والضيق، كما لو منع أحد أهل المدينة من الخروج منها أو منع شخصاً آخر من أن يحصل طريقاً لمعيشته مثل هذا يقال: إنّه ضررٌ عظيمٌ، وهذا الاستعمال عرفي، وليس هذا معناه أنّ الضرر بمعنى شدّة الحال أو البؤس، بل هو بحسب الدقّة أيضاً يرجع إلى النقص، غاية الأمر أنّه نقصٌ ثابتٌ بحسب الارتكاز العقلائي أو القانوني؛ لأن كلّ فردٍ له حقّ في مرتبةٍ من الاستقرار والطمأنينة والسعة، فلو سلبها شخص منه يقال: إنّه أوقع عليه ضرر عظيم من هذه الناحية؛ لأنّه سلب منه حقّه، عيناً كالحقّ المالي؛ فموارد سوء الحال والضيق كلّها داخلةٌ في مفهوم الضرر بحسب الفهم العرفي، ولا يكون هذا معنى آخر في مقابل الضرر.
وقد استعمل الضرر في القرآن في جملة من الموارد التي نظنّ ظناً عرفياً استعماله في مثل هذه المعاني، فمثلاً الآيات التي تسلّي رسول الله كقوله تعالى: لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّـهَ شَيْئًا(1). أي شي تنفي؟
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) آل عمران:176.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وأي شيء يخطر في البال -ولو تصوراً- من الضرر بالنسبة إلى الله تعالى فيما إذا أصرَّ هؤلاء على عنادهم؟ أليس الذي يخطر على البال أنه يحصل بالنسبة إلى الله -ولو تصوّراً- ما يحصل للداعية المؤمن إذا وجد الناس مصرّين على عنادهم وتكذيبهم من ضيق الحال والشدّة؛ فيقول: إنّهم لن يضرّوا الله شيئاً، ولن يؤدّي ذلك إلى الضيق بالنسبة إليه تعالى.
وفي بعض الآيات: لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى(1)، فهو ينفي إضرار المشركين للمسلمين إلّا أذى، وفسّر الأذى بالمشاغبة، يعني: لن يوقعوكم في نقص حقيقي، بل غاية ما تقعون فيه هو الأذى يعني: الحرج والتألّم والضيق والشدّة، فإن تمّ الاستشهاد بمثل هذه الآيات فهو، وإن لم يتمّ واحتمل في كلّ موردٍ احتمال في مقابله، فحينئذٍ يقال: بأنّ الفهم العرفي بنفسه كافٍ. هذا في الضرر.
وأمّا كلمة (الضرار) فقد استعملت في كثير من الموارد في موارد لا يكون فيها نقص في المال وفي النفس؛ وإنّما هناك ضيق الحال، لكن هذا لا يدلّ على أنّ كلمة الضرار موضوعة لعنوان شدّة الحال وضيقه؛ فإنّه بعد أن عرفنا أنّ ضيق الحال من افراد الضرر، وأنّه يرجع إلى النقص، فلعلّ الضرار أيضاً يكون مستعملاً في المقام بهذا اللحاظ، كما يساعد عليه الفهم العرفي بقطع النظر عن هذه الأمثلة، وليس تمام موارد استعمالها في القرآن هي من الموارد التي لا يوجد بأزائه نقص وإن كان جملة من الموارد هكذا، لكن في بعض الموارد يوجد بأزائه نقص، كما هو الحال في الضرار المستعمل في الوصيّة: مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) آل عمران: 111.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أو دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّـهِ(1) فإنّه يوجد هناك نقص مالي باعتبار أنّ الضرار في الوصية على ما فسّر به في الرواية هو عبارةٌ عن أنّ هذا الموصي، يوصي بدين مكذوب بقصد أن يحرم الوارث من الإرث، وقد عدّ الضرار في الوصية من الكبائر على هذا الأساس؛ لأنّه سرقةٌ، فهنا يوجد النقص ولعلّ استعمال كلمة الضرار كان بلحاظه، ويكون القدر المشترك بينه وبين غيره من الموارد هو النقص في المال أو في أمر معنوي.
وأمّا ما يتراءى من أنّ الضرار دائماً مقرونة مع شيء من الضيق والحرج؛ فلعلّه من جهة كون هذا من لوازم المعنى غالباً لا أنّه هو المعنى المدلول عليه، حيث إنّ الضرار يطّعم غالباً بالشدّة والمبالغة واطالة الضرر ونحوه، فيكون الشدّة والضيق من لوازمه، لا أنّه يكون معنى ابتدائياً للكلمة. هذا استدراك لبحث المقام الثالث.
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) النساء: 12.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
المقام الرابع في بيان مفاد الجملة التركيبية لقاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، ويقع البحث هنا على مستويين:
المستوى الأوّل: تصنيف المذاهب الفقهيّة في تفسير هذه الجملة المباركة.
المستوى الثاني: تعداد الوجوه المتصورة بحسب إمكانات اللغة العربيّة لتفسير وفهم هذه الجملة.
والفرق بين المستويين:
أنّه في المستوى الأوّل: يتكلّم عن المذاهب الفقهيّة الرئيسيّة في المعنى الفقهي المستفاد من جملة لا ضرر، وقد يكون المعنى الفقهي الواحد مما يمكن تخريجه على وجوه عديدة بلحاظ المستوى الثاني.
أمّا على المستوى الثاني: فنتكلّم في وجوه تفسير اللفظ، وقد تكون عدة وجوه تنتج مذهباً فقهياً واحداً، ويتميز كلّ واحدٍ منها عن الآخر بخصوصيّة لغويّة أو عرفيّة في مقام استفادة المعنى من اللفظ، ثُمّ يجب تخريج تلك المذاهب التي تستعرض على المستوى الأوّل على الوجوه التي تستعرض على المستوى الثاني.
أمّا على المستوى الأوّل فالذي يستخلص من الأقوال الموجودة في المسألة مذاهب فقهيّة ثلاثة تعتبر هي الاتّجاهات الرئيسيّة في تفسير هذه الجملة:
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الاتّجاه الأوّل هو اتّجاه للشيخ الاعظم ومشهور المحقّقين المتأخّرين عنه. وحاصله: أنّ هذه الجملة تعطي هذا المعنى الفقهي، وهو أنّها تنفي الحكم الضرري، بمعنى: أنّه ليس في الشريعة حكم مجعول ضرري. على خلاف فيما بين هؤلاء المحقّقين في حدود هذا المعنى، فإنّ هناك خلافاً معروفاً بين (الرسائل) (1) و(الكفاية) (2) في حدود هذا المعنى.
فإنّه لعلّ الظاهر من عبارة (الرسائل) هو أنّ لا ضرر ينفي الحكم الضرري.
بمعنى: أنّه ينفي كلّ حكمٍ ينشئ منه الضرر سواء كان الضرر ناشئاً من نفس جعل الحكم ابتداءً، كما هو الحال في جعل الحكم بصحّة المعاملة الغبنيّة، فإنّ جعله -على كلام يأتي- بنفسه ينشأ منه الضرر، فإنّ جعل صحتها قانوناً تنقيص لماليّة مال هذا المغبون، فيكون ضرراً عليه.
وأمّا أن يفرض أنّ الضرر ينشأ من الحكم بلحاظ ما يستدعيه من الحركة على طبقه، من قبيل وجوب الوضوء لمن يضره الوضوء فإنّ هذا الوجوب ينشأ منه الضرر لا بذاته؛ بل بما يستتبعه من الحركة على طبقه.
وهنا أيضاً لا فرق بين أن يكون الضرر في نفس المتعلّق والموضوع أو أن يكون الضرر ناتجاً من الحركة على طبقه وإن لم يكن في نفسه، بل كان في مقدّماته
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) راجع: فرائد الأصول 2، 534.
(2) يُنظر: كفاية الأصول: 382.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فإنّه تارةً يفرض الضرر في نفس الوضوء واُخرى بفرض أنّ بعض مقدّماته ضرريّة، وفي كلّ منهما يصدق على الحكم الشرعي الوجوب، فإنّه حكم ينشأ منه الضرر؛ فيرتفع بلا ضررٍ.
وأمّا صاحب (الكفاية) ومن جرى على طبق (الكفاية)، فإنّه يضيِّق هذا المعنى بمقدارٍ ما، فيقول: بأنّ مفاد هذه القاعدة ليس هو نفي كلّ حكم ينشأ منه الضرر، بحيث يشمل ما إذا كانت مقدّمات الوضوء ضرريّة، بل مفاد القاعدة نفي الحكم للموضوع الضرري.
إذن إذا كان الوضوء ضررياً بنفسه فلا يُجعل له حكم، أمّا إذا لم يكن الوضوء ضررياً، ولكن مقدّماته ضررية، فهنا لا يمكن رفع وجوب الوضوء، بدعوى أنّه حكم ينشأ منه الضرر، فإنّه وإن كان كذلك إلّا أنّه ليس حكماً لموضوع ضرري، فإنّه حكم للوضوء وهو ليس ضرورياً على الفرض.
فهذا بحسب الحقيقة تضييق لدائرة فهم الشيخ الأنصاري. وقد رتّب الآخوند على هذا ثمرات عديدة، سوف يأتي التعرض لها في بعض تنبيهات المسألة إن شاء الله تعالى.
وعلى أيّ حال فكلا مطلبي (الرسائل) و(الكفاية) يعبران عن معنى واحد مشترك، هو أنّ معنى هذه الجملة هو نفي الحكم الضرري. فتعبير (الرسائل) أن الحكم الذي ينشأ منه الضرر غير مجعول، وتعبير (الكفاية) أنّ الموضوع الضرري لم يجعل له حكم، والثاني أضيق من الأوّل. هذا هو المذهب الفقهي الأوّل بكلا جناحيه.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
المذهب الثاني في تفسير القاعدة: وهو ما ينسب إلى الفاضل التوني(1) وإلى جملة أخرى من المحقّقين(2)، وهو أن يكون مفاد جملة لا ضرر هو وجوب تدارك الضرر.
بمعنى: أنّ الضرر قد يقع بحسب الخارج بلا اشكالٍ على المكلّف، كأن يتلف شخصاً على المكلّف مالاً، وهذا الضرر لم ينشأ من حكم شرعي فيقال: إنّه مرفوع. هذا الضرر نثبت بالقاعدة وجوب تداركه على المتلف، الذي مرجعه إلى الضمان -مثلاً- أو وجوب دفع المثل أو القيمة عنه.
وهذا المطلب أيضاً له جناحان:
فإنّه تارةً: يفرض بأنّ معنى قاعدة لا ضرر هو عبارةٌ عن وجوب التدارك فقط، وأنّ لا ضرر معناه: يجب تدارك الضرر الواقع بعد فرض وقوعه.
واُخرى: يفرض أنّ القاعدة تنفي وقوع ضرر لا يتدارك، بحيث إنّها تثبت الجامع بين أن لا يكون هناك حكم ضرري أو يكون هناك ضرر لكنّه متدارك.
فإنّها تقول: بأنّ الضرر غير المتدارك غير واقع، ونفي المقيّد تارةً يكون بانتفاء ذات المقيّد واُخرى بانتفاء قيده؛ فيكون الثابت بالقاعدة معنى ملائماً تارةً مع وجوب التدارك. وذلك في باب الاتلاف، وملائماً أخرى مع نفي أصل الوجوب، كما في وجوب الوضوء الضرري.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) يلاحظ: الوافية: 79.
(2) يُنظر: غاية المأمول 2: 507.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
المذهب الثالث: هو الذي ذهب إليه أيضاً جملة من المتقدمين والمتأخرين. ومن المتقدمين النراقي(1) ومن المتأخرين شيخ الشريعة(2).
وحاصله: استفادة حرمة الضرر من هذه القاعدة. وهذا أيضاً يتراءى من كلمات بعض شرّاح الحديث من علماء اللغة الذين فسروا الحديث، كابن الاثير(3) وغيره(4)، فإنهم يعبّرون بلا ضرر، يعني: أنّ لا يضر المرء أخاه.
وهذا أيضاً له جناحان:
فتارةً: يفرض أنّ المستفاد الحرمة التكليفيّة للضرر والنهي التكليفي.
واُخرى: يستفاد منه النهي تكليفاً ووضعاً عن الضرر.
فحرمة الضرر التكليفي يقتضي حرمة الضرر وعدم الجواز الوضعي يقتضي بطلان المعاملة الضرريّة مثلاً كالمعاملة الغبنيّة. فهذه هي رؤوس المذاهب الفقهيّة على المستوى الأوّل.
وإمّا على المستوى الثاني، يعني: مستوى تعداد الوجوه المتصوّرة في فهم معنى هذا اللفظ، حتّى يرى ما يمكن تخريجه على المذهب الأوّل أو المذهب
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() لاحظ: عوائد الأيام: 15.
(2) راجع: قاعدة لا ضرر: 19.
(3) يُنظر: النهاية في غريب الحديث 3: 81.
(4) يُراجع: لسان العرب 6: 153-158.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الفقهي الثاني أو المذهب الثالث، وحتّى نعرف بعد التمحيص أن أي هذه المذاهب الثلاثة هو الأقرب إلى ظهور اللفظ
وعلى هذا المستوى نحن نبدأ بكلٍ من المذاهب الثلاثة ونرى الوجوه التي تخرّجه وتكون في صالحه.
ونبدأ بالمذهب الفقهي الثالث، وهو المذهب القائل: أنّ قاعدة (لا ضرر) يستفاد منها الحرمة.
ويجب أن يعرف قبل كلّ شيءٍ أنّ جميع هذه المذاهب متفقة على أنّ هذه الجملة لا ينبغي أن تفهم كما تفهم جملة مماثلة لها في الظروف العاديّة فهماً عرفياً، فإنّ شخصاً في ظروف عاديّة بعيدة عن مجال التشريع لو قال: (لا رجل في الدار)، فيفهم منه الإخبار عن نفي وجود الرجل في الدار خارجاً وحقيقة، فإنّ هذا هو المتفاهم عرفاً بعد ضمّ ظهورات متعدّدة بعضها إلى بعض، وكلّها ظهورات تحليليّة عرفيّة.
فهذا المطلب لا ينبغي أن يكون هو المراد من مثل هذه الجملة، فلم يكن رسول الله في مقام الإخبار عن عدم الضرر(1) خارجاً؛ فإنّ وضوح عدم مطابقة هذا المطلب للواقع، وبداهة وقوع الضرر في الخارج، لا يشكل فقط قرينة عقليّة على رفع اليد عن مثل هذا الظهور، بل قرينة كالمتّصلة على أنّ النبي أيضاً ليس في مقام الاخبار عن ذلك، خصوصاً مع ظهور حاله في أنّه
ــــــــــ[179]ــــــــــ
() الذي هو النقص في النفس والبدن والمال (توضيح). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في مقام إعمال تشريع من التشريعات(1).
بعد أن اتّضح هذا يقال: الوجوه التي يمكن أن تخرج المذهب الفقهي الثالث، ونقطة الانطلاق في تقسيمها هو كلمة (لا) في (لا ضرر)، فإنّها إنّما تكون نافية أو ناهية، بمعنى: أنّها بحسب المدلول الاستعمالي، إمّا أن تكون مستعملة فيما وضعت له وهو النفي، أو في غير ما وضعت له وهو النهي، أي: النسبة الزجريّة التي وضعت لها (لا) الداخلة على الفعل المضارع كـ: (لا تفعل). وهنا دخلت على الاسم (لا ضرر) فهي لم توضع للنسبة الزجريّة، لكن بحسب الإمكان يمكن أن نفترض استعمالها فيها مجازاً.
فإذا(2) فرض أنّ (لا) مستعملة في الزجر بما هو نسبة. إذن، فهذا الوجه لا إشكال أنّه يكون في صالح المذهب الفقهي الثالث، فإنّها حينئذٍ تكون صيغة
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() وهنا قال في جملة جواب على سؤال: لو أردنا نفسّر قولنا (لا ضرر في الدار) بنحو قولنا: (ر رجل في الدار)، يعني إخبار عن عدم وقوع النقص في النفس والمال خارجاً. وهذا معلوم التخلف واقعاً، ويعلم أن النبي ليس في مقام القصة والإخبار عن وضع خارجي. ولعل هذا هو مراد الشيخ في (الرسائل) حينما قال: بعد تعذر الحقيقة. يعني أنه لا ينبغي أن نفهم من هذه العبارة ما نفهم من عبارة مماثلة في ظروف ساذجة لم تنعقد فيها قرينة خاصة من حيث طبع المتكلم، وطبيعة نفس الكلام، فلا بد حينئذٍ من إعمال عناية. وإنما الكلام في هذه العناية التي ينبغي إعمالها في المقام. وحسب تفاوت إعمال هذه العناية تتفاوت أنظار الفقهاء في هذه المذاهب الثلاثة. (المقرِّر).
(2) الوجه الأوّل: أنّها تفيد النهي.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
للنهي لكن بنحو من التجوّز، فيستفاد منها الحرمة على النحو الذي يستفاد من قوله: (لا تضرّ أخاك).
وأمّا(1) إذا اختير الطرف الآخر، وهو أن تكون (لا) مستعملة في النفي، فحينئذٍ يقع الكلام في أنّ هذا النفي الملحوظ بما هو نسبة، هل استعمل اللفظ في هذه النسبة بما هي نسبة خبريّة أو بما هي نسبة انشائيّة بحسب مرحلة الاستعمال؟ فإنّ النسبة في مرحلة الاستعمال والمدلول التصوري:
تارةً تلحظ بما هي إخباريّة، واُخرى تلحظ بما هي انشائيّة، يعني: أنّ النسبة اذ لوحظت بنحو بحيث تكون قابلة للفناء في مصداقها الخارجي والحكاية عنه بما هو مصداق مفروغ عنه فتكون حينئذٍ نسبة خبريّة. فالنسبة في قولنا: (زيد قائم) خبرية، لأنّها متصوّرة بما هي قابلة للفناء في مصداق مفروغ منه بحيث ممكن أن يُحكى بها عنه.
واُخرى يفرض أنّ النسبة تلحظ في عالم التصوّر واللحاظ بنحو لا تكون قابلة للفناء في مصداق مفروغ عنه بحيث يمكن أن يحكى بها عن ذلك المصداق، ولا تكون قابلة للفناء في ذلك المصداق، كقولنا: (اخرج). وتفصيل هذه النكات في باب الإخبار والإنشاء.
فالنسبة النفيية هنا التي تكون مدلولاً لكلمة (لا)، إمّا أن يفرض أنّها نسبةٌ ملحوظةٌ في عالم الاستعمال بما أنّها اخباريّة، يعني: بما هي فانيّةٌ في مصداق مفروغ عنه قابل للحكاية عنه بهذه النسبة، وإمّا بما هي إنشائيّة يعني بما هي
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) الوجه الثاني: أنّها تفيد النفي.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
موجدة بهذا الكلام؛ لا أنّها حاكيّةٌ عن مصداقٍ مفروغ عن وجوده قبل هذا الكلام.
والآن نأخذ كلّاً من هذين الشقّين:
الشقّ الأوّل: أن تكون إخباريّة في مرحلة المدلول التصوري وبحسب اللحاظ الاستعمالي، يعني: هذه النسبة مأخوذة فانيّة في مصداق مفروغ عنه؛ فحينما يقول: (لا ضرر)، يعني هذه النسبة النفيية في مصداق مفروغ عنه بقطع النظر عن هذا الكلام.
فهنا ننتقل إلى المدلول التصديقي، فإننا نعرف أنّ الجملة لها مدلولان تصوري وتصديقي، فتارةً يفرض أنّ المدلول التصديقي أيضاً يكون هو الإخبار بمشاهدة النسبة، كما في قولنا: (لا رجل في الدار). فإنّ النسبة فيه إخباريّة بحسب المدلول التصوري والتصديقي معاً، فاذا فرضنا أنّها كانت هكذا فالذي يكون في صالح المذهب الثالث على هذا التقدير هو أن نفترض أحد افتراضين:
الأوّل: أن نقدّر خبر (لا) هنا، بحيث يكون في صالح الحرمة، فنقول: (لا ضرر مستساغ ولا ضرر جائز). فإنّه ينتج أنّ الشارع أتى بجملّةٍ إخباريّة تصوراً وتصديقاً، وأخبر بها عن عدم وجود ضرر جائز، وهذه عبارةٌ أخرى عن حرمة الضرر.
الثاني: أنّه يقدّر الخبر موجود، بمعنى: لا ضرر موجود، ويكون المقصود منه الوجود في الإسلام والشريعة، لا الوجود الخارجي مبنياً على ما سوف
ــــــــــ[182]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
نشرحه من أنّ الأمور المستساغة في شريعة يكون لها نحو وجود في تلك الشريعة، مثلاً يقال: بأن الرهبانية موجودة في المسيحيّة، ولكنّها غير موجودةٍ في الإسلام؛ لأنّها مستساغة في المسيحيّة(1) دون الإسلام. فيكون المنفي هنا هو وجودها الاستساغي، فيرجع أيضاً بحسب الروح والجوهر إلى تقدير جائزة.
أحد هذين المطلبين لا بدّ للمذهب الثالث أن يرتكبه، لأجل أن يجعل الاحتمال في صالحه.
وأمّا إذا لم يرتكب أحد هذين الأمرين، بل فرض أنّ الجملة كانت إخباريّة بحسب مدلوليهما التصوري والتصديقي، وكانت إخباراً عن نفي وجود الضرر، ويكون المقصود من الوجود الوجود في الخارج مثلاً. فحينئذٍ لا يمكن أن يستفاد منه الحرمة بوجه من الوجوه، بل تكون حينئذٍ في صالح مذهب فقهي آخر.
[الوجه] الثالث(2): أن يفرض أنّ الجملة بحسب مدلولها الاستعمالي
ــــــــــ[183]ــــــــــ
() وجوباً أو استحباباً أو جوازاً. (المقرِّر).
(2) عدد أولاً الوجوه التي يتخرج عليها المسلك الثالث، فكان بعضها مكرراً لما ذكره أمس مفصلاً، فنذكر ذلك مختصراً:
الوجه الأول: أن تكون (لا) في (لا ضرر) ناهية، بحسب المدلول المطابقي الاستعمالي، وهذا معناه أنّ الجملة تكون إنشائيّة صرفة على حدّ إنشائيّة صيغة النهي في قولنا: (لا تضر)، وتكون الحرمة منشأة بهذا الإنشاء على نحو الحقيقة.
الوجه الثاني: بعد الاعتراف بأنّ (لا) هنا لم تستعمل في معنى النهي على حدّ (لا) الناهية، بل استعملت في النفي. ويقال: إنّها أُريد بها النفي الإخباري بلحاظ كلّ من المدلولين التصوري والتصديقي* معاً، فتكون إخباريّة صرفة أخبر بها عن ثبوت النسبة التي استعمل فيها اللفظ.
وحينئذٍ لا بدّ لأصحاب المذهب الثالث من أن يُعمِلوا بعض العنايات، كأن يُعمِلوا عناية في خبر (لا) بحيث يستفاد منه الحرمة فيجعلوا (لا ضرر جائز) أو (لا ضرر موجود في الشريعة)، فتكون الجملة إخباريّة صرفة قد أخبر بها عن الحرمة على وجه الحقيقة.
* وهو الحكاية عن الواقع (توضيح). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والتصوري قد استعملت في النسبة النفييّة بالنحو الخبري، إلّا أنّه لم يرد بها الإخبار عن هذه النسبة، بل اُريد بها الكشف عما هو ملزوم هذه النسبة وسببها على نحو الكناية. ألسنا قرأنا في بحث الجمل الخبريّة المستعملة في مقام الطلب؟ كقولنا: (يعيد) (ويغتسل) و(يتوضأ) أنّه من الممكن أن يقال: إنّ هذه مستعملة في النسبة الخبريّة، لكن لم يرد بإظهار هذا الإخبار أن يخبر المتكلّم عن وقوع هذه النسبة خارجاً، بل أراد الكشف عن ملزوم هذه النسبة، أي: سببها وهو تكليف المولى، إذ المفروض أنّ تكليف المولى وإرادته باعتبار قاهريتها هي كالسبب التامّ بالنسبة إلى العبد المنقاد؛ فالكشف عن الإرادة بلسان الجملة الخبريّة عمّا هو معلول هذه الإرادة يكون كشفاً كنائياً صحيحاً بحسب النظر العرفي.
وكما يصح هذا في باب الجملة الخبريّة المثبتة، كذلك يصح في باب الجملة الخبريّة النافيّة، بأن تكون هذه الجملة بحسب مدلولها الاستعمالي خبريّة، ولكنّها لم يرد بها الإخبار عن نفس هذه النسبة، بل اُريد بها الكشف عن ملزومها وهو الحرمة، حيث إنّ الحرمة(1) سبب لانتفاء الحرام في عالم المنقادين
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) فيجعل الاخبار عن لازم الحرمة كناية عن الكشف عن تلك الحرمة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والممتثلين في الخارج، فتكون الجملة على هذا قد استعملت إخباراً واُريد بهذا الإخبار الحرمة، لكن على وجه الكناية، لا على وجه الحقيقة.
الوجه الرابع: هو أن يفرض أنّ الجملة بحسب مدلولها الاستعمالي والتصوري قد استعملت في النفي الإنشائي لا في النفي الخبري.
وتوضيح ذلك: تقدم في توضيح الوجه الثالث أنّ انتفاء الحرام بحسب الخارج من اثار الحرمة. فمن هنا يمكن أن يقال بأنّ عدم الحرام بحسب الخارج موجود تسبيبي للشارع فمجعوله الأولي هو نفس الحرمة، ومجعوله بالتسبيب والتوسيط هو عدم الحرام في الخارج، فعدم الحرام له نحو من الاستناد التسبيبي والتوسيطي إلى الشارع.
وحينئذٍ فكما أنّ الشارع يمكنه أن يأتي بالجملة الدالّة على الأثر، وهو انتفاء الحرام إخباراً كناية واستطراقاً للكشف عن الحرمة، كذلك يمكنه أن يأتي بالجملة الدالّة على الأثر إنشاءً، يعني: ينشئ الأثر كناية عن إنشاء ذي الأثر وهو الحرمة.
فالجملة على هذا تكون إنشائيّة، لكن لم ينشأ بها الحرمة على وجه الحقيقة، كما في الوجه الأوّل من هذه الوجوه، بل انشئ بها الحرمة على وجه الكناية؛ لأنّه انشئ لازمها لا نفسها. من قبيل أن تُنشئ لغيرك جواز التصرف في مالك، وتريد بهذا أنّ تملكه هذا المال؛ فهنا أنت تنشئ الأثر عنواناً وصورة، ومرادك لُبّاً وحقيقة إنشاء ذي الأثر وهو الملكيّة؛ فهذا إنشاء للملكيّة بنحو الكناية؛ لأنّه استطراق إلى إنشائها بتوسّط إنشاء أثرها والاستطراق الكنائي كما يكون بالإخبار يكون بالإنشاء أيضاً.
ــــــــــ[185]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فهذا الوجه الرابع يتفق مع الثالث في أن استفادة الحرمة على سبيل الكناية، لكن المُكنى به في الثالث هو الإخبار وفي الرابع هو الإنشاء. ويختلفان عن الوجهين الأوليين في أنّ استفادة الحرمة هناك لم يكن على سبيل الكناية، بل على وجه الحقيقة، إمّا بالإخبار عن الحرمة حقيقة أو بإنشائها حقيقة.
فهذه الوجوه الأربعة هي اهمّ الوجوه التي يمكن تخريج المذهب الثالث عليها.
وهناك وجوه أخرى تنتج استفادة حرمة الضرر من قاعدة (لا ضرر)، لكن لا بنحو الانحصار، بل بنحوٍ تكون ملائمة أيضاً مع ما يدعيه أصحاب المذهب الأوّل، ولهذا فنحن لا نذكرها هنا، فإننا إنّما ذكرنا هنا الوجوه التي تناسب مع مدعى المذهب الثالث وحده.
والوجوه التي تناسب مع المذهب الأوّل، وهو مذهب الشيخ الأعظم ومشهور المحقّقين بعده، من أنّ قاعدة (لا ضرر) يستفاد منها فقهياً نفي الحكم الضرري.
فهذه الوجوه يمكن تقسيمها بشكلٍ رئيسي إلى ثلاثة وجوه.
هو أن يكون المقصود من النفي تسليط النفي على الحكم، فالمنفي هو الحكم الضرري، أي: الحكم الذي ينشأ منه الضرر، وهذا هو ظاهر عبارة
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
(الرسائل) للشيخ الاعظم، وقد اختاره المحقّق النائيني ومدرسته(1).
أمّا كيف يكون المنفي هو الحكم الضرري؟
فإنّه يبدو أوّل الأمر أنّ هذا المعنى لا ينسجم مع هذه العبارة، فإنّ النفي فيها قد جاء على كلمة (الضرر)، وهو النقص في النفس والمال ونحوه، والحكم ليس نقصاً في المال والنفس، فكيف يقال: إنّ النفي قد سلّط على الحكم الذي يؤدي إلى الضرر؟
في مقام توجيه ذلك هناك عدة اتّجاهات وافتراضات:
الافتراض الأوّل: أن يلتزم بأنّ هناك كلمة مقدّرة، ويكون النفي وارداً عليها، فمعنى (لا ضرر): لا حكم يؤدي إلى الضرر، من قبيل: وَاسْأَلِ القَرْيَةَ(2)، يعني: فسأل أهل القرية.
الافتراض الثاني: أن تكون نفس كلمة (الضرر) مستعملة في الحكم مجازاً من باب استعمال الكلمة الموضوعة للمسبب في السبب، باعتبار أنّ الحكم سبب للضرر على الفرض، وذلك من باب علاقة السببية والمسببيّة.
الافتراض الثالث: إنّ كلمة (الضرر) اُريد بها في المقام نفس الحكم، لكن لا من باب الاستعمال المجازي، بل من باب أنّ السبب هنا مصداق للمسبب، أي: أنّ الحكم مصداق للضرر. وهذا ما حققه المحقّق النائيني(3) مدعياً
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) راجع: منية الطالب 3: 383- 397، ورسالة في قاعدة لاضرر (موسى الخوانسارى النجفي): 216.
(2) يوسف: 82.
(3) راجع: منية الطالب 2،: 257.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قاعدة عرفيّة كليّة، وهي: أنّ الأسباب التي تكون مسبباتها توليديّة عنها كالإحراق بالنسبة إلى الالقاء في النار، أو القتل بالنسبة إلى الضرب بالرصاص. فيكون(1) السبب بحسب النظر العرفي مصداقاً لعنوان المسبب التوليدي، وإن لم يكن كذلك بحسب التدقيقات الفلسفيّة؛ فيصدق على الالقاء في النار أنّه إحراق، ويصدق على الضرب أنّه قتل وإن لم يكن كذلك بالدقّة الفلسفيّة.
وهذه قاعدة عرفيّة عامّة طبّقها في المقام وقال: إنّ الحكم حيث إنّه سببٌ للضرر على حدّ سببية الأسباب لمسبباتها التوليديّة، ولهذا ينطبق على الحكم نفس عنوان ذلك المسبب فالحكم بإنفاذ المعاملة الغبنيّة الذي هو بحد ذاته حكم بتنقيص ماليّة المغبون يكون نفسه ضرراً -مثلاً- لأنّه علة للنقص فيكتسب من معلوله عنوان ذلك المعلول؛ فيكون عنوان الضرر المنطبق على معلوله عنواناً ثانوياً للحكم.
وكذلك وجوب الوضوء على المريض، فإنّه بنفسه وإن لم يوقع الإنسان في الضرر، لكن بتوسّط امتثاله الذي هو بتوسطه، فبتسلسل عّليّ ومعلولي قهري، بحسب قانون المولويّة والطاعة ينتهي إلى التكليف، فيكون التكليف مكتسباً عنوان مسبباته، فحيث ينطبق عنوان الضرر على المرض الناشئ من الوضوء الناشئ من وجوب الوضوء، فيصدق على وجوب الوضوء أنّه ضرر من هذه الناحية.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
() لأنّ المسبب التوليدي لمّا كان شديد الالتصاق بسببه والارتباط به، فيكتسب السبب عنوان مسببه التوليدي، ويرى عرفاً أنّه مصداق له من دون إعمال عناية شخصيّة زائدة على المرتكزات العرفيّة، (محاضرة غد). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
والظاهر أنّ الميرزا لم يكن يقصد في المقام تطبيق مفهوم السبب والمسبب التوليدي فلسفياً، حتّى يُشكل عليه كما أشكل عليه من قبل جملة من الأعلام، بأنّ الحكم ليس سبباً بالنسبة إلى الضرر، بل هو مقدّمة إعداديّة بوجه من الوجوه، وفُلسِفَ هذا المطلب مفصلاً، وكيفية كون الحكم مقدّمة إعداديّة، وعدم كونه سبباً.
والظاهر أنّ كلّ هذا أجنبي عمّا هو مراد الميرزا، فإنّه لا يدعى قاعدة عقليّة، بل يدعي قاعدةً عرفيّة وتشخيص موضوعها أيضاً يكون بالنظر العرفي لا بالنظر العقلي، فالميرزا يرى أنّه بحسب النظر العرفي الحكم كالسبب التوليدي، وإن لم يكن سبباً توليدياً في البحث الفلسفي، والعرف يرى أنّ الحكم هو الذي ألقاه في هذا المرض.
والكلام ليس في المطالب الواقعيّة، وإنّما الكلام في الظهور العرفي وتطبيق تلك القاعدة العرفيّة، وهو يكون منوطاً بتشخيص موضوعها عرفاً أيضاً. ولهذا لا يشكّ أحد من الناس أنّه يصدق على القانون أنّه ضرر، وأن الحكومة سنّت قانوناً فيه ضرر عظيم على الناس، وهذا الاستعمال عرفي صحيح يقوله الناس في كلّ يومٍ دون أن يشكل عليه، وليس ذلك إلّا لأنّ القوانين النافذة والقاهرة بحسب النظر العرفي كان نسبتها إلى وقوع مفعولاتها الخارجيّة نسب الإلقاء في النار إلى الاحتراق الخارجي لارتكازيّة نفوذ القانون وآمريته بحسب الخارج.
إذن، فتطبيق مثل هذه القاعدة على محلّ الكلام لا يحتاج إلى أن يكون المسبب مُسبباً توليدياً بحسب البحث الفلسفي، بل يكفي أن يكون مسبباً توليدياً بحسب النظر العرفي.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الاتّجاه الثاني هو أن نقول: إننا نتحفظ على كون النفي قد انصبّ على الضرر بما هو أثرٌ ناتج عن الحكم، ولا ندعي أنّه انصب على الحكم كما هو الحال في الاتّجاه الأوّل بوجوهه هذه الثلاثة، بل نقول: إنّ النفي انصب على نفس الضرر الذي هو أثرٌ حاصلٌ ومسببٌ عن الحكم، ولكن مع هذا نستفيد نفي الحكم.
وذلك: بأن نحصص المنفي ونقول: بأنّ المنفي ليس هو الضرر على الاطلاق، بل هو الضرر الناشئ من الحكم الشرعي، فيكون نفي هذه الحصّة الخاصّة من الضرر نفياً لا محالة لذلك الحكم الشرعي الذي يؤدي إلى الضرر، من دون أن نلتزم بتقدير أو تجوّز، غايته أن نلتزم بتقييد في إطلاق المنفي، وأنّه ليس هو الضرر على الإطلاق، بل هو الضرر الناشئ من الحكم الشرعي. وهذا التقييد نتصوّره على أحد صورتين:
الصورة الأولى: أن نقيد مفهوم الضرر الذي ورد عليه النفي بسبب خاص، فإنّ الضرر تارةً ينشأ من الحكم الشرعي، واُخرى من ناحية آفة سماويّة، واُخرى من ناحية تعدّي ظالم وغيره، فيحصص الضرر من ناحية أسبابه إلى حصص، ويكون النفي هنا وارداً على الضرر المقيّد بسبب خاصّ من
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() لخّص في أول المحاضرة جملة ما سبق، ثم انتهى من مسلك المحقق النائيني، وقال: هذا هو الاتجاه الأول في تطبيق المذهب الفقهي الأول على اللفظ. الاتجاه الثاني:… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أسبابه وهو الحكم الشرعي؛ فكأنّه قال:(لا ضرر ناشئ من ناحية احكامي وشريعتي).
الصورة الثانية: أنّ المنفي هو الضرر على إطلاقه، ولكنّه منفي عن أي عالم؟ يكون منفياً عن عالم تطبيق أحكام المولى وعن العالم الخارجي الذي يقع تحت سلطان المولى، ويكون هو بصدد تنظيمه وإعداده، وهذا العالم اُنفي عنه الضرر، وذلك بعدم جعل الأحكام الضرريّة.
وطبعاً التقييد الثاني لا يغني عن التقييد الأوّل، وذلك: لأنّه حتماً هذا العالم الخارجي الذي يقع تحت سلطانه بنفسه أيضاً تقع فيه اضرار كثيرة من ناحية أخرى، كالآفات الناشئة من آفات سماويّة، فلا يمكن أن يقال: إنّ هذا العالم الخارجي الذي يقع تحت سلطان المولى سليماً من الآفات بقولٍ مطلق. إلّا أن يحمل على أن يراد بهذا السلطان في المقام، فالسلطان التشريعي يعني العالم بالمقدار الذي يدخل في حيّز التشريع وناشئ من التشريع لا أكثر، فإن تلف مال بآفة سماويّة لا يدخل تحت حيز التشريع، والجهات التي تدخل تحت التشريع بما هي كذلك يكون الضرر منفياً فيها، فيراد بالسلطان هنا التشريع لا الملوكيّة والحاكميّة.
وحينئذٍ فيمكن التوصل بأحد هذين الوجهين إلى تقييد الضرر. وبذلك نستفيد نفي الحكم الضرري من باب نفي الضرر الخاصّ.
وروح الوجهين وأحد، وهو أن يكون المنفي هو الحكم الذي يؤدي اليه الضرر.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الاتّجاه الثالث هو الاتجاه الذي افاد المحقق الخراساني في (الكفاية)، وهو أن يقال: أنّ استفادة نفي الحكم الضرري من هذه القاعدة يكون من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع(1)، من قبيل: “يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ“(2)، و”لا ربا بين الوالد وولده“(3)، و”لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الإِسْلَامِ“(4).
ولأجل توضيح وتحقيق مرام صاحب (الكفاية) ومحتملات كلامه لا بدّ من تقديم مقدّمة في تصوير نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وما هي الوجوه المتصورة في ذلك، وأي منها ممكن وأي منها غير ممكن؟
ونفي الحكم بلسان نفي الموضوع يكون على نحوين:
النحو الأول: يستخدم في نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بأسلوب لا يصلح إلّا لنفى إطلاق الحكم.
النحو الثاني: تستخدم أساليب صالحة لأن ينفي بها أصل حكم كبرى من رأسه بلسان نفي موضوعي.
فنتكلّم في كلّ من هذين النحوين:
هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بأساليب تصلح لنفي إطلاق الحكم،
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) لاحظ: (الكفاية) 2: 195.
(2) نهج البلاغة (لصبحي صالح):70.
(3) رسائل الشريف المرتضى1: 230.
(4) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل 14: 155.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
لا لنفي الحكم من رأسه، وذلك بأن نفرض أنّ هناك حكماً قد تقرر وتثبت في الشريعة على عنوان كالحكم بالحرمة الذي تقرر على الربا والحكم بالحدّ الذي تقرر على السرقة، فإذا أُريد نفي الحرمة عن الربا بين الزوج وزوجته أو بين الوالد وولده، أو إذا أُريد نفي حدّ السرقة في السرقة الواقعة حال أيام المجاعة. فهذا مرجعه إلى أنّ حكماً ثابتاً يراد نفي إطلاقه لبعض حصصه، لبعض أفراد ذلك العنوان.
فهنا تارةً يبيّن نفي الحكم باللسان الساذج البسيط، كأن يقال: الربا بين الوالد وولده ليس بحرامٍ أو سرقة الفقير في أيام المجاعة ليس عليه حدّ، واُخرى يبين بلسان نفي الموضوع(1)، وذلك: بنكتة أنّ ذلك الحكم الثابت على عنوانه يفرض كأنه من يظهر خواص ذلك العنوان ومن لوازمه، فكأنه يفرض أن حرمة الربا كأنها لازم الربا وأن الحد كأنه لازم السرقة، وخاصيته التي لا تنفك عنه.
وحينئذٍ فحيث إنّ المفروض في المقام أنّ هذه الخاصيّة قد انفكت، فإنّ الربا بين الوالد وولده ليس بحرام، فينفي أصل الموضوع بعناية أنّ الحكم هو ممثل الموضوع ولازمه وخاصيته، من قبيل: “يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولَا رِجَالَ“(2)، حيث أراد أن يبين لهؤلاء الذين انحرفوا ضدّه وحاربوا الإسلام في جيش عائشة أنّهم ليس لهم خواص الرجل من الشجاعة والوفاء والوقوف على البيعة، فأريد بيان
ــــــــــ[193]ــــــــــ
() إذا اُريد بيان أن هذا الحكم غير ثابت لبعض افراد ذلك الموضوع. (المقرِّر).
(2) والمتكلّم في المرتبة السابقة يفترض أنّ هذا الحكم الذي يريد أن ينفيه عن بعض أفراد الموضوع، يفترض كأنه لازم للموضوع وتمام مظهره الذي لا ينفك عنه حينئذٍ يصح له أن ينفي اللازم بلسان نفي الموضوع، (محاضرة غد). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أنّ هذه الخواص من لوازم الرجولة وأنّها لا تنفك عنها، ففي مقام بيان انتفائها يبين أن هؤلاء ليسوا برجال.
كذلك في المقام فيفرض أنّ الحكم لازم موضوعه، فحيث ينفى اللازم ينفى الملزوم بهذه العناية، فيصح نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كناية.
ثُمّ إنّ هذا النفي تارةً يكون نفياً بسيطاً واُخرى نفياً تركيبياً.
فالنفي التركيبي من قبيل قولنا: (لا ربا بين الوالد وولده). فإنه يفهم عرفاً من هذه العبارة: أنّ المعاملة التي تكون بين الابن وابنه ويكون فيها زيادة ليست ربا؛ فالمنفي هنا هو الاتّصاف العنواني، فإنّ هذا الفرد لا يتّصف بذلك العنوان، فهو نفي تركيبي لا محالة؛ لأنّه نفي ثبوت شيء لشيء نفي ثبوت عنوان الربا لهذه الحصّة الخاصّة، وهو نفي كنائي اُريد به نفي الحكم، حيث إنّ الحكم لازم لذلك العنوان، وغير ثابتٍ لهذا الفرد فبيّن انتفاء الحكم عنه بلسان أنّ العنوان غير ثابتٍ له.
واُخرى يكون النفي نفياً بسيطاً، وذلك بأن ينفي وجوب الموضوع خارجاً، فإن الحصّة الواقعة بين الأب وابنه في المعاملة الربويّة فتارةً نريد أن ننفي كونها ربا، فهذا نفي تركيبي، واُخرى نريد أن ننفي وقوعها بحسب الخارج، يعني نُنزل الموجود منزلة المعلوم، ونقول -بالعناية- لم يقع ربا بين الوالد وولده. التائب من الذنب لا ذنب له فيكون(1) السلب سلباً بسيطاً لا تركيبياً.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() فإنّه لا يريد أن يسلب عنوان الذنب عن الغيبة التي صدرت عن هذا المذنب، وإنّما يريد أن يدعي أنّه لم يصدر منه ذنب؛ فهذا نفي بسيط. (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وفي كلّ من النفي التركيبي والنفي البسيط مصححه هو أن يفرض كأن الحكم من خواص الموضوع(1)، وأن انتفاء الحكم مساوق لئلا يكون هناك موضوع فيبين بلسان انتفاء الموضوع. ومثال النفي التركيبي قوله: “شككّ ليس بشيءٍ“.
ومن هنا نعرف أنّ الحكومة ليست متقومة دائماً بالنفي التركيبي كما ذكر المحقّق النائيني، فإنّ الحكومة تعني نفي إطلاق الحكم.
فكما يمكن أن يكون بالنفي التركيبي، يمكن أن يكون بالنفي البسيط، ونكتته ما قلناه.
ومبنياً على هذا نعرف أنّه بهذا الأسلوب لا يمكن أن ننفي أصل الحكم، فنقول: (لا ربا)، ونريد به نفي حرمة الربا. فمثل هذا غير معقولٍ؛ وذلك لأنّ هذه الكناية إنّما صحّت مبنية على الاعتراف المسبق بأنّ الربا من لوازمه الذاتيّة الحكم بالحرمة؛ ولهذا أمكننا أن نبين انتفاء الحرمة عن بعض الحصص بلسان انتفاء الموضوع.
أمّا إذا أردنا أن نسلخ أصل الحكم رأساً، فهذا لا يمكن أن يكون بهذا اللسان، وأن نعمل نفس هذه النكتة التي اعملناها هنا؛ لأنّ هذه النكتة فرع الاعتراف المسبق بأن يكون الحكم لازماً للموضوع وممثلاً له. وأمّا حين نريد أن ننفي الحكم عن الموضوع راساً، فإننا حينئذٍ نريد أن نتصدى لإثبات قطع الصلة
ــــــــــ[195]ــــــــــ
() وحيث إنّه غير موجودٍ فبيّن ذلك بلسان أنّ الموضوع غير موجودٍ؛ لأنّ الشيء إذا انتفى لازمه كأنّه انتفى هو، (محاضرة غد). (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ما بين الحكم والموضوع، ففي مثل ذلك لا بدّ من إعمال نكتة أخرى من العناية.
وهذا هو معنى ما قلناه من أنّ هذا الأسلوب من الكناية، وهذه النكتة لا يمكن أن تعمل في مقام نفي أصل الحكم برأسه، وإنّما تعمل في مقام نفي إطلاق الحكم، فلا بدّ في مقام تصحيح هذه الكناية من نكتةٍ أخرى نذكرها في النحو الثاني.
وهذا فيه نكتة تصحح أن يبين نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ولو بأن يكون هذا الحكم المنفي هو أصل الحكم لا إطلاقه، كما في نحو: (لا غش) أو (لا جدال) أو (لا سرقة في الإسلام) أو (لا حمى إلّا لله ولرسوله)، فإنّ المنفي فيها ليس هو إطلاق حكم، كما هو الحال في: (لا ربا) أو (يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ)، بل المنفي أصل الحكم، فيقال: هذا العنوان ليس له مثل هذا الحكم، وحينئذٍ ما هي النكتة في نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، فهنا لا بدّ من نكتة أخرى.
وتفصيل الكلام في ذلك: هو أنّ هذا الموضوع المنفي الذي نريد أن ننفي حكمه بلسان في أصل هذا الموضوع يتصوّر في بادئ الأمر فيه أمور ثلاثة:
التصور الأوّل: في نفيه بلحاظ وجوده التشريعي
أن يكون المنفي من الموضوع هو وجوده التشريعي، أي: وجوده في عالم الموضوعيّة للحكم؛ حيث إنّ كلّ موضوعٍ له وجود في عالم حكمه. غاية الأمر أنّ هذا الوجود هو سنخ وجود الحكم ومقومه، وهو وجود اعتباري مناسب
ــــــــــ[196]ــــــــــ
() لخصّ أولا النحو الأول، وهو نفي إثبات الحكم بلسان نفي الموضوع. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مع أفق عالم الجعل والاعتبار. فالوضوء مثلاً له وجودٌ اعتباري في عالم وجوب الوضوء، والعقد -مثلاً- له وجود في عالم جعل الحكم بصحّة العقد أو لزومه على نحو وجود الموضوع في أفق التشريع. فيتصوّر في المقام أن ينفى حكم هذا النحو من الوجود، حيث إنّ كلّ حكمٍ متقوّم بأن يكون لموضوعه وجود في عالم التشريع حتّى يترتّب عليه حكمه، والحكم بحسب عالم الجعل والتشريع مربوط بالوجود الاعتباري لموضوعه في أفق عالم الجعل والتشريع، فتارةً الشارع يبين نفس الحكم ابتداء، فيقول: (لا حكم للشيء الفلاني)، واُخرى يبينه بلسان أنّ الموضوع لم يثبت في عالم الجعل والتشريع، فيكون هذا أيضاً مقيداً لنفي الحكم، من باب أنّ كلّ حكمٍ إذا لم يكن لموضوعه وجود اعتباري في عالم التشريع؛ فلا يكون له وجود لا محالة وينتفي بانتفائه.
وهذا الافتراض لو أردنا أن نستعمل نكتة الارتباط بين وجود الحكم والوجود التشريعي لموضوعه، ونجعل هذا الارتباط مصححاً لنفي الحكم بلسان نفي الموضوع، بوجوده الاعتباري التشريعي في نفي حكم خاصّ، كالحكم بوجوب الرهبانيّة أو جوازها، فهنا نفي جواز الرهبانيّة بلسان نفي الموضوع وهو الرهبانيّة يعني نفي الوجود التشريعي لها، لأنّها لو كانت جائزة أو مطلوبة لكان لها وجود في عالم التشريع، فينفي الحكم هنا بلسان نفي وجودها التشريعي.
وهذه النكتة إذا استعملناها فلا بدّ وأن يفرض في المرتبة السابقة نحو ارتكازٍ يقتضي أن مثل هذا الموضوع يناسب مثل هذا الحكم، ويترتب له مثل هذا الحكم في عالم التشريع، فحينما نقول: إنّ هذا الموضوع لم يدخل في لوح
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
التشريع. يفهم منه أنّ ذاك الحكم المناسب له لم يجعل بحسب عالم التشريع، ولهذا -مثلاً- قد يحتاج أن يكون مثل هذا العنوان محكوماً بحكم في الشرائع السابقة أو في الشرائع العقلائيّة، أو في شريعة الإسلام أيضاً في موارد النسخ أو التخصيص، وحينئذٍ يقال: (لا رهبانيّة) يراد به نفي الحكم الذي كان يترقّب أن يثبت له وهو الحكم في الشريعة السابقة، فحينما يقال: هذا الموضوع لم يوجد، فيتبادر إلى الذهن أن ذاك الحكم لم يوجد، فينتفي ذاك بلسان نفي الموضوع.
وهذا التصور بالرغم من أنّه هو التصوّر الذي اختاره المحقّق الاصفهاني لتصوير نفي الحكم بلسان نفي الموضوع إلّا أنّ الظاهر أنّ هذه النكتة ليست وحدها نكتة كافية للاستعمال العرفي، وذلك: لأنّه لو كانت النكتة هي أنّ كلّ موضوعٍ له وجود اعتباري في عالم الجعل والتشريع، ويكون الحكم مرتبطاً به ومحتاجاً إليه، فيمكن نفيه بنفي موضوعه. فلو كانت هذه النكتة فإنّه لا يفرق فيها بين الأحكام اللزومية والاحكام الترخيصية، فإنّ تمام الأحكام من هذه الناحية على حدٍ واحدٍ، فكما أنّ جواز الرهبانيّة حكم له موضوع في عالم التشريع ويكون هذا الجواز مربوطاً به، كذلك حرمة الطلاق -الثابتة في مرتكزات المسيحيين(1)– أيضاً لها موضوع وهو الطلاق، وهو أيضاً موجود بوجود اعتباري فتكون نسبة الجواز اليه كنسبة جواز الرهبانيّة بالنسبة إلى الرهبانيّة؛ فإنّ كلّ حكمٍ يحتاج إلى موضوع يتقوّم به في عالم اعتباره، فإذا نفيناه نكون بهذا قد أثبتنا عدم الحكم له.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
() فإنّ المسيحيين الذين جاءوا بجواز الرهبانيّة بأنفسهم جاءوا بحرمة الطلاق. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
لو كانت هذه هي النكتة لجرت ذلك في نفي الحكم التحريمي كما تجري في نفي الحكم الجوازي. فكما نقول: (لا رهبانيّة)، بلحاظ هذه النكتة، ينبغي أن نقول: (لا طلاق في الإسلام)، ويراد به أنّ حرمة الطلاق ارتفعت وأنّ الطلاق جائز. وهذا شي لا يمكن يتفوّه به إنسان عرفاً بحسب الخارج. وحينئذٍ فحرمة الطلاق وجواز الرهبانيّة كلاهما على حدٍ واحدٍ ونسبة الموضوع إلى الحكم في كلّ منهما على حدٍ واحدٍ؛ فلو كان هذا وحده ملاكاً لصحّة مثل هذا الاستعمال، لما رأينا فرقاً ما بين هذين الاستعمالين. فمثل هذا الوجود التشريعي العنائي الذي يذكره لا يكفي وحده ملاكاً لمثل هذه النكتة.
نعم، أحياناً لو صرح بأنّ المراد هو هذا الوجود التشريعي لصح، فهو يحتاج إلى عنايات فائقة، ومجرّد طبع النفي الساذج لا يكفي فيه.
هذا هو التصوّر الأوّل، أو الوجود الأوّل للموضوع وهو الوجود التشريعي له، وقد رأيناه أنّه وحده لا يكفي.
التصور الثاني: في أنَّ المنفي هو الوجود الاستساغي
هو أن نفرض أنّ الوجود الذي نريد أن ننفيه للموضوع هو الوجود الاستساغي، والوجود في الإسلام، فنقول: (لا رهبانية في الإسلام) يعني: أنّ الرهبانيّة غير موجودة في الاسلام، وقد سمينا هذا الوجود بالوجود الاستساغي. وهو غير ذلك الوجود الاعتباري الذي يكون مقوماً للحكم من باب أنّ كلّ حكمٍ لا بدّ له من موضوع يتقوم به بحسب عالم الاعتبار.
*****
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إنّ المنفي ليس هو وجود الموضوع(1) بمعنى ذاك الوجود الاعتباري الذي هو مقوم لوجود الحكم في أفق الاعتبار، بل المنفي هو وجود الموضوع بمعنى الوجود الاستساغي لهذا الموضوع، في نظر القانون والشريعة، فإنّ للموضوع الذي تحكم الشريعة بوجوبه أو جوازه له نحو من الوجود والتقرر في تلك الشريعة، يختلف عن وجود تلك الأفعال التي لا تجيزها تلك الشريعة. فيقال: بأنّ الصلاة والصيام والصدقة ثابتة في الشريعة، ولكن السرقة والزنا والغيبة والكذب ليس في الشريعة (لا سرقة في الإسلام)، ولكن (الصدقة في الإسلام).
وهذا الوجود هو غير ذاك الوجود الاعتباري الذي يكون مقوماً للحكم في أفق الاعتبار، لأنّ ذاك الوجود على حدٍ واحدٍ بالنسبة إلى المحرم والمباح؛ فكما أنّ الصدقة لها وجود في لوح التشريع يتقوم به حكمها، كذلك السرقة لها وجود في عالم التشريع يتبع وجود حرمتها، فليس هذا الوجود الذي تتميز به الصدقة عن السرقة هو ذاك الوجود الاعتباري، بل هو نحو آخر من الوجود، نسميه بالوجود الاستساغي.
ولعلّ النكتة في هذا التقبل العرفي لهذا النحو من الوجود، هو أنّ الشريعة -أي شريعة كانت- حيث إنّه يمكن أن يفرض له ما بإزاء في الخارج وتطبيق لها وصورة تطبيقيّة على طبقها؛ لأنّ الشريعة عبارة عن أحكام تقتضي الجري على طبقها بحسب الخارج، فيمكن أن يفرض ما بإزاء لها في الخارج، وهذا إلى بإزاء
ــــــــــ[200]ــــــــــ
() لخص أولاً النكتة الأولى ثم ذكر مسلك المحقق الأصفهاني كما سبق ثم قال: التصور الثاني: هو أن يُقال بأن المنفي ليس هو وجود الموضوع… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الذي لها في الخارج، فتارةً يفرض أنّ الشيء الفلاني يدخل فيه واُخرى يفرض أنّه لا يفرض فيه.
فحينما نتصوّر الإسلام كشريعة، لا معنى لأنّ نقول: إنّ الصلاة داخلة فيها، فإنّ الصلاة بما هي فعل من الأفعال لا معنى لأنّ تدخل في الشريعة، فإنّ الشريعة لوح الأحكام والصلاة فعل لا حكم؛ فلا معنى لأنّ يقال -بلا عناية- الصلاة في الإسلام، فلا بدّ من فرض عناية.
وهذه العناية هي: أنّ الإسلام بما هو شريعة، حيث يفرض له صورة مطابقة له في الخارج، يعني تطبيق خارجي كامل على طبقه في هذا التطبيق تكون الصلاة داخلة فيه، فإنّ من يطبّق الإسلام يصلي ويصوم لا محالة، ويتصدق على أكبر الظن. فبمقدار دخول الشيء في الصور الخارجيّة المطابقة للإسلام ينسب هذا الدخول بنحو من العناية إلى نفس الإسلام أيضاً، وكلّما كان دخوله في صورة ألصق يكون نسبته إلى الإسلام ألصق.
ومن هنا نعرف أنّ هذا الوجود مقول بالتشكيك، فإنّ وجود الواجب في هذه الصورة ألصق، إذ لا يمكن أن يفرض مسلم يمشي على طبق القانون ولا يصلي. بخلاف الصدقة أو القنوت، فإنّه أقل باعتبار كونه مستحباً. بخلاف شرب الماء أو السفر، فإنّه أقل باعتبار كونه مباحاً، فمراتب الاستساغة تختلف، وباختلافها يختلف دخول المطلب في الصورة الخارجيّة، وباختلاف هذه المراتب يختلف نسبة هذا الوجود إلى نفس الإسلام أيضاً. فمن هنا يقال الصلاة والصدقة والزواج في الإسلام(1).
ــــــــــ[201]ــــــــــ
() ونحو لا غش ولا سرقة ولا خمر في الإسلام، وسيأتي الحديث عنه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وهذه هي العناية التي تخلق في الارتكاز العرفي تصوّر هذا الوجود الاستساغي.
ومن هنا يعرف أنّ الوجود الاستساغي حينما نقول: (لا رهبانيّة في الإسلام)، ننفي هذا الوجود الاستساغي لها، ويكون المقصود منها نفي كلّ حكمٍ يستسيغ وجودها، ومن هنا نعرف أنّ مقتضى إطلاق مثل هذا النفي هو نفي الوجوب والجواز معاً؛ لأنّ كلاً من هذين الحكمين يحدثان نحو وجودٍ استساغي، ولكن يصح أن يفرض نفي خصوص الوجوب من مثل هذا اللسان مع التصريح بأنّه جائز، وذلك بأن يكون النظر إلى المرتبة الأعلى من الوجود الاستساغي ويصرح بأنّ غيره من المراتب ثابت في الإسلام، فيقال مثلاً: (لا تحمل للضرر عن الغير في الإسلام)، ولكن أن أراد الإنسان أن يتحمل الضرر لا بأس به، يعني ليس تحمل الضرر عن الغير واجباً ولكنه جائز.
فهنا نفينا مرة خاصّة من الوجود الاستساغي مطلق وجوده لا تمام مراتبه المشككة، وهي المرتبة العالية منه، مع التصريح بكون المرتبة النازلة موجودة في المقام.
هذا هو التصوّر الثاني لنفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع.
وهذا التصوّر هو الذي يشرح لنا أنّه لماذا يصح لنا أن ننفي جواز الرهبانيّة بقولنا: لا رهبانيّة في الإسلام، ولا يصح لنا أن ننفي حرمة الطلاق بقولنا: (لا طلاق في الإسلام)؛ لأنّه في الأوّل كنا نريد أن ننفي جواز الرهبانيّة ووجوبها واستحبابها، وهذا يناسب مع نفي وجودها الاستساغي.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أمّا في (لا طلاق في الإسلام)، فكيف ننفي الوجود الاستساغي للطلاق ونريد بذلك نفي الحرمة؟! هذا لا معنى له في المقام.
[التصوّر الثالث: نفيه بلحاظ الوجود الخارجي
أن يكون المنفي ليس ذاك الوجود الاعتباري للشيخ الاصفهاني ولا هذا الوجود الاستساغي الذي ذكرنا، بل هو الوجود الخارجي للشيء، كما يمكن تطبيق ذلك على قولنا: (لا فسوق ولا رفث ولا جدال في الحج)(1). ويكون نفي هذا الوجود الخارجي على أساس أن يبيّن بذلك حرمة هذا المطلب وعدم جوازه. من باب ذكرناه فيما سبق في تخريجات المذهب الفقهي الثالث، وهو أن انتفاء الشيء في الخارج من لوازم عدم إباحته وحرمته، فحينئذٍ يمكن أن يبيّن النفي -نفي وجوده في الخارج- ويراد بذلك الحرمة. فهذا نفي للحكم وهو الجواز بلسان نفي الموضوع، بنكتة أن نفي الموضوع التكويني ينشأ من نفي الحكم التشريعي، ولهذا يصح نفي الحكم التشريعي بلسان نفي الموضوع التكويني.
وهذا المطلب أيضاً معقول وصحيح، والنكتة فيه تختلف عن النكتة السابقة، أي نفي الوجود الاستساغي. هذا غير ذاك مضموناً وغيره أثراً.
أمّا غيره مضموناً فلأن هناك مصبّ النفي هو الوجود الاستساغي وهنا مصبه الوجود الخارجي.
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() إشارة إلى قوله تعالى: …فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ… (البقرة: 179).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ونكتة المطلب هناك هي أنّ نفي الوجود الاستساغي مرجعه إلى نفي الأحكام التي تستسيغ.
وهنا نكتته أنّ نفي الوجود الخارجي معلول لنفي الجواز والإباحة.
وأمّا من حيث الأثر فإنّه بناءً على هذه النكتة الأخيرة لا يمكن أن ننفي الوجوب فقط، بأن نقول: (لا رفث ولا فسوق في الحج)، ونريد به نفي وجوبها، مع إبقاء الاباحة على حالها، فهذا أمر غير ممكنٍ.
وذلك: لأننا إذا أبقينا الإباحة على حالها ونفينا الوجوب فالنكتة الثالثة لا تتحقق أصلاً، لأنّها عبارةٌ عن أنّنا ننفي الموضوع تكويناً لأجل بيان ما هو علّته تشريعاً، وما هو علّته ليس هو عدم الوجوب بل هو عدم الإباحة. فما لم يكن مرادنا نفي الإباحة رأساً وإثبات الحرمة قطعاً، لا يمكن إعمال النكتة الثالثة.
وهذا بخلافه في النكتة الثالثة، فإنّه حيث إنّ مصبّ النفي فيها هو الوجود الاستساغي، وهو ذو مراتب ومقول بالتشكيك -على النحو الذي حققناه- فيمكن أن يكون المنفي هو خصوص المرتبة العالية من الوجود الاستساغي، فينفي الوجوب.
نعم، هذا خلاف الاطلاق. ولهذا يحتاج إلى قرينة، لكن مع قيام القرينة عليه تكون هذه النكتة محفوظة. وهذا بخلافه في هذه النكتة الثالثة.
هذا هو تمام الكلام في تحقيق نكات لسان نفي الموضوع، وسياتي تطبيقه على محل الكلام والتعرض لكلام صاحب (الكفاية).
*****
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قدمنا مقدمة(1) في تحقيق كيفية نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وهذه النكتة إما أن يفرض كونها نكتة مقتضية مصححة لنفي إطلاق الحكم بلسان نفي الموضوع، وأخرى يفرض كونها نكتة تصحح نفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع(2). ولنسمّ هذا القسم بباب الحكومة، لأنه هو الذي يتحقق به الحكومة(3).
قد قلنا: بأن هذه ليست نكتة كافية بحسب النظر العرفي، بحسب الخارج، لأجل أن نحصّل لها مصداقاً من الأمثلة النفيية.
نعم، مع فرض عنايات فائقة يمكن فرض مصداق لهذا التصور.
وقد تقدم في بحث حديث الرفع: “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ…”(4) أنّ الرفع يكون منسجماً مع هذا التصور؛ فيمكن أن نعتبر حديث الرفع مصداقاً لهذا التصور؛ فإنّ المرفوع في “مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَمَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يَعْلَمُونَ وَمَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ…”(5) هو الموضوع لا الحكم. وليس المرفوع هو وجوده الخارجي،
ــــــــــ[205]ــــــــــ
() لخص في مبدأ المحاضرة النتائج التي تم التوصل إليها من المحاضرات السابقة، ولا أجد حاجة لكتابتها سوى ما كان فيها مطلباً جديداً على السابق. قال: قدمنا مقدمة… (المقرِّر).
(2) ثم ذكر أمثلة النكتة الأولى. (المقرِّر).
(3) ثم ذكر أمثلة لكلٍ من التصورات الثلاثة في النكتة الثانية فعددها بالعكس، حتى وصل إلى النكتة الأولى. (المقرِّر).
(4) التوحيد (للصدوق) 353.
(5) المصدر نفسه.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
لأنّه قد لا يكون له وجود خارجي، كما فيما لا يطيقون فإنه غير موجود في الخارج.
وكذلك: ليس المرفوع هو الوجود الاستساغي، لأنّه ليس المراد بيان حرمة ما لا يطيقون، فيتعين أن يكون المرفوع هو الوجود التشريعي، بعنايات فائقة تقدم الحديث عنها في بحث حديث الرفع.
هذا حاصل الخريطة التي استنتجناها من المقدّمة التي بيناها.
والآن نأتي إلى محلّ الكلام لنرى أنّ مقالة صاحب (الكفاية) القائلة: بأنّ الحديث المبارك يكون من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع(1) لنطبّق تلك الخريطة عليها.
ويجب الالتفات منذ البدء -وسنفصّله- بأنّ صاحب (الكفاية) بيّن هذه الدعوى مرتين: مرة في كفايته ومرة في حاشيته على (الرسائل)(2). ومراده من كلٍّ من البيانين غير مرادٍ من الآخر، وإن اختلط البيانان في جملة من الكلمات، بحيث كان ينسب إلى صاحب (الكفاية) مذهب واحد، ولكن التدقيق في عبارة (الكفاية) مقارنة مع عبارته في الحاشية، ينتج أنّ له تصورين لفكرة نفي الحكم بلسان نفي الموضوع وإن كانت أصل الفكرة محفوظة فيها.
الآن نأخذ بالنكتة الأولى: وهي نكتة باب الحكومة، التي كانت تصحح
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) يُنظر: (الكفاية) 2: 195.
(2) يُراجع: حاشية كتاب فرائد الأصول، (محمّد كاظم الآخوند الخراساني):168.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
نفي إطلاق الحكم بلسان نفي الموضوع للعلم كـ: “لا ربا بين الوالد وولده“، و”يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ” و”لا سرقة في يوم المجاعة” و”شكك ليس بشيء” و”التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ”(1). فهل يمكن تطبيق هذه النكتة في المقام وأنّ لا ضرر يكون جارياً حسب هذه النكتة أو لا؟
في تطبيق هذه النكتة على (لا ضرر) لا بدّ من إعمال عناية، وهي بحسب الحقيقة نحتاج إليها على كل تقدير، سواء طبقنا النكتة الأولى أو النكتة الثانية بأي واحد من تصوراتها الثلاثة.
وحاصل هذه العناية: أنّ المراد من الضرر المنفي هنا هو الوضوء الضرري والعقد الغبني الضرري لا نفس الضرر بما هو نقص حاصل منها، وحاقّ الضرر لغة هو هذا النقص، فإذا قلنا: بأن هذه الجملة لسانها لسان نفي الموضوع، فموضوع الحكم الشرعي هو الوضوء والعقد الغبني في الحكم بالصحّة واللزوم، والنقص ليس الناشئ منها موضوعاً للحكم وإنّما هو نتيجة للحكم.
فحينئذٍ لا بدّ بناء على تطبيق فكرة صاحب (الكفاية) من أنّ الجملة تكون من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بأن نقول: إنّ المنفي لساناً هو الوضوء الضرري والعقد الغبني الضرري -مثلاً- وذلك إمّا بالالتزام بالتقدير أو بالتجوّز، أو على وجهٍ(2) بيّنه الميرزا وأشرنا إليه فيما سبق، وهو أنّ الضرر عنوان
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() الكافي 2:435.
(2) وهو أوجهها وسوف نلتفت إليه؛ لأنّه هو الوجه المقبول منها، ويأتي الحديث عنه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ثانوي للموضوع الضرري(1) فيطلق على نفس الوضوء عرفاً أنّه ضررٌ.
فالضرر استعمل في معناه لغة، ولكن اُريد منه الوضوء الضرري أو العقد الضرري، من باب إرادة السبب من عنوان المسبب.
فهذه العناية لا بدّ من استعمالها على جميع التقادير على مبنى الآخوند، سواء طبقنا النكتة الأولى أو الثانية بأي تصوّر من تصوراتها.
وهناك عناية أخرى تختص بها النكتة الأولى، يعني: أن تطبيق محلّ الكلام على نكتة باب الحكومة، فيها عناية ثانية قد لا يمكن إيجادها في المقام، وبذلك يصبح تطبيق النكتة الأولى في المقام متعذراً.
وتوضيح ذلك: أنّنا قلنا بالنسبة إلى النكتة الأولى بأنّ النفي على قسمين: تارةً يكون بسيطاً واُخرى نفياً تركيبياً.
فالأوّل مثاله الواضح: “التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ“، والثاني مثاله الواضح: “شككّ بعد تجاوز المحلّ ليس بشكٍ“، فإنّ هذا الأخير من باب نفي عنوان عن حصّة بمفاد ليس الناقصة وهو معنى كونه تركيبياً.
وأمّا في الأوّل فليس المراد منه النفي التركيبي، وأنّ غيبة هذا المذنب ليس ذنباً، بل المراد أنّ الغيبة كأنّها لم تصدر منه بعد توبته؛ فهذا نفي لأصل صدور الذنب والغيبة بنحو مفاد ليس التامّة. ولهذا سميناه بالنفي البسيط.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
() فيلتزم بمؤونة أنّ الضرر أريد بما هو عنوان ثانوي وقصد منه العنوان الأولي وهو الوضوء الضرري أو العقد الغبني مثلاً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في أن النفي هل هو بسيط أو تركيبي
فالحكومة تتصوّر على وجهين: نفي تركيبي ونفي بسيط.
وقلنا: إن ما ذكره المحقّق النائيني من انحصار الحكومة بالتركيبي غير تامّ.
الآن نتساءل: أنّ النفي في (لا ضرر) هل يكون نفياً بسيطاً أو يكون نفياً تركيباً، فإذا أردنا ان تطبق عليه النكتة الأولى:
[أوّلاً: النفي البسيط]
نختار أولاً: الشقّ الأوّل، وهو أن يكون النفي نفياً بسيطاً، والضرر جعلناه بمعنى الوضوء الضرري، فكأننا قلنا: (لا وضوء ضرري)، وأردنا بذلك نفي وجود الوضوء الضرري بنحو النفي البسيط للوضوء الضرري أو العقد الغبني غير موجود. وهذا المطلب معقول، إلّا أنّه يتمّ في باب الموضوعات ولا يتمّ في باب المتعلقات.
توضيح ذلك: أنّ الموضوع الضرري تارةً يفرض أن نسبته إلى للحكم نسبة المتعلّق إلى الحكم كالوضوء بالنسبة إلى الحكم. واُخرى يفرض أنّه نسبة الموضوع المفروغ عن وجوده، كنسبة العقد الغبني إلى الصحّة واللزوم، وهذان يختلفان من حيث إنّ المتعلّق ليس وجوب الوضوء من تبعات وجوده خارجاً.
وأمّا العقد الغبني فالحكم من تبعات وجوده خارجاً، وقبل صدور العقد لا حكم بالصحّة أو اللزوم، أمّا الوضوء فكونه موجوداً أو غير موجودٍ لا يضر بوجود الوجوب، فإنّه إذا فرض أنّ الوضوء غير موجودٍ في الخارج لا يعني أنّ
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الوجوب غير موجودٍ، ولكن إذا فرض أنّ العقد غير موجودٍ في الخارج، فذلك يعني: أنّ اللزوم والصحّة غير موجودةٍ.
فإذا اتّضح هذا الفرق فنقول: إنّه بالنسبة إلى العقد يمكن إعمال هذه العناية بأن نقول: لا عقد ضرري في الخارج، ونريد بذلك أن ننفي نفياً بسيطاً الصحّة واللزوم عنه، بعناية أنّ الصحّة واللزوم هي لازمٌ لوجود العقد لا ينفك عنه. وحيث إنّه غير موجودٍ فكأنه لا عقد في الخارج؛ لأنّه إذا زال اللازم فكأنه لا ملزوم، كالعناية التي اعملناها في: “لا ربا بين الوالد وولده” و” يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ“.
وأمّا في جانب المتعلّق فليس الأمر هكذا، فإنّه إذا قال: (لا وضوء)، لا يكون لساناً مناسباً لنفي وجوب الوضوء؛ لأنّ هذا الوجوب ليس مربوطاً بأن يوجد الوضوء خارجاً، وليس لازماً له حتّى إذا تخلّف يقال: كأنّه لم يوجد في الخارج(1)، بل أنّ وجوب الوضوء قد يتحقّق مع أنّه لا وجود للوضوء بحسب الخارج أصلاً، كما لو عصى في الخارج، فوجوب الوضوء لا يمكن فيه أن يفترض أنّه لازمٌ لوجود الوضوء خارجاً حتّى ينفي بنفسه الوضوء الخارجي، وإنّما يمكن هذا بالنسبة إلى الحكم مع موضوعه الذي يؤخذ مفروض الوجود في عالم الجعل وتكون فعليّة الحكم تابعة لفعليّة موضوعه.
إذن، فإذا أردنا في المقام النفي البسيط كان هذا أمراً معقولاً، ولكنّه لا يمكن إجراؤه بباب المتعلّقات، وإنّما يختص تطبيق هذه النكتة في باب الموضوعات.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
() حتّى يمكن بيان نفي ذلك الحكم بنفي وجود ذلك المتعلّق في الخارج. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إنّ تطبيق نكتة(1) باب الحكومة على محلّ الكلام، هو باعتبار ظاهر عبارة (الكفاية)؛ لأنّ عبارتها: بأنّ لا ضرر من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، ويشبّه ذلك، بقوله: “يا أشباه الرجال ولا رجال“.
وهذا المثال إنّما هو من أمثلة النكتة الأولى؛ لأنّه يفرض هناك عنوان كلّي وهو (الرجال) له حكم وهو الوفاء مثلاً، ويريد أن ينفي عن خصوص المنحرفين بلسان نفي الموضوع.
فهل يمكن تطبيق باب الحكومة على محلّ الكلام أو لا(2)؟
تطبيق هذه النكتة على محلّ الكلام يحتاج إلى مؤونةٍ أخرى (3) بأن تطبيق أي منهما على محلّ الكلام يواجه المشكلة.
المقدّمة الأولى(4): وهي تتكفّل ما سبق أن بيناه من النكتة في باب الحكومة،
ــــــــــ[211]ــــــــــ
() أسهب سيدنا الأستاذ في هذه المحاضرة في بيان عدم إمكان تطبيق النكتة الأولى، باعتبار النفي البسيط على (لا ضرر)، وكان بعضها بعرضٍ جديد، فلا بد أن نكتب ما كان فيها من جديد. قال فيما قال: إنّ تطبيق نكتة… (المقرِّر).
(2) وهنا سأل أحد الإخوان: أنّ النكتة الاُولى حتماً يجب أن تنفي إطلاق الحكم لا أصل الحكم، فهل النكتة الثانية يجب أن تنفي أصل الحكم لا إطلاقه، أو يمكن أن تنفي في بعض الموارد إطلاق الحكم؟
فأجاب (سلمه الله): يمكن أن تنفي في بعض الموارد إطلاق الحكم، يعني بعض هذه النكات، كالنكتة الاُولى. (ثم عاد إلى أصل الكلام). (المقرِّر).
(3) ثم ذكر أنّ النفي في النكتة الأولى: بسيط وتركيبي وقال. (المقرِّر).
(4) ثم عرج على توضيح عدم انطباق النفي البسيط على المقام، وقدم له مقدمتين: المقدمة الأولى… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وحيث إنّها سبقت ويأتي ما يشير إليها، فلا نرى ضرورة لتسجيلها، فلتراجع.
ومن هنا نحتاج في إعمال هذه النكتة أن يكون الحكم المنفي أمراً مربوطاً بوجود الموضوع المنفي لساناً وترتباً على وجوده؛ فنعمل العناية في دعوى كونه لازماً لا ينفك عن وجوده، فتصحح بهذا نفيه بلسان نفي موضوعه.
المقدّمة الثانية: أنّ الوجوب له حالتان: حالة بالنسبة إلى متعلّقة، وحالة بالنسبة إلى موضوعه. فلو وجب إكرام العادل، فالمتعلّق هو (الإكرام) والموضوع هو (العادل).
وللوجوب حالتان بالنسبة إليهما، فبالنسبة إلى متعلّقه ليس مربوطاً بوجود الإكرام خارجاً يعني بمفاد (كان التامّة) للإكرام، بل مربوط بأن يكون إكرام زيد إكراماً للعادل، يعني: أن يتّصف إكرام زيد بذلك فيجب. وذلك بنحو (كان الناقصة)(1)، إذن فالوجوب يتوقف على صدق عنوان متعلّقه بنحو مفاد كان الناقصة، ولا يتوقّف على وجوده خارجاً بنحو مفاد كان التامّة، فمتى انتفى مفاد كان الناقصة انتفى الوجوب، كما لو انتفى صدق: أنّ إكرام زيد إكرام للعادل، بأن خرج زيد عن كونه عادلاً، فانتفى وجوب اكرامه، لكن ليس متى ما انتفى مفاد كان التامّة انتفى الوجوب حتّى ما لم تكرم زيداً في الخارج، لا يكون هناك، بل يكون هناك عصيان لهذا الوجوب الثابت.
هذه حالة الوجوب بالنسبة إلى متعلّقه.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
() والذي يهدمه هو نقيض مفاد كان الناقصة يعني مفاد ليس الناقصة: ليس اكرام زيد اكراماً للعادل، أمّا نقيض مفاد كان التامّة أي مفاد ليس التامّة، أي أن إكرام زيد لم يوجد في الخارج فهو لا يهدم الوجوب بوجه من الوجوه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وأمّا حالته بالنسبة إلى الموضوع وهو (العادل)، فالوجوب هنا يتوقف على مفاد كان التامّة أيضاً كما يتوقف على مفاد كان الناقصة. يتوقف على أن يوجد العادل بحسب الخارج، لأنّ كلّ مجعول تتوقف فعليته على فعليّة تمام ما أخذ مفروض الوجود في موضوعه في مقام جعله، فما لم يوجد عادل بحسب الخارج لا يترتّب على ذلك وجوب الاكرام بالفعل، فالوجوب بالنسبة إلى موضوعه يتوقف على مفاد كان التامّة ويهدمه نقيضها، وهو مفاد ليس التامّة.
إذا اتّضح ذلك فنقول: بأننا إذا حملنا الضرر على الوضوء الضرري أو العقد الغبني الضرري، وقلنا: بأنّ النفي هنا نفي بسيط، يعني: مفاد ليس التامّة، فمعنى هذا أنه نفي لأصل وجود الوضوء الضرري والعقد الغبني.
هذا المطلب يصير واضحاً وصحيحاً في طرف الموضوعات، كالعقد الغبني الذي وقع موضوعاً لوجوب الوفاء. فإنّ العقد الغبني هنا يمكن أن ينفى لساناً بالنفي البسيط، ويراد به نفي الحكم المترتّب على وجوده، يعني نفي وجوب الوفاء، فإنّ وجوب الوفاء حيث إنّه مترتّبٌ على موضوعه وهو العقد، فهو مربوطٌ بمفاد كان التامّة لموضوعه. يعني مربوط بوجود موضوعه.
فحينئذٍ يمكن بعناية نكتة باب الحكومة أن ينفي هذا الحكم بلسان أنّ موضوعه لم يوجد في الخارج، فكما لو لم يوجد موضوعه حقيقة لا يوجد هذا الحكم، فهنا بالعناية يدعى أنّ موضوعه لم يوجد في الخارج لأجل بيان أنّ هذا الحكم لم يوجد.
وإمّا بالنسبة إلى الوضوء الضرري، الذي يكون نسبته إلى الوجوب نسبة
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الحكم إلى المتعلّق؛ فالوجوب هنا غير مربوطٍ بمفاد كان التامّة للوجوب، يعني غير مربوطٍ بوجوده في الخارج، وليس أثراً له، وبهذا لو انتفى وجوده في الخارج حقيقة، فمع هذا لا يزال الوجوب؛ لأنّ الوجوب مربوط بمفاد كان الناقصة، أي: تكون هذه العمليّة وضوءًا، فالنفي البسيط الذي هو مفاد كان التامّة لا يمكن أن يؤتى به لأجل أن ينفي الحكم؛ لأنّ الحكم لم يكن من تبعات الوضوء خارجاً، ولم يكن عدم وجود الوضوء خارجاً حقيقة موجباً لانتفاء الحكم حتّى يكون نفيه الادعائي لساناً استطراقاً إلى نفي الحكم.
فقوله: الوضوء الضرري غير موجودٍ في الخارج من باب إعمال نكتة باب الحكومة غير صحيحٍ، لأنّ وجوب الوضوء لم يكن متوقفاً على مفاد كان التامّة المتعلّقة حتّى يُعمل العناية بنفيه بلسان أن مفاد كان التامّة المتعلّقة لم يوجد(1).
فيلزم بناءً على حمله النفي البسيط، أن تختص النكتة بخصوص الموضوعات ولا تشمل المتعلقات، مع أنّ المحقّق الخراساني لا يلتزم بذلك فإنّه يطبّق القاعدة على كلا الموردين. فتطبيق نكتة باب الحكومة بنحو النفي البسيط غير معقولٍ.
[ثانياً: النفي التركيبي]
أمّا إذا اخترنا أنّ النفي نفي تركيبي، يعني: نفي في مقابل كان الناقصة لا مفاد كان التامة. حينئذٍ لا يأتي الإشكال السابق؛ لأنّ الوجوب بالنسبة إلى موضوعه ومتعلقه معاً، يتوقف على مفاد كان الناقصة، فلو قلنا بان قاعدة (لا
ــــــــــ[214]ــــــــــ
(1) حاشية كتاب فرائد الأصول، (محمّد كاظم الآخوند الخراساني):168.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ضرر) معناها: بأن الوضوء الضرري ليس وضوءاً أو العقد الغبني ليس عقداً، فينتفي حينئذٍ وجوب الوفاء ووجوب الوضوء معاً بلا فرق بينهما، فإنّ وجوب الوضوء الضرري يتوقّف على أن يكون الوضوء الضرري وضوءاً، لأنّ متعلّقه هو الوضوء، فما لم يكن الوضوء الضرري وضوءاً لا يسري إليه الوجوب. كما أنّه لم يكن العقد الغبني عقداً فلا يسري إليه وجوب الوفاء لا محالة.
وحينئذٍ يمكن أن يفرض النفي التركيبي ادعاء لأجل نفي الحكم حقيقة؛ لأنّ هذا النفي الادعائي التركيبي إذا بدّلناه إلى حقيقي لكان مؤثّراً في نفي الحكم(1)، فيمكن أن ندّعيه لساناً لأجل نفي حكمه حقيقة.
فالإشكال الأوّل لا يأتي بناءً على أن يكون النفي تركيبياً. لكن -عجباً- هل في طاقة هذه الجملة -لا ضرر- أن تدلّ على النفي التركيبي؟
كَلّا، ليس في طاقتها ذلك بحسب ما هو المفهوم منها، بحيث لو اُريد منها النفي التركيبي لم يكن هذا بياناً مفهوماً عند العرف بأي وجه من الوجوه، وذلك لأنّ (لا) انصبّت على شيءٍ واحدٍ وهو عنوان الضرر، والنفي التركيبي هو نفي شيء عن شيء، لا نفي شيء في نفسه، فإنّ الفرق بين النفي التركيبي والبسيط، أنّ النفي البسيط يلاحظ فيه شيء واحد، وأمّا التركيبي فلا بدّ فيه ملاحظة شيئين فينفى هذا عن ذاك، وفي (لا ضرر) لوحظ شيء واحد لا شيئان.
إذن فهذه الجملة لا تتحمل النفي التركيبي، ولا بدّ من حملها على النفي البسيط.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
() كما إذا لم يكن الوضوء الضرري والعقد الغبني وضوءاً وعقداً حقيقيّة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في الفرق بين (لا ضرر) و(لا ربا)
ولأجل تكميل وتوضيح المقصود في هذا المطلب نقول:
إن قلتَ: ما الفرق ما بين (لا ضرر) وبين (لا ربا بين الوالد وولده)، وإنّهما متماثلان، وذلك بتخيّل: أنّ مصبّ النفي هنا أيضاً عنوان بسيط، بعد توحيد القيد والمقيد وجعل (الربا بين الوالد وولده) مفهوما واحداً. والمفروض في (لا ضرر) إننا أيضاً أرجعناه إلى قيد ومقيد؛ لأنّه اُريد به الوضوء الضرري، بعد إعمال تلك العناية التي بيناها؛ فهنا كأنّه قلنا: (لا وضوء ضرري). وهناك قلنا: (لا ربا بين الوالد وولده). فإذا كنتم تقولون في مثال الربا بالنفي التركيبي، مع أنّ المنفي هو القيد، فقولوا هنا أيضا بالنفي التركيبي والمنفي هو المقيّد وهو الوضوء الضرري.
الجواب عن ذلك:
أولاً: نشرح كيفية النفي التركيبي في مثال الربا، ثُمّ نشرح عدم إمكان ذلك في حمل الكلام.
أمّا (لا ربا بين الوالد وولده) فقد انصب فيه النفي على عنوان الربا، والربا له نحوان من الثبوت، ثبوت بنحو مفاد كان التامّة وهو وجوده في الخارج، وثبوت بنحو مفاد كان الناقصة، وهو ثبوته لمعاملةٍ، وانطباق هذا العنوان على المعاملة الواقعة بين الأب وابنه. فلو أنّنا جمدنا على حاق اللفظ لقلنا بان ظاهر نفي الربا هنا هو النفي البسيط، يعني نفي وجوده الخاصّ، أي وجوده بين الوالد وولدهن ولكننا نؤوله فنلتزم بالنفي التركيبي في المقام، ونقول: بأن نفي
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الربا هنا بلحاظ ثبوته بنحو مفاد كان الناقصة. وقرينتنا على مثل هذا التأويل
-لو تقبلون- هي الارتكاز.
فإنّ الارتكاز بمناسبات الحكم والموضوع يفهم من هذه الجملة أنّ الشارع لا يريد أن يقول: إنّ المعاملة مع الزيادة لا تصدر من الأب والابن، بل يريد أن يقول: إنّ المعاملة مع الزيادة ليست زيادة؛ لأنّ الكيس واحد وهو عندهما. حيث إنّ العرف بارتكازه يفهم هذا، فنؤوله فنقول: بأنّ النفي انصب على عنوان الربا بلحاظ ثبوته بعنوان كان الناقصة، فالمنفي نفي لثبوته بهذا النحو، لا نفي لثبوته بنحو كان التامّة.
فلو جاء مثل هذا اللفظ ولم يكن مثل هذه الارتكاز نحمله على النفي البسيط، كما لو جاء: (التائب من الذنب لا ذنب له) فإنّ الشارع يريد أن يقول: إنّ التائب لم يصدر منه ذنب، لا أنّ ذنبه ليس بذنب فهنا ابقي النفي البسيط على حاله. هذا في: (لا ربا).
وأمّا في (لا ضرر)، فلو فرض أنّ الجملة كانت من أوّل الأمر هكذا: (لا وضوء ضرري) لكان الكلام هو الكلام، وقلنا: إنّ النفي انصب على عنوان الوضوء، وظاهره تعيّن النفي البسيط، ولو قامت قرينة على الثاني نأخذ به. فيكون لا وضوء ضرري كقولنا: (لا ربا بين الوالد وولده)، من دون فرق ما بينهما اصلاً.
إلّا أنّ مصبّ النفي في المدلول الاستعمالي واللفظي في الحديث هو مفهوم الضرر، وإنّما قلنا: بأنّه اُريد منه الوضوء من باب أنّه مصداقٌ لهذا العنوان
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الثانوي؛ فلا بدّ وأن يكون المراد سنخ نفي بحيث يمكن أن يضاف إلى نفس عنوان الضرر أيضاً، لا سنخ نفي غير مربوطٍ بالضرر أصلاً.
وحينئذٍ فإذا كان نفياً بسيطاً، يعني نفي أصل وجود الوضوء الضرري، فهذا نفي لعنوان الضرر؛ لأنّ نفي وجود المصداق نفي للكلّي المنطبق عليه؛ فإنّ الضرر كما يوجد بوجود الوضوء ينتفي بانتفائه شأن كلّ كلّي.
وأمّا لو اُريد النفي التركيبي بمعنى: أنّ الوضوء الضرري ليس وضوءاً، فيكون مصبّ النفي هو مفاد كان الناقصة في قولنا: الوضوء الضرري ضرر. وحينئذٍ أيّ ربط لهذا بالضرر؟ إذ يقال: الوضوء الضرري ليس وضوءاً والضرر لم يصبه أي نفي. فما هو مصبّ النفي بحسب المدلول الاستعمالي لم ينفِ بوجه من الوجوه، والذي نفي شيء آخر، وهذا ليس استعمالاً عرفياً أن يسلط أداة النفي على عنوان ويريد بذلك نفي شيء آخر، من دون أن يصيب النفي هذا العنوان بوجه من الوجوه.
ففي (لا ضرر) إنّما يتعين النفي البسيط، ولا يجوز النفي التركيبي، لأنّ النفي التركيبي لا يكون نفياً لعنوان الضرر بوجه من الوجوه.
بخلاف النفي التركيبي في (لا ربا بين الوالد وولده)، فإنّه نفي لمصبّ النفي حتّى في عالم المدلول الاستعمالي؛ فإنّ الربا لحقه النفي بوجه من الوجوه، غاية الأمر بمفاد كان الناقصة دون التامّة.
وبذلك يتبرهن أنّ القسم الأوّل من نكتة باب الحكومة، لا يمكن تطبيقها على جملة لا ضرر، لا بنحو النفي البسيط ولا التركيبي هذا تمام الكلام في تحقيق عدم انطباق القسم الأوّل من النكتة على محلّ الكلام.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في نفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع
النكتة الثانية(1): وهي النكتة التي تصحح نفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع. وهذه النكتة -كما قلنا- لها تصورات ثلاث:
فتارةً: ينفي أصل الموضوع بوجوده التشريعي الاعتباري لساناً، واُخرى بوجوده الاستساغي، واُخرى بوجوده الخارجي لساناً.
ونبدأ بكلّ واحدٍ من هذه التصورات لنرى أنّه هل يصح التطبيق أو لا؟
التصور الأول: في نفيه بلحاظ وجوده التشريعي
التصور الأوّل: هو نفي الحكم بلسان الموضوع بلحاظ وجوده التشريعي والاعتباري المقوم للحكم في أفق جعله -أي الحكم-.
وهذه النكتة قلنا إنّها غير صحيحةٍ كبروياً، بمعنى: أنّها غير منسجمةٍ مع الارتكاز العرفي، وبرهنا على أنّها لا تكفي -بحسب الفهم العرفي- لأنّ تصحح نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. فالإشكال على تطبيقها هنا يكون اشكالاً كبروياً راجعاً إلى ابطال أصل هذه النكتة.
لكن لو سلّمناها كبروياً وفرضنا أنّها تامّةٌ، كما بيّن ذلك -مثلاً- المحقّق الاصفهاني. فلا بدّ لنا أن نستأنف تحقيقاً في أنّ هذه النكتة، هل تنطبق على محلّ الكلام أو لا؟
والتحقيق أن يقال: إنّ هذا الموضوع الذي نريد أن ننفيه بلحاظ وجوده
ــــــــــ[219]ــــــــــ
() لخص أولاً الإشكالات على تطبيق نكتة باب الحكومة على محل الكلام كما سبق، ثم قال: بعد هذا ننتقل إلى النكتة الثانية: وهي النكتة… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الاعتباري والتشريعي في قولنا: (لا ضرر)، إمّا أن نعمل فيه العناية الأولى التي أشرنا اليها فيما سبق، فنقول: إنّ المراد من الضرر الوضوء الضرري، ولا ضرر يعني لا وضوء ضرري، بلحاظ وجوده الاعتباري فننفي الوجود الاعتباري للوضوء الضرري.
وأمّا أنّ لا نُعمل تلك العناية ونقول: إنّ المنفي نفس عنوان الضرر بما هو ضرر باعتبار وجوده الاعتبار والتشريعي.
فإن لم نعمل العناية الأولى، وقلنا: إنّ المنفي هو الضرر بما هو ضرر، وإنّ الضرر يكون وجوده الاعتباري منفياً؛ فهذا يكون خطأ؛ وذلك: لأنّنا بيّنا فيما سبق أنّ هذه النكتة -على فرض قبولها- فهي إنّما يمكن أن يُنفى بها حكم بلسان نفي الموضوع، فيما إذا فرض أنّ ذاك الموضوع كان يترقّب، بحسب تشريع عامّ أو تصور سابق أو تشريع سابق، فيترقب أن يكون مثل هذا الموضوع موضوعاً لمثل هذا الحكم. فمثلاً يترقّب أنّ الرهبانيّة تكون موضوعاً للجواز بلحاظ أنّها كانت كذلك فيما سبق، فينتفي الجواز بنفي الوجود التشريعي للموضوع.
وفي المقام أيّ حكم هو ذاك الحكم الذي يترقّب بالارتكاز لعنوان الضرر حتّى ينفي هنا الحكم بلسان نفي الوجود الاعتباري والتشريعي للضرر؟ فهل كان هناك حكم بالجواز مثلاً على عنوان الضرر في شريعة سابقة أو مجتمع عقلائي سابق، حتّى ينفي هذا الحكم بلسان نفي الوجود التشريعي للموضوع؟ بل كان الثابت بحسب ارتكاز الشرائع السابقة أيضاً عدم جواز
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الضرر(1). فليس الجواز ونحوه حكماً مناسباً حتّى ينفى بنفيه. فتطبيق التصوّر الأوّل في المقام -على فرض تسليمه كبروياً- أيضاً غير تامًّ. هذا إذا أردنا أن لا نعمل العناية الأولى(2).
وأمّا إذا فرضنا أنّنا أعملنا هذه العناية، وأنّ الضرر اُريد به الوضوء الضرري، فـ(لا ضرر) يعني لا وضوء ضرري أو لا عقد غبني ضرري، بلحاظ وجوده الاعتباري التشريعي في عالم الجعل؛ فهذا يكون أمراً صحيحاً، وبعد الفراغ عن كبرى النكتة وغض النظر عن الإشكال فيها يكون هذا التطبيق في المقام صحيحاً، ويجري في باب الوضوء والعقد معاً يعني في باب الموضوعات وباب المتعلقات؛ لأنّه كما أنّ الموضوع له وجود اعتباري في عالم جعل حكمه، كذلك المتعلّق فينفي حكم المتعلّق بذلك كما ينفي حكم الموضوع به.
وقد ذكرنا بأنّ هذه النكتة يحتاج إلى أن يكون الحكم المنفي حكماً على صلة بالموضوع بحسب الارتكاز، وهذا أيضاً موجود في المقام فإنّ الوضوء الضرري له علاقة بالوجوب في ارتكاز الناس ناشئاً من جعل الوجوب على عنوان الوضوء، وكذلك العقد الغبني له علاقة باللزوم لخطاب (اوفوا بالعقود).
ــــــــــ[221]ــــــــــ
() فينتج عكس المقصود، أي نفي ما هو الحكم الارتكازي للضرر، وهو عدم جوازه. (المقرِّر)..
(2) وهنا قلت له: هذا الشقّ ماذا كانت الحاجة إلى ذكره مع أنّ المفروض أنّنا نعمل هذه العناية على أي حال؟
فأجاب: الحاجة هي استيعاب البحث، لا أكثر.
ثُمّ قال: وجه الحاجة هو: للبرهنة على ضرورة إعمال هذه العناية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فالعلاقة بين الحكم الذي يراد نفيه والموضوع الذي نُفي لساناً واعتباراً موجودة نتيجة لتلك الأحكام الكليّة المجعولة على تلك العناوين، إذن فتطبيق هذه النكتة يكون في محلّه. هذا هو التصوّر الأوّل.
التصور الثاني: في نفي الوجود الاستساغي
التصوّر الثاني للنكتة الثانية وهو أن يكون المنفي هو الموضوع بلحاظ وجوده الاستساغي، بالمعنى الذي شرحنا فيما سبق.
وهنا أيضاّ نشقّق -خلافاً للسيّد (سيّد محمّد)(1)– ونقول: إنّنا إمّا نعمل العناية الأولى وإمّا أن لا نعملها. يعني إمّا أن نقول بأنّ المراد من الضرر الوضوء الضرري والعقد الضرري، فقد أعمّلنا تلك العناية، فكأننا قلنا: لا وجود استساغي لوضوء الضرري أو للعقد الضرري. أو أنّ لا نعملها، ونقول: بأنّ الضر بما هو ضرر لا وجود استساغي له بالشريعة.
فإذا فرضنا أننا لم نعمل العناية الأولى، وفرضنا: أنّ المنفي هو نفس الضرر بما هو ضرر بلحاظ وجوده الاستساغي في الشريعة، فحينئذٍ يكون هذا المطلب هو أحد محتملات الوجه الثاني من الوجوه الأربعة التي خرجنا عليها المذهب الفقهي الثالث في التفسير الثالث، وهو المذهب الذي يقول: بأنّ القاعدة يستفاد منها حرمة الضرر، وكان الوجه الثاني له هو أنّ الجملة خبريّة ونقدر لها خبراً. فنقول: (لا ضرر جائز) أو (لا ضرر موجود في الإسلام) ونريد به
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) المقصود به كاتب هذه الحروف إشارة إلى السؤال الذي سألته قبل قليل (توضيح) (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الوجود الاستساغي فمحلّ الكلام هو عين ذاك الوجه.
والشيء الذي لا بُدّ لنا أن نبحث عنه هنا، هو: أنّ هذا الوجه الذي قد عرفنا هناك أنّه يخرج المذهب الفقهي الثالث، يعني: يثبت به حرمة الضرر بما هو ضرر، فحينما نقول: إنّ الضرر ليس له وجود استساغي في الشريعة، فهذا معناه: أنّ الضرر ليس بجائز في الشريعة، ومقتضى إطلاقه هو استفادة تعلّق الحرمة به.
لكن هنا نريد أن نقول: إنّه هل يمكننا أن نستفيد من هذا الوجه الحرمة ونستفيد منه نفي الحكم الضرري، يعني: نخرج عليه المذهب الفقهي الثالث والمذهب الأوّل معاً أو لا يمكن؟
[تحقيق الحال]
التحقيق بأنه من الممكن أن يقال: إنّ هذا الوجه قد يخرج كلا المذهبين؛ وذلك لأنّ المنفي بناءً على هذا الوجه هو عنوان الضرر بما هو ضرر بوجوده الاستساغي في الشريعة، والوجود الاستساغي لعنوان الضرر يكون على نحوين:
تارةً يكون للضرر وجود استساغي في الشريعة من باب أنّها ترخص فيه أو تأمر به.
واُخرى يكون للضرر وجود استساغي في الشريعة من باب أنّ الشريعة تتكفّل قانوناً يؤدي حتماً إلى الضرر، فإن هذا أيضاً نحو وجود للضرر في الشريعة، كتشريع لزوم العقد الغبني الذي يؤدي إلى الضرر حتماً. إذن، فللضرر وجود في الإسلام.
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وقد قلنا فيما سبق: إنّ الوجود الاستساغي عبارة أخرى عن الوجود في الصورة الخارجيّة المطابقة للقانون؛ فكلّ ما هو موجود في هذه الصورة يضاف إلى نفس القانون بالعرض والمسامحة والصورة الخارجيّة المطابقة للقانون هنا، كما يوجد فيها الضرر حينما يرخّص القانون في الضرر، كذلك يوجد فيها الضرر حينما تشرع الشريعة قانوناً يؤدي حتماً إلى الضرر، فيضاف وجوده إلى الشريعة بنحو من المسامحة، ويسمى هذا الوجود بالوجود الاستساغي. ومقتضى إطلاق نفي الوجود الاستساغي هو نفي كلا المطلبين في المقام، ففرق بين مثل (لا ضرر) وبين مثل: (لا زنا في الإسلام)؛ فإنّ الثاني ينفي الوجود الاستساغي للزنا، وهو لا يحصل إلّا بأنّ الإسلام يبيح الزنا، فنفي الوجود الاستساغي للزنا مرجعه إلى نفي إباحة الزنا وإثبات حرمته. ولا معنى لأن يحصل الزنا تكويناً من ناحية القانون.
وهذا بخلاف الضرر، فإنّه تارةً ينشأ من ناحية إباحة القانون له، واُخرى ينشأ من ناحية أنّ القانون بنفسه يوقع الإنسان بالضرر، فكلاهما وجود استساغي للضرر، وكلاهما منفي بمقتضى الإطلاق(1).
إلّا أنّه بناءً على هذا، فبهذه العبارة ينفي الحكم الضرري أي ننفي وجوب
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: لماذا قلتم فيما سبق أنّه بناءً على نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، على كلّ الشقوق لا بدّ أن يجعل الضرر عنواناً للوضوء؟
أقول: كان السيّد عازما على تقرير المطلب الذي يكون جواباً لهذا السؤال في متن المبحث فلذا أجاب سلمه الله: الآن اقول. ثُمّ قال:… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الوضوء لأننا ننفي الوجود الاستساغي للضرر. لكن لا يكون حينئذٍ نفي وجوب الوضوء بلسان نفي موضوعه وهو الوضوء الضرري، بل يكون بهذه الصناعة، لا بصناعة نفي الموضوع وإن كانت النتيجة هي نفس النتيجة.
هذا إذا لم نعمل العناية الأولى، وفرضنا أنّ النفي تسلط على الضرر بما هو ضرر بلحاظ وجوده الاستساغي.
وأمّا إذا اعملنا العناية الأولى، وفرضنا أنّ الضرر لوحظ فانياً في مصداقه وهو الوضوء الضرري. (فلا ضرر)، يعني: لا وضوء ضرري ولا عقد غبني ضرري بلحاظ وجودهما الاستساغيين، فهذا أمر معقول أيضاً، والتطبيق يكون صحيحاً بالنسبة إلى المتعلّقات والموضوعات معاً.
ويكون معنى الوجود الاستساغي في الوضوء الضرري والعقد الغبني، هو عدم تشريع الوضوء الضرري تكليفاً وعدم تشريع العقد الغبني وضعاً، فإنّ استساغة كلّ شيءٍ بحسبه، فكما أنّ الوضوء الضرري إذا كان مشرعاً تكليفاً يكون له نحو من الوجود الاستساغي كذلك العقد الغبني، لو كان مشرعاً وضعاً أيضاً يكون له نحو من الوجود الاستساغي؛ فبتوسعة دائرة الاستساغي للوجود الاستساغي التكليفي والوضعي يمكن في المقام أن نعمم هذا المطلب للمتعلقات والموضوعات معاً. ونقول: بأنّ الوضوء الضرري والعقد الضرري ليس لهما وجود استساغي وذاك يعني: أنّه لم يشرع تكليفاً وهذا بمعنى أنّه لم يشرع وضعاً. ويكون أمراً صحيحاً بعد إعمال العناية الأولى (1).
ــــــــــ[225]ــــــــــ
() وهنا قلتُ له: إنّ مقتضى إطلاق الحكم الوضعي أنّه لا صحّة أصلاً؟
فأجاب: هذا إشكالٌ على عدم لزوم المعاملة الغبنيّة، وهو أحد الإشكالات الفقهيّة في التمسك بلا ضررٍ على إثبات خيار الغبن. ونحن الآن لا نريد أن نناقش في إشكالات التطبيق، وإنّما مقصودنا من أخذ هذه المصاديق في مقام الأمثلة، توضيح الأفكار العامّة. إمّا أنّ هذه الامثلة صحيحة أو لا؟ فهذا لا شغل لنا فيه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
التصور الثالث: نفيه بلحاظ الوجود الخارجي
انتهينا إلى التصور الثالث للنكتة الثالثة: وهو أن يكون المنفي هو الحكم بلسان نفي الموضوع بلحاظ وجوده الخارجي -لا وجوده التشريعي ولا الاستساغي- بعناية أنّ عدم وجود الشيء في الخارج يكون من تبعات المنع عنه شرعاً -مثلاً-.
وفي هذا التصوّر أيضاً نتساءل، كما تساءلنا في التصورين الأولين: أنّنا هل نُعمِّل العناية الأولى المشتركة، وهي أن نفرض أنّ الضرر يكون عنواناً اُريد به الوضوء الضرري أو العقود الضرري، أو لا نُعمِّلها، ونقول: إنّ الضرر اُريد به نفس عنوانه بما هو هو؟
فإذا فرض أنّنا لم نُعمِّل تلك العناية وفرضنا أنّ المنفي لساناً هو نفس عنوان الضرر بلحاظ وجوده الخارجي، فحينئذٍ إن كان النفي نفياً كنائياً، وكان المراد جداً إفادة ملزوم نفي الضرر(1) وهو الحرمة. كقولنا: لا خروج بعد الغروب ولا رفث ولا جدال. فيكون هذا الوجه بعينه هو أحد الوجهين الثالث أو الرابع
ــــــــــ[226]ــــــــــ
() وفي الضرر هو المدلول الاستعمالي والمراد جداً بيان ملزومه وهو الحرمة، وسيأتي الكلام عنه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
من الوجوه الاربعة التي خرجنا على أساسها المذهب الفقهي الثالث، فإنّ النفي هنا إن كان نفياً انشائياً كنائياً فهو الوجه الثالث وإن كان نفياً إخبارياً كنائياً فهو الوجه الرابع.
وإن فُرض أنّ النفي لم يكن كنائياً، بل كان جدياً فحينئذٍ لا بدّ أن نوقع عليه نحواً من التقييد لأجل أن يكون نفياً صحيحاً، بأن نقيده بالضرر الناشئ من الشريعة أو الضرر بلحاظ النظر التشريعي
وهذا يكون الاسلوب الثاني من الاساليب الثلاثة لتخريج المذهب الفقهي الأوّل.
فإننا قلنا: بأن المذهب الأوّل يخرج بأحد اساليب ثلاثة:
إمّا أن يكون النفي نفياً للحكم الضرري أو نفياً للضرر الناشئ من الحكم أو نفياً للموضوع الضرر الذي هو محلّ الكلام فعلاً.
وعلى كلّ من التقديرين(1) لا يكون من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. هذا إذا لم نُعمِّل العناية الأولى المتشاركة.
وأمّا إذا أعملنا تلك العناية وقلنا: بأنّ الضرر هنا اُريد منه الوضوء الضرري، ويكون النفي نفياً للوضوء الضرري بلحاظ وجوده الخارجي، فهنا بالإمكان أن يقال: إنّ هذا النفي نفي لموضوع الحكم؛ لأنّ الوضوء الضرري موضوع للوجوب، فيكون نفياً للموضوع لساناً واُريد به نفي الوجوب.
وذلك: باعتبار أنّ الوضوء الضرري كأنّه إذا لم يجب لم يوجد. إذ ليس من
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) يعني سواء كان نفي الضرر كنائياً أو لم يكن. (إيضاح) (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
المفروض أنّه إذا لم يجب أيضاً قد يوجد لكونه ضررياً، فكأن منشأ وجوده منحصر في إيجابه، فإذا لم يوجب لم يوجد؛ فبهذه العناية يصح أن يجعل نفي الوضوء الضرري هنا كناية عن نفي الوجوب دون حاجة إلى إثبات الحرمة؛ إذ يكفي في نفي الوضوء الضرري -الذي بطبعه لا يوجد في الخارج ما لم يكن هناك ملزم- يكفي في نفي وجوده خارجاً بنحو الكناية أن يكون غير واجبٍ، فكان عدم وجوبها كالعلّة التامّة لعدم وجودها خارجاً، فيُكنّى بعدم وجودها عن عدم وجوبها، وهي كناية صحيحة(1).
هذا بالنسبة إلى المتعلّق مع الحكم.
وكذلك أيضاً العقد الغبني، فإنّه ينفى ويكنى بذلك عن نفي الصحّة مثلاً. باعتبار أنّ العقد الباطل لا يتعامل به المنقاد بحسب الخارج؛ فإنّ المنقاد كما يفرض أنّه لا يتخلّف عن الأحكام التكليفيّة كذلك يفرض أنّه لا يتعامل بالعقود الباطلة؛ فيكنى عن بطلان العقد بعدم وجوده خارجاً؛ لأنّ عدمه معلول للبطلان، كما أنّ عدم وجود الوضوء معلول لعدم الوجوب أو للحرمة(2).
ــــــــــ[228]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: هذا إذا كان الضرر راجعاً إلى نفس الفرد؟
قال: بلي، كما هو الحال في الوضوء.
قال الاخ: لكن (لا ضرر) حتماً لا ينظر إلى خصوص هذا الفرد؟
قال: بلي، حينئذٍ لا بُدّ بناءً على هذا من تقييده بخصوص الضرر الواقع بالنسبة إليه مثلاً أو شيء من هذا القبيل. (المقرِّر).
(2) وهذه نكتة واحدة في الوضوء والعقد كما ظهر من قول السيّد. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
هذا يمكن تخريجه على هذا الأساس، وإن يقال: إنّه يكون من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، إلّا أنّه على هذا يلزم جملة من الفوارق بين هذه النتيجة المعطاة على هذا التصوّر، والنتيجة المعطاة على تصورات أخرى أصحّ وأشهر. ولعلّه تأتي الإشارة إليها خلال التنبيهات، هذا كلّه لو حسبنا كلّ تصوّرٍ من هذه التصورات.
في التلفيق بين هذه النكات
ثُمّ الآن نتكلّم في التلفيق ما بين هذه التصورات، فهل يمكن أن نأخذ نكتتين من هذه النكات، ونقول: بأنّ الجملة مسوقة بلحاظ مجموع نكتتين أو تصورين أو لا؟
والتلفيق يتصور بأحد صورتين:
الصورة الأولى
إنّ المنفي في الموضوع هو كلّ وجوداته، لا خصوص وجوده الخارجي أو التشريعي أو الاستساغي، فإنّ الموضوع ما دام له ثلاثة أنحاء من الوجود وثلاثة أنحاء من المصاديق، فلنقل بأنّ المنفي هو الموضوع بلحاظ تمام هذه الوجودات، لأجل أن نحصّل بذلك بركات تمام هذه الاحتمالات؛ فهذه دعوى من التلفيق، وكأنّه من باب التمسك بالإطلاق في المقام(1).
ــــــــــ[229]ــــــــــ
() وهنا قلتُ: طبعاً هذه الدعوى مستحيلة، باعتبار أنّه يلزم منها استعمال اللفظ في معنيين* أو ثلاث معانٍ؟
فأجاب: هذه مصاديق لمعنى واحد، ولفظ الضرر لم يستعمل في معانٍ متعدّدة، بل استعمل –مثلاً– في الوضوء الضرري، لكن نفيه أليس بلحاظ وجوده ومصداقه، فننفيه في تمام مصاديقه، مصداقه الاعتباري ومصداقه الاستساغي ومصداقه الخارجي؛ فهذا نفي للطبيعة بلحاظ تمام مصاديقها وليس من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
* وقد ظهر من السيّد أنّه يرى عدم استحالة استعمال اللفظ في معنيين إلّا أنّه يرى أنّ ذلك يحتاج إلى قرينة خاصّة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
إلّا أنّ هذا التلفيق غير صحيحٍ، وذلك: لأنّ هذا التلفيق وإن كان معقولاً ثبوتاً، يعني: ليس فيه استحالة منطقيّة. ولكنّه مما لا يفي به الدليل بحسب مقام الإثبات؛ لأنّ توهم وفائه بحسب مقام الإثبات ينفي هذه الوجودات الثلاثة، وهذا مبني على أنّ الاطلاق يقتضي ذلك. مع أنّ الإطلاق لا يقتضي ذلك؛ لأنّ نحوين من الوجود من الأنحاء الثلاثة مصاديق عنائية وليست حقيقيّة، وهي الوجود الاعتباري والاستساغي، وهما نحوان من الوجود المسامحي بالنسبة إلى عنوان الضرر، وليس مصداقاً حقيقياً له، وليس في واقعه إلّا مجرّد العناية والفرض والتصوّر، والمصداق الحقيقي إنّما هو عبارةٌ عن الوجود الخارجي.
والإطلاق لا يقتضي إسراء المفهوم إلى مصاديقه العنائيّة والمجازيّة، فإنّ المصاديق العنائيّة يحتاج شمول الإطلاق لها إلى قيام قرينة على إعمال تلك العناية، فما لم تقم قرينة على ذلك لا يمكن شمول الإطلاق لها، فمجرّد مقدّمات الحكمة لا تفي لإثبات شمول إطلاق المنفي لتمام هذه الوجودات، فهذا التلفيق غير صحيحٍ.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الصورة الثانية:
إنّنا لا ننفي الوجود الخارجي والعنائي لمفهوم الضرر، بل ننفي الوجود الخارجي فقط، لكن نلفّق بين عناية التصور الثالث وعناية باب الحكومة التي هي النكتة الأولى في مقام إفادة المعنى، والمنفي على أيّ حال هو الوجود الخارجي في كلا النكتتين، فلم نجمع بين وجود عنائي ووجود خارجي. غاية الأمر هنا لا بدّ أن نجمع بين عنايتين: العناية المصححة لنكتة باب الحكومة والعناية المصححة للتصوّر الثالث من النكتة الثانية.
وأنا أذكر هاتين العنايتين حتّى تستذكروا منهما عناية باب الحكومة، وهي إعمال العناية في دعوى أن حكماً من الأحكام كأنّه لازمٌ لا ينفك عن موضوعه، فحينما يراد أن يفنى الحكم يصح أن ينفى بلسان نفي الموضوع.
فهناك عناية أنّ الحكم لا ينفك عن موضوعه، فكان وجوب الوفاء بالعقد لازم لا ينفك عن العقد، فحينما يراد بيان أنّ العقد الغبني لا يجب الوفاء به فكأنّه ليس عقداً؛ لأنّ وجوب الوفاء لازم للعقد.
وهنا في التصوّر الثالث نحتاج إلى إعمال عناية في فرض أنّ الموضوع المنفي يكون نفيه لازماً لنفي الحكم -بالعكس عن ذاك- فحينما نقول: (لا وضوء ضرري)، يعني: حيث إنّ المولى لم يجز الوضوء، فكأن عدم جوازه شرعاً يترتّب عليه عدم الوضوء خارجاً.
إذن فنحن نقول: (لا شيء ضرري)، ونريد بالشيء هنا الأعم من الوضوء والعقد، لكن في باب العقد نعمل النكتة الأولى وفي باب الوضوء نعمل التصور
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الثالث من النكتة الثانية، فـ(لا عقد ضرري) بعناية أنّ وجوب الوفاء لازم لا ينفك عن العقد، وفي (لا وضوء ضرري) بعناية أنّ عدم الوضوء من لوازم تحريمه شرعاً. إذن فبالنسبة إلى العقد يكون كناية عن عدم اللازم بعدم الملزوم بعد إعمال عناية اللزوم، وفي باب الوضوء يكون كناية عن عدم الملزوم بعدم اللازم، بعد إعمال عناية اللزوم.
هذا التلفيق أيضاً معقول ثبوتاً، ولكن لا يفي به الدليل بحسب مقام الإثبات، وذلك: لإنّ كُلاً من هاتين الحصتين -العقد الضرري والوضوء الضرري- يحتاج إفادته للمعنى الجدي -فإنّه استعمال كنائي- إلى عنايةٍ، عناية أنّه لازمٌ أو عناية أنّه ملزومٌ. فيحتاج إلى ضمّ إحدى هاتين العنايتين، لأجل أن يستفاد منه المقصود الجدي، ومجرّد إجراء الإطلاق بمقدّمات الحكمة في كلمة (الضرر)، لأجل تعميمه للوضوء الضرري والعقد الغبني، لا يفي باقتناص المراد الجدي؛ فإنّه إنّما يفي بذلك لو كان الاستعمال حقيقياً، ولم يكن اقتناص المراد الجدي متوقفاً على بذل عناية زائدة على ذلك الاطلاق. أمّا لو كان اقتناص المراد الجدي -الذي هو عدم وجوب الوضوء وبطلان العقد- يتوقّف على بذل عناية زائدة على إطلاق المدلول الاستعمالي، فتلك العناية تحتاج إلى قرينةٍ لا محالة ومجرّد الإطلاق ومقدّمات الحكمة لا يفي بإثباتها.
فحينئذٍ، لا يكون الدليل بحسب مقام الإثبات وافياً بالتلفيق ما بين نكتتين.
هذا هو تمام الكلام في تطبيق نفي الحكم بلسان نفي الموضوع على محلّ الكلام.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وبعد ذلك نتعرض إلى مراد صاحب (الكفاية)(1).
قلنا في أوّل هذا المقام: إنّ هناك مذاهب ثلاثة فقهيّة في تفسير الحديث. ثُمّ صرنا في مقام تعداد الوجوه المحتملة التي تخرج كلّ واحدٍ من هذه المذاهب، وقد انتهينا من المذهب الثالث والأوّل.
بقي علينا المذهب الثالث الذي كان وسطاً(2) بين المذهبين وهو المذهب الذي يقول بأنّ الجملة المباركة يستفاد منها وجوب تدارك الضرر لا نفي الحكم الضرري، بل كلّ ضررٍ يقع بآفة سماويّة أو أرضيّة يجب تداركه.
وهنا وجهان يمكن على أساسهما تخريج هذا المذهب:
الوجه الأوّل: يتوقّف على إعمال عنايتين:
إحداهما: أن يفرض أنّ الضرر الذي يتدارك كأنّه غير موجود فينزل الضرر المتدارك منزلة المعدوم، ومصحح هذه العناية هو ملاحظة النتيجة بعد
ــــــــــ[233]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الاُخوان: إنّ الإطلاق وان لم يقتضِ ذلك، لكن هل احتماله موجود؟ يعني الجمع بينهما ليس خلاف الظاهر؟
فأجاب: بلا إشكالٍ خلاف الظاهر؛ فإنّ ظاهر الكناية بذل عناية واحدة في مقام معرفة المراد الجدي من المراد الاستعمالي؛ فكما أنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى معقول، لكنّه خلاف الظاهر، كذلك، جعل اللفظ الواحد كناية عن أكثر من نكتتين نكتة، معقولٌ أيضاً لكنه خلاف الظاهر. (المقرِّر).
(2) يقصد أنّه الثاني باعتبار تعداده السابق، ولا يخفى أنّه وعد في هذه المحاضرة التعرض لكلام الآخوند لكنه نسيه. (المقرِّر).
(3) وهنا قال دام ظله بعد سؤال: العناية الثانية يمكن تبديلها بعنايات أخرى. تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الكسر والانكسار. فإنّ من خسر ديناراً فعوّضه شخص عنه، كأنّه لم يخسر فيقول: أنا ما خسرتُ، وهذا النفي بلحاظ تنزيل الضرر المتدارك منزلة المعدوم بلحاظ أثره.
ثانيتهما: أن يفرض أنّ وجوب التدارك مساوق مع وقوع التدارك خارجاً. وهذه العناية مصححها هو بأنّ الشارع بنظره التشريعي يرى المنقاد دائماً والمطيع، فيرى أنّ وجوب التدارك مساوق لوقوع التدارك خارجاً، من قبيل ما قلناه سابقاً في مصحح عناية لا فسوق ولا جدال، من أنّه حيث إنّ الشارع يرى أن تحريمه مساوق مع الانتفاء خارجاً وأنّ وجوبه مساوق مع الوجود خارجاً؛ ولهذا يقول: (يعبد) ويريد بذلك الأمر. أو يقول: (لا فسوق)، ويريد بذلك النهي.
فإذا أُعمل مجموع هاتين العنايتين فينتج حينئذٍ أنّ وجوب التدارك يلزم منه عدم الضرر بحسب الخارج، وأنّ الشارع لو كان يحكم بوجوب التدارك فلا ضرر بحسب الخارج؛ لأنّ كلّ ضررٍ بحسب الخارج يكون قد حكم بوجوب تداركه، والضرر المحكوم بوجوب تداركه كأنّه متدارك بالفعل بحكم العناية الثانية، وكل متدارك بالفعل كأنه ليس بضرر بحكم العناية الأولى.
إذن، فينتج بأنّ إيجاب الشارع للتدارك كأنه يعدم الضرر بحسب الخارج، فيصح أن يبين وجوب التدارك بلسان (لا ضرر)(1).
ــــــــــ[234]ــــــــــ
() وهنا قال دام ظله بعد سؤال: العناية الثانية يمكن تبديلها بعنايات أخرى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الوجه الثاني: وهذا أيضاً متقوم بأمرين:
الأمر الأوّل: أن نحمل (لا) هنا على النهي، بأي وجه تصوّرناه في تخريجات المذهب الفقهي الثالث.
الأمر الثاني: أن نتصوّر للضرر وجودين: وجود أصلي ووجود استقراري. والوجود الأصلي هو أصل وجود الضرر. والوجود الاستقراري هو ذاك الوجود المنتزع عن عدم تداركه، فكأنّه بعدم تداركه ثبت هذا الضرر واستقر.
وحينئذٍ فإذا حملت (لا) هنا على النهي وكان النهي بلحاظ الوجود التثبيتي الاستقراري للضرر الناشئ من عدم التدارك، إذن يكون بنفسه نهياً عن عدم التدارك، وهذا معناه الأمر بالتدارك، فيستفاد منه وجوب التدارك.
هذا هو الوجه الثاني في تخريج المذهب الفقهي الثالث(1)، وهذه هي الوجوه التي تخرج هذه المذاهب الفقهيّة الثلاثة.
وهنا لا بدّ من الانتهاء إلى تمحيص هذه الوجوه، وخلال استعراضنا لهذه الوجوه تبين ما هو الصحيح منها.
وذلك: أنّ هناك ظهورات لا بدّ من التحفّظ عليها في الجملة إذا لم تكن
ــــــــــ[235]ــــــــــ
() وهنا قلتُ له: هذا يحتاج إلى ضمّ مقدّمة أصوليّة، وهو أنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده؟
فأجاب: بحسب العرف النهي عن عدم التدارك عبارة عن الأمر بالتدارك. وهذه تغييرات في العبائر عند الأصوليين. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
قرينة على الخلاف، فلا بدّ أن نرى أنّ أي هذه الوجوه يكون أكثر ملائمة مع ظهورات الفظ، فالاحتمال الذي يتحفظ معه على أكبر قدر ممكن من ظهورات اللفظ هو الذي يكون متعيناً.
فالظهور الأوّل ظهور (لا) في النفي في مقابل أن تكون ناهيّة، فإنّه لا إشكال أنّ (لا) الداخلة على الجملة الأسميّة بحسب طبعها اللغوي نافية ولسيت ناهية، وبذلك يسقط بعض الاحتمالات التي ذكرناها، كالوجه الأوّل في تخريج المذهب الفقهي الثالث.
والظهور الثاني ظهوره في عدم التقدير، أن لا تكون هناك كلمة مقدّرة قد انصب عليها النفي، بل يكون النفي قد انصب على نفس كلمة (الضرر)، وهذا بمقتضى أصالة عدم التقدير، وبذلك ينتفي بعض الوجوه التي تخرج المذهب الفقهي الأوّل.
والظهور الثالث هو أنّ كلمة (الضرر) لا تكون مستعملة مجازاً في غير معناها الموضوع له، وهو النقص، فتستعمل مثلاً في سبب الضرر فإنّه مجاز محتاج إلى قرينةٍ، وبذلك أيضاً تسقط بعض احتمالات التي تخرج المذهب الفقهي الأوّل، والتي تقول: إنّ الضرر استعمل في الحكم مجازاً ونحو ذلك.
والظهور الرابع الذي لا بدّ أن يتحفظ عليه، هو أنّ النفي نفي حقيقي صريح لا نفي كنائي أو عنائي، فليس هذا النفي مجرّد أداة وقنطرة للوصول إلى مطلب آخر بنحو الكناية، فإنّ الكناية بنفسها يتوقّف على إعمال عناية في مقام جعل هذا موصلاً إلى ذلك.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وحينئذٍ فكلّ وجهٍ كان موقوفاً على كون الجملة كنائية يكون باطلاً، فإنّ كلّ كنايةٍ تستبطن كون النفي نفياً عنائياً لا صريحاً، سواء كانت هذه العناية عناية كون الحكم لازم للموضوع، أو أنّ الحكم ملزوم للموضوع، أو عناية أنّ الضرر المتدارك كأنّه ليس بضررٍ وغير ذلك من العنايات؛ فإنّها كلّها على خلاف مقتضى الأصل، وهو أن يكون النفي صريحاً بلا عنايةٍ.
فلو تحفظنا على هذه الظهورات الأربعة يبقى عندنا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: هو أن يكون النفي نفياً للضرر بلحاظ وجوده الاستساغي، فإنّ هذا الاحتمال يتحفظ فيه على ظهورات الاربعة بتمامه، فإنّ (لا) نافية غير ناهيةٍ، والنفي انصب على نفس كلمة (الضرر) بلا تقرير وليس هنا تجوّز، فإن كلمة (الضرر) استعملت في معناها، ولا عناية في النفي؛ لأنّنا لم نفرض شيئاً موجوداً معروفاً، يعني: لا كناية في المقام.
الاحتمال الثاني: وهو احتمال الميرزا، وحاصله: أن يكون الضرر في المقام عنواناً ثانوياً للحكم واُريد به الحكم الضرري، لا من باب استعمال كلمة (الضرر) في الحكم، بل من باب أنّه عنوان ثانوي له، -بالنحو الذي حققه هو سابقاً- فيراد الحكم من هذا اللفظ من باب إرادة الفرد من كليّه.
وهذا أيضاً يتحفظ فيه على الظهورات الأربعة، فإنّ (لا) هنا نافية، فلا تقدير ولا تجوز ولا كناية(1)، وأنّ النفي نفي صريح انصبّ على الحكم الضرري.
الاحتمال الثالث: هو الأسلوب الثاني في تخريج المذهب الفقهي الأوّل.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
() مقصودي من الكناية: التنزيل التصرف في الواقع بتنزيل شيء منزلة غيره. (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وذلك بأن نقول: بأنّ النفي نفي للضرر الخارجي، لكن لا على إطلاقه، بل الضرر الخارجي الناشئ من الحكم الشرعي؛ فالشارع يخبر أنّ الإنسان لا يخرب بيته من ناحية الشارع، لا أنّه لا يخرب بيته من ناحية الافة السماويّة، وهذا الاحتمال أيضاً يتحفظ فيه على هذه الظهورات؛ فإنّ (لا) نافية، ولا تقدير فإنّ النفي انصب على نفس عنوان الضرر، ولا تجوز فإنّ الضرر استعمل في معناه أيضاً ولا عناية في تنزيل شيء منزلة خلافه.
فيدور الأمر الآن ما بين هذه الاحتمالات الثلاثة، فلا بدّ وأن يرى أنّها في أنفسها خاليّة من العناية مطلقاً أو فيها عناية من جهة أخرى أيضاً، وأنّ هذه العنايات متساوية في أنفسها أو غير متساويّةٍ.
أمّا الاحتمال الأوّل: -وهو أن يكون المقصود من النفي في المقام نفي الوجود الاستساغي في الشريعة- فهذا الاحتمال لعلّه كان هو المتعيّن لو كان كلمة في الإسلام؛ وذلك لأنّ هذا الاحتمال فيه عناية زائدة وهي أنّ ظاهر النفي هو أن يكون نفياً لاسم لا بلحاظ وجوده الحقيقي، لا بلحاظ وجوده العنائي. ومن المعلوم أنّ الوجود الاستساغي(1) وجود عنائي لاسم (لا)؛ فالعناية في النفي لا في المنفي.
فهذا الذي هو على خلاف الطبع، لو كان كلمة (في الإسلام) موجوداً لكان بنفسه قرينة على هذا المطلب، لكنّها غير موجودةٍ في الحديث الذي ثبت سنده؛ فيكون هذا الاحتمال مخالفاً للطبع بهذا المقدار، أنّ مقتضى طبع القضيّة
ــــــــــ[238]ــــــــــ
() الذي مرجعه إلى صفة من صفات اسم (لا) وحيثيّة من حيثياته هو لا أصل وجود اسم (لا). (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
نفي الوجود الحقيقي دون العنائي.
وأمّا احتمال الميرزا -وهو أن يكون النفي نفيا للضرر واُريد به الحكم بالتفسير المتقدم- فهذا ليس فيه تلك العناية، فإنّه نفي للوجود حقيقة، لكن لوجود المصداق الثانوي لهذا العنوان الذي هو الحكم الضرري، فهذه العناية غير موجودة، لكن فيه عناية أخرى، وهي حمل العنوان الثانوي على المعرّفيّة لا على الموضوعيّة؛ فإنّ مقتضى طبع القضيّة انّ الضرر مأخوذ على وجه الموضوعيّة، لا على وجه المعرّفية على مصداقه. فإرادة المصداق وحمل العنوان على الطريقية إليه لا على الموضوعيّة فيه عناية على خلاف الطبع.
وأمّا الاحتمال الثالث: ففيه عناية أخرى غير الأوليين، فليس فيه العناية الأولى لأنّ المنفي هو الوجود الخارجي، فإننا نقول على هذا الاحتمال: أنّ الضرر الخارجي وجوده منفي.
وليس فيه العناية الثانية، فإن الضرر مأخوذ على وجه الموضوعيّة لا على وجه المرآتيّة إلى مصداقه الطولي الثانوي.
تبقى مؤونة أخرى، وهي مؤونة التقييد، وأن الضرر الذي نفي وجوده الخارجي هنا ليس هو الضرر بكلّ وجه اتفق، بل هو خصوص الضرر الناشئ من التشريع، دون الضرر الناشئ من الصواعق أو السارق ونحوه. فلا بدّ من تقييد الضرر أن يكون ضرراً ناشئاً من ناحية القانون.
فحينئذٍ قد يقال: بأن هذه مؤونات ثلاث، وهي وأن كانت جميعاً أخف من مؤونات مخالفة تلك الظواهر الأربعة، إلّا أنّها في أنفسها متكافئة، ولهذا يمكن أن يقال: إنّه تتعادل هذه الوجوه الثلاثة.
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
لكن الصحيح هو أنّ الوجه الثالث منها هو المتعين، فإنّ مؤونة تقييد الإطلاق في المقام ليست مؤونة، وذلك لوضوح وجود القرينة اللبيّة المتّصلة عليها، فإنّه من الواضح -لو فرض أنّ النفي قد انصب على الضرر الخارجي- أنّ النبي لا يريد بذلك أن يقول: إنّه لا ضرر حتّى من صواعق السماء. فهذا المطلب لا يحتمله سامع حين المخاطبة فضلاً عن شخصٍ آخر، فإنّه من المعلوم أنّه قال هذا في مقام التشريع وبما هو نبي، ولم يقله في مقام بيان القصص.
وواضح أنّه لا يمكن لاحدٍ -لا للنبي ولا لغيره- أن ينكر وقوع الضرر بحسب الخارج؛ فهذا الوضوح ووضوح حال النبي في كونه مشرعاً يكون كالقرينة المتّصلة اللبيّة على رفع اليد عن هذا الإطلاق، بحيث لا نحتاج إلى قرينة منفصلة في مقام رفع اليد عنه حتّى يكون عناية.
فإنّ الإطلاق إذا لم يوجد له مقيد متّصل يكون رفع اليد عنه عناية، وأمّا الإطلاق الذي اقترن بما يصلح لتقييده لا يكون رفع اليد عنه عناية، بل لا يكون منعقداً في نفسه، ومثل هذا الإطلاق قد اقترن بما يصلح لتقييده، وحينئذٍ فلا يكون رفع اليد عنه عناية.
وهذا بخلاف الأوّل والثاني، فإنّ ظهور النفي ينفي الوجود الحقيقي لاسم (لا)، وظهوره في أنّ العنوان مأخوذ بنحو الموضوعيّة دون الطريقيّة، وهذان الظهوران ثابتان على حالهما، وبعد فرض ثبوتهما يكون هذا الإطلاق مقيداً بهذا المقيّد.
هذا مضافاً إلى أنّ احتمال الميرزا ساقط بقرينة قطعيّة، وحاصلها: هو عطف كلمة (ضرار) على كلمة الـ(ضرر) الوارد (بلا ضرر ولا ضرار).
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فلو فرضنا أن الميرزا يقول: بأنّ الضرر حيث إنّه مسبب توليدي على الحكم، فيعطي للحكم عنوانه فيصبح عنوان (الضرر) عنواناً للحكم. لكن ماذا يقول لنا الميرزا في الـ(ضرار)؟ والـ(ضرار) -حسب تفسيره هو واتبعناه فيه- هو عبارة عن تعمد الضرر والإضرار عليه. فهل يكون الضرار عنوان ثانوياً لنفس الحكم؟
فلو فرض أنّ هناك حكم من الأحكام الشرعيّة، وفرض أنّ شخصاً تعمد أن يضر شخصاً آخر بسبب ذلك الحكم، فهل يكتسب ذلك الحكم عنوان الضرار، بأن يكون ذلك الحكم ضراراً أو يكون فعل هذا ضراراً؟ لا شكّ ولا ريب في أن تطبيق عنوان الـ(ضرار) على ذلك الحكم الذي لم يجعل على العباد بداعي الإضرار يكون غلطاً غير صحيحٍ.
نعم، التكليف الذي يؤدي إلى الضرر الذي يقال فيه: إنّه ينطبق عليه عنوان الـ(ضرر).
أمّا التكليف الذي جاء بشيءٍ فأراد أن يتعمّد الايذاء به، فلا يقال عن نفس الحكم أنّه ضرار، فعنوان الـ(ضرر) لا يمكن أن يكون من العناوين التي اُريد به التكليف، وحيث إنّ الـ(ضرار) عطف على الـ(ضرر)، فهذا يقوّى أن يكون المراد من الـ(ضرر) أيضاً واقعه الخارجي، لا ذاك المصداق الثانوي، كما أنّ المقصود من الـ(ضرار) واقعه الخارجي.
وحينئذٍ يتعين الاحتمال الثالث؛ فيكون مفاد الجملة المباركة هو نفي الضرر الناشئ من القانون، إمّا بتقييد كلمة الـ(ضرر) بأن تكون ناشئة من القانون. وإمّا بأن يكون الشارع بما هو شارع ينفي الـ(ضرر) عن العالم الذي هو يريد أن
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ينظمّه ويشرّعه، بأحد وجهين سابقين في تخريج هذا الوجه، فكأنّه يقول: (لا ضرر) من ناحية قوانيني، وهذه العبارة مساويّة مع عبارة: أنّه لا يوجد قانون يؤدي إلى الضرر؛ فهذا الاحتمال هو المتعين بحسب صناعة اللفظ في المقام(1).
قلنا(2): أنّ الجملة المباركة لها ظواهر عديدة، فلا بدّ من التحفّظ عليها بقدر الإمكان.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
() سأله أحد الإخوان: أنّ ما ذكره من القرينة على الوجه الثالث يعين أحد الأمرين من التقييد والوجود الاستساغي فهما نكتتان متكافئتان؟
فأجاب ما محصله: أنّ هنا ظهورين:
أحدهما: إرادة الوجود الحقيقي من الضرر دون الوجود العنائي.
ثانيهما: إرادة مطلق الوجود الحقيقي منه.
والعرف حينما يرى العناية الصارفة عن الظهور فإنّه يصرفها إلى آخر هذه الظهورات ويدع الظهور الاسبق رتبة على حاله فيتعيّن التقييد. مضافاً إلى أنّ أمر القرينة يدور بين شمولها لإحدى العنايتين على نحو التخيير أو شمولها للأخير خاصّة، وعند دوران الأمر بين التعييّن والتخيير يتعيّن التعييّن لا محالة، وهو رجوع القرينة إلى خصوص الأخير فتقيد التقييد، مضافاً إلى أنّ نكتة الوجود الاستساغي فيها عناية أكثر من التقييد، فإنّ عنايته ثابتة حتّى بعد قيام القرينة عليه، أمّا التقييد فليس فيه إلّا رفع اليد عن الإطلاق، وبعد وجود القرينة لا يكون فيه أي عناية فيتعين. (المقرِّر).
(2) ذكر السيد هذه المحاضرة في البرهنة على ما اختاره من الوجه في معنى (لا ضرر)، فبسط القول جداً في إيضاح الأفكار السابقة، ولم يزد في الحقيقة عما سبق إلا نادراً، إلا أنه اكتسب المطلب حلةً جديدة وعرضاً جديداً، مع أمثلة وترتيب، فلا بأس بإثباته مع شيءٍ من الاختصار، فإنه أكثر فائدة للمشتغل المحصل: قلنا… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الظهور الأوّل: ظهور (لا) في النفي لا في النهي. فإنّ مقتضى طبع (لا) الداخلة على الجملة الاسميّة ذلك.
الظهور الثاني: أن يكون مصبّ النفي نفس الكلمة البارزة لا كلمة أخرى مقدّرة وغير مذكورةٍ في الكلام.
الظهور الثالث: هو أنّ الضرر الذي انصب إليه النفي ظاهره أنّه مستعمل في معناه الحقيقي، لا في معنى آخر على سبيل التجوز.
الظهور الرابع: هو ظهور الكلام في أنّه لم يعمل في مقام إفادة المراد عناية تنزيليّة في مقام التصرف بالواقع، وهي العنايات التنزيليّة التي تكون الكناية قائمة على أساسها.
الظهور الخامس: هو ظهور المنفي في أن يكون هو الوجود الحقيقي للضرر، لا وجود عنائي كالوجود الاستساغي ونحوه، مما هي في الحقيقة صفات الضرر، لا أصل وجود الضرر؛ فإنّ (لا) النافية لاسم الجنس ظاهرة في نفي أصل وجود اسمها، لا نفي صفة من صفاته للغير المذكورة في العبارة(1).
الظهور السادس: هو أن يكون مصبّ النفي نفس عنوان الضرر، بمعنى:
ــــــــــ[243]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: ما فرق هذا الوجه عن الوجه الثالث، وهو أنّ الضرر مستعمل في معناه الحقيقي؟
فقال: الضرر استعمل في معناه الحقيقي. وبابه باب المفهوم، ولكن هذا المفهوم تارةً يلحظ بلحاظ وجوده العنائي واُخرى بلحاظ وجوده الخارجي. فهذه مرحلة الإفناء لا مرحلة استعمال اللفظ. –يعني افناؤه في الوجود الحقيقي والعنائي-. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أنّه مأخوذ في مقام النفي بنحو الموضوعيّة، لا بنحو المعرفيّة لعنوان آخر.
الظهور السابع: أن يكون المنفي هو الضرر على إطلاقه لا قسم دون قسم، كما هو مقتضى إطلاق المادّة.
هذه الظهورات السبعة كلّها موجودة في هذا اللفظ، ومجموعها يتعذر الأخذ به؛ لأنها تنتج أن يكون النبي في مقام نفي الضرر بوجوده الخارجي على إطلاقه وبتمام أقسامه، ومثل هذا النفي غير معقولٍ، ولا يعقل صدوره من النبي؛ فهذه الظهورات السبعة تشكل قضيّة معلومة البطلان بحسب الخارج، وهذا العلم بالبطلان يشكل قرينة على وجود خلل في أحد هذه الظواهر السبعة.
وقد قلنا سابقاّ: إنّ هذا الخلل يتعين تطبيقه على الظهور الأخير منها وهو الإطلاق، فيبقى على تقييد الإطلاق مع التحفّظ على الظهورات الأخرى. وإنّ الضرر المنفي ليس هو الضرر بتمام أقسامه، بل هو الظهور الناشئ من القانون والحكم الشرعي. أمّا الأضرار غير المربوطة بالشارع فغير داخلة تحت النفي.
إلّا أنّه قد يقال في مقام الإشكال على ذلك: بأن هذا الدليل الخارجي الدال على عدم إمكان التحفّظ على مجموع هذه الظواهر، نسبته إليها على حدٍ واحدٍ، وهو يوجب العلم بخلل في أحدها، ومعه لا موجب لتعين تطبيق هذه القرينة على خصوص بعض هذه الظواهر دون بعض.
ويكون المقام من قبيل هذا المثال: وهو ما لو ورد دليلان متصلان كـ(أكرم كلّ عالمٍ)، و(أحلّ الله البيع). وعلمنا إجمالاً من الخارج أنّ أحدهما مقيد؛ فهذا
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
العلم نسبته إلى كلّ من الإطلاقين على حدٍ واحدٍ.
ولا ينفع في المقام أن يقال: إنّ بعض هذه الظهورات السبعة أقوى من بعض، فإذا دار الأمر بين اسقاط الأقوى أو الأضعف يبنى على إسقاط الأضعف مع التحفّظ على الأقوى، فإنّه في هذا المثال بالرغم من أنّ الإطلاق في (أحلّ الله البيع) أضعف من إطلاق الآخر؛ لأنّ هذا بمقدّمات الحكمة وذلك بالعموم الوضعي، فمع هذا لا يقول أحد أننا نطبق العلم الخارجي بتقييد أحدهما على (أحلّ الله البيع) دون الآخر. وذلك: لأنّ تقييد (أحلّ الله البيع) يحتاج إلى قرينة عرفيّة عليه، فما هي؟
إن كانت هي نفس هذا العلم الإجمالي، فهو نسبته إلى الدليلين على حدٍ واحدٍ. وهو لا يبطل أحدهما بعينه دون الآخر، بل يبطل مجموعهما.
وإن كانت القرينة هي: (أكرم كلّ عالم) بلحاظ مدلوله الالتزامي، إذ هو بعد العلم بأنّ أحد الإطلاقين ساقط، فيدلّ بالدلالة الالتزاميّة على أنّ إطلاق الآخر مرفوع فتنهدم مقدّمات الحكمة، فهذا أيضاً غير صحيحٍ؛ لأنّ هذا المدلول الالتزامي لـ(أكرم كلّ عالمٍ)، مدلول عقلي مستكشف من الخارج، وليس مدلولاً التزامياً لفظياً عرفياً، فلا يمكن أن يقال: إنّ المولى اعتمد على تقييد كلمة البيع على عموم (أكرم كلّ عالمٍ)، ولا يمكن أن يعتبر قرينةً متّصلة عليه، فإطلاق (أحلّ الله البيع) في نفسه منعقد بمعنى جريان مقدّمات الحكمة في نفسها، والعموم في (أكرم كلّ عالمٍ) أيضاً ثابت بالوضع، ويحصل التعارض بينهما.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
فيُشبه محلّ الكلام بهذا المثال؛ إذ نعلم ببطلان أحد الظواهر السبعة، وهذا العلم نسبته إلى الجميع على حدٍ واحدٍ، ولا يمكن أن يقال: إنّنا نرفع اليد عن الأضعف، ونتحفظ على الأقوى تماماً كهذا المثال.
إلّا أنّ الصحيح في المقام، أنّ محلّ الكلام ليس من قبيل هذا المثال، بل مقتضى الصناعة والفهم العرفي في محلّ الكلام هو تعيّن رفع اليد عن الإطلاق الذي هو آخر هذه الظهورات مع التحفّظ على سائر الظهورات:
وذلك لنكتتين:
النكتة الأولى: أنّ هذا الدليل الذي يفرض قيامه على وجود خلل في بعض هذه الظواهر، ليست نسبته إلى هذه الظواهر على حدٍ واحدٍ كما في المثال السابق. بل له نسبة مخصوصة إلى خصوص الإطلاق، فهو معارض مع الإطلاق مباشرة، وليس معارضاً مع أحدها على سبيل الإجمال.
وتوضيح ذلك: أنّ هذا الدليل هو علمنا الخارجي بأنّ الضرر الناشئ من الأسباب التكوينيّة غير منتفٍ بحسب الخارج. وهذا العلم -بحسب الحقيقة- يكون معارضاً مع خصوص الإطلاق، لا مع أحد الظهورات على سبيل الإجمال.
وذلك: لأنّ هذه الظهورات ليست أدلّة متعدّدة متغايرة في دلالاتها ومداليلها، وإن كنا نحلل (لا ضرر) إلى سبع أو ستة ظهورات، لكنها ليس حالها حال: (أحل الله البيع)، و(أكرم كلّ عالمٍ)؛ بحيث يكون لكلّ دليلٍ مدلول
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مستقلّ ينظر إليه العرف بحدة ويقارنه مع المداليل الأخرى، بل هذه الظهورات بمجموعها دلالات ضمنية مترابطة يتألف من مجموعها بالنظر العرفي دال واحد على مدلول واحد، فتعمل هذه الظواهر عملها الارتباطي في ذهن العرف بوصفها الارتباطي والمجموعي إلى المعنى المتحصل من المجموع، فهي بحسب النظر العرفي دال واحد على مدلول واحد.
وهذا المدلول الواحد الذي يتحصّل للعرف هو عبارةٌ عن أنّ النبي نفى الضرر بوجوده الخارجي على إطلاقه، غاية الأمر أنّ هذا المعنى الواحد كلّ جزءٍ تحليلي منه مربوط بجزءٍ تحليلي من الدليل.
إلّا أنّ هذه التحليليّة ليست عمليّة عرفيّة، بل هي عملية صناعيّة، وإلّا فالعرف يفهم تمام هذا المدلول الواحد من تمام ذلك بدليل الواحد.
وحينئذٍ لا بدّ للعرف أن يقارن الدليل الخارجي الدال على عدم انتفاء الضرر الناشئ من الأسباب التكوينيّة بهذا المدلول الواحد الذي تحصّل من مجموع تلك الظواهر؛ فيرى أنّ هذا الدليل الخارجي يعارض مع كلمة (لا) على إطلاقه مع النفي، وأنّ رسول الله نفى الضرر الوجود الخارجي على إطلاقه الساري حتّى إلى الضرر التكويني، فهذا هو مادّة المعارضة مع الدليل، ومقتضى العلاج ما بين الدليلين أن يرفع اليد عن المقدار المطابقي للتكذيب.
نعم، لو رفعنا اليد عن تمام هذا المعنى الجملي المتحصِّل من مجموع هذه الظواهر، وبدلناه بمعنى جملي آخر، كما لو حملناه على النهي عن الضرر لأمكن التحفّظ على الإطلاق في ذاك المعنى الجملي الآخر.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
لكن هذا ليس هو علاج باب التكاذب، بل علاجه أن يرفع اليد عن المقدار الذي يكذبه الدليل القطعي، والعرف يرى أنّ حيثيّة التكذيب هي حيثيّة الإطلاق فقط، فيرفع اليد عنها دون البقية الأمور.
والنكتة في ذلك: هي أنّ هذه الظواهر لا يعامل معها العرف معاملة أدلّة متعدّدة، بل معاملة دليل واحد على مدلول واحد، والشاهد الخارجي على هذا من بناء العرف.
ومن بناء الفقهاء في الفقه هو أنّه لو جاء: (أكرم العالم حتّى زيد العالم)، وعلمنا من الخارج بأنّ زيداً العالم بالخصوص لا يجب إكرامه، لكن لعلّه يستحب إكرامه، فهنا لو طبقنا عملية التحليل كما طبقناها في الإشكال لأمكن أن نقول: بأن (أكرم كل عالم) فيها ظهوران، ظهور (أكرم) في الوجوب وظهور (العالم حتّى لزيد). والدليل الخارجي على عدم وجوب إكرام زيد نسبتها إلى كلا الظهورين على حدٍ واحدٍ؛ فيدور الأمر بين أن نرفع اليد عن الإطلاق في العالم، أوعن ظهور الأمر في الوجوب ونحمله على الاستحباب. فإنّه بكلا الأمرين يمكن الجمع. إلّا أنّه مع هذا لا يتوقّف العرف ولا يتوقف فقيه على أنّ مقتضى الجمع العرفي بينهما إنّما هو التخصيص في المقام دون التصرف في ظهور هيئة الأمر في الوجوب، أو التوقف بأن يقال: إمّا هذا وإمّا ذاك ولا معنى لأحدهما.
وليست النكتة في ذلك إلّا أنّه في المقام لا يحسب في مقابل دليل: لا يجب إكرام زيد، دليلان مستقلان:
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أحدهما: يدل على مفاد هيئة (أكرم) وهو الوجوب، والآخر: يدلّ على مفاد المادّة وهو الإطلاق. وكلّ منهما يلحظ بعنوانه الخاصّ، فيكون الدليل الآخر(1) مكذباً لأحدهما لا بعينه، ونسبته إليهما على حدٍ واحدٍ.
ليس هكذا، بل العرف يرى في (أكرام العالم) دالاً واحداً له مدلول واحد، وإن كان بالتحليل ينحل إلى ظواهر متعدّدة.
وهذا المدلول الواحد هو عبارةٌ عن وجوب إكرام العالم على إطلاقه؛ فيكون الدليل الآخر معارضاً مع إطلاق المادّة لا مع الهيئة. هذا اجماله وتفصيله في بحث التعادل والتراجيح.
فلا ينبغي أن يقاس المقام بـ: وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ و(أكرم العالم)، مع العلم من الخارج بأنّ أحدهما مقيد؛ فإنّه هناك عندنا بالنظر العرفي دليلان ومدلولان مستقلان، وإنّما ينبغي أن يقاس المقام بإكرام العالم بلحاظ ظهور لهيئة وظهور المادّة. فكما هناك يطبّق العلم الخارجي على ظهور المادّة في الاطلاق ويرفع اليد عنه، لا عن ظهور الهيئة في الوجوب، كذلك في المقام يرفع اليد عن ظهور مادّة الضرر في الإطلاق، لا عن ظهور هيئة (لا) في النفي الحقيقي غير العنائي هذه هي النكتة الأولى.
النكتة الثانية: أن نفرض(2) أنّنا نتعامل مع الظواهر معاملة الظواهر المتعدّدة،
ــــــــــ[249]ــــــــــ
() أيّ: لا يجب اكرام زيد. (المقرِّر).
(2) إن نتنزل عن ما قلناه في النكتة الأولى من كون الظواهر متّصلة ونفرض…الخ. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
لا معاملة دليل واحد، كـ: (أحل الله البيع) و(أكرم كلّ عالم)، وحينئذٍ نقول: بأنّ الدليل الدال على بطلان أحدها على سبيل الإجمال، تارةً يكون منفصلاً وأُخرى متصلاً، فإنّ فرض منفصلاً، كما هو الحال في مثال: (احل الله البيع)، و(أكرم كلّ عالمٍ)، إذ علمنا أنّ أحد الإطلاقين غير ثابت، فنسبة هذا الدليل الخارجي إلى كلّ من إطلاقي الدليلين على حد واحدٍ. ويكون الإشكال تاماً.
ولكن المفروض في المقام أن الدليل الدال على بطلان أحد الظواهر إجمالاً ليس منفصلاً، بل هو متصل؛ لأنّه قرينة حاليّة لبيّة كالمخصص المتّصل؛ باعتبار أن ظاهر حال المتكلّم أنّه ليس في مقام الإخبار عن طيران الطير في السماء، بل أنّه يتكلّم بما هو صاحب شريعة وقانون، وهذا الظهور بنفسه ينفي أن يكون في مقام نفي وقوع الصاعقة، كما أن وضوح هذا المطلب بحسب الخارج، وبداهة أنّ الأضرار بأسبابها التكوينيّة موجودة في الخارج، بداهة ذلك تصرف أيضاً فهم السامع أن يتبادر إلى ذهنه الإطلاق من كلام المتكلّم والشمول لمثل هذه الاضرار.
وهذه الحالة تكون كالقرينة المتّصلة على عدم كون المتكلّم في مقام نفي الضرر الخارجي على إطلاقه.
فإذا فرض أنّ القرينة متّصلة غير منفصلةٍ؛ فحينئذٍ نقول: إنّ هذه القرينة المتّصلة تكون نسبتها إلى تمام هذه الظواهر على حدٍ واحدٍ، فيقع التعارض بين هذه الظواهر لا محالة. وكلّ واحدٍ منها يكون بمدلوله العرفي الالتزامي نافياً للآخر؛ لأنّ العلم بعدم تمامية الجميع علم عرفي متّصل بالخطاب، فيكون لكلّ
ــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
واحدٍ منها دلالة التزاميّة عرفيّة -لا عقليّة- على تكذيب الآخر. وهذا معناه وقوع التعارض فيما بينها، وحينئذٍ لا محالة يتعين الإطلاق في مقام السقوط.
والوجه في ذلك: هو أنّ الإطلاق موقوف على جريان مقدّمات الحكمة، وأحد المقدّمات: عدم بيان ما يصلح للتقييد.
وهذا بخلاف الظهورات الأخرى، فإنّها ظهورات وضعيّة أو سياقيّة، وهي غير موقوفةٍ على ذلك، فإذا دار الأمر بينهما؛ فلا محالة يتقدم غير الإطلاق على الإطلاق؛ لأنّ غيره يصلح لأن يهدم مقدّمات الحكمة وأن يكون بياناً للتقييد. وأمّا مقدّمات الحكمة فلا تصلح لأن تكون بياناً، وأن تهدم الظهور في الآخر.
يبقى إشكال واحد وجوابه:
فإنه قد يقال: إنّ كلّ واحدٍ منها يمكنه أن يهدم الآخر؛ لأنّه لا يوجد عندنا ظهور لا ينهدم بالقرينة المتّصلة، فحتّى الظهور الوضعي إذا قامت على خلافه القرينة فإنّه ينهدم. والمفروض أنّ القرينة هنا متّصلة لا منفصلة؛ فلو بنينا على قرينيّة هذا على ذاك فيصير من باب احتفافه بالقرينة المتّصلة فينهدم ظهوره، وكذلك لو عكسنا وبنينا على قرينيّةٍ ذاك على هذا.
وحاصل الجواب هو: عندنا ظهوران: ظهور اقتضائي وظهور فعلي، فلو قال: (رأيت أسداً يرمي)، وأراد به الرجل الشجاع، فحينئذٍ لا ينعقد لكلمة (أسد) ظهور فعلي في الحيوان المفترس، لكن الظهور الاقتضائي لا يزال موجوداً. وهو -أي الظهور الاقتضائي- عبارة عما يقتضيه طبع الكلام أو المقام
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
في نفسه، والظهور الفعلي هو عبارةٌ عن الكشف الفعلي عن مراد المتكلّم، فأسد في المثال لم يخرج عن مقتضى طبعه الاقتضائي، وهو أن يراد به الحيوان المفترس، وقد اُريد به الرجل الشجاع على خلاف طبعه.
نعم، الظهور الفعلي لم يتكوّن؛ لأن القرينة هنا لا تسمح لتكوّن الظهور الفعلي، والكشف عن مراد المتكلّم؛ فإنّ أسد لا تكشف بالفعل عن أن مراد المتكلم من هذه الكلمة هو الحيوان المفترس، بل من الواضح أنّها تكشف عن غير ذلك.
فالظهور الاقتضائي عبارة عن اقتضاء الكلام والمقام لمعنى مخصوص وهذا هو المقتضي، والظهور الفعلي عبارة عن ذاك الظهور الاقتضائي زائداً عليه عدم المانع وهو القرينة. فإن ذاك الظهور الاقتضائي إذا اقترن بمانع عن التأثير فإنّه لا يؤثر لا محالة.
فنستطيع أن نقول: إنّ الظهور الفعلي معلول للظهور الاقتضائي منضمّاً إليه عدم المانع.
فإذا عرفنا الفرق بين هذين الظهورين نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: إنّ المقتضى للظهور الإطلاقي هو مقدّمات الحكمة، وهو كون المولى في مقام البيان وعدم بيان القيد، ولولاها فلا مقتضى لإفادة الإطلاق. فالظهور الاقتضائي للإطلاق فرع تمامية مقدّمات الحكمة التي من جملتها عدم بيان القيد، فبيان القيد -بأي مقيد عرفي كان- يهدم الظهور الاقتضائي للإطلاق، مما يهدم أصل المقتضي، ولا ينهدم لوجود المانع عنه.
وأمّا العكس، كما لو فرضنا أنّ المعارض للظهور الإطلاقي كان ظهوراً
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
وضعياً أو سياقياً، فهذا الظهور الوضعي ظهوره الاقتضائي محفوظ، حتى لو قامت قرينة متّصلة على الخلاف. لأننا بيّنا أنّ هذه القرينة لا ترفع أصل المقتضي وانما هي تمنع المقتضي عن التأثير في مقتضاه، إذن، فالمقتضي للظهور محفوظ، غايته قد يوجد المانع على خلافه.
إذن فعندنا مقتضيان:
مقتضى الإطلاق في مقدّمات الحكمة، وهو أصل وجوده معلق على عدم تأثير المقتضي الآخر.
وأمّا المقتضى الآخر فأصل وجوده غير معلّقٍ على عدم تأثير هذا، وإنّما فعل تأثيره معلّق على عدم وجود المانع.
ومثل هذا المقتضي الذي يكون أصل وجوده موقوفاً على عدم تأثير مقتضٍ آخر يستحيل ان يكون مانعاً عن تأثير ذلك المقتضي.
وهذا بحث مفصل ليس هنا موضعه، وإنّما موضعه بحث الإطلاق والعموم، وقد بيّنا هناك: بأنّ العموم يتقدم على الإطلاق إذا كانا متّصلين، وبرهنّا عليه مفصلاً.
إذن حينما يقع التعارض بين هذه الظهورات السبعة، يتعين للسقوط منها خصوص الإطلاق، ويتحفظ على باقي الظواهر، وذلك دون أن يقال: إنّ هذا العلم الخارجي نسبته إلى الجميع على حدٍ واحدٍ؛ وذلك لأنّه:
أولاً: ليست نسبته إليها على حدٍ واحدٍ، بل هو يتعين في مقابل الإطلاق، فإنّه تكذيب له.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
ثانياً: لو كانت نسبته إلى الجميع على حدٍ واحدٍ؛ فحيث إنّه قرينةٌ متّصلةٌ، فهو يوجب التعارض بين ظهور عمومي وإطلاقي متصلين، ومتى ما تعارض المقتضى التنجيزي مع المقتضى التعليقي دون التنجيزي عليه، كما ذكره الآغايون في بحث مقدّمات الحكومة.
إذن فيتعين المصير إلى هذا الوجه، وهو أن يكون مفاد: (لا ضرر) أنّ النبي نفى الضرر بوجوده الخارجي حقيقة، لكن لا على إطلاقه، بل بالمقدار الذي لا ينافي مع هذه القرينة اللبيّة التي هي كالمتّصل بالنسبة إلى هذا الخطاب.
ذكرنا في المقام السابق أن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، له عدة أساليب:
تارة بلحاظ تطبيق نكتة باب الحكومة، وأخرى بلحاظ تطبيق النكتة الثانية، وهي لها تصوراتها الثلاث. وصاحب (الكفاية) ادّعى أنّ (لا ضرر) يكون من باب نفي الحكم بلسان نفي الموضوع. وفي (الكفاية) قرّب ذلك بتشبيه النكتة في هذا الاستعمال بالنكتة في قوله: “يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ ولَا رِجَالَ“.
أقول: عبارته في (الكفاية) ما يلي: (كما أنّ الظاهر أن يكون (لا) لنفي الحقيقة كما هو الأصل في هذا التركيب حقيقة أو ادعاء كناية عن نفي الآثار، كما
ــــــــــ[254]ــــــــــ
() وقد وفى السيد الاستاذ ما كان وعد به في آخر محاضرة يوم السبت من هذا الاسبوع بالتعرّض إلى مراد صاحب (الكفاية) في كفايته وحاشيته على (الرسائل). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
هو الظاهر من مثل: “لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد“، و”يا أشباه الرجال ولا رجال“؛ فإنّ قضيّة البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاء، لا نفي الحكم أو الصفة كما لا يخفى(1).
ونفي الحقيقة ادعاء بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداء مجازاً في التقدير أو الكلمة مما لا يخفى على من له معرفة بالبلاغة)(2). انتهى.
وحيث إنّ النكتة في هذين المثالين هي نكتة باب الحكومة، والعناية التي تصحح هذا الاستعمال في: “يا اشباه الرجال ولا رجال” أو “لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد” هو فرض أثر يفرض كونه لازماً للموضوع، وحيث يُراد أن يبيّن عدمه فيمكن أن يبين عدم الأثر بلسان عدم الموضوع. فحيث إنّ هذه هي نكتة الأمثلة، فظاهر كلامه حينما شبّه (لا ضرر) وتطبيق نفي الحكم بلسان نفي الموضوع على هذه الأمثلة، فظاهره تطبيق نكتة باب الحكومة أيضاً، فيرجع إلى أن عنوان الضرر يكون منفياً، إمّا بالنفي البسيط أو التركيبي، على النحو الذي شقّقناه في مناقشته فيما سبق.
وأمّا في حاشيته على (الرسائل)، فلم يشبّه بأمثلة باب الحكومة، بل شبّهه بقوله: (لا سرقة في الإسلام)، (لا غصب في الإسلام) و(لا زنا في الإسلام)(3).
ــــــــــ[255]ــــــــــ
() ص 268 ج 1، مشكيني. (المقرِّر). [راجع: (الكفاية) 2: 195، والحاشية على فرائد الأصول:168].
(2) لاحظ: الحاشية على (الكفاية) (للمشكيني) 2: 468.
(3) الحاشية على فرائد الأصول:168.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
أقول: عبارته في الحاشية كما يلي: أو بمعنى أنّ الشارع لم يشرع جواز الإضرار بالغير أو وجوب تحمل الضرر عنه، وهو أظهر، كما يظهر من مراجعة ما يوازيه مثل: (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، أو يقال: مثلاً (لا قمار ولا سرقة ولا أكل أموال الناس بالباطل في الإسلام)، حيث إنّ الظاهر منها نفي تشريعٍ ما يناسب الموضوع المنفي فيها من الأحكام، ولا يخفى أنّه من الشايع المتعارف في المحاورات التعبير عن نفي حكم الموضوع بنفيه، بخلاف التعبير عن نفي السبب عن نفي مسببه(1). انتهى موضع الحاجة(2).
ومن المعلوم أن النكتة المصححة لذلك، إنما هي النكتة الثانية دون الأولى، فإنّه في: (لا سرقة)، ليس هناك أثر مفروض الثبوت لعنوان ويراد نفيه عن بعض حصص ذلك العنوان، بل النكتة فيه هي نكتة نفي أصل الحكم بالجواز، فهي النكتة الثانية المصححة لنفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع، لا النكتة الأولى نكتة باب الحكومة.
نعم، هناك ملحوظة من النكتة الثانية، أي: واحد من هذه التصورات الثلاث، فنحن ننزّل مثل: (لا سرقة في الإسلام) على التصور الثاني، وهو أنّ المنفي هو الوجود الاستساغي للسرقة، فلو فرض أنّ صاحب (الكفاية) كان يتفق معنا في هذا المثال وفي تنزيله على التصوّر الثاني، فيكون معناه تطبيق هذا التصوّر على القاعدة، لكن هذا غير محرزٍ منه، فلعلّه هو بانٍ على التصور
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) المصدر نفسه: 169 و170.
(2) 169 الحاشية. وص170 من بحث البراءة في الرسائل.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
الأوّل للنكتة الثانية، كما يناسبه عبارة الحاشية حيث قال(1) ما محصله: فإنّ مثل هذا التركيب يستعمل لنفي الحكم الذي يناسب الموضوع المنفي كلّ بحسبه.
مما يظهر أنّ مثل هذا التركيب في نظره قابل لأنّ ينفي الحكم الذي يناسب الموضوع المنفي، وهذا لعلّه انسب بالتصوّر الأوّل، وهو أن يكون المنفي هو الوجود التشريعي للسرقة والضرر، بلحاظ الحكم المناسب له، ولوكان مقصوده التصوّر الثاني لكان الأنسب أن يقول: إنّ المنفي دائماً يكون هو الجواز، ولا تلحظ مناسبة الموضوع هنا.
وعلى أيّ حال، فالشيء المفهوم من الحاشية هو أنّه ناظرٌ إلى النكتة الثانية على إجمالها لا إلى النكتة الأولى، ولهذا يبني على أنّ الذي يستفاد من (لا ضرر) هو نفي جواز(2) الضرر ونفي جواز تحمل الضرر لا أكثر من هذا المقدار، بخلافه في (الكفاية) فإنّه يبني على أنّ المستفاد من ذلك نفي الموضوع الضرري بلحاظ حكمه، لا فقط نفي جوازالضرر أو نفي جواز تحمله فمن حيث النتيجة أيضاً يرتب نتيجتين مختلفتين في الحاشية وفي (الكفاية).
هذا خلاصة سطح (الكفاية) والحاشية(3).
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() راجع ما نقلناه عن الحاشية مباشرة. (المقرِّر).
(2) راجع ما نقلناه. (المقرِّر).
(3) وهنا قال أحد الإخوان: إنّ الجملة كانت مشتملة على هيئتين: هيئة (لا ضرر)، وهيئة (لا ضرار)، وكان البناء على بحث كلّ منهما على حدةٍ؟
فأجاب: (لا ضرار) ليس لها هيئة مستقلة، فإنّه أمّا مادّة الضرار فقد بحثناها، وأمّا الهيئة العامّة، فقد حسبناها حساباً واحداً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
يبقى المحصول الفقهي للجزء الثاني، وهو يأتي في هذا المقام الذي نتكلّم فيه إن شاء الله، يعني أن الثاني لا يختص بشيء عن الأوّل من حيث المدلول اللغوي وإنّما يختص من حيث المحصول الفقهي.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
[مناسبة ذكرها] 11
[التحقيق في المقام] 17
المقام الأوّل: في سند القاعدة 17
الطائفة الأولى: روايات سمرة بن جندب 17
الطائفة الثانية: [استعراض أقضية الرسول الأعظم] 20
[الطائفة الثالثة: ما لم تكن بمورد معين] 22
الكلام في تصحيح أسنادها 22
[الطريق الأوّل: تصحيح الصيغة بتطبيق قواعد السند] 23
[نقاط الضعف في الرواية الأولى من الطائفة الأولى] 24
[نقطة الضعف الأولى: في محمّد بن موسى المتوكّل] 24
[نقطة الضعف الثانية: في السعدآبادي] 25
[نقطة الضعف الثالثة: في الحسن بن صيقل] 28
[الرواية الثانية من الطائفة الأولى: مرسلة ابن مسكان] 28
[الرواية الثالثة من الطائفة الأولى: معتبرة زرارة] 29
[الآثار المترتّبة على كلّ طريق] 30
الطريق الثاني: دعوى التواتر والاستفاضة 31
الفرق بين الطريقين في الآثار 33
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
[النقطة الأولى: تشخيص المتن] 33
[النقطة الثانية: فهم حديث (لا ضرر ولا ضرار)] 35
[النقطة الثالثة: نقطة قوّة المعارض] 37
الطريق الثالث: في تصحيح المرسل 37
[تلخيص] 39
[الطريق الرابع] 44
[الطريق الخامس] 45
المقام الثاني: في تعيين المتن 48
الجهة الأولى: في تعيين متن روايات سمرة 48
[حلُّ التعارض في روايات سمرة بن جندب] 53
التهافت الأوّل: في وجود لفظ (لا ضرر) وعدمه 56
التهافت الثاني: 57
التهافت الثالث: في كلمة: (على مؤمن) 58
[الكلام من ناحية الكبرى] 60
الوجه الأوّل: لتقديم أصالة عدم الزيادة 60
الوجه الثاني: لذلك 61
الوجه الثالث لذلك: 63
[الكلام من حيث الصغرى] 65
[الردّ على الميرزا] 67
الجهة الثانية(: في ضبط متن أقضية النبي 70
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مناقشة شيخ الشريعة 72
[ما نقله الميرزا عنه] 77
ثم ان هذا لا يفسّر عدة أمور 88
دعويان لشيخ الشريعة() 91
[الدعوى الأولى] 91
جوابها: 93
الدعوى الثانية 95
كلام المرزا مع شيخ الشريعة 96
الأمر الأوّل 96
الوجه الثاني 99
[الامر الثالث] 100
استدراك على كلام المرزا 102
الجهة الثالثة: في لحاظ حال المراسيل مع الطائفة الأولى والثانية من حيث تعيين المتن 105
المقام الثالث: في تعيين مفردات الحديث 107
في معنى الضرر في المختار 107
تقسيم الضرر إلى مطلق ومقيد 109
الضرر المطلق والمقيد من ناحية المحمول 114
تحديد دائرة النقص 115
إشكال للمحقق الأصفهاني على (الكفاية) 120
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مناقشته 121
في معنى الضرار 123
الاحتمال الأوّل: أنه من باب المفاعلة 124
[نظريّة المشهور] 125
كلام المحقّق الأصفهاني ومناقشاته 125
[القسم الأوّل] 125
القسم الثاني لكلامه 128
القسم الثالث منه 131
[التعليق على كلام المحقّق الأصفهاني] 132
[القسم الثالث] 132
[الإشكال الأوّل: لعدم صحة مختار الأصفهاني] 132
[الإشكال الثاني:] في تعدية الفعل بنفسه وبالحرف 133
[استدراك على الإشكال الثاني] 137
[الإشكال الثالث] 142
الإشكال الرابع 144
حول كلام حاج شيخ 145
[القسم الثاني] 147
[اعتراض المحقّق الأصفهاني] 147
[القسم الأوّل] 150
نكتة أخرى في وزن: فاعَلَ 153
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
تطبيق البحث على محلّ الكلام وهو (الضرار) 162
قد يقال: إن الضرر والضرار مختلفان ذاتاً… 170
مناقشته 171
المقام الرابع: في بيان مفاد الجملة التركيبية 174
المستوى الأول: المذاهب في فهم الجملة 174
[المذهب الأول: للشيخ الأعظم] 175
[المذهب الثاني: ما يُنسب للفاضل التوني] 177
[المذهب الثالث: ما ذهب إليه جملة من المتقدّمين والمتأخّرين] 178
المستوى الثاني: الوجوه المتصورة في الجملة 178
[المذهب الفقهي الثالث: أن قاعدة (لا ضرر) يستفاد منها الحرمة] 179
وجوه تخرج المذهب الثالث 180
وجوه تخريج المذهب الأول 186
الوجه الأوّل: 186
الوجه الثاني 190
[الوجه الثالث] 192
[النحو الأوّل: في نفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع] 192
النحو الثاني: في أن المنفي أصل الحكم لا إطلاقه 196
التصور الأوّل: في نفيه بلحاظ وجوده التشريعي 196
التصور الثاني: في أنَّ المنفي هو الوجود الاستساغي 199
[التصوّر الثالث: نفيه بلحاظ الوجود الخارجي 203
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج20
مناقشة صاحب (الكفاية) 206
في أن النفي هل هو بسيط أو تركيبي 209
[أوّلاً: النفي البسيط] 209
[ثانياً: النفي التركيبي] 214
في الفرق بين (لا ضرر) و(لا ربا) 216
في نفي أصل الحكم بلسان نفي الموضوع 219
التصور الأول: في نفيه بلحاظ وجوده التشريعي 219
التصور الثاني: في نفي الوجود الاستساغي 222
[تحقيق الحال] 223
التصور الثالث: نفيه بلحاظ الوجود الخارجي 226
في التلفيق بين هذه النكات 229
الصورة الأولى 229
الصورة الثانية 231
المذهب الثالث: في ان المراد تدارك الضرر. 233
ظهورات جملة لا ضرر وما هو التحقيق 235
الصحيح في المقام 246
إشكال وجواب 251
في مراد صاحب (الكفاية) في كفايته وحاشيته 254
الفهرس 259