أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج21

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1725) لسنة 2024

 

رقم الإيداع الدولي

0-43-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون



























صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية بخط السيد الشهيد محمد الصدر

 

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الحادي العشرون

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج21 (328ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1725/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1725) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

0-43-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

 

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الحادي والعشرون  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 




تتمة قاعدة (لا ضرر)

 

ويحتوي على:

  • المقام الخامس: في فقه الحديث 
  • المقام السادس: في فقه لا ضرار 
  • [تنبيهات (لا ضرر)]

ــــــــــ[7]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 








المقام الخامس: في فقه الحديث

 

  • [مشاكل اصطدم بها المحقّقون في المقام]
  • [(لا ضرر ولا ضرار) هل هي قاعدة مشرّعة للأحكام، أو هي معرّف لقواعد مشرعة في المرتبة السابق؟]
  • المختار في قاعدية الجملة
  • تطبيق النص على رواية سمرة بن جندب 
  • فذلكة البحث

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 




ــــــــــ[10]ــــــــــ

 

المقام الخامس: في فقه الحديث

 

بعد أن استحصل المحققون (قدّس الله اسراهم) من هذا الحديث، المدلول اللغوي الذي يناسب نفي الحكم الضرري في الشريعة الإسلاميّة بأي تركيب كان، اصطدم هذا الفهم بعدة مشاكل داخليّة وخارجيّة في مقام البناء الفقهي على هذا الفهم وتخريج قاعدة عامّة على أساسه.

 

[مشاكل اصطدم بها المحقّقون في المقام]

 

[المشكلة الأولى:] الابتلاء بكثرة التخصيص

من المشاكل: هو الابتلاء بكثرة التخصيص، فإنّه كيف يمكن أن يلقى هذا المفهوم كقاعدة عامّة من قبل المشرع، مع أنّ مخصصات هذه القاعدة تزيد على نصف الفقه في الشريعة الإسلاميّة؟ وهذا معناه أن كثرة التخصيص بلغت إلى درجة توجب استهجان إلقاء القاعدة بنحو العموم على هذا النحو، فإنّ الإحكام الضرريّة في الإسلام شائعة في مختلف أبواب الفقه، كأحكام القصاص، والديات، والضمانات، وأحكام الضرائب الماليّة كالزكاة، والخمس، والفرائض الماليّة وكالحج الجهاد، ونحوها، كلّها أحكام ضرريّة. وهي تشكّل 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بمجموعها وفروعها نصف الفقه، فكيف يمكن لصاحب شريعة تكون شريعته مليئة بمثل هذه الأحكام أنّ لا يقول: ليس هناك حكم ضرري!

وهذه التخصيصات الكثيرة تكشف -بعد معلوميّة أنّه يقبح إلقاء قاعدة عامّة تبتلي بمثل هذا المخصصات- عن انحراف في فهمنا لمدلول هذه القاعدة، وأنّه قد اُريد بها معنى آخر سليم عن هذه المخصصات الكثيرة، إلّا أنّ ذلك المعنى لم يطلع عليه؛ ولهذا تصبح الرواية من هذه الناحية مجملة. 

وقد يتراءى من بعض الكلمات أنّها -بعد فرض الإجمال- يعمل بها حينئذٍ في حدود ما ثبت من مشهور الفقهاء العمل بها. إذ قد يقال: إنّ إجمالها يوجب سقوطها رأساً، وقد يقال: إنّ إجمالها يوجب الاقتصار على خصوص التطبيقات التي مارسها الفقهاء السابقون، بدعوى: أن ذاك المعنى الغيبي لعلّه اطلع عليه اولئك الفقهاء السابقون دوننا، فنقتصر على حدود دائرة تطبيقهم(1)

والفكرة الاساسيّة فيه: أنّ (لا ضرر) حيث إنّها حاكمةٌ على أحكام الشريعة لا معارضة معها، فهي ناظرة إلى أحكام بحسب طبعها ليست ضرريّة، وإنما قد يتفق أن يكون إطلاقها ضررياً، فيرتفع هذا الإطلاق بالقاعدة. 

ــــــــــ[12]ــــــــــ

() وهنا قلتُ له: نلتزم بمذهب لا يرد عليه هذا الإشكال، من قبيل النهي عن الضرر؟

 فأجاب: الالتزام بشيءٍ يحتاج إلى قرينةٍ على أي حال، فإنّ ظاهر اللفظ بعد أن تعذر، يحتاج التأويل إلى قرينةٍ.

 فقلتُ: هذا هو قرينة.

 فقال: يعني تعييّن المأوّل يحتاج إلى قرينة. وقد أجيب عن ذلك بما سوف يأتي تفصيله. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أمّا الحكم الذي يكون بطبيعته ضررياً كهذه الأحكام التي ذكرناها فالقاعدة ليست ناظرة إليها. 

[المشكلة الثانية: تطبيق (لا ضرر) في حديث الشفعة]

ومن جملة المشاكل تطبيق (لا ضرر) في حديث الشفعة القائل: قضى رسول الله بالشفعة بين الشركاء وقال: “لا ضرر ولا ضرار“.

 يقول الميرزا النائيني: لو إننا بقطع النظر عن تطبيق النبي رأينا شخصاً طبق هذه القاعدة على مثل هذه لقلنا إنّه من تطبيق ما لا ينطبق؛ لأنّه ليس هناك ضرر في بيع الشريك حصته من شخصٍ آخر. 

فإنّ الضرر تارةً ينشأ من حاقّ المعاملة، كالضرر الذي ينشأ من المعاملة الغبنيّة، فهنا يمكن أن يقال: إنّ الحكم بصحّة هذه المعاملة أو لزومها ضرر. 

واُخرى أنّ الضرر قد ينشأ من باب الاتفاق، بمعنى: كون المعاملة مقدّمة إعداديّة قد تترتّب سائر المقدّمات الإعداديّة صدفة أحياناً فينتج الضرر، وقد لا يترتّب سائر المقدّمات؛ فلا ينتج الضرر. 

كلام شيخ الشريعة

من قبيل أن يفرض-كما يمثّل شيخ الشريعة- أقول: عبارته هي: وتارةً ينشأ من أمر خارج ربما يتعقب المعاملة ويترتّب عليها، كما إذا باع داره المحبوبة عند أولاده فأدى إلى مرضهم أو مشاجرتهم أو عقوقهم أو إيذائهم له. أو باع داره لشرير يؤذي الجار اللصيق والعابرين في الطريق. أو اشترى ما لا حاجة له إليه بزعم الحاجة، وقد كان عنده أو سبقه ولده أو غلامه باشترائه له. أو باع ما 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

يستلزم عادةً فقره أو تعرّض أعدائه له بأنواع الهتك والإيذاء، أو زوج ابنته التي يريدها ابن عمها من أجنبي يستلزم عادةً مرض ابن العم أو إضراره أو قتله لواحد، أو مشاجرة عظيمة بين العشيرة أو وقفه أملاكه التي يؤدي إلى إضرار أولاده أو أقاربه أو تسلط إعدائه عليه. وأشباهها وأمثالها مما لا حصر له… والضرر الحاصل في الشفعة من قبيل هذه الأمثلة(1)

وحينئذٍ فلو فرض أنّ القانون كان يشمل هذه المقدمات الإعداديّة للزم من ذلك طور جديد في مقام التشريع منطوقاً ومفهوماً.

 أمّا منطوقاً فيلزم من ذلك أنّه في مورد لا يكون في بيع الشريك هذا الضرر، يعني: لم تنضمّ إليها سائر المقدّمات الإعداديّة بحيث تنتج الضرر. ففي مثل هذا المورد نقول: إنّه لا شفعة، كما لو فرض أنّه باعه من صديقه مع أنّه لا إشكال في الفقه في أنّ حقّ الشفعة لا يدور مدار تشخيص هوية من اشترى من الشريك.

كما أنّ مفهوم التعليل فيه إشكال، إذ لازمه التعدي من هذا المورد إلى غيره من الموارد. ففي كلّ معاملةٍ تكون مقدّمة اعداديّة وترتّب عليها الضرر، فيقال: إنّها غير صحيحةٍ أو مجبورة بالخيار، كما في المعاملات التي مثّل بها شيخ الشريعة. مع أنّ هذا كلّه غريب.

[الجواب عن هذه المشكلة] 

وقد أجيب عن هذه المشكلة:

تارةً بأنّ هذا الذيل كان مفصولاً في كلام رسول الله عن التطبيق، 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

() ص 13. (المقرِّر). [لاحظ: قاعدة (لا ضرر ولا ضرار): 13].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وإنّما هو من باب الجمع في الرواية لا من باب الجمع في المروي. وهذا شيء تكلّمنا عنه في المقام الثاني في ضبط متن الحديث، وقلنا: بأنّ شيخ الشريعة بذل عناية فائقة في مقام إثبات التفكيك بين الذيل والتطبيق هنا، وبيّنا أنّ هذه العناية في غير محلّها. 

واجيب عن ذلك أيضاً: بأنّ (لا ضرر) تحمل هنا على الحكمة دون العلّة، والحكمة لا يلزم أن تدور مداد موردها ثبوتاً وعدماً من قبيل حكمة العدّة في الطلاق. 

واجيب أيضاً: بأنّ (لا ضرر) ليس علّة؛ إذ لعلّه تفريع لا علّة، يعني: يتفرع على ثبوت الشفعة أنّه سوف لن يترتّب ضرر، لأنّه لولا الشفعة لعلّه يترتّب ضرر، ولكن حيث إنّه قضى بالشفعة فيتفرع على ذلك سدّ باب الضرر(1).

مشاكل أخرى في الحديث

[المشكلة الثالثة: مشكلة التطبيق في رواية منع فضل الماء]

المشكلة الثالثة وهي مشكلة التطبيق في رواية منع فضل الماء التي جاء فيها: “قضى رسول الله بأنّ لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء وقال: لا ضرر ولا ضرار“. والخطب هنا اشدّ منه هناك، فإنّ الشفعة وإن كان قد يتفق أن يكون فيها ضرر، وأمّا هنا فمنع الإنسان ماله من شخصٍ آخر. 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هذا معناه رفع اليد عن المعنى الذي فرضناه لـ(لا ضرر)؟

 فقال: نعم في خصوص هذه الرواية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فهل يكون في هذا ضرر على الشخص الآخر(1)، وهل هناك ضرر على الإنسان أنّ لا يأخذ مال غيره؟ 

هذا عدم المنفعة لا ضرر، فكأنّه يوحي أنّ المقصود من الضرر في المقام عدم المنفعة، ومثل هذا أمر غريبٌ(2)

وهذه المشكلة أيضاً قد يتغلب عليها -أيضاً- بدعوى: أنّ هذا الذيل لم يكن مع هذا الصدر، كما ذكر شيخ الشريعة، وبذل عناية فائقة في إثبات ذلك. 

وقد يقال في مقام الجواب أيضاً: بأنّ هذا حكمة، وقد قيل هناك وقد لا يُرضى هنا بأن يقال هذا حكمة، فإنّ هذا لا يصلح أن يكون حكمة، لأنّ الحكمة ما قد يترتّب وقد لا يترتّب، وفي المقام لا يترتّب الضرر أصلاً على منع شخصٍ من التصرف في مال شخص آخر، وإنّما هو فوات المنفعة. 

[المشكلة الرابعة]

المشكلة الرابعة في تطبيق (لا ضرر)، في رواية سمرة بن جندب التي هي الرواية المفضلة، قال: “فاذهب واقلع النخلة وارمِ بها في وجهه، فإنّه لا ضرر ولا ضرار”. فهل يقتضي هذا القانون جواز قلع هذه النخلة وزوال حرمة 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

() لأنّ الضرر هو النقص في المال، وهذا ليس له مال حتّى ينقص. (المقرِّر) .

(2) وهنا سأل عن معنى قوله: ليمنع فضل كلاء؟

 فأجاب: فيه عدة احتمالات اوجهها -كما يقول شرّاح الحديث- أنّه حينما كانت الحيوانات ترعى وتأكل الحشيش تحتاج في وقت أكل الحشيش إلى الماء، فلو فرض أنّها منعت من الماء، فإنّها تمنع من الكلأ، يعني لا يمكن رعيها إلّا توأماً مع هذا المطلب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مالكيّة سمرة لمثل هذا المال، أو يقتضي فقط دفع الحكم الضرري الذي هو عبارة عن دخوله بلا استئذان؟

 فيقال: لا يجوز دخوله بلا استئذان. أمّا ارتفاع حرمة مالكيته النخلة، فكيف يستفاد من نفي الأحكام الضرريّة، وكيف يطبّق القانون على مثل ذلك؟ 

وقد أجيب عنه: بأنّ (لا ضرر) لم يطبّق على جواز قلع النخلة، وإنّما طبق على وجوب الاستئذان، فإنّه يوجد في الرواية حكمان: وجوب الاستئذان وجواز قلع النخلة. والأوّل هو الذي استفيد من (لا ضرر). وأمّا الثاني فلم يستفد منها، وإنّما هو حكم سياسي قام بوصفه رئيساً للدولة في مقام قمع مادّة الفساد كما ذكر الميرزا. هذه هي المشاكل إجمالاً.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 










 

[(لا ضرر ولا ضرار) هل هي قاعدة مشرّعة للأحكام، أو هي معرّف لقواعد مشرعة في المرتبة السابقة؟]

 

ونحن قبل أن ندخل في تحقيق واسع النطاق لهذه المشاكل وأجوبتها وتحقيقها، لا بدّ أن نحقق أمراً، وهو: أنّ (لا ضرر ولا ضرار) هل هي قاعدة مشرعة للأحكام، أو هي معرّف لقواعد ثابتة في المرتبة السابقة مشرّعة للأحكام بملاكات متعدّدة ويكون هذا معرّفاً إليها؟ 

فإنّنا تارةً نفرض أنّ (لا ضرر) بنفسها قاعدة مشرعة للأحكام من قبيل قاعدة الاستصحاب في الأحكام الظاهريّة أو قاعدة أصالة الطهارة فيها.

واُخرى يفرض أنّها ليست قاعدة مشرعة للأحكام، وإنّما هي تعبير إجمالي وإشارة إلى قواعد متعدّدة بملاكات متعدّدة ثابتة في المرتبة السابقة، وهذا نحو إشارة إليها، وتلك القواعد حيث إنّها كانت تؤمن من ناحية الضرر، ولو بملاكات متعدّدة، لا من ناحية أنّه لا ضرر. فاجتمعت هذه القواعد وأشير إليها بعنوان اجمالي مشترك وهو (لا ضرر). 

من قبيل رواية مسعدة بن صدقة؛ إذ يقول فيها: (كلّ شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام، وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعلّه لغيرك، ومثل المرأة 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

تكون تحتك، ولعلّها رضيعتك، ومثل العبد يكون لك ولعلّه حرّ)(1). وقال جملة من الفقهاء هناك: بأنّ هذه الأمثلة ليست محكومة بقاعدة واحدة، فإنّه في بعضها تجري قاعدة اليد وفي بعضها استصحاب عدم الرضاع وفي بعضها أصالة البراءة. 

ومن هنا حملوا: “كلّ شي لك حلال“، على أنّه معرّف لقواعد متعدّدة ذات ملاكات متعدّدة، وقد بيّنت ببيان إجمالي. 

فـ(لا ضرر ولا ضرار) تكون مشيراً إلى قواعد لا بدّ أن تؤخذ، لا أنّها هي ملقاة بعنوان كونها قاعدة لا بدّ وأن تؤخذ، فالمعوَّل على تلك القواعد المشار إليها لا على هذه الإشارة. 

الاتّجاه الأوّل: هو اتّجاه المشهور من المحقّقين الذين فسّروا القاعدة: بأنّها في مقام نفي الأحكام الضرريّة.

 والاتّجاه الثاني: هو اتّجاه المحقّق العراقي.

والصحيح في المقام: اتّجاه وسط بين الاتّجاهين، وهذا الاتّجاه هو الذي سوف يحل هذه المشاكل التي استعرضناها؛ فـ(لا ضرر) ليست قاعدة مشرعة مستغنية عما قبلها بكلّ معنى، وليست هي مجرّد معرف وآلة ومشير إلى ما قبلها بكل معنى، بل أمر بين الأمرين. وهذا ما يأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.

ــــــــــ[19]ــــــــــ

(1) المحاسن ‏2: 495.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 

 

المختار في قاعدية الجملة

 

الآن ينبغي أن نبيّن وجهة النظر المختارة في قاعديّة مضمون الجملة، ثُمّ على ضوئه نستعرض هذه المشاكل، لنرى أنّها هل تنحلّ أو كيف تنحل؟ 

والمعنى الذي نريد أن نقرّره لها متوقف على أمور ثلاثة: نقول الآن أمرين منها ونؤجّل الثالث. 

الأمر الأوّل: هو أنّ كلّ مفهومٍ أخذ في خطاب فهو لا محالة يكون شاملاً لمصاديقه الحقيقيّة، ولا يكون شاملاً لمصاديقه التوهميّة والخياليّة. 

توضيح ذلك: أن هناك ثلاثة أنحاء من المصاديق لكلّ مفهومٍ:

 النحو الأوّل: المصداق الواقعي الحقيقي الذي لا يحتاج في مصداقيته ثبوتاً لذلك المفهوم إلى أي عناية أو فرض أو جعل، كمفهوم التعظيم فإنّ مصداقه الحقيقي هو الثناء على الشخص فإنّه تعظيم له في الواقع.

 النحو الثاني: أن يكون المصداق أيضاً مصداقاً واقعياً حقيقياً للمفهوم، ولكنّه في طول بذل عناية؛ بحيث تكون هذه العناية واسطة في الثبوت لهذه المصداقيّة، بمعنى: أنّه في طول بذلها تكون المصداقيّة مصداقيّة حقيقيّة. وذلك من قبيل القيام بالنسبة إلى مفهوم التعظيم أو وضع اليد على الصدر أو على الرأس أو رفعها إلى أعلى، على اختلاف الأعراف الاجتماعيّة؛ فإنّ وضع اليد على 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الصدر من حيث هو -مع قطع النظر عن تعارف اجتماعي وعناية خارجيّة- ليست مصداقاً للتعظيم، بل قد يكون استهزاء. ولكن بعد بذل عناية من قبل عرف معين بتواضع أبناءه بنظرهم على أن يكون هذا وسيلة للتعظيم. فبلحاظ هذا النظر يصبح وضع اليد على الصدر مصداقاً حقيقياً للتعظيم، ولكنّه ليس مصداقاً على الإطلاق، بل مصداق في طول هذا النظر. أي: به يكون مصداقاً.

ولكن هذا النظر ليس شأنه الكشف، بل شأنه ايجاد المصداقيّة، فهو واسطة في الثبوت لا في الإثبات، ولهذا يكون هذا الفرد مصداقاً حقيقياً لمفهوم التعظيم، لكن بهذا النظر، لا بنظر آخر، بحيث أنّ العرف الآخر الذي يتعارف على أمر آخر أيضاً يقول: بأنّ وضع اليد على الصدر في العرف الأوّل تعظيم، فهو يُقِر المصداقيّة مقيداً بالإضافة إلى نظر العرف الأوّل؛ لأنّها لها نحو من المصداقيّة بلحاظها. 

النحو الثالث: هو أنّ لا يكون الشيء مصداقاً لا على الإطلاق ولا بلحاظ نظر، ولكنّه مصداق توهمي، بحيث تخيّل كونه مصداقاً من قبيل أنّ شخصاً يتراءى أنّه عالم، وفي الواقع أنّه ليس عالماً، فهذا ليس مصداقاً حقيقياً لا على الإطلاق ولا في طول نظر بالنسبة إلى مفهوم العالم، نعم الناس ينظرون إليه أنّه عالم إلّا أنّ هذا النظر واسطة في الإثبات لا واسطة في الثبوت، بمعنى: أنّهم يتخيلون أنّه عالـمٌ؛ فلذا الخلاف هنا يكون من باب التخطئة فمن لا يراه عالماً يقول هذا ليس عالماً ولا يقبل بعالِميّة الواقعيّة حتى بالإضافة إلى جماعة. فهذه ثلاثة أنحاء من المصاديق. 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

والدليل حينما يأتي ويأخذ مفهوماً، فهو يشمل النحو الأوّل من المصاديق، وهي الحقيقية الثابتة بلا عناية، ويشمل النحو الثاني منها، وهي المصاديق الحقيقيّة التي يكون هناك نظر هو واسطة في الثبوت لمصداقيته.

فيما إذا كان هذا النظر -الذي هو واسطة في الثبوت- نظراً عرفياً ومركوزاً في الذهن العرفي، فإنّه حينئذٍ يكون مقتضى الإطلاق المقامي إمضاء ذلك النظر، وامضاؤه يؤدي لا محالة إلى الاعتراف بأنّ هذا مصداق حقيقة بالنسبة إلى ذلك المفهوم. 

ولا يشمل المفهوم النحو الثالث، وهو ما إذا كان مصداقاً تخيلياً، ولا النحو الثاني إذا كان مبنياً على نظر إنشائي غير مركوز في الذهن العرفي. فإنّ مثل ذلك لا يوجد هناك إطلاق مقامي يقتضي إمضاءه حتّى يوسع دائرة هذا المفهوم على اساسه. هذا هو الأمر الأوّل. 

الأمر الثاني: أنّ الضرر -هذا المفهوم الذي ورد موضوعاً للنفي في الجملة المباركة – كمفهوم التعظيم، له مصاديق واقعيّة، وهي عبارةٌ عن ذلك النقص الذي يحصل في جهة مضافاً ذاتاً إلى الإنسان كبدنه ونفسه وسمعته، فهذا مصداق واقعي للضرر، لا يحتاج في صيرورته مصداقاً له إلى إعمال عناية في المرتبة السابقة. 

وله مصاديق من القسم الثاني، وهي المصاديق الحقيقيّة، لكن في طول إعمال عناية. وذلك في النقص الذي يطرأ في جهات غير مضافةٍ ذاتاً إلى الشخص، بل مضافةٌ إليه قانوناً وتشريعاً، كالنقص في ماله الخارجي؛ فإذا تلف ماله فهو ضررٌ عليه، ولكنه ليس مصداقاً للضرر، إلّا بعد إعمال عناية أنّ هذا 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المال له. وإلّا لو فرض أنّه لم يشرع في المجتمع أنّ هذا المال الموجود في البنك هو له، وكان نسبته إليه كنسبته إلى غيره، فلا يكون تلفه ضرراً عليه، وإنّما كان نقصاً بلحاظ امتلاك موجود بالقانون والتشريع قبل ذلك. ففي هذا النظر الذي يكون به هذا المال الموجود في البنك يكون ملكاً لفلان، يكون هذا نقصاً، وأمّا بنظر آخر لا يعترف بذلك فلا يكون نقصاً.

فهذا يكون مصداقاً لمفهوم الضرر، لكن في طول بذل عناية ومؤونة تشريعيّة في المرتبة السابقة. 

وهنا أيضاً لا يفرق بين أن يكون النقص في الصغرى أو في الكبرى. يعني: الضرر الناشئ من النقص في الصغرى والناشئ من الكبرى.

 فالأوّل من قبيل نقص المال خارجاً كمال يملكه في البنك فيتلف أو يحُكم الشارع بوجوب إتلافه، وهذا إنّما كان حكماً ضررياً بذلك النظر الذي يرى أنّ هذا المال ملكاً لفلان. 

وأمّا النقص الذي ينشأ من ناحية الكبرى فهو أن يسلخ عن الملكيّة، فيقال من أوّل الأمر أنّ هذا المال ليس ملكاً لك، صحيح كان ملك أبيك ولكنك لا ترث أباك. هذا ضرر في نظر ذلك العرف الذي يرى أنّ الابن يملك مال أبيه، فيرى أن تشريع عدم الملكيّة للابن حرمان وتنقيص في حقّ هذا الشخص. فهذا نقص بلحاظ التصرّف في الكبرى.

وكلّ من هذين النقصين مصداق لمفهوم الضرر، لكن في طول بذل عناية ومؤونة تشريعيّة. 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذه العناية قد تكون مرتكزة في الأذهان العرفيّة العقلائيّة، بحيث يكون النظر التشريعي للعرف العامّ بهذا النظر يصدق على هذا أنّه ضرر، وحينئذٍ فيكون حديث: “لا ضرر” شاملاً للضرر من كلا القسمين: المصداق الواقعي، والمصداق الآخر الذي يحتاج إلى عنايةٍ عرفيّةٍ مرتكزة، فإنّه بذاك النظر الارتكاز يُمضى من قبل الشارع فيكون هذا مصداقاً لمفهوم الخطاب. هذا هو الأمر الثاني. 

وبناءً على هذين الأمرين يمكن أن تنحلّ كثير من الإشكالات في المقام. وذلك؛ لأنّ (لا ضرر) بناءً على هذا الضوء تصبح مركبة من أحكام تأسيسيّة وأحكام إمضائيّة؛ فقسم من الأحكام التي تثبت بالقاعدة أحكام تأسيسيّة وليدة الشارع، وهي الأحكام التي تكون مشرعة بـ(لا ضررٍ) بلحاظ المصاديق الواقعيّة التكوينيّة للضرر، كعدم وجوب الوضوء لأنّه يؤدي إلى موت المريض، فهذا حكم تأسيسي يستفاد من القاعدة لا نحتاج في مقام استفادة منها إلى قاعدة في المرتبة السابقة لا شرعيّة ولا عقلائيّة. بل نستفيده ابتداء من هذه القاعدة. 

وبالنسبة إلى بعض الأحكام الأخرى، تكون (لا ضرر) إمضائيّة لا تأسيسيّة، لأنّها تكون مقام نفي أضرار، لم تكن أضراراً إلّا بنظر تشريعي مركوز في الأذهان العقلائيّة في المرتبة السابقة. ومعنى نفي هذا الضرر حينئذٍ هو إمضاء ذلك الارتكاز التشريعي وجعل ما يماثله. فيستفاد منه حينئذٍ حكم إمضائي بالنسبة إلى العقلاء على طبق ارتكازهم لا حكم تأسيسي جديد. 

فمثلاً في باب الضمانات نجد الفقهاء في جملةٍ من كلمات المتقدّمين والمتوسّطين والمتأخّرين يستدلّون على بعض الضمانات بـ(لا ضرر ولا ضرار)، 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فيقولون: من اتلف مال الغير فهو له ضامن بلا ضرر، وإنّما يضمن باعتبار أنّ عدم الضمان يكون ضرراً، وضرريّة هذا في طول ارتكاز استحقاق التعويض؛ فهذا الارتكاز أنتج أنّ الحكم ببراءة ذمة هذا المتلف لهذا المال ضرر في المقام؛ لأنّه هدم لهذا الاستحقاق المركوز في الأذهان العقلائيّة، فالضرر نشأ في الحقيقة من فرض الاستحقاق في المرتبة السابقة، فإذا أردنا أن نثبت الضمان بلا ضرر كان هذا حكماً إمضائياً للارتكاز العقلائي. 

والعسر الذي حصل في جملة من تطبيقات المسألة نشأ من حسبان أنّ هذه القاعدة، حالها حال سائر القواعد التي يستنبط منها أحكام تأسيسيّة بقطع النظر عن بذل عناية تشريعيّة في المرتبة السابقة. 

والمحقّق العراقي، هذا المحقّق البصير الخبير، الذي أدرك بذهنه الوقّاد أنّ هذه القاعدة تحتاج إلى متمّم في المرتبة السابقة، وليس حالها حال غيرها من القواعد(1)، وقد تورّط في دعوى أخرى هي أبعد عن الواقع مما عليه المشهور، حيث ألغاها عن القاعديّة رأساً.

 وقال: إنّ هذه القاعدة معرف لقواعد سابقة شرعيّة، وذكر أنّ الفقهاء(2)
-عدا الشيخ الأنصاري ومن بعده- لم يستدلّوا بقاعدة (لا ضرر) في مورد من الموارد، وإنّما كانت أدلّتهم قواعد أخرى، و(لا ضرر) مجرّد جمع في العبارة بين قواعد أخرى سابقة. هذا إفراط وهذا تفريط. 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

() راجع: المقالات 2: 116-123.

(2) الذين عليهم المعوّل في فهمهم الفقهي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وواقع المطلب أنّ (لا ضرر) لا تحتاج أحياناً إلى عنايةٍ سابقةٍ أصلاً، كاستنباط عدم وجوب الوضوء. وأحياناً يحتاج إلى عنايةٍ بهذا المقدار الذي بيناه، وتكون (لا ضرر) إمضاء للارتكاز العقلائي فيثبت الضمان –لو صح هذا التطبيق- شرعاً بلا ضرر، لا بقاعدة شرعيّة قبلها، غاية الأمر نحتاج إلى أن يثبت كون عدم الضمان بحسب الارتكاز العقلائي ضرراً، أي نثبت ارتكازيّة استحقاق التعويض. 

انحلال جملة من المشاكل بناء عليه

وفي مثل هذا الضوء إذا جئنا إلى تطبيقات (لا ضرر) في الكلمات النبوية المنقولة تنحلّ كثير من الإشكالات. 

ففي حديث الشفعة يقول: قضى رسول اللهبالشفعة وقال: “لا ضرر ولا ضرار” -إن صح الحديث- حينئذٍ يقال: بأن تطبيق لا ضرر على قضائه بالشفعة، لم يكن بلحاظ تلك الأضرار الخارجية التي تترتب على الشفعة أحياناً؛ إذ قد يبيع حصّة على شريك مساكن فيُنغّص عليه عيشه، فليس من هذا الباب ليقال إنّه ضرر اتفاقي، وهو يحصل في سائر المعاملات الأخرى، وليس البناء على الاعتناء بمثل هذه الأضرار، بل الضرر في المقام هو الضرر الناشئ من نفس هدر الشفعة يعني الضرر الناشئ من عدم استحقاق الشفيع لهذه الشفعة؛ لأنّ استحقاقه لها ارتكازي بالنظر العقلائي العامّ، بدليل ان الشفعة كانت موجودة في تشريع الجاهليّة -على ما يذكر في تواريخ تشريع العرب قبل الإسلام- ونفس كلمة (الشفعة) دليل هذا المطلب؛ فإنّه مصطلح يشير إلى أنّها 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

كانت معاملة رائجة، ولم يضعها رسول الله، وإنّما هو قضى بالشفعة- بل هو متداول من كلّ العالم فإنّ القانون الروماني كان فيه الشفعة، وعدة قوانين في العالم القديم كانت تعترف بها. فالشفعة من التشريعات العقلائيّة المركوزة في أذهان العرب وغيرهم قبل الإسلام. 

وارتكازها معناه: ارتكاز أنّ ملكيّة الشريك فيها نحو من الضعف والنقص، بهذا المقدار: إنّه لا يستطيع أن يتحكّم في إدخال أي شخص على شريكه؛ فلو شرع له أن يتحكم؛ فهذا يكون ضرراً بتلك العقليّة

والارتكاز الذي ينطوي على النظر إلى ملكيّة الشريك بأنّها ضعيفةٌ وقاصرةٌ. 

ومنه يعرف أيضاً تطبيق النبي لـ: “لا ضرر” -لو صحّت الرواية الأخرى- على منع فضل الماء ليمنع فضل الكلأ، أيضاً يمكن أن يساق بمثل هذا المساق(1)

ومنه يعرف أيضاً تطبيق جملة من الفقهاء لا ضرر على الضمان كما أشرنا 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() أقول: لم يذكر السيّد وجهه في البحث ولكنّني سألته عنه.

فأجاب بعد البحث بما محصّله: أنّ ذلك باعتبار وجود ارتكاز عقلائي على جواز انتفاع الغير في الأراضي الواسعة والمياه الكبيرة المملوكة. وذلك باعتبار أنّ درجة الملكيّة في ارتكاز العقلاء بالنسبة إلى هذه الأملاك الكبيرة، أضعف منها في غيرها من الموارد. ولذا ذهب جملة من الفقهاء إلى جواز التمشي في الأرض الواسعة حتّى مع عدم إحراز الاذن، بل حتّى مع احراز النهي وعدم الرضا.

 أقول: فمنع الماء والكلاء يكون ضرراً باعتبار كونه غمطاً لذلك الحقّ المرتكز. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إليه. ومنه يعرف أيضاً تطبيق جملة من الفقهاء لها على خيار الغبن، فإنهم يستدلون بها على جملة من الخيارات كخيار الغبن وتبعّض الصفقة. 

ووقع إشكال مشهور في أنّه ما هو الضرر الموجود في الغبن أو تبعّض الصفقة، ونحوها مما يثبت بـ(لا ضرر)؟ 

وقد نوقش في وجود ضرر، وسوف يأتي تحقيق هذه التطبيقات. 

ولو فرض وجود ضرر في مسألة الغبن ولا يوجد هناك ضرر في تبعّض الصفقة، غاية الأمر فوات غرض المشتري في شراء تمام الصفقة. فهو ليس فيه ضرر مالي. 

كلّ هذه المطالب نشأت من عدم حسبان أنّ هذا التطبيق يكون بعناية ارتكازية سابقة، حيث إنّ خيار الغبن وتبعّض الصفقة خيارات عقلائيّة في أنفسها، ولهذا رؤي أنّ لا ضرر تكون في مقام دليل إمضاء هذا الارتكازات العقلائيّة، بعد فرض تحقق المصاديق من ناحية الارتكاز العقلائي، فمن هذه الناحية تنحلّ كثير من المشكلات على وجه الإجمال. 

ويبقى الأمر الثالث الذي به تنحلّ مسألة كثرة التخصيصات وبقية المشاكل الأخرى(1)

استطعنا بالأمرين السابقين أن نزيل كثيراً من المشاكل التي اثيرت حول قاعدية هذه الجملة.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() وهنا قال له أحد الإخوان: الأمر الثاني بيان لتطبيق الأمر الأول؟

 فقال: بلى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

معالجة كثرة التخصيصات 

الأمر الثالث(1): نعالج به مشكلة كثرة التخصيصات في هذه القاعدة. 

وهو أن يقال: إنّ هذه القاعدة مبتلاة بتخصيصات كثيرة جداً، وهي تؤدّي إلى وهن فيها، بحيث لا يمكن العمل بها كقاعدة عامّة. 

هذه الكثرة في التخصيصات مبنيّة على الأخذ بالمدلول اللغوي لهذه القاعدة، دون إدخال عنصر مناسبات الحكم والموضوع أو ما نسميه نحن بعنصر الفهم الاجتماعي إلى الفهم اللغوي بالنسبة إلى هذا النصّ. 

فإنّه إذا جمدنا على حاق الإطلاقات لهذه الجملة من ناحية لغوية لقلنا إنّها تنفي الضمانات والديات والقصاص والخمس والزكاة؛ لأنّ هذه أضرار لأشخاص معينين، والضرر بالشخص مصداق من طبيعي الضرر لا محالة فيلزم حينئذٍ الالتزام بتخصيص هذه القاعدة من ناحية تمام هذه الأحكام. 

إلّا أنّ الاقتصار على حاق الإطلاق اللغوي للفظ غير صحيحٍ، فإنّه حين يقال: لا ضرر من ناحية هذه الشريعة أو ليست شريعة ضرريّة يراد أن ينفي بذلك الضرر الذي يترتّب من الشريعة الضرريّة. 

يعني: إضافة الضرر إلى الشريعة تعطيه نوعاً من التخصيص والتقييد حسب مناسبات الحكم والموضوع. 

فإنّ المركوز في ذهن العقلاء أنّ الشريعة -أيّ شريعة وأيّ قانون- إنّما يشرّع لأجل تأديب من يحتاج إلى التأديب وإكرام من يحتاج إلى الإكرام 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) تقدّم الأمر الأول في صفحة: 20، والأمر الثاني في صفحة 22.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وإعطاء كلّ ذي حقًّ حقّه. 

وهناك مصالح عامّة مركوزة أيضاً في الذهن العقلائي تعتبر من مسؤولية الشريعة العادلة الصالحة، وأن تهتم بالحفاظ عليها إجمالاً في تشريعاتها و(1)أن كلّ شريعةٍ لا تحفظ على هذه المصالح فهي شريعةٌ غير صالحةٍ، وكلّ شريعة تكون صالحة بمقدار قدرتها على التحفّظ عليها. 

بعد ارتكاز ذلك في الأذهان العقلائيّة حينما يقال: بأنّه (لا ضرر) من ناحية هذه الشريعة في مقام الاعتزاز والافتخار بها والامتنان على العباد، فلا يراد بذلك -حتماً- إلّا نفي الضرر في حدود التحفّظ على تلك المصالح. أي أنّ الضرر الذي يكون مؤدّياً إلى التحفّظ على تلك المصالح لا يكون منفياً بهذه العبارة، بل الذي يكون منفياً هو ذلك الضرر الذي يكون خارجاً عن حريم تلك المصالح المركوزة في الأذهان العقلائيّة.

فمناسبة إضافة الضرر إلى الشريعة تقتضي أن يكون المقصود من الضرر هو غير تلك الأغراض التي يراد بها التحفّظ على تلك المصالح. 

ولا أريد بهذا أن أقول: بأنّ الضمان بحد ذاته ليس ضرراً أو القصاص، كيف لا يكون ضرراً، مع أننا في غير هذا المقام لو أردنا أن نعدّد ابتلاءات واضرار هذا الشخص فإنّنا نعدّد ذلك منها؛ فإذا أضفنا الضرر إليه في هذا المقام فالضرر ينطبق على مثل هذه الأمور. ولكن الضرر حينما ننفيه عن الشريعة بما 

هي شريعة، وباعتبار أنّ المركوز في الأذهان أنّ الشريعة في مقام التحفّظ على ــــــــــ[30]ــــــــــ

() يعني: ومركوز في الأذهان العقلائية. (المقرِّر)..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

تلك المصالح النوعية، فحينئذٍ ما يكون من تلك الأضرار ملازماً ومساوقاً مع التحفّظ على تلك المصالح يكون خارجاً عن حريم النفي. 

فلو قال شخص صاحب شريعة: (لا ضرر في شريعتي)؛ لأنّي لا أحكم بالقصاص للقاتل ولا بالضمان للسارق، لضحك عليه الناس ويقولون له: إنّ الضرر من كلّ شيءٍ بحسبه، وهذا هو أتمّ أنحاء الضرر بالنسبة إلى الشريعة. 

فضررية كلّ شيءٍ بحسبه، فإذا أضيف الضرر إلى الضرر بما هو فرد، فإنّه يشمل اشتغال الذمّة والقصاص ونحو ذلك. أمّا حينما نضيفه إلى الشريعة فلا يشمل مثل هذه الأضرار التي يكون من المركوز أن من وظيفة الشريعة التحفّظ عليها؛ فمثل الحدود والقصاص والديات والخمس والزكاة ونحوه من الأحكام التي هي وإن كانت مؤدّية إلى أضرار شخصيّة حقيقيّة، ولكن بلحاظ نسبتها إلى الشريعة، ونفي عنوان الضرر على الشريعة، لا يشمل العنوان المنفي مثل هذه الأضرار باعتبار مناسبات الحكم والموضوع القائمة على أساس ارتكاز أنّ الشريعة صلاحيتها بأنّ تكون في مقام التحفّظ على تلك المصالح النوعية. 

فهذه النكتة بنفسها تكون كافية في مقام بيان أنّ أكثر أو أهم ما ذكر من الأحكام، وتخيّل كونه تخصيصاً، ليس تخصيصاً بعد إعمال مناسبة الحكم والموضوع، وإن بقي هناك تخصيصات فهي اعتيادية، كالتخصيصات التي تطرأ على كلّ قاعدة، لا أنّها تخصيصات تقصم ظهر هذه القاعدة وتوجب وهنها، لأنّ ما خرج منها يكون كثيراً بحيث لا يصحّ الانتهاء إليه في مقام 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

التخصيص(1). هذا هو الصحيح في مقام حلّ هذه الشبهة.

ما ذهب إليه الشيخ الأعظم(2) 

والشيخ الاعظم كأنّه هو الذي أثار هذه المشكلة، وبدأ في مقام علاجها بإثارة مثل هذا الاحتمال، وهو أنّه صحيحٌ أن الخارج كثير ولكن هل خروج هذا الكثير بعناوين كثيرة أو بعنوان واحد؟ فكأنه في مقام التخصيص الكثير يفرق بين أن تكون قد خرجت بعناوينها المتعددة بما هي كثيرة، فيكون مستهجناً أو بما هي تحت عنوان واحد فلا يكون مستهجناً.

 ففي مقام الدفاع عن القاعدة أبدى احتمال أنّ هذه التخصيصات خارجة لا بما هي كثيرة، بل بما هي منضبطة تحت عنوان واحد. 

ثُمّ بعد هذا لم يقبل الأعلام هذا المطلب، وقالوا: إنّه لا فرق في الاستهجان بين أن تكون التخصيصات الكثيرة الخارجة بعنوان واحد أو بعناوين متعدّدة.

 وهم إمّا أنّهم لم يقبلوا بهذا الفرق مطلقاً في سائر العمومات والمطلقات، أو لم يقبلوه في خصوص أمثال (لا ضرر) من القضايا الخارجيّة وإن قبلوه في القضايا الحقيقيّة.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

() وهنا قلتُ: العبادات كيف؟ فإنّها أيضاً تشتمل على أضرار؟

 فقال: ما كان منها مربوطاً بهذه المصالح العقلائيّة الارتكازيّة، من قبيل الخمس والزكاة فهو، وما لا يكون مربوطاً منها يكون منفياً بلا ضرر. (المقرِّر).

(2) لاحظ: راجع قاعدة لا ضرر للشيخ الأنصاري، 111 بحسب ما هو مطبوع ضمن رسائل فقهيّة أخرى للشيخ الأنصاري.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بعد هذه المرحلة التي لا بدّ أن نطويها، نقول: بأنّ الاجوبة التي(1) ذكرها الآغايون في مقام حلّ هذه المشكلة متعدّدة. 

الأجوبة التي ذكرها [الآغايون]

[الجواب الأوّل:] جواب الآخوند

الجواب الأوّل: هو ما ذكره المحقّق الخراساني، والمحقّق الاصفهاني -على ما اتذكر- وتوضيحه: أنّ دليل (لا ضرر) يستفاد منه مانعيّة عنوان الضرر عن ثبوت الحكم، فلا بدّ من فرض مقتضٍ لثبوت هذا الحكم، يكون عنوان الضرر مانعاً عن ثبوته، وهذا المقتضي هو ذاك العنوان الآخر الذي نريد أن نرفع الحكم عنه، كعنوان الوضوء، فضرريّة الوضوء مانعة عن الوجوب، وعنوان الوضوء يكون مقتضياً للوجوب وفي مثل هذا يكون تطبيق القاعدة معقولاً. 

وأما في مورد يكون العنوان الذي نريد أن نرفع الحكم عنه، هو بنفسه ضررياً، كالجهاد والحج والخمس ونحوها، فإنّها عناوين بذاتها ضرريّة، ففي أمثال هذا لا يعقل تطبيق (لا ضرر)، لأن معنى لا ضرر يتكفل مانعية الضرر عن ثبوت الحكم فلا بدّ من فرض مقتضٍ لثبوته، ولا يوجد عندنا في المقام إلّا نفس الضرريّة، ولا يعقل أن يكون الشيء مانعاً عن ثبوت الحكم الذي يقتضيه(2)

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() ومن هنا صاروا في مقام ادعاء أنّ الأحكام التي تكون بحسب طبعها ضرريّة لا أنّ اطلاقها يكون ضررياً، هي خارجةٌ تخصصاً عن الجملة لا تخصيصاً؛ فلا يلزم من خروجها التخصيصات الكثيرة الموهنة للجملة. (المقرِّر).

(2) فلا يعقل مانعيّة الضرر في المقام إذ لو كان مانعاً لكان مانعاً عما يقتضيه هو بنفسه، إذ لا يوجد هناك عنوان آخر يكون هو المقتضي حتّى يمنع هذا عنه؛ وإنّما العنوان انحصر بالعنوان الضرر فيستحيل مانعيته عن اقتضاء نفسه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فما يستفاد من هذه الجملة من مانعية الضرر عن ثبوت الحكم؟ يفترض أن يكون موضوع الحكم غير الضرر، حتّى تكون مانعية الضرر عن ثبوت الحكم له أمراً معقولاً. 

وأمّا إذا كان ثبوت الحكم بنفسه الضرر فالمانعيّة هنا غير معقولة؛ فلا يمكن شمول الجملة له. 

هذا الكلام جوابه واضح، وذلك: لأنّ الجهاد أو الحج مثلاً ليس الذي يقتضي وجوبه هو حيثية الضرر القائمة بهذا العنوان أو المساوقة معه، وإنّما هو حيثيّة أخرى وهي حيثيّة ما يترتّب على ذلك من مصالح في حياة العباد، بمعنى أنّ هذا العنوان يكون مورداً لحيثيتين متزاحمتين إحداهما حيثيّة الضرر والأخرى حيثيّة المصلحة ونفع العباد. 

وإحداهما تقتضي جعل الحكم، والأخرى تمنع عن جعله على ما هو المستفاد من (لا ضرر) على الفرض، فالحيثيّة المانعة غير الحيثيّة المقتضيّة، وكذلك الحال في سائر الموارد الأخرى. غاية الأمر بأنّ الضرريّة أحياناً يكون وجودها مع المقتضي اتفاقياً واُخرى يكون وجودها معه دائمياً؛ فما كان اتفاقياً ما كان من قبيل الوضوء، وما كان دائمياً كالجهاد، واقتران المقتضي بالمانع دائماً أمر معقول بحسب الخارج. فيمكن للشارع أن يبيّن في المقام أنّ حيثيّة الضرريّة مانعة عن تأثير المقتضي، سواء كانت ملازمة مع وجود المقتضي أو كانت اتفاقيّة معه، فليس هناك 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

استحالة عقليّة على استحالة مدلول الجملة لأمثال هذه الموارد. 

[الجواب الثاني:] جواب الميرزا

الجواب الثاني هو ما ذكره الميرزا(1)، وتوضيحه: أنّ جملة (لا ضرر) ظاهره الحكومة، كما سوف يأتي من أنّها تقدّم على أدلّة الأحكام الأوليّة بالحكومة، والحكومة معناها النظر إلى تلك الأحكام، والنظر إليها معناه افتراض وجود تلك الأحكام في المرتبة السابقة حتّى ينظر إليها. 

إذن بهذه القرينة، لا بُدّ وأن يفرض أنّ (لا ضرر) في مقام بيان نفي إطلاقات تلك الأحكام التي هي لا ضرريّة في نفسها لحال الضرر(2). أمّا نفي حكم ضرري بحسب طبعه وأصله، فهذا لا يكون من عهدة (لا ضرر)، لأنّها في مقام النظر إلى الأحكام بعد الفراغ عن وجودها، لا في مقام المعارضة ونفي الحكم من رأسه. 

وجواب ذلك: هو أنّ (لا ضرر) وإن كان لها حكومة ونظر، ولكن لها حكومة على الشريعة، لا على أحكام معينة بأسمائها التفصيليّة، وإنما يقول (لا ضرر) من ناحية شريعتي. فإذا كانت الحكومة على الشريعة لا على أحكام تفصيليّة معينة؛ فالحكومة على الشريعة يكون بأمرين: 

أحدهما: تقييد إطلاقات الأحكام التي هي غير ضرريّة في نفسها، بحيث لا تشمل حالة الضرر.

ــــــــــ[35]ــــــــــ

() راجع: منية الطالب 2: 209.

(2) وتقييد وتخصيص الحكم بغير حالة الضرر. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 ثانيهما: نفي الأحكام الضرريّة بطبعها عن الشريعة، وبيان أنّها ليست من الشريعة الاسلاميّة(1)

إذن فالحكومة هنا حيث إنّها حكومةٌ على الشريعة، فلا يكون هذا في المقام جواباً(2)(3)

فهذا الجواب أيضاً لا يمكن المساعدة عليه. 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

() وكلاهما يكون حكومة. غاية الأمر حكومة على الشريعة؛ فالمحكوم هنا ليس دليل وجوب الجهاد؛ بل هو الشريعة المفروضة بنحو القضيّة المهملة في المرتبة السابقة. (المقرِّر).

() وهنا قال أحد الإخوان: هو ينظر إلى هذه الأحكام الثابتة والشريعة ليست إلّا عبارة عن هذه الأحكام؟

 فأجاب: الشريعة مفهوم عرفي، عبارة عن هذا القانون؛ فالشخص الذي يريد أن يقول: إنّ شريعتي ليس فيها إطلاقات ضرريّة ولا أحكام ضرريّة، فيقول: شريعتي ليس فيها أحكام ضرريّة، أي تعبيرٍ أحسن من هذا؟ (المُقرِّر). 

() وهنا قال فيما قال جواباً على سؤال: لا نريد أن ننفي وجوب الجهاد حقيقة، فإنّه ثابت في الشريعة، وإنّما نريد أن نقول: إنّ (لا ضرر) بمدلولها العرفي، هل تنفي وجوب الجهاد، فيكون دليل وجوب الجهاد مخصصاً لها، أو أنّها بمفهومها العرفي قاصرة عن النفي، فيكون خروجه تخصصاً؟ وهذا ما يحاوله الميرزا في هذا الجواب*. (وهنا لخّصه مع جوابه).

* أقول: بل في كل جواب، وإذا لم يصح الجواب رجعنا إلى إشكال، كثمرة التخصيص. (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الجواب الثالث: [هو إبداء نكات في كلّ مثال مثال]

هو إبداء نكات في كلّ مثال مثال، نكتة تقتضي خروجه التخصصي لا التخصيصي. 

[المثال الأول: الخمس والزكاة]

فمثلاً: في الخمس والزكاة، يقول الميرزا: بأنّ هذا ليس ضرراً، وذلك: لأنّ الخمس والزكاة مرجعه إلى حكم الشارع بشركة الفقير مع صاحب المال في هذا المال. أفيكون ضرراً على أحد أولاد الميت إذا حكم الشارع بأنّ أخاه شريك له في تركة أبيه؟ لا يكون ضرراً. نعم كان الأحسن أنّ أخاه شريكه لا يكون ضرراً، وإنّما يكون فوات النفع الزائد؛ فهنا أيضاً يكون الأمر هكذا. 

هذا المطلب جوابه واضح: وهو أنّ الخمس والزكاة هي في طول مالكيّة هذا الشخص المالك؛ إذ بعد فرض كون صاحب المال مالكاً له ليحكم الشارع بخروج جزء من ملكه أو دخوله في ملك الفقير أو ملك العناوين الستة؛ فلو فرض قطع النظر عن ذلك الارتكاز الذي يخرج أمثال هذه الأحكام الضرريّة، عن كونها أحكاماً ضرريّة، بلحاظ إضافة الضرر إلى الضرريّة، فلو قطع النظر عن هذا فكيف لا يكون هذا ضرراً؟ فإنّه يكون نقصاناً بالنسبة إليه وضرراً عليه لا محالة؛ لأنّه بقطع النظر عن الشريعة لا يوجد مثل هذا الاستحقاق بحسب الارتكاز العقلائي، فإنّه بحسب النظر العقلائي أنّ الشخص يملك تمام أرباحه ففرض خروج خمس هذه الأرباح من ماله ضرر عليه. 

أو حينما يحوز معدناً، مقتضى الارتكاز أنّه يملك تمام ما يستخرجه، 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فالحكم بأنّه لا يملك تمام ما يستخرجه، وأنّه يخرج من ملكه مقدار منه، فهذا حكم ضرري، ويكون منفياً بـ(لا ضرر) بقطع النظر عن الارتكاز الذي أشرنا إليه(1)

أما أولاً(2): فلأن حكم الشارع بمالكية الفقير قد يكون في طول مالكيّة صاحب المال، بحيث يخرج شيء من كيس صاحب المال ويدخل كيس الفقير، لا أنّه في عرضٍ واحدٍ يحكم بالشركة بينهما. 

وهذا في الزكاة في غاية الوضوح، وكذلك في الخمس في أرباح المكاسب، فإنّه في طول مالكيّة التاجر لهذه البضاعة، فيظهر ربح فيتعلّق الخمس به. 

نعم في مثل المعدن يمكن أن يقال: بأن مالكية الفقير للخمس في عرض مالكيّة المستخرج لأربعة الأربعة، بحيث إنّ الكمية المستخرجة يملكها الاثنان 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: الخمس في أرباح المكاسب حتماً في طول الملكيّة، وأمّا بالنسبة إلى المعدن فهناك وجهان: 

أحدهما: أنّه في طول الملكيّة، كما هو الصحيح، لأننا نقول: إنّ الخمس في تمام الموارد بعنوان الفائدة. 

الوجه الآخر: أنّه في عرض الملكيّة؛ فحتّى على فرضه أيضاً يكون هذا حكماً ضررياً؛ لأنّه على خلاف الاستحقاق الثابت بالارتكاز العقلائي الثابت في المرتبة السابقة. (المقرِّر).

(2) لخّص أوّل المحاضرة الأجوبة الثلاثة التي ذكرها الآغايون للبرهنة على أن الخارج عن القاعدة من الأحكام خارج بنحو التخصص دون التخصيص. حتى وصل إلى الثالث ولخصه وقال في جوابه: وهذا المطلب غير تام: وذلك: أما أولاً… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

في عرضٍ واحدٍ، فالعرضيّة هناك متصورة ثبوتاً وإن كانت غير صحيحةٍ إثباتاً، فإنّ الصحيح أيضاً الطوليّة، كما بيّناه في بحث الخمس. 

وأما ثانياً: فلأننا حتّى لو سلمنا العرضيّة، وفرضنا أنّ ملك الفقير في عرض ملك صاحب المال، فحيث إنّ ملك الفقير في المقام على خلاف الارتكازات العقلائيّة بحسب الفرض، فإنّها لم تكن تقتضي أن يملك الفقير شيئاً من الربح أو المعدن المستخرج؛ فيكون عدم حكم الشارع بمالكيّة صاحب المال، مع أنّ الارتكاز العقلائي على طبق مالكيّة صاحب المال يكون ضرراً. غاية الأمر ضرر بلحاظ العناية العقلائيّة لا ضرر بقطع النظر عنها. 

هذا حال مثال الخمس والزكاة. 

[المثال الثاني: ضمان اليد]

ومثال آخر: مثال ضمان اليد، فيقول الميرزا بأنّ اليد غير الحقّة توجب الضمان، وهذا الضمان لا بأس به وهو خارج تخصصاً عن القاعدة، لأنّ صاحب اليد أقدم على ذلك، والضرر المقدم عليه خارج عن جملة (لا ضرر) على ما يأتي في تنبيهات المسألة، ففي خيار الغبن لو أنّ شخصاً أقدم على المعاملة الغبنيّة عالماً بكونها غبنيّة، فلا يشمله (لا ضرر)؛ وإنّما يشمله إذا لم يكن عالماً بالغبن ومقدماً عليه. فصاحب اليد غير الحقّة حيث إنّه أقدم بوضع يده على هذا المال بلا حقّ على الضمان، فحينئذٍ لا يشمله (لا ضرر) تخصّصاً لا تخصيصاً. 

هذا الكلام أيضاً غير صحيحٍ، وذلك: لأنّه قد لا يكون هناك التفات من 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

قبل صاحب اليد بوجه من الوجوه؛ لأنّ الضمان يتحقق من دون التفات إلى أنّ هذه اليد غير حقّةٍ، كأن يتخيّل أنّ هذا المال ماله فأخذه وأكله، فهذا لم يقدم على الضمان بوجه من الوجوه، ومع هذا لا إشكال في الحكم بالضمان في المقام؛ لأنّ هذه اليد غير حقّةٍ، لأنّها ليست مأذونة من قبل المالك لا من قبل الشارع. إذن فالإقدام في المقام ليس محفوظاً في تمام موارد الضمان. 

هذا مع إشكال آخر سوف يأتي إن شاء الله تحقيقه وتوضيحه مع حسابه في بعض تنبيهات المسألة(1)

وهنا اشكالٌ سوف تأتي الإشارة إليه في محلّه في أمثال هذا المقام، من حيث إنّه يقال: إنّ هذا الضرر يكون ضرره مقدماً عليه أو لا؟

 هناك إشكالٌ للمحقّق العراقي(2) سوف يأتي تحقيقه في محلّه حيث أشكل على مثل هذه المقالة في مقام آخر بإشكال الدور؛ لأنّ هذا الشخص كونه قد أقدم على الضرر في المقام فرع أن يكون هناك ضمان مترتّب على مثل هذه اليد، وكون أنَّ هناك ضماناً مترتّباً على مثل هذه اليد فرع أنّه لا تجري (لا ضرر) وعدم جريان (لا ضرر) فرع أنّه أقدم على هذا الضمان، فيلزم الدور في المقام. 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هل أنّ الإقدام يرفع ضرريّة الضرر؟

 فقال: كان هنا مخصصاً متّصلاً في (لا ضرر)، بأنّ الضرر المقدم عليه غير مشمولٍ للقاعدة، ويكون خارجاً تخصصاً.

ثم رجع السيد الأستاذ إلى الكلام عن الإشكال الذي أشار إليه. (المقرِّر).

(2) راجع: المقالات 2:122.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وسيأتي حسابه في بعض تنبيهات المسألة(1)

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() وهنا قلتُ له: إذا أقدم على الوضوء الضرري، فهل يكون الوضوء صحيحاً؛ فإنّ هذا يجرونه في المعاملات دون العبادات؟

 فأجاب (سلمه الله): صحّة الوضوء تحتاج إلى أمر لا محالة، وإذا فرضنا في المقام أنّه ارتفع وجوب الوضوء بـ(لا ضرر)، فبعد أن يرتفع هل هناك أمر أو ليس هناك أمر بحيث يصحح الوضوء؟ لا أمر يصححه؛ فلو أقدم على الضرر فقد أقدم على الضرر؛ فقد أقدم على وجود أمر به حتّى يصح عبادة. 

وقلتُ له بعد البحث حول هذا المطلب موضحاً: أنّه لو كان عندنا هذه الكبرى صحيحة، وهي: أنّ الضرر المقدم عليه لا يرتفع حكمه، فيشمل ذلك الحكم بصحّة العقد في مثل العقد الغبني المقدم عليه أو الحكم بصحّة الوضوء الضرر المقدم عليه؟

 فأجاب بما محصله: أنّ صحّة الوضوء وإن لم تكن مشمولة للقاعدة إلّا أنّ وجوبه يكون مشمولاً لها باعتباره حكما ضررياً.

 أقول: والوجوب من أفعال الشارع لا من أفعال المكلف ليكون ضرراً مقدّماً عليه، لكي لا يرتفع بالقاعدة، إذن فالوجوب يرتفع، وإذا ارتفع لم يبقَ دليل على صحّة الوضوء، وبتعبير آخر: أن في كلٍّ من الوضوء والعقد حكم وضعي هو الصحّة، وهو أمر أقدم عليه المكلف، وأمّا الوضوء، فله – بالإضافة إلى الحكم الوضعي – حكم تكليفي هو الوجوب، وهذا يقع مورداً للقاعدة بصفته حكماً ضررياً؛ وبذلك يرتفع موضوع صحّة الوضوء. أمّا العقد فليس حكمه التكليفي إلّا الجواز، وهو لا يمكن رفعه والمفروض أنّ الحكم الوضعي أيضاً لا يرتفع، فيكون العقد صحيحاً، هكذا خَطَرَ في ذهني والله العالم. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [المثال الثالث: مسألة الضمان كلّية]

المثال الثالث: هو مسألة الضمان كلية، ولو ضمان الاتلاف، فإنّ الآغايون كالسيّد الاستاذ وغيره، قالوا: بأنّه تتحقق هنا معارضة ما بين ضررين، في الضمان أو في القصاص، فلا يكون مشمولاً؛ لأنّ الحكم بالقصاص وإن كان حكماً ضررياً؛ لأنّه ضررٌ في حقّ الضامن والقاتل. ولكن الحكم بعد الضمان أو القصاص أيضاً ضرري في حقّ الشخص الآخر؛ فيتعارض الضرران، فمن هذه الناحية لا تشمل القاعدة هذا المورد. 

أمّا في مثل القصاص فتصوير التعارض بين الضررين لا بدّ وأن يكون بلحاظ الجمع بين الضرر الخارجي والضرر العقلائي؛ فإنّ القصاص ضرر بلا اشكالٍ؛ لأنّه يقتل. وإمّا عدم القصاص فما هو الضرر فيه لو كان لولي الدم؟

 ليس هناك ضرر إلّا ذاك النوع من الضرر – الذي حققناه- الذي هو ضرر في طول الاستحقاق العقلائي، حيث إنّ المرتكز عقلائياً استحقاق الولي للأخذ بالقصاص. فلو قالت الشريعة لولي الدم: إنّه ليس لك هذا الحقّ، لكان تنقيصاً بحقّه وهذا ضرر عليه لا محالة(1)

وأمّا في الضمان فالضرران كلاهما من هذا القبيل، ضرر بلحاظ الحقّ العقلائي، ولا ضرر خارجي حقيقي؛ فإنّه لو لم نحكم بالضمان لكان هذا ضرراً على المالك باعتبار ارتكاز استحقاقه للتعويض في المرتبة السابقة فيصدق -في 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤالٍ: هذا ليس إشكالاً، قال: هذا توضيح استطراقاً إلى الإشكال في الضمان. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

طول هذا الارتكاز- أنّ عدم الضمان ضرري. وأمّا الضمان يعني اشتغال ذمة هذا الشخص بالبدل، فهذا ضرر على هذا الشخص، لا بلحاظ شيء حقيقي مضاف إليه إضافة ذاتيّة، وإنّما هو نقص بلحاظ براءة ذمّته، الذي هو أمر اعتباري، وإنّما يكون ضرراً عليه باعتبار استحقاقه لبراءة ذمته؛ لأنّ له(1) حقّ السلطنة على براءة ذمّته، فلذا تنقيص هذه البراءة يكون ضرراً عليه. 

ومن هنا يعرف أنّه لا يمكن الجمع بين هذين الضررين، لأنّ العقلاء إن كان المركوز في عقليتهم التشريعيّة هو الضمان، إذن فالمركوز في عقليتهم أيضاً عدم استحقاق براءة الذمّة. وإن كان المركوز في عقليتهم التشريعيّة استحقاق ذاك لبراءة الذمّة، إذن فالمركوز عدم الحكم بالضمان. إذن فارتكازيّة الحكم بالضمان، مع ارتكازيّة استحقاق ذاك لبراءة الذمّة، فالجمع ما بينهما غير ممكنٍ. هذه أمثلة ثلاثة من النكات التفصيليّة في الجواب الثالث. 

الجواب الرابع: للشيخ الأعظم 

الجواب الرابع: أُشير إليه في كلمات الشيخ الاعظم إشارة إجماليّة، وفصّل من قبل بعض الأعلام، كما في (الدراسات)(2)، وحاصله: أنّ الأحكام الخارجة بالتخصيص من(لا ضرر) معلومة الخروج لدى المخاطب من أوّل الأمر، يعني: حين وجّه رسول الله هذه الجملة إلى المخاطبين، كانوا يعرفون من ذلك الوقت أنّ وجوب الحج ثابت والخمس والزكاة ثابت. 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() هذا الذي قلناه في البحث التعطيلي في شهر رمضان (سنة 1378). (المقرِّر).

(2) لاحظ: دراسات في علم الأُصول (للخوئي) 3: 322، ومصباح الأُصول 2: 539.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هذه العبارة يحتمل أن يراد بها دعوى أنّ وجوب الحج ووجوب الخمس ونحوها خارج بمخصصٍ متّصل، لا منفصل، فمثل هذا التخصيص المتّصل لا يوجب وهناً مهما كَثر؛ فإنّ الإنسان لو قال: (أكرم كلّ عالم إلّا فلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً)؛ فكأنّه من أوّل الأمر بيّن القلّة. والتخصيص الكثير إنّما يكون مستهجناً فيما إذا كان منفصلاً، وهنا التخصيص متّصل. 

إن كان هذا هو المقصود فمن المعلوم أنّ هناك فرقاً بين التخصيص المتّصل اللفظي، والتخصيص المتّصل الذي هو من هذا القبيل. 

توضيح ذلك: أنّ التخصيص المتّصل إن كان بنحو بحيث يكون هناك ظهور مقال أو حال في أنّ المتكلّم اعتمد عليه في مقام إخراج هذه الأفراد؛ فهذا يكون أمراً معقولاً ولا بأس. 

وأمّا إذا لم يكن هناك ظهور حال في ذلك، فلا يخرج بذلك عن الاستهجان، فإنّه كيف بيّن لفظاً مطلقاً وأراد منه القليل من دون أن ينصب دالّاً على ذلك، بعد فرض عدم اعتماده على ذلك المخصص المتّصل. 

وحينئذٍ إذا فرض أنّ المخصّص المتّصل كان من قبيل العلم الخارجي، يعني علم الصحابة خارجاً بالضرورة بوجوب الخمس والزكاة والجهاد ونحوها؛ فهذا العلم الخارجي إن فرض أنّه كان بنحو بحيث أوجب ظهور حال النبي في أنّه اعتمد على هذا العلم الخارجي في مقام الإخراج، فحينئذٍ قد يكون هذا مصححاً. 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إلّا أنّ مثل ظهور الحال هذا غير موجود بالنسبة إلى هذه الجملة؛ فإنّ ظاهر حال النبي إلباس هذه الجملة ثوب القاعدة، وكون جملة من الأحكام الضرريّة معلومة للصحابة لا يخرجه عن الاستهجان. وذلك لأنّ مجرّد العلم الخارجي لا يوجب ظهور حال أو مقال في أنّ المتكلّم اعتمد على ذلك في توضيح المقصد وإفادة القيد، فما لم تكن مثل هذا الظهور لا يرتفع الاستهجان من هذه الناحية(1)

هذا هو جواب الرابع، وبذلك تمّ الكلام في مشكلة كثرة التخصيصات.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

() وغفل السيّد عن ذكر المحتمل الثاني الجواب الرابع، فلما سئل عنه بعد البحث قال: بأنّه يدعى: أن هناك علم خارجي ضروري بخروج هذه الأحكام، بحيث ينتزع منها هذا العنوان في مقام الخروج. 

وهذا غير صحيح، إذ -بقطع النظر عن مسألة ان خروج الكثير بالعنوان الواحد هل يجدي أو لا يجدي- في المقام العلم الضروري لم ينعقد على هذا العنوان، وانما انعقد على المصاديق الخارجية. أمّا انتزاع مثل هذا العنوان العنائي من هذه المصاديق، فهو إنما كان بأيدي المحققين، ولم يكن على أيدي المتشرعة بما هم متشرعة، بحسب ارتكازاتهم الأوليّة. 

وهنا قال توضيحاً جواباً على سؤال: العلم الضروري الذي كان عند الصحابة كان علماً ضرورياً بخروج وجوب الحج لا بخروجه بعنوان كونه حكماً ضرورياً بطبعه. 

وقال أيضاً جواباً على سؤال: هذا الاحتمال الثاني تحتمل في عبارة (الدراسات)، أمّا عبارة الشيخ مختصرة جداً: لا سيما مع كون المخصصات أمور كان يعلم المخاطبون حينئذٍ. ولم يبين نكتة المطلب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 

تطبيق النص على رواية سمرة بن جندب 

 

بعد هذا نواجه المشكلة الأخيرة، وهي تطبيق النصّ في خصوص رواية سمرة بن جندب. فإنّ رسول الله قام بإجراءين:

 أحدهما: أنّه حرم على سمرة الدخول إلى بستان صاحب البيت إلّا بالاستئذان منه.

 ثانيهما: أنّه أجاز لصاحب البيت أن يقلع النخلة ويرمي بها وجه سمرة. ثُمّ بعد هذا بيّن هذه القاعدة الكليّة وهي (لا ضرر ولا ضرار). 

فهذه القاعدة إن كانت تطبيقاً على كلا المطلبين، فلا بدّ من توضيح كيفية انطباقها عليهما معاً. وإن كانت تطبيقاً على أحدهما دون الآخر، فلا بد من تعيين حيثيّة الانطباق في المقام.

والآن لأجل تحليل المشكلة فلندرس التطبيق الأوّل فقط، ونقطع النظر عن قصّة قلع النخلة حتّى إذا فهمنا التطبيق وتعقّلناه نأتي إلى التطبيق الثاني. 

الحكم الأول: تحريم الدخول على سمرة 

أمّا الحكم الأوّل ففيه يقال عادة: إنّ سلطنة سمرة بن جندب في الوصول إلى نخلته، وإن كانت ثابتة في نفسها، لأنّ ظاهر الرواية أنّ هذا الرجل كان يستحق إبقاء النخلة في هذا الموضع، إمّا بنحو الاشتراء من ذلك الأنصاري، أو 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

كان قد باع البستان له واستثنى النخلة، أو غيرها من الوجوه التي يستحق بها شرعاً حفظ النخلة في موضعها، فكان لسمرة سلطنة على الدخول إلى هذا المكان، وكان دخوله له بالاستحقاق من دون حاجة إلى الاستئذان من أحد. 

إلّا أنّ هذه السلطنة أصبحت ضرريّة، يعني: سلطنته على الدخول بدون استئذان الأنصاري؛ لأنّه يؤدي إلى نوع من ضيق الحال والتشويش على الصحابي فمن هذه الناحية طبّق النبي قاعدة (لا ضرر) لنفي هذه السلطنة. 

كلام المحقق العراقي 

والمحقّق العراقي دقّق في هذه النقطة، فقال(1): إنّه كيف يمكن أن نفترض أنّ القاعدة تنفي سلطنة سمرة على الدخول بلا استئذان، مع أنّ القاعدة من القواعد الامتنانيّة، وحيث إنّها امتنانيّة فلا يمكن أن يثبت بها حكم على خلاف الامتنان، وهنا نفي سلطنة سمرة على الدخول بلا استئذان، وإن كان على وفق الامتنان بالنسبة إلى صاحب البستان، ولكنّه على خلاف الامتنان بالنسبة إلى سمرة بن جندب، فهو حكم على خلاف الامتنان بالنسبة إلى بعض أفراد الأمّة التي أمتنَّ عليهم بتشريع هذه القاعدة. 

ومثل هذا الحكم المخالف للامتنان لا يثبت بالقاعدة الامتنانيّة؛ فلا يمكن أن يكون نفي سلطنة سمرة بن جندب على الدخول بلا استئذان، ولا يمكن أن يكون من نتائج تطبيق (لا ضرر). 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

(1) لاحظ: المقالات 2: 114.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ومن هنا صاغ الموقف بشكلٍ آخر، وقال: إنّه هنا في الحقيقة توجد سلطنتان: 

سلطنة لسمرة بن جندب، وهي سلطنته على حفظ نخلته، وهي السلطنة التي تمكّنه من الدخول بلا استئذان. 

وسلطنة لصاحب البيان، وهي سلطنته على حماية نفسه وعرضه من دون أن يفاجئه مفاجئ. 

وهاتان السلطنتان وقع بينهما التزاحم في المقام؛ لأنّ فسح المجال لسمرة أن يعمل سلطنته ويدخل بلا استئذان يؤدي إلى تفويت سلطنة صاحب البستان. والحفاظ على سلطنة صاحب البستان، يؤدي إلى تفويت سلطنة سمرة بن جندب. 

إذن فهنا مورده مورد التزاحم بين السلطنتين، وهنا -بقطع النظر عن (لا ضرر)- يحكم بسقوط السلطنة الأضعف تقديماً للأقوى عليها. 

ومن المعلوم أنّ الأقوى ملاكاً والأهمّ شأناً واعتباراً في نظر الشارع إنّما هو سلطنة صاحب البيت على حماية أهله وكرامته. إذن فتقدّم تلك السلطنة على سلطنة هذا الرجل على حماية عذقه والدخول بلا استئذان، وحينئذٍ أنتج هذا التقديم منع سمرة من الدخول بلا استئذان، وتمكين صاحب البيت من منعه بالقوة من الدخول؛ لأنّه سقطت سلطنته مع وقوع التزاحم. هذا كلّه بقطع النظر عن جملة: (لا ضرر ولا ضرار).

 إذن، فماذا كان دخل هذه الجملة في المقام؟ يقول: إنّ استنتاج هذه 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

النتيجة(1) توقّف على أمرين: 

الأمر الأوّل: فرض سلطنة مزاحمة وهي: سلطنة صاحب البيت على حفظ عرضه. والآخر فرض كونها مقدّمة مسقطة لسلطنة سمرة. والفرض الأوّل هو الذي يثبت بلا ضرر. يعني (2): فرض سلطنة مزاحمة لصاحب البيت على حماية عرضه؛ لأنّ عدم هذه السلطنة ضرر علينا لا محالة.

أما الأمر الثاني: وهو إسقاط هذه السلطنة لحساب تلك السلطنة، فهذا ليس بـ(لا ضرر)؛ لأنّه على خلاف الامتنان، بل هو تطبيق لقوانين باب التزاحم الملاكي والمنافعي السلطنتين.

فـ(لا ضرر ولا ضرار) ليس لها دخل في مقام إسقاط هذه السلطنة، إنما أتى بها فقط لإثبات أصل السلطنة المزاحمة، وهي سلطنة صاحب البيت على حفظ عياله. 

هذا خلاصة ما أفاده هذا المحقّق في المقام. 

تحقيق المقام

[المقام الأوّل: في تحليل الموقف]

وتحقيق المقام: أنّ تصوير حقّ هذا الرجل وهو سمرة في الدخول وسلطنته عليه يمكن أن يكون بصورتين: 

الصورة الأولى: أن يفرض أنّ سمرة كان له حقّ شرعي على إبقاء العذق 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() وهي: منع سمرة من الدخول بلا استئذان. (المقرِّر).

(2) يعني تثبيت سلطنة صاحب العيال في نفسها، (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

في موضعه، يعني يملك الانتفاع بالأرض بمقدار أن يبقى عذقه فيها، وليس له سلطنة على شيء آخر في عرض هذه السلطنة، غاية الأمر أنّ هذه السلطنة لها لازم عقلائي لا محالة، وهو أن يكون مسلّطاً على التمكن من حفظ عذقه والاستفادة منه، وألّا يكون مسلطاً على حفظ عذقه ويمنع من الدخول إليه بالمرة، فإنَّ هذا مما لا معنى له؛ فيكون حقّ الدخول له من اللوازم العقلائية المتفرّعة على سلطنته على حفظ عذقه(1).

الصورة الأخرى: أن يفرض أن له سلطنة من أوّل الأمر على الدخول بعنوانه، فله سلطنة على إبقاء عذقه، وله سلطنة في عرض ذلك على الدخول، كما لو كان قد اشترط في ضمن عقد على هذا الشخص أنّه في أي وقت شاء يدخل إلى هناك، وقلنا: بأنّ الشرط يولّد حقّاً للمشتري. 

إذا حسبنا حال الصورة الأولى: وهي أن تكون سلطنة سمرة منصبة أولاً وبالذات على حفظ عذقه في موضعه، لكن من باب الاستلزام العقلائي، يكون له حقّ الدخول تمكيناً له من مداراة عذقه؛ فطبعاً هذا الحقّ التبعي على الدخول لا يكون حقّاً انحلالياً بحيث يكون حقّاً للدخول بأيّ نحو وشكل، وإنّما هو حقّ في جامع الدخول بنحو صرف الوجود. 

وبتعبيرٍ آخر: أنّ هذا الشخص الذي له حقّ على إبقاء عذقه يكون له حقّ عذقه، وحفظ العذق يتوقف على الدخول، فيكون الدخول مقدّمة لحفظ 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

() فيكون الدخول إلى ارض الأنصاري مقدّمة لاستيفاء سلطانه وحقّه ولا يكون بعنوانه مركزاً للحقّ. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

العذق، وهذه المقدّمة لها فردان: فرد مع الاستئذان، وفرد من دون استئذان. وأحد فردي المقدّمة يكون منافياً مع سلطنة الشخص الآخر على حماية عرضه دون الفرد الآخر. 

في مثل هذا لا يقع تزاحم ما بين السلطنتين فإنّ سلطنة سمرة لم تكن على الدخول ابتداء، وإنما كانت سلطنته على إبقاء عذقه بالتالي على حفظه، وإنّما كان مسلّطاً على الدخول من باب المقدّميّة.

وأحد فردي المقدّمة كان منافياً لحقّ آخر لصاحب البستان، ففي مثل هذا لا يتحقق تزاحم بين الحقين بوجه من الوجوه؛ لأنّه من الممكن لكلّ منهما أن يستوفي حقّه ويشبع سلطنته، من دون أن يقع ضياع على أيّ منهما. 

ففي مثل هذا ليس كما ذكر المحقّق العراقي من أنّه تزاحم بين السلطنتين؛ بل طرف المزاحمة مع سلطنة صاحب العيال على حفظهم هو أحد فردي المقدّمة التي يتوقف عليها استيفاء صاحب العذق لحقّه، ومثل هذا لا يحقق التزاحم بلا إشكال. فسلطنة سمرة على حفظ عذقه ليست طرفاً للمزاحمة حتّى ترفع (لا) بـ(لا ضرر)، ولا بقواعد باب التزاحم. بل هي باقية على حالها، وإنّما الضرر نشأ من أنّ هذا الشخص أراد أن يطبّق مقدّمة استيفاء الحقّ على أحد الفردين فيكون الضرر ناشئاً من هذا التطبيق، وبـ(لا ضرر) يمنع عن جواز هذا التطبيق؛ لأنّه منافٍ لسلطنة الأنصاري في حفظه أهله فيرتفع هذا الجواز، من دون أن نرفع هذه السلطنة من رأسها. 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أمّا كون(1) هذا خلاف الامتنان، أو أنّ القاعدة لا تجري على شخص إذا كان نفي الضرر عن شخصٍ يضيق خُلُقه؛ فهذا سوف يأتي الحديث عنه، وأنّه لا يشترط في جريانها في حقّ مسلم أن لا يضيق خلق شخص من ناحية إجرائها. 

هذا بالنسبة إلى الصورة الأولى، وهي المتيقنة من الرواية ومن كلام المحقّق العراقي. 

أمّا من الرواية فلأنّه لم يفرض فيها أي فرضيّة مشعرة بوجود حقّ لسمرة بن جندب أكثر من استحقاقه لإبقاء عذقه، ولا يوجد في الرواية ما يدلّ على أكثر من هذا المقدار، كما أنّ المحقّق العراقي الذي فرض سلطنتين متزاحمتين أيضاً، كان يعبّر بسلطنة صاحب العذق على حفظ عذقه. 

ومن هنا يظهر أنّه لا كلام المشهور صحيح، ولا ما أفاده هذا المحقّق الجليل. 

أمّا كلام المشهور فإنّهم قالوا: بأن (لا ضرر) تنفي أصل سلطنته.

والمحقّق العراقي قال: بأنّ أصل السلطنة منفي، لكن بملاك التزاحم لا بملاك (لا ضرر).

وبحسب الحقيقة لا ننفي ذرّة من السلطنة الوضعيّة لسمرة بن جندب، وإنما ننفي جوازاً تكليفياً فقط، وهو جواز تطبيق مقدّمة استيفاء هذه السلطنة الوضعيّة على أحد افراده. 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() قال هذه الفقرة جواباً على سؤالٍ. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهنا ينبغي أن يكون معلوماً شيئاً، وهو: أنّ الاستئذان الذي نفى جوازه بـ(لا ضررٍ) ليس المقصود منه أن يستأذن فيقال له: (الآن اذهب)؛ بل المقصود منه فقط التنبيه، كما يظهر من بعض صيغ الروايات؛ لأنّه قال(1): (فليستأذن حتّى تأخذ عيالي خدرها منه)، ويقول: (فإن دخلت فاستأذن)(2)، فكأنّ أصل الدخول مفروض منه. 

هذا هو الكلام في الصورة الأولى. 

وأمّا في الصورة الثانية: وهو أن نفرض أنّ له حقّاً أصلياً في الدخول، لا من باب أن حقّه في الدخول مقدّمة لاستيفاء حقّه الأصلي، كما لو كان قد اشترط على صاحب البستان في ضمن عقد أن يدخل متى شاء. 

هنا تقع المزاحمة لا محالة ما بين السلطتين؛ لأنّ المفروض أنّ هذا الشخص مصرّ على أن يدخل بلا استئذان، والمفروض أنّ صاحب العيال لا يتمكّن من أن يجبره على الاستئذان، وإنما يتمكّن من أن يجبره على عدم الدخول وسدّ الباب أمامه، وحينئذٍ فإمّا أنّ صاحب العيال يسدّ الباب في وجهه فقد منعه مما هو حقّه؛ لأنّ ذات الدخول حقّه على أيّ حال، أو أنّ صاحب العيال يمنع من سدّ الباب، فهذا سوف يدخل بلا استئذان ويضيع على صاحب العيال حقّه في التحفّظ على عياله. 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

() أقول: ومثله في رواية أخرى: يا سمرة لا تزال تفجؤنا على أي حال لا نحب أن تفجأنا عليه. انظر ما قدمناه من الروايات. (المقرِّر).

(2) يشير إلى قول النبي لسمرة في احدى الروايات يا سمرة استأذن إذا دخلت.

(المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وإذا وقع التزاحم ما بين السلطنتين يأتي مجال تطبيق (لا ضرر)، فعلى ماذا طبّقت (لا ضرر) في المقام؟ فهنا (لا ضرر) بنفسها تطبّق على حفظ سلطنة صاحب البستان والعيال. وعلى تقديمها على السلطنة الأخرى، ولا يلزم من ذلك محذور. 

وذلك: لأنّ هذه الأهميّة التي أشار إليها المحقّق العراقي أهميّة سلطنة صاحب العيال على سلطنة الآخر، حيث إنّها أهميّة عقلائيّة ارتكازيّة فسقوط سلطنة سمرة بن جندب في مقام المزاحمة وبقاء الأخرى مركوز عند العقلاء، ففي المقام يكون الضرر في أن لا يحكم لصاحب العيال، لا في أن يحكم لسمرة بن جندب؛ فإنّ لا يحكم لسمرة بالسلطنة لا يرى في هذا ضرر، لأنّ سلطنته سقطت في مقام التزاحم بحسب الارتكاز العقلائي. أمّا أن لا يحكم لذاك بالسلطنة؛ فهذا ضرر عليه، لأنّه سلب لحقّ ثابت بحسب الارتكاز العقلائي؛ فتطبّق (لا ضرر) في مقام حفظ سلطنة ذاك الشخص وتقديمه على هذه السلطنة(1)

ــــــــــ[54]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: المحقّق العراقي ذكر أنّ (لا ضرر) لا يمكن أن تكون هي المدرك في تطبيق تلك السلطنة، يعني في أصل وجودها لا في فعليّة وجودها. 

أمّا أنا فأقول: بأن (لا ضرر) تكون مدركاً في فعليّة وجودها أيضاً -لا في أصل وجودها- لأنّ هذه السلطنة حيث إن أقوائيتها على السلطنة الأخرى عقلائيّة ارتكازيّة؛ فبحسب الارتكاز العقلائي لا يرى لسمرة سلطنة بالفعل ويرى لصاحب العيال سلطنة بالفعل، فحينئذٍ إذا حكم الشارع بعدم سلطنة سمرة لا يكون هذا ضررياً، وأما إذا حكم بعدم السلطنة لصاحب العيال، فيكون هذا ضررياً في نظر العقلاء، لأنّهم يرون له السلطنة. فـ(لا ضرر) تعيّن حفظ سلطنة الأنصاري وتقديمها على سلطنة سمرة بن جندب. 

وهنا قال نفس الأخ السائل: أن باب التزاحم كَافٍ في المقام؟

 فأجاب السيّد (سلمه الله): نعم صحيح، يعني أن هناك طريقان لإثبات ذلك. فإننا من الخارج نعلم من اهتمام الشارع بالاعراض، أنّه في مورد التزاحم بين هاتين السلطنتين يقدم تلك السلطنة، فبقطع النظر عن اهتمام الشارع، نفس الجملة أيضاً يكون تطبيقها على هذا النحو، باعتبار الارتكاز العقلائي من أن تقديم تلك السلطنة لا يكون ضرراً على سمرة، لأنّ هذه السلطنة غير موجودة لدى العقلاء. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هذا هو تمام الكلام في كيفية تطبيق القاعدة على الحكم الأوّل. 

*****

بعد هذا نأتي(1) إلى هاتين الصورتين، فنقول: أمّا الصورة الأولى وهو ما إذا كان حقّ سمرة بن جندب متعلّقاً بإبقاء العذق وحفظه، وكان الدخول مقدّمة لاستيفاء الحقّ، ففي مثل ذلك -بحسب الحقيقة- لا تزاحم بين السلطنتين، ولا يكون منع الانصاري سمرةَ بن جندب من الدخول بلا استئذان مزاحماً مع سلطنة سمرة بن جندب. بخلافه في الصورة الثانية، وهي ما إذا كان الدخول 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

() لخّص أولاً كلام المحقّق العراقي ثُمّ حلّل الجواب عليه إلى مقامين أولهما في تحليل الموقف، وثانيهما في تطبيقه على (لا ضرر). وذكر في مبدأ المقام الأول الصورتين السابقتين لحقّ سمرة، وهما ما إذا كان حقّه منحصراً بالمحافظة على العذق وكان الدخول مقدّمة إليه، والاُخرى ما إذا كان له حقّ في الدخول بعنوانه. ثُمّ استمر السيّد الاستاذ في التكلّم بنحو ما سبق، لكن بزيادة في التوضيح والتفريع فقال: بعد هذا نأتي إلى هاتين الصورتين، فنقول… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بعنوانه متعلقاً للحقّ؛ فإنّه يقع تزاحم بين السلطنتين، ويكون الأنصاري بمنع سمرة من الدخول بلا استئذان مفوّتاً عليه حقّه.

وليس التفريق بين الصورتين بلحاظ أنّه في الصورة الأولى، حيث إنّ متعلّق الحقّ هو حفظ العذق، وهو لا يتوقّف على الدخول في كلّ آن، بل يكفي الدخول -مثلاً- في كلّ يومٍ مرّة واحدة. 

وأمّا في الصورة الثانية فمتعلّق الحقّ هو الدخول بعنوانه في تمام آنات عمود الزمان؛ فلو جاء سمرة عند الغروب فمنعه الأنصاري، فإن كان من قبيل الصورة الأولى فمنعه لا يكون مفوّتاً لحقّه، بخلافه في الصورة الثانية فإنّه يكون مفوّتاً لحقّه. 

وليس نظرنا إلى هذا؛ لأنّنا نتكلّم في تلك المرّة الواحدة في اليوم، التي يتوقف عليها حفظ العذق واستيفاء الحقّ ومع هذا نفرق بين التصورين.

كما أننا لا نريد أن نفرق بين الصورتين بلحاظ دعوى أن الدخول عنوان جامع بين فردين، بين الدخول الاستئذاني والدخول اللااستئذاني. 

ففي الصورة الأولى متعلّق الحقّ هو حفظ العذق، وهو يتوقف على جامع الدخول وصرف وجوده. فإذا منعه الأنصاري من الدخول بلا استئذان، فيكون قد منعه من بعض أفراد مقدّمة استيفاء الحقّ. ولا بأس بذلك، لأنّه ليس له حقّ في تمام أفراد المقدّمة، بل حقّه في ذي المقدّمة، فمنعه من بعض أفرادها لا يزاحم مع ذيها. 

وهذا بخلافه في الصورة الثانية فإنّه له حقّ في تمام أفراد الدخول – مثلاً -. 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

لكن يقال في مقام الجواب: إنّه يمكن أن نفرض في الصورة الثانية أيضاً أنّ الحقّ الثابت في الدخول بعنوانه، وأيضاً ثابت بعنوان صرف وجود الدخول الجامع، إذن إذا منعه صاحب العيال من أحد فردي حقّه فلم يمنعه من صرف الوجود؛ لأنّ صرف الوجود قابل للانطباق على الفرد الآخر أيضاً فكما يمكن في الصورة الأولى دعوى: أنّ المقدّمة هي صرف وجود الدخول، فلا محذور من منعه من بعض أفرادها، كذلك يمكن أن يقال في الصورة الثانية، فلا مانع من منعه من بعض أفراد صرف الوجود. 

وذلك: لأنّ الدخول -بحسب الحقيقة- لا يتحصص إلى فردين: الدخول الاستئذاني وغير الاستئذاني، بل هو بالتالي دخول واحد. 

وهذا الدخول الواحد هو تارةً يكون مع التنبيه واُخرى لا يكون معه؛ فالتنبيه لا يحصص الدخول إلى دخولين، بل هو دخولٌ واحدٌ شخصيٌّ، وهذا الدخول وقع في الصورة الأولى مقدّمة لاستيفاء الحقّ، وفي الصورة الثانية وقع نفسه متعلّقاً للحقّ. 

إذن فيجب أن نفهم الصورتين موضوعاً بهذا النحو، ثُمّ نتكلّم عن إبراز الفرق بينهما حكماً، ومن هنا نقول: إنّه في الصورة الأولى لا يقع تزاحم بين السلطنتين، وفي الصورة الثانية يقع بينهما تزاحم. 

أمّا أنّه في الصورة الأولى لا يقع تزاحم بين السلطنتين؛ فلأنّ سلطنة سمرة بن جندب، ليست منصبة على هذا الدخول الواحد الشخصي، بل على ذي 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المقدّمة وهو حفظ عذقه. ومنع الإنسان من ذي المقدّمة، لا يكون إلّا بمنعه من المقدّمة منعاً على الإطلاق. وأمّا المنع من المقدّمة منعاً على تقدير يكون هذا التقدير قابلاً للرفع من ناحية المكلّف، فمثل هذا المنع لا يسدّ على المكلّف باب الاتيان بذي المقدّمة. 

فمثلاً: كان لإنقاذ الغريق مقدّمة، هو اجتياز هذه الأرض الشخصيّة، فهنا تارةً يفرض أنّ شخصاً يمنع من دخول الارض منعاً مطلقاً، فقد فوت على هذا الشخص الاتيان بذي المقدّمة وهو الانقاذ. وإمّا إذا حرم عليه الإتيان بالمقدّمة ما لم يعط درهماً، يعني حرمه على تقدير عدم إعطاء الدرهم، فمثل هذه الحرمة لا يقع تزاحم بينها وبين ذي المقدمة، يعني: يمكن لمولى واحد أن يأمر بذي المقدّمة ويحرم الإتيان بالمقدّمة بالفعل ما لم يعط درهماً؛ لأنّ المكلف قادر على أن يرفع موضوع هذه الحرمة، ويبدل اللاإعطاء بإعطاء الدرهم. فما دام قادراً على هدم التقدير التي أنشأت الحرمة في المقدّمة مربوطة به، فهو متمكّن من الإتيان بالمقدّمة وإنما يكون محروماً من الإتيان بذي المقدّمة إذا منع من المقدّمة منعاً مطلقاً، لا على تقدير يكون رفعاً ووضعاً تحت اختياره. 

بناءً على هذا نأتي إلى محلّ الكلام، فنقول: إنّ ذا المقدّمة الذي هو محطّ حقّه وسلطانه هو حفظ عذقه، وهو يتوقف على مقدّمةٍ، هي هذا الدخول الشخصي الواحد، فالأنصاري إن منع منه منعاً مطلقاً سواء استأذن أو لم يستأذن، فهذا لا محالة يكون تفويتاً للإتيان بذي المقدّمة وحرمانا لحقّه فيه. 

وأمّا إذا فرضنا أنّه منعه من الدخول ما دام لم يستأذن وهو بالفعل لا يستأذن، إذن فالمنع فعلي بالنسبة إليه، ولكنه منع قابل لأنّ يهدم من قبل سمرة 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بهدم تقديره، وذلك: بأن يستأذن؛ لأنّ الاستئذان تحت اختياره، فهذا المنع مع كونه فعلياً لا يوجب حرمان سمرة من استيفاء حقّه؛ لأنّه من الممكن أن يبدّل تقديره ويبدّل اللااستئذان بالاستئذان، فمنع الأنصاري له منوطاً بأنّ لا يستأذن، ولا يزاحم مع سلطان سمرة، لأنّ سلطانه لم يتعلّق بالدخول، بل تعلّق بحفظ العذق، وهو الآن أيضاً قادر على حفظ عذقه، وذلك: بأن يهدم شرط المنع فيأتي بالمقدّمة ويحفظ العذق؛ فهنا لا تزاحم بين السلطنتين. 

فإن قيل: إنّه بناءً على هذا أيضاً يمكن للأنصاري أن يقول لسمرة: بأنّي أمنعك من الدخول ما لم تلبس الثوب الأبيض، بدعوى: أنّ هذا المنع أيضاً منع مشروط بأن لا يلبس الثوب الأبيض، فيمكنه أن يهدم ذلك، ويلبس الثوب الأبيض؛ فهل للأنصاري مثل هذا التحكم على سمرة بن جندب؟ لا؛ لأنّ هذا وإن لم يكن مفوتاً لحقّ سمرة وسلطانه، ولكنّه إلزام له بأمر مباح بلا موجب، وليس لمكلّف حقّ في أن يلزم مكلّفاً آخر بأمر مباح فعلاً أو تركاً من دون أن يكون الشارع قد ألزم به، لأنّ العبد ليس له أن يلزم عبداً مثله، وهذا الإلزام بنفسه حرام من قبل الأنصاري ولا معنى له. 

بخلافه في المقام، إذ يقول له: إنّما لا أدعك تدخل ما لم ترفع يدك عن الملازمة بين الدخول وبين ارتكاب الحرام، وهذا أمر صحيحٌ، حتّى لو فرض أنّ هذا الحرام لم يكن مربوطاً به، بل كان مربوطاً بشخصٍ آخر، يكون هذا جائزاً بملاك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إذن ففي هذه الصورة لا يكون منع سمرة من الدخول بالفعل منعاً محدوداً 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بأن لا يستأذن، ولا يكون مزاحماً مع سلطان سمرة على عذقه، لأنّه قادرٌ على أن يهدم هذا المنع موضوعاً ويبدله إلى اللامنع فيدخل ويحفظ عذقه، فلا تزاحم بين السلطنتين. 

وهذا بخلافه في الصورة الثانية، فإنّ حقّه متعلّق بنفس الدخول، فإنّه دخول واحد شخصي، وهو متعلّق سلطانه وحقّه؛ فيقول له الأنصاري: أنا أمنعك من استيفاء حقّك في الدخول إلى أن تصير إنساناً متديناً وتستأذن. فهذا عبارةٌ أخرى عن منعه من استيفاء حقّه؛ لأنّ له حقاً بالفعل في الدخول وهذا منعه بالفعل من الدخول. 

صحيح أنّ لسمرة قدرة على أن يرفع موضوع هذا المنع، وذلك بأن يستأذن، ولكن هذا لا ينافي أن يكون ممنوعاً بالفعل؛ فإنّه قادر على أن يرفع موضوع منع الأنصاري له عن استيفاء حقّه، وهذا لا يخرج المنع عن كونه منعاً عن استيفاء حقّه. 

إذن ففي الصورة الثانية يقع تزاحم بين السلطنتين لا محالة؛ لأنّ الأنصاري إن قيل له: أن اسكت عنه، فمعناه أن سلطنته على حفظ عياله وعرضه سوف تهدر وتضيع، وإذا سمح له بأن يغلق الباب أمام سمرة على أن يستأذن، فهو معناه منع لسمرة من استيفاء حقّه، منعاً باقياً ما لم يصر إنساناً متديناً، وهذا معناه التزاحم بين السلطنتين.

هذا هو الكلام في المقام الأوّل، وهو تحليل الموقف.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المقام الثاني: في تطبيق القاعدة 

[بلحاظ الصورة الأولى]

وأمّا الكلام في المقام الثاني، يعني في تطبيق قاعدة(لا ضرر) في المقام؛ فالصحيح أنّه بلحاظ الصورة الأولى لو فرض أنّه لا تزاحم بين السلطنتين؛ فلا معنى لأنّ نقول: إنّ(لا ضرر) تجري لرفع سلطنة سمرة بن جندب على حفظ عذقه، كما يقول المشهور، لأنّ هذا الكلام من المشهور، كان مبنياً على أن تكون هذه السلطنة ضرريّة، مع أنّها ليست ضرريّة؛ فإنّ سمرة في الصورة الأولى لم يكن له سلطنة على عنوان الدخول بلا استئذان، وإنّما كان له سلطنة على حفظ عذقه، وهذه السلطنة ليست ضرريّة بوجه من الوجوه؛ لأنّه من الممكن استيفاؤها من دون ضرر على الأنصاري بأي وجه من الوجوه. 

كما أن رفعه بقوانين باب التزاحم أيضاً مما لا معنى، إذ لا تزاحم في الصورة الأولى بين السلطنتين؛ فسلطنة سمرة بن جندب بالمقدار الذي هو ثابت من أوّل الأمر يبقى ثابتاً إلى آخر الأمر؛ لأنّه لا يكون ضررياً. 

إذن كيف تطبق قاعدة لا ضرر؟

 تطبّق في مقام إثبات جواز منع سمرة من الدخول بلا استئذان، يعني في مقام تثبيت سلطنة الأنصاري على حفظ عياله وعرضه؛ لأنّ هذه السلطنة في مقام إعمالها تقتضي منع سمرة من الدخول بلا استئذان؛ فيقال بثبوت هذه السلطنة؛ لأنّ عدمها ضرر، وإنّما تكون ضرراً؛ لأنّ مثل هذه السلطنة -في المرتبة السابقة عن القاعدة- لها ثبوت في الارتكاز العقلائي، فيكون عدم 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

جعلها من قبل الشارع ضرراً في النظر العقلائي(1).

ــــــــــ[62]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: مفاد (لا ضرر) فقط تثبيت سلطنة الأنصاري أو رفع الجواز التكليفي؟

 فأجاب: هذا مرجعه إلى ذلك؛ لأنّه إذا ثبتت سلطنة ذلك، فلا يجوز مزاحمته في سلطانه. 

وهنا قلتُ له: سلطنة الأنصاري على منعه ثابتة حتّى في المرتبة السابقة على (لا ضرر)، باعتبار كونه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ 

فأجاب: هنا جنبة الحقّ الوضعي، وهي غير جنبة الحكم التكليفي المشروط بشرائط معينة من الأمن من الضرر واحتمال النفع.

 فقلتُ: إنّ نفس دليل سلطنة الإنسان على أهله وماله يكفي من دون (لا ضرر)؟

 فقال: صحيح كافٍ، ولكن (لا ضرر) أيضاً تأتي في مقام إمضاء هذه السلطنة بوجودها العقلائي؛ لأنّ كلّ حكمٍ مركوز في الأذهان العقلائيّة بحيث يكون عدمه ضررياً في الارتكاز العقلائي تثبته (لا ضرر) على النحو الذي شرحناه فيما سبق. هذا في الصورة الاُولى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 





بقية المقام الخامس من مباحث لا ضرر

وهو في فقه الحديث(1)

 

وأما في الصورة الثانية 

وهي الصورة التي قلنا فيها بالتزاحم فيها إذا كان لسمرة حقاً بالدخول بعنوانه، فيقع التزاحم بين السلطنتين، وفي مثل هذا أيضاً الصحيح أنّ (لا ضرر) تأتي في مقام تثبيت سلطنة الانصاري كما في الأوّل. غاية الأمر في الأوّل تثبيتها بلا مزاحم، وفي الثاني تثبيتها على مزاحمها وتقديمها عليه، وإسقاط مزاحمها.

واشكل المحقّق العراقي في ذلك بدعوى: أنّ هذا خلاف الامتنان بالنسبة إلى سمرة بن جندب، و(لا ضرر) قاعدة امتنانيّة؛ فلا يثبت بها شيء على خلاف الامتنان. 

هذا المطلب المشهوري الذي سوف يأتي تحقيقه وبيان عدم صحّته في جملة من الموارد؛ فلا مانع من أن يثبت في الجملة حكم لا امتناني بمثل هذه القاعدة على نحو يأتي توضيح نكاته.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() [تاريخ الشروع بالدفتر (20)] السبت 4/11/1387- 3/2/1968. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إذن، فقاعدة (لا ضرر) تطبّق على تثبيت سلطنة الأنصاري المقتضيّة لجواز منحه لسمرة من الدخول بلا استئذان، وأمّا تثبيته في نفسه -كما في الصورة الأولى- أو تثبيته على مزاحمه، كما في الصورة الثانية. هذه صياغة تطبيق هذه القاعدة.

والمتيقّن من الرواية هو الصورة الأولى من هاتين الصورتين؛ لأنّه فرض في الرواية أنّ له عذقاً، وهذا يدلّ بالملازمة على جواز الدخول له. ولم يفرض في الرواية أنّ له حقاً في الدخول بعنوانه، يعنى: أنّ الصورة الثانية فيها مؤونة زائدة لم تفرض في الرواية. وحينئذٍ، فمقتضى طبع المطلب هو أن يكون الواقع في قصّة سمرة هو الصورة الأولى دون الثانية.

هذا تمام الكلام في كيفية تطبيق القاعدة على الحكم الأوّل. ولكن سوف يأتي فيها بعد أنّه لا يُعلم أصلاً أنّ القاعدة طبقت على الحكم الأوّل، بل لعلّها طبقت على الحكم الثاني في المقام.

الحكم الثاني: وهو قلع الشجرة

انتهى الحديث عن تطبيق القاعدة المباركة على الحكم الأوّل، وانتهينا إلى الحكم الثاني، فإنّه لم يكتفِ بمنع سمرة من الدخول بلا استئذان، بل أمر بقلع عذقه ورميها خارج البستان. 

فيقال في المقام: إنّه كيف يمكن تطبيق القاعدة المباركة على مثل هذا الإجراء، فإنّه لو فُرض أنّ سلطنة سمرة بن جندب على الدخول بلا استئذان
-حسب طرز تفكير المشهور- كان ضررياً. 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فلترتفع هذه السلطنة فيُلزم بالاستئذان حينما يريد أن يدخل، أمّا لماذا يرتفع أصل حقّه في إبقاء العذق في ذلك المكان. 

صحيح أنّ حقّه في الدخول بلا استئذان هو من نتائج استحقاقه لحفظ عذقه في مكانه، فهو حكم في طول ذلك الحكم، لكن إذا فُرض أنّ الحكم الطولي الثاني كان ضررياً فيرفع هو، لا أنّه ترفع تمام سلسة الاحكام الاوليّة التي كان هذا الحكم مترتّباً عليها؛ لأنّ الضرورة تقّدر بقدرها، فأي حكم نشأ منه الضرر يرفع دون الأحكام الأسبق منه في المرتبة، فلماذا ارتفعت سلطنته على العذق بحيث جاز للنبي أن يأمر بقلع هذا العذق ورميه خارج نطاق البستان. هذا هو الإشكال.

وقد اجيب عنه بعدّة وجوه، وما يهمنا منها وجهان:

الوجه الأوّل: ما اشار إليه الشيخ فإنّه اعترف بالإشكال، وقال: بأن تطبيق الجملة على هذا المورد غامض؛ فلا بدّ وأن يفترض أنّ هناك عناية في مقام التطبيق، وهي مجهولة لدينا، ولكن هذا لا يضر بفقهيّة وقاعديّة هذه الجملّة وفرضها قاعدة فقهيّة عامّة، وإن كان تطبيق واحد من تطبيقاتها قد اكتنفه الغموض والالتباس. فهذا الإشكال يكون إشكالاً في فهم نكات الرواية، ولا يكون إشكالاً على جعل الجملّة قاعدة عامّة.

إلّا أنّ هذا الكلام من الشيخ الاعظم لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: لأنّ التطبيق لو فرض وروده في دليل منفصل غير الدليل المتكفل لأصل (لا ضرر ولا ضرار) حينئذٍ يقال: بأن ذاك الدليل الأوّل انعقد له ظهور في معنى عامّ 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فقهي، وهو يصلح أن يكون قاعدة في نفسه، وطبقت هذه القاعدة في دليل منفصل على مورد بعناية غير مفهومةٍ لنا، ومثل هذا الغموض في التطبيق الذي يتكفله دليل منفصل لا يضر بانعقاد الظهور بالدليل الأوّل. إذن، نتمسك بظهور الدليل الأوّل، ونبني على المعنى المتحصّل من الجملّة.

وأمّا إذا فرضنا أنّ تطبيق الجملّة على قصة سمرة -مثلاً- كان متّصلاً مع تلك القاعدة، لا أنّه كان في دليل آخر منفصل؛ فحيث إنّ هذا التطبيق متّصل، وهو غير مفهوم عرفاً، إذ يرى العرف أنّ هذا التطبيق لا يلائم مع المعنى العرفي للقاعدة، فيشكل هذا كالقرينة المتّصلة الموجبة للمنع عن انعقاد ظهور في الجملّة في ذلك المعنى العرفي المتحصل منها؛ ففرق بين أن يكون التطبيق الغامض في دليل متّصل أو في دليل منفصل، فهذا الجواب من الشيخ لا يمكن المساعدة عليه(1).

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني وتبّعه الاعلام المتأخّرون، وحاصله: أنّ الحكم الثاني ليس تطبيقاً للقاعدة، وإنّما القاعدة طبقت على الحكم الأوّل، وهو منعه من الدخول بلا استئذان لا أنّه جاء بالقاعدة بلحاظ الحكم الثاني. 

أمّا الحكم الثاني فكان مستنداً إلى سلطنة سياسيّة، باعتبار كونه رئيساً 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() وهنا قلتُ له: إذا كانت (لا ضرر) متواترة فيكون من قبيل الدليل المنفصل؟

 فأجاب: إذا كانت متواترة بما فيها هذا النصّ، إذن فهذا يكون مجملاً، ويصير المتواتر هو الاعمّ من المجمل وغير المجمل أيضاً، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

للدولة وقتئذٍ فإنّه بهذا الاعتبار مكلف لقمع مادّة الفساد في المجتمع. وليس هذا الحكم الثاني مربوطاً بالقاعدة.

وهذا الجواب أيضاً لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّه خلاف ظاهر الرواية فإنّ ظاهر الرواية المتيقن منه هو تطبيق القاعدة على الحكم الثاني دون الأوّل. فلو لم نقل إنّ الحكم الأوّل خارج عن مقام التطبيق، فلا أقل أنّ نقول إنّ الحكم الثاني هو المتيقن في مقام التطبيق على كلّ حال، فإنّه قال: اذهب وقلعها وارم بها إليه فإنّه (لا ضرر ولا ضرار)، هذا واضح جداً في أنّ الحكم الثاني داخل في نطاق التطبيق إمّا وحده أو مع الحكم الأوّل.

والمختار في مقام حل هذا الإشكال: هو أنّ هذه القاعدة تنحل إلى جزئين -كما أشرنا الى ذلك سابقاً- أحدهما: (لا ضرر)، والآخر: (لا ضرار). وهذه القاعدة طُبقّت بلحاظ الجزء الثاني، لا بلحاظ الجزء الأوّل وهو الضرر، كما هو منشأ الشبهة ولذا يقال: إنّ الضرر نشأ من سلطنة سمرة على الدخول بلا استئذان، لا من سلطنته على إبقاء عذقه في هذا المكان، فلتُرفع تلك السلطنة دون هذه، ولكن الصحيح أنّ هذه القاعدة طُبقّت على هذا الحكم بلحاظ الجزء الثاني وهو نفي الضرار لا بلحاظ الجزء الأوّل، وهو نفي الضرر.

ويؤيد ذلك -وإن لم يكن دليلاً عليه- أنّه في بعض صيغ الرواية قال: “إنك رجل مُضار ولا ضرر ولا ضرار“؛ فإنّ هذا ينسجم مع كون التطبيق بلحاظ الضرار لا بلحاظ الضرر.

ولكي نفهم هذا التطبيق بلحاظ الجزء الثاني، يجب أن نفهم فقه الجملّة 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الثانية وهي (لا ضرار)، فإننا حتّى الآن كنا نتكلّم في فقه الجملّة الأولى وهي (لا ضرر)، وبعد لم ندخل في فقه الجملّة الثانية. فالآن ندعي أن التطبيق بلحاظ الجملّة الثانية، وفهمه يتوقف على فهم فقهها وهذا ما سوف نعقد له المقام السادس الآتي بعد هذا المقام الذي بيدنا، وحينئذٍ نتكلّم عن كيفية تطبيقها على هذا المورد.

إلى هنا انتهينا من المشاكل التي اثيرت حول هذه الجملّة المباركة بلحاظ مسلمات الفقه بحيث لم يبق من هذه الإشكالات شيء يوجب وهن هذه الجملة أو قصورها عن كونها قاعدة فقهية عامة يستنبط منها الأحكام.

[الإشكال في القاعدة من ناحية مسلمات الفتاوى وعمل الفقهاء] 

بقي هناك نوع آخر من الإشكالات بالنسبة إلى هذه القاعدة، وهو الإشكال فيها من ناحية مسلمات الفتاوى وعمل الفقهاء، بمعنى: أنّه قد يستشكل ويقال: بأن (لا ضرر) لا تنطبق على فتاوى الفقهاء، كما ذهب إلى ذلك المحقّق العراقي، مدعياً أنّ الفقهاء حتّى في الموارد التي ينفون فيها الأحكام الضرريّة، ليس حاق مدركهم في ذلك هو (لا ضرر) بدليل أنّ مفاد (لا ضرر) ليس مساوياً مع مفاد فتاواهم، بل فتاواهم إمّا اخصّ وإمّا اعمّ فيستكشف من ذلك: أنّ الفقهاء في مدار إفتائهم بنفي الأحكام الضررية يستندون إلى قواعد أُخرى غير (لا ضرر)، وحيث إنّ تلك القواعد تارةً اخصّ من (لا ضرر) وتارةً اعمّ منها، ولهذا كانت فتاواهم تارةً اخصّ واُخرى اعمّ، وذكر (لا ضرر) كان أمراً تشريفائياً في كلماتهم ومعروفاً بالنسبة إلى تلك القواعد.

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

في تمسّك الفقهاء بالقاعدة 

 ثُمّ يستعرض موارد عمل الاصحاب بنفي الأحكام الضرريّة، ويبرز التناقض بين حدود الفتوى وحدود هذه القاعدة. في مقام إثبات أنّ هذه القاعدة ليس عليها عمل من قبل الاصحاب.

ونحن هنا نذكر جملّة من هذه الموارد التي ذكرها مع بيان توضيح الحال فيها:

المورد الأوّل: [نفي الأحكام العبادية الضررية]  

المورد الأوّل: هو نفي الأحكام العباديّة الضرريّة، كوجوب الوضوء، فإنّ هذا مصرح به في كلمات كثير من الفقهاء بأن الوضوء إذا كان ضررياً فلا يجب، ويستشهد في كثير من كلماتهم بنفي الضرر ونحوه، فإنّ التدقيق -عند المحقّق العراقي- في كلماتهم يقتضي أنّهم بحسب الحقيقة لم يستندوا في عدم وجوب الوضوء الضرري إلى قاعدة نفي الضرر؛ لأنّ حدود فتاواهم لا تنطبق على حدود مدلول القاعدة.

كلام آغا ضياء ومناقشاته 

وهنا يطرح المحقّق العراقي تفسيرين لعدم وجوب الوضوء الضرري:

أحدهما: عدم وجوبه بملاك هذه القاعدة واستنباطه منها.

 ثانيهما: أنّ الوضوء الضرري حرام باعتبار حرمة الإضرار بالنفس، 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

والنهي عن العبادة يقتضي فسادها(1).

فهل التزم الفقهاء بلوازم التفسير الأوّل أو بلوازم التفسير الثاني في فتاواهم؛ فإن رأيناهم التزموا بلوازم التفسير الثاني فنعرف أنّهم استندوا إلى مسألة أنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد، وإذا كانوا قد التزموا بلزوم التفسير الأوّل فنعرف أنهم استدلوا بالقاعدة. وهنا يبرز أنّهم -بحسب الحقيقة- التزموا لوازم التفسير الثاني دون الأوّل، ويبرز ذلك في ثلاث نكات:

النكتة الأولى: 

أنّ الفقهاء التزموا بعدم وجوب الوضوء وببطلانه أيضاً. وهذا الالتزام بالبطلان ينسجم مع التفسير الثاني، لأنه بناء على حرمة الضرب، وعدم جواز اجتماع الامر والنهي وتغليب جانب النهي على جانب الأمر، وعلى أنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد؛ فالوضوء الضرري يكون محكوماً عليه بالفساد، فالحكم ببطلانه يكون على القاعدة بلحاظ التفسير الثاني.

وأمّا إذا كان المدرك هو (لا ضرر)، فـ(لا ضرر) إنّما تنفي الحكم الالتزامي الضرري، يعني: الجعل والوجوب، ولا تنفي الملاك والمصلحة، لأنّ الملاك ليس مجعولاً من قبل الشارع، و(لا ضرر) إنّما تنفي الأحكام المجعول الملزمة من قبل الشارع. أمّا الملاك المجرّد عن الجعل على طبقه، فهذا غير مجعول من 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: عمّا إذا كان حرمة الضرر بلا ضرر؟

فقال: لا، حرمة الضرر بدليل آخر، بالأدلة الدالّة على أنّه يحرم على الإنسان أن يضر بنفسه، (المقرر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

قبل الشارع ولا ملزماً من قبله، إذن فلا ينشأ من ناحية الملاك ضرر، وانما الضرر ينشأ من ناحية الوجوب، فـ(لا ضرر) تنفي الوجوب ولكنها لا تنفي الملاك. فإذا كان الملاك ثابتاً إذن فلماذا يحكم ببطلان هذا الوضوء، مع إنّنا قلنا في الفقه: إنّه يكفي في صحّة العبادة وجود الملاك ولا يشترط وجود الأمر.

فهنا حيث إنهم حكموا بالبطلان، فيعرف من ذلك أنّهم استندوا إلى قاعدة أنّ النهي عن العبادة يقتضي البطلان، لا إلى قاعدة نفي الضرر، الذي ينفي الوجوب دون الملاك. هذه هي النكتة الأولى.

والجواب عن هذه النكتة: أنّ (لا ضرر) وإن كان ينفي الوجوب دون غيره من مراتب الاستحسان المولوي، بما فيها الاستحباب فضلاً عن الملاك المجرّد إلّا أنّ الملاك لا بدّ له من إثبات بحسب الخارج، ومن دليل عليه، والمفروض في المقام سقوط الأمر ببركة (لا ضرر). إذن، فنحتاج إلى دليل على الملاك.

وهذا بحثٌ مرّ مفصّلاً في أبواب التزاحم والترتب، وقلنا هناك: بأنّ هناك مسلكين: 

مسلك آغا ضياء ومسلك مرزائي في مقام إثبات الملاك، فالمحقّق العراقي يثبت الملاك بالدلالة الالتزاميّة بدعوى أنّها غير تابعةٍ للمطابقيّة في الحجيّة فخطاب توضأ يدل بالمطابقة على وجوب الوضوء الضرري ويدلّ بالالتزام على وجود الملاك فيه. ومدلوله المطابقي سقط بـ(لا ضرر)، أمّا مدلوله الالتزامي؛ فلا يسقط بل يبقى على حاله.

وهناك مسلك أدقّ منه في مقام إثبات الملاك وهو المتمسّك بإطلاق المادّة 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

في المرتبة السابقة على عروض الهيئة عليه على توضيح لا مجال له هنا. 

وهناك ذكرنا أنّ كلا من هذين المسلكين لا يمكن المساعدة عليه. ومن هنا ذكرنا هناك أنّه إذا سقط الأمر ففي اغلب الموارد لا يوجد عندنا دليل على ثبوت الملاك إلّا إذا كانت هناك نكتة خاصّة في خصوص مورد.

فالمشهور الذين حكموا ببطلان الوضوء لعلهم حكموا بذلك؛ لأنّهم لا يوافقون على هذين المسلكين في إثبات الملاك، لا أنّهم يعتمدون على (لا ضرر)، بل اعتمدوا عليها في مقام نفي الوجوب، ولكن لم يبق لديهم بعد هذا الدليل على الملاك، فأفتوا بالبطلان.

نعم، هنا شيء أنّه في خصوص الوضوء هناك أمران عليه، أحدهما وجوبي والآخر استحبابي، ولا ينحصر أمره في خصوص الأمر الوجوبي بناءً على الاستحباب النفسي للوضوء. وحينئذٍ، إذا سقط الوجوب لا محذور من بقاء الاستحباب على حاله لمّا يأتي إن شاء الله تعالى من أنّ (لا ضرر) لا تنفي الاستحبابات الضرريّة، وإنما تنفي الإلزامات الضرريّة. ومقتضى هذا الالتزام ببقاء الاستحباب، وبقاء الملاك بمقدار ما يكشف عنه الخطاب الاستحبابي؛ فيحكم بصحّة الوضوء بلحاظ الأمر الاستحبابي وملاكه.

وهذا طريق حسن في مقام تصحيح الوضوء الضرري، ونحن نبني على هذا الطريق خارجاً، فيما إذا لم يكن الضرر واصلاً إلى مرتبة حرمة.

 والمشهور الذين لم يعملوا بذلك لعلهم غفلوا عن نكتة وجود خطابين وأنّ أحدهما لا يرفع بـ(لا ضرر) أو أنّ بعضهم كان يبني على أنّ الخطابات 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الاستحبابيّة أيضاً ترفع بـ(لا ضرر) كالإلزامية، كما يوجد في الفقهاء من يبني على هذا المبنى فلا ينحصر فتواهم بالبطلان، بأن يكونوا قد اخذوا بالتفسير الثاني دون الأوّل.

فنحن بالتالي وإن لم نوافق على البطلان، بل نقول بالصحّة، لكن مع هذا لا نرضى بأن يفسر فتوى المشهور بالبطلان، بأنّه يكون من ناحية اُخرى لا من ناحية هذه القاعدة، يعني: هذه ليست قرينة على ذلك.

النكتة الثانية: 

هي أنّه إذا فرضنا أنّ الوجوب كان معلوماً، وكان الضرر مجهولاً، فالمكلَّف يعلم بأنّ الوقت قد دخل، وأنّه يجب الوضوء، لكنه لا يدري أنّ الوضوء ضرري بالنسبة إليه؛ لأنّه يعتقد أنّه ليس ضررياً له، وهنا أفتى الفقهاء بصحّة الوضوء.

 الآن نأتي إلى التفسيرين لنرى أنّه ما هو لازمهما، يقول المحقّق العراقي: إنّه لو كان مدركهم في عدم وجوب الوضوء هو (لا ضرر)، فيلزم أيضاً الحكم بعد وجوب الوضوء؛ لأنّه وجوب ضرري، إذ قد فرضنا أنّه في الواقع أنّ الوضوء يؤدي الى الضرر. غاية الأمر أنّ هذا المؤمن لا يدري أنّ الوضوء يضره. و(لا ضرر) لم يؤخذ فيه قيد المعلوميّة، بل الوجود الواقعي، فإنّ كان الموضوع يؤخذ في خطاب ظاهره الوجوب الواقعي، لا الوجود بقيد المعلوميّة؛ فمقتضى طبع (لا ضرر) نفي هذا الوجوب؛ لأنّه يؤدي الى الضرر. فلوكان المدرك هو القاعدة للزم أن يحكم في المقام بعدم الوجوب.

وهذا بخلاف ما لو كان المدرك هو التفسير الثاني، وهو أنّ الوضوء 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الضرري يصبح حراماً، ويكون المقام من موارد اجتماع الأمر والنهي، حيث يقدّم جانب النهي على الأمر فيدخل في باب أنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد. فإنّه بناءً على هذا يختلف المطلب؛ لأننا قرأنا في الكفاية: إنّه في موارد اجتماع الأمر والنهي وإن غُلّب جانب النهي إلّا أنّه إذا فرضنا أنّ النهي لم يكن واصلاً ولا منجزاً، فَتَصِحُّ العبادة (1) حينئذٍ، ومن هنا أفتى الفقهاء بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة جهلاً والوضوء بالماء المغصوب جهلاً أو نسياناً، لأنّ رفع اليد عن صحتها إنّما هو بملاك التزاحم وفي المقام لا تزاحم، على كلام طويل لا مجال له في محلّ الكلام.

هذا الكلام بنفسه يأتي في محلّ الكلام، فإنّ الوضوء الضرري إنّما يرفع اليد عن صحّته وعن وجوبه من باب حرمة الضرر، وهي غير منجزةٍ في موارد اعتقاد المكلف بعدم الضرر؛ فإذا لم تكن منجزة عليه. إذن، فلا مانع من تأثير مقتضي الأمر، ووقوع العبادة صحيحة، ويكون(2) المقام من قبيل من صلّى في الدار المغصوبة جاهلاً أو ناسياً، فكما حكم المشهور هناك بالصحّة، يحكمون هنا أيضاً بالصحّة.

*****

ــــــــــ[74]ــــــــــ

() حتّى عند القائلين باجتماع الأمر والنهي؛ لأنّ بابه باب التزاحم لا باب التعارض. (المقرِّر).

(2) وحيث إنّ الفقهاء أفتوا بشرعية الوضوء في هذه الصورة فينكشف من ذلك أنّهم سلكوا الطريق الثاني دون الأوّل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذا(1) الذي افاده المحقّق العراقي لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: لأنّنا حتّى إذا كان مدركنا (لا ضرر)، مع هذا لا يمكننا تطبيق (لا ضرر) في محلّ الكلام؛ فإنّ المفروض في محلّ الكلام أنّ المكلَّف جاهل بالضرر ومعتقد بأنّ الوضوء غير ضرري بالنسبة إليه، وهذا المكلَّف لا يمكن أن يطبّق عليه (لا ضرر) ويحكم بانتفاء شرعيّة الوضوء في حقّه.

والنكتة في ذلك: أنّ (لا ضرر) ينصبّ فيها النفي على الضرر الخارجي بلحاظ منشأه الشرعي؛ فهو نفي له بمقدار منشأه الشرعي وما يدخل تحت سلطان الشارع بما هو شارع على النحو الذي أوضحناه فيما سبق، وفي المقام هذا المكلَّف الذي يعلم بوجوب الوضوء ويتخيّل أنّه ليس ضررياً فيتوضأ ويقع في الضرر، وهذا الضرر لا يمكن أن ينفيه الشارع خارجاً بنفي الحكم الشرعي؛ لأنّه ينفيه بنفي أي حكم شرعي؟

 هل بنفي إطلاق وجوب الوضوء للمتضرر واقعاً، وإن كان جاهلاً به، فهذا لا يكفي في مقام نفي هذا الضرر الخارجي؛ لأنّ هذا المكلَّف حيث إنّه يعتقد أنّ هذا الوضوء ليس ضررياً في حقّه؛ فمجرّد أن يقال له إنّ وجوب الوضوء غير ثابتٍ للمتضرر، فهو لا يكفي في امتناعه عن الوضوء، لأنّه يرى نفسه داخلاً تحت عنوان المكلَّف غير المتضرر؛ فنفي هذا الإطلاق لا يترتّب عليه نفي الضرر خارجاً، وإن كان تحت سلطان المولى.

وأمّا نفي وجوب الوضوء من دون قيد، بأن يقال: بأنّ الوضوء ليس لا 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً النكتة الثانية التي ذكرها لآغا ضياء كما سبق: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

واجباً في حالة الضرر ولا غيره، فمثل هذا لا محالة يوجب اقلاع المكلَّف خارجاً عن الوضوء؛ لأنّه يقول بأنّ المولى نسخ وجوب الوضوء فأنا لا اتوضأ حتّى لو كنت صحيح المزاج إلّا أنّ مثل هذا النفي لا معنى لإيصاله إلى مثل هذا المكلَّف خارجاً؛ لأنّ هذا المكلَّف يعلم أنّ الوضوء واجب على غيره من المكلفين، ولا يحتمل ارتفاع وجوب الوضوء عن جميع المكلفين استطراقاً إلى حفظ هذا المكلَّف من الوقوع في الضرر في المقام. فنسخ هذا الوجوب أمر غير محتملٍ؛ لأجل أن يصل إلى المكلَّف خارجاً، بل وجوب الوضوء ثابت بالضرورة بالنسبة إلى غير المتضرر.

إذن فتطبيق (لا ضرر) غير معقولٍ؛ لأنّها تنفي الضرر الخارجي بنفي منشأه الشرعي، والشارع ليس له قدرة بما هو شارع على أن ينفي هذا الضرر الخارجي.

فتحقيق المقام هو أنّ (لا ضرر) عاجزة عن الانطباق على هذه الصورة. إذن، فعدم شرعيّة الوضوء ينطبق أيضاً على مسلك (لا ضرر) كما ينطبق على مسلك آخر(1).

النكتة الثالثة: 

التي أبرزها هذا المحقّق المدقّق، وهي موضوعاً عكس النكتة الثانية، فإنّه 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنّ هذا التطبيق الذي بينتموه، هل من المحتمل أنّ المشهور التفتوا إلى هذا التطبيق؟

 فقال: نعم، ولو ارتكازاً بحسب ارتكازهم العرفي، فإنّ هذا المطلب تحليل لما يفهمه العرف، وليس تحميلاً على العرف ما لا يفهمه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هناك كنّا نتكلّم فيما إذا علم بالوجوب وجهل بالضرر. وهنا نتكلّم بالعكس، هذا المكلَّف يعلم بالضرر وأنّه مريضٌ، ولكنّه لا يعلم بوجوب الوضوء، ويتخيّل أنّ الوقت غير داخلٍ، فيقول: هنا أفتى الفقهاء بأنّ هذا الوضوء غير صحيحٍ، والتزموا بعدم شرعيته(1). فلابدّ أن نلاحظ كلاً من المسلكين: مسلك (لا ضرر) ومسلك اجتماع الأمر والنهي لنرى أنّ الالتزام بعدم شرعية هذا الوضوء يناسب أي واحد من هذين المسلكين.

أمّا لو كان مدرك الحكم هو لا ضرر، يلزم في المقام أن يقال: بأن هذا الجاهل بالوجوب يكون الوجوب ثابتاً في حقّه بحسب الواقع، ويكون الوضوء صحيحاً في حقّه؛ وذلك: لأنّ (لا ضرر) ينفي الحكم الذي يؤدي إلى الضرر. وفي المقام حيث إن وجوب الوضوء مجهول وغير واصل ومؤمَّن عنه بالأصول الظاهريّة المؤمِّنة، كالبراءة واستصحاب عدم دخول الوقت ونحوه. فمثل هذا الوجوب حتّى لو كان موجوداً في الواقع لا يكون ضررياً؛ لأنّه مؤمّن عنه. إذن فهذا الوجوب في حالة الجهل به لا يكون ضررياً ولا يقاس بالوجوب في حالة العلم به، فإنّه مع العلم يكون الوجوب على تقدير ثبوته ضررياً؛ لأنّه منجّز عليه بالعلم. وأمّا لو جهل بالوجوب وأجرى البراءة عنه؛ فثبوته الواقعي ليس فيه أي ضرر بالنسبة إلى هذا المؤمن؛ لأنّه غير منجّزٍ فهو لا يؤدي إلى الضرر و(لا ضرر) إنّما تنفي الأحكام التي تؤدي إلى الضرر، فلا يرفع هذا الوجوب بـ(لا ضرر). ومقتضى هذا ثبوته في الواقع.

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() ولا يفرقون بين الجاهل بالوجوب والعالم به، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بحيث لو توضأ وبعد هذا انكشف أنّ الوضوء كان واجباً، فمقتضى القاعدة أنّ وضوءه صدر من أهله ووقوع في محلّه؛ لأنّ ذاك الوجوب الواقع المجهول، كان ثابتاً وغير مرفوع بـ(لا ضرر)(1). هذا عن المسلك الأوّل.

أمّا عن المسلك الثاني، يعنى: مسلك كبرى اجتماع الأمر والنهي، وقلنا: إنّ عدم وجوب الوضوء الضرري ليس من باب (لا ضرر)، بل من باب حرمة الضرر، من باب اجتماع الامر والنهي. على هذا لا إشكال في أنّ الوضوء الضرري يكون باطلاً وفاسداً، وذلك: لأنّ الوجوب وإن لم يصل، ولكن الحرمة واصلة؛ لأنّ المفروض أنّه عالم بالضرر، ومع وصول الحرمة تكون منجّزة. ومع منجزيتها يستحيل أن تقع العمليّة الوضوئيّة على وجه العبادة. فعلى مبنى اجتماع الامر والنهي يكون البطلان في فرض الجهل بالوجوب كالبطلان في فرض العلم به بملاك واحد.

وهذه النكتة أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليها؛ وذلك لأنّه لو اخترنا المسلك الأوّل، وهو مسلك (لا ضرر)، لا يمكننا أن نلتزم في المقام بأنّ هذا الوجوب المجهول في الواقع يبقى ثابتاً على هذا المكلَّف؛ لأنّ هذا الوجوب الثابت في الواقع ليس ضررياً بالنسبة إلى هذا المكلَّف؛ لأنّه مؤمّن عنه ظاهراً، فلا يؤدي إلى الضرر وإنّما ينفي بـ(لا ضرر) فيما إذا أصبح معلوماً ومنجزاً؛ لأنّه حينئذٍ يصبح مؤدّياً الى الضرر.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: فبأي داع أتى بالوضوء إذا كان جاهلاً بالحكم؟ 

فأجاب: من باب الاحتياط (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذا الكلام لا يمكن قبوله؛ لأنّنا إذا خصصنا حكومة (لا ضرر) على دليل وجوب الوضوء بخصوص صورة العلم، فإن كان المريض يعلم به يرتفع، وأمّا إذا كان لم يعلم به وغير منجّزٍ عليه فهو ثابتٌ، فهذا معناه جعل الحكم عليه مقيّداً بأنّ لا يكون منجّزاً؛ لأنّ إطلاقه لفرض المنجزيّة ارتفع بـ(لا ضرر). ومعنى هذا أنّه يتقيّد وجوب الوضوء على المريض بما إذا لم يكن منجزاً، ومثل هذا الجعل إمّا غير معقول أو غير عقلائي.

أمّا أنّه غير معقول فعلى ما ادعي في محلّه من أن جعل الحكم لا يقبل التنجّز غير معقول، وجعل مثل هذا الوجوب على المريض منوطاً بأنّ لا يصل ولا يتنجز لا يقبل المنجزيّة.

وأمّا أنّه غير عقلائي فلو كان ممكناً بحسب مقام الثبوت فهو غير عقلائي، يعني: أنّ العرف بعد أن يرفع اليد عن دليل وجوب الوضوء ويحكّم (لا ضرر) عليه لا يرى أنه يقتصر في مقام التحكيم على رفع اليد عن إطلاق وجوب الوضوء، ويتحفّظ حينئذٍ، على وجوب الوضوء مقيّداً بعدم المنجزيّة. ومثل هذا المقيّد حيث إنّه على خلاف الارتكاز العرفي والعقلائي؛ ولهذا لا يتمسّك بدليل وجوب الوضوء.

نعم في كلّ موردٍ إذا فرض أنّه ورد مقيّد على إطلاق وجوبٍ، فالعرف يرفع اليد عن الإطلاق ويلتزم بالمقيّد. لكن هذا فيما إذا كان المقيّد على طبق الارتكاز العرفي. وأمّا إذا كان على خلافه، بحيث إنّ العرف بما هو عرف لا يتعقل مثل هذا الحكم. فحينئذٍ، يرى باّنّ دليل (لا ضرر) قد اوجب رفع اليد 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

عن أصل مدلول دليل وجوب الوضوء، لا على إطلاقه مع التحفّظ على مقيّده.

فتكون هذه المخالفة مع الارتكاز العقلائي مانعة عن استفادته من دليل وجوب الوضوء، فكأن العرف لا يرى إمكان التفكيك بين ذات وجوب الوضوء وبين إطلاقه، ويرى بأنّه إذا رفع اليد عن إطلاقه لحال العلم، فكأنّه رفع اليد عن أصله، ولا معنى للتحفّظ عليه بعد ذلك.

وبالتالي نكتة المطلب هي: أنّ دليل (لا ضرر) بعد أن يرفع إطلاق وجوب الوضوء في دليله لحالة العلم والمنجزيّة، ولا يمكننا بعد هذا أن نتمسّك بالدليل لإثبات أصل وجوب الوضوء؛ لأنّه يلزم من ذلك الإثبات وجوب مقيّد بعدم المنجزيّة، وهو إمّا غير عقلي أو غير عقلائي؛ فلا يفي به إطلاق دليل وجوب الوضوء.

هذا أيضاً حل النكتة الثالثة، وعليه فلا توجد عندنا في هذه المسألة نكتة تشير إلى أنّ المشهور لم يعتمدوا على (لا ضرر)، بل ظاهر كثير من كلماتهم أنّهم اعتمدوا عليها في مقام نفي وجوب العبادات الضرريّة.

هذا هو الكلام في النقطة الأولى من النقاط التي ذكرها المحقّق العراقي.

[المورد الثاني: إثبات خيار الغبن بالقاعدة] 

النقطة الثانية: هي خيار الغبن، يقولإنّ المعروف بالتلقين من قبل المشايخ لطلّابهم أنّ خيار الغبن ثابت بـ(لا ضرر)، وأنّ الفقهاء استندوا إليها في مقام إثباتهم.

 ولكن الصحيح هو أنّ خيار الغبن لم يستند الفقهاء به إلى (لا ضرر). وإنّما 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هو حكم متلقى ولو بعنوانه من الشارع بوجهٍ من التلقي الذي انسدّ بابه علينا الآن. ونحن نستفيده من ناحية فتوى الفقهاء بذلك.

أمّا أنّه لماذا لم يكن استفادة الفقهاء لخيار الغبن من (لا ضرر)، مع أنّ ظاهر جملة من كلماتهم هو هذا؛ لأنّهم يستدلون على ثبوت خيار الغبن بنفي الضرر إلّا أنّ هذا استدلال في نظر المحقّق العراقي من باب التعليلات بعد الوقوع أو من باب التبرك.

وهنا تكلّم في مقامين:

 المقام الأوّل: هل يمكن إثبات أصل خيار الغبن بـ(لا ضرر)، أو أنّها لا تدلّ على خيار الغبن أصلاً؟

 المقام الثاني: أنّه لو سُلّم أنّ (لا ضرر) تدلّ على خيار الغبن لو سلم بمفادها، ولكن هل إنّ خيار الغبن الذي أفتى به الفقهاء لوازمه وآثاره التي التزموا بها تنطبق على اللوازم والآثار التي تثبت لخيار الغبن المستفاد من القاعدة، أو أنّه يختلف عنه من حيث الآثار؟

وفي المقام الأوّل كاد أن يحكم وإن لم يحكم بأنّ (لا ضرر) لا يستفاد منها خيار الغبن. 

وفي المقام الثاني بعد تسليم أنّ (لا ضرر) يستفاد منها خيار الغبن، ذكر أنّ اللوازم التي رتبها الفقهاء تناقض مع الاثار واللوازم التي تكون ثابتة لخيار الغبن المستفاد من قاعدة (لا ضرر)، وهذا يدلّ على أنّ مدرك الفقهاء لم يكن (لا ضرر).

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [المقام الأول: في إثبات خيار الغبن ونحوه بـ(لا ضرر)]

أمّا(1) المقام الأوّل: 

وهو أنّه هل يمكن الاستدلال بالقاعدة أو لا؟ 

 فقد ذكر ما مختصره -ويأتي بعد ذلك الإشارة إلى تفصيله- أنّ تطبيق (لا ضرر) على هذه الموارد فرع تصوّر الضرر حتّى يتحقّق موضوع هذه القاعدة، والضرر المتصوّر في هذه الموارد إمّا الضرار المالي، بدعوى أنّ هذا المغبون حيث إنّه باع سلعةً تساوي ديناراً بدرهمين، فيكون متضرراً مالياً. 

وإمّا الضرر الغرضي؛ لأنّ غرضه كان متعلقاً بالمبادلة بين مالين متساويين وقد فات هذا الغرض في المقام.

 فتطبيق القاعدة لا بدّ وأن يكون بلحاظ أحد هذين الأمرين.

أمّا الضرر المالي فهو وإن كان ثابتاً في موارد خيار الغبن، وكان المحقّق العراقي يرتضي على هذا الاساس إمكان استفادة خيار الغبن من هذه القاعدة، لو كانت قاعدة حسابية، إلّا أنّ الضرر المالي غير موجودٍ في الخيارات الاُخرى كخيار تبعض الصفقة، فإنّه لا يصيبه ضرر مالي، فإنّ المبيع لا يحسب عليه بتمام الثمن بل بنصفه؛ فلو كان تطبيق (لا ضرر) من ناحية الضرر المالي فكيف يمكن تصوير ذلك فيما كان من قبيل خيار تبعض الصفقة، مع أنّه أيضاً يدعى أنّه يستدل على الخيار فيه بـ(لا ضرر).

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() ذكر السيد أوّلاً عنوان كلام المحقّق العراقي كما سبق ثم قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا الضرر الغرضي، يعني: فوات الغرض، فهذا الملاك مشترك بين خيار الغبن وخيار تبعّض الصفقة، لكن هذا لا يسمّى ضرراً، فإنّ مجرّد فوات الغرض ليس ضرراً، وإنّما هو فوات نفعٍ زائدٍ كان مترقّباً، والضرر إنّما هو حيثية النقص، ومجرّد عدم ترتّب الأثر المرغوب لا يكون ضرراً؛ ولهذا كثيراً ما تتخلف الحيثيات التعليليّة في باب المعاملة ولا يحكم بالضرر بوجه من الوجوه، كما لو اشترى دواء ليستشفى به فاستعمله لم يترتّب عليه أثر، ففاته الغرض؛ ففوات الغرض كثير في باب المعاملة، وهو لا يكون ضرراً بحيث يصحح شمول القاعدة في المقام. هذا هو خلاصة كلامه في القسم الأوّل.

المقام الثاني من كلامه ومناقشته

وأما المقام الثاني: فكأنّه يستفاد من المقام الأوّل أنّ المحقّق العراقي يعترف بإمكان تطبيق (لا ضرر) بلحاظ الضرر المالي في خصوص خيار الغبن، فمن هنا انتقل إلى المقام الثاني من الكلام، فإن هذا الخيار الذي يثبت بهذه القاعدة ليس له تلك الآثار واللوازم التي التزم بها الفقهاء لخيار الغبن، فقال: إنّ الفقهاء التزموا بأنّ خيار الغبن ثابت بنحو يقبل الإسقاط، كما هو شأن الحقّ، وقد قالوا: إنّ هذا الخيار ثابت بنحو الحقيّة.

فلو فُرض أنّ هذا الخيار كان مستفاداً من القاعدة بدعوى أنّ لزوم المعاملة الغبنيّة ضرري فيرفع بالقاعدة، فكيف استفدنا أنّ ارتفاع اللزوم يكون حقاً؟ فإنّ الحقّية مؤونة زائدة لا يمكن أن تستفاد من القاعدة فإنّ غاية ما يستفاد منها عدم اللزوم، وهو معنى جامع بين عدم اللزوم الحقي الذي معناه وجود الخيار، 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

كما هو الحال في خيار المجلس، أو عدم اللزوم الحكمي، كما هو الحال في الهبة قبل تلف العين، ولهذا لا يقبل الإسقاط، فما هو المستفاد من هذه القاعدة جامع عدم اللزوم، فكيف عرفوا أنّ هذا العدم هل هو عدم حكمي أو عدم حقي. فبناؤهم على كونه حقّياً يحتاج إلى دليل وراء هذه القاعدة، فليست هذه القاعدة هي المدرك.

واللازم الثاني هو انتقاله بالإرث، فإنّ الفقهاء أفتوا بأنّ خيار الغبن ينتقل بالإرث فلو مات المغبون قبل أن يأخذ بالفسخ ينتقل الخيار إلى وارثه مع أنّه إذا فُرض أنّ عدم اللزوم كان مستفاداً من القاعدة، فغاية ما يستفاد منها-كما بيّنا- هو العدم الملائم مع الحقّية والحكميّة معاً. ومن المعلوم أنّ الذي يوَرث إنّما هو الحقّ لا الحكم.

وبحسب الحقيقة هذان الأمران كلاهما أثران للحقّية -قابليّة الاسقاط والانتقال بالإرث- وهما أثران للعدم الحتمي للزوم، والقاعدة يستفاد منها عدم اللزوم لا خصوصية الحقية. إذن، فكيف فرض في المقام إفتاء الفقهاء بذلك؟

فإفتاؤهم بهذا يكشف عن أنّهم تسالموا على خيار الغبن بلحاظ مدرك آخر غير هذه القاعدة. هذا خلاصة ما أفاده المحقّق العراقي في المقام.

نحن الآن نعلق على ما أفاده بمقداره، ثُمّ نتكلّم بشكلٍ أوسع في الوجوه المتعلّقة في استفادة خيار الغبن من قاعدة (لا ضرر).

ذكر في القسم الأوّل من كلامه أنّ الضرر إمّا مالي أو غرضي، أمّا المالي فيختص بالغبن فماذا تصنعون بتبعّض الصفقة. وأمّا الغرضي فهو وإنّ كان يعمهما، إلّا أنّه ليس ضرراً في الحقيقة.

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الشيء الذي نعلّقه الآن على هذا الكلام حتّى يأتي التفصيل، إنّنا نقول: إنّ هذا الكلام مبني على أن يكون تطبيق (لا ضرر) على مورد خيار الغبن، بلحاظ الضرر المالي الناشئ من عدم مساواة الثمن والمثمن في المالية. مع أنّ الصحيح أنّ هناك تقريباً آخر، يصحح جريان القاعدة في موارد الغبن وتبعض الصفقة ونحوها من دون حاجة إلى افتراض ضرر مالي أصلاً. وهذا التقريب الآخر هو الذي استفيد من البيانات السابقة، حيث ذكرنا فيما سبق أنّ الضرر على قسمين: تارةً يكون نقصاً تكوينياً بلا حاجة إلى فرض نظر عقلائي في المرتبة السابقة، واُخرى يكون نقصاً بلحاظ نظر عقلائي في المرتبة السابقة. والقاعدة كمّا تشمل الضرر التكويني كذلك تشمل الضرر الثاني، وفي المقام يدعى
-دعوى مطابقة الواقع- أنّ خيار الغبن وتبعض الصفقة ونحوها، ليست خيارات تعبديّة شرعيّة، حالها حال خيار المجلس -مثلاً-، وإنّما هي خيارات كانت تعيشها المجتمعات العقلائيّة ولا زالت تعيشها، وموجودة في مختلف القوانين الشرعيّة وغيرها؛ فهي خيارات ثابتة في الارتكاز العقلائي. 

ففي الارتكاز العقلائي السابق على الشريعة رتبة، يعنى: الملحوظ بقطع النظر عن الشريعة، يوجد هناك حق للمغبون في الفسخ، وسلطان له عليه. فلو فُرض أنّ الشارع لا يحكم للمغبون بهذا السلطان (الحقّ) يكون هذا ضرراً عليه بلحاظ ذلك النظر العقلائي؛ لأنّه سلب لمّا هو سلطانه وحقّه بحسب الارتكاز العرفي. فيكون هذا فرداً عرفياً للضرر وإن لم يكن فرداً تكوينياً له؛ فتشمله القاعدة، فـ(لا ضرر) نطبّقها لأجل أنّ نثبت بها أنّ ذاك الحقّ الثابت بحسب 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الارتكاز العقلائي أيضاً ثابت في الشريعة؛ لأنّ نفي ذلك الحقّ ضرر بالنظر العقلائي فيكون منفياً.

لا يقال: بأنّ هذا الاستدلال يكون لغواً؛ لأنّه إذا تمّ كون خيار الغبن على طبق الارتكاز العقلائي. إذن، فليثبت هذا الخيار بالسيرة العقلائيّة، فيكون ضمّ (لا ضرر) وجوداً وعدماً على حدٍ واحد.

ليس الأمر هكذا؛ لأنّ الاستدلال بالسيرة العقلائيّة فرع إحراز عدم الردع، ونحن بـ(لا ضرر) نثبت الامضاء، ونكوّن دليلاً عليه. فببركة (لا ضرر) لا نحتاج إلى إحراز عدم الردع في المرتبة السابقة، بل حتّى لو شككنا في الردع وعدمه ننفي الردع بنفس هذه القاعدة ونثبت الامضاء بها.

إذن، فهذا تقريب صحيح في نفسه منسجم مع المقدمات التي مهدناها لتفسير القاعدة.

وبهذا التقريب يظهر: أنّه لا فرق بين خيار الغبن وخيار تبعض الصفقة، ومثالهما من الخيارات العقلائيّة المركوزة في الاذهان العقلائيّة، فإنّ مناط الضرريّة موجود فيها جميعاً، وهو: أنّ هناك حقاً للمغبون أو لمن تبعضت صفقته أو للمدلّس عليه في مقام فسخ هذه المعاملة، فلو لم يمض الشارع هذا الحق لكان ذلك ضرراً في النظر العقلائي، فيستكشف من هذه القاعدة امضاء هذه الحقوق الثابتة بارتكاز العقلائي(1).

ــــــــــ[86]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: في أكثر هذه الخيارات، استدلّ الأعلام في مختلف كلماتهم، بالقاعدة، كخيار العيب والغبن وتبعض الصفقة وتخلف الشرط، ونعم ما صنعوا. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إذن فهذا القسم الأوّل من كلام المحقّق العراقي كان مبنياً على أن يكون تطبيق (لا ضرر) بلحاظ الضرر المالي، ولكننا نطبقها بهذا التقريب. 

وهناك تقريبات اُخرى متعدّدة سوف نشرع في بيانها بعد الفراغ من التعليق على كلام المحقّق العراقي.

وأمّا القسم الثاني من كلامه، وهو أنه يقول: إنّنا لو سلّمنا أنّ لزوم المعاملة ضرري فنرفع اللزوم بـ(لا ضرر)، فغاية ما يثبت بالقاعدة هو عدم اللزوم بالمعنى الجامع بين العدم الحقّي أو العدم الحكمي من دون أن يتمكّن الفقيه من أن يعيّن كونه حقيّاً، مع أنّ الفقهاء رتّبوا على هذا الكلام آثار الحقيّة، حيث حكموا بقابليته للإسقاط وانتقاله الى الوارث.

هذا الكلام أيضاً غير تام، وذلك: 

أمّا أولاً: فللجواب الذي تقدّم، لأننا نبني على ما سلكناه في كيفية تقريب (لا ضرر)، فلا يأتي هذا الإشكال؛ لأنّ (لا ضرر) يثبت الحقّ بعنوانه، لا أنّه فقط ينفي اللزوم إذ إنَّ (لا ضرر) يقول: أنا لا أسلب من الشخص حقّه الثابت بالنظر العقلائي والمفروض أنّ حقّ الخيار ثابت للمغبون بحسب النظر العقلائي، فيثبت بعنوان الحقية ويترتّب عليه احكامه وآثاره (1).

وأمّا ثانياً: فإننا لو سلمنا أن تطبيق (لا ضرر) في المقام كان بلحاظ الضرر المالي، بأن يفرض أنّ اللزوم ضرري مالياً فينتفي بالقاعدة، فأيضاً يمكن في المقام استفادة كلا الحكمين: قابليته للإسقاط وانتقاله بالإرث.

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() ومن جملتها أنّه ينتقل إلى الوارث. (المقرر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أمّا قابليته للإسقاط فتوضيح ذلك: أنّ لزوم المعاملة الذي نريد أن نرفعه بـ(لا ضرر) له حصّتان:

 أحدهما: اللزوم في حالة عدم اسقاط هذا المغبون لحقه، وحالة مطالبته بظلامته.

 ثانيهما: اللزوم في حالة رفعه اليد عن ظلامته، الذي هو معنى الإسقاط؛ فلا بدّ وأن نرى أنّ ما يكون ضرراً هو كلتا الحصتين أو أحدهما. فإن فُرض ما كونه ضررياً هو كلتا الحصتين. إذن، فيرفع اللزوم مطلقاً سواء رفع المغبون يده عن مغبونيته أو لا. وهذا معناه أنّ عدم اللزوم غير قابلٍ للإسقاط. 

وأمّا إذا فرضنا أن ما هو ضرري هو إحدى الحصتين من اللزوم، وهو اللزوم المقارن مع مطالبة المغبون بظلامته، لا المقارن مع رفع المغبون له عن ظلامته. إذن فلا محالة يرفع اليد عن الحصة الضرريّة من اللزوم فقط، ونتحفظ على اللزوم في باقي الحصص، فيقيد اللزوم بغير حالة رفع اليد عن ظلامته. ويقال: إن في حالة رفع اليد عن ظلامته (لا ضرر) في اللزوم فيبقى اللزوم على حاله، وفي حالة عدم رفعه اليد يكون اللزوم ضررياً فيرتفع. 

ونتيجته هو أنّ يكون اللزوم مقيّداً بأن يرفع يده عن ظلامته وعدمه مقيّد بعدم رفعه اليد عنها، وهذا معناه أنّه قابل للإسقاط؛ لأنّنا لا نريد من قابليته للإسقاط إلّا اعترافه بتمامية المعاملة.

فلا بدّ من تحقيق هذه الناحية، وهو أنّ المقدار الضرري من اللزوم أي مقدار، هل اللزوم على الإطلاق، أو حصّة خاصّة منه؟

ــــــــــ[88]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

والصحيح في المقام هو أنّ المعاملة الغبنيّة بطبعها ضرريّة حتّى لو لم تكن لازمة؛ لأنّها بنفس الحكم بصحتها، ولو لم يحكم بلزومها، يترتّب على ذلك نقص في مالية مال المغبون، سواء حكم عليها باللزوم او لم يحكم.

ومن هنا يأتي إشكال وهو: أن (لا ضرر) لماذا لا ترفع الحكم بالصحّة راساً، فإنّ أُصل الحكم بالصحّة وانتقال المال القليل في مقابل المال الكثير يكون ضررياً، فلماذا يختص الرفع باللزوم؟

وسوف يأتي إن شاء الله تعالى أنّ جواب ذلك هو: أنّ المعاملة الغبنيّة وإن كانت بمجرّد الحكم بصحّتها توجب نقصاً في الماليّة، ولكن هذا النقص إذا فُرض أنّ المعاملة لم تكن لازمة، لا يعتبر ضرراً، لأنّ هذا النقص يكون تحت سلطان المنقوص منه إزالته، وكلّ نقصٍ يحدث في حقّ شخص ويكون تحت سلطان إزالته لا يكون ضرراً، لا أنّه ضررٌ يزال، وإنّما سلطنته على إزالته تمنع عن صدق الضرر عليه من أوّل الأمر؛ لأنّ الضرر -كما بيّنا سابقاً- ليس عبارة عن مجرّد النقص، بل فيه جنبة ذاتية، هو النقص الذي يوجب الكدورة والضيق على المنقوص منه. وهنا وإن كان عنوان النقص صادقاً، ولكن عنوان الضرر لا يصدق على هذا النقص الذي يكون تحت سلطان المكلف من أوّل الأمر إزالته.

وبهذا نحن صححنا تطبيق (لا ضرر) بلحاظ الضرر المالي على اللزوم دون الصحة وإلّا لأشكل الأمر، بأن يقال: إنّ (لا ضرر) يجري في مقام نفي الصحّة دون اللزوم. وإنّما دفعنا هذا الإشكال الذي ذكره جملّة من الآغايون، باعتبار أن (لا ضرر) لا يصدق عنوان الضرر فيه على مثل هذا النقص المقرون من أوّل 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الأمر بسلطنة المكلّف على إزالته. وسيأتي إن شاء الله مزيد توضيح لذلك.

ونفس هذا الكلام نقوله في المقام: إنّ المزيل لعنوان الضرريّة عن هذا النقص هو سلطنة هذا الشخص، ما لم يعرض عنه ويبني على تحمله. فان هذه السلطنة المغياة بأن يعرض عنه، يكفي في رفع عنوان الضرريّة عن مثل هذا الضرر. ومثل هذا لا يعتبر إن وقع في ضرر مالي؛ لأنّه تحت سلطانه أن يرفعه، ما لم لو يوطن نفسه، كعاقل يحسب حساباته ويرى أنّه هل يرفع يده عن المعاملة او لا؟

وحينئذٍ فاللزوم الثابت: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)، حينما نريد ان نرفع اليد عنه بـ(لا ضرر)، نرفعها عنه بالمقدار الذي ينفي صدق عنوان الضرر على مثل هذا النقص. وهو بمقدار أن نرفع اليد عن اللزوم ما لم يبن هو على اللزوم. وحينئذ فتطبق قاعدة (لا ضرر) في مقام نفي حصّة خاصته من اللزوم، لا اللزوم على الإطلاق(2).هذا بلحاظ الأثر الأوّل.

أمّا بلحاظ الاثر الثاني وهو مسألة الانتقال إلى الوارث، فنحن نقول: بأنّ دليل الإرث موضوعه عنوان المال؛ لأنّه قال: من ترك مالاً فهو لورثته، 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() المائدة: 1.

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: حول عدوله عن الموافقة: أنّ هذا لا يعتبر بحسب النظر العقلائي ضرراً، أن يتأمل ويحسب حسابه ويقول رفعت يدي عن المطلب، ثم يقول تندمت. فيقال له: أنت تتحمل مسؤولية ذلك، لا أنّه ضرر لا بدّ من جبره. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وعنوان المال من العناوين العرفية، وهذا العنوان العرفي ينطبق على مثل هذا الحكم الذي يثبت بـ(لا ضرر)، بلحاظ أنّه كان قابلاً للإسقاط من ناحية ذلك المكلف.

توضيحه: أنّه لو فُرض أنّ الخيار وعدم اللزوم كان بنحو لا يقبل الإسقاط أصلاً، فهذا قيد في رقبته لا خلاص له منه، ولا ينتزع منه عنوان الماليّة، يعني: لا يدفع ماله بإزائه، لا معنى لدفع مالٍ بإزائه. وأمّا إذا فرض أنّه كان قابلاً للإسقاط وكان تحت سلطانه ازالته، فبهذا اللحاظ كان يعتبر هذا مالاً له بحسب الارتكاز العقلائي، ولهذا يبذل مال بإزاء مثل هذه الإزالة فيقال: أزله ونعطيك على إزالته كذا مقدار من المال. فبهذا اللحاظ ينتزع منه عنوان المالية عرفاً، وإذا انتزع منه عنوان الماليّة عرفاً يدخل تحت دليل الإرث، وحينئذٍ، فانتقاله إلى الوارث يكون بدليل الإرث لا بالدليل الأوّل(1)

الدليل الأوّل: ينتج خياراً قابلاً للإسقاط، وقابليته للإسقاط تكون مفهوماً مالياً، وهذا المفهوم يجعله مصداقاً لموضوع دليل الإرث، وبدليل الإرث يحكم بانتقاله إلى الوارث، ولا غرو في ذلك، فإنّه لم يرد هناك آية أو رواية أن ما يورث لا بدّ أن يكون ملكا أو حقاً بحسب المصطلح الفقهي، وإنما لابدّ أن يكون مالاً، وعنوان المالية ينتزع عن هذا الحكم بهذا اللحاظ.

بل إنّ عنوان المالية لا ينتزع عن الحقّ إلّا بهذا اللحاظ، فإنّ الحقوق التي لا تقبل الاسقاط أصلاً لا تعتبر اموالاً بحسب النظر العرفي والعقلائي. 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) يعني: لا ضرر. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هذا هو الكلام أيضاً في تصوير الحكم الثاني. وهذا تمام الكلام في التعليق على ما أفاده المحقّق العراقي. 

وبعد هذا سوف نتكلم في تطبيق أصل لا ضرر على خيار الغبن والوجوه المتصور في ذلك.

تطبيق القاعدة على خيار الغبن

وحيث إنّ تطبيق هذه القاعدة على خيار الغبن من اهم تطبيقاتها في كلماتهم وأقدمها، حيث وجدت في كلام الشيخ الطوسي، ومن بعده من العلماء والمحققين. ولهذا يحسن اغتنام فرصة تعرض المحقّق العراقي لذلك، في التكلّم في هذا التطبيق بنحو اوسع ما تعرضنا له سابقاً، فنقول: إن تطبيق القاعدة على خيار الغبن يكون بعدة تقريبات:

التقريب الأوّل: وإشكالاته ومناقشاته 

التقريب الأوّل: هو تطبيقها من ناحية أنّ لزوم المعاملة ضرري، ويراد بالضرر الضرر المالي، حيث إنّ المثمن والثمن لم يكونا متساويين في المالية، فالمغبون لو حكم عليه بلزوم المعاملة يكون اللزوم ضررياً في حقّه بالضرر المالي، فيرتفع هذا اللزوم ويثبت الخيار.

وهذا التقريب هو منظور الاعلام والمحقّقين المتأخرين، فإنهم قربوا تطبيق (لا ضرر) في المقام على الحكم باللزوم بلحاظ الضرر المالي، وهو التقريب الذي ارتضاه أيضاً المحقّق العراقي بالنسبة إلى خيار الغبن على ما ذكرنا سابقاً، ولهذا ابتلوا بإشكالات عديدة في تطبيق القاعدة، هذه الإشكالات التي لا موضوع 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

لها بناءً على التقريب الذي نحن سابقاً حققناه في مقام تقريب القاعدة.

هذه الإشكالات التي ابتلى بها الأعلام من حيث تطبيق القاعدة من ناحية الضرر المالي عديدة:

الإشكال الأوّل: 

أن يقال: إنّ الضرر المالي لم ينشأ من ناحية لزوم المعاملة، وإنّما نشأ من ناحية أصل الحكم بصحتها، فإنّ الحكم بصحّة المعاملة حدوثاً يكون موجباً للتنقيص في مالية المغبون، وهو ضرر عليه، فلو أُريد تطبيق القاعدة على المعاملة الغبنية يلزم نفي أصل الحكم بالصحة بهذه القاعدة، ولماذا يقتصر على نفي الحكم باللزوم(1).

هذا هو الإشكال الأوّل الذي أورده جملة من المحققين، كالمحقّق الإيرواني والسيّد الاستاذ وغيرهما. 

وهذا الإشكال يجاب عنه بأحد الوجوه:

الأوّل: هو أن يقال: إنّه لو خلّينا نحن و(لا ضرر)، لرفعت أصل الحكم بالصحّة -كما قيل- لأنّ الحكم بالصحّة ضرري، وليست الضرريّة مقصودة على الحكم باللزوم، ولكن الحكم بالصحّة خرج عن قاعدة (لا ضرر) بدليل خاصّ، كالإجماع حيث قام الإجماع على أنّ البيع الغبني ليس فاسداً؛ ولهذا أخرج الحكم بالصحّة عن إطلاق (لا ضرر) ويبقى الحكم بالزوم.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() وبعد تطبيقها على الحكم بالصحّة لا يبقى مجال لتطبيقها على الحكم باللزوم؛ لأنّ اللزوم والجواز فرع الصحّة وهما: حكمان للمعاملة الصحيحة في نفسها. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بيانه: أنّ هناك ضرراً واحداً(1) وهو نقص مالية مغبون(2). وهذا الضرر له حدوث وله بقاء. حدوثه يمكن نفيه بنفي الحكم بالصحّة وبقاؤه يمكن نفيه بنفي الحكم باللزوم. ولو خلّينا نحن والقاعدة، لنفينا هذا الفرد الواحد وجود هذا الضرر الحدوثي، والبقائي ولكن الإجماع قام على وجوده الحدوثي، على أنّ الصحّة ثابتة في الشريعة، أي: على أنّ هذا الفرد من الضرر قد حدث. فنرفع اليد عن نفي الحدوث. أمّا نفي الوجود البقائي في الزمان الثاني، فهو لا إجماع على خلافه. فنتمسّك بـ(لا ضرر) في مقام نفي الوجود (3) البقائي للضرر. وهذا ما ذكره المحقّق الاصفهاني.

وهذا الذي ذكره يرجع إلى الاستظهار العرفي من الدليل ليرى أنّ الدليل الدال على نفي طبيعة الضرر، هل يستظهر منه انصباب النفي على الحدوث، أو أنّ النفي منصب على الذات المطلقة من حيث الحدوث والبقاء. فإن ادّعي أنّ المستظهر عرفاً من نفي طبيعة حدوث السواد نفي حدوث السواد في الكتاب، إذن فبعد فرض الحدوث لا يبقى في الدليل دليل النفي دلالة زائدة على نفي(4) 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() الحاصل حيث العقد والمستمر إلى الآخر. (المقرِّر).

(2) هذا الفرد الواحد حدوثه يستند إلى الحكم بالصحّة وبقاؤه إلى ما بعد فسخ المغبون ومستند الى الحكم باللزوم إذ لو لا اللزوم لما بقي النقص بعد الفسخ. (المقرِّر).

(3) ونفيه يثبت نفي اللزوم لا نفي الصحّة، لأنّ بقاء النقص المالي إلى ما بعد فسخ المغبون مستندة الى الحكم باللزوم لا إلى الحكم بالصحّة، (المقرِّر).

(4) فكذلك في المقام يكون مصبّ النفي فيه حدوث كلّ فرد من أفراد الضرر فإذا علمنا أنّ فرداً ما قد حدث فلا مجال بعد هذا لنفيه بقاءً لأنّ البقاء ليس منظوراً إليه في دائرة هذا النفي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

البقاء ليثبت الارتفاع. وأمّا إذا(1) أنكرنا هذا الاستظهار وقلنا إنّ مصبّ النفي هو ذات الطبيعة المجرّدة عن خصوصية الحدوث والبقاء. فالطبيعة يلحظ لها حالان: حال الحدوث وحال البقاء. فإذا خرج أحد الحالين عن دائرة النفي تبقى الحالة الاُخرى تحت دائرة النفي. فصحّة هذا الجواب وعدمها يتوقف على النظر في هذا الاستظهار العرفي إثباتاً ونفياً. هذا الجواب الأوّل.

الجواب الثاني: هو أنّ نقول: لو خلّينا نحن و(لا ضرر) أيضاً نرفع الحكم بالصحّة، فإنّه خارج تخصصاً عن (لا ضرر) -لا أنّه خارج تخصيصاً كما هو الحال على الوجه السابق- بدعوى: أن رفع الحكم بالصحّة في المقام ليس على وفق الامتنان بالنسبة الى هذا المغبون، فإنّ الأحسن بحاله أن يرفع عنه اللزوم ويبقي الصحّة، حتّى يعطى فرصته إن شاء أخذ السلعة ولو بالثمن الغالي وذهب إلى بيته، وإن شاء فسخ واسترجع الثمن. هذا أوفق في الامتنان على المغبون من أن يرفع الحكم بالصحّة رأساً. وحيث إن (لا ضرر) لا يثبت به حكم على خلاف الامتنان، ولهذا لا ينفي به الحكم بالصحّة يقتصر على نفي اللزوم.

وهذا الجواب مبني على ذلك المبنى المشهوري -الذي أشرنا إليه وسوف 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

() وأما إذا جمد على حاق اللغة وحدها ونقول إنّ عنوان الحدوث لم يأخذ في مدلول هذه الكلمات وضعاً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

نتكلّم عنه- وهو أنّ قاعدة (لا ضرر) حيث إنّها امتنانية، ولهذا يجب أن تطبق بأفضل الوجوه. وسوف يأتي الكلام عنه وبيان أننا لا نوافق على ذلك.

الجواب الثالث: هو ما حقّقناه سابقاً عند مناقشة كلام المحقّق العراقي، وحاصله: أنّ الحكم بالصحّة إنّما يصير منشأ للضرر فيما إذا لم يرفع اللزوم، وأمّا مع رفع اللزوم فـ(لا ضرر) من الحكم بالصحّة، لأنّ الحكم بالصحّة يولد نقصاً في المال، وهذا النقص إن اقترن مع رفع اللزوم. إذنّ فهو تحت السلطنة إزالته، وكلّ نقص يكون توأماً مع سلطنة المنقوص منه على إزالته لا يصدق عليه عرفاً عنوان الضرر، وإنّما يصدق عرفاً عنوان الضرر على نقص لا يكون تحت السلطان إزالته. فبرفع (1) اللزوم ينسلخ عنوان الضرر عن هذا النقص من أوّل الأمر، بحيث يخرج الحكم بالصحّة عن كونه ضررياً.

وإن شئتم قلتم: إنّ نفي القاعدة للزوم حاكم على شمولها للحكم بالصحّة، إذ بعد نفي اللزوم يخرج النقص المالي الناشئ من الحكم بالصحّة عن كونه ضرراً عرفاً، ولا يبقى بعد هذا مقتضٍ لرفع أصل الحكم بالصحّة من ناحية هذه القاعدة(2)

ــــــــــ[96]ــــــــــ

() فيكون تطبيق (لا ضرر) في مقام نفي اللزوم مخرجاً لأصل الحكم بالصحة ولأصل حدوث النقص عن كونه ضررياً؛ لأنّه يكون توأماً مع السلطنة على إزالته، فلا يكون ضرراً.  سيأتي الحديث عنه، (المقرِّر).

(2) وهنا قال جواباً عن سؤال: يعني اطلاقه لهذا الحكم حاكم على إطلاقه لذلك الحكم؛ لأنّه يخرج ذاك الحكم عن موضوعه، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الإشكال الثاني وما بعده: 

وهو الإشكال الذي أشار اليه المحقّق العراقي -وقد حققناه سابقاً- وحاصله(1): أنّ (لا ضرر) لو فُرض أنّها طبقت على الحكم باللزوم بدعوى أنّه ضرري إلّا أنّ هذا لا يكفي في مقام إثبات خيار الغبن، لأنّ هذا الخيار جواز حقّي وليس جوازاً حكمياً، ونحن نريد أن نثبت الجواز الحقي، وهو لا يمكن إثباته بـ(لا ضرر)، وغاية ما يثبت بها هو مجرّد عدم اللزوم بنحو القضيّة المهملة القابلة الانطباق على الجواز الحقي أو الجواز الحكمي. 

هذا الإشكال غير صحيحٍ، وذلك لأمور:

الأمر الأوّل: فلإننا إذا رجعنا إلى مهم الأجوبة على الإشكال السابق فنرى أنّها بنفسها تكون جواباً على هذا الإشكال، فإنّ مهمها كان هو الجواب الثالث، وهو: أنّ الضرر لا يصدق على النقص المالي إذا كان توأماً مع السلطنة على إزالته. 

ومن المعلوم أنّ هذه الدعوى تصدق فيما إذا فرض أنّ السلطنة على الإزالة كانت محدودة بما لم يسقط، بمعنى: أنّنا إذا رفعنا بـ(لا ضرر) خصوص لزوم ما لم يسقط، فهذه الحصّة من اللزوم قبل أن يسقط لا لزوم فلا ضرر، وبعد أن يسقط فمعنى إسقاطه هو إقدامه على الضرر وتحمله له. 

وسوف يأتي أنّ الصحيح والمختار للمحقّق العراقي وغيره هو أنّ الضرر 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

() وهذا إشكال في مقام التوفيق بين الاستدلال بـ(لا ضرر) وبين فتاوى الفقهاء إذ يفتون بأن خيار الغبن يقبل الإسقاط. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المقدم عليه لا تشمله القاعدة، والإقدام على الضرر مانع عن شمول القاعدة.

فإذا كان المرفوع بالقاعدة هو اللزوم ما لم يُسقِط فيثبت بذلك قابليته للإسقاط الذي هو أحد أثري الحقّ، وأمّا الأثر الآخر وهو انتقاله بالإرث فهو يثبت من ناحية انتزاع عنوان الماليّة عن هذه القابلية فيدخل تحت موضوع دليل الارث بالنحو الذي شرحناه سابقاً.

إذن، فيمكننا أن نحكم بترتّب الاثرين المهمين للحقّ اللذين صرح بهما في كلمات الفقهاء، من دون حاجة إلى الالتزام بمؤونة وعناية خارجيّة، هذا كلّه إذا بنينا على الجواب المختار هناك(1). هذا أولاً.

الأمر الثاني: أنّ اللزوم الذي نريد أن نرفعه في المقام حيث إنّه لزوم حقي فيثبت بنفس رفعه جواز حقي أيضاً، لا أنّه يثبت عدم اللزوم بنحو القضيّة المهملة الجامعة بين العدم الحقي والحكمي.

وتوضيح ذلك: أنّه عندنا لزوم وجواز حقي ولزوم وجواز حكمي، أشرح معناهما الآن وخذوه كأصل موضوعي، لأنّ البحث لا يسعه المقام. فالحكمي كاللزوم والجواز في النكاح والهبة. 

ومعنى اللزوم والجواز هناك، يعنى: حكم الشارع بهما ابتداءً لا بلحاظ سلطنة لهذا الشخص أو ذاك على شيء. 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: يعني ذاك الجواب لا بدّ أن نفرضه أصلاً موضوعياً ثُمّ نضمّ إليه هذه العناية، وهي عناية أنّ الضرر المقدّم عليه لا تشمله القاعدة. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

واللزوم(1) والجواز الحقي عبارة عن: أنّ كلّ شخصٍ يكون مالكاً لالتزام نفسه قبل المعاملة، ففي البيع مثلاً يكون البائع مالكاً لالتزام نفسه ومسلطاً عليه والمشتري أيضاً كذلك. وهذه الملكيّة مرجعها إلى الخيار بحسب الحقيقة، لأنّه إذا كان مالكاً لالتزام نفسه فله أن يفسخ الالتزام. وهذا معنى الجواز الحقي.

 ثُمّ حيث إنّه مالك لالتزام نفسه فيمكنه أن يملّك هذا الالتزام لغيره(2). فالبائع يملك التزامه للمشتري فيصبح المشتري مالكاً لالتزام البائع، لا أنّ البائع مالك لالتزام نفسه، وهذا معناه اللزوم الحقّي(3).

ومن هنا كانت الإقالة من الطرفين في موارد اللزوم الحقي على القاعدة؛ لأن كلاً منهما يقول لصاحبه: أنا املّك التزامك، فخذ التقايل في النكاح الذي 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() المختار أنّ هذه المعاملة تنحل إلى إنشاءين، إنشاء بالمدلول المطابقي وإنشاء بالمدلول الالتزامي فالأوّل إنشاء تمليك العين بدينار، والثاني انشاء تمليك التزامه للآخر في مقابل أن يملّكه الآخر التزامه… ومعنى اللزوم والجواز الحكمي أن يتجرّد مدلولها الالتزامي عن المطابقي فينقل ملكيته للكتاب دون الالتزام. والمقصود من الالتزام هو الالتزام بتمليك هذا الكتاب للآخر المسمى بالإنشاء في التعبير المتعارف. (المقرِّر). 

(2) أو أنّ الشارع يمضي المدلول المطابقي دون الالتزامي، فيرى أن ملكيّة الكتاب انتقلت دون ملكيّة الالتزام، كما هو الحال في موارد خيار الحيوان والمجلس، حيث إنّ الشارع لم يمض ذلك. سيأتي الحديث عنه، (المقرِّر). 

(3) وهنا قال أحد الإخوان: البائع ملّك الكتاب ولم يملك التزامه؟

فأجاب (سلمه الله): بالدلالة الالتزاميّة ملّك الالتزام على ما يقرّر في كتاب البيع. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

يكون لازما باللزوم الحكمي فهو غير معقول. لأن كلاً من الالتزامين لا يملكه لا نفسه ولا الآخر، فلو اتفقا على التقايل ايضاً لا يحصل (1). هذا معنى اللزوم والجواز الحقي والحكمي. 

وحينئذٍ، نأتي الى محلّ الكلام فنقول: بأنّ اللزوم الذي نريد أن نرفعه بـ(لا ضرر) ليس لزوماً حكمياً كما هو الحال في باب النكاح، بل هو لزوم حقّي، واللزوم الحقّي معناه: انتقال ملكية التزام البائع من البائع الى المشتري، فيكون المشتري مالكاً لالتزام البائع المغبون(2)، فإذا رفعنا ذلك فمعناه أنّنا قلنا: بأنّ التزام البائع المغبون لم تنتقل ملكيته من البائع الى المشتري يعني بقي ملكاً للبائع(3)، فيكون هذا جوازاً حقياً، لأنّ الجواز الحقي لا نريد منه إلّا أن يكون التزامه تحت سلطانه فإن شاء هدمه انهدم؛ فلا نحتاج إلى مؤونة في إثبات الجواز الحقي في المقام(4).

ــــــــــ[100]ــــــــــ

() وهذا بخلاف الهبة فإنّه إذا قال فسخت تضمحل هذه المعاملة. (المقرِّر).

(2) وهذا هو الحكم الضرري في المقام. (المقرِّر).

(3) فيثبت بذلك أنّ التزامه تحت سلطانه وحقّه وكلّ ما كان تحت سلطانه؛ فله أنّ يتعامل عليه بأي نحو من انحاء التعامل فيكون قابلاً للإسقاط باعتبار قابلية سائر الحقوق للإسقاط. (المقرِّر).

(4) وهنا قال جواب على سؤال: في التفرقة بين الجواب الأوّل وهذا الجواب: في الجواب الأوّل كنّا نريد أن نرتب آثار الحقّ لا نفس الحقّ. رتبنا جواز الإسقاط والانتقال إلى الوارث، وهنا نريد أن نبيّن -ولو بضمّ نكتة الجواب الأوّل- أنّ نفس عنوان الحق يثبت. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إذن، فبهذا البيان يمكننا أن نثبت نفس الحقّ، وأن الجواز جواز حقي لا حكمي. وأنّ التعبير بحق الخيار في كلماتهم ملائم مع تطبيق (لا ضرر) واستفاد الحكم منه. هذا هو الإشكال الثاني مع تحقيق في جوابه.

*****

وأمّا(1) إذا فرضنا أننا جمدنا على حاق اللغة، وقلنا: إنّ عنوان الحدوث لم يؤخذ في مصب النفي، وأنّ النفي انصب على الضرر، وهو عنوان جامع بين الحدوث والبقاء. إذن، ينعقد للدليل إطلاق أفرادي وإطلاق أحوالي، والإطلاق الأفرادي يقول: هذا ضرر. والإطلاق الأحوالي الأزماني يقول: هذا الضرر منفي بحدوثه وبقائه. 

ونحن غاية ما علمنا من الإجماع أنّ حالة من حالات هذا الفرد قد خرجت من إطلاق دائرة النفي، فنلتزم بالتقييد بالإطلاق الأحوالي وتبقى حالة البقاء لهذا الفرد تحت دائرة النفي المستفاد من القاعدة.

هذا كلّه فيما إذا فرضنا أنّ مصبّ النفي هو نفس الضرر بحسب عالم المدلول الاستعمالي للجملّة، كما اخترنا ذلك نحن.

وأمّا إذا فرضنا أنّ المنفي في المدلول الاستعمالي هو الحكم الضرري. وهنا 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

() بدأ السيد هذه المحاضرة بما بدأ به المحاضرة السابقة، وذكر الإشكال الأول مع جوابه الأول للمحقق الأصفهاني، وعلق عليه بنفس الأسلوب الآخر على تفصيل وتوسع، وبعد أن ذكر النتائج التي تحدث فيما إذا قلنا إن الضرر موضوع لخصوص الحصة الحدوثية منه، قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

عندنا حكمان ضرريان، أحدهما الحكم بالصحّة، والآخر الحكم باللزوم. فالأوّل يؤدي الى القطعة الحدوثيّة للضرر، والثاني يؤدي إلى القطعة البقائية منه. فإن قلنا: إنّ الحكم بالصحّة والحكم باللزوم بحسب الحقيقة حكم واحد، وأنّ اللزوم معناه بقاء (1) الصحّة إلى ما بعد الفسخ. ومعنى عدم اللزوم أنّ الصحّة مفيدة بأن لا يفسخ الطرف. إذن، يصير حال الحكم هنا حال نفس النقص المالي، فكلّما كان عندنا نقص مالي واحد كذلك عندنا حكم واحد. وهذا الحكم الضرري المفروض من حدوثه وتحققه بلحاظ الإجماع، لأنّ الصحّة المفروغ عنها في المقام لا ندري ببقائها الى ما بعد الفسخ أو لا؟ فهو شكّ في بقاء الحكم الضرري لا في حدوثه.

 فأيضاً يأتي نفس ذلك الكلام، وإنّنا نستظهر من الدليل أنّ مصب النفي هو حدوث وليس له نظر إلى البقاء أو مصبه هو ذات الحكم الضرري بقطع النظر عن خصوصية الحدوث والبقاء، بحيث يكون له إطلا ق أحوالي؛ فعلى الأوّل: أيضاً لا يتمسك به لنفي بقاء هذا الحكم بعد حدوثه، وعلى الثاني يتمسك به.

وإذا فرضنا أنّ الحكم بالصحّة والحكم باللزوم مجعولان بجعلين -كما هو الصحيح-  وأنّ الحكم باللزوم ليس عبارة عن مجرّد امتداد للحكم بالصحة، بل هو حكم آخر مجعول بجعل آخر؛ فهنا حكمان لكلّ منهما حدوث في نفسه، وكلاهما كان ينبغي نفيهما في المقام لأنّهما ضرريان، إلّا أنّ أحدهما وهو الحكم 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() نفس الحكم بالصحة لا مجعول بجعل آخر. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بالصحّة ثبت بالإجماع خروجه تخصيصاً من (لا ضرر)، وأنّ الحكم باللزوم لم يثبت خروجه بالإجماع ولهذا يتمسك بإطلاق (لا ضرر) في مقام نفيه، ويكون هذا نفياً للحدوث؛ لأنّ الحكم باللزوم حكم مستقل يشك في حدوثه وعدمه فينتفي بالقاعدة أصل حدوثه ويكون كلاماً صحيحاً. هذا خلاصة ما ينبغي أن يقال في مقام التعليق على الجواب الأوّل(1).

هذا الكلام تارةً نتكلّم فيه من حيث الكبرى واُخرى من حيث الصغرى.

أمّا من حيث الكبرى: فهو إشارة الى مسألة اشتراط الامتنان وعدم المخالفة له في إجراء القاعدة. وهذه الشرطيّة لها معنيان:

أحدهما: هو المعنى الذي أنكرناه مراراً في تعليقاتنا على كلمات المحقّق العراقي، وهو معنى مشهوري يقول: إذا كان هناك حكم ضرري بالنسبة إلى زيد، إلّا أنّ رفعه يكون مخالفاً للامتنان بالنسبة إلى عمرو؛ فلا نرفع هذا الحكم الضرري بالقاعدة؛ لأنّه خلاف الامتنان بالنسبة إلى عمرو، فتماماً نفس كلام المحقّق العراقي في سمرة بن جندب مع الانصاري حينما قال: إنّ استحقاق سمرة في الدخول من دون استئذان حكم ضرري على الانصاري، ولكن رفعه خلاف الامتنان بالنسبة إلى سمرة إذن فلا يشمله (لا ضرر).

وهذا المعنى من المخالفة للامتنان ليس مانعاً عندنا عن جريان القاعدة، ولا نشترط في جريانها أن لا يكون نفي الحكم الضرر عن المتضرر، بحيث يوجب انكسار خاطر شخصٍ آخر ويكون مخالفاً للامتنان بالنسبة إليه. 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

() وهنا ذكر الجواب الثاني للمحقق الاصفهاني أيضاً كما سبق. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

نعم، لو بلغ انكسار خاطر شخصٍ آخر بحيث يكون ضرراً بالنسبة اليه، فإنّه يدخل في باب تعارض الضررين وهذه مسألة اُخرى.

ثانيهما: أن يكون نفي الحكم الضرري عن الانصاري موافقاً للامتنان بالنسبة إلى الانصاري نفسه، وأن لا يكون خلاف الامتنان بالنسبة إليه، وهذا الشرط واضح ومسلّم بلا اشكال؛ لأنّ (لا ضرر) إنما تجري في حقّ صاحب العيال لأجل حفظه ومداراته لا لأجل إساءة حاله؛ فلا بدّ وأن يفرض أن يكون حال هذا الشخص قبل جريان القاعدة أحسن من حاله بعد جريانها، بحيث إن (لا ضرر) توجب قلةً في حسن الحال بالنسبة إليه فإنّ مثل هذا لا يكون امتناناً؛ فهذا الشرط من حيث الكبرى لا ينبغي التشكيك فيه.

حينئذٍ نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: بأن هذا الشرط غير موجودٍ؛ لأننا تارةً نرفع اللزوم والصحّة معاً بـ(لا ضرر)، واُخرى نرفع اللزوم دون الصحّة، فنرى أنّ المغبون أي حاليه أحسن، لو أنّنا اقتصرنا على رفع اللزوم دون الصحّة، لكان للمغبون فرصتان، فرصة أن يستوفي حقّه بأن (1) يأخذ السلعة ويذهب إلى بيته.

 وأمّا إذا فرضنا أنّنا وسعنا دائرة النفي وطبقنا النفي على أصل الصحّة، فقد ضيقنا بذلك الفرصة عليه، وجعلناه غير قادر إلّا على أن يستوفي ظلامته، فتوسيع دائرة النفي إلى أصل الحكم بالصحّة تقليل من حسن حال المغبون ويكون خلاف الامتنان بالنسبة إليه مخالفة قبل أن يوسع دائرة النفي كان 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() يستفيد من المعاملة، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أحسن من حاله بعد أن يوسع دائرته، فكيف يقال: إنّ هذه التوسعة مجعولة بقاعدة لسانها حب هذا المتضرر والشفقة عليه؛ فمثل هذا لا يمكن إثباته بإطلاق القاعدة، هذا حاصل ما يقال في تنقيح هذا الوجه.

والتحقيق في حاله هو أن يقال: بأنّ هذا الشرط، وهو أنّ لا نجري القاعدة بنحو يكون على خلاف الامتنان بالنسبة الى المتضرر، بل لابدّ وأن تكون على وفق الامتنان إن أُريد بكونه على وفق الامتنان بالنسبة إليه أنّه موافق للامتنان من ناحيته يعني الامتناع الحيثي والجهتي، فهذا موجود في المقام؛ فإنّ الحكم بالصحّة من حيث إنّه نفي للضرر موافق للامتنان، وأن استلزم مع شيء آخر غير موافقٍ للامتنان وهو تضييق دائرة الفرصة على المكلف. وإن أُريد منه ما يكون مخالفاً للامتنان الفعلي مع أخذ تمام الخصوصيات وظروف المغبون يعني الاعتبار، كما هو كذلك، فمثل هذا لا ينضبط بضابط، إذ أحياناً يكون الأوفق بحاله هو الحكم بالصحة، وأحياناً يكون الاوفق بحاله هو ان لا يحكم بالصحّة ابتداءً، كما لو حكم عليه بالصحة وأعطي الخيار فإنّه يخجل من إعمال الخيار باعتبار أنّ الغابن شخص ملحوظ بالنسبة إليه، بخلاف ما لو حكم ببطلان العقد من أوّل الأمر، فلا يحتاج إلى عناية من قبله في مقام استرجاع ظلامته وحقّه.

اللهم إلى أن يراد الامتنان الفعلي النوعي، يعني: الغالبي، لا الفعلي الشخصي، ويدّعى أنّ الامتنان الفعلي النوعي يكون على وفق رفع اللزوم دون الصحّة. هذا أيضاً ما ينبغي أن يعلق على الجواب الثاني.

الأمر الثالث: هو ما اخترناه من أنّ الحكم بالصحّة ليس ضررياً مع فرض نفي اللزوم. هذا تمام الكلام في أجوبة الإشكال الأوّل.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الاشكال الثاني(1)

وهو يختلف عن الأوّل، بأنّ الأوّل كان يتساءل أنّه لماذا لا نوسع دائرة النفي ونتعدّى لنفي أصل الحكم بالصحّة بالقاعدة، أمّا في هذا الإشكال فيفرض أن خروج الحكم بالصحّة عن دائرة النفي أصلاً موضوعياً مفروغاً عنه من ناحية الإجماع أو غيره من الأدلة التي قامت على أنّ الحكم بالصحّة ثابت.

وبعد هذا ينصب الإشكال على هذه الجهة، وهو أنّ بعد فرض أنّ الحكم بالصحّة ثابت، ولم تشمله دائرة النفي. إذن، فلا مجال للقاعدة؛ لأنّنا ماذا ننفي بالقاعدة؟ 

إن اُريد أن ننفي بها حدوث الضرر؛ فهذا غير ممكنٍ؛ لأنّ الضرر قد حدث من ناحية الاعتراف بثبوت الحكم بالصحّة، فإنّ الضرر ليس إلّا النقص المالي، وهو قد وجد حينما حكم الشارع بالصحّة؛ فنفي حدوث الضرر بالقاعدة فهذا خلف الأصل الموضوعي للإشكال، وهو التسالم على ثبوت الصحّة بالإجماع.

وإذا أردنا أن ننفي الوجود البقائي للضرر والنقص فهذا لا يمكن لاستظهار أنّ النفي في القاعدة منصب على الحدوث من قبيل (لا رجل في الدار يوم الجمعة)، فإنّ المستظهر منها أنّه لم يحدث كون رجل في الدار يوم الجمعة. وحينئذٍ فنفي البقاء بدليل نفي الحدوث مما لا يمكن. فيتعطل على هذا إجراء القاعدة.

ــــــــــ[106]ــــــــــ

() هذا الترقيم مخالف للترقيم الذي التزمه في محاضرة يوم الأربعاء أما الإشكال الثاني هناك فقد جعله الرابع في هذه المحاضرة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذا الإشكال إذا سلمنا أصله الموضوعي، وهو أنّ الحكم بالصحّة خرجنا تخصيصاً من (لا ضرر) بلحاظ إجماع أو غيره فلا بدّ وأن يقال: إنّ النفي إمّا أن نختار أن مصبّه هو الضرر الخارجي أو نختار أنّ مصبّه هو الحكم الضرري.

فإن اخترنا أنّ مصبّ النفي هو نفس الضرر الخارجي، وهو ضرر واحد له حدوث وبقاء، وحدوثه قد خرج من القاعدة تخصيصاً؛ لأنّ المولى حكم بالصحّة، فقد حدث الضرر، ولم يبق علينا إلّا البقاء، والمفروض أنّ القاعدة لا تتكفّل نفي البقاء؛ لأنّها ظاهرة في نفي الحدوث، فبناءً على هذا، وبعد تسليم الأصل الموضوعي، يكون هذا الإشكال تامّاً.

وأمّا إذا بنينا على أنّ النفي ينصب على الحكم الضرري لا على نفس الضرر؛ فإن قلنا: إنّ هناك أيضاً حكم واحد يسمى بالصحّة حدوثاً وباللزوم بقاءً؛ فحاله على الضرر الخارجي الواحد، فإنّ الإشكال أيضاً يبقى بعد الاعتراف بأصله الموضوعي وارداً. 

وأمّا إذا فرضنا أنّ النفي يتعلّق بالحكم الضرري وعندنا حكمان مستقلان مجعولان بجعلين أحدهما الصحّة والآخر اللزوم -كما هو الصحيح- بناءً على هذا لا يأتي هذا الإشكال لأننا عندنا حكمان ضرريان أحدهما حدث يقيناً وخرج تخصيصاً وهو الحكم بالصحّة والآخر لم يدلّ دليل على خروجه من إطلاق القاعدة وهو الحكم باللزوم؛ فنتمسك بالقاعدة لنفي حدوث الحكم باللزوم، فيكون هذا ملائماً مع ظهور القاعدة. هذا كلّه إذا سلمنا الأصل الموضوعي لهذا الإشكال.

 ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ولكن الصحيح أنّ الأصل الموضوعي غير تامٍ، وهو الأصل الذي كان يقول: إنّ حدوث الضرر خرج تخصيصاً من القاعدة بالحكم بالصحّة، هذا غير صحيحٍ، لأنّنا قلنا بأنّ خروجه تخصصي لا تخصيصي؛ فإنّه بعد فرض شمول القاعدة لنفي اللزوم، يكون خروج الصحّة تخصصياً من باب أنّه ليس ضررياً، كما قلنا في الجواب الثالث عن الإشكال الأوّل.

وتوضيحه: أنّه إذا قلنا: إنّ النفي ينصب على الضرر الخارجي. إذن، هنا تقول: هنا نقصان ماليان: نقص مالي لا يقبل الارتفاع بالفسخ ونقص مالي يكون تحت سلطان المنقوص منه رفعه.

 أمّا الثاني: فهو ليس ضررياً في نفسه، وهذا النقص هو الذي حدث في المقام. وأمّا النقص الذي لا يقبل الارتفاع، فهو ضرري ويشمل النفي، وبالنفي ننفي حدوثه، يعني: حدوث نقص لا يقبل الارتفاع، لأنّ هذا هو الضرر، ويثبت بذلك الجواز ونفي اللزوم فإذا نفي اللزوم فيتحصل من ضمّ هذه القاعدة إلى أدلّة صحّة المعاملة نقص يقبل الارتفاع. والمفروض أنّ النقص الذي يقبل الارتفاع ليس ضرراً من أوّل الأمر، فلم يلزم تخصيص في القاعدة، بل خروج تخصصي، فما هو ضرر ننفي حدوثه وما هو حادث ليس بضرري، هذا إذا قلنا: إنّ النفي انصب على الضرر الخارجي.

وأمّا إذا فرضنا أنّ الحكم انصب على الحكم الضرري لا على الضرر الخارجي فإن فرض إننا عندنا حكم واحد اسمه حدوثاً صحّة وبقاء لزوم، فحاله حال النقص الواحد من حيث ما قلنا. 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا إذا فرضنا ما هو الصحيح من أن عندنا حكمين: حكماً بالصحّة وحكماً باللزوم، فحينئذٍ نقول في المقام: أن (لا ضرر) ينفي حدوث الحكم باللزوم الذي هو حكم ضرري في نفسه، وبهذا يكون حاكماً على إطلاق القاعدة لنفي الحكم بالصحّة؛ لأنّ نفي الحكم بالصحّة بعد فرض نفي اللزوم لا يكون ضررياً، فإنّه لا يكون ضررياً إلّا في طول ثبوت اللزوم، فإذا نفي اللزوم بالقاعدة يخرج الحكم بالصحّة عن كونه ضررياً، فلم نثبت بالقاعدة نفي البقاء، بل أثبتنا نفي حدوث حكم ضرري برأسه وهو الحكم باللزوم. إذن فالأصل الموضوعي لهذا الإشكال غير تامٍ(1).

الإشكال الثالث: 

أيضاً يفترض الحكم بالصحة أصلاً موضوعياً، ويقول إنه ثابت وخارج عن (لا ضرر) ولو من باب التخصيص. 

ويقول -بعد هذا- بأن (لا ضرر) لا ينفي اللزوم؛ لأن نفي اللزوم يكون -بحسب الحقيقة- تداركاً للضرر الواقع، لا نفياً للضرر. لأن الضرر وقع من ناحية الحكم بالصحة، فلو نفينا اللزوم وفسخ المغبون لتدارك الضرر، وقاعدة 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: يستحيل أن يفرض الجواب الثاني داخلاً في برهان يقتضي عدم نفي اللزوم؛ لأنّ الجواب الثاني فرض فيه نفي اللزوم، ولهذا قيل إنّ نفي الحكم بالصحّة خلاف الامتنان؛ فإن كون الحكم بالصحّة خلاف الامتنان فرع الفراغ عن نفي اللزوم، فيستحيل أن يكون هذا مقدّمة برهان ينتج عدم نفي اللزوم؛ فإنّه يلزم من ذلك خلف فرض الكون بالصحّة مخالفاً للامتنان. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 (لا ضرر) لا تثبت تدارك الضرر الواقع، بل تثبت أنه لم يقع الضرر.

هذا الإشكال ظهر من خلال الكلمات السابقة عدم صحته لا على مبنى التخصيص(1) ولا على مبنى التخصص في إخراج الحكم بالصحّة.

 أمّا إذا بيّنا على أنّ الحكم بالصحّة خارج تخصصاً من باب أنّ النقص المالي المتزلزل غير ضرري من أوّل الأمر، وإنّما الضرر هو النقص المالي المطلق، وهو الذي يكون مرفوعاً بالقاعدة، فبناءً عليه من الواضح أن نفي اللزوم ليس من باب تدارك ضرر قد وقع، بل من باب نفي ضرريّة النقص المالي؛ لأنّ هذا النقص لا يتّصف بالضرريّة إلّا إذا كان نقصاً مطلقاً غير متزلزل، فبنفي هذا الإطلاق وعدم التزلزل ننفي أصل الضرريّة، لا أننا نوجب تدارك ضرر قد فرغنا عن وقوعه، وهذا واضح.

وأمّا بناءً على مبنى التخصيص الذي سلكه الحاج الشيخ، فأيضاً لا مورد لهذ الإشكال؛ لأنّ الحاج الشيخ لا يقول في المقام: إنّنا نحكم بتدارك الضرر، بل يقول: إنّ هناك نقصاً مالياً واحداً موصوفاً بعنوان الضرريّة، فعنده هذا النقص الواحد له امتداد في عمود الزمان، وحدوثه لا يمكن أن نرفعه بالقاعدة، فنرفع بقائه، فهذا نفي لنفس الضرر لكن بقاءً، لا أنّه تدارك وتعويض عن الضرر.

وفرق بين نفي بقاء الضرر وبين التعويض عنه، كما لو حكمنا بوجوب إعطاءه مالاً زائداً، كما لو ألزمنا الغابن بالتعويض والأرش، فيكون هذا تداركاً 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() كما ذهب إليه الشيخ الاصفهاني. (المقرر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

للضرر؛ وأمّا لو حكمنا بانفساخ المعاملة بالخيار، فهذا يكون نفياً لنفس الضرر لكن في مرحلة البقاء. 

اذن، فلا يكون المقام من قبيل تدارك الضرر، بل من قبيل نفيه على كلا المبنيين.

الاشكال الرابع(1)

إلا أنّه خصّه بجواز الإسقاط وجعل انتقاله الى الوارث إشكالاً خامساً كما سوف نشير اليه.(2)

أمّا أولاً: فلأننا يمكننا بلحاظ (لا ضرر) إثبات قابلية هذا الجواز للإسقاط بحسب النتيجة، وإن لم نثبت حرفية هذا العنوان وحرفية الحقيّة، لكن نتيجة قابليته للإسقاط نثبته بـ(لا ضرر).

وذلك بتقريب: أنّ هذا اللزوم يتنوّع إلى حصتين: حصّة مرضي بها من قبل المتضرر، وحصّة غير مرضي بها؛ فالحصّة غير الباني عليها ضرراً غير مقدم عليه فينفي بـ(لا ضرر)، وأمّا الحصّة التي تكون توأماً مع المرضي بها فلا تنفى بـ(لا ضرر)، لأنّ نفيها بها على خلاف الامتنان، على ما يأتي إن شاء الله تعالى من أنّ الضرر المقدم عليه لا يشمل (لا ضرر).

إذن، فاللزوم الذي ننفيه بالقاعدة هو اللزوم غير المقدم عليه، وهو إنّما اللزوم وقبل الإسقاط يعني قبل الرضا باللزوم. وأمّا بعد الإسقاط يعني بعد 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

() وهو الإشكال الثاني الذي ذكر في محاضرة يوم الأربعاء السابق. (المقرّر).

(2) وأجاب عنه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الرضا لا يكون هناك ضرر غير مقدم عليه، فلا تجري القاعدة.

وهذا البيان ينتج نتيجة القابليّة للإسقاط والحقيّة، لا نفس عنوانها، وهي أنّه إذا رضي باللزوم وبني عليه فلا تجري القاعدة بالنسبة إليه.

وهذا ليس بدعاً من القول، بل هذا يشبه ما إذا فرضنا أنّ المغبون من أوّل الأمر كان عالماً بالغبن وأقدم عليه؛ فإنّه هناك لا يستشكل أحد -حتّى من بنى على (لا ضرر)- في أنها لا تجري، لأنّ الضرر هناك قد أقدم عليه، فكما أنّ الإقدام عليه حدوثاً يوجب خروجه حدوثاً، كذلك الإقدام عليه بقاءً يوجب خروجه بقاء بنفس النكتة. 

وأمّا ثانياً: فلاننا يمكننا أن نثبت نفس الحقية للإسقاط بعنوانها بأجراء القاعدة. 

وتوضيحه موقوف على شرح معنى اللزوم والجواز الحقي والحكمي(1)

الإشكال الخامس: 

هو النقض بمسألة الإرث فإنّه كيف يلتزم الفقهاء بأن خيار الغبن يورث مع أن (لا ضرر) لا يمكن ان يستفاد منه الحقية التي هي مناط الإرث؟

جواب ذلك

أمّا أولاً: فهو الجواب الأوّل في الإشكال السابق، حيث إنّنا إذا التزمنا بنتيجة القابلية للإسقاط فيكفي في مقام تصوير الإرث؛ لأنّ هذه القابليّة ينتزع 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() وهنا أوضحه وحقّقه كما سبق مع زيادات ألحقناها بهامش المبحث السابق، وقال: هذا الجواب الثاني عن الإشكال الرابع. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

منها عنوان الماليّة، فيدخل تحت موضوع دليل الإرث، فيشمله قوله: (من ترك ضياعاً فعليّ ضياعه ومن ترك مالاً فلورثته)، وهذا مال بالنظر العرفي.

 وثانياً: لو التزمنا بأنّ صدق المال موقوف على عنوان الحقية، فقد قلنا ثانياً بأنّه يمكن تصوير الحقية في المقام بالنحو الذي بيناه. وعليه فهذا الإشكال أيضاً غير تامٍ.

الإشكال السادس: 

على هذا التقريب المشهوري: هو أنّ نفي اللزوم بالقاعدة وإن كان يدفع به الضرر وهو النقص المالي، لكن يمكن دفع هذا الضرر بشكل أو أشكال اُخرى، وذلك: بأن يكلّف الغابن بأن يدفع الأرش، وهو الفرق بين المسمّى بالمعاملة وقيمة المثل؛ فبهذا أيضاً يندفع الضرر وتعود المالية إلى حالها الأوّل عند المغبون، فما المعيّن لإثبات نفي اللزوم بالقاعدة.

وهذه من الإشكالات التي أثارها الشيخ الاعظم، وقد انقدح جوابه من خلال تضاعيف الكلام، وذلك: لأنّ ثبوت الأرش ليس نفياً للضرر، بل هو تدارك للضرر الواقع، فإنّ المغبون نقصت ماليته، ويراد أن يحصّل له على ربح مجاني من ناحية اُخرى لكي يتدارك به هذا الضرر، فهذا يكون من باب تدارك الضرر الواقع من دون فرق بين أن نسمي هذا الأرش هبة مجانية أو نسميّه ضمان وغرامة؛ فإنّه بالتالي هو تدارك للضرر لا نفي للأصل الضرر.

وهذا بخلاف نفي اللزوم الذي يوجب عدم تحقق الضرر من راسه، 

والقاعدة المباركة تنفي الضرر؛ لأنّها تثبت التدارك للضرر الواقع، فليس هذان 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

العلاجان نسبتهما إلى القاعدة على حدٍ واحد، بل يتعين العلاج الأوّل لأنّه مصداق لمدلول القاعدة، وهو نفي للضرر بالحمل الشايع. 

وأمّا الثاني فتدارك للضرر بالحمل الشايع وهو أجنبي عن مدلول القاعدة(1).

الإشكال السابع: 

أن يُدّعى التعارض بين حيثيّة الغابن وحيثيّة المغبون، وهذا التعارض يمكن أن يقرّب بأحد تقريبين:

التقريب الأوّل: أنّ جعل الخيار للمغبون وإن كان على وفق حاله ويكون علاجاً للضرر الواقع عليه، ولكنه على خلاف الامتنان بالنسبة إلى الغابن، لأنّ الغابن هنا ليس بأسوأ حالاً من سمرة بن جندب، حين دافع المحقّق العراقي عن حاله وقال: إنّه كيف يثبت شيء على خلاف الامتنان، والغابن أيضاً هنا أيضاً على خلاف الامتنان بالنسبة إلى حاله أن يقال: إنّ هذا العقد رهن اشارة غيره، إن شاء فسخ وإن شاء أبقى.

فحينئذٍ، الصغرى تكون مسلّمة، فإنّه لا إشكال أنّ هذا على خلاف الامتنان على الغابن، فإن مقتضى التلطف الكامل على الغابن أن يمضي الشارع غبنه، ولكن (لا ضرر) لا يشترط فيها أن لا يكون نفي الحكم الضرري عن شخصٍ مزعجاً لحال شخص آخر؛ لذا لم يبلغ حدّ الضرر؛ فالكبرى ممنوعة وإن كانت الصغرى مسلمة.

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() وهنا قلتُ له: لو فسرنا القاعدة بوجوب تدارك الضرر أساساً.

 فقال: نحن نتكلّم على المختار فعلاً. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

التقريب الثاني: أنّ المورد من باب تعارض الضررين؛ لأنّه أن اتيح للمغبون أن يفسخ المعاملة ورفعنا اللزوم، فقد استرجع المغبون ماليته، وبذلك اندفع الضرر عنه، ولكن الغابن وقع في الضرر، لأنّه بعد أن اشترى الكتاب الذي يسوى ديناراً بدرهم، وحكم بصحّة هذه المعاملة، أصبح مالكاً لماليّة دينار، فإذا فسخ المغبون المعاملة، واُخذ منه الكتاب وأرجع إليه الدرهم، فقد أنقصت ماليته. إذن، فلابدّ من نقص في إحدى الحالتين، إمّا ماليّة المغبون الثابتة قبل المعاملة أو ماليّة الغابن الثابتة بعد الحكم بصحّة المعاملة؛ فيحصل التعارض بين الضررين فلا تجري القاعدة.

وجوابه: أنّ ماليّة الغابن حيث إنّ المفروض أنّ المعاملة قد حكم بصحتها وعدم لزومها تطبيقاً لـ(لا ضرر) على حال المغبون؛ فماليّة الغابن من أوّل الأمر هي مثقلة بحق المغبون في استرجاعها، يعني هي مالية في معرض أن تزول وهي متعلّق لسلطان المغبون في إزالتها. ومثل هذه الماليّة التي يكون حدوثها من أوّل الأمر حدوثاً ضعيفاً متزلزلاً ومقروناً بحقّ الغير لو زالت مثل هذه المالية نتيجة لهذا الحقّ لا يعتبر هذا ضرراً جديداً بالنسبة إلى هذا الشخص، بل يعتبر أنّ هذا من شؤون هذه الماليّة، فإنّها من أوّل الأمر وجدت بنحو ضعيف غير قابلة للبقاء؛ فلا يكون ضرر الغابن بهذا الاعتبار مشمولاً للقاعدة.

وبتعبيرٍ آخر: أن (لا ضرر) بعد تطبيقها بلحاظ حال المغبون، وإثبات أنّ ماليّة الغابن انتقلت إليه مثقلة بحقّ المغبون من أوّل الأمر، فحينئذٍ، يخرج نقصان ماليّة الغابن بالفسخ عن كونه ضرراً بحسب النظر العرفي.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إذن، ففرق بين أن نفرض نقصين عرضيين، أو نفرض نقصاً يكون مسبقاً بحقّ هذا الإنقاص، بحيث تكون ماليّة المُنقَص منه مقرونة من أوّل الأمر بالتزلزل. فإنّه في مثل ذلك لا يكون بابه باب تعارض الضررين.

ومن هنا لا يشكّ أهل العرف في أنّ نفي اللزوم والحكم بالخيار بملاك نفي الضرر عن المغبون مطلب صحيح، ولا يقال إنّه من باب تقديم ضرر المغبون على ضرر الغابن، بل يرى أنّ المتضرر محضاً هو المغبون، وأنّ الغابن غير متضرر في المقام، وليس هذا إلّا لأنّ نقص مالية الغابن كان في طول وجدانه لهذه المالية مقرونة من أوّل الأمر بحقّ التزلزل وعدم الثبات.

نعم هنا تقريب ثالث لهذا الإشكال: وحاصله أن يقال: إنّنا إذا نفينا اللزوم، فمعناه: أنّ المغبون يصبح مالكاً لالتزام نفسه -كما بينا في معنى الجواز الحقي- وأمّا التزام الغابن فيملكه المغبون أيضاً، لأنّه -أي: الغابن- ليس له خيار الفسخ؛ فيصبح المغبون مالكا لكلا الالتزامين، وأمّا الغابن؛ فيصبح قد ملك عليه التزامه دون أن يملك شيئاً في مقابله، وهذا ضرر على الغابن؛ لأنّ الغابن بحسب طبعه يستحق أن يكون هو المالك لالتزام نفسه، فإذا ملك عليه التزامه من دون أن يملك في مقابله شيئاً، فيكون ضرراً عليه.

وهذا التقريب موقوف على أن نفرض استحقاقاً عقلائياً في المرتبة السابقة للغابن لمثل ذلك، فإذا فرضنا في المرتبة السابقة أنّ خيار الغبن لم يكن عقلائياً، وأن المركوز في الاذهان العقلائية لزوم المعاملة الغبنية، فحينئذٍ يتم هذا التقريب بأن يقال: إنّه في الارتكاز العقلائي يكون الغابن هو المالك لالتزامه، ويستحق 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أن يملك التزامه ولا يملكه عليه غيره إلّا في مقابل شيء، فكونه يُملك عليه التزامه من دون ان يملك في مقابل ذلك شيئاً يكون ضرراً بلحاظ إدراك العقلاء لاستحقاقه لمثل هذه الملكيّة.

وأمّا إذا فرضنا في المرتبة السابقة أنّ خيار الغبن ليس عدمه ارتكازياً في الاذهان العقلائية، والعقلاء لا يجدون في الرتبة السابقة للغابن استحقاقا في أن يكون مالكاً لالتزام نفسه، وأن لا يخرج منه ذلك إلّا في مقابل شيء آخر يدخل في ملكه؛ فلا يعتبر هذا ضرراً في المقام.

ومن هنا يظهر أنّ هذا التقريب يتم بعد فرض إسقاط خيار الغبن من قبل المغبون، فإنّه لو أسقط خياره، فهنا خيار الغبن ليس عقلائياً حتماً، بل اللزوم هو الحكم العقلائي، فلو فرض أننا في إشكال سابق بنينا على أنّ مقتضى تطبيق قاعدة (لا ضرر) هو إثبات للمغبون حتّى بعد اسقاطه له لأمكن إيقاع التعارض بين الضررين بلحاظ ما بعد الإسقاط، لأنّه بهذا اللحاظ يكون ثبوت الخيار للمغبون وتملكه لالتزامه والتزام الغابن معاً، مع أنّ العقلاء لا يرون ذلك فيكون هذا ضرراً في النظر العقلائي بالنسبة إلى الغابن. 

وأمّا أصل تملّكه لذلك قبل الإسقاط؛ فهذا لا يكون ضرراً على الغابن، لأنّ خيار الغبن ليس على خلاف الارتكاز العقلائي.

هذا هو تمام الكلام في الإشكالات التي يمكن أن تورد على التقريب المشهوري مع جوابها. وبذلك اتضح أن شيئاً من هذه الإشكالات لا يرد عليه.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

تقريب آخر لخيار الغبن وهو التحقيق

إلّا إننا مع هذا لسنا بحاجة إلى التقريب المشهوري الذي وردت عليه هذه الإشكالات الكثيرة، بل لنا تقريب آخر في تقريب (لا ضرر) لا يكون موضوعاً لكثير من هذه الإشكالات.

 وهذا التقريب الآخر هو الذي أشرنا إليه في مناقشتنا لكلام المحقّق العراقي حيث قلنا: بإننا نجري قاعدة (لا ضرر) لا بلحاظ النقص المالي، بل بلحاظ النقص الحقي بحسب الارتكاز العقلائي حيث إنّ الخيار للمغبون حقّ مركوز في الاذهان العقلائيّة، فنفي هذا الحقّ شرعاً وعدم الاعتراف به حكم ضرري في الشريعة، لكنّه ضرري بلحاظ الارتكاز العقلائي، ويكون مشمولاً للقاعدة بناءً على الأصول التي مهدناها في مقام فهم هذه القاعدة.

أمّا كيف يكون خيار الغبن ارتكازياً عند العقلاء؛ فهذا له عدّة وجوه: 

إمّا أن ندّعي إن خيار الغبن بعنوانه يكون ارتكازياً عند العقلاء، أي: أنّ الغبن بما هو غبن يولد حقاً للمغبون في فسخ المعاملة، فحينئذٍ نطبق القاعدة ونقول: بأن سلب هذا الحقّ ضرري؛ فينفى بالقاعدة ويثبت إمضاء هذا الحقّ الثابت بالارتكاز العقلائي.

الوجه الآخر أن نقول: إنّ الغبن بما هو غبن ليس منشأ لحقّ الخيار في النظر العقلائي -مثلاً-، وإنّما يكون منشأ لذلك بتوسط شيء وهو اشتراط المساواة بين المالين، فإنّ المغبون اشترط في المعاملة شرطاً ضمنياً غير مصرّح به، وهو المساواة بين الثمن والمثمن. وهذا الشرط يولد حقاً للمغبون في المساواة، فيكون 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مستحقاً لهذا الوصف وهو المساواة في المالية، والمفروض أنّ هذا الوصف غير موجود بحسب الخارج ومفوَّت عليه.

فحينئذٍ، يضمّ إليه كبرى اُخرى: وهي كبرى ضمان هذا الوصف المستحق، ويقال: بأن هذه الكبرى ارتكازيّة في الاذهان العقلائية؛ لأنّ هذا كان يستحق عليه وصفاً ولم يعطه إياه فيضمن قيمة هذا الوصف وضمان قيمة هذا الوصف يكون بتداركه، وذلك عن طريق جعل الخيار، حيث إنّ ضمان كلّ شيءٍ بحسبه. فضمان المال يكون بأداء قيمته، وضمان هذا الوصف يكون بجعل الخيار في المقام، وهذا هو أحد التقريبات التي أشير إليها في كلمات المحقّق العراقي، وأنا اختصرته هناك وفصلته هنا.

فكأنّه هنا نتصوّر أنّ الخيار مرجعه إلى ضمان فوات الشرط، فنلتزم بالشرط الضمني ونلتزم بأنّ الشرط الضمني يولد حقاً للمغبون على الغابن في المساواة، ونلتزم بأنّ فواته يوجب الضمان، ونلتزم بأن ضمانه -حيث إنّ ضمان كلّ شيءٍ بحسبه- يكون بجعل الخيار؛ فلو قلنا بأن هذه الأمور كلّها ارتكازيّة عقلائيّة، فننتهي إلى أنّ الخيار يكون ارتكازياً عقلائياً؛ فحينئذٍ يأتي دورنا لنطبق عليه قاعدة (لا ضرر) بلحاظ ارتكازيّة خيار الغبن(1).

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: لكن هنا يأتي إشكال أنّه لماذا لا يتدارك بالأرش، فإنّ هذا الشرط يمكن ضمانه بالخيار ويمكن ضمانه بالأرش؟ 

فأجاب: هذا يعني ضمانه بالخيار لا نثبته بلا ضرر، بل بالارتكاز العقلائي، وحينئذٍ، بلا ضرر نثبت امضاء هذا الارتكاز العقلائي، من باب أن نفيه يكون نفياً لحقّ ثابت بالارتكاز العقلائي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الوجه الثالث: هو أن نقول: بالالتزام بالشرط الضمني (1) بالمساواة بين الثمن والمثمن، ونقول: بأن تخلف الشرط يكون منشأً للخيار بالارتكاز العقلائي.

وفرق هذا عن الوجه الأول أنّه هناك كنا نقول: إنّ الغبن بنفسه منشأ لحق الخيار، أمّا هنا فنقول: إن تخلفه يكون منشأ لحق الخيار، فنرجع خيار الغبن إلى خيار تخلف الشرط. وبعد ارجاعه إلى ذلك نطبق لا ضرر، ونقول: بأنّ خيار الغبن الثابت بملاك تخلف الشرط حيث إنّه ارتكازي فيكون نفيه ضررياً فينفي نفيه بـ(لا ضرر)، ويثبت امضاؤه(2).

الوجه الرابع: أن يلتزم بالشرط ويلتزم بأن اشتراط المساواة بين المالين في الماليّة يستبطن بنفسه شرط الخيار (3)، ثُمّ يقال: بأنّ خيار الشرط ارتكاز في الانظار العقلائيّة، وهذا معناه إرجاع خيار الغبن إلى خيار تخلف الشرط ثُمّ إرجاع خيار تخلف الشرط الى خيار الشرط يعني إلى شرط الخيار.

وفرق هذا عن الوجه الثالث، أنّه هناك: أرجعنا خيار الغبن الى خيار تخلّف الشرط، وهنا أرجعنا خيار تخلّف الشرط إلى شرط الخيار وهذا هو مبنى مدرسة المحقّق النائيني، فانهم يرجعون تمام هذه الخيارات إلى شرط 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() المغبون اشترط على الغابن. (المقرر ). 

(2) وهنا سأل سائل: عن فرقه عن الوجه الثاني.

فقال: في الوجه الثاني كنّا نقول: بأن تخلّف الشرط يوجب الضمان بعنوان الضمان، أمّا هنا -ابتداءً- تخلّف الشرط موجب للخيار بعنوان تخلف الشرط، بلا إدخال عناية ضمان الغرامة. وبهذا يكون هذا الوجه أحسن من الوجه الثاني. (المقرِّر).

(3)  فيكون شرطاً ضمنياً في ضمن الشرط الضمني. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الخيار، غاية الأمر أنّه شرطٌ مستبطن في ضمن الشرط الأصلي، وهو اشتراط المساواة بين المالين.

وإذا انتهينا إلى ذلك، فأيضاً نقول: بأنّ هذا الحق ثابت بالارتكاز العقلائي، فيكون نفيه ضررياً، فيطبق عليه (لا ضرر)؛ فخلاصة الكلام في هذا المقام: إنّنا متى ما انتهينا بالتالي إلى حقّ للخيار يكون ثابتاً بالارتكاز العقلائي للمغبون على الغابن، نقول: إنّ نفي هذا الحقّ في الشريعة ضرر في النظر العقلائي. إذن، فبنفي نفيه ويثبت وجوده بـ(لا ضرر)؛ فنمض هذا الحقّ بالقاعدة. 

أمّا الصناعة العقلائيّة لهذا الحقّ، فلها أربع وجوه بحسب تحليل الارتكازات العقلائيّة.

هذا هو التقريب الثاني السالم عن أهم تلك الإشكالات التي وردت على التقريب السابق.

التقريب الثالث للمحق العراقي 

التقريب الثالث: للتمسّك بالقاعدة في مقام إثبات خيار الغبن. وهو أشير إليه أيضاً في كلمات المحقّق العراقيالتي ذكرناها على وجه الاختصار في بداية هذا البحث.

وهو تقريب القاعدة بلحاظ الضرر الغرضي -على ما يعبر عنه- فإنّ غرض المتعاملين هو تبديل المال مع التحفظ على مقدار الماليّة، وهذا الغرض حيث إنّه يفوت المغبون؛ فيكون فواته بنفسه ضرراً، باعتبار خسارته لغرضه وحرمانه منه.

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وذكر المحقّق العراقي: أنّ هذا الضرر الغرضي لا يختص -على تقدير التسليم به- بخصوص موارد خيار الغبن، بل يعم موارد خيار تبعض الصفقة وخيار العيب، فإنّه في تمام هذه الموارد يكون هناك ضرر غرضي، باعتبار فوات الغرض، سواء كان هناك ضرر مالي أو لم يكن.

إلّا أنّ الكلام في أن هذا الضرر الغرضي الذي هو عبارة عن فوات الغرض هل يصدق عليه عنوان الضرر أو لا؟

 ذكر المحقّق العراقي أنّه لا يصدق عليه عنوان الضرر وإلّا للزم أنّ المتعامل لو فات غرضه فيكون متضرراً. لو كان غرضه الاستشفاء بمثل هذا الدواء، فلم يترتب عليه ذلك فيكون متضرراً. ففوات الغرض أمر شائع في المعاملات العقلائيّة، ولا يعتبر ضرراً في المقام.

وتحقيق هذه النقطة على ضوء بعض ما تقدم منا في مقام شرح كلمة الضرر والضرار. حيث قلنا بأن عنوان الضرر قد يصدق على فوات الضرر. وهذا العنوان هو الذي يطبق في موارد الخسارة التجاريّة، فيما إذا لم يربح التاجر، وبقي محتفظاً برأس ماله بلا زيادة، فهنا يصدق عليه الضرر، مع أنّ عدم الربح عدم منفعة زائدة وليست نقصاً، فلماذا أطلق عنوان الضرر على مجرّد عدم الربح؟

قلنا هناك: إنّ النكتة المصححة عرفاً لإطلاق عنوان الضرر على مجرّد عدم الربح بالنسبة إلى التاجر، هو أنّ هذا فوات لغرضه التجاري، لأنّه – بما هو تاجر- يكون له غرض بالاسترباح وإنماء ماله، فلو فات غرضه يصدق عليه أنّه تضرّر بلحاظ فوات الغرض، وذلك لأنّ فوات الغرض يعتبر نحو فتور في 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ذلك الغرض ونحو نقص فيه، فكلّ صاحب غرض مقيداً بغرضه المخصوص، لو فاته ذلك الغرض لصدق عليه عرفاً أنّه تضرر ووقع في نقص -لا بما هو إنسان- بل بما هو صاحب هذا الغرض. وإلّا فأخوه الإنسان -الذي ليس بتاجر- إذا لم يربح لا يصدق عليه أنّه تضرر، وإنّما يصدق عليه الضرر بما هو تاجر، أي بما هو صاحب غرض مخصوص في الاستنماء والاسترباح. فكلّ انسانٍ إذا أخذ الغرض حيثيّة تقييديّة فيه، فحينئذٍ يصدق على فوات ذلك الغرض أنّه نحو نقص في ذلك الإنسان بما هو متحيّث بتلك الحيثيّة التقييديّة.

ومن هنا قلنا في ذلك المقام: إنّ هذا ضرر نسبي إضافي، وليس ضرراً على الإطلاق، فإنّه ضرر له بما هو تاجر وصاحب الغرض الفلاني، لا بما هو هو. 

ومن هنا قلنا أيضاً: إنّ هذا الغرض -الذي هو مصحح صدق عنوان الضرر على الشخص- مؤونة زائدة لا قرينة على أخذه، فحينما يطلق عنوان الضرر لا يشمل مثل ذلك، لأنّ هذا ليس ضرراً على الإطلاق، بل هو ضرر بلحاظ حيثيّة تقييديّة يحتاج اخذها في الشخص إلى مؤونة زائدة وقرينة فائقة. ومع عدم هذه القرينة لا دليل على اخذ هذه الحيثيّة، فلا مصحح لتطبيق عنوان الضرر على النقص الغرضي الناشئ من ناحية فوات الغرض. هذا كلّه تقدم منا في المقام الثاني أو الثالث.

إلّا أنّه قد يتفق أن يكون الغرض من العمومية والنوعية والثبات والانتشار في الاذهان العقلائيّة، بحيث يكون كأنّه مستبطن في فرض الإنسان بلا حاجة إلى مؤونة زائدة وقرينة فائقة. 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وقلنا هناك: إنّ بعض الاغراض المعامليّة بلغت إلى هذه المرتبة كغرض التحفظ على أصل المالية، فإنّه من المحتمل أن يكون من هذا القبيل من الاغراض، بحيث إنّه مستبطن في نفس الإنسان، فحينما يقال: (لا ضرر على مؤمن)، فالمؤمن أخذ فيه أن يكون له غرض في التحفظ على ماليته، كما أخذ فيه أن يكون له غرض في التحفظ على عرضه أو نفسه.

ومن هنا يمكن أن يفرق بين هذا النحو من الغرض وبين الأغراض التي نقض بها المحقّق العراقي، فإنّ تلك الأغراض أغراض شخصيّة اتفاقيّة، كمن يشتري كتاب الكفاية لكي يدرسه ويفهمه فدرسه ولم يفهمه. وهذا غير مسألة الأغراض التي يقوم عليها أساس التعامل في المجتمعات العقلائيّة.

وهذه الدعوى قريبة من النفس إلّا أنّ الجزم بها ممّا لا يتأتّى لي. هذا ما يمكن أن يقال في صناعة هذا التقريب، ويبقى مسألة الجزم به من ناحية الاستظهار يرجع إلى كلّ شخصٍ ووجدانه الخاصّ(1).

هذا هو التقريب الثالث.

وبهذا تم البحث من التمسك بالقاعدة لخيار الغبن.

بقي موردان في الكلام المحقّق العراقي: 

أحدهما: مورد تعارض الضررين، وهذا حيث إنّه أحد تنبيهات المسالة مستقلاً فسوف يأتي الحديث عنه بعنوان التنبيه. 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هناك، في ذاك المقام جزمتم به؟

فقال: بلي. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ثانيهما: ما إذا غاب الزوج عن زوجته مدّة معينة من الزمان، فيحكم بالطلاق تمسكاً بـ(لا ضرر). وهذا الفرع سوف يأتي التعرض له أشد في فقه (لا ضرر) الذي أشرنا إلى أنّه مقام برأسه، ومن هنا أيضاً نحوّله على ذلك المكان.

وبهذا نكون قد استوفينا الفروع التي تعرض لها المحقّق العراقي. وبقي على هذا فذلكة المقام(1).

ــــــــــ[125]ــــــــــ

() وهنا ذكر السيّد فكرة مختصرة عن فذلكة المقام إلّا أنّه وعد بتكرارها تفصيلاً بعد ما يعود من الحج برعاية الله فنستغني بذلك عن هذا. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 














فذلكة البحث 

 

يظهر(1) ممّا تقدّم من البحوث أنّ الضرر على قسمين: 

فتارةً: يكون الشيء مصداقاً لهذا العنوان بطبيعته، بحيث يكون مصداقاً تكوينياً للضرر كقطع اليد ونقص الكرامة. 

وأخرى: يكون مصداقاً من الضرر بلحاظ نظر خاص، بحيث يختلف من نظر لآخر من قبيل الاضرار التي تحصل نتيجة لافتراض حقوقٍ مجعولة في المرتبة السابقة.

فإنّ الضرر الحاصل من حرمان شخص من حقّه إنّما يكون ضرراً بذلك النظر الذي به يكون ذاك الحقّ حقاً. 

وأمّا بنظر آخر لا يعترف بذلك الحقّ لا يطبق هذا العنوان على هذا المصداق الخارجي. 

وقلنا: بأن القاعدة المستفادة من الحديث المبارك تشمل كلا هذين القسمين، وموارد استدلال الفقهاء جملة منها ترجع إلى القسم الأوّل وقسم منها ترجع إلى القسم الثاني.

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() قال: بعد عنونة المحاضرة بفذلكة البحث، قال: (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأيضاً تقدّم أنّ هذا القسم الثاني من الضرر النظر المحكم فيه، هو النظر العقلائي والعرفي، فإذا كان بحسب هذا النظر وبحسب المناسبات التشريعيّة والمركوز في أذهان العرف والعقلاء، كان ضرراً ومصداقاً من حرمان الشخص من حقّه، فيكون مشمولاً للحديث. 

ومن هنا قلنا: إنّ الحديث المبارك يعتبر بحسب الحقيقة دليل امضاء للارتكازات العقلائيّة الداخلة تحت هذا العنوان.

[تحكيم النظرة العقلائية في (لا ضرر)]

إلّا إنّنا في هذه الفذلكة أردنا أن نحقّق ذلك بنحو أكثر تفصيلاً، حيث إنّ تعين النظر العقلائي لكي يكون هو المعيار في تطبيق هذا العنوان على مصاديقه من القسم الثاني له تقريبان:

[التقريب الأول: التمسك بالإطلاق المقامي]

التقريب الأوّل: التمسّك بالإطلاق المقامي، نظير التمسّك بالإطلاق المقامي في أدلّة المعاملات، فإنّه سبق في بحث الصحيح والأعم أنّ هناك من يقول في أسماء المعاملات كالبيع موضوع للصحيح، ويقصد بالصحيح المؤثر واقعاً، وحيث إنّ العقد المؤثر واقعاً يختلف باختلاف الانظار، فإنّ العرف قد يرى أنّ هذا عقد مؤثر واقعاً، وناظر آخر يرى أنّ هذا عقد غير مؤثر واقعاً، ولهذا احتجنا إلى تحكيم ونظر ومقياس لتمييز ما هو العقد المؤثر واقعاً من غيره. فقال هذا القائل: إننا نتمسك بإطلاق أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) لإثبات أنّ 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

كلّ ما يكون بيعاً صحيحاً عند العقلاء فهو بيع نافذ شرعاً، وأراد بهذا الإطلاق الإطلاق المقامي لا اللفظي؛ لأنّ لفظة البيع عنده دالة على العقد المؤثر واقعاً، وكون البيع العقلائي مؤثراً واقعاً أوّل الكلام، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق اللفظي، ولكن نتمسّك بالإطلاق المقامي، وقال: بأنّ الشارع حيث علّق الحكم على العقد المؤثر، وحيث إنّ المؤثرية أمر يختلف باختلاف الانظار، ولم يبين نظراً خاصاً في تحديد هذه المؤثريّة، فسكوته عن بيان نظر خاصّ يكون ظاهراً عرفاً بترتيب مقدّمات الحكمة في أنّه عوّل على النظر المعاشر للناس المستمعين، وهو نظر العرف والعقلاء. فهذا السكوت رضاء ضمني بالنظر العقلائي العامّ.

وهذا الإطلاق المقامي يثبت أنّ كلّ ما هو عقد مؤثر في نظر العقلاء فهو عقد مؤثر واقعاً في نظر الشارع.

وسنخ هذا الإطلاق المقامي الذي تقدم في بحث الصحيح والأعم يمكن أن يدعى في المقام أيضاً، ويقال: بأن القاعدة تنفي كلّ حكمٍ يؤدي إلى الضرر بالنظر الصحيح، ولكن لم يبين ذلك النظر الذي به يميز كون هذا ضرراً وعدم كونه(1) كذلك. فالأصل فيه -حيث لا يبيّن- أن يكون (2) التعويل في هذا النظر 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

() فلو اقتصرنا على كلام الشارع ولم ننظر الى مقامه يكون الكلام مجملاً.  (المقرِّر).

(2) فإنّه إذا كان في مقام البيان ولم يبيّن أي نظر مخصوص. إذن، فقد عوّل على الواقع المعاشر عند المستمعين في تشخيص المصاديق. فكأنّه قال -بمقامه لا بمقاله-: إنّ هذا هو النظر الصحيح. (تكرار في المحاضرة). ويرجع هذا الاطلاق المقامي الى دليل إمضاء الارتكازات العقلائية. سيأتي الحديث عنه، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المعاشر عند المستمعين والعقلاء المخاطبين؛ فكلّ ما يرونه مصداقاً للعنوان يكون مصداقاً له أيضاً في نظر الشارع.

وهذا التقريب -لو تمّ- يقتضي تحكيم النظر العقلائي المعاصر لعصر صدور النصّ من قبل النبي، فإنّ هذا الإطلاق المقامي لا يقتضي أكثر من هذا المقدار، وهو أنّه سكت عن بيان المطلب تعويلاً على ما هو الواقع عند المستمعين، فكأن النظر الموجود عندهم كان كالقرينة المتّصلة، فحيث لم ينصب قرينة غيرها مساوقة مع تصريحه بالاعتماد عليها. وما هو المتّصل بالخطاب إنّما هو الارتكاز الذي كان يعيشه المعاصرون في ذلك العصر، فيكون النظر العقلائي في ذلك العصر هو المحكَّم في تشخيص المصاديق من القسم الثاني لهذا العنوان.

فلو فُرض أنّ هناك مصاديق من القسم الثاني بحسب نظر عقلائي متأخر عن عصر صدور النصّ(1)، وحصلت ارتكازات عقلائيّة اُخرى اقتضت تطبيقات جديدة لعنوان الضرر، فلا يشمله هذا النصّ هذا على التقريب الأوّل.

[التقريب الثاني: التمسك بالإطلاق اللفظي]

التقريب الثاني: الذي يقرب به تحكيم النظر العقلائي، هو أن يقال: بأنّ تحكيم النظر العقلائي ناشئ من الإطلاق اللفظي لا من الإطلاق المقامي؛ وذلك لأنّ الشارع بما هو مستعمل للكلام لكلمة الضرر في معناها، يلحقه قانون كلّ مستعمل في العرف، وكلّ مستعملٍ عرفي لكلام في معنى يريد به تمام الافراد التي ينطبق عليها هذا العنوان انطباقاً تكوينياً واقعياً، أو الأفراد التي 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() من قبيل التأمين وحقّ الطبع ونحوه مما هو من بنات الفكر الحديث. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ينطبق عليها بحسب نظر العرف والعقلاء إذا كان للعنوان أفراد تختلف من نظر إلى نظر آخر. كعنوان التعظيم الذي له أفراد واقعية كالإطاعة، وأفراد تختلف من نظر الى نظر. فلو وقع التعظيم مستعملاً في كلام عرفي يحمل على أنّه يشمل تمام الأفراد الواقعيّة والأفراد التي تكون تعظيماً بحسب النظر العرفي العقلائي العامّ؛ فالنظر العرفي العام يوجب توسعة دائرة الافراد المرادة من المعنى المستعمل فيه.

فحينما يقول: (لا ضرر)، يعني أنيّ لا أحكم حكماً يكون ضررياً واقعاً أو ضررياً في نظر العقلاء من أوّل الأمر فيكون معناه ذلك، فإنّ كلّ لفظٍ إذا استعمله واحد من أهل العرف يريد منه تمام الأفراد الداخلة في دائرة معناه حقيقة أو بالنظر العرفي والعقلائي، وإذا كان السنخ معنى له أفراد من هذا القبيل ممّا تختلف فيه الأنظار. فهنا توسع دائرة التطبيق وفق للنظر العرفي. هذا هو التقريب الثاني.

وهذا التقريب لو تمّ يمكن أن يدعى حينئذٍ بأنّه يشكل قضيّة حقيقيّة، لا خارجيّة، وينتج أنّ كلّ ما يكون ضررياً ولو بلحاظ ارتكازات متأخرة تحصل بعد هذا، فهذا أيضاً يكون مشمولاً لدائرة اللفظ، كما لو قال المولى: (عظّم)، وفرض أنّه أصبحت – بعد مئة سنة- الإشارة الفلانيّة واعتبرت بحسب الارتكاز العقلائي تعظيمياً (1)، فإنّه يدخل تحت الأمر يكون امتثالاً أيضاً، فكذلك 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() أقول: كرفع القبعة عند الافرنج وإخراج اللسان أو الملامسة بالأنوف عند بعض القبائل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هنا، تكون القضيّة حقيقيّة وشاملة لتمام الارتكازات المتجددة شيئاً بعد شيء.

وهذا الكلام بقطع النظر عن صحّته وعدمها كبروياً، لا يمكن تطبيقه(1) على محلّ الكلام. وذلك: لأننا لا نحتمل أن يكون التشريع الالهي المجعول في القاعدة أخذ تابعاً للضرريّة الحاصلة من النظر التشريعي للعرف والعقلاء، المتجدّد عبر الزمن. يعني لا يحتمل أن يكون النظر العقلائي المتجدّد عبر الزمن يكون مأخوذاً على وجه الموضوعية لهذا الحكم الشرعي، أي الحكم بنفي الضرر. بحيث يعلّق الشارع أحكاماً على صدق عنوان الضرر بحسب الارتكاز العقلائي المتجدّد عبر الزمن.

فإنّ المعقول من ربط الحكم الشرعي بهذا الارتكاز أن يكون ربطاً بنحو المعرفيّة، لا أن يكون ربطاً بنحو الموضوعيّة. وهذا يُتصوّر فيما لو قصر النظر على الارتكاز المعاصر في أيام النبي فإنّه يمكن للنبي أن يقول: بأني لم أجعل حكماً ضررياً، لا بمعنى الضرر الواقعي، ولا بمعنى الضرر العقلائي(2). لا بمعنى أن كونه ضرراً عقلائياً هو موضوع الحكم من قبل الشارع، بل بنحو المعرفيّة، يعني أن حكمي منسجم مع أحكام العقلاء، وقد أمضيت أحكامهم. وهذا معنى معقول.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

() يعني التقريب الثاني. (لمقرّر).

(2) بل معناه جعل نفس الارتكاز العقلائي مدارا للتحريم والتحليل فحينما يتحوّل الارتكاز العقلائي يتحوّل الحكم الشرعي على طبقه. وهذا في نفسه غير محتمل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا لو أُخذ هذا الارتكاز بنحو القضيّة الحقيقيّة القابلة الانطباق على أي ارتكاز عبر الزمن، فهذا يكون معناه: بأنّ الحكم الشرعي يكون تابعاً للحكم العقلائي والنظر التشريعي لهم. فمتى ما اقتضى ارتكازهم شيئاً يتحوّل الحكم الشرعي على طبقه. وهنا لا معنى لغرض المعرفيّة؛ لأنّه ليس هناك ارتكازات محدودة معينة بين يدي النبي، ويقول بأنّني أمضيها(1)، بل هناك ارتكازات مجهولة مقدرة الوجود بنحو القضّية الحقيقيّة، وهذا في نفسه غير محتمل في هذا الجعل. (يعني باعتبار أنّ المفروض في النبي حينما يتكلّم لا يلحظ العلم الغيبي).

وحينئذٍ، فوضوح وبداهة عدم تبعية الحكم الشرعي لمثل هذه الارتكازات العقلائيّة، ومثل هذا الوضوح بنفسه يكون صادقاً للكلام عن الظهور في هذا الوجه، لو كان له ظهور فيه في المرتبة السابقة ويتعيّن حينئذٍ، الاقتصار على خصوص الارتكاز المعاصر للقاعدة، تلك النكات المركوزة في أذهان العقلاء، التي كانت موجودة حين صدور هذه القاعدة، وتكون القاعدة إمضاءً لتلك الارتكازات، إمّا بنحو الإطلاق المقامي، وإمّا بنحو الإطلاق اللفظي، لكن مع الاقتصار على خصوص تحكيم النظر العقلائي المعاصر وقتئذٍ.

وبناءً على هذا لا يمكن بهذا القاعدة إذا صار عبر الزمن ارتكاز عقلائي يقتضي أنّ العامل -تأثراً بالمذاهب الاشتراكيّة- له حقاً في الربح، بحيث يكون عدمه ضرراً بهذا الارتكاز العقلائي حقيقة. وحينئذٍ لا نطبق القاعدة، لأنّها لم 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() جواباً على سؤال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

تجعل حكماً على طبق الارتكاز العقلائي بنحو القضيّة الحقيقيّة، وإنّما هي قاعدة في مقام الإمضاء من باب بيان أن شريعتي لا تنافي مع هذه الارتكازات، والإمضاء لا يكون إلا بلحاظ ارتكازات معينة محدودة، وهذا لا يكون إلّا بالنسبة إلى الارتكازات المعاصرة لعصر صدور النص من قبل النبي.

هذا تمام الكلام في فذلكة المقام(1).

[التحقيق في المقام]

هناك(2) بعد تقسيم الضرر الى تكويني وعقلائي:

 والضرر التكويني مشمول للدليل على القاعدة بلا حاجة الى تقريب فائق ومؤمنة زائدة. ولو فرض أنّه ثبت هذا الضرر التكويني من ناحية حكم شرعي فيلتزم بأنّه تخصيص في (لا ضرر).

ــــــــــ[133]ــــــــــ

() وهنا سُئل السيّد: عن بعض الثمرات التي أشار إليها قبل الحج لهذين الوجهين، وأهمها هو حكومة (لا ضرر) للأدلة الاوليّة على أحد الوجهين وتخصيصها لها على الوجه الآخر؟

 فأجاب. بما حاصله: أنّ النتيجة بعد أن كانت واحدة على كلا الوجهين، وأنّ القاعدة لا تشمل إلّا ارتكازات عقلائيّة معيّنة هي المعاصرة مع عصر التشريع، فلا يهم بعد ذلك أنّها تكون كذلك بنحو الحكومة أو بنحو التخصيص. وإنّما كان الكلام في هذه الثمرة عملياً قبل النكتة التي ذكرناها في الوجه الثاني. (المقرِّر).

(2) أقول: سأحاول الآن أن اذكر الزوائد التي كانت في فذلكة البحث التي ذكرها قبل العطلة، مع إسقاط ما كرره في هذه المحاضرة: قال: هناك… (المقرِّر).  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [تقريب شمول القاعدة للضرر العقلائي]

[الأمر الأول:] وأمّا الضرر العقلائي، فتقريب شمول القاعدة له يكون بأحد وجهين دمجناهما فيما سبق تعديلاً على بحث فذلكة المقام، وسوف يؤثر هذان الوجهان في صناعة الاستنباط من هذه القاعدة(1). وهو التقريب الذي كان يغلب على منطقنا حينما كنا نبيّن، فإنّ(2) لفظ الضرر أو التعظيم يراد به ما يكون فرداً في نظر الشارع، لا ما يكون فرداً في نظر العقلاء. فقولنا (عظّم العالم) يعني أوجد الشيء الذي هو في نظري تعظيم، و(لا ضرر) يعني لا يوجد شيء هو في نظري ضرر. وهذا بخلافه على الوجه الأوّل، إذ قلنا هناك: إنّ معنى (عظّم العالم) يعنى أوجد ما هو في نظر العقلاء تعظيم، و(لا ضرر) معناه: لا يوجد ما هو في نظر العقلاء ضرر.

وأنا لا أدرى أن هذا في نظره تعظيم أو لا؛ فيكون شبهة مصداقيّة لا محالة، فلا يجوز التمسك بالإطلاق اللفظي. لكن هنا ينعقد إطلاق يسمى في كلماتهم بالإطلاق المقامي(3).

وهذان الوجهان من جملة الثمرات المهمة المترتبة على كلّ واحدٍ منها، فإنّه 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

() ثُمّ قرّر أحد الوجهين وهو التمسك بالإطلاق اللفظي لكلمة الضرر، وقال: … (المقرِّر). 

(2) وبدأ بذكر الوجه الثاني وهو التمسك بالإطلاق المقامي فقال فيما قال: إن… (المقرِّر).

(3) وقرّبه كما سبق. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بناءً على الإطلاق المقامي يكون أي حكم يثبت في الشريعة ضررياً عقلائياً فيكون تقييداً للإطلاق المقامي. ويكون نسبته إلى هذا الإطلاق نسبة المعارض، فإذا فُرض كونه أخصّ منه، فيعامل معاملة المقيد والمطلق. وأمّا على الوجه الأوّل إذا فُرض أنّ اللفظ انصب على ما يكون ضرراً، وهذا يكون ضرراً من الأنظار العقلائيّة، فلو دلّ دليل على أنّ للشارع في هذا الفرد نظراً مخصوصاً غير نظر العقلاء، فهذا يكون حكومة بحسب الحقيقة، إذ مرجعه أن (لا ضرر) في نظري وان كان ضررياً في نظر العقلاء. فالربا بين الوالد وولده ربا في نظر العقلاء، ولكنه ليس ربا في نظري؛ فيثبت أنّ للشارع في هذا الفرد نظراً غير نظر العقلاء(1).

وبناءً على هذا فأي دليل يدل على ثبوت حكم يكون ضرراً بالضرر العقلائي يختلف معاملته مع (لا ضرر) على الوجه الثاني عن معاملته على الوجه الأوّل.

[هل المناط نظر العقلاء في عصر التشريع أو العقلاء في كل زمان]

الأمر الثاني: هل المناط هو نظر العقلاء المعاصرين لعصر التشريع أو العقلاء حتّى لو تجدّد لهم نظر بعد هذا، كحقّ الطبع للمصنف أو السرقفليّة أو 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا يكون تخصيصاً، لكنه تخصيص بحسب واقعه حكومة. يعنى أنّ الشارع لا يقول: إني ارى استحقاقاً لجعل خيار الغبن، لكن مع هذا لا أجعله، فإنّه لو كان هكذا لصار تخصيصاً. الذي يفهم من قوله: لا خيار غبن، أنّه يقول: أنا لا أرى استحقاقاً له، يعني لا أرى حيثية تُحتّم أن أعطيه هذا الحقّ، وتلك الحيثيّة المركوزة في الاذهان العقلائيّة انا لا اعترف بها. فهذا بحسب الحقيقة انكار لتلك الحيثيّة التي بها يرى العقلاء أنّ هذا ضرر عليه؛ فهذا يكون حاكماً عليه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

التأمين، فهل القاعدة تشمل مثل هذه الامور المتجدّدة أو لا؟

فإنّه بناءً على الإطلاق المقامي لا يشمل؛ لأنّ القدر المتيقّن من إمضاء الارتكازات المعاصرة وقتئذٍ، وبناءً على الوجه الآخر يمكن أن يُدّعى شموله على تفصيل وتحقيق في هذه الثمرة وفي الثمرة الأولى ممّا لا يتسع له المقام(1).

[التقريب الأول]

أمّا(2) التقريب الأوّل: وهو الإطلاق المقامي، فصحته تتوقف على أمرين: 

الأمر الأوّل: هو أن لا يتمّ الإطلاق اللفظي، الذي يُدّعى في التقريب الثاني؛ إذ لو تمّ الإطلاق اللفظي، لم تصل النوبة الى المقامي، بل يكون اللفظي مغنيّاً عنه. فالانتهاء إلى المقام بعد الاعتراف بإجمال اللفظ.

 الأمر الثاني: أنّه يتوقف على تمامية مقدّمات الحكمة بلحاظ المقام التي منها كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الناحية بالرغم من أنّ كلامه مجمل مع هذا يستكشف بقرينة أنّه في مقام البيان؛ فإنّ تمّ هذان الأمران يتم التقريب الأوّل، وإلّا لا يتم.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() وهنا أجاب عن سؤال: عن أن أي وجهين هو الصحيح؟

 فقال: بحسب مختاري الوجه الأوّل هو الصحيح يعني الإطلاق اللفظي.

 أقول: اتضح كلّ ذلك من المباحث السابقة. (المقرِّر). 

(2) لخص أولاً التقريبين للتمسك بالأفراد الاعتبارية العقلائية للضرر، وهما التمسك بالإطلاق المقامي للمولى والتمسك بالإطلاق اللفظي لكلمة الضرر. ثم قال: أمّا… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [التقريب الثاني]

وأمّا التقريب الثاني -وهو دعوى سعة دائرة اللفظ وانعقاد الإطلاق اللفظي المغني على الإطلاق المقامي-: فهذا يرجع إلى تنقيح هذه الكبرى، وهي أنّ الأفراد التي تكون أفراداً بنظر العرف، هل يشملها الخطاب وإلى أي مقدار يشملها؟

 وهذه الكبرى يحسن تحقيقها هنا لكي نعرف أنّ المقام داخل تحت أي من أقسامها، فنقول: إذا ورد خطاب فيه عنوان، وكان لهذا العنوان أفراد في نظر العرف، وهذه الافراد تنقسم إلى اقسام ثلاثة:

القسم الأوّل: تارةً تكون أفراداً بنظر العرف بحيث يكون نظره مجرّد كاشف عن الواقع المحفوظ في المرتبة السابقة، كما لو فرض أنّه ورد (أكرم العالم)، والعرف يرى أن زيد ان أرقم عالم. فهذا الارتكاز يكون نظراً طريقيّاً صرفاً في مقام اكتشاف الواقع، وليس نظراً إنشائياً جعلياً.

القسم الثاني: أن يكون نظر العرف دخيلاً في فرديّة الفرد فيكون النظر انشائياً لا أخبارياً وكاشفاً؛ فيكون له دخل في إنشاء وجعل هذه الفردية، من قبيل أفراد عنوان التعظيم، فإنّ هذا العنوان -كما ذكرنا مراراً- له أفراد تكوينيّة لا يحتاج فرديّتها إلى نظر إنشائي من العرف، كطاعة الأمر.

 وله أفراد تحتاج إلى النظر الإنشائي كالإنحناء وغيره من المجاملات، فهي بنظر العرف تكون أفراداً للتعظيم، وهذا النظر هنا ليس مجرّد حكاية عن واقع، بل هو إنشاء له من قبل التباني العرفي.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

لكن في طول هذا النظر الإنشائي، يكون هذا الفرد مصداقاً للتعظيم حقيقة، حتّى عند من لم يشارك في هذا النظر الإنشائي، فلو سُئل أنّه ماذا صنع فلان مع فلان قال: إنّه عظّمه، ولو كان لم يشارك في هذا النظر الإنشائي، كالقيام في أعرافنا للوارد، فلو اطلع شخص لا يشارك في هذا النظر الإنشائي على أنّ زيداً قام لعمرو فيقول: (إنّ عمراً أعظم زيداً)؛ لأنّ هذا القيام في طول ذلك النظر الإنشائي أصبح مصداقاً حقيقياً للتعظيم؛ لأنّ التعظيم ليس له معنى إلّا إبراز اعتقاد هذا المؤمن بعظمة ذلك المؤمن، وهذا الإبراز تحقّق حقيقة.

حال ذلك حال الدوال اللفظيّة؛ فلو قال له: يا مولاي. فقوله باللغة العربيّة، وكاشفية هذا اللفظ من معناه يكون بنظر إنشائي من قبل العرف العربي خاصّة، أمّا الأعراف غير العربيّة فلم تساهم في هذا النظر الإنشائي. ولكن مع هذا أي شخص غير عربي لو اطلع على المطلب يقول بأنّ الذي قال: يا مولاي، قد عظّم ذلك الشخص الآخر.

ففي طول هذا النظر الإنشائي يصبح هذا القصد مصداقاً للتعظيم بقول مطلق، حتّى عند من لم يساهم في ذلك النظر الإنشائي. فالنتيجة واسم المعنى المصدري ليس نسبياً، ولكن المعنى المصدري نسبي يعني عمليّة الإيجاد مخصوصة بهذا العرف، لكن نتيجته مطلقة لا تختلف باختلاف الانظار.

القسم الثالث: يكون كالقسم الثاني في أنّ النظر العرفي إنشائي لا إخباري، ويكون له دخل في فرديّة الفرد، ولكن هذا الذي هو إنشائي لا إخباري يكون 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

قيداً حتّى في النتيجة، بحيث إنّ فرديّة هذا الفرد ليست مطلقة وثابتة عند كلّ واحدٍ، بل هي ثابتة بمنظار ذلك النظر الإنشائي، أمّا بحسب منظار آخر فلا يكون فرداً. فكما أنّ النظر الانشائي الدخيل في إيجاد الفرديّة مربوط بعرف وناظر مخصوص النتيجة أيضاً مربوطة به، وليست امراً مطلقاً. من قبيل عنوان النقص فإنّ له أفراداً تكوينيّة حقيقيّة غير محتاجةٍ إلى النظر. وهناك نقص يحتاج إلى نظر كالنقص في المال فإنّه نقص من ماله بذلك النظر الذي يقول: إنّ هذا مال له؛ فمصداقيّة هذا الزوال للمال لعنوان النقص بالنسبة إلى زيد إنّما هو باعتبار نظر تشريعي للعرف، وأنّه يرى أنّ هذا المال مال زيد، فإذا أُخذ منه فقد نقص. وهذا النقص الذي هو النتيجة ليس أمراً مطلقاً يتساوى فيه من يراه مالكاً ومن لا يراه، كما هو الحال في التعظيم، بل يختلف فيه من يراه مالكاً عمّن لا يراه كذلك، فإنّ من لا يرى أنّ هذا الشخص مالك لهذه الأموال؛ لأنّه جمعها لأسباب غير مشروعة، فلو أُخذت من هذه الاموال لا يراه نقصاً فيه؛ فمصداقية هذا الزوال لعنوان النقص أيضاً نسبي. يعنى: النتيجة أيضاً هنا نسبية ومربوطة بذلك النظر الخاصّ، دون نظر آخر. هذا هو القسم الثالث.

أمّا القسم الأوّل من هذه الاقسام الثلاثة فلا إشكال في أنّ نظر العرف الطريقي الأخباري المحض ليس له أي دخل في ميزانية شمول الدليل فإنّ شمول قولنا: (أكرم العالم) لزيد بن أرقم تابع لواقع علمه، فإن كان عالما يشمله الخطاب وإلّا لا يشمل وإن اعتقد الناس جهلاً بعلمه، واعتقاد الناس بأن فلاناً عالم لا يجعله مشمولاً لخطاب: (أكرم العالم)؛ لأنّ كلمة العالم موضوعة لمعناها 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الواقعي، وهذا واضح. وهذا من دون فرق بين اعتقاد العرف المعاصر أو اعتقاد الأمر المتأخر.

وأمّا القسم الثاني -وهو ما يكون فرداً بحسب نظر عرفي إنشائي، ولكن النتيجة تكون صادقة بقول مطلق، من قبيل أفراد عنوان التعظيم-: فهنا لابدّ من الالتزام بأنّ الخطاب يشمل هذه الأفراد، فإنّ خطاب (عظّم العالم) يشمل ما يكون فرداً بالنظر العقلائي لعنوان التعظيم؛ وذلك لأنّ هذا فرد حقيقة لعنوان التعظيم، ولا يحتاج تطبيق عنوانه عليه إلى أي عناية في مقام فرديته. نعم، إيجاد الفرديّة كان محتاجاً إلى عناية، لكنه في طول العناية أصبح فرداً حقيقة، فالآن هو فرد بلا عناية لأجل العناية السابقة، وإذا كان فرداً حقيقة؛ فيشمله إطلاق اللفظ، كما يشمل الافراد الحقيقيّة.

وفي هذا القسم نقول: بشموله لتمام الافراد العرفيّة المتجدّدة حسب تطوّر الأعراف العقلائيّة، فلو استجد اسلوب جديد للتعظيم، فيكون إطلاق (عظّم العالم) شاملاً له؛ لأنّ في طول هذا النظر العقلائي الجديد يكون هذا فرداً حقيقة له، والمفروض أنّ (عظّم) يكون بنحو القضيّة الحقيقيّة الشاملة لأي فرد يفرض، وليس هذا من باب تبعية الشارع لتشريع العقلاء، فإنّ التعظيم وقع هنا موضوعاً للحكم الشرعي، فإنّ الحكم -وجوب التعظيم- جعله الشارع على عنوان تحدث له أفراد بالتدريج، كما تحدث للماء أفراد بالتدريج، كعيون جديدة. فتزداد الأفراد بالتدريج، غاية الأمر تارةً تزداد بأعمال طبيعيّة واُخرى بعنايات عقلائيّة، وعلى أي حال يشملها الإطلاق بلا إشكال.

القسم الثالث: أن يفرض كون النظر العرفي نظراً إنشائياً، لكن النتيجة 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

نسبية لا مطلقة، بحيث تكون مربوطة بذلك النظر، وأمّا من لم يؤمن بذلك النظر فلا يرى هذا فرداً من قبيل عنوان النقص في المال.

هذا وسط ما بين الأوّل والثاني، فإنّنا نقول بشمول الإطلاق اللفظي له، لكن لا بنحو القضّية الحقيقيّة، بل بنحو القضيّة الخارجيّة، يعني نقول: بشمول إطلاق اللفظ للأفراد التي تكون أفراداً بنظر العرف الموجود في عصر الخطاب، لا بحسب أنظارٍ لأعرافٍ مستجدّة بعد ذلك العصر.

أمّا أنّه يكون شاملاً للأفراد التي تكون أفراداً بحسب نظر العرف الموجود في عصر الخطاب، فباعتبار أنّ هذا المتكلّم هو أحد هؤلاء العرف، وهو بما هو شارع وإن كان يخالف العرف، لكن بما هو مستعمل للفظ في معناه يجري على حسب طريقة المحاورة عند العرف. وهذا اللفظ بحسب الارتكاز العقلائي يرى قالباً لتمام هذه الأفراد، فهو -أي الشارع- إذا استعمله فالأصل فيه أنّه جعله قالباً لتمام الأفراد التي يجعله عرفه قالباً لها في مقام الاستعمال، فيكون اللفظ شاملاً بإطلاقه اللفظي لهذا الافراد.

وبتعبير آخر: أنّ هذا المستعمل المفروض فيه أنّه يتخذ نفس النظر الذي عند الآخرين فهو بهذا النظر يرى هذا فرداً لهذا العنوان.

 ومن المعلوم أنّ ما يكون فرداً بحسب النظر التشريعي للمتكلّم يكون مشمولاً لإطلاق الخطاب. هذا من حيث الشمول له من حيث القضيّة الخارجيّة.

وأمّا عدم الشمول بنحو القضيّة الحقيقيّة، يعني: أنّ هذا الخطاب لا يشمل حينئذٍ ما يكون مصداقاً بحسب أعراف مستجدّة بعد عصر الخطاب؛ فهذا 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

واضح، وذلك: لأنّ هذا الفرد الذي يكون فرداً لعنوان النقص -بحسب نظر العرفي- استحدثها عرف جديد بعد عصر الخطاب، وهو ليس فرداً حقيقياً، بل هو فرد بتلك النظارة لا بكلّ نظارة. إذن فشمول الخطاب له فرع أن يكون الشارع حين استعماله للفظ قد لبس تلك النظارة حتّى يُرى بهذا للفظ هذا الفرد، وكونه لبس تلك النظارة لا قرينة عليه؛ لأنّ كونه قد لبس نظارة العرف المعاصر لعصر الخطاب، قرينته هو نفس عرفيته وانتسابه إلى ذلك العرف. أمّا أنّه لبس نظارة العرف المتأخر فلا قرينة على ذلك، فلا يمكن تعميم الإطلاق بالنسبة إليه. هذه هي الكبرى الكليّة لتنقيح مدى شمول الخطابات للأفراد العرفيّة العقلائيّة.

وهذه الكبرى لو طبقناها على محل الكلام، نرى أنّه من قبيل القسم الثالث من هذه الاقسام، فإنّ الضرر عبارة عن النقص، فتكون مصاديقه متكوّنة بالنظر العرفي الانشائي، لكن هذا النظر قيد وفي الإيجاد النتيجة أيضاً. يعني: أنّ النتيجة إنّما تكون مصداقاُ بهذه النظارة لا بنظارة اُخرى.

وعليه فيلحقه حكم القسم الثالث، وهو: أن يكون للفظ إطلاق لفظي، بلحاظ الارتكاز الذي كان موجوداً منذ الأوّل دون الارتكازات التي استجدّت بعد ذلك.

[التنبيه على نكتتين في المقام] 

نعم لا بدّ من التنبيه في المقام إلى نكتتين:

النكتة الأولى: أنّ المعيار كون هذا الفرد فرداً بحسب النظر العرفي المعاصر، لا التفات النظر العرفي إلى الفرد. يعني: أنّ العرف قد يكون لم يستحضر هذا 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الفرد في ذهنه، ولكنه لو سُئل عنه لحكم بأنّ هذا ضرر وفرد من مفهومه؛ فهو لم يلتفت إليه بالفعل، لكن لو التفت اليه لحكم بحسب النكات الموجودة عنده بالفعل بأنّ هذا ضرر. فالميزان ليس هو التفات العرف إلى ذات الفرد، بل تطبيق العرف بنظره فرديّة الفرد، وإن لم يكن ملتفتاً إليه بالفعل، فإذا صدّق بفرديّة الفرد، والمفروض أنّ المستعمل نظره نفس نظر العرف في مقام الاستعمال، فمعناه أنّ المستعمل أيضاً مصدّق بفرديّة هذا الفرد بنظره الإنشائي، فيشمله إطلاق خطابه.

إذن، فإذا فرضنا أنّه كانت هناك نكتة عقلائيّة عامّة موجودة منذ عصر التشريع، لكنها لم تكن تتجلى إلّا في أفراد محدودة، باعتبار ضيق سعة الحياة وقتئذٍ، وبعد هذا -باعتبار اتساع الحياة- وجدت لها أفراد اُخرى.  وهذه الأفراد لو التفت اولئك العقلاء بتلك النكتة الصافيّة المشتركة لحكموا أيضاً بالضرريّة فيها، فمثل هذا أيضاً يشمله إطلاق الخطاب.

وهذا ما نسميه بأنّ ملاك النكتة يشمله. يعني يكفي ذلك، ولا يحتاج إلى أن تكون النكتة مطبقة بالفعل بالتفات تفصيلي من قبل اولئك العقلاء.

فنكتة الحيازة أنّ من عمل شيئاً كان له حقّ فيه لم يكن يوجد مجال لتطبيقها في الأمور المعنويّة والاعتباريّة من قبيل حقّ حيازة التصنيف -مثلاً- أو حقّ السرقفليّة. فلو فُرِض أنّ هذه الامثلة كانت مصاديق للنكتة المركوزة في أذهان العرف، غاية الأمر لم يكن هناك إدراك تفصيلي لحقّ التصنيف، لأنّه لم يكن هناك موضوع لمثل هذا الحقّ وإلّا لو التفتوا لما فرّقوا بين حقّ حيازة التصنيف، 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وحيازة الماء من البحر والخشب من الغابة، فمثل هذه الأفراد تكون مشمولة لتلك النكتة.

فالنكتة بملاكها تحكم في (لا ضرر) لا في حدود تطبيقاتها الفعلية في عصر النبي.

النكتة الثانية: إذا كانت نكتة الارتكاز في نظر الفقيه في أي عصر- يعني في هذا العصر- تقتضي نفي الضرريّة، وشككنا في أنّ هذه النكتة كانت موجودة في عصر الخطاب أو لا؟ فمعنى هذا أنّ الخطاب اليوم ظاهر في الشمول لمثل هذا الفرد، لكن نشكّ في أنّ مثل هذا الظهور هل هو مستحدث أو هو موجود في عصر الخطاب؟

 فهنا تجري أصالة ثبات اللغة على ما سميّناها، أو أصالة عدم النقل على ما هو المتعارف في كلمات الأعلام، فإنّه كلّما وجد ظهور في لفظ وشُكّ في تأخره وتقدّمه، يبنى على أنّه كان موجوداً من الأوّل.

ومن هنا، في مقام تطبيقات (لا ضرر) والاستفادة منها في عمليّة الاستنباط في مجال الأفراد العرفيّة لا نحتاج في كلّ مجال أن تقيم برهاناً تاريخياً على أنّ هذا الارتكاز الذي نحسّه الآن كان موجوداً في عصر الخطاب، وأنى لنا بهذا البرهان التاريخي في كثير من الارتكازات، وإنّما يكفي أن يكون هذا الارتكاز موجوداً بحيث يكون للقاعدة بنظرنا اليوم ظهوراً في الشمول له (1)، 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() ومحتمل أن يكون هذا الشمول ثابتاً له من أيام النبي فإنّه يدخل حينئذٍ في باب أصالة عدم النقل؛ لأنّه يرجع إلى أنّ الفقيه يحرز ظهور اللفظ فعلاً، ويشكّ بأنّه سابق أو متأخر. يأتي الحديث عنه، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فنثبت الظهور فيما سبق بأصالة عدم النقل.

وهذا كان هو واقع شأن الفقهاء على مر التاريخ في عصور الفقه، إذ كانوا يستدلون بـ(لا ضرر) بحسب ارتكازاتهم التي يحسونها حينما يؤلفون الكتاب، كالشيخ في المبسوط والعلّامة في القواعد والشيخ الانصاري في المكاسب.

ومع هاتين النكتتين يصبح مجال الاستنباط من هذه القاعدة في الفقه واسعاً.

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 















في النتائج التي للتحقيقات السابقة 

 

ومّما ذكرناه تلخصت نتائج مهمّة، ومؤثرة في عمليّة الاستنباط من هذه القاعدة المباركة(1)

وبذلك تنفتح خيارات عديدة من هذه القاعدة في مقام الاستنباط وتنحلّ عقدة كانت يعيشها الفقه عاشها الفقه السني أولاً والشيعي ثانياً. وحاصلها: هي أنّ الفقه السني انقطعت عنه الروايات بانقطاع النبوة، حيث إنّه لم يعترف بأئمّتنا. وبمرور الزمان استحدثت وقائع كثيرة لم تكن مورداً للنصوص في الروايات. ومن هنا وضعوا قاعدة المصالح المرسلة، لأجل تغطية حاجة الفقيه في هذه المسائل، فالفقيه هو يشخّص بحسب ارتكازياته وذوقه وما يراه من المصالح ويحكم، فكأنّه أصبح مشرّعاً، أو كانت له نتيجة التشريع. 

وهذه المشكلة لم يبتل بها الشيعة وقتئذٍ، لأنهم كانوا بين ظهراني أئمتهم. ولهذا كانت هذه الأحداث والوقائع تُحل عندهم بالرجوع الى الأئمة. إلّا أنّ هذه المشكلة بدأت بعد هذا بنفس الضرورة الحتميّة التي واجهها الفقه السنّي؛ لأنّه انقطعت صلة الشيعة بالأئمة، وتجددت في الزمان 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

() ثمّ لخص النكتتين الأخيرتين كما سبق. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الوقائع والأحداث، وهذه الوقائع جملّة منها تدخل تحت عمومات اجتهاديّة، وجملّة منها يعسر إرجاعها إلى تلك العمومات.

من هنا فتح جملّة من الفقهاء بالتدريج -حتّى راج هذا المطلب إلى زماننا هذا- باب السيرة العقلائيّة، فأصبحوا يعوضون عن الفراغ الموجود في الروايات بالسيرة. وأي واحد منكم تصفّح فقه المعاملات يجد أن كثيراً منها لا يذكر له إلّا السيرة العقلائيّة، وهذا بحسب الحقيقة علاج لنفس المشكلة التي عالجها السُنّة عن طريق المصالح المرسلة، عالجها الفقه الشيعي أو جملّة من فقهائهم عن طريق السيرة العقلائيّة، حتّى قيل أخيراً بأنّها الدليل الخامس في الفقه.

لكن طريقة تصوّر الفقه الشيعي للسيرة العقلائيّة تختلف عن طريقة تصوّر السُنّي للمصالح المرسلة. فالفقيه الشيعي باعتبار توّرعه لا يدّعي لنفسه التشريع في مقام الاستنباط، وإنّما يقول: بأنّ السيرة العقلائيّة كاشفة عن إمضاء الشارع، إلّا أنّنا في بحث عقدناه مفصلاً للسيرة العقلائيّة ذكرنا فيه أنّ هذا المطلب يتوقّف على إثبات كون السيرة كانت معاصرة لأيام النبي والأئمّة حتّى يكون سكوتهم عنها إمضاء لها، فلابدّ من دليل تاريخي خاصّ أو عامّ على أنّ السيرة كانت موجودة وقتئذٍ، وبيّنا هناك عدّة ضوابط أو نكات عامّة يمكن أن يبرهن عن طريقها على أنّ السيرة كانت موجودة وقتئذٍ.

إلّا أنّ هذه الضوابط الفنيّة لا تنفع إلّا في عدد من هذه السير. وأمّا في كثير منها فلا يوجد مثل هذا الضابط. وحينئذٍ، يسري فيها الشكّ في أنّها كانت 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

موجودة في أيام النبي والأئمّة أو لا. وعلى الأقل يسري الشكّ في حدودها وإطلاقها وتقييدها؛ وذلك الفقيه الذي يحصل له الاطمئنان أنّها كانت موجودة حينئذٍ، لمجرّد أنّه يرى أنّه يعيش مثل هذا الارتكاز، وأنّ العقلاء المعاصرين له يرون مثل ما يرى. فهذا الفقيه غير مطلع على طبيعة تكوّن الارتكازات العقلائيّة 

وتطوّرها في المجتمعات البشريّة، وما تتأثر به من عوامل فكريّة، واجتماعيّة، وسياسيّة، واقتصاديّة، لو اطلع اطلاع الفقيه على ذلك، لعرف أنّ مثل هذه القناعة الاطمئنانيّة في غير محلّها.

وهذا الشكّ يتركز أكثر في دائرة الحقوق والملكيات أكثر من تمركزه في بقية دوائر الحياة؛ لأنّ هذه هي الدائرة التي تتأثر بالتطوّرات الاجتماعيّة أكثر من سائر دوائر الحياة، فيكون الشكّ فيه اوجه منه في غيرها. ومن هنا يتوقف العمل بالسيرة العقلائيّة بهذا العرض العريض، ويحتاج إلى إلباسه ثوب المشروعيّة. وثوب المشروعيّة هذا يخرج من قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، بعد تحويلها إلى دليل إمضاء للارتكازات العقلائية بالتقريب الذي بيّناه.

 فبعد البناء على كونه دليل إمضاء للارتكازات العقلائيّة، وبعد البناء على أصالة عدم النقل التي مرجعها إلى حجيّة ظهور اللفظ بالنحو الموجود فعلاً، لمجرّد احتمال أنّه كان هكذا من أوّل الأمر؛ فيكون هذا هو ثوب المشروعيّة، وتكون أصالة عدم النقل هو الثوب الذي نفتش عنه في مقام إثبات صحّة 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الاستناد إلى هذه الارتكازات العقلائيّة(1)

هذا ما أردّت بيانه كنتيجة للبحث الذي حققناه سابقاً.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() وهنا سأل شخص: عن حق الطبع وامثاله من سرقفلية ونحو؟

 فأجاب: كلّ هذه المسائل يمكن تخريجها إذا تأكدنا من صغرياتها، يعني تأكدّنا من وجود ارتكاز فعلي بالنسبة اليها وهو ارتكاز نحتمل وجوده ولو ملاكاً من أوّل الأمر؛ فنطبق عليه هذه القاعدة ما لم يرد دليل على الخلاف.

وهنا قلتُ له: شيء في ذهني وهو: أنّه إذا لم نحتمل وجود ملاك هذه السيرة في زمان النبي إلا أنّنا احتملنا وجودها في زمان الأئمة، فهل يمكن التمسّك بهذا الملاك؟

 فأجاب: هذا يوجد له تقريب، باعتبار أنّ الإمام الباقر أو الصادق هو الذي بيّن هذه القاعدة، بيّنها في مقام أن يُعمل بها لا في مقام نقل قصة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 

المقام السادس: في فقه لا ضرار

 

قلنا في مقام سابق: إنّ مفاد القاعدة هو نفي الضرر الخارجي والضرار الخارجي، لكن لا بنحو الحكاية عن هذا النفي بلحاظ تمام حيثياته وأسبابه، بل هو إخبار عن النفي بلحاظ ما يرجع إلى الشارع من أسباب وجوده. يعني: أنّ الشارع وضع شريعته بنحو ينتفي هذا الضرر وهذا الضرار. 

وبتعبير آخر: أنّه نفي له في العالم الخارجي الذي المفروض فيه أن يكون على طبق الشريعة ومنقاداً لها.

وحينئذٍ، فالضرر الذي هو عبارة عن النقص -كما قلنا- فهذا النقص تارةً يكون ناشئاً نشوءاً حتميّاً من تكليف شرعي، كالنقص المالي الناشئ من لزوم المعاملة الغبنية -مثلاً-، فالمولى حينما ينفي هذا النقص بحسب الخارج يكون هذا النفي بلحاظ سببه وهو اللزوم، فيستفاد من ذلك نفي اللزوم، ومع نفي اللزوم يصح للمولى أنّ ينفي وقوع هذا النقص بحسب الخارج.

واُخرى يُفرض أنّ النقص يكون مترتّباً على الحكم الشرعي لا ترتباً قهرياً، بل بتوسّط إرادة المكلَّف المتضرر نفسه، فهو يوقع نفسه في الضرر، من قبيل النقص الصحي الذي يقع على المتوضأ إذا كان مريضاً فإنّ هذا النقص لا يترتّب قهراً على إيجاب الوضوء بل يحتاج إلى توسيط إرادته في مقام الترتيب. 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إلّا أنّ هذه الإرادة حيث إنّها تحت القهر والغلبة -على ما يعبّر الميرزا ونعِمَ التعبير- فهي كأنّها لا إرادة كأنّها مجرّد تحرك آلي ميكانيكي، فأيضاً يعتبر هذا الضرر ناشئاً من قبل وجوب الوضوء، ونفيه يكون دالاً على نفي وجوب الوضوء، لأنّ الشارع بما هو شارع نفيه لهذا الضرر لا يكون له معنى إلّا نفيه لوجوب الوضوء.

واُخرى يفرض أنّ الحكم الشرعي لا يترتّب عليه الضرر، لا قهراً ولا بتوسط ارادة المكلّف التي تكون تحت شعاع القهر، وإنّما الضرر يترتّب بإدارة شخص آخر اشتهاء وجزافاً.

من قبيل أن يُفرض أنّ سمرة بن جندب يكون مستحّقاً لبقاء نخلته في الأرض، وهذا حكم شرعي إلهي لا يترتّب عليه ضرر أصلاً لا بالمباشرة، ولا بتوسّط الجري على طبقه، وغاية ما يترتّب عليه أنّ سمرة يجوز له أن يدخل مع التحفّظ على شؤون الأنصاري. غاية الأمر أنّ سمرة لخبثه ولؤمه أخذ يتقصّد الإضرار بالأنصاري والتعدّي على حرماته محتجّاً باستحقاقه للنخلة بهذا المكان، فترتّب الضرر على الأنصاري إلّا أنّه لم يترتّب من ناحية الحكم قهراً ولا بواسطة إرادة مقهورة للحكم، وإنّما كان ترتّباً عليه بواسطة إرادة اُخرى غير مقهورة للحكم، وهي إرادة سمرة بن جندب.

وبعد تمام شرح هذه الفروض نقول: بأنّه في تمام هذه الفروض الثلاثة يوجد هناك ضرر في الخارج على ثلاثة أنحاء من الضرر -وشرحناها كما سبق-. و(لا ضرر) لو خُلّيت وحدها بلا ضمّ (لا ضرار) إليها تشمل هذه الأفراد 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الثلاثة من النقص؛ فتنفي النقص المالي في الأوّل والنقص الصحّي في الثاني، والنقص العرضي في الثالث.

ولكن لنرى أنّ هذا النفي لو اقتصرنا على (لا ضرر) ماذا يُستَنتَج منه في الأوّل يُستَنتَج من نفي النقص المالي نفي اللزوم، وفي الثاني من نفي النقص الصحّي نفي وجوب الوضوء. 

وأمّا في الثالث فالنقص العرضي الوارد على الأنصاري، غاية ما سيكشف من أنّ المولى حرّم على سمرة بن جندب هتك عرض الأنصاري، وهذا التحريم كافٍ لكي يتصدّى الشارع لبيان نفي هذا الضرر بحسب الخارج، ويقول: (في مملكتي التي تطيع أوامري (لا ضرر على الأنصاري)، فإنّ المفروض أنّه حرّم هتك عرض شخص من قبل آخر، فلا يقع ضرر على الأنصاري. ولا يستفاد منه أكثر من هذا لو قصرنا النظر على الجملّة الأولى.

ولكنه بعد أن نفى الضرر نفى الضرار. وفسرّناه بأنّه عبارةٌ عن تقصّد الضرر وتعمّده بلا حقّ وبنحو غير مشروع. فهو مطعّم بالتعمّد وعدم المشروعية؛ ولذا لو قيل: إنّ فلاناً ضار فلاناّ، لا يُسئل بعد هذا: أنّه هل كان له حقّ في ذلك أو لا؟ فإنّ نفس الكلمة عبارة اُخرى عن أنّه ظلمه وتعدّى عليه بلا حقّ؛ فالتعدّي بلا حقّ مطّعم في نفس كلمة الضرار، والشارع نفى الضرار.

فنفي الضرار هنا لا يمكن أن يكون بلحاظ أنّ الشارع حرّم على سمرة أن يضر الأنصاري، لأنّ هذه الحرمة مطعّمة في نفس كلمة الضرار المنفيّة، وأنّ سمرة يضر الأنصاري بلا حقّ، فالضرر مقيّداً بأنّه بلا حقّ يكون منفيّاً. وهذا 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

معناه أنّ النفي ناظر إلى شيء آخر غير مجرّد الحرمة، لأنّ الحرمة قد طعّمت في نفس مفهوم الضرار، وليس هذا النفي نفياً بلحاظ الحرمة.

وفي الكلمة الأولى كان يقول: (ذات الضرر لا يقع في مملكتي)، ويكفي في مقام صحّة هذا النفي أن يفرض أنّ المولى حرّم على سمرة أن يضر الأنصاري. 

وأمّا في الثانية فيقول: (بأنّ الضرر العمدي والعصياني لا يقع في مملكتي)، يعني: العاصي لا يتمكّن أن يتصدّى للعصيان؛ فقد فرض أنّ الحرمة الأوليّة لم تكف لانتفاء الضرر بحسب الخارج، وفرض أنّ هناك شخصاً بانياً على العصيان والمضارّة، ومع هذا بيّن أنّه في مملكتي وتحت سلطان شريعتي لا يتمكن من إيقاع الضرر.

فلا بدّ أن يكون هذا النفي الواقع في المرتبة المتأخّرة عن أصل وقوع العصيان، وفرض عدم إجراء الحرمة التكليفيّة لعلاج المطلب ونفي الضرر بحسب الخارج لابدّ أن يكون بلحاظ نفي حكم آخر غير الحكم بالإباحة. وبمناسبات الحكم والموضوع يتعيّن أن يكون هذا الحكم الآخر هو الحكم الذي كان مهانة بيد هذا المضار ومبرراً لعمله، فإنّه كان بيده حكم كان يتذرع به وعلى أساسه يظلم ويضر فيسقط الحكم، وإذا فرض أنّ المولى لا يستطيع أن يقوم بردعه مع التحفّظ على هذا الحكم بأن يعاقبه أو يمنعه ونحو ذلك. وفرضنا أنّه في المرتبة السابقة كلّ هذه الإجراءات تعذرت، وصار هناك ملازمة اضطراريّة على المولى بين هذا الحكم وبين وقوع هذا الظلم، فما دام سمرة بن جندب مستحق للنخلة فسوف يقع ظلم على الأنصاري.

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فنفي الضرر في المرتبة المتأخرة نفي الضرار، هو نفس لهذا الحكم وهو استحقاق سمرة بن جندب لبقاء نخلته في تلك الأرض(1).

وهذا أيضاً باب ينفتح منه أبواب في الفقه، وهذه قاعدة تطبق في موارد كثيرة: 

-مثلاً- الزوجيّة لو فرض أنها أصبحت سلاحاً بيد الزوج للإضرار بزوجته بنحو غير مشروع، كما لو صار الزوج في مقام استيفاء حقوقه قهراً والتعطّل عن اعطاء حقوقها. فسنخ قضيّة سمرة الذي يتحفّظ على حقّه في الاستطراق ويعطّل حقّ الانصاري في التحفّظ على عرضه وحرمته. فهذا أيضاً يتسلّح بكونها زوجة له. فلو فُرِض عدم إمكان إجباره على تسليم حقوقها إليها من النفقة ونحوها. فإنّه لو أمكن إجباره يدخل تحت (لا ضرر)، ويعالج عن طريق تحريم هذا الضرر عليه. لكن لو لم يمكن اجباره على ذلك إذن فهو ضرار، وحرمة أن يضر زوجته لم تكف في مقام العلاج، فينتهي الى المرتبة الثانية وهي: مرتبة رفع الزوجية أو رفع سلطانه على إبقائها المؤدي بالنتيجة الى إعطاء الولاء للحاكم الشرعي في مقام الطلاق أو فسخ الزوجية على تفصيل لا مجال له في المقام.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: الذي يخالف عمداً تلك الحرمة، يخالف هذه الحرمة أيضاً فمن لا يكفيه ذاك لا يكفيه هذا؟

 فأجاب (سلمه الله): بل يكفيه؛ لأنّ رسول الله لا يتمكّن من وضع شرطي دائماً بباب الأنصاري، بحيث يمنعه دائماً من الدخول إلّا بإذنه لكن يتمكّن من أن يأتي بشرط واحد ليقلع النخلة ويرمي بها في وجهه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وكذلك أيضاً في الملكية، فلو فُرِض أنّ ملكيّة شخص لأرض أصبحت موجبة لظلم يقع على أشخاص آخرين، ولم يمكن التفكيك بين هذا الظلم وتلك الملكيّة أيضاً تكون هذه الملكيّة هي السلاح التشريعي بيد هذا المضار، فتزول بـ(لا ضرر).

وهكذا كلّ حكم شرعي -عدا ما يخرج بدليل- إذا فُرِض كونه أصبح مورداً للاستغلال بلا حقّ، ولا يمكن منع هذا الاستغلال بإجراء مستقلّ، وارتبط هذا الاستغلال بذلك الحكم بحسب الخارج، وتوقّف منعه خارجاً على نفي ذاك الحكم تشريعاً، فإطلاق (لا ضرار) ينفيه. 

هذا تمام الكلام في فقه (لا ضرار)(1).

ــــــــــ[156]ــــــــــ

() ثُمّ قال السيّد: ومن هنا اتّضح ما حولنا عليه في المقام السابق من سبب حكم النفي بقلع النخلة. واتّضح أنّه كان تمسّكاً بـ(لا ضرار) لا تمسّكاً بـ(لا ضرر).  (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 









[تنبيهات (لا ضرر)]

 

  • التنبيه الأول: هل يمكن أن تضع حكماً 
  • التنبيه الثاني: في تعاكس تطبيقات الفقهاء للقاعدة 
  • التنبيه الثالث: نسبة القاعدة إلى الأدلة الأولية
  • التنبيه الرابع: في تصرّفات المالك إذا كانت ضررية على الغير

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 



[تنبيهات (لا ضرر)]

 

التنبيه الأول: هل يمكن أن تضع حكماً 

 

التنبيه الأوّل: من تنبيهات هذه القاعدة، في أن هذه القاعدة كما ترفع حكماً هل يمكن أن تضع حكماً؟ يعني: عرفنا حتّى الآن إنّ وجود الحكم إذا كان ضررياً ترفعه القاعدة، فلو فرضنا أنّ عدم جعل الحكم كان ضررياً، فهل يثبت بالقاعدة جعل ذلك الحكم أو لا؟

ذهب إليه المحقّق النائيني ومدرسته، إلا أنّها لا تجري في مقام إثبات جعل الحكم لو كان عدمه ضررياً، وإنما يقتصر في إجرائها على نفي حكم يكون وجوده ضررياً، والسيّد الاستاذ تبع المحقّق النائيني في ذلك، إلّا أنّه طبّق القاعدة في موارد فلا معنى لتطبيقها فيها الا إثبات الحكم بها من باب أنّ عدم الحكم يكون ضررياً فيثبت بها جعل ذلك الحكم.

فإنّه عقد التنبيه الأوّل في مقام إثبات أنّ (لا ضرر) يستنبط منها حرمة الضرر، وذكر فيه: أننا وإن لم نوافق شيخ الشريعة على أنّ مفاد (لا) هنا هو النهي عن الضرر، وقلنا: بأنّ مفاد القاعدة هو نفي الحكم الذي يؤدي إلى 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الضرر، لكن مع هذا يستفاد من هذه القاعدة حرمة الضرر، فإنّه يحرم على الإنسان أن يضر أخاه، وذلك: لا من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى في النفي والنهي معاً، بل من باب أنّ هذا أحد مستلزمات النفي؛ لأنّ ترخيص الشارع لشخص في أن يضر شخصاً آخر، فهذا في نفسه حكم ضرري، فيرتفع هذا الترخيص بـ(لا ضرر)، لأنّ القاعدة تنفي كلّ حكمٍ ضرري، وهذا حكم ضرري، فينتفي بإطلاق النفي المجعول بالقاعدة. بحسب الحقيقة هذا التطبيق أحد متفرّعات، وهذا البحث الذي نحن بصدده الآن، وهو: أنّ هذه القاعدة هل يمكن أن يستكشف منها جعل حكم وجودي، فيما إذا أصبح عدمه ضررياً أو لا؟

 فإننا إذا قلنا: بأنّ (لا ضرر) تنفي الحكم الضرري ولا يثبت بها حكم وجودي-كما يقول بذلك مدرسة الميرزا- فحينئذٍ، لا معنى لهذا التطبيق في المقام؛ لأنّنا ماذا ننفي في المقام بـ(لا ضرر)، فننفي الترخيص بـ(لا ضرر). والترخيص عبارة ثبوتية بحسب اللفظ واللغة، وإلّا فمرجع الترخيص إلى عدم الحرمة. فيرجع إلى أنّ عدم منع الشارع الناس بأن يضر الناس ضرراً، فيستكشف من ضرريّة عدم المنع وجود المنع وجعله. وهذا عبارةٌ اُخرى عن استكشاف أمر وجودي بلحاظ أنّ عدمه ضرري، فإن بنينا على أن القاعدة تكفل ذلك، وأنّها كما ترفع تضع، فهذا التطبيق في محلّه.

 وأمّا إذا بنينا على أنّ هذه القاعدة ترفع ولا تضع، وهو التفصيل المختار لهذه المدرسة، فهذا التطبيق منهم يصبح في غير محلّه.

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فلابدّ إذن من تنقيح هذا البحث الكبروي لكي نعرف أنّ القاعدة ما هي حدودها من هذه الناحية.

 والصحيح أنّ القاعدة ترفع وتضع، يعني: أنّها كما تجري في نفي حكم وجودي يكون ضررياً، كذلك تجري لإثبات حكم في الشريعة إذا كان عدم جعله في الشريعة ضررياً. 

ومن هنا يتمّ تطبيق القاعدة على حرمة الضرر، ويستفاد من القاعدة نفي حرمة الإضرار؛ لأنّ عدمه ضرري، فينفى بـ(لا ضرر)، فيثبت بحرمة الضرر. فتكون (لا ضرر) بنفسها من الأدلة الدالة على أنّ الإنسان يحرم عليه ايقاع الضرر على غيره.

[الاستدلال على أن القاعدة ترفع ولا تضع]

والمحقّق النائيني ومدرسته، ذكروا هنا وجهين للاستدلال على أنّ القاعدة ترفع ولا تضع يعني: لا يثبت بها حكم وجودي. 

الوجه الأوّل: يرجع إلى دعوى قصور ذاتي في إطلاقها كما سوف نتكلّم.

الوجه الثاني: يرجع إلى النقض ووجود تالٍ باطل من الالتزام بأنّ القاعدة ترفع وتضع، وهو تأسيس فقه جديد على ما يعبرون، يعني: حصول فتاوى لا يفتي بها أحد.

الوجه الأوّل: للنائيني 

أمّا الوجه الأوّل -وهو الوجه الذي يدّعي القصور الذاتي في إطلاق القاعدة-: فالصحيح أنّه لا منشأ في المقام لدعوى هذا القصور الذاتي في 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إطلاقها؛ لأنّ هذه الدعوى إمّا أن تكون بتقريب أنّ القاعدة ناظرة الى الأحكام المجعولة والنافية لما يكون ضررياً منها، والعدم -الذي هو الضرري في محلّ الكلام- ليس من الأحكام المجعولة. إذن، فلا يكون داخلا تحت دائرة النفي ومصبّه -وهذا هو ظاهر تقريرات الميرزا في (لا ضرر)- فجوابه واضح: وهو أنّه من قال لكم بأنّ دائرة النفي مخصوصة بخصوص الاحكام المجعولة. فلا موجب لتخصيصها لذلك.

أمّا على مبنانا في تفسير القاعدة وهو أنّنا قلنا: بأنّ النفي نفي خبري للضرر بوجوده الخارج بحيثيته الراجعة الى الشارع. فواضح أنّه لا موجب لتوهّم مثل هذا الاختصاص؛ لأنّ الضرر بوجوده الخارجي يتحصّص الى حصّتين:

 الى ضرر ينشأ من جعل اللزوم في المعاملة الغبنية، وإلى ضرر ينشأ من عدم جعل حرمة الإضرار على الناس. 

ومقتضى نفي الضرر الخارجي على إطلاقه نفي كلتا هاتين الحصّتين ونفي أحدهما يكشف التزاماً عن نفي حكم ونفي الآخر يكشف التزاماً عن جعل حكم، فالإطلاق من هذه الناحية تامّ.

وليس النفي منصبّاً ابتداءً على عالم التشريع حتّى يُتخيّل أنّ المنفي هو الحكم المجعول، بل منصب ابتداءً على عالم الخارج، وفي الخارج لا إشكال من وجود فردين من الضرر، أحدهما ينشأ من جعل حكم، والآخر ينشأ من عدم جعله، فيُنفيان معاً بإطلاق القاعدة.

وأمّا بناءً على ما هو مختاره من أنّ النفي منصب على عالم التشريع، لا 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

على عالم الخارج، فأيضاً الأمر كذلك؛ لأنّه لم تؤخذ كلمة حكم أو مجعول تحت دائرة النفي في لسان الدليل، حتّى يقع بحث استظهاري في أنّ حكمة الحكم هل تشمل الأعدام، ولو بعناية من العنايات أو لا. 

وإنّما الواقع في لسان الدليل هو عنوان الضرر، غاية الأمر أنّ النفي هنا
-لنكتة لاحظها الميرزا- فرضناه نفياً تشريعياً. وغاية ما يستدعي هذا الفرض هو أن يكون المنفي صالحاً للنفي التشريعي، وصالحاً لإعمال مولوية المولى في مقام النفي التشريعي. ومن المعلوم أنّه كما أنّ وجود حكم صالح للنفي التشريعي، كذلك عدم جعل حكم صالح له.

فبناءً على أنّ النفي تشريعي أيضاً نقول: أنّ التشريعية والجعلية لم تؤخذ في دائرة المنفي. غايته التزمنا أنّ النفي نفي تشريعي، وهذا النفي يحتاج الى مصبّ قابل للنفي المولوي، ومن المعلوم أنّ عدم الحكم قابل له. فلا موجب للاختصاص على هذا التقدير أيضاً، فعلى كِلا المبنيين فلابدّ من الالتزام بأنّ النفي يشمل الأعدام، كما يشمل الوجودات. 

نعم، لو فُرِض أنّه كان قد أخذ كلمة الحكم في المقام، وقيل لا حكم ضرري، فيقع الكلام في أنّ العدم هل هو حكم أو ليس بحكم؟

وأمّا أن يكون مدعى الميرزا بتقريب: أنّ النفي وإن كان يعقل بحسب اصطلاح المناطقة والعقل، أن ينصب على الأمر العدمي، كما ينصب على الأمر الوجودي، فيكون نفي النفي، ويكون مرجعه إلى الإثبات، ولكن حيث إنّ نفي النفي أمر غريب عن الأذهان العرفيّة، والمناسب للأذهان العرفيّة أن يتعلّق 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

النفي بعنوان ثبوتي، لا أن يتعلّق بالنفي؛ ولهذا تكون نفس أداة النفي قرينة على اختصاص المنفي بخصوص الأمر الثبوتي، لا بالأمر العدمي.

إن كان بهذا التقريب، فيرد عليه: أنّ هذا لا يتم لا بناءً على مسلكنا في فهم القاعدة، ولا بناءً على ملك الميرزا.

أمّا على مسلكنا، فلأننا نقول: بأنّ النفي انصب على الضرر في العالم الخارجي، إذن فمصبّه أمر ثبوتي على أي حال، سواءٌ نشأ من جعل الحكم أو من عدم جعله. وهو ثبوتي على كلّ حال والعدميّة مأخوذة في منشأ المنفي لا في نفسه؛ فلا يكون في هذا أي تحدٍ لذوق العرف في مقام صياغة مثل هذا التعبير.

وأمّا على مسلك الميرزا: فالنفي هنا وإن انصبّ على نفس الحكم وعدم الحكم، لكن لا بهذا العنوان، بل بعنوان الضرر الذي أُخذ في لسان الدليل، حيث إنّ الضرر عند الميرزا عنوان ثانوي ينطبق على منشأ النقص، وعنوان الضرر عنوان ثبوتي بالتالي. غاية الأمر أنّ هذا العنوان الثبوتي تارةً ينطبق على جعل الحكم واُخرى ينطبق على عدم جعله، فليس بابه باب نفي النفي، حتّى يقال: إنّ هذا ممّا لا تستأنس به أذهان العرف.

وأمّا أن يكون بتقريب لوحظ فيه كلمة الإسلام الواردة في بعض الصيغ الحديث، حيث ورد: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام“؛ إذ يقال: بأنّ الإسلام هو عبارة عن مجموعة الأحكام التي جاء بها الرسول من عند الله. فيكون النفي هنا نفياً لضررية تلك الأحكام التي جاء بها النبي.

وأمّا العدم فهو عدم حكم جاء به النبي، لا أنّ العدم جاء به 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

النبي، ولهذا لا يكون مشمولاً لهذه القاعدة(1).

وهذا التقريب أيضاً غير تامٍ.

 أمّا أولاً: فلأنّ كلمة (في الإسلام) غير ثابتةٍ على ما عرفناه، والصيغة المعتبرة من الحديث خالية من هذه الكلمة.

وأمّا ثانياً: فلأنّ الإسلام عبارة عن (حدود الله) التي فرضها الله للناس في حياتهم والتي من تعدّاها كان خاسراً في الدنيا والاخرة، وحدود الله بعضها عدميّة وبعضها وجوديّة، وليس الإسلام عبارة عن خصوص الحكم الوجودي؛ ولهذا لا تكون كلمة الإسلام هنا قرينة على تخصيص المنفي بخصوص الأحكام المجعولة.

وعليه فهذه التقريبات الثلاثة كلّها لا ترجع إلى محصّل في دعوى القصور الذاتي في إطلاق القاعدة؛ فالصحيح أنّ اطلاقها تام وواضح خصوصاً على مبنانا من أنّ النفي منصب من أوّل الأمر على عالم الخارج. فالقاعدة كما تشمل نفي الضرر الذي ينشأ من وجود حكم، كذلك ينشأ من عدم جعل حكم.

وبهذا البيان ظهر أنّه لا حاجة في مقام تصحيح شمول القاعدة للأحكام العدميّة، فلا حاجة إلى تؤوّل إلى أنّ الأعدام أيضاً أحكام مجعولة بنحو من الأنحاء، ولو بقرينة: “مَا حَجَبَ‏ اللَّـهُ‏ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُم” كما في الدراسات، فلا حاجة إلى هذا التكلف؛ لأنه لم يرد تحت النفي عنوان حكم 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

() وقال جواباً على سؤال: هذا الوجه يرجع إلى نفس دعوى الوجه الأوّل، مع جعل كلمة: (في الإسلام) قرينة عليه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مجعول، حتى نفتّش عن عناية تصحّح لنا انطباق هذا العنوان على الأعدام في المقام.

كما أنّه لا حاجة إلى دعوى أنّ الأعدام ترجع بحسب الحقيقة الى أحكامٍ وجودية لا أحكام عدمية. فإنّ الإباحة -مثلاً- حكم وجودي مجعول لا عدمي وكذلك براءة الذمة. فاذا أردنا ان نطبّق (لا ضرر) في مقام إثبات حرمة الضرر. فنقول: إباحة الضرر حكم مجعول -أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة- فينتفي بـ(لا ضرر). أو إذا أردنا أن نثبت الضمان، فنقول: إنّ براءة ذمّته حكم ضرري مجعول فينفي بـ(لا ضرر).

هذه الدعوى لا حاجة إليها مضافاً إلى عدم صحّتها في نفسها؛ وذلك لأنّنا حتّى لو سلّمنا أنّ الإباحة وبراءة الذمة حكم مجعول؛ فإنّ نفي هذه الأحكام المجعولة لا يلزم منه إثبات الحرمة والضمان بـ(لا ضرر) إلا بضمّ إحدى نكتتين:

إمّا أن يُدّعى قاعدة كلية، وهي: أنّ الواقعة لا تخلو من حكم، فإنّ لم تكن إباحة فلابدَّ من حرمة، وإن لم يكن براءة فلابدَّ من ضمان، فاذا نفينا الإباحة والبراءة يثبت الحرمة والضمان. 

وإمّا بضمّ دعوى الملازمة العرفية، فإنّ المولى إذا قال: لا أُبيح لك هذا يُفهم منه عرفاً أنّ هذا حرام.

وهذه الملازمة العرفيّة أيضاً غير موجودة في المقام، فإنّها إنّما توجد في الأدلة الخاصّة لا في نفي الإباحة الثابت بعموم أو إطلاق مثل إطلاق الضرر. فلو بيّن 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وقال: أنا لا أُبيح لك يثبت من تصدّي المولى لبيان عدم هذه الإباحة يثبت بذلك الحرمة بالملازمة العرفيّة إلّا أنّ مثل هذا الظهور السياقي غير موجودٍ في نفي إباحةٍ يثبت بإطلاق وعموم مثل إطلاق هذه القاعدة.

إذن، فغاية ما يمكن أن يستنتج من دعوى كون الإباحة أمراً وجودياً أو براءة الذمة كذلك، فإنّه لا إباحةَ، أمّا تعيّن الحرمة وإثباتها فيحتاج الى دليلٍ(1). إذن هذه الدعوى أيضاً لا ترجع إلى محصّل.

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() أقول: وأشار السيّد إلى مناقشة قاعدة: إنّ الواقعة لا تخلو من حكم، بأنّه: لا دليل عليها بهذا المعنى.

 ولمّا سُئِل عن تفصيل ذلك. 

قال: بأنّ هذه القاعدة تثبت بمعنى أنّه لا يوجد هناك تقصير من قبل الشرع ولا نقص فيه، هذا المعنى الذي ثبت بقوله: “فيها حتّى أرش الخدش“، ونحوه. وفي المقام إذا فُرِض أنّه لا مصلحة ولا ملاك في جعل الحرمة؛ فليس الشارع مجبوراً على أن يعمل عناية في مقام جعل الإباحة؛ لأنّ هذا لا يعتبر نقصاً، حينئذٍ.

قلتُ له: زعموا أنّ هذه القاعدة ثابتة بالإجماع؟

 فقال: حتّى على فرض الاجماع يكون الأمر كذلك، إذ القدر المتيقّن منه هو أنّه لا نقص في الشريعة. أمّا إذا كان المورد خالياً من الملاك فالشارع غير ملزم بجعل حكم فيه.

 فقلتُ له: إلّا أن يُتمسّك بإطلاق معقد الإجماع، وهو هذا التعبير: (ما من واقعة إلا ولها حكم)؟

 فأجاب (سلّمه الله): هذا معقد لإجماع منقول، وهو ليس بحجّة، وأمّا كلمات الفقهاء فنحن لم نحصّلها، والقدر المتيقن منها هو ما قلناه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

والصحيح هو ما قلناه من أنّ القاعدة إطلاقها تامّ في نفسها، فهي ترفع وتضع. 

يبقى الكلام في الوجه الثاني الذي ذكره الميرزا، وهو أنّ القاعدة لو كانت ترفع وتضع لَتَأَسَّسَ من ذلك فقه جديد.

وسوف نرى أنّه لا يتأسس من ذلك فقه جديد غير مشروع.

 الوجه الثاني له أيضاً

الوجه الثاني: للميرزا، وهو أنّه لو بُنى على أنّ القاعدة ترفع وتضع، وأنّه متى ما كان عدم حكم ضررياً فيلتزم بإثبات ذلك الحكم بالقاعدة؛ فيلزم من ذلك تأسيس فقه جديد، أي: يتحصّل من هذا فتاوى غريبة باطلة، وهذا يستكشف منه بطلان هذا السلوك في عملية الاستنباط، ولتوضيح هذا الفقه الجديد – الذي يلزم من مثل هذا المدعى- ذكر بعض الامثلة، ومُهمها مثالان:

المثال الأوّل: [إعطاء ولاية الطلاق للزوجة أو وليها] 

أنّه يلزم من توسيع نطاق القاعدة بهذا النحو يلزم الالتزام بإعطاء ولاية الطلاق للزوجة أو لوليها الذي هو المجتهد العادل، فيما إذا فرضنا أن بقاء الزوجة كان ضررياً بالنسبة إليها، كما في موارد عدم الإنفاق عليها لعصيان من قبل الزوج أو لعسره وعجزه، فإن في مثل هذه الموارد يكون عدم جعل ولاية الطلاق للزوجة أو لوليها ضررياً على الزوجة بلا إشكال، فيلزم من توسيع القاعدة جعل الولاية للزوجة على الطلاق إمّا بنفسها أو بتوسط وليها الذي هو الحاكم الشرعي.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وقد ذكر السيّد الاستاذ في مقام التعليق على هذا المثال أن تطبيق القاعدة في مقام غير صحيح، حتّى لو بنينا على التوسعة، وذلك لأنّه عندنا أمور: الحكم بالزوجيّة وهو ليس حكماً ضررياً، والحكم بولاية الزوج على الطلاق وهو أيضاً ليس ضررياً. وإنما الضرري هو عدم إنفاق الزوج على الزوجة، وهذا لا محالة ضرر منفي بلا ضرر بمعنى أنّه حرامٌ، ولا يجوز له عدم الإنفاق، بل يجب عليه الإنفاق، فالقاعدة تنفي ما هو ضرر وليس هو إلّا عدم الإنفاق فيجب عليه الإنفاق.

وهذا التعليق من السيّد الاستاذ مبني على الفهم التقليدي لكلمة الضرر، فإننا إذا فرضنا أن معناها النقص في المال، فهذه الزوجة ماذا نقص من مالها؟ نقص منه أنها تملك شيئاً في ذمة الزوج ولكن لا تستطيع ان تستوفيه خارجاً، مع أنها تستحق تطبيقه على مال خارجي فتُحرَم من هذا الحق. وهذا الضرر لا يرتفع بارتفاع زوجيتها ولا يجعل الطلاق لها، فإن طلاقها لا يجعل العاصي أو المعسر موفياً لدينه وما في ذمته. فالضرر -بالمقدار الذي يتصوره السيّد الاستاذ- لا يندفع إلّا بالحكم بتحريم عدم الإنفاق وإيجاب الإنفاق، وحيث يتعذر هذا المطلب على الزوج عند إعساره، فهذا ضرر يقع على الزوجة على أي حال ولا يتمكن الشرع من رفعه.

هذا الكلام كلّه ناتج عن تصوّر مفهوم الضرر في حدوده التي أشرنا إليها في مقامات سابقة، وهو النقص المادي للمال أو النفس أو العرض. 

وأمّا بناء على أن هناك فرداً آخر من مفهوم الضرر أو ضمناً سابقاً، وهو 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

نقص معنوي يعبر عنه بسوء الحال والضيق والبؤس الذي هو نقص بحسب الارتكاز العقلائي، فيرجع الى نقص فيما تستحقه من مقدار الرفاه والاستقرار الذي يستحقه كلّ انسانٍ في حياته الخارجيّة، وهذا فرد من الضرر، بل من أهم أفراد الضرر.

بناءً عليه فتطبيق القاعدة ليس بلحاظ أنّ الزوجة دائمة التضرر بعدم رفع مالها إليها، حتّى يقال: إنّ هذه المشكلة لا تنحل برفع اليد عن الزوجية أو إبدال الزوج، وإنّما الضرر الوارد على الزوجة هو البؤس وسوء الحال الذي تقع فيه، من حيث إنّها في عصمة إنسان لا ينفق عليها -وكلامنا في مورد عدم وجود شخص آخر يتصدى للإنفاق عليها كأب أو أخ أو متبرّع- ففي مثل ذلك تقع المرأة في ضيق وبؤس، وهو فرد آخر من الضرر لابدًّ أن نحسب حسابه، يعني: الآن ننتقل من تعليق السيّد الاستاذ على كلام الميرزا إلى كلام الميرزا نفسه؛ فإنّه كان يقول: إنّ (لا ضرر) لو عممناها للعدم؛ فيلزم من ذلك إثبات الولاية للزوجة على الطلاق أو وليها. 

[مناقشتان لكلام الميرزا]

وهذا الكلام من الميرزا لنا مناقشتان فيه:

المناقشة الأولى: هي أنّ هذا اللازم لازم على كلّ حالٍ، فإطلاق القاعدة لهذا الفقه الجديد لازم على كلّ حالٍ، سواء قلنا بأن (لا ضرر) يختص بخصوص الأحكام الوجوديّة -كما يختار هو- أو قلنا بالتعميم للأعدام، فعلى كلا التقديرين يلزم ذلك.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أمّا بناءً على التعميم فعلى النحو الذي ادعاه -مثلاً- حيث يقال: إن عدم ولاية الزوجة بنفسها أو بوليها على الطلاق ضرر فيثبت الولاية. 

وأمّا (1) بناءً على اختصاص القاعدة بالأحكام الوجودية فيقال: بأنّ طلاق الزوجة وحالة صدور الطلاق من قبل الزوجة أو وليها ضرري فينتفي؛ فإنّ نفي طلاق الزوجة لهذا الحال مساوق مع جعل الولاية للزوجة أو وليها على الطلاق، فإن فُرِض أنّ الضرر كان يندفع بجعل الولاية للزوجة على الطلاق، فهو يندفع لا محالة بنفي طلاق الزوجة لمّا بعد انشاء الطلاق من قبل الزوجة. وإذا كان عدم جعل الولاية ضررياً. إذن، فطلاق الزوجة لمّا بعد إنشاء الطلاق يكون ضررياً؛ فيقال هنا: إنّ بقاء الزوجيّة إلى ما بعد إنشاء الطلاق من قبل الزوجة ضرري فيرتفع بـ(لا ضرر).

وهذا حينئذٍ، يدلّ بالالتزام على جعل الولاية للزوجة على الطلاق؛ لأنّ ارتفاع الزوجيّة لا يكون إلّا بطلاق مشروع، فإذا ثبت ارتفاع الزوجيّة يثبت بالدلالة الالتزاميّة أنّ الزوجة قد أُعطيت بنفسها أو بوليها الولاية على الطلاق، وبالتالي على مبنانا يدّعى أن (لا ضرر) تجري لنفي العدم وهو عدم ولاية الزوجة فتثبت ولايتها. 

وعلى مبنى الميرزا يدّعى أنّها تجري لنفي طلاق الزوجية وبقائها الذي هو 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() ولا يعتبر كلام الميرزا نقضاً على التعميم، بحيث لو ثبت عندنا بدليل قطعي بطلان تطبيق القاعدة في المقام أيضاً لم يكن هذا إشكالاً على التعميم، بل كان هذا إشكالاً في نفسه على القاعدة. والصحيح أنّه لا موجب لبطلان هذا التطبيق الخ.  (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

حكم وجودي. إذن، فهذا التقريب كما يجري على مبنى التعميم يجري على مبنى التخصيص، فلابدّ وأن يحاسب في نفسه وأنّه صحيح أو لا.

المناقشة الثانية: لنرى أنّ هذا التقريب صحيح أو لا، سواء قلنا بالتخصيص أو قلنا بالتعميم.

وتوضيح ذلك: أنّ الزوج تارةً يفرض كونه مقصراً عن الامتناع عن الإنفاق، بمعنى: أنّه عاص في عدم الإنفاق، واُخرى يفرض قصوره لأجل عسره، وغير ذلك من أسباب القصور.

فإن فُرِض أنّه مقصرٌ وأنّه بمحض ارادته العصيانية وخياريتها لا ينفق على الزوجة. إذن، فالزوجية بقاؤها في نفسه ليس ضررياً على هذه الزوجة، وإنّما الضرر نشأ من توسط الارادة غير المقهورة للتكليف. 

وقد بيّنا سابقاً أنّه متى ما توسّط بين وقوع الضرر وبين الحكم الشرعي إرادة واختيار غير مقهور للتكليف فلا يكون التكليف ضررياً. 

وهنا كذلك فإنّ وقوع الضرر وسوء الحال على الزوجة كان ناشئاً من محض عصيان الزوج وإرادته، وهي ليست واقعة تحت قهر التكليف الشرعي، بل هي تمرّد عليه. إذن، فالزوجية وولاية الزوجة على الطلاق لا يكون حكماً ضررياً فلا يطبق عليه (لا ضرر).

نعم، إذا فرض أنّه أمكن إجبار الزوج على الإنفاق وردعه  عن هذه المعصية فهو، وإلّا فيدخل تحت (لا ضرر) بالمعنى الذي حقّقناه، حيث إنّ هذا الزوج يكون متقصداً لإيقاع الضرر بوجه غير مشروع للزوجة، وإيقاعها في البؤس 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وسوء الحال بوجه غير مشروع متسلحاً بسلاحٍ الزوجيّة،  وقد بيّنا أن (لا ضرر) معناه: أنّ كلّ حكم شرعي يتسلح به ظالم لأجل إيقاع الضرر بوجه غير مشروع في شخص آخر، ويعجز ولي الأمر عن التفكيك بين الظلم وبين ثبوت ذلك الحكم الشرعي، فلا يمكنه دفع هذا الظلم إلا بإلغاء ذلك الحكم الشرعي فإنّه يلغى، ويصير حال هذا الزوج كسمرة بن جندب في الحديث المبارك، فهذه الزوجية تصبح ضراراً وتدخل تحت: (لا ضرار)، فتنفي بـ(لا ضرار).

نعم، حيث إنّنا نعرف من الإجماع والارتكاز الفقهي القطعي أنّ الزوجية لا ترتفع بلا طلاق، فيستكشف من الجميع بين هذا الإجماع والارتكاز أنّه قد جعلت ولاية الطلاق لأحد، والقدر المتيقّن هو الحاكم الشرعي، فيكون له الولاية على الطلاق بـ(لا ضرار)، لا بـ(لا ضرر).

وأمّا إذا امتنع الزوج قصوراً عن الانفاق، فمثل هذا الضرر يستند إلى الحكم الشرعي، فإنّ الزوجيّة بنفسها تكون منشأ لمثل هذا السوء في الحال؛ لأنّ قصور الزوج يكون من المقدّمات التكوينيّة الدخيلة في المطلب، كضعف المزاج الموجب للتضرر من امتثال وجوب الوضوء، فيكون هذا الوجوب حكما ضررياً بعد تدخّل ضعف مزاج المريض وهنا أيضاً ضعف مالية الزوج أمر تكويني قهري يوجب ضررية الحكم بالزوجية. فترتفع الزوجية ايضاً بالنحو الذي أشرنا اليه يعني نضمّ ذلك إلى الإجماع والارتكاز المفيد للاطمئنان بأنّ الزوجية لا ترتفع بلا طلاق، فيثبت ولاية الزوجة أو وليها على الطلاق في المقام.

وبذلك يظهر أنّ التمسّك بـ(لا ضرر) يكون بلحاظ حالة التمسّك بـ(لا 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ضرر) يكون بلحاظ حالة اُخرى. وهو تمسّك صحيح، وقد وردت على طبقه روايات صحيحة وعمل بها جملة من الفقهاء المتوسطين والمتأخرين.

وهذه الروايات في نفسها مطلقة ظاهرها أنّه متى ما لم ينفق الزوج على زوجته يكون لها حقّ الطلاق، يعني: حقّ التداعي عند الحاكم وهو يُكره الزوج على الطلاق، وإذا امتنع فالحاكم باعتباره ولي الممتنع هو يوقع الطلاق عنه، وادُعيَ ورود مخصّصات ومقيّدات لها، وادّعى بعض الفقهاء خروج صورة العسر من هذه المطلقات، وادّعى بعضهم خروج صورة الغيبة منها، وهذه المخصّصات حسابها على بحث الفقه. وبالتالي أي مخصّص أو مقيّد ثبتت حجّيته سنداً ودلالةً يؤخذ به ويكون مخصّصاً للضرر ولا ضرار أيضاً، كما يكون مخصّصاً لتلك المطلقات. واي مخصّص لم تثبت حجيّته يُعمل في مورده بالقاعدة والروايات الخاصّة المطلقة أيضاً. فلا يلزم من ذلك محذور. هذا هو حاصل الكلام بالنسبة الى المثال الأوّل.

المثال الثاني(1): النقض على القاعدة بعدم الضمان في بعض الموارد 

وهو الذي جعل في كلام المحقّق النائيني أحد الأمثلة للنقض على القول بالتعميم، وجعل في (الدراسات) أحد البرهانين في مقام إبطال القول بالتعميم. 

وهذا المطلب وقع فيه خلط بين أصل القول بالتعميم، وبين الثمرة التي يريد أن يقتنصها القائل بالتعميم، أو الفرع الفقهي الذي كان يمثل به للتعميم، 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة: المثال الثاني… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فإن هؤلاء الأعلام حينما ذكروا: أنّ هناك جماعة ذهبوا إلى أنّ القاعدة تشمل الأمور العدميّة، كما تشمل الأمور الوجوديّة، قالوا: إنّهم مثّلوا لهم بمثل، وحاصله: إثبات الضمان فيما إذا كان عدم الحكم بالضمان ضررياً، إلّا أنّ هؤلاء الأعلام في مقام الإشكال نقضوا على هذا المثال. وجعلوا نقضهم على المثال نقضاً على أصل القول بالتعميم، فإنهم ذكروا هنا: أنّه لو كان يصحّ لنا أن نثبت الضمان بـ(لا ضرر) في بعض الموارد للزم ذلك أن نثبت الضمان في موارد لا يحتمل فيها فقيه الحكم بالضمان.

 وتوضيحه: أنّ (لا ضرر) إمّا ان نقول إنّها تنفي وقوع الضرر، وإمّا أن نقول إنّها تحكم بتدارك الضرر الواقع، فإنّ هذين معنيان للقاعدة على ما تقدّم. 

فإن قلنا: بأنّها تنفي وقوع الضرر أو الحكم الذي يؤدّي الضرر، إذن، لا يمكن أن نثبت بها الحكم بالضمان؛ لأنّ الضمان بحسب الحقيقة ليس نفيّاً للضرر، بل هو تدارك للضرر المفروغ عن وجوده. كالشخص الذي يخرب بيته فهنا لو ضمنه شخص فليس معناه أنّه لم يقع ضرر، وإنّما معناه أنّ الضرر تداركه وقام بعوضه شخص آخر. 

وإن قلنا: إنّ القاعدة تحكم بتدارك كلّ ضررٍ واقع، فيمكن حينئذٍ، أن نثبت الحكم بالضمان بالقاعدة، لكن يلزم من هذا أنّه متى ما رأينا ضرراً واقعاً نحكم بلزوم ضمانه وتداركه، فلو خرب بيت شخص لعاصفة أو صاعقة، فنقول: إنّه يحكم بوجوب تدارك هذا الضرر وضمانه، فان لم يكن شخص معيّن أحق بضمان هذا المال، فليكن الضامن هو بيت المال مع أنّه لا يدّعي أحد من 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الفقهاء مثل هذه الضمانات بهذا العرض العريض. هذا هو النقض الذي أورده المحقّق النائيني وتّبعه السيّد الاستاذ.

هذا النقض -كما ترون- لا علاقة له بأصل المدّعى وهو التعميم، فإنّه لو فرضنا أنّ هذا النقض كان وارداً وبه أبطلنا جواز التمسّك بالقاعدة لإثبات الضمان، بدعوى أنّ القاعدة ليست في مقام التدارك للضرر الواقع، بل في مقام نفي أصل الضرر؛ فلا يثبت بها الضمان، لأنّ مرجعه إلى التدارك. افرضوا التزمنا بهذا، فإنّه ليس معناه أنّه قد بطل القول بالتعميم للقاعدة للأحكام الوجوديّة والعدميّة غايته يثبت بهذا أنّ عدم الضمان ليست من الأعدام التي تكون القاعدة شاملة له؛ لأنّ عدم الضمان ليست ضرراً، وإنّما هو عدم تدارك الضرر، والذي يقول بتعميم القاعدة يقول بذلك لكلّ عدمٍ يكون ضررياً، لا لكلّ عدم يكون عدم تدارك ضرر. فالمسألتان خلطت إحداهما بالأُخرى.

فإنه عندنا هنا مسالتان: 

أحدهما: أنّ (لا ضرر) هل هي في مقام نفي كلّ حكم ضرري، أو في مقام إثبات وجوب كلّ ضررٍ واقع؟

 قال هؤلاء: إنّه لو اخترنا الثاني يلزم الحكم بضمان كلّ ما يتلف عند الإنسان ولو بآفة سماويّة؛ فيكون هذا النقض برهاناً على تعيّن الأوّل، وهو كون مفادها نفي الحكم الضرري؛ فليكن هذه مسألة في نفسها.

ثانيهما: وهي التي ينفتح البحث فيها حتّى على تقدير اختيار الوجه الأوّل في المسألة السابقة، فإنّه لو سلّمنا أنّ مفاد القاعدة هو نفي الضرر أو الحكم 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الضرري لا وجوب تداركه فنقول: إنّه نفى بها أي حكم ضرري، فهل نفى الأحكام الوجوديّة الضرريّة، أو الأحكام العدميّة الضرريّة أيضاً؟ 

فلو ادّعى شخص حينئذٍ، أنّ القاعدة كما تنفي الوجود الضرري للحكم كذلك تنفي العدم الضرري له، فمثل هذه الدعوى لا يُنقض عليها بمثل هذا النقض. نعم، لو اضاف هذا المدّعي (أنّ القاعدة في مقام تدارك الضرر الواقع) فإذا اختار في المسألة الاولى الوجه الثاني، فإنّه يرد عليه هذا النقض. فهذا نقض – لو تم- على الوجه الثاني في المسألة الاولى، لا على القول بالتعميم في المسالة الثانية، فلا يمكن أن يُجعل هذا إشكالاً على القول بالتعميم.

وبعد هذا، لابدَّ أن تبحث هذه المسألة في نفسها أنّه هل يمكن أن نثبت بقاعدة (لا ضرر) الضمان من باب أنّ عدم الضمان ضرري أو لا؟

 وهنا نبحث هذه المسألة بعد الفراغ عن أنّ قاعدة (لا ضرر) مفادها نفي الضرر لا إيجاب تدارك الضرر الواقع- كما فرغنا عنه في الأبحاث السابقة- وبعد الفراغ أيضاً عن القول بالتعميم، وأنّ القاعدة كما تنفي الأحكام الوجوديّة الضررية كذلك تنفي الأحكام العدميّة الضرريّة.

[تحقيق في إثبات الضمان بـ(لا ضرر)]

وتحقيق أنّ قاعدة (لا ضرر) هل يثبت بها الضمان أو لا يثبت؟

 مبني على الالتفات الى هذه النكتة، وهي: أنّ الحكم بالضمان هل هو تدارك للضرر الواقع أو هو نفي للضرر؟

 فإذا كان الأوّل فعدمه عدم تدارك للضرر الواقع، إذن، عدمه ليس مؤديّاً 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إلى الضرر، بل إلى عدم تدارك الضرر واقع بقطع النظر عنه(1)، فلا تشمله القاعدة. وإذا كان الضمان نفيّاً لأصل الضرر، فعدمه هو تثبيت لأصل الضرر، فيكون حكماً عدمياً ضررياً؛ فتشمله القاعدة.

وتحقيق الحال في ذلك: أمّا على طريقتنا العامّة في فهم (لا ضرر) وتطبيقاتها، فالمطلب في غاية الوضوح، وذلك؛ لأنّنا في أمثال هذه الموارد، لا باعتبار الضرر المالي الذي حصل لهذا المؤمن الذي تلف ماله من ناحية أنّ بيته خرب. فمثلاً لو أنّ شخصاً غصب بيته وهدمه، فهنا نطبق (لا ضرر) في إثبات ضمان الغاصب، لا بلحاظ هذا النقص المالي الناشئ من خراب بيته؛ حتّى يقال: بأنّ هذا الضرر وقع على أي حال سواءٌ ضمن أو لا، فالضمان بالنسبة اليه تدارك له لا نفي له. وعدم الضمان عدم التدارك، لا أنّه هو المثبت للضرر.

بل نحن نطبق (لا ضرر) بلحاظ ضرر آخر متأخّر عن ذلك الضرر، وهو فرد من الأفراد العقلائية للضرر، فإنّ المركوز بالأذهان أنّه تشتغل ذمّته بالمثل أو القيمة للمالك، فالعقلاء بنظرهم التشريعي يرون المغصوب منه مالكاً لشيء في ذمّة الغاصب وواجداً له بقانون أنّه مغصوب منه، وهذا ضمان عقلائي ارتكازي، فلو فرض أنّ الشارع لم يمضِ هذا الضمان، وقال: بأنّ المغصوب منه ليس له شيء في ذمّة المغصوب يكون هذا نقصاً بحسب النظر التشريعي العقلائي؛ لأنّه يرى أنّه واجد لشيء في ذمة الغاصب، فإن نفاه الشارع يكون 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() لأنه هو لا يؤدي إلى الضرر بل يؤدي إلى أن يبقى الضرر الواقع بلا تدارك.  (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

نقصاً وضرراً بحسب النظر العقلائي. وحينئذٍ فيكون تطبيق (لا ضرر) في المقام

 بلحاظ هذا الضرر الناشئ من ارتكازيّة الضمان في الأذهان العقلائيّة؛ فعدم إمضاء الشارع للنظر العقلائي تنقيص لمال هذا الشخص ولحقه بالنظر العقلائي؛ فيكون مصداقاً للضرر، فينفي عدم جعل الضمان فيثبت جعله لا محالة.

وهذا التطبيق هو الذي مشينا عليه إلى حد الآن، وأصلحنا به حديث الشفعة وحديث منع فضل الماء؛ إذ فرضنا استحقاقات عقلائي وفرضنا أنّ عدمها ضرري بحسب النظر العقلائي، فيثبت بـ(لا ضرر) إمضاؤها. 

وبناءً على هذا التقريب يتّضح في المقام أنّ النقض الذي أورده الأعلام غير وارد؛ لأنّ هذا التقريب لا يصح إلّا في موارد عقلائيّة الضمان بحيث يكون الضمان في المرتبة السابقة على قاعدة (لا ضرر) عقلائياً وارتكازياً، بحيث يرى أنّ حرمان المغصوب منه في ذمّة الغاصب ضرر في النظر العقلائي. 

وأمّا في مورد يتلف على الشخص ماله لكن لا يوجد ارتكاز الضمان عقلائياً فلا يأتي هذا التقريب، كما لو أنّ شخصاً خرب بيته بآفة سماوية، فهنا يوجد ضرر قد وقع على أي حال، وهو لا ينفى بالحكم بالضمان، حتّى يجعل الحكم بالضمان، فإنّ هذا الحكم لا ينفي هذا الضرر، بل يتداركه، و(لا ضرر) لا تثبت التدارك. ولا يوجد هناك ارتكاز عقلائي في مقام التضمين على أن من يخرب بيته بآفة سماويّة يضمنه بيت المال أو جيرانه أو قبيلته. فحيث إنّه غير موجودٍ في الأنظار العقلائيّة، فلا يكون عندنا فرد من الضرر يمكن نفيه في المقام. نعم عندنا فرد يمكن تداركه وهو فراغ البيت، لكن المفروض أنّ (لا 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ضرر) ليست في مقام التدارك، بل هي في مقام النفي. وبهذا يظهر بأنّ النقض غير وارد على هذا التقريب. هذا كلّه على طريقتنا في فهم قاعدة (لا ضرر).

فالآن، لو قطعنا النظر عن هذا التقريب، يعني: قطعنا النظر عن هذا الضرر الذي أبرزناه، وهو الضرر الناشئ من سلب حقّ المغصوب منه في ذمّة الغاصب، وفرضنا أنّه ليس عندنا إلّا الضرر الأوّل التكويني، وهو خراب بيته، فهل هنا يكون الحكم بالضمان نفيا للضرر أو تداركاً للضرر؟

لا إشكال ولا ريب في أنّ الحكم بالضمان هنا تدارك للضرر، وهذا يكون بحسب واقعه؛ لأنّ الضرر وقع على أي حال، والضمان لا يكون إلّا تداركاً له إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّ الحكم بالضمان تداركاً للضرر بحسب الواقع (1)، ولكنّه نفي له بالعناية العقلائيّة.

وذلك؛ لأنّ الضمان -على ما قلناه في أبحاث العهدة والضمان(2)– عبارة عن أنّ المال الذي يكون مضموناً يدخل في عهدة الضامن، وبعد تلفه تشتغل ذمّة الضامن به، ويكون اشتغال الذمة به بعناية أنّ المال لا يزال محفوظاً، غاية الأمر أن تبدّل وعاؤه، فكان وعاؤه هو الخارج وأصبح وعاؤه العهدة، ثُمّ الذمّة بعد تلفه. فالمال -بالنظر الضماني- موجود في وعاء اعتيادي، ولهذا فالأداء يكون أداء لنفسه لا أنّه أداء لشيء آخر. أداء لنفسه ببعض مراتبه، بعناية الضمان.

ــــــــــ[180]ــــــــــ

() وهو بدل الغرامة وهو بيت عوض ذلك البيت الذي خرب. سيأتي الحديث عنه، (المقرِّر).

(2) في البحث التعطيلي في شهر رمضان. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إذا تمّ هذا المدّعى -وتحقيقه في محلّه- حينئذٍ، يقال: بأنّ مجرّد هذه العناية لا تكفي في مقام نفي الضرر؛ لأنّ المال وإن حفظ في وعاء اعتباري، لكن بالتالي حفظه في الوعاء الاعتباري ليس كحفظه في الوعاء الحقيقي، فهذا وقع في ضرر بينما كان ماله في الوعاء الحقيقي أصبح في الوعاء الاعتباري. فنفس انتقال المال من الوعاء الخارجي الى الاعتباري ضرر.

لكن لو رجع المال مرة اُخرى إلى الوعاء الخارجي، وذلك في مقام الأداء، فهذا الذي انتقل إلى الوعاء الاعتباري أُرجع مرة اُخرى إلى الوعاء الخارجي فأُديّ. فهذا الأداء بعناية أنّه أداء لنفس المال، فيكون نفياً لأصل الضرر، لا أنّه يكون تداركاً للضرر، حيث إنّ المفروض أنّ هذا المال هو نفس ذلك المال، غاية الأمر طوى مسيراً في الذهنيّة القانونيّة للعقلاء، فإنّه خرج من الوعاء الخارجي ودخل العهدة، ثُمّ الذمّة ثُمّ رجع إلى وعاء الخارج فكأنّه رجع ماله اليه، فيكون نفياً للضرر لا تدارك له، هذا غاية ما يمكن أن يقرّب به كون الحكم بالضمان نفياً لا تداركاً.

لكنه مع هذا غير تامٍ، فإنّ مثل هذه العناية عناية واضحة، وليس مركوزة بالدرجة التي تجعل ظهور اللفظ شاملاً لمثل هذا النفي، وعليه فهذا التقريب غير تامٍ(1).

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: لو تمّ يرد عليه النقض.

 فأجاب: لو تمّ هذا الوجه ايضاً لا يرد عليه النقض؛ لأنّه يختص بخصوص ما إذا كانت العناية مركوزة في الاذهان العقلائية، بتلك الدرجة العالية، بحيث كان من الشدّة بحيث أنّ العقلاء كأنهم لا يحسون بهذه العناية. لكن نحن لا نسلّم أنّ العناية بلغت إلى تلك الدرجة العالية من الارتكاز. والعمدة حينئذٍ، هو التقريب الأوّل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وعليه، فنحن نلتزم بإثبات الضمان بالقاعدة، بل بحسب الحقيقة مهم المدرك لكثير من الضمانات هو هذه القاعدة. فإنّ كثيراً منها ممّا لا يوجد عليها دليل لفظي خاصّ صحيح، ولهذا التجأ الفقهاء المتأخّرون إلى الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على جملّة من الضمانات، من قبيل الضمان بقاعدة اليد أو ضمان عمل الحر بالتفويت مثلاً. 

وقلنا مراراً: بأنّ السيرة العقلائيّة مسلك وَعِرٌ شائِك؛ لأنّ الاستدلال به يتوقّف على إحراز وجود الارتكاز في عصر النبي والأئمة، وأنّه مطابق بحدوده وقيوده للارتكاز المعاش اليوم، وقد بيّنا استحالة الجزم به في كثير من موارد هذه السيرة.

بينما نحن لسنا بحاجة الى ذلك، فإنّنا نتمسّك بـ(لا ضرر) في مقام إثبات هذا الضمان. هذا تمام الكلام في التقريب الثاني.

 وتلخَّص: أنّ (لا ضرر) كما تجري في الأمور الوجوديّة تجري في الأمور العدميّة، وكما ترفع تضع. والنبي طبّقها في مقام الرفع، كما طبّقها في مقام الوضع، بناءً على ما وجهنا به الأحاديث التي علل فيها قضاء النبي بالشفعة وقضاؤه بمنع فضل الماء بلا ضرر، فإنّنا بعد أن عجزت التصوّرات الاُخرى عن حل المطلب، قلنا: بأنّ تعليل النبي كان باعتبار أنّ حقّ 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الشفعة وحقّ فضل الماء حقّ عقلائي مركوز فيكون عدمه ضررياً، فيثبت بـ(لا ضرر) وجود هذا الحق.

فهذا التطبيق من قبل النبي عيناً من قبيل تطبيقنا لـ(لا ضرر) في مقام إثبات الضمان بالتقريب الذي بيّناه. وللكلام تتمة تأتي.

*****

نكرر بنحو الاختصار مناقشة النقض الثاني الذي ذكره الميرزا، لما ذكره بعض الأحبة من البحث بالأمس كان مشوشاً. أقام الميرزا مثالين في مقام النقض على القول بالتعميم، أحدهما: جعل الولاية للزوجة على الطلاق. والآخر: التوسع في باب الضمان، وإثبات ضمانات لا يقول بها أحد. وكان الكلام في النقض الثاني. 

في مثير الإشكال عند النائيني 

وهذا النقض في الحقيقة كان المثير له عند المحقّق النائيني هو المثال الذي ذكره التعميمي للتعميم، ولذا لا بدّ أن نرى أولاً المثال الذي ذكره المعمم الذي قال: إن (لا ضرر) كما تشمل الأحكام الوجوديّة كذلك تشمل الأحكام العدميّة فقال: بأن القاعدة ننفي بها عدم الضمان حيث يكون عدمه ضررياً ونثبت بها الضمان، فجعل مثال التعميم وثمرته هو ذلك. خلافاً لمن لا يقول بالتعميم، فيقول: بأن القاعدة تختص بالأحكام الوجوديّة، ولا يمكنه أن ينفي عدم الضمان بالقاعدة؛ فيثبت الضمان.

فهذا المثال الذي ذكره المعمم هو المثير للنقض الثاني للميرزا، وحاصل ما 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ذكره الميرزا في هذا النقض ينحل إلى إشكالين: 

الإشكال الأوّل: أنّ تطبيق القاعدة لإثبات الضمان خطأ؛ لأنّ الضمان ليس مما ينفي به الضرر، وإنّما هو ما يتدارك به الضرر، و(لا ضرر) مفادها نفي الحكم الضرري لا إيجاب تدارك الضرر الواقع، وعدم الضمان ليس ضررياً والضمان لا ينفى به الضرر، بل الضمان تدارك لضرر واقع. وهذا الإشكال إشكال حلي.

الإشكال الثاني: وهو إشكال نقضي، كأنّنا نقول -في مقام توضيح كلام الميرزا- أنّنا لو تنزّلنا عن الإشكال الأوّل، إمّا بأن نفرض بأنّ مفاد (لا ضرر) هو وجوب التدارك أو بأن نفرض أنّ الضمان ليس هو تدارك الضرر، بل هو نفي الضرر، فحينئذٍ، يأتي الإشكال الثاني. وذلك بأن يقال: إنّه إذا كانت القاعدة -بناءً على هذه التنزّلات- صالحة لأن يثبت بها الضمان وتدارك الضرر الواقع، فيلزم أنّه في كلّ موردٍ وقع ضرر على مؤمن خرب بيته بآفة سماويّة؛ فيحكم الضمان في المقام ببركة إطلاق هذه القاعدة، فيثبت بها ضمانات غير عقلائيّة ولا فقهيّة، وهو ممّا لا يقول بها أحد.

وهناك إشكال ثالث منصبّ أيضاً على المثال سوف نؤخّر بيانه إلى ما بعد؛ لأنّه ليس من الميرزا، بل هو من الشيخ الاصفهاني.

 [التعليق على إشكال الميرزا النائيني]

ونحن لنا حول هذين الإشكالين من الميرزا ثلاث كلمات:

الكلام الأوّل، في مناقشة الاشكال الاول الذي قال: إنّ الحكم بالضمان 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هو تدارك للضرر الواقع لا نفي للضرر، ومفاد القاعدة نفي الضرر لا التدارك. فنحن في الجواب نقول: بأنّ الحكم بالضمان نفي للضرر لا تدارك للضرر الواقع. إذن، تنطبق القاعدة عليه، وتشمله بلا اشكال.

وذلك يكون بأحد تقريبين ذكرناهما سابقاً. والحكم(1) بالضمان نفي لأصل هذا الضرر؛ لأنّه تدارك له(2). فيكون نفياً للضرر لكن بالعناية العقلائية لا نفي حقيقة. هذان تقريبان في مقام مناقشة الإشكال الأوّل للميرزا.

الكلام الثاني: وهو مع الإشكال الثاني للميرزا، وهو لزوم أن يثبت بالقاعدة ضمانات كثيرة غير عقلائيّة ولا فقهيّة، فنقول: لا يلزم ذلك، فإنّنا في مقام التخلّص عن الإشكال الأوّل ذكرنا تقريبين، وأي واحد منهما أخذنا به نرى أنّه لا يستوجب أن نثبت بـ(لا ضرر) ضماناً أزيد من دائرة الضمانات العقلائيّة.

أمّا التقريب الأوّل: فمن المعلوم أنّه يختص بخصوص ما إذا هناك ارتكاز عقلائي على التضمين، حتّى يكون عدم الإمضاء من قبل الشارع ضرراً في نظر العقلاء حتّى يشمل القاعدة، وأمّا حيث لا يكون التضمين مركّزاً في نظرهم لا يكون الضمان ضرراً بهذا المعنى فلا تشمله القاعدة. فمن خرب بيته لآفة سماويّة لا يكون عدم الضمان ضررياً بالنسبة إليه؛ لأنّ الارتكاز العقلائي لم 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

() وهنا لخص التقريب الأوّل المختار بلحاظ الضرر العقلائي، كما سبق تماماً وقال: والحكم… (المقرِّر).

(2) وذكر التقريب الثاني المبني على فهم العقلاء للضمان، كما سبق. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ينعقد على الضمان حتّى يكون عدم إمضائه من قبل الشارع فرداً من الضرر بالنظر العقلائي.

فبناءً على التقريب الأوّل، يمكننا أن نثبت بالقاعدة الضمان في الموارد العقلائيّة للضمان، ولا يلزم من ذلك إجراء الضمان إلى موارد اُخرى لا يقول بها العقلاء والفقه.

وكذلك الأمر لو أخذنا بالتقريب الثاني الذي كان بعناية أنّ الضمان في نظر العقلاء هو حفظ المال لا استبداله، وهذه العناية لا يمكن الاعتماد عليها في مقام التمسّك بالقاعدة إلّا إذا كانت عناية مركوزة في الاذهان العقلائيّة بحيث توجب شمول الإطلاق لهذا الفرد، ومن المعلوم أنّ مثل هذه العناية غير موجودة في موارد عدم الضمان العقلائي، فإنّهم في مثله لا يرون أنّ هذا نفس ذلك قد أدّى، حيث إنّهم لا يرون الضمان، بل يرون هذا شيئاً آخر قد أدّي عوضاً عنه. فالعناية لا تكون مركوزة، وحينئذٍ، لا يكون الحكم بالضمان نفيّاً للضرر، بل يكون تداركاً للضرر؛ فلا تشمله القاعدة. هذا هو كلامنا الثاني.

 وأما كلامنا الثالث: أنّه لو تمّ ما ذكره من الإشكالات على هذا المثال، فنتيجتها: أنّ قاعدة (لا ضرر) لا يمكن أن نثبت بها الضمان حتّى لو قلنا بتعميمها للأحكام العدميّة؛ لأنّ الضمان عندهم -بقطع النظر عن التقريبين اللذين ذكرناهما- عبارة عن تدارك الضرر، ومفاد القاعدة نفي أصل الضرر لا تداركه، سواءٌ كان أمراً وجودياً أو عدمياً لا في تداركه. فنتيجته: أنّ القاعدة حتّى لو قيل بتعميمها لا يثبت بها الضمان. إذن، فكيف يصير إثبات بطلان 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الضمان دليلاً على بطلان التعميم، مع أنّه يظهر من تحليل كلامهم أنّه لا ربط أصلاً بين القول بالتعميم وبين هذه المستلزمات.

فيمكن للقائل بالتعميم أن يعترف بأن مثاله كان خطأ، لكن مع هذا يبقى متمسّكاً بقوله الأوّل وهو التعميم، وأنّ القاعدة تشمل الأحكام الوجوديّة والعدميّة، وأبدل هذا المثال بمثال آخر، كمسألة عدم حرمة الإضرار بالغير، وأن هذا عدم ضرري فينتفي بالقاعدة، فتثبت حرمة الإضرار(1). هذا هو كلامنا الثالث مع الميرزا. 

ومن مجموع هذه الكلمات يتّضح أنّه لا بأس بإثبات الضمان في الموارد العقلائيّة، يعني: ننفي بالقاعدة عدم الضمان؛ فيثبت الضمان، ولا يلزم في المقام محذور.

[إشكال المحقق الأصفهاني وجوابه]

نعم، هناك إشكال آخر أورده المحقّق الاصفهاني  في كتاب الإجارة، فذكر: بأنّ (لا ضرر) حيث إنّ لسانها لسان الحكومة فهي تفرض حكماً ثابتاً 
-وجودياً أو عدمياً- وترفع إطلاقه لحالة الضرر، فلابدّ وأن يُفرض كون الحكم له حالتان: 

حالة يكون فيها ضررياً، وحالة لا يكون فيها كذلك، والقاعدة تنظر إليه وتخصصه وتهدم إحدى حالتيه، كما هو معنى الحكومة، فوجوب الوضوء في 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: كلّ هذا التفصيل تبرّعات من قبلي وإلّا فالعبارة في غاية التشويش. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إحدى حالتيه ضروري، وفي الحالة الثانية ليس كذلك، فالقاعدة تنفي إحداهما.

وأمّا في المقام فهذا الحكم العدمي، أي: عدم ضمان الغاصب من أصله حكم ضرري، لا أنّه حكم له حالتان، ففي بعض الأحيان ضرري وفي بعضها لا يكون كذلك. فحاله حال الخمس والزكاة الذي يكون من أصله ضرري. وكما لا يمكن نفيهما بالقاعدة كذلك لا يمكن نفيه.

ومقصود الشيخ الاصفهاني من الضرريّة هذا: وهو أنّ عدم الضمان الذي هو حكم عدمي دائماً هو ضرري في حقّ المغصوب منه، وفي مثله لا نتعقّل الحكومة، فإنّه ليس له حالة ضرر وحالة لا ضرر حتّى ينفي إطلاقه بالقاعدة من باب الحكومة.

وجوابه: هو أنّ هذا العدم ليس منتزعاً إلّا من ناحية ضيق دائرة جعل التضمين في الشريعة الإسلاميّة، فإذا فُرِض أنّه في الشريعة لم يجعل اشتغال الذمّة إلّا لسبب معين كالإتلاف -مثلاً-؛ فعدم اشتغال الذمّة بغير الاتلاف حكم عدمي واحد مجعول بتبع ضيق دائرة جعل الضمان، وهذا العدم الواحد أحياناً يكون ضررياً وأحياناً لا يكون. فبراءة ذمّة مؤمن جالس في مكانه لا يكون ضررياً، وبراءة ذمّة غاصب تلف المال تحت يده يكون ضررياً -مثلاً-.

فالشيخ الاصفهاني أخذ قطعة من العدم وقال: إنّها دائماً ضرريّة مع أنّه كان يلزم أن يأخذ طبيعي العدم المجعول بتبع جعل الضمان في المورد الخاص، ومثل هذا الطبيعي أحياناً يكون ضررياً وأحياناً لا يكون ضررياً.

وعليه فلا مانع من التمسّك بالقاعدة لإثبات الضمان، وإذا رجعنا الى 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أصل المطلب يتضح أنّ القاعدة كما تجري في الأحكام الوجودية تجري في الأحكام العدمية، فهي ترفع وتضع، وهذا هو الذي عمله رسول الله بناءً على صحّة الروايات؛ فإنه في حديث الشفعة (قضى رسول الله بالشفعة) جعل حكما وعلّله بـ(لا ضرر ولا ضرار). فوضع الحكم كان مستنداً الى القاعدة. والشفعة هو حكم وجودي فإنّه عبارة عن حق معيّن في فسخ العقد، وليست الشفعة مجرّد عدم اللزوم حتّى يقال: إنّ (لا ضرر) نفت لزوم البيع. بل هي حقّ وجودي زائد على مجرّد عدم اللزوم.

وكذلك الحال في رواية أنّ النبي نهى عن منع فضل الماء، فإنّه أثبت حرمة بـ(لا ضرر ولا ضرار)، إذ عدم الحرمة كان ضررياً؛ فأثبت الحرمة بالقاعدة، وهذا أيضاً من مؤيّدات المطلب.

وأمّا في رواية سمرة بن جندب إن قلنا بأنّ التطبيق في الرواية بلحاظ (لا ضرار) لا بلحاظ (لا ضرر) -كما احتملنا هذا وقرّبناه- لأنّ سمرة حمل بيده سلاحاً وهو مسالة استحقاقه لإبقاء النخلة وأراد به أن يثبت باطلاً، فهذا يدخل في (لا ضرار)، ويكون التطبيق بلحاظ نفي حكم وجودي وهو الاستحقاق والسلطنة والمالكيّة.

وأمّا إذا قلنا بأنّ التطبيق بلحاظ (لا ضرر)، فأي أمر وجودي يكون قد ارتفع بـ(لا ضرر)؟ 

هم يقولون: إنّ هذا الأمر الوجودي عبارة عن استحقاق سمرة بن جندب للدخول بلا استئذان، مع أنّ سمرة لم يكن له في أي وقت -حتّى بقطع 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

النظر عن هذه القاعدة- استحقاق للدخول بقيد أن يكون بلا استئذان، بحيث له حقّ أن يهتك حرمة الأنصاري. 

إذن، لم يكن هناك شيء يقبل أن يرفع إلّا عدم الحرمة، بأن يقال: بأنّ عدم تحريم الدخول بلا استئذان ضرري فتثبت الحرمة ونحو ذلك، فيرجع (لا ضرر) أيضاً إلى تطبيقه على الأمر العدمي لا على الأمر الوجودي. هذا تمام الكلام في هذا التنبيه.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 










التنبيه الثاني(1): في تعاكس تطبيقات الفقهاء للقاعدة 

 

وقع تعاكس صوري مظهري بين تطبيقين للفقهاء من تطبيقات القاعدة:

أحدهما: في مسألة الغبن والجنابة 

أحدهما: أنّهم قالوا: بأنّ المعاملة الغبنيّة يرتفع لزومها بالقاعدة؛ لأنّ لزومها حكم ضرري، لكن إنّما يرتفع لو كان المغبون جاهلاً بالغبن، وأمّا لو كان عالماً بذلك ومع ذلك أقدم على المعاملة، فإنّ لزومها لا يرتفع بالقاعدة، بل يحكم بلزوم المعاملة هنا.

ثانيهما: أنّهم قالوا: إنّ من وقع في جنابة اضطراراً، وكان الغسل مضرّاً بحاله، فوجوب الغسل حكم ضرري يرتفع بالقاعدة، لكن لو أجنب نفسه، وفرض أنّه كان عالماً بما يؤدّي إليه ذلك من الوقوع في الضرر؛ فهنا قالوا: بأنّ الوجوب أيضاً يرتفع بالقاعدة. يعني قالوا: إنّ وجوب الغسل إذا كان ضررياً يرتفع على كلّ حالٍ سواءٌ وقعت الجنابة عليه قهراً، أو أوقع نفسه عليه اختياراً.

ومن هنا وقع تناقض شكلي بين هذين الكلامين، حيث قد يقال في بادئ الأمر: أنّه إن كان إقدام المكلّف على معاملة غبنيّة عالماً بأنّها غبنيّة ضرريّة، إن كان هذا مانعاً عن شمول القاعدة له في المورد الأوّل وموجباً لعدم رفع اللزوم 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() التنبيه الثاني (كذا بحسب تسلسل العام للكلام). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بالقاعدة، إذن فلماذا لا يكون إقدام المكلف عمداً مع التفاته إلى ضرريّة الغسل، فيكون أيضاً مانعاً عن شمول القاعدة له بحيث لا يرفع وجوبه القاعدة. فالقاعدة إذا عجزت عن رفع اللزوم في الأوّل تعجز عن رفع وجوب الغسل في الثاني.

وهذا التعارض الظاهري أوجب من المحقّق النائيني لبيان نكتة الفرق ما بين الموردين، وبيان أنّ القاعدة لماذا لا ترفع لزوم المعاملة الغبنية فيما إذا كان المغبون عالماً بالغبن، ثُمّ يبيّن أن تلك النكتة لا تجري في المورد الثاني؛ فلابدّ من بيان نكتة تنطبق على المورد الأوّل وتأبى عن الانطباق على المورد الثاني، حتّى تكون ملاكاً للفرق.

كلمات الميرزا ومناقشتها

وعبائر بحث المحقّق النائيني لا تخلو من نحو من الاضطراب والتشويش، وهذا الاضطراب أحياناً يكون فيه بركة؛ لأنّه يساعد على تكثير الاحتمالات، فيمكن أن نصب نظريّة المحقّق النائيني في ثلاث تقريبات، مع التعلّيق مع كلّ واحدٍ منها. وفي كلّ من التقريبات نحتاج إلى أمرين: 

الأمر الأوّل: تصوير نكتة عدم شمول القاعدة للزوم فيما إذا كان عالما بالغبن.

 الأمر الثاني: أنّ تلك النكتة لا تجري في المورد الثاني.

والتقريب الأوّل 

لكلام الميرزا هو أن يقال: إنّ القاعدة إنّما تجري فيما إذا كان الحكم الضرري هو الجزء الأخير من العلّة التامّة للوقوع في الضرر، بحيث لا يتوسّط 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بينه وبين الوقوع في الضرر شيء؛ فإنّه في مثل ذلك يكون الحكم حاله بالنسبة إلى ذلك الضرر حال الاسباب التوليدية، فاكتسب بنفسه عنوان الضرر- على مسلك الميرزا في شرح القاعدة فأصبح نفس الحكم فرداً من عنوان الضرر، فيشمله النفي في القاعدة.

وأمّا إذا افترضنا أنّ الجزء الأخير من العلّة التامّة كان هو اختيار المكلّف وارادته، وكان الحكم جزءاً إعدادياً، فإذا لم يصدق عليه أنّه سبب توليدي لا يكون مصداقاً لعنوان الضرر. 

ولا يقال: بأنّه بناءً على هذا يلزم أن لا ننفي وجوب الوضوء الضرري بالقاعدة، لأنّه ليس هو الجزء الأخير من العلّة التامّة لوقوع الضرر، لأنّه بعد الوجوب تأتي إرادة المكلّف؛ لأنّه يريد أن يتوضأ فيتوضأ فيقع في ضرر، فهذا يندرج إلى القسم الثاني، ولا يكون وجوب الوضوء الجزء الأخير من العلّة التامّة، فكيف ترفعونه بالقاعدة؟

لأنّه يقال: بأن إرادة المكلّف هنا حيث إنّها مقهورة للوجوب وتحت الضغط المولوي، فهذه الإرادة بلا إرادة، ومثل هذا الاختيار المقهور وجوده كعدمه، فإذا كان كذلك فكأن الوجوب هو الجزء الأخير من العلّة التامّة.

هذه هي المقدّمة التي سوف يبني الميرزا على أساسها التقريب الأوّل -لو كان مرادها ذلك- وخلاصتها: أنّ (لا ضرر) إنما تجري فيما إذا كان الحكم الشرعي الجزء الأخير من العلّة التامّة، أمّا إذا كان الجزء الأخير هو إرادة المكلّف غير المقهورة، وكان الحكم مقدّمة إعداديّة لها، فهذا الحكم لا يكون 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ضررياً فلا يرفع بالقاعدة، فإذا جئنا إلى تطبيقه في المقام، ففي المورد الأوّل، وهو ما إذا فرض أنّ هذا الشخص أقدم على المعاملة الغبنية عالماً بالغبن. فهنا يقال: إنّه عندنا حكم شرعي هو لزوم المعاملة الغبنية. وهذا اللزوم في نفسه لا يؤدي الى الضرر ما لم يتصدّ المكلّف إلى ايقاع المعاملة الغبنية بحسب الخارج. فإن كان جاهلاً بالغبن فإرادة المعاملة الغبنية بما هي غبنية لم تكن موجودة لديه، يعني: وقع الغبن عليه بلا اختياره. فهنا لم يتوسّط بين اللزوم وبين الضرر اختيار المكلّف. فيكون اللزوم في موارد الجهل متّصفاً بالضررية، فيرتفع بالقاعدة.

وأمّا في موارد العلم فليس اللزوم هو الجزء الأخير من العلّة التامّة، فإنّه يمكن فرض اللزوم في حالة العلم، فلو فُرِض أنّه أقدم عالماً على المعاملة الغبنيّة واختارها، فهذا الاختيار يكون هو الأخير من العلّة التامّة للوقوع في الضرر، وهذا الاختيار ليس مقهوراً، وليس حاله حال اختيار الوضوء، فإنّ ذلك مقهور لوجوب الوضوء، ولكن اختيار المعاملة الغبنيّة ليس مقهوراً للحكم بلزومها؛ لأنّ المولى حينما يحكم بلزومها لا يلزم الناس بأن يتعاملوا بالغبن، فقد توسّط بين الحكم الشرعي إرادة غير مقهورة من قبل المكلّف وكان الحكم مقدّمة إعداديّة ما قبل الإرادة فلا يصدق عليه أنّه سبب توليدي للضرر؛ فلا يجري القاعدة في مقام نفي اللزوم.

فهذه هي نكتة الكلام الأوّل من المشهور، وهي لا تجري في المورد الثاني، فيما إذا أجنب نفسه متعمّداً. فإنه هناك لم يتوسّط إرادة غير مقهورة بين التكليف وبين وقوع الضرر بحسب الخارج؛ لأنّه هناك عندنا إرادتان: إرادة الإجناب، وإرادة الوضوء.

ــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 أمّا إرادة الاجناب فهي قبل التكليف ومن مبادئه لا أنّها توسّطت بين التكليف ووقوع الضرر خارجاً.

 وأمّا إرادة الغسل فهي إرادة مقهورة، لأنّها إرادة الطاعة. 

إذن فلم يتوسط بين وجوب الغسل وبين الوقوع في الضرر ارادة غير مقهورة للمكلف، فيصدق على وجوب الغسل هنا أنّه الجزء الأخير من العلّة التامّة لوقوع الضرر، فيكون مشمولاً للقاعدة. هذا هو حاصل التقريب الأوّل، وهو ينسجم مع أوائل عبائر الميرزا.

وهذا التقريب غير تامٍ ولا فني، وذلك؛ لأنّه هنا نُظر بعينين: نُظر في المورد الأوّل إلى الجعل ونُظر في المورد الثاني إلى المجعول. مع أنّه لو نظر في الموردين إلى الجعل أو فيهما إلى المجعول، لم يكن هناك فرق بينهما فإنّه إن نظر في كلا الموردين إلى الجعل. إذن، فقط توسطت إرادة غير مقهورة بين الجعل ووقوع الضرر بحسب الخارج.

فإنه في المورد الأوّل هناك جعل كبروي بنحو القضيّة الحقيقيّة، فإنّ البيع الغبني لازم، وقد أُخذ في موضوعه المقدّر الوجود البيع، وهذا جعل بما هو لا يترتّب عليه الضرر ما لم يتحقق موضوعه. وهذا الموضوع وهو المعاملة الغبنيّة وهو يتحقق بإرادة المكلّف. وإرادته لإيجادها ليس تحت القهر، فإنّ المولى لا يجبر المكلّف على أن يوجد المعاملة الغبنيّة. وفي المورد الثاني أيضاً لو لاحظنا الجعل نرى أنّ المولى جعل بنحو القضيّة الحقيقيّة أنّ من أجنب نفسه يجب عليه أن يغتسل، وهذا الجعل بما هو لا يكفي في وقوع الضرر، ما لم يتحقّق موضوعه المقدّر الوجود، وموضوعه هو أن يجنب نفسه، وهو لا يتحقّق إلّا بإرادة 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المكلّف واختياره. وإرادته للإجناب ليست تحت القهر من ناحية تلك القضية الحقيقيّة المجعولة. إذن، فقد توسّط بين الجعل ووقوع الضرر خارجاً إرادة غير مقهورة للمكلّف.

وأمّا لو لاحظنا المجعول فهو لم يتوسّط بينه وبين الوقوع في الضرر أي إرادة من قبل المكلّف لا في الأوّل ولا في الثاني. فإنّ المجعول في المورد الأوّل وهو اللزوم، وهو لا يصير فعلياً إلّا بعد صدور المعاملة الغبنيّة؛ لأنّ فعليّة المجعول فرع فعليّة الموضوع، ففي طول صدور المعاملة يصبح الموضوع فعلياً، وفي مثل هذه المرتبة لا يتوسّط بين اللزوم وبين وقوع البلاء والضرر أي شيء أصلاً، فإنّ هذا اللزوم يجري على هذا الإنسان نقصاً في المالية لا محالة.

وكذلك في الثاني فإننا لو لاحظنا فعليّة الوجوب المجعول، فإنّ هذا الوجوب في المرتبة المتأخّرة عن الإجناب وفي هذه المرتبة لا يتوسّط بينه وبين وقوع الضرر خارجاً، إلّا إرادة الغسل التي هي كـ (لا إرادة)، لأنّها تحت القهر والغلبة. إذن، فكلا الموردين من واد واحد.

التقريب الثاني: 

الذي يستفاد من أواسط كلمات الميرزا لا بنحو الظهور العرفي، بل بنحو يمكن للإنسان أن يفكر أن يكون هذا هو المقصود هو أن يقال: إنّ هذه النكتة التي توجب عدم شمول القاعدة للمورد الأوّل، أي: للزوم، هو أنّه مع العلم بالغبن لا يوجد هناك ضرر أصلاً، والضرر الذي هو المجوز لإجراء القاعدة إنّما هو في فرض الجهل بالغبن.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وكأن الوجه في ذلك: هو أنّ الضرر الذي من اجله تطبق القاعدة لنفي اللزوم في المعاملة الغبنيّة ليس هو الضرر المالي الذي هو عبارة عن عدم تساوي العوض مع المُعوض، بل هو ضرر فوات الشرط.

توضيحه: أنّ الميرزا كأنّه هكذا يقول: إنّ المغبون إمّا أن يشترط على الغابن التساوي في المالية، وإمّا أن لا يشترط عليه. فإن اشترط عليه ذلك ولو ارتكازاً وضمنا، فحينئذٍ، لا يكون هناك تساوي ويكون مغبوناً، ويكون متضرراً؛ لأنّه فقد شرطه، فيشمله (لا ضرر)، وبها تثبت الخيار.

 وأمّا إذا لم يشترط التساوي بين العوض والمعوَّض؛ فهذا لم يخسر شيئاً، لأنّه ليس له حقّ في التساوي حتّى يقال: إنّه حيث لا تساوي فقد خسر حقّه، فهنا لا يصدق الضرر.

فإنّ كان جاهلاً بالغبن فهو قد اشترط التساوي بالارتكاز العقلائي العام؛ لأنّ كلّ عاقلٍ بطبعه لا يرضى بالمعاملة الغبنيّة، فإذا اشترط التساوي ولم يكن هناك تساوي فقد وقع في الضرر فيطبق عليه القاعدة. 

وأمّا إذا كان عالماً بالغبن ومع علمه أقدم على المعاملة. فظاهر حاله أنّه لا يهتم بالتساوي ولا يشترطه وإلّا لمّا أقدم على هذه المعاملة، ومع عدم اشتراط التساوي لا يكون هناك ضرر، لأنّه لم يكن له حقّ في التساوي حتّى يفقده، فتجري القاعدة. إذن، ففي مورد العلم بالغبن (لا ضرر) أصلاً.

وهذا بخلافه بالمورد الثاني، فإنّه سواءً كان عالماً بأنّ الجنابة سوف تؤدّي به إلى غسل ضرري أو لا، بالتالي الضرر سوف يقع عليه، فإنّ ضرريّة الغسل أمر 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

واقعي خارجي سواء كان عالماً به أو لم يكن. وسواءٌ وقعت الجنابة عليه أو هو وقع على الجنابة، فالضرر محفوظ على كلّ حالٍ.

 ومن هنا تطبق القاعدة على كلّ حال. وهذا الكلام كأنه مبني على ما أشرنا إليه من أن تطبيق القاعدة ليس بلحاظ الضرر المالي الذي كان هو محلّ الكلام في المقام والذي هو ثابت على كلّ حالٍ، وإنّما كان بلحاظ ضرر فقدان شرط التساوي.

 وقد أشرنا في مناقشات لنا سابقة مع المحقّق العراقي بأنّ هذا البيان في نفسه غير تامٍ في مقام تطبيق القاعدة، فإنّه لا معنى لأنّ يقال: إنّه حيث اشترط التساوي فهو واجد له، فمع عدم التساوي يقع الضرر، فتجري القاعدة. 

فإنّه لو فُرِض أنه كان الشرط موجباً لصدق عنوان التساوي وليس واجداً للتساوي، فوقع الضرر. كيف يثبت بـ(لا ضرر) رفع اللزوم فإنّه رفعه لا يكون نفياً للضرر وهو عدم التساوي. وإنّما يكون تداركاً بالنسبة الى هذا الضرر الواقع ما لم يضف الى هذا البيان عناية من العنايات التي تكلمنا فيها فيما سبق، والتي كان أحسنها أنّ مرجع ترك التساوي إلى جعل شرط الخيار، وأن هذا الشرط واحد لشرط الخيار بالارتكاز العقلائي، فيكون عدم جعل الخيار له ضرراً بالنسبة إليه.

هذا التقريب لو بنينا عليه أمكن أن نقول: إنّ الارتكاز العقلائي القاضي بحق الخيار للمغبون مختص بخصوص صورة الجهل بالغبن. وأما صورة العلم به فلا يوجد هناك ارتكاز عقلائي يقتضي جعل الخيار للمغبون، فلا يكون عدم جعل الخيار من قبل الشارع ضرراً على المغبون؛ لأنّ ضررية اللزوم فرع ان يكون 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

على خلاف الارتكاز العقلائي، ولزوم المعاملة الغبنية لا يكون على خلاف الارتكاز إلّا في حالة الجهل. إذن ففي حالة العلم لا يكون على خلاف الارتكاز.

فيصح أن يدعى ما ادعاه الميرزا لكن بهذا البيان: بأننا إنّما نثبت بـ(لا ضرر) نفي اللزوم من باب أنّ اللزوم ضرر عقلائي، بلحاظ أنّ الارتكاز العقلائي يقتضي جعل حقّ الخيار، وجعله مختص بصورة الجهل، وغير موجود في صورة العلم.

لكن مع هذا كلّه بقي تطبيق القاعدة بلحاظ الضرر المالي، فإنّ عندنا زائداً على الضرر العقلائي ضرر مالي في نفسه، فإنّ هذا المغبون بالوجدان نقصت ماليّة امواله بهذه المعاوضة، وهذا الضرر ثابت على كلّ حالٍ، سواء كان عالماً بالغبن أو جاهلاً به، وحينئذٍ يقع إشكال من ناحية ذلك الضرر المالي.

وبتعبير آخر: المغبون يتصوّر فيه نحوان من الضرر:

 أحدهما: بلحاظ أنّ الارتكاز العقلائي يقتضي جعل حقّ الخيار له فإنّ لم يجعل يكون ضرراً، وهذه الضرريّة مخصوصة بصورة الجهل بالغبن؛ لأنّ الارتكاز مخصوص به.

 ثانيهما: النقصان المالي، وهو في نفسه ملاك كاف لتطبيق القاعدة وإجرائها، وهو لا يفرق فيه بين صورة العلم وصورة الجهل. 

ومن هنا أيضاً يقع الإشكال: أنّه كيف التزم الفقهاء في المقام بعدم تطبيق القاعدة؟

هذا هو التقريب الثاني المحتمل في كلام الميرزا.

ــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [التقريب الثالث]

الاحتمال الثالث(1): وهو للميرزا في التفرقة بين المسألتين، وفيه أيضاً لا بدّ أن تحصل نكتة تجري في المسألة الأولى لنفي جريان القاعدة فيما إذا كان المغبون عالماً بالمعاملة الغبنيّة، ثُمّ بعد هذا نقول: إنّ هذه النكتة لا تجري في المسألة الثانية فيما إذا أقدم على الجنابة ملتفتاً الى المطلب.

أمّا النكتة التي تقتضي عدم جريان القاعدة لنفي اللزوم فيما إذا كان المغبون أقدم عليها عالماً بالمغبونيّة، فهو تطبيق كبرى مسألة الإقدام على الضرر؛ لأنّ من مشروط جريان قاعدة (لا ضرر) أن لا يكون الإنسان مُقدِماً على الضرر، ومع الإقدام لا تجري. 

وفي المقام أقدم المكلّف عليه؛ لأنّ المعاملة الغبنيّة بنفسها تمثل النقص المالي الذي هو مصداق للضرر، وحينئذٍ فلا تجري القاعدة.

والفرق بين هذه النكتة والنكتة التي ذكرناها في التقريب الثاني من محتملات كلام الميرزا أنّه هناك كنا نقول: إنّه مع الإقدام على الغبن والعلم به لا ضرر أصلاً، لا أنّ هذا أقدم على الضرر؛ لأنّه كان يفترض أنّ الضرر نشأ من فوات الشرط لا من ناحية النقص المالي، ومع العلم بالمغبونيّة والإقدام عليها لا شرط فلا فوات لشيء فلا ضرر.

وأمّا هنا فلا يدّعى كون الإقدام مفنياً لأصل الضرر، بل أصله الذي هو 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

النقص المالي في المعاملة محفوظ، فموضوع القاعدة ينطبق على هذا المؤمن لكن حكم القاعدة لا ينطبق عليه، لأنّه يشترط في جريانها أن لا يكون هذا الضرر ممّا أقدم عليه، والمفروض أنّه أقدم على المعاملة الغبنية التي هي فرد من الضرر. هذه هي نكتة عدم جريان القاعدة لنفي اللزوم في المسألة الأولى.

وهذه النكتة في عدم الجريان غير ثابتة في المسألة الثانية فيما إذا أجنب نفسه متعمداً ملتفتاً إلى ضرريّة الغسل؛ لأنّه هناك لا يصدق الإقدام على الضرر، بل صدقه دوري، فإنّ صدق الإقدام على الضرر -الذي هو الغسل الضرري- فرع أن يكون هذا النحو من الجنابة ما يستتبع وجوب الغسل، وإلّا لو فُرِض أنّ هذه الجنابة لا تستتبع وجوب الغسل، فلا يكون الإقدام عليها إقداماً على الضرر؛ فيكون الإقدام عليها إقداماً على الضرر فرع الفراغ عن كون هذه الجنابة مستتبعة للحكم بوجوب الغسل. وترتّب وجوب الغسل على هذه الجنابة فرع أن يكون مقدّماً عليه؛ لأنّه لو لم يكن مقدّماً عليه ولم يكن الإقدام صادقاً لشملته قاعدة (لا ضرر) ونفت وجوب الغسل، إذ المفروض أنّه حكم ضرري. إذن فيلزم الدور في المقام. وهذا معناه أنّ صدق الإقدام دوري، فإذا استحال صدق الإقدام في المقام فلا يكون مانع عن شمول قاعدة (لا ضرر) له؛ لأنّه لا يتصوّر مانع عن شمولها لنفي وجوب الغسل، إلّا دعوى صدق الإقدام، والمفروض أنّه دوري مستحيل، فتبقى القاعدة بلا مانع. هذا هو حاصل هذا التقريب.

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [مناقشة التقريب الثالث في مقامين]

ويقع الكلام(1) في مناقشة هذا التقريب في مقامين:

 المقام الأوّل: في صحّة النكتة في المسألة الأولى، وأن الإقدام على الضرر فيها صادق أو لا؟

 المقام الثاني: في تطبيق النكتة على المسألة الثانية، وأنّ الإقدام هل هو دوري أو غير دوري؟

[المقام الأول: في صحة النكتة في المسألة الأولى]

أمّا الكلام في المقام الأوّل: فقد ذكر المحقّق العراقي أنّ الإقدام غير صادقٍ في المسألة الأولى، وأن الإقدام على الضرر في المعاملة الغبنيّة غير متحقّق؛ وذلك لأنّ حدوث المعاملة الغبنيّة وإن كان مقدّماً عليه إلّا أنّ المفروض والمتسالم عليه خروجه عن حريم القاعدة.

 وأمّا اللزوم الذي هو عبارة عن بقاء المعاملة إلى ما بعد الفسخ، فهذا حكم شرعي أو عقلائي غير مجعولٍ من قبل المتعاملين، فلا يكون ممّا أقدما عليه، وإذا لم يصدق الإقدام لا تكون قاعدة (لا ضرر) شاملة له.

إلّا أنّ هذا الكلام ناشئ من تصوّر مشهوري في تصوّر اللزوم والجواز؛ 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() أقول: ما يلي غير منقول عن جهاز التسجيل فقد انقطع التيار الكهربائي في اثناء الدرس ومنع عن الاستمرار في التسجيل ومن ثم سأحاول كتابته من إنشائي بالاستعانة ببعض القرائن والتكرارات المسجلة.  قال سيدنا الأستاذ: ويقع الكلام… (المقرِّر).  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فإنّ لهذين المفهومين تصورين: 

أحدهما: أنّ المجعول للمتعاملين في باب المعاملة ناظر إلى مرحلة الحدوث، والحكم بالصحّة إمضاءً لهذا المقدار من الجعل، ثُمّ يقع الحكم بالصحّة موضوع للحكم باللزوم من دون أن يكون اللزوم إثباتاً ونفياً مجعولاً من قبل المتعاملين.

ثانيهما: أنّ كلاً من الحدوث والبقاء مجعول من قبل المتعاملين، فإنّ المعاملة تدل على أمرين مجعولين:

 أحدهما: هو النقل والانتقال في الملكيّة، وهو معنى الحدوث.

 ثانيهما: الالتزام ببقاء هذا الأثر على حاله إلى ما بعد الفسخ. 

والمعاملة تدلّ بالدلالة المطابقيّة على الأثر الأوّل وبالدلالة الالتزاميّة على الأثر الثاني. وكلا هذين المدلولين المجعولين للمتعاملين ممضى من قبل العقلاء، فالجعل العقلائي ينحل من هذه الناحية أيضاً الى جعلين أحدهما بلحاظ الحدوث والآخر اللزوم(1).

فإن بنينا على التصوّر الأوّل فكلام المحقّق العراقي وجيه، وذلك بأن يقال: إنّ هذه المعاملة مضمونها هو إيجاد هذا الأثر حدوثاً، وظهورها سياقي في أنّ المتعاملين جادان في مقام التسبب إلى إيجاد هذا الأثر الحدوثي. إذن، فهما مُقدِّمان على هذا النقص حدوثاً. ولكن ليس للمعاملة مضمون يقتضي بقاء هذا الأثر حتّى بعد الفسخ، حتّى يقال: إنّهما مُقدِّمان على ضررية اللزوم أيضاً، إذن، فضرريّة اللزوم لا إقدام عليها في هذه المعاملة، إذن فلماذا لا تنتفي بـ(لا ضرر)؟

ــــــــــ[203]ــــــــــ

() أقول: الباقي منقول عن جهاز التسجيل بعد رجوع التيار. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا بناءً على التصوّر الثاني -وهو التصور الصحيح تبعاً للمحقّق النائيني- فلا يأتي هذا الكلام؛ وذلك لأنّ اللزوم الذي هو عبارة عن بقاء الأثر حتّى بعد الفسخ أيضاً تحت النظر المعاملي للمتعاملين بالدلالة الالتزاميّة، فهو أيضاً مجعول إمّا إثباتاً -حيث لا خيار- وإمّا نفياً -حيث يجعل المتبايعين الخيار- وحينئذٍ فيقال: بأن المغبون الذي هو عالم بالمغبونية وأقدم عليه لم يجعل الخيار كما وضح، لأنّ لا يوجد هناك ما يبرز هذا الجعل، لا القرينة الخاصة وهو اللفظ ولا الارتكاز العامّ، إذن فهو جعل بالدلالة الالتزاميّة، وهو اللزوم هنا، ويكون قد جعل جعلين: أنشأ بالدلالة المطابقية أصل الأثر وحدوثه وبالالتزامية أنشأ إبقاءه والتزامه به؛ فيكون قد وطّن نفسه على ضررية اللزوم، وحينئذ لا تجري القاعدة في حقه.

وهذا بخلاف من كان جاهلاً بالغبن، فإنه بقرينة الارتكاز العقلائي العام، وكون الأصل في كلّ عاقلٍ -ما لم يخرج بدليل- أنّه يتحفظ على مالية أمواله، يكون -بهذه القرينيّة- هناك شرط ضمني ارتكازي بالخيار. وحينئذٍ، فلا يكون قد أقدم على ضرريّة اللزوم. فبناءً على التصوّر الثاني يصح أن يقال: إنّ علمه بالغبن يوجب ظهور حاله بأنه لم يشترط الخيار، ومعناه أنّه قد جعل اللزوم بالدلالة الالتزاميّة، وهذا معناه الإقدام على الضرريّة حدوثاً وبقاءً فلا تجري القاعدة في حقّه.

وعليه فهذه النكتة بناءً على التصوّر الثاني تامّة، وإن لم تكن بناءً على التصوّر الأوّل تامّة، هذا هو الكلام في المقام الأوّل.

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المقام الثاني: في جريان النكتة في المسألة الثانية

وأمّا المقام الثاني، وهو: أنّ هذه النكتة هل تسري إلى المسألة الثانية أو لا؟

فالكلام هنا تارةً يقع في الكبرى وأخرى في الصغرى: 

أمّا في الكبرى: فيتكلّم أنّه لو سلّم أنّ هذا المؤمن الذي أجنب نفسه متعمّداً يصدق في حقّه الإقدام؛ فهذا الإقدام هل هو من قبيل الإقدامات المانعة عن جريان القاعدة أو لا؟ وكما سوف نعرف من أنّ هذا الإقدام حتّى لو فُرِض صدقه واندفعت شبهة الدور، فمع هذا يمكن أن يقال: بأنّ هذا الإقدام لا يمنع عن جريان القاعدة.

وأمّا في الصغرى: فنتكلّم في أنّه لو فرضنا أنّ كلّ اقدام مانع عن جريان القاعدة، فهل يصدق الإقدام في المقام أو أنّه لا يصدق إلّا بوجه دائر. يأتي الكلام عنه. 

والكلام(1) هنا تارةً: يقع من ناحية الكبرى، واُخرى: من ناحية الصغرى، يعني: تارةً من ناحية أنّ الإقدام على الضرر هنا موجود وكالإقدام على الضرر في المسألة الأولى أو لا؟ وهذا البحث في الصغرى. 

وبعد فرض وجوده يتكلّم عن هذا الإقدام هل يكون مانعاً عن جريان القاعدة بدعوى إنّ كلّ إقدام يكون مانعاً أو أنّ المانع عنه هو بعض الإقدامات، 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() بعد الفراغ من تحقيق أصل النكتة بلحاظ المسألة الأولى، انتهى الكلام إلى هذه النكتة هل تجري في المسألة الثانية أو لا؟ قال: والكلام… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وليس هذا الإقدام من تلك الإقدامات المانعة عن جريان القاعدة؟ فهذا بحث الكبرى.

[البحث في الصغرى]

أمّا البحث في الصغرى، يعني: أنّه في المسألة الثانية هل أنّ الإقدام على الجنابة إقدام على الضرر أو لا؟

وقد أشرنا إلى أنّه في هذا التقريب برهن على أنّه ليس إقداماً على الضرر لاستلزامه الدور. وهذا التقريب هو أحد محتملات كلام الميرزا، وصريح ما ينقله المحقّق العراقي عن شيخه صاحب الكفاية فإنّ كون الإقدام على الجنابة إقداماً على الضرر موقوف على ترتّب وجوب الغسل وهو متوقّف على كون الإقدام على الجنابة إقداماً على الضرر.

ولتوضيح ذلك لابدَّ من التكلّم في نقاط متعدّدة:

النقطة الأولى: قبل أن نكشف المغالطة في النقاط التالية، نقول لو مشينا على هذا المشي، فكما يمكن أن نقول: إنّ صدق الإقدام دوري كذلك يمكن أن نقول: إنّ عدم الإقدام دوري إذ كان كون الإقدام على الجنابة إقداماً على الضرر فهو يتوقّف على ترتّب وجوب الغسل على مثل هذه الجنابة، وترتّبه يتوقّف على عدم حكومة (لا ضرر) المتوقّفة على صدق الإقدام؛ لأنّه لو لم يكن إقدام نحكم بـ(لا ضرر) لا محالة، فيكون الإقدام دورياً.

كذلك نقول في عدم الإقدام الذي نسميه بالمفاجأة مثلاً فعدم صدق كون الإقدام على الجنابة اقداماً على الضرر، فيتوقّف على عدم ترتّب وجوب الغسل 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

على مثل هذه الجنابة، يعني على حكومة (لا ضرر)، إذ لو لا حكومتها على إطلاقات وجوب الغسل لصدق الإقدام على الضرر بلا إشكال، وحكومة (لا ضرر) يتوقّف على عدم صدق الإقدام؛ لأنّه أُخذ في موضوع (لا ضرر) عدم صدقه. فأيضاً يكون عدم صدق الإقدام دورياً. فكما يكون صدق الإقدام دورياً كذلك عدمه، لكن بنحو التعاكس. 

ففي الأوّل يكون متوقّفاً على عدم حكومة (لا ضرر)، وفي الثاني يكون متوقّفاً على حكومتها.

فلو مشينا هذا المشي لكان النقيضان معا دوريين، فيلزم محذور آخر كالدور، وهو ارتفاع النقيضين. وهذا معناه هناك خطأ أساسي في نهج التفكير في المسألة.

النقطة الثانية: هي أنّ هناك اشتباهاً يتكرّر في كلمات بعضهم في موضوع الدور. وحاصله: أنّه حينما يفرض كون (أ) متوقّفاً على (ب) وكون (ب) متوقّفاً على (أ) بعضهم يتخيّل أنّ المستحيل عقلاً هو أن يوجد (أ) و (ب)؛ لأنّ وجود شيء قبل علته غير معقولٍ و(أ) علته (ب)؛ فلابدّ أن يوجد قبله (ب)، والمفروض أن (ب) علته (أ) فلابدّ أن يوجد قبله (أ)، فلا يوجد لا (أ) ولا (ب)، ويكون وجودهما مستحيلاً.

لكن هذا غير صحيحٍ كما نبهنا عليه في بعض التطبيقات السابقة لهذه المسألة، فإنّ المستحيل بحسب الحقيقة هو نفس هذا التوقّف، فبقطع النظر عن (أ) و(ب) يوجد بحسب الخارج أو لا؛ فإن توقف الشيء على نفسه بحد ذاته 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مستحيل سواءٌ كان هذا الشيء موجوداً في الخارج أو لا، وتوقّف (أ) على (ب) و(ب) على ( أ) مرجعه إلى توقف الشيء على نفسه وكون الشيء علة لنفسه ومتأخّر رتبة عن نفسه. وهذا في نفسه محال. فالدور في نفسه محال، لا وقوع الدائر خارجاً محال مع إمكان الدور في نفسه.

ومن هنا يستكشف وجود خطأ في منهج التفكير، حيث يفرض في المقام أنّ صدق الإقدام على الضرر يكون متوقفاً على ترتب وجوب الغسل وعدم حكومة القاعدة، وترتّب وجوب الغسل وعدم الحكومة مترتب على صدق الإقدام. وهذان الترتبان لابدّ أن يُفرض أحدهما خطأ وإلّا لو كان الأمر هكذا. إذن، فيكون قد وقع المستحيل بحسب الخارج؛ فلابدّ من صرف العنان لبيان حاق هذه الترتّبات ليُرى أنّنا كيف نتصوّرها بنحو بحث يكون أمراً معقولاً، ولا يكون فيه استحالة دوريّة، وحينما نستكشف حاق هذه الترتّبات يُعرف أنّه هل هناك إقدام أو لا؟

النقطة الثالثة: وهي أنّه عندنا في المقام دليلان: دليل وجوب الغسل، ودليل (لا ضرر)، والثاني حاكم على الأوّل ومقدم عليه ومخصص له، وشأن هذا التخصيص أن يؤخذ في موضوع الدليل المخصص والمحكوم نقيض دليل الحاكم المخصص، فإذا قيل: (أكرم العالم)، ثُمّ قيل: (لا تكرم العالم الفاسق)، فالدليل الثاني مخصّص للأوّل، ومقتضاه أن يؤخذ في موضوع الدليل الأوّل أن يكون العالم ليس بفاسقٍ.

فهنا دليل وجوب الغسل في حد ذاته لم يأخذ في موضوعه أن لا يكون 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ضررياً، فلو خُلّينا وهو لالتزمنا بوجوب الغسل سواءٌ كان ضررياً أو لم يكن، وسواءٌ كان من الإضرار المقدم عليها أو لا، غاية الأمر ورد دليل حاكم عليه وهو القاعدة، وقد أُخذ في موضوعها عدم الإقدام، فلا محالة يتقيّد موضوع وجوب الغسل بنقيض موضوع دليل القاعدة، يعني: يتقيّد بالإقدام في حالات الضرر. ممّا يعني وجوب الغسل فيما إذا كان ضررياً مقيّداً بما إذا كان مقدّماً عليه.

ومقصودي من هذا البيان: أنّ التقييد الحاصل في موضوع دليل وجوب الغسل تابع للتقييد الحاصل في دليل القاعدة، يعني: أنّ مناطه هو أن يؤخذ في نقيض القيد المأخوذ في القاعدة. فإذا عرفنا ما هو القيد المأخوذ في موضوع القاعدة نستطيع أن نشخّص نقيض المأخوذ في موضوع دليل الغسل. فترتيب البحث يقتضي أن نتكلّم عن القاعدة، لنرى من المأخوذ قيد في موضوعها ما هو؟

النقطة الرابعة: في تحقيق ما هو القيد المأخوذ في موضوع القاعدة بعد الفراغ (1) عن أنّ عدم الإقدام مأخوذ في القاعدة، وإنّما نتكلّم في أنّ أي عدم من أعدام دليل الإقدام مأخوذ في القاعدة، وحينئذٍ، يقال: أنّ عدم الإقدام الذي يؤخذ قيداً في موضوع القاعدة على ثلاثة أنحاء متصوّرة: 

التصوّر الأوّل: أن يكون المأخوذ قيداً في موضوعها هو العدم الثابت بالفعل لو لا القاعدة وبقطع النظر عنها. يعني: عدم بنحو القضيّة الشرطيّة 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

() جواب على سؤال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

شرطها لو لم تكن هناك قاعدة (لا ضرر)(1)، فيقال: إنّها تنفي كلّ ضرر يكون عدم الإقدام عليه ثابتاً لو لا القاعدة.

وتطبيق هذا التصوّر على محلّ الكلام بأن يقال: لو كان المأخوذ في موضوع القاعدة هو عدم الإقدام لولا القاعدة، فمثل هذا العدم غير موجود، إذ لو لم تكن قاعدة (لا ضرر)، فهذا مقدّم على الضرر بعد علمه بأنّ المجنب يجب عليه الغسل وهو مريض. فلم يكن عدم الإقدام لو لا القاعدة محقّقاً في شأنه، بل كان الإقدام (2) محققاً في شأنه، فتكون هذه القضيّة الشرطية المأخوذة في موضوع القاعدة كاذبة (3) غير صادقة، ويكون شرط (لا ضرر) غير محققٍ؛ فلا تجري القاعدة -مثلاً-. هذا هو التصوّر الأوّل.

التصوّر الثاني: أن يُفرَض أنّ موضوع القاعدة هو عدم الإقدام بالفعل -لا بنحو القضيّة الشرطيّة- بل عدم الإقدام المنجز الثابت بالفعل ولو من ناحية نفس القاعدة، فإنّ عدم الإقدام تارةً يكون ثابتاً في نفسه ثبوتاً فعلياً، سواءٌ كان هناك قاعدة أو لم تكن، من قبيل الجاهل بالغبن فإنّه غير مقدّم على كلّ حالٍ، سواءٌ كانت القاعدة موجودة أم لا. واُخرى يُفرَض أنّه فرد محقّق بالفعل بلحاظ القاعدة لا بغض النظر عنها.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() شرطها عدم القاعدة وجزاؤها عدم الإقدام. (المقرِّر).

(2)  إذ لو لا القاعدة لوجب عليه الغسل ولكان مقدّماً عليه. (المقرّر).

(3) وذلك؛ لأنّ هذا العدم عدم بلحاظ القاعدة لا عدم لو لا القاعدة فلا يكون مصداقاً للقيد ولا محقّق لموضوع القاعدة سيأتي الحديث عنه، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

من قبيل عدم الإقدام الذي أراده صاحب التقريب الثالث فإنّه ادّعى عدم الإقدام الناشئ بلحاظ القاعدة. وقال: إنّ هذا المؤمن غير مقدّم؛ لأنّ (لا ضرر) تنفي وجوب الغسل. إذن، فإقدامه على الجنابة ليس إقداماً على الضرر. فعدم الإقدام يثبت من ناحية نفس القاعدة.

وهنا يقال: بأنّ كون القاعدة يؤخذ في موضوعها عدم الإقدام الفعلي سواءٌ وجدت القاعدة أم لم توجد أمر معقول، لكن أن يؤخذ في موضوعه عدم الإقدام الفعلي ولو من ناحية نفس القاعدة هذا غير معقول في نفسه؛ لأنّ معناه توقّف الشيء على نفسه، وهذا الذي قلناه في النقطة الثانية أنّه في نفسه مستحيل بغض النظر عن تحققه خارجاً، فإنّ كون المجعول(1) في القاعدة منوطاً أمر فعليته بفعلية عدم ناشئ منه، فهذه الإناطة بنفسها أمر مستحيل. فيستحيل أن يكون قد أُخذ في موضوع القاعدة عدم الإقدام الفعلي (2) ولو من ناحية القاعدة؛ فهذا التصوّر في نفسه محال.

التصوّر الثالث: هو أن يُفرَض أنّ عدم الإقدام مأخوذ شرطاً في القاعدة. فالعدم بنحو القضيّة الشرطية -لا المشروط بعدم القاعدة كما في التقريب 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() حيث يكون فعليّة المجعول في القاعدة موقوفاً على فعليّة قيدها وهو فعليّة عدم الإقدام، والمفروض نشؤ فعليّة عدم الإقدام من فعليّة المجعول؛ فيلزم الدور.  سيأتي الحديث عنه، (المقرِّر).

(2) بنحو ينشأ عدم الإقدام من نفس وجود القاعدة ويستحيل أن يكون محقّقاً لشرط القاعدة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الأوّل- بل المشروط بوجود القاعدة. يعني أُخذ في موضوعها صدق هذه القضيّة الشرطية، فإنّه لو جرت القاعدة لصدق عدم الإقدام. يعني: لو كان النفي المجعول في (لا ضرر) ثابتاً لكان عدم الإقدام صادقاً، فهذا يكون مأخوذاً في موضوع القاعدة. وهذه القضيّة الشرطيّة يمكن فرض صدقها في المرتبة السابقة على فعليّة هذه القاعدة(1).

فهذا يختلف عن الأوّل؛ لأنّه في الأوّل أُخذ في موضوع القاعدة قضيّة شرطيّة هذا مفادها: لو لم تكن القاعدة لم يكن إقدام. فهذه الشرطيّة كاذبة؛ لأنّه لو لم تكن القاعدة لكان إقدام. فبناءً على التصوّر الأوّل لم يتحقّق قيد القاعدة. 

وأمّا القضيّة الشرطيّة بصيغتها هنا فلو كانت القاعدة فعليّة لم يكن إقدام، فهذا صحيح؛ لأنّه لو كانت القاعدة الفعليّة لكان معناه أنّ وجوب الغسل غير موجود، ومعه لا يكون المقدِم على الجنابة مقدِماً على وجوب الغسل؛ فتكون القضيّة الشرطيّة صادقة، إذن فتكون القاعدة قد تحقّق قيدها.

فهذا من حيث النتيجة العملية يتفق مع الثاني، لكن يختلف عنه من حيث الاستحالة والإمكان(2).

ــــــــــ[212]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: المقصود من هذا المطلب تعميمه لهذا، افرضوا أنّ الأوّل أيضاً محفوظ. يعني: يأخذ فيه صدق إحدى هاتين القضيتين الشرطيتين، كلامي فقط بيان الفروق بلحاظ ما يؤثّر في محلّ الكلام. (المقرِّر). 

(2) وهنا كرر التصوّرات الثلاثة مرة اُخرى وبعد أن انتهى من بيان استحالة التصوّر الثاني للزوم الدور قال: لكن لو فُرِض أن هذا الدور كان معقولاً لتمت شبهة هذا المستشكل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إذن، فبناءً على الأوّل لا يتحقق موضوع القاعدة أو بناءً على الثالث يتحقّق موضوعها، والثاني مستحيل في نفسه، والصحيح من هذه الأمور الثلاثة هو الأوّل.

*****

أنّ عدم(1) الإقدام الذي أُخذ في موضوع القاعدة له انحاء:

النحو الأوّل: أنّ هذا العدم ثابت وصادق على كلّ حال سواءٌ وجدت (لا ضرر) أم لم توجد. من قبيل عدم إقدام الجاهل بالغبن، إذ أقدم على البيع بتخيّل أنّ المعاملة مربحة. وهذا النحو من العدم لا إشكال أنّه مصداق للقيد المأخوذ في موضوع القاعدة. فلو تَحَقَّقَ عدم الاقدام بهذا النحو تتحقق موضوعها الذي هو مقيد بعدم الاقدام.

النحو الثاني: سنخ عدم يثبت في طول قاعدة (لا ضرر). بحيث لو فُرِض -ولو محالاً- أنّ القاعدة كانت جاريّة ففي طول جريانها يثبت عدم الاقدام. فهو عدم معلّق على جريان القاعدة، وهذا مثاله مثال الجنابة، فإنّ الذي أقدم على الجنابة يكون عدم اقدامه على الضرر في طول القاعدة أي بلحاظ جريانها، لا على كلّ حالٍ حتّى بغض النظر عنها. فإنّه بقطع النظر عنها يكون دليل وجوب الغسل محكماً ويكون اقدامه على الجنابة إقداماً على لوازمها التي منها وجوب الغسل.

ــــــــــ[213]ــــــــــ

() خلاصة النقاط الأربعة التي تسلسلت فيها: هو النقطة الرابعة من أن عدم…. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهنا نريد أن نعرف أنّ النحو الثاني من العدم وهو المعلّق على جريان القاعدة، هل هو يحقّق أيضاً موضوع القاعدة كالعدم الأوّل المطلق أو لا؟

 وهنا تصورنا تصورات ثلاثة للمطلب، حتّى نرى أنّه على أي واحد منها يكون هذا العدم الثاني كالعدم الأوّل محققاً لموضوع القاعدة، وعلى أي واحد منها لا يكون محققا لها(1).

النحو الثالث: أن يكون موضوع القاعدة هو العدم الفعلي للإقدام ويعم للعدم الفعلي الناشئ من القاعدة حتّى يلزم الدور الذي لزم من التصور الثاني بل العدم بنحو القضية الشرطية، فلو صدق عدم الإقدام -إمّا مطلقاً كما هو الحال في عدم الاقدام للجاهل بالغبن وإمّا صدق معلقاً على فعليّة المجعول في القاعدة- بنحو القضية الشرطية، وهي: أنّه لو كانت القاعدة جارية لم يكن اقدام؛ فيكون القيد صدق أحد الأمرين: إمّا صدق عدم الاقدام مطلقاً أو معلّقاً على فعليّة القاعدة.

وعليه فكلا القسمين من عدم الإقدام يحقّق موضوع القاعدة حتّى القسم الثاني؛ لأنّه يحقق صدق هذه القضيّة الشرطيّة، وهي: لو كانت القاعدة جارية لمّا 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

() وهنا ذكر التصوّر الأوّل وأنّه بناءً عليه لا يكون العدم بالنحو الثاني محققاً لموضوع القاعدة -كما سبق- ثُمّ قرر التصوّر الثاني أيضاً وقال: وهذا التصوّر لو تم لأوجب تحقيق القاعدة وجريانها، إلّا أنّه مستحيل في نفسه (وهنا قرر وجه الاستحالة كما سبق) ثُمّ قال: فلو كان موضوع القاعدة هو عدم الإقدام بالفعل؛ فلا بدّ وأن يخصّص بالعدم الفعلي من غير ناحية القاعدة، لا العدم الفعلي الناشئ منها، فيرجع إلى الوجه الأوّل، إذ معناه: أنّه ما يكون فعلياً حتّى بقطع النظر عن القاعدة كالعدم في المغبون.  (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

صدق إقدام، ولا يلزم الدور، لأنّ فعليّة القاعدة ليست متوقّفة على عدم الإقدام الناشئ من ناحيتها، بل متوقّف على صدق القضّية الشرطيّة، وقد قرأنا في علم المنطق: أنّ صدق القضيّة الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها؛ فلا دور من هذه الناحية.

ومن هنا يعرف أن دائرة القيد المأخوذ في موضوع القاعدة على هذا الوجه يكون أوسع منه على الوجه الأوّل؛ لأنّ على الأوّل يكون دائرة القيد وهو عدم الإقدام يختص بخصوص القسم الأوّل من عدم الإقدام، وهو العدم الثابت حتّى لو لا القاعدة.

 وأمّا بناءً على هذا التصوّر فتصير دائرة القيد أوسع؛ لأنّه يشمل العدم الثابت بالفعل والعدم الثابت بنحو القضيّة التعليقيّة؛ فدائرة القيد على الثالث أوسع منها على الأوّل ونتيجة الثاني نتيجة الثالث وان كان مستحيلاً في نفسه.

وحيث إنّ دليل وجوب الغسل مخصّص بالقاعدة، ولابدَّ بقانون التخصيص من أن يتقيّد موضوعه بنقيض قيد القاعدة، فإن كان القيد المأخوذ في موضوع القاعدة أخصّ يصبح قيد وجوب الغسل أعمّ، وإن كان هذا أعمّ يصبح ذاك أخصّ؛ لأنّ نقيض الأخصّ أعمّ ونقيض الأعمّ أخصّ.

وحينئذٍ، بناءً على التصور الأوّل، يعني: لو فرضنا: أنّ المأخوذ في موضوع وجوب القاعدة هو عدم الإقدام لو لا القاعدة. فموضوع دليل وجوب الغسل حينئذٍ، هو كذب هذه القضيّة الشرطيّة الذي معناه: أنّه لو لا القاعدة يكون إقدام. فدليل وجوب الغسل بلحاظ موارد الضرر مختص بخصوص مورد 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

يكون في الإقدام لو لا القاعدة. ومن المعلوم أنّه هنا لو لا القاعدة الإقدام موجود، فما هو القيد في موضوع دليل وجوب الغسل محقّق.

أمّا بناءً على التصوّر الثالث، فلو فُرِض أنّ القيد في القاعدة أعمّ فيشمل كلا العدمين بالمعنى المعقول لا الدوري، أي: أن يكون القيد هو عدم الإقدام إمّا بالفعل أو معلّقاً على جريان القاعدة. وحينئذٍ، يصير موضوع وجوب الغسل أضيق؛ لأنّ نقيض الأعمّ أضيق؛ فيتقيد دليل وجوب بخصوص ما إذا كان هناك اقدام يثبت حتّى بعد القاعدة. ولو فرض هكذا فيكون قيد دليل وجوب الغسل غير موجود هنا، لأنّه ليس عندنا اقدام ثابت حتّى بلحاظ القاعدة؛ لأنّ الاقدام ثابت في الجنب هو اقدام لو لا القاعدة، لا اقدام ثابت حتى بلحاظ القاعدة.

وإلى هنا اتّضح: أنّ على التصوّر الأوّل ما هو موضوع القاعدة وما هو موضوع دليل وجوب الغسل، وعلى التصوّر الثالث ما هو موضوعهما. 

واتّضح أنّهما اعمّ واخصّ بنحو التعاكس بين التصوّر الأوّل والثالث، واتّضح أنّ على التصوّر الأوّل موضوع دليل وجوب الغسل محقّق، وعلى التصوّر الثالث موضوع دليل القاعدة محقق.

اشكالان ودفعهما 

يبقى عندنا اشكالان لابدّ من دفعهما:

الإشكال الأوّل: أنّه قد يقال: إنّ محذور الدور هذا الكلام الذي بيّناه بلحاظ دليل وجوب الغسل، لا بلحاظ دليل (لا ضرر)؛ لأنّ دليل وجوب 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الغسل -على ما بيّناه- يكون قد أُخذ في موضوعه الاقدام، والاقدام هنا نشأ من نفس دليل وجوب الغسل، فإنّ الاقدام إنّ صدق بلحاظ دليل وجوب الغسل -على جميع تقادير المسألة- فإنّه ليس مقدّماً على الضرر لولا دليل وجوب الغسل، وإنّما يكون مقدماً بلحاظ فعليّة صدق الاقدام في طول فعليّة وجوب الغسل، فكيف يؤخذ في موضوع وجوب الغسل؟

 وهذا من قبيل التصوّر الثاني من التصورات الثلاثة التي قلنا: إنّه مستحيل، فإنّ عدم الاقدام الناشئ من (لا ضرر) يؤخذ في موضوع (لا ضرر).  

وجوابه: أنّنا نرجع هذا الإقدام إلى سنخ التصوّر الثالث -لا إلى سنخ التصوّر الثاني- وذلك بأن نقول: بأن دليل وجوب الغسل قيده صدق قضيّة شرطية، وحاصلها: إنّه لو وجب الغسل لصدق الاقدام، فمتى ما صدق ذلك يجب الغسل، فوجوب الغسل حينئذٍ، ليس متفرّعاً على فعلية الإقدام حتّى يلزم الدور، بل متفرّع على صدق تلك القضيّة الشرطيّة.

إذن، دليل وجوب الغسل أُخذ في موضوعه الإقدام قيداً، ودليل (لا ضرر) أُخذ في موضوعه عدم الاقدام قيداً، ونحن نتصوّر أن قيديّة الإقدام في موضوع دليل وجوب الغسل تكون بنحو التصوّر الثالث، وقيديّة عدم الإقدام في موضوع دليل (لا ضرر) يكون بنحو التصوّر الأوّل. 

فإذا سلّمتم في هذه الدعوى لا يلزم حينئذٍ محذور، ويلزم من ذلك ألّا يتحقّق هنا موضوع القاعدة، بل يتحقّق موضوع وجوب الغسل؛ لأنّ موضوع القاعدة هو عدم الإقدام لولا القاعدة – يعني: التصوّر الأوّل- وهنا لولاها 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إقدام لا لإقدام. وموضوع دليل وجوب الغسل بنحو التصوّر الثالث، يعنى: تحقّق الإقدام لو وجب الغسل، وهنا لو وجب الغسل لتحقّق الإقدام.

فالقيد المأخوذ في دليل وجوب الغسل مغاير ذاتاً مع القيد المأخوذ في دليل (لا ضرر)، ففي (لا ضرر) أُخذ عدم الإقدام لولا مجعوله، وهنا أُخذ الإقدام على تقدير مجعوله.

فإلى هنا ارتفع المحذور ثبوتياً، وأصبح كلا التصورين معقولاً، ولكن يبقى السؤال: أنّه لماذا فرقّتم بين هذين الدليلين هكذا؟

 وهذا هو الإشكال الإثباتي، وهو أنّه أي فرق بين الدليلين؟ فان هناك قيداً أُخذ في موضوع دليل وجوب الغسل وهو الإقدام، وقيد أُخذ في موضوع القاعدة وهو عدم الإقدام، فإمّا أن تستظهروا من كلا الدليلين أنّ كُلاً من الدليلين أُخذ ثبوتهما لو لا مجعولهما، وإمّا أن يقال: إنّه أُخذ من كلّ منهما التصوّر الثالث، أي: أُخذ الإقدام أو عدم الإقدام ولو معلّقاً على مجعوله، فلماذا فرقّتم ما بين المطلبين؟

وحل هذا الإشكال: أنّ التفرقة كانت من باب أنّ تحديد موضوع دليل وجوب الغسل كان بحكم العقل، وتحديد موضوع دليل القاعدة كان بالاستظهار العرفي، وقد اختلف حكم العقل عن الاستظهار العرفي.

توضيح ذلك: أنّه بالنسبة الى دليل وجوب الغسل، فإنّه في نفسه لو اخذناه من القرآن فمقتضاه وجوب الغسل سواءٌ كان ضررياً أم لا، وسواءٌ كان الضرر مقدّماً عليه أم لا، وسواءٌ كان الاقدام ينشأ من ناحية الوجوب الغسل أو ثابتاً 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

قبله، فعلى جميع هذه التقادير الظهور العرفي والإطلاق اللفظي موجود في الآية؛ وإنّما نحن نريد أن نرفع هذا الظهور باعتبار المخصّص المنفصل الذي هو (لا ضرر) باعتبار حكومة (لا ضرر)، نريد أن نخرج مورد (لا ضرر) من هذا الإطلاق؛ فلابدَّ أن نرى أنّ مورد (لا ضرر) ما هو لنخرجه، فلا نخرج من هذا الاطلاق مورداً وإلّا تشمله (لا ضرر) كما هو واضح، فإذا فُرِض أنّ (لا ضرر) أُخذ فيها التصوّر الأوّل أو التصوّر الثالث، فيكون أُخذ في موضوعها أن لا يكون إقدام -إمّا (لولا القاعدة) وإمّا بلحاظ القاعدة- وبالتالي صورة وجود الإقدام -بقطع النظر القاعدة بناءً على المختار في (لا ضرر)- خارجة عن (لا ضرر)، يعني: صورة إقدام ناشئ من وجوب الغسل خارجة عن (لا ضرر)؛ لأن (لا ضرر) تجعل النفي حيث يصدق عدم الإقدام لولا القاعدة.

 وهنا لولا قاعدة الإقدام موجودة من ناحية وجوب دليل الغسل، فالإقدام الناشئ من دليل وجوب الغسل وهو كافٍ لمنع جريان القاعدة، وإذا كفى في منع جريانها يبقى إطلاق دليل وجوب الغسل على حاله؛ لأنّ إطلاق دليل وجوب الغسل لا نرفع اليد عنه إلّا بمقدار جريان القاعدة لا أكثر، والمفروض أنّ القاعدة أُخذ في موضوعها عدم الإقدام لولا القاعدة، وهنا الإقدام صادق لو لا القاعدة من ناحية دليل وجوب الغسل. 

إذن، ففرض الإقدام الناشئ من دليل وجوب الغسل خارج عن جريان القاعدة فيدخل تحت دليل وجوب الغسل، فالالتزام بالتصوّر الثالث بالنسبة إلى دليل وجوب الغسل كان من باب الاقتصار على إخراج أقل مقدار ممكن من 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

اطلاقه، بعد انعقاد الظهور الإطلاقي في نفسه(1)

هذا بالنسبة إلى دليل وجوب الغسل.

وأمّا بالنسبة إلى دليل القاعدة، فليس أخذ عدم الإقدام في موضوعها من باب التخصيص المنفصل حتّى نحسب حساب المخصّص المنفصل، بل من باب وجود مخصص متّصل، وهو الامتنان، فلا بدّ من حساب قرينيّة الامتنان بأن يرى أنّ هذا الامتنان الذي يقتضي عدم شمول القاعدة لموارد الإقدام -على ما سيأتي توضيحه حين بيان الكبرى- ما هو مقدار هذه القرينيّة في تكييف ظهور القاعدة، وأنّها تقتضي أخذ عدم الاقدام قيداً بنحو التصوّر الأوّل أو بنحو التصوّر الثالث.

وهنا نستظهر: أنّ قرينة الامتنان تقتضي أخذ عدم الإقدام قيداً بنحو التصوّر الأوّل لا الثالث؛ لأنّ هذه القرينة تقول: بأنّ المولى في مقام التفضّل على من يستحق الامتنان وهو المقدِم، لا في مقام إيجاد شخص مستحق الامتنان، فإنّه بناءً على التصوّر الثالث القاعدة بنفسها توجد عدم الإقدام، يعني: توجد 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: لا فرق بين الصورتين الأولى والثالثة، بالآخرة دليل لا ضرر لا يجري في مورد تحقق الإقدام الناشئ من دليل وجوب الغسل. غاية الأمر أنه على الصورة الثالثة هو ينفي هذا الإقدام ومفنياً وملغياً له. وبناء على التصور الأول الذي لا يكون فيه إفناء أوضح إذ يُقال: إن (لا ضرر) لا تشمل مورد أنه لولاها لكان إقدام. وحينئذٍ كل مورد لولاها لكان إقدام يبقى تحت دليل وجوب الغسل، ولو كان هذا الإقدام ناشئ من نفس دليل وجوب الغسل. لأن المسألة مسألة الاقتصار على الأقل في مقام التخصيص. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

شخصاً غير مقدِم يستحق الامتنان، لا أنّها تفتش عن شخص يستحق الامتنان فتمتن عليه، وهي ظاهرة في أنّها تمتن على من يستحق، لا أنّها توجد من يستحق فتمتن عليه. وهذا يناسب مع التصوّر الأوّل، لا مع التصوّر الثالث، وأمّا دليل وجوب الغسل فنقيّده حسب التصوّر الثالث.

فمن هنا لا تناقض ما بين المطلبين بحسب مقام الإثبات، هذا هو الكلام أيضاً في دفع الإشكال الإثباتي. وعليه فقد اتّضح في المقام تمام البحث في الصغرى.

وحاصل ما اتضح حتّى الآن: أنّ الإقدام في المقام موجود، وأنّ (لا ضرر) موضوعها غير محقّقٍ؛ لأنّ موضوعها هو عدم الإقدام لولا القاعدة، وهنا هذا العدم غير صادق، وموضوع دليل وجوب الغسل محقّق؛ لأن موضوعه هو صدق الإقدام ولا على تقدير وجوب الغسل، وهو صادق. إذن، فدليل وجوب الغسل هو الحكم في المقام.

هذا هو تمام الكلام في الصغرى، ويقع الكلام في الكبرى. 

عدم الإقدام المأخوذ في القاعدة 

قلنا: إنّ عدم الإقدام على نحوين:

 أحدهما: العدم الثابت مطلقاً حتّى لو جرت القاعدة، كإقدام المغبون في حالة جهله بالغبن.

 ثانيهما: العدم المقيّد بأن تجري القاعدة -لا حتّى لو لم تجر القاعدة- فكون الإقدام على الجنابة إقداماً على الضرر عدم بلحاظ القاعدة، إذ لولاها يكون 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وجوب الغسل ثابتاً فيكون الإقدام على الجنابة إقدام على لوازمها وهو الغسل.

فهنا عدم مطلق وعدم مقيّد وبينهما جامع وهو مطلق العدم، فلابدَّ من التحقيق أنّ القيد المأخوذ في (لا ضرر) ما هو؟

 لا إشكال انّه يشمل القسم الأوّل، وهو العدم المطلق للإقدام. ولكن الكلام في انّه يشمل ايضاً القسم الثاني، بمعنى: أخذ الجامع بين العدمين أي مطلق العدم، أو يختص بخصوص القسم الأوّل، وهذا التردّد في قيد (لا ضرر) يوجب التردّد في قيد وجوب الغسل لا محالة؛ لأنّ قيد وجوب الغسل هو نقيض قيد (لا ضرر)، فإذا فُرِض أنّ قيد القاعدة هو العدم المطلق للإقدام فنقيضه هو الإقدام ولو في الجملّة، لأنّ نقيض السالبة الكليّة الموجبة الجزئية. فنقيض العدم المطلق(1) للإقدام هو وجود الإقدام ولو معلّقاً على عدم جريان القاعدة؛ فيكون هذا هو قيد دليل وجوب الغسل.

فإنّ الإقدام كعدم الاقدام، كما يتصوّر العدم المطلق والعدم المقيّد ويتصوّر جامع ما بينهما كذلك يتصوّر إقدام مطلق على الضرر حتّى لو جرت القاعدة واقدام لولاها، ويتصوّر جامع بين الاقدامين.

ونتيجته في محلّ الكلام: هو أن يكون موضوع دليل وجوب الغسل محقّقاً لا موضوع القاعدة؛ لأنّ موضوع القاعدة هو العدم المطلق، حتّى لو لم تجرِ القاعدة، وهو غير ثابت هنا. 

وموضوع دليل وجوب الغسل هو مطلق الإقدام الجامع بين الإقدام 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() مطلق الاقدام الجامع بين المطلق والمقيد. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المطلق والمقيّد بالّا تجري القاعدة، وهو محقّق في المقام.

وإن فُرِض أنّ موضوع القاعدة هو الجامع بين العدمين الأعمّ من العدم المطلق للإقدام أو العدم المقيّد بأن يكون هناك قاعدة، فهذا معناه أنّه يتسع قيد القاعدة فيضيق دائرة وجوب الغسل، فيكون قيد دائرة وجوب الغسل وهو خصوص الإقدام المطلق يعني الإقدام المطلق لو جرت القاعدة.

والتصورات الثلاثة التي قلناها التصوّر الأوّل منها يقتضي أن ينحصر قيد القاعدة بخصوص العدم المطلق. 

والتصوّر الثاني والثالث منهما مناسب مع كون القيد هو مطلق الإقدام الجامع بين العدم المطلق والعدم المقيّد(1)

هذا تلخيص بحث الصغري.

[البحث في الكبرى]

وأمّا البحث في الكبرى، وفيها نفرض أنّ الإقدام موجود، يعني: نفرغ عن الصغرى، فيعني: أنّ هذا الذي أجنب نفسه متعمّداً مع الالتفات إلى كون الغسل ضررياً في حقه يصدق في حقّ الإقدام على الضرر. لكن هل إنّ كلّ الإقدام على الضرر يكون مانعاً من جريان القاعدة أو بعض أنحاء الإقدام؟ الحقّ هو الثاني.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: لا يتصور أن يكون عدم الإقدام بخصوص عدم جريان القاعدة، وكان مقصودي من هذا البيان رفع هذا الوهم الذي قد يخطر على البال من ناحية كلماتي السابقة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وتوضيحه: أنّ كلمة الإقدام لم ترد في الدليل اللفظي بعنوانها، حتّى يتمسّك بالمعنى اللغوي أو العرفي لها ويتمسّك بإطلاقها لتمام ما صدق عليه لغةً أو عرفاً أنه إقدام. 

وإنّما استفدنا مانعية الإقدام من ناحية أنّ جريان القاعدة في مورد الامتنان منافٍ مع الامتنان، مع أنّها مسوقة مساق الامتنان(1). وهذه المنافاة لابدّ أنّ نفسّر الإقدام بمعنى يكون معه جريان القاعدة منافياً مع الامتنان؛ فنريد بالإقدام وهو ذاك المعنى الذي يكون جريان القاعدة معه على خلاف الامتنان.

وهذا المعنى هو عبارة عن تعلّق الغرض العقلائي للمكلّف للوقوع بالضرر بأن يوقع نفسه بالضرر، فلو جرت القاعدة في حقّه، والمولى يتصدّى لمنع وقوع الضرر خارجاً، فمعناه: أنّه يتصدّى للمنع بينه وبين غرضه الذي كان تام المحركيّة والملاكية في نظره، ومن المعلوم أنّ الحيلولة بين الإنسان وبين غرضه الفعلي على خلاف الامتنان بالنسبة اليه. 

فمتى ما كان جريان القاعدة يؤدي إلى هذه الحيلولة يكون جريانها على خلاف الامتنان(2)

إذا اتّضحت نكتة مانعية الإقدام نقول: بأنّ الإقدام يكون له ثلاثة أنحاء:

ــــــــــ[224]ــــــــــ

() قال في وجه استفادة الامتنان: إنه وإن كان رفع الضرر حكماً صارماً لما كان المولى يقول أكثر من هذه العبارة. إلا أن العرف يفهم من. (المقرِّر).

(2) وكلما لا يكون جريان القاعدة موجباً لمنعه عن الوصول إلى غرضه لا يكون إقدام ولا مانع عن جريان القاعدة. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

النحو الأوّل: أنّ يتعلّق غرضه العقلائي بنفس الضرر، ويكون نفس الضرر ذا مصلحة بالنسبة إليه حسب تشخيصه، كغرضه العقلائي في نفس نقصان ماله بالمعاملة الغبنيّة(1).

النحو الثاني: أن يُفرَض أنّ غرضه العقلائي المتعلّق بمعلول الضرر، بحيث يكون الضرر مقدّمة لحصول ما هو غرضه، لا أنّه بنفسه غرضه، فغرضه توقّف على مقدّمةٍ ضرريّة فأجرى في نفسه قوانين باب التزاحم ووازن بين مصلحة ذي المقدّمة وضرريّة ذيها، فوطّن نفسه على أن يرتكب المقدّمة الضرريّة – الذي هو المعاملة الغبنية -مثلاً- استطراقاً إلى غرضه الأصلي.

النحو الثالث: أن يتعلّق غرضه العقلائي بعلّة الضرر، لا بمعلول الضرر، من قبيل ما هو محلّ الكلام: أن يتعلّق غرضه العقلائي بشرب هذا الدواء الذي يترتّب عليه الحدث، ويبتلّى حينئذٍ، بالغسل، فهنا غرضه متعلّق بالعلّة التي تكون ضررية.

إذا اتّضحت هذه الاقسام الثلاثة نقول في المقام: إذا تعلّق غرضه العقلائي بنفس الضرر، فجريان القاعدة على خلاف الامتنان؛ لأنّه يؤدّي إلى منعه عن الوصول إلى غرضه؛ لأنّ غرضه أن ينقص ماله، فمثل هذا يكون حيلولة بينه وبين غرضه، وهذا على خلاف الامتنان، فالقاعدة لا تجري في مقام نفي هذا الضرر.

ــــــــــ[225]ــــــــــ

() بعد أن أوقع المزاحمة بملاكات اجتماع الأمر والنهي، بين ضررية هذا الفعل ومحبوبيته، وقدم جهة المحبوبية على جهة الضرر، فيتعلق غرضه الفعلي بنفس تلك المضرة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا القسم الثاني وهو ما إذا تعلّق غرض عقلائي بمعلول للمعاملة الغبنية، وتكون هذه المعاملة من مقدّمات وجوده، وقد رأى أنّ مصلحة ذي المقدّمة أقوى من ضررية المقدّمة نتيجةً لقوانين باب التزاحم، فأقدم على الإتيان بالمقدّمة الضررية استطراقاً إلى ذيها.

وفي مثل هذا أيضاً لا تجري (لا ضرر)؛ لأنّ القاعدة لو جرت لمنعت من ايجاد المقدّمة الضرريّة؛ فيمتنع وجود ذي المقدّمة فيفوت عليه غرضه، فيكون مخالفاً للامتنان. إذن، في هذين القسمين يكون الإقدام مانعاً.

أمّا القسم الثالث، وهو أن يتعلّق غرضه العقلائي بما يكون علّة للضرر. وهنا أيضاً المكلّف أجرى قوانين باب التزاحم في نفسه، وقال: بأن ما هو محبوبي هو المقدّمة، لكن هذه المقدّمة يترتب عليها ضرر لا محالة، فوقع عنده التزاحم بين مصلحة محبوبه الأصلي وبين ضرريّة معلول محبوبه وقدّم مصلحة محبوبة فأقدم عليه موطّناً نفسه على الابتلاء بمعلول محبوبة أيضاً الذي هو غسل الجنابة.

إلّا أنّه في هذا المقام لو تصدّى المولى لمنع وقوع غسل الجنابة خارجاً برفع الوجوب، لكان هذا غاية الامتنان على المكلف؛ لأنّه سوف يصل إلى محبوبه من دون أن يُبتلى بضرر؛ لأنّ الضرر هنا ليس هو نفس محبوبة ولا علّة له لكي يكون سدّه سدّاً للمحبوبية، بل هو نتيجة للمحبوبية، فإذا أعمل المولى مولويّته في التفكيك بين هذا الضرر وبين محبوبه وقال: إذا أقدمت عن الجنابة لا أوجب عليك الغسل، فهذا غاية الامتنان؛ لأنّ المكلّف يتوصل إلى غرضه من دون أن يُبتلى بمحذور.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وبهذا نحن نفصّل في الإقدام بينما كان من قبيل القسم الثالث، وما كان من قبيل القسمين الاولين، فما كان من قبيل القسمين الأولين يعتبر مانعاً عن جريان القاعدة، وما كان من قبيل القسم الثالث لا يعتبر مانعاً عن جريانها.

 ففي مسألة الإقدام على الجنابة ملتفتاً إلى ضرريّة الغسل الإقدام لولا القاعدة وإن كان متحقّقاً في شأنه، ولكنه ليس مانعاً من جريان القاعدة؛ لأنّه يدخل في القسم الثالث من أقسام الإقدام.

ومن هنا نقول؛ لأنّ (لا ضرر) تجري هنا وفاقاً للمشهور وتكون حاكمة على دليل وجوب الغسل، فمن أقدم على الجنابة متعمّداً مع التفاته إلى ضررية الغسل عليه تجري في حقه (لا ضرر) وإن كان هناك إقدام؛ لأنّ هذا الإقدام لا يكون منافياً مع الامتنان الذي هو شرط جريان القاعدة، ولهذا يقال في المقام بعدم وجوب الغسل في المقام.

نعم، هناك رواية وردت في وجوب الغسل في هذا الفرع بالخصوص، وهي ليست بحجّة، وعليه فالمستقر هو تحكيم القاعدة على دليل وجوب الغسل.

ومنه يظهر الفرق بينه وبين المسألة الأولى، يعني: من أقدم على المعاملة الغبنية عالماً بالغبن فإنّ الإقدام هناك يكون من قبيل القسم الأوّل والثاني دون الثالث؛ لأنّ ظاهر حال المغبون المقدِم عن الغبن أنّه تعلّقت إرادته الجديّة بمضمون المعاملة، يعني: أنّ له غرضا عقلائياً في أن يحصل هذا المغبون في نظر القانون، وهذا معناه أن غرضه العقلائي تعلّق بنفس الضرر أو بما ينشأ من 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الضرر ويتوقّف عليه. فالإقدام من العالم بالغبن يكون مانعاً من جريان القاعدة. ولكن الإقدام هنا لا يكون مانعاً عنها. هذا تمام الكلام في الكبرى.

وقد اتّضح حتّى الآن أنّ الكلام على مستوى الصغرى، يعني: لو بنينا على أنّ كلّ اقدام يكون مانعاً عن جريان القاعدة فالصحيح في المقام هو وجود المانع؛ لأنّ الإقدام لولا القاعدة موجود، وهذا يكفي في المانعيّة. 

وأمّا حين نناقش في الكبرى فنقول: ليس كلّ اقدام مانعاً عن جريان القاعدة، بل اقدام بحيث لو جرت القاعدة لكانت مفوّتة لغرض المقدِم، ففي مثل ذلك يكون الإقدام مانعاً؛ فهنا حيث إنّ اقدامه سنخ إقدام بحيث لو جرت القاعدة لا تفوّت على المقدِم غرضه، فالقاعدة تجري مع وجود الإقدام، ولا يجب على القاعدة بالنسبة إلى من أقدم على الجنابة متعمّداً.

هذا تمام الكلام في تفسير الفرق الفني بين الفرعين المتعاكسين بحسب فتاوى المشهور، وظهر بذلك أن الصحيح ما عليه المشهور من التفرقة ما بين هذين الفرعين، ففي الفرع الأوّل بعدم جريان القاعدة وفي الثاني يفتي بجريانها. 

ثم(1) صرنا في مقام توضيح أقسام هذا المطلب، للتمييز بين موارد الإقدام التي يكون جريان القاعدة فيها لعدم الوصول إلى الغرض بحيث لا تجري القاعدة والموارد التي يكون جريانها فيها على طبق الامتنان وغير منافٍ مع 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() توضيح ما ذكرناه في كبرى الإقدام وهنا عن الإقدام وتعريفه كما سبق أن ذكره قبل ذكر الأقسام، ثُمّ قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

حصول الغرض ولو صدق الإقدام لغة أو عرفاً، فهنا أقسام: 

القسم الأوّل: 

أن يتعلّق الإقدام بنفس الضرر، ومعناه تعلّق الغرض بهذا الضرر على تفسيرنا بأنّ المكلّف تعلّق له غرض نفسي في نفس النقص المالي أو الغسل أو نحوه بعد المزاحمة.

فهذا الغرض المتعلّق بنفس ما هو الضرر، تارةً يفرض غرضاً غير عقلائي، وأخرى يفرض كونه غرضاً عقلائياً.

فإنّ فُرِض كونه غرضاً سفهائياً، ففي مثله لا بأس بجريان القاعدة وإن أدّى جريانها إلى منعه من الوصول إلى غرضه؛ لأنّ هذا لا نراه منافياً مع الامتنان؛ فإنّ الامتنان على السفيه ليس بلحاظ إدراكه، بل بلحاظ الإدراك العرفي العامّ، وبلحظ هذا الإدراك يكون هذا امتناناً لامحالة. وإن كان جريان القاعدة مؤدّياً إلى فوات غرضه. 

وان شئتم قلتم: إنّ مناط امتنانية الخطاب ليس هو الامتنان العقلي الصرف، الذي يكون به حتّى الحكم بالجهاد امتناناً على الناس، وليس أيضاً أي شعور وإدراك وإن كان شاذّاً ومنحرفاً عن العرف العامّ، بل المناط في تشخيص كون الامتنان عرفياً هو النظر العقلائي العامّ.

فإذا فُرِض كون الغرض الشخصي للمكلّف بالضرر سفهائياً فلا بأس بجريان القاعدة، وإن أدّى جريانها إلى منع حصول هذا الغرض خارجاً؛ لأنّ صدق الامتنان عرفاً هنا معقول.

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا إذا كان الغرض للضرر عقلائياً، فهذا يقسم إلى قسمين:

فإنّه تارةً: يكون جريان القاعدة موجباً لا متناع وقوع هذا الضرر بحسب الخارج إمّا امتناعاً تكوينياً وإمّا امتناعاً تشريعياً.

 فالامتناع التكويني كإقدام المغبون العالم بالغبن المسقط لخياره أقدم على معاملة لازمة وصار في مقام إيجاد مضمونها قانونياً؛ لأنّه شخص له غرض عقلائي بإيجاد هذا المضمون. فلو فُرِض أنّ القاعدة جرت ونفت لزوم البيع الغبني فهذا معناه منع وقوع الضرر تكوينياً بحسب الخارج؛ لأنّ الضرر يحصل قانونياً مضمون المعاملة. فما هو محطّ غرض هذا المغبون، وهو أنّ يتحقّق مضمون هذه المعاملة قانونية يمتنع وقوعه خارجاً من ناحية جريان القاعدة. وهذا يؤدّي إلى منعه من الوصول إلى غرضه العقلائي فيكون على خلاف الامتنان فلا تجري القاعدة. 

واُخرى يُفرض: أنّ جريان القاعدة يوجب امتناع الضرر شرعاً -لا تكويناً كالأوّل- ومثاله: أنّ يُفرض أنّ هذا الشخص له غرض عقلائي في أن يوقع الضرر على نفسه.

 فهنا لو خُلّينا نحن وإطلاق (لا ضرر) في نفسه، لقلنا: إنّه ينفي وقوع هذا الضرر بحسب الخارج ونستفيد من النفي الحرمة، كما استفدنا من نفي ضرر الغير حرمته، كذلك نستفيد من نفي هذا الضرر حرمته. ونفيه تشريعياً لا يكون إلّا بنفي جوازه وإثبات حرمته.

لكن هنا نقول: بأنّ المكلّف إذا كان قد تعلّق له غرض عقلائي بأن يضر 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

نفسه فيكون جريان القاعدة لإثبات حرمة هذا الضرر موجباً لامتناع وقوع هذا الضرر شرعاً؛ لأنّ الحرام شرعاً كالممتنع عقلاً. وبالتالي يوجب امتناع تحصيله لغرضه شرعاً، وهذا أيضاً على خلاف الامتنان.

وأخرى يُفرّض أنّ هذا المؤمن تعلّق له غرض عقلائي بالضرر، ولكن جريان القاعدة لا يوجب امتناع وقوع الضرر تكويناً ولا امتناعه شرعاً، بل يوجب رفع وجوبه، كما لو فُرِض أنّ المريض تعلّق له غرض في أن يغتسل بالماء، فهنا لو جرت القاعدة لنفي الحكم الضرر وهو وجوب الغسل، فهي لا توجب امتناعه لا تكويناً ولا شرعاً، وإنّما توجب نفي وجوب الغسل أو الوضوء. وبالتالي فهي لا توجب سد باب الوصول إلى الغرض، فإنّها لو جرت ونفت وجوب الوضوء فإنّه يتمكّن من الوصول إلى غرضه – بغض النظر عن باب قصد القربة كما في غير باب العبادة- وذلك بأن يقوم ويغسل بالماء(1).

ففي مثل هذا يكون جريان القاعدة غير موجب لمنعه من الوصول إلى غرضه، ففي مثل هذا لا أرى مانعاً من جريان القاعدة إلّا أنّ فيها امتناناً. فإنّ هذا لمكلّف وإن كان هو مقدِم على الغسل إلّا أنّه مع هذا هو امتنان من قبل المولى أن يقول له: أنّا لا ألزمك به وإن كنت مقدِماً انت عليه. ويتعقّل عرفاً كونه امتناناً من المولى على العبد؛ لأنّ جريانها لا يوجب سد باب وصوله إلى غرضه، غاية الأمر 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

() وهنا قلتُ له: إن الغرض قد يكون الغرض هو نفس امتثال الأمر بالغسل. 

فأجاب: هذا شيء آخر. حينئذٍ يكون كما تقولون، فإنه إن كان له غرض أن يأتي به بما هو واجب، فهذا خارج عن محل الكلام. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أنّ المولى لمزيد شفقته عليه يقول له: أنت واختيارك وأمّا أنا فلا ألزمك بهذا المطلب، ففي مثل هذا لا بأس أن تجري القاعدة لنفي وجوب الغسل.

ومن هنا تنحل العويصة التي تعرض لها الميرزا وتذبذبت كلماته فيها أيضاً حيث إنّ ظاهر كلمات الفقهاء التفرقة بين من أقدم على الجنابة ملتفتاً إلى عدم وجوب الغسل حيث أفتوا بعدم وجوب الغسل، وبين من أجنب بسبب ما وهو مريض، وأقدم على الغسل، بقطع النظر عن المولى، فهو يحب أن يؤذي نفسه ويصبح مريضاً، فهو له إقدام على مثل ما قالوا: إنّ القاعدة هنا تجري وفي الإقدام على الجنابة أيضاً تجري، وهما من باب واحد، ولكنّهم أفتوا في باب الإقدام على المعاملة الغبنيّة عالماً بالغبن بأنّ القاعدة لا تجري، فوقع الميرزا في إشكالين:

 أحدهما: من حيث التمييز بين إقدام المغبون والإقدام على الجنابة. 

ثانيهما: من حيث التمييز بين إقدام المغبون وبين من يقدِم على الغسل، بعد أن وقعت عليه الجنابة لغرض عقلائي، فإنه إذا كان إقدام المغبون يوجب عدم نفي اللزوم وعدم جريان القاعدة في حقّه، فلماذا لا يكون إقدام هذا غير مؤدٍ إلى إجراء القاعدة في حقّه؟

فإن إرادة الجنب للغسل حيث إنّها متأخّرة عن الوجوب، ولهذا فهي مقهورة له، فيكون حالها حال اللاإرادة، بخلاف إرادة ذاك للمعاملة الغبنيّة، فإنّه لم يحكم عليه بوجوبها، فهي إرادة غير مقهورة. ويقول: إنّنا بيّنا مراراً أنّه متى ما كانت الإرادة تحت الوجوب فإنّها لا تنفع في مقام رفع قاعدة (لا ضرر). وإذا كانت 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فوق الوجوب فإنّها تنفع في رفع القاعدة. والإرادة في باب الغسل تحت الوجوب؛ لأنّها إرادة للواجب، والإرادة في المعاملة الغبنية فوق الوجوب، وهي ليست واجبة بل، هي إذا تحقّقت أصبحت موضوعاً لوجوب الوفاء.

وهذا الكلام من ضيق الخناق، وإلّا يستبعد في الميرزا أنّه لا يدري بأنّ الإرادة التي هي تحت الوجوب والقهر، إنّما هي الإرادة بملاك الإرغام المولوي؛ لأنّها اضطرار بحسب القوانين المولوية، ولكن المفروض في المقام أنّ للمكلّف اقداماً مستقلاً عن الغسل بقطع النظر عن تكليف المولى وايجابه؛ فمثل هذا الإقدام لا يكون تحت الوجوب من ناحية القهر والغلبة، حتّى يكون وجوده كالعدم من هذه الناحية؛ فمثل هذه الإرادة لم يحركها المولى، وإنّما تحركّت في نفس المكلّف استقلالاً، فيبقى الإشكال على حاله، من أنّه أي فرق بين الإقدامين؟

ونكتة الفرق اتّضحت ممّا بيّناه؛ وذلك لأنّه في مورد الغبن كان المغبون العالم بالغبن المقدِم عليه قد تعلّق له غرض عقلائي في النقص المالي، وجريان القاعدة لنفي اللزوم بنفسه يوجب امتناع وقوع الضرر تكويناً، وبالتالي يوجب منعه عن الوصول إلى غرضه، وهذا خلاف الامتنان.

 وأمّا في باب الجنب الذي تعلّق له غرض عقلائي في أن يغتسل ولا يوجب امتناع وقوع الضرر خارجاً لا تكويناً ولا شرعاً، فإن جريان القاعدة هنا غاية ما يوجبه رفع وجوب الغسل، فيكون جريانها على وفق الامتنان.

 فهما من حيث صورة الإقدام وإن كان واحداً، ولكنّنا لا يجب أن ننظر إلى 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الإقدام من حيث هو وإنّما ننظر إلى ملاك مانعيّته، وهو مسألة المنافاة مع الامتنان، وهو مختلف بين المسألتين. 

هذا كلّه في القسم الأوّل فيما إذا تعلّق غرضه بنفس الضرر. وتمام هذا التقسيم يجري في القسم الثاني.

القسم الثاني: 

وهو ما إذا تعلّق غرضه بمعلول الضرر، فإنّه يأتي نفس الكلام من حيث كون الغرض عقلائياً أو غير عقلائي. وإذا كان عقلائياً هل إنّ جريان القاعدة يوجب امتناع وقوع الضرر خارجاً أو تشريعاً أو لا يوجب هذا ولا ذاك.

القسم الثالث: أن يكون الغرض متعلّقاً بالمقدّمة بما يكون علّة لوقوع الضرر، وقد اختار المكلّف المقدّمة مع التفاته إلى ترتّب الضرر عليها نتيجة لإيقاع التزاحم، وتقديم محبوبية المقدّمة.

ففي مثل هذا يكون جريان القاعدة على طبق الامتنان مطلقاً؛ لأنّ جريانها فيه لا ينفي وقوع محبوبه ولا الوصول إلى غرضه الذي هو مقدّمة الضرر الذي هو الإقدام على الجنابة، بل هو يفككّ بين العلّة والمعلول، وبين المقدّمة وبين ذيها الضرري فيمنع من وقوع الضرر بحسب الخارج، وهذا غاية الامتنان على المكلّف؛ لأنّه بجريانها سوف يتمكّن المكلّف من الوصول إلى محبوبه من دون أن يُبتلى بمحذور الضرر الذي كان يترتّب عليه لولا القاعدة.

وفي هذا لا يفرق بين أن يكون غرضه المتعلّق بما هو علّة الضرر عقلائياً أو غير عقلائي، إلّا إذا كان بدرجة غير عقلائي بحيث لا يصلح للامتنان عليه من 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هذه الناحية بحسب النظر العقلائي، ويكون المغروس في النظر أنّ المولى لا يساعده ويمكّنه من هذا الغرض، كما سوف يأتي مثاله. هذا هو تمام الكلام في تنقيح الكبرى. 

فروع: أحدها إذا استعار أرضاً وزرعها 

وبعد هذا نأتي مسائل أخرى متبقية، وهي مسائل عديدة، وكلها متشابهة من حيث الملاك. 

لو استعار ارضاً فزرعها ثُمّ فسخ العارية وطالب المعير بالأرض، فهل يجب عليه ردها وإخلاؤها من الزرع ولو بإتلافه؟

 أو أستأجر أرضاً إلى سنة، ثُمّ طالب المالك بأرضه، فهل يجب تخليتها وردها؟

أو استعار أو استأجر خشبة أو حجارة فوضعها في أساس بيته وانتهت مدّة العارية أو الاجارة أو فسخت، فهل يجب عليه ردّها ولو بأن يهدم بيته كلّه أو لا؟

وأمثال هذه الموارد.  

المعروف بين أكثر الفقهاء هو وجوب الرد وعدم جريان القاعدة في المقام؛ فلا بدّ من النظر في ملاكه وأنّ هذا المدّعى هل هو صحيح أو أنّ الصحيح هو جريان القاعدة على تحفظات يأتي بيانها؟

[تقريب عدم جريان القاعدة بوجوه]

ما يمكن أن يُستدّل به على أنّ قاعدة (لا ضرر) لا تقدر على نفي وجوب 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الرد مع أنّه ضرري؛ لأنّه مستلزم لخراب البيت أو قطع الزرع، وتقريب عدم جريان القاعدة يمكن أن يبين بوجوه ثلاثة:

الوجه الأول [مسألة الإقدام]: ومناقشته

الوجه الأوّل: مسألة الإقدام، وهو مربوط ببحثنا السابق، وذلك: بأنّ يُدّعى بأنّ مستعير الخشبة أو الأرض عالم بأنّ هذا ليس ملكاً له، وأنّه حين انتهاء مدّة العقد سوف تعود سلطنة المالك إلى هذا المال ويطالب به، وهو عالم بحرمة الغصب وعدم جواز إبقاء مال الغير بدون إذنه، وحينئذٍ، يكون إقدامه على استثمار هذه الأرض في الزراع والخشبة في البناء مع التفاته إلى أنّ لازمه هو وجوب الردّ بعد انتهاء المدّة، وهذا بنفسه يكون إقداماً على الضرر، من قبيل: ما يُدّعى هناك من أنّ الإقدام على الجنابة مع الالتفات إلى ما يترتّب عليه من وجوب الغسل إقدام على الضرر، فكذلك يُدّعى في المقام حتّى من قبل أولئك(1) الذين أفتوا هناك بعدم وجوب الغسل، ولم يقبلوا أنّ الإقدام على الجنابة إقدام على الضرر، فهنا قالوا بعدم جريان القاعدة؛ لأنّ الإقدام على المقدّمة هنا إقدام على الضرر. فكأنّ المطلب استُخْلِصَ ممّا قلناه، ولكن لابدَّ من توضيح هذا الاستخلاص.

وتحقيق(2) الكلام في مسألة الإقدام في المقام: لا إقدام في المقام بحيث يكون 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

() كالميرزا فإنّه أراد أن يفرّق بين هذه المسألة وتلك. ولم يأتِ بشيء يمكن أن يبيّن بصورةٍ فنيّة في مقام التفرقة بينهما. (المقرِّر).

(2) قال بعد تلخيص ما سبق وعنونة المسألة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مانعاً عن جريان القاعدة؛ لأنّ المقام يشبه من أقدم على الجنابة متعمّداً مع التفاته إلى وجوب الغسل، فإنّ هذا أقدم على أن يضع يده على هذه الأرض فيزرعها أو على الخشبة فيجعلها في أساس بيته ملتفتاً إلى أنّ هذه اليد سوف يترتّب عليها بعد انتهاء مدّة الاستئمان المالكي وجوب الردّ؛ فيكون هذا من قبيل من أقدم على الجنابة متعمّداً، فيكون هذا من القسم الثالث من الإقدام، فإنّ غرض هذا المؤمن لم يتعلّق بالضرر، بل تعلّق بالمقدّمة وهو: أن يستفيد من الأرض في زرعه أو الخشبة في بناء بيته، غاية الأمر كان يترتّب على هذا الغرض معلول ضرري وهو الحكم بوجوب الردّ؛ وحينئذٍ، فلو جرت القاعدة وفكّكت بين المقدّمة ومعلولها الضرري، بحيث يستوفي غرضه من دون أن يترتّب عليه معلول ضرري، فهذا غاية الامتنان بالنسبة إليه. إذن، فلا يمكن أن يقال: بأن القاعدة لا تجري من ناحية الإقدام.

نعم، يستثنى من ذلك صورة واحدة، وهي صورة ما إذا كان هذا الشخص غاصباً فأخذ الأرض غصباً فزرعها أو الخشبة فوضعها في أساس بيته، فأنّه هنا وإن كان جريان القاعدة أيضاً يكون موجباً للامتنان بالنسبة للغاصب؛ لأنّه يمكّنه من غصبه مع عدم ابتلائه بالمحذور. لكن حيث إنّ جريان القاعدة هنا مساوق مع تمكينه من غصبه، فإنّه يكون معنوناً بعنوان التحفّظ على غرضه فكأنّه نحو تمكين منه، والمركوز في الأنظار العقلائية أنّ الشارع لا يجعل جعلاً في مقام تمكين الشخص من الغصب والظلم، فمثل هذا الارتكاز يصير قرينة على أنّ (لا ضرر) في المقام غير جارية؛ فكون هذا المطلب تقريباً له من غرضه يوجب بالارتكاز العرفي انصراف إطلاق القاعدة عنه، 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

يعني: ارتكاز أن يكون هذا النحو من التمكين غير مناسب مع من يحرم هذه المقدّمة، فيكون موجباً لعدم جريانها بلا حاجة إلى مخصّص سوف يشار إليه وهو أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الاحوال.

وهذا هو الاستثناء الذي كنت أُريد أن استثنيه من القسم الثالث، فيما إذا كان غرضه تحريمياً، بحيث يعرف العرف من ذوق المولى أنّه حرمه، ويريد سدّ باب وجوده، هو لا يقبل أنّ المولى يفتح باب وجوده ويمكّن هذا العبد منه شفقة عليه، فمثل هذا لا يفهمه العرف من خطاب مولى يكون هذا شأنه، فالقاعدة من ناحية مانعية الإقدام لا إشكال فيها.

 نعم، هذه الدعوى يمكن الالتزام بها. هذا هو الوجه الأوّل.

الوجه الثاني [دعوى تعارض الضررين]: ومناقشته 

الوجه الثاني: هو دعوى تعارض الضررين، فإنّه كما أنّ وجوب الردّ ضرري على صاحب الزرع أو على صاحب البيت، كذلك تجويز إبقاء الأرض مشغولة بالزرع أو الخشبة مشغولة بالبناء ضرر على المالك؛ لأنّه يوجب حرمانه من السلطنة على ماله، فيكون بابه باب تعارض الضررين (1). فلا يمكن أن ينفى بالقاعدة لا وجوب الرد؛ لأنّه حكم ضرري للمستأجر والمستعير، ولا جواز الإبقاء؛ لأنّه حكم ضرري بالنسبة إلى المالك.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

() فإنّه هنا مالان: لا بدَّ من التحفّظ على أحدهما وإتلاف الآخر، فإن أوجبنا الردّ تحفظنا على مالية المالك مع إتلاف مالان المستأجر والعكس بالعكس سيأتي الحديث عنه، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذا الكلام لابدَّ من تمحيصه؛ لأنّ النقص والضرر هنا ليس تكوينياً، بل مرجعه -على ما حققناه مراراً- إلى الضرر العقلائي، وإلّا بقطع النظر عن مالكية الغارس للغرس ومالكيّة صاحب الأرض للأرض، ومالكية صاحب الدار للدار ومالكية صاحب الخشبة للخشبة لا يكون حرمان أي شخص من هؤلاء منه نقصاً؛ فإنّ نقصيّة فرع وجدانه في المرتبة السابقة، وهو أمر اعتباري وليس حقيقياً؛ فيكون هذا من الأفراد العقلائيّة للضرر، وقد قلنا: إنّ هذه الأفراد المحكم فيها هو النظر والارتكاز العقلائي.

إذن، فلابدَّ أن يُنظر في المرتبة السابقة على جريان القاعدة أنّ مالكيّة هذا الرجل صاحب الأرض للأرض وصاحب الخشبة للخشبة، هل تعني بحسب الارتكاز العقلائي وجدان سلطنة على الانتفاع بهذه الأرض أو الخشبة مطلقاً، حتّى هذا الانتفاع الملازم مع تضرر المستأجر والمستعير. 

أو من أول الأمر السلطنة التي تستبطن في الملكية بحسب الارتكاز العقلائي ليس لها مثل هذا العرض العريض بحيث إن إنساناً يمكنه في مقام أن ينتفع بماله هذا الانتفاع لا ذاك، بأن يؤدّي إلى ضرر غيره، فلابدّ من ملاحظة هذه الحيثيّة.

فإذا فرض أنّه في المرتبة السابقة بحسب الارتكازات العقلائيّة كانت السلطنة المستبطنة لمالكية الأرض للأرض أو صاحب الخشبة للخشبة ثابتة على أي تصرّف مهما كان، ولو كان مثل هذا التصرّف فهذا مساوق مع أنّ هذا الشخص يكون واجداً بحسب النظر العقلائي لخصوصيّة هذا الانتفاع بمثل 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هذا المال؛ فجريان القاعدة هنا في مقام إثبات جواز إبقاء الغرس في الأرض أو الخشبة في البناء فيكون حكماً ضررياً بالنسبة إلى المالك.

وأمّا إذا فُرِض أنّ سلطنة المالك من الأمر لم تكن بهذا النحو فالمالك مسلّط على هذا المال، وهو حتّى الآن يستطيع الانتفاع به بأن تبقى الخشبة في البناء والمستأجر يدفع أجرتها، ولكنه يريد أن ينتفع بشكل آخر، فإذا قلنا: إنّ هذا النحو من الانتفاعات من أوّل الأمر غير ثابتة بالنسبة إلى المالك من أوّل الامر. إذن، فهذا غير واجد لهذا النحو من الانتفاع. فإذا فُرِض أنّه ثبت جواز ابقاء الخشبة في البيت لا يكون مؤدّياً إلى الضرر بالنسبة إلى المالك؛ لأنّ الضرر متقوّم بالنقض، ومرفوع بالوجدان، والوجدان هنا عقلائي لا حقيقي، والمفروض أنّ الارتكاز العقلائي لا يساعد على الإقدام، فلا يساعد على النقص؛ فلا ضرر. وهذا بنحو القضيّة الشرطية.

 وأمّا تنجيزها(1) فالظاهر أنّ هذا المطلب يختلف باختلاف الاحوال وليس له قاعدة عامّة، ففيما إذا فرض أنّ نحواً من انتفاع المالك بماله نحو بسيط، ولكنّه كان يؤدّي ضرر عظيم للشخص الآخر، فمثلاً الخشبة مال بسيط وانتفاع المالك بها يؤدّي إلى خراب بيت شخص آخر، فهنا لا يبعد أن يكون الارتكاز العقلائي من أوّل الأمر قاضياً بضيق في دائرة سلطنة (2) المالك بحيث لا يكون له سلطنة على تطبيق انتفاعه بماله على حصّته تؤدي إلى مثل هذا الضرر.

ــــــــــ[240]ــــــــــ

() يعني: اختيار أحد الاحتمالين. (المقرِّر).

(2) والمفروض أنّ المالك قد أعار الخشبة، وهو عالم أنّه سوف يبني بها بيته. كما قرّر السيّد. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وإذا فُرِض في المقام العكس فالعكس، وإذا فُرِض التساوي فلا يكون هناك سلطنة لا لهذا الشخص ولا لذاك.

فالذي أستقرّ به أنّ الارتكازات العقلائيّة في المقام تختلف باختلاف ملاحظة الطرفين وخصوصياتهما ويستثنى من ذلك الغاصب، فإنّه لا يلحظ فيه ذلك، بل الغاصب يرى أنّ هذه الحصّة من الانتفاع المستلزمة مع تضرر الغاصب تحت سلطان المالك أيضاً مهما كان تضرر الغاصب في المقام. ومن هنا يكون جواز الابقاء بالنسبة الى المالك يكون ضررياً، مهما ترتب على عدم الإبقاء من إضرار على الغاصب. وبعد الفراغ من الوجه الثالث يأتـي تحقيق الحال في ذلك.

[الوجه الثالث]

الوجه الثالث: أنّ (لا ضرر) لا تجري؛ لأنّها اساساً لا تجري لنفي أي حكم إرفاقي، يعني: لا تجري لنفي أي حكم ضرري إذا كان في ثبوت هذا الحكم إرفاق بالنسبة إلى غير المتضرّر. فوجوب الردّ حكم ضرري بالنسبة إلى المستأجر ولكنّه إرفاق بالمالك لا محالة. فإنّ سلطنة المالك على استرداد ماله أحسن بحاله لا محالة. وهذا ما يُسمّى بأن الأحكام الإرفاقية والامتنانية لا تجري (لا ضرر) في مقام نفيها حتّى لو اصبحت ضرريّة.

هذا ما بيّنه المحقّق العراقي، وبعد أن أسقط (لا ضرر) بهذا البيان، قال: إذن فنرجع إلى قاعدة قبل (لا ضرر) في مقام تشخيص المسألة، وهي قاعدة السلطنة: (الناس مسلّطون على أموالهم).

 فعندنا مالكان: مالك الغرس وهو مسلّط على غرسه وحفظه التلف، 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ومالك الأرض مسلّط على ارضه وتخليصها من الغرس؛ فلابدّ أن نرجع إلى قاعدة السلطنة لنرى أنّها ماذا تقتضي قي المقام.

وهنا حقق(1) تحقيقاً عجيباً؛ لا بدّ من بيانه، وخلاصة مدّعاه فيه: هو أنّ قاعدة السلطنة تقتضي التحفّظ على سلطنة صاحب الأرض في مقام تخليص ماله فيجب الردّ ولا تقتضي التحفّظ على سلطنة صاحب الغرس في مقام التحفّظ على غرسية غرسه وعدم تلفه. إذن، فليزم صاحب الغرس بمقتضى قاعدة السلطنة بتسليم الأرض خالصة، نعم يحكم بالضمان كما سوف يأتي في بحث الضمان.

كان الكلام فيمن استأجر واستعار أرضاً ليزرعها فزرعها وانتهت مدّة الاستحقاق، فهل يجب عليه ردّ الأرض الى المالك لو أرادها، بالرغم ممّا يكلّفه ذلك من اتلاف زرعه أو لا؟

 ومثله من استأجر أو استعار خشبة أيضاً يقع فيه نفس هذا الكلام، فهل يمكن نفي وجوب الردّ في المقام بإجراء القاعدة بدعوى أنّها تنفي الحكم الضرري ووجوب الردّ ضرري على المستأجر أو المستعير، بعد التسالم على أنّ هذا الشخص لو كان غاصباً لوجب عليه الردّ مهما كلّفه الأمر، فبالنسبة إلى الغاصب لا يوجد إشكال أو احتمال فقهي لعدم وجوب الردّ بأجماع فقهائنا، بل إجماع فقهاء المسلمين، باستثناء ما يُنسب الى بعضهم، هو التسالم على وجه الردّ على الغاصب.

 ــــــــــ[242]ــــــــــ

() ذكره في كتاب البيع. (المقرّر )

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ولهذا ينبغي إخراج الغاصب ممّا هو موضوع النزاع في المقام، وسوف تعرف أنّ الملاكات الفنيّة أيضاً تقتضي إخراجه.

[صور تستثنى عمّا هو محل النزاع] 

وفي غير الغاصب أيضاً يجب إخراج عدّة صور تكون واجدة لنكتة تبين التكليف في المطلب من دون ان تصل النوبة الى الإشكال في هذه المسألة.

الصورة الأولى: ما إذا فرضنا أنّ المستأجر اشترط على المؤجّر أن يبقى غرسه لو استمر به الأمد إلى ما بعد انتهاء مدة الإجارة، فإنّه لو اشترط ذلك اشتراطاً صريحاً في ضمن العقد، فلا إشكال أنّه بهذا يستحق إبقاء الغرس بعد انتهاء المدّة ولا يجب عليه الردّ إلى المالك وأن طالبه(1).

الصورة الثانية: إذا فُرِض أنّ وضع المطلب عرفاً يقتضي الشرط الضمني الارتكازي في الإبقاء، فأنّه كالشرط الصريح. 

ويحتمل أن يكون من هذا القبيل ما إذا استأجر أرضاً ليزرعها بزرع من المعلوم عرفاً أنّه لا تنتهي مدّته في مثل المدة المقرّرة للإجارة، كما لو استأجر الزرع شهرين والزرع لا تتم مدّته إلا بأربعة أشهر. 

فهنا يمكن ان يقال: في مثل معلومية هذا يوجب أن يكون هناك شرط من 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

() وهنا قلتُ له: هذه المدّة تكون مرددة فيقع البيع باطلاً؟

فقال: لا يقع باطلاً، لأنّ الجهالة في الشرط لا توجب غرريّة المعاملة. فإنّ غاية ما يدلّ عليه الدليل هو إبطال نفس الإجارة إذا كانت غرريّة من حيث العوض والمعوض، لا من حيث شرائطها، وهذه قاعدة عامّة في كلّ المعاملات. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المستأجر على المؤجر في إبقاء هذا الزرع المدة الزائدة على الإجارة مع تطبيق قواعد الضمان.

الصورة الثالثة: وهي التي لابدَّ من إخراجها من محلّ الكلام ما إذا فُرِض أنّ عقد الإجارة وقع بوجه من دون أن يعيّن منفعة من المنافع في مقام الاستفادة من الأرض، ولكن المدّة التي حدّدت للإجارة كانت من المعلوم أنّها لا تفي لبعض منافع الأرض، كزراعة الحنطة -مثلاً-، فقد يقال هنا: إنّ نفس معلوميّة أن استيفاء منفعة زراعة الحنطة يحتاج إلى مدّة أطول يوجب ظهوراً سياقياً في عقد الإجارة بحيث يمنع عن إطلاق المنفعة التي وقع عليها التمليك الإجاري لمثل هذه المنفعة. فتنصرف إلى سنخ المنافع التي تكون بقدر مدّة الإجارة دون غيرها.

وحينئذٍ، لو فرضنا أنّ المستأجر طبّقه على منفعة ليست بمقدار من الإجارة يكون بهذا غاصباً؛ لأنّه استوفى الأرض استيفاء غير مملوك له بعقد الإجارة، فيدخل في الغاصب ويخرج عما هو محلّ الكلام.

الصورة الرابعة: ما إذا فرضنا أنّ المالك المؤجر أو المُعير قال للمستعير: أُعيرك هذه لمدّة شهرين وبعد هذا أٌريد الأرض منك على كلّ حال، بمعنى: أنّ المالك لا يأذن في منفعة وغرس يغرسه في هذه الأرض ما لم يكن هذا الغرس ملحوقاً بإرجاع الأرض بعد انتهاء المدّة، يعني: يرجع بالتالي إلى تقييد إطلاق إذنه الإعاري أو التملّكي الإجاري، فانصبّ هذا الإذن بأن يلحق برد الأرض عارية.

وفرق هذا عن الصورة السابقة أنّه هناك يفرض أنّ عقد الإجارة أو العارية لم يكن ابتداءً شاملاً لمنفعة الغرس؛ لأنّها أطول من شهرين.

 ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهنا لو فرضنا أنّه صرح بالشمول لمنفعة الغرس، فقال: أؤجرك هذه الأرض تزرع فيها ما تشاء ولكن أُريدها منك بعد شهرين. ومرجع هذا عرفاً إلى إذنه الإعاري بزرع الحنطة إذن بحصّة خاصّة منه وهو الزرع الملحوق بإرجاع الأرض خالية بعد شهرين، فلو لم يتحقّق الإرجاع لا إذن من أوّل الأمر؛ فحينئذٍ، يدخل في الغاصب أيضاً، ويكون أيضاً ممّا لا إشكال في وجوب الردّ عليه.

الصورة الخامسة: ما إذا فُرِض أنّ المستأجر هو أقدم على ذلك، بمعنى أنّه قال: استأجر منك هذه الأرض مدّة شهرين لزراعة الحنطة وأرجعها إليك بعد ذلك خالية؛ فإنّه في مثل هذا أيضاً لا إشكال في وجوب الردّ عليه، حتّى لو قلنا في أصل المسألة بأنّه لا يجب الردّ وأن المستأجر يستحق الإبقاء، فإن في مثل هذا الكلام من المستأجر يكون إسقاطاً لحقه لا محالة. وكونه من إسقاط ما لم يجب من الكلمات التي لا تستحق الجواب. فهذه الصور الخمسة يجب أن تستثنى عمّا هو محل النزاع. 

وأحسن مثال لما هو محلّ النزاع هو المثال الذي بينه السيّد محمّد(1)سابقاً، وهو ما لو استأجر أرضاً من شخص ليزرعها بالحنطة في مدّة كافية بحسب العادة لزراعة الحنطة فيها، لكن هبوب الرياح والآفات الاتفاقية اوجبت تحديد المدّة التي تكون تنضج فيها الحنطة فلم تنضج الحنطة إلى ما بعد المدّة، وبقيت الحنطة محتاجة إلى شهرين آخرين، فيقع الكلام في هذين الشهرين الآخرين.

ــــــــــ[245]ــــــــــ

() يعني كاتب هذه السطور. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فإنّه هنا لا تأتي هذه النكات الخمسة السابقة فيقع الكلام حينئذٍ، في أنّه هل يجب الردّ أو لا يجب؟

[تحقيق الوجه الثاني]

وقد ذكرت في مقام مناقشة وجوب الرد وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: مسألة الإقدام(1)

الوجه الثاني: مسألة تعارض الضررين(2).

هنا(3) لابدَّ من تنقيح أصل تصوّر ضرريّة هذه الأحكام بحيث يتّضح حال أصل المدّعي القائل بجريان القاعدة لنفي وجوب الرد باعتباره حكماً ضررياً. وحال هذا الاشكال بمعنى هل هنا تعارض ضرري او لا؟

وتحقيق ذلك: أنّ الضرر تارةً يلحظ من ناحية شخص عين المال وسمّوه بالضرر العيني واًخرى يلحظ بلحاظ مالية هذه العين وسمّوه بالضرر المالي، فالكلام يقع في حساب المطلب من ناحية الضرر العيني ثُمّ المالي.

المقام الأوّل: وهو حساب المطلب من ناحية الضرر العيني

 هناك مملوكان عينيان لشخصين أحدهما منفعة الأرض وهي ملك المالك وزرعية الزرع ملك للمستأجر.

 ــــــــــ[246]ــــــــــ

() ذكره كما سبق. (المقرِّر).

(2) وقد عنونه كما سبق. (المقرِّر).

(3) ثم قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ونحن أمّا نجوز للمستأجر إتلاف مال صاحب الأرض باستيفاء منفعتها وأمّا أن نجوز لصاحب الأرض إتلاف مال المستأجر بقلع زرعه واسترجاع أرضه. 

فيبدو أنّ هناك تعارضاً بين ضررين عينيين.

إلّا أنّه لا بدّ من الالتفات إلى مطلب، وهو أن تجويز إتلاف مال الغير، يكون بأحد نحوين: 

النحو الأوّل: أنّ يُفرَض أنّ المال مال الغير وتحت سلطانه بقول مطلق، غاية الأمر أنّه يجوز الغصب من الغير والاعتداء عليه بالرغم من كونه مالاً له، كالكافر الحربي. 

فإنّ ملكيّته لماله لا تختلف عن ملكية أي شخص آخر له، غاية الأمر دليل الغصب خصّص بأنّ هذا الكافر عدو للمسلمين ولهذا يجوز الغصب منه. وهذا الجواز حكم تكليفي تخصيصاً لدليل الغصب، وهو يكون حكماً ضررياً على الكافر الحربي. وهو ضرر بحسب النظر التشريعي لا محالة؛ لأنّ أصل وجدان الكافر الحربي لهذا المال وضعاً ثابت ولا قصور فيه، غاية الأمر اجيز لنا غصبه وهتك حرمته.

النحو الثاني: أنّ جواز الإتلاف لمال الغير يرجع بالتالي إلى ضيق في دائرة ملكية ذلك المال، وفي دائرة سلطنته بمعنى أنّ سلطانه من أول الأمر لم يكن وسيعاً، بل كان سلطاناً بهذا المقدار، على بعض حيثيات التصرّف في المال لا على تمامها، ففي مثل ذلك لا يكون هذا الحكم ضررياً لأنّنا بيّنا مراراً أنّ هذا النحو 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

من الأضرار المالية ليست تكوينيّة، وإنّما هي أضرار بلحاظ وجدان المال بالنظر التشريعي، فإذا فُرِض أنّ الوجدان التشريعي للمال كان من أول الأمر ضيق الدائرة ومُثقِلاً بحقٍ لغيره أو نحوه؛ فلا يكون مثل هذا ضرراً بالنسبة إليه، من قبيل: شخص يشتري عبداً جانياً تعلّق به حق الجناية، فإنَّه لا يقال: بأنّ حقّ الجناية حكم ضرري على هذا المالك، لأنّ هذا المالك من أوّل الأمر ملكيّته ضيقة وليس له سلطان على أن يحمي عبده في مقابل ولي المجني عليه.

فإذا استطعنا أن نميّز ما بين هذين الغرضين نقول: بأنّ مرجع وجوب الرد هنا بحسب الحقيقة ومرجع جواز الإبقاء المقابل له، إلى تضييق في دائرة السلطان. بمعنى أنه بحسب الارتكاز العقلائي، أنّ لكلّ إنسان سلطاناً على ماله، لكن في المقام لابدَّ وأن يُفرَض عدم وجود سلطنتين بحسب الارتكاز العقلائي، سلطنة كاملة لصاحب الأرض على منفعة أرضه واستردادها من المستأجر. وسلطنة للمستأجر على حفظ زرعية زرعه ولو بإبقائه في الأرض. 

ومثل هاتين السلطنتين معاً لا معنى لفرض كونهما ارتكازيتين في عرض واحد؛ فلابدّ وأن يفرض بأنّ هناك ضيقاً في إحدى السلطنتين أو كلتهما، فإنّه إمّا أن يُفرَض أنّه بحسب الارتكازات العقلائيّة قدّمت جهة المالك على جهة المستأجر؛ فكانت للمالك سلطنة مطلقة على منفعة أرضه حتّى هذه الحصّة من التصرف الملازمة مع إتلاف مال غيره وخراب(1) بيت غيره. وحينئذٍ، معنى هذا أنّه لا سلطنة لصاحب الزرع على حفظ زرعه ولو بإبقائه في هذه الأرض، بل 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

() هذه إشارة إلى مثال الخشبة أو المجارة في أساس الدار. (المقرِّر).  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

معناه ضيق سلطنته من هذه الناحية، وأنّ زرعه من أول الأمر مبتلى بحق الإتلاف من قبل المالك. وفي مثل ذلك لا يكون وجوب الرد ضررياً على المستأجر بوجه؛ لأنّ ضررية وجوب الرد -كما بيّنا مراراً- ليست تكوينية وإنّما هي ضررية عقلائية بلحاظ وجدان عقلائي تشريعي في المرتبة السابقة، وهنا لا يوجد في المرتبة السابقة وجدان، إذ لا يرى لصاحب الزرع حقّ في حماية زرعه من إتلاف صاحب الأرض له، فلا يكون وجوب الردّ ضررياً، بل يكون الحكم بعدم وجوب الردّ من قبل الشارع ضررياً؛ لأنّ العقلاء يرون المالك مسلطاً على استرجاع منفعة أرضه والانتفاع بها ولو هذه الحصة الملازمة مع خراب زرع المزارع.

ولو انعكس المطلب وفرض في المرتبة السابقة أنّ الارتكاز العقلائي كان إلى جانب المستأجر وكان يرى أنّ مالك الأرض كأي مالك آخر ليس مسلّطاً على الانتفاع بأرضه بتلك الحصّة من الانتفاع الملازم مع خراب شخص آخر، فتكون هذه الحصّة خارجة عن السلطة والوجدان التشريعي العقلائي؛ فلا يعتبر جواز الإبقاء ضررياً على المالك؛ لأنّ المالك من أوّل الأمر ليس واجداً لهذا النحو من التصرّف حتّى نأخذه منه، وإنّما يكون وجوب الردّ ضررياً؛ لأنّ صاحب الزرع سلط على الحفاظ على زرعه وقد حرّمناه من ذلك.

إذن، فأحدهما ضرري دون الآخر، وضرريته بلحاظ سلطنة ارتكازيّة ثابتة في المرتبة السابقة، وهذه السلطنة لابدّ وأن تتعيّن إمّا في هذا الطرف أو ذاك. 

إذن، لا معنى لفرض تعارض الضررين من هذه الناحية، ومن ناحية أصل 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المدعى لابدّ من تمحيص إنّما هو حق المطلب من أن أي السلطنتين ثابتة.

ولا يبعد أن يقال: بأنّ الأصل بحسب الارتكاز العقلائي هو أن تكون سلطنة المالك هي الثابتة إلّا فيما إذا فُرِض أن ملكيّة المالك كان مندّكة في جانب الملكية الأخرى باعتبار بعض المناسبات العرفية، كما في الخشبة التي هي أساس السفينة والحجارة في أساس البيت. 

وهنا المالك لو أصر على أني أُريد هذه الحجارة من المستأجر غير الغاصب فلا يبعد أن يقال: بأنّ العرف يرى بأنّ هذه الملكيّة مندّكة في مقابل تلك الملكيّة(1).

واما في غير مورد يجزم فيه بالاندكاك، فلا يبعد ان يكون الأصل هو 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

() وقد سألته بعد البحث بهذا الخصوص، بأنّ مالك الخشبة إمّا أن يكون عالماً -كما قلتم واخترتم- بأنّ المستأجر سوف يضع الخشبة في أساس الدار، وإمّا أن لا يكون عالماً؛ فإنّ كان عالماً فإنّه يفهم من قوله: آجرتك هذه الخشبة لتضعها في اساس الدار، التأبيد، وأنّها تبقى فيه ما دامت الدار باقية ومعه* لا تكون مدّة الإجارة منتهية حتّى يكون له حقّ المطالبة على أي حال. وأمّا أنّ المالك لم يكن عالماً بذلك، فيكون المستأجر من أوّل الأمر قد طبّق تصرّفه بالخشبة على حصّة غصبيّة؛ فيخرج عن محلّ الكلام أيضاً؟

فأجاب: عن الشق الأوّل: أنّه لا يبعد أن يكون له ظهور سياقي في ذلك، وقال في أثناء كلامه أنّه يكون من قبيل الصورة الثانية من الصور الخمسة الخارجة عن محلّ الكلام انتهى. (المقرِّر).

* هذا اضافة منّي فعلاً لم أقلها في السؤال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

التحفظ على سلطنة المالك، مالم يكن هناك مناسبات عرفية تقتضي اندكاك ملكية المالك في جانب ملكية المستأجر(1).

المقام الثاني: الضرر المالي 

حيث ان كلاً منهما له مالية منفعة الارض والغرس، فهذا الضرر غير واقع في المقام اصلاً. وذلك: لان أي واحد منهما قام بما يستوجب اتلاف مال الغير يكون عليه الضمان. والضمان نفي للضرر المالي لا تدارك له. فإننا فيما سبق قلنا: بأن الحكم بالضمان تدارك، لكن هذه النسبة للضرر العيني فإنّه تدارك له وتعويض عن العين. 

ولكن الآن نقطع النظر عن الضرر العيني؛ لأنّ المفروض أنّه غير موجودٍ، كما قلنا في المقام الأوّل. وانحصر المطلب بالضرر المالي، وحينئذٍ، فالضمان يعني أداء الماليّة في ضمن مال آخر يكون نفياً للضرر المالي لا تدارك له.

وحينئذٍ، فمتى ما كان في المرتبة السابقة سلطنة المالك محكمة ولم تندك ملكيته في جانب ملكية المستأجر لداره وزرعه ونحوه؛ فيكون المالك هو المخيّر بين أن يطالب المستأجر بقلع زرعه ويكون عليه الضمان لتفاوت القيمة بين قيمة هذا الزرع قائماً ومقلوعاً أو يقبل أن يبقى الزرع في أرضه ويأخذ أجرة المثل عليه. وهذا مطابق لفتوى المشهور من علماء الشيعة.

وهذا التخيير بيد المالك لا من باب أن الإرفاق بحال المالك أولى من 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() وهنا أجاب عن سؤال حول الأصل: الأصل بحسب طبع العقلاء. أحد المعاني الأربعة للأصل في كلام الشيخ الانصاري في باب الخيارات. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الإرفاق بحال المستأجر ونحوه من التعليلات الاجتهاديّة -كما في الجواهر- بل من باب أنّ المفروض في المرتبة السابقة استقرار سلطنة المالك في المقام، فيكون عدم جواز الإبقاء حكماً ضررياً. يعنى ينفي خيار المستأجر؛ لأنّ إعطاء الخيار له يكون حكماً ضررياً، فيتعيّن أن يكون الخيار بيد المالك.

وإمّا إذا فُرِض في مورد اندكّت ملكية المالك في جنب ملكيّة المستأجر، ففي مثل ذلك ينعكس المطلب، ويكون الخيار بيد المستأجر، لأنّ إعطاء الخيار بيد المالك يكون ضررياً؛ فيكون للمستأجر أن يُبقي زرعه ويعطي أجرة المثل أو أن يقطع زرعه. هذا تمام الكلام في تحقيق هذا الوجه الثاني.

الوجه الثالث: للمناقشة في جريان قاعدة (لا ضرر).

وهو الوجه الذي تعرّض له المحقّق العراقي، وحاصل ما ذكره: أنّ (لا ضرر) لا تجري في المقام لا لنفي وجوب الردّ ولا لنفي جواز الإبقاء، لأنّ كلّ هذه الأحكام أحكام إرفاقيه، وهي لا تجري في نفي الأحكام الإرفاقية. إذن، فنبقى نحن ودليل السلطنة الأولية، فما نستفيد منها؟ 

وكأنّه هو فرض قاعدة لها دليل اجتهادي، ولابدّ أن يوازن بين إطلاقاته مع أنّ هذا الفرض ممّا لا أساس له، فـ (الناس مسلّطون على اموالهم) ليس رواية معتبرة وحجّة، ولا محصّل لقاعدة السلطنة إلّا الإجماع والارتكاز وامضاء السيرة العقلائية، ولهذا لا تجري قاعدة السلطنة إلا ضمن ذلك.

إلّا أنّه فرض لها دليلاً اجتهادياً له إطلاق فيرى هنا أنّ قاعدة السلطنة هل تقتضي التحفّظ على سلطنة صاحب الأرض على ارضه فيجوز له الاسترداد ويجب على المستأجر الردّ أو تقتضي الحفاظ على سلطنة المستأجر على زرعه.

 ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إذن، فلا يجب عليه الرد ويجوز له الإبقاء، فأي السلطنتين تبقى تحت هذه القاعدة بعد تعذر شمولها لكلّ منهما في عرض واحد.

فهنا ذكر أنّ دليل السلطنة ينطبق على سلطنة صاحب الأرض، فيعطي له السلطنة على تخليص أرضه من الزرع، ولكن لا يعطي لصاحب الزرع السلطنة على الحفاظ على زرعه وابقائه.

وفي بداية المطلب قال: حيث إنّ قاعدة السلطنة حيث إنّها هي أيضاً إرفاقيه، ولهذا تقيّد بخصوص ما إذا كان المدلول إرفاقاً، فيكون معنى قاعدة السلطنة أنّ كلّ إنسانٍ مسلط على التصرف بماله ما لم يكن تصرفه فيه مؤديّاً إلى تصرف آخر في مال غيره، فلا تشمله قاعدة السلطنة في نفسه، لأنّ شمولها له خلاف الإرفاق.

إذن نرى في المقام أن أي من السلطنتين يصدق عليها أنّها سلطنة على تصرّف يؤدي إلى التصرف الضرري بالنسبة إلى شخص آخر.

 وهنا قال كلاماً عجيباً: إنَّ تصرّف المستأجر في إبقاء غرسه يؤدي إلى التصرّف الضرري في حال آخر؛ لأنّه حينما يبقى غرسه يستهلك منفعة الأرض ويتلفها، فلا تشملها قاعدة السلطنة.

وأمّا العكس وهو سلطنة صاحب الأرض على تخليص ماله فيقول: إنّ تخليص المال لا يستتبع التصرّف في الغرس؛ فإنّه معلول للتصرّف في الغرس لا أنّه يستتبعه فإنّ التخليص يحصل بعد قلع الشجر ورميه، فهو معلول لذلك لا علّة له.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ثُمّ كأنّه بعد هذا يلتفت إلى أنّ هذا المطلب كيف يصدر منه؛ لأنّه ليس هنا آية أو رواية تقول (1): بأن قاعدة السلطنة لا تشمل التصرف الذي يؤدي ويكون علّة إلى الضرر حتّى نلحظ أنّه هنا يكون علّة، وهنا يكون معلولاً؛ فمن(2) الممكن أن نقول: التصرّف الذي يكون ملازماً مع التصرّف في مال الغير، بلا فرق بين كونه علّة وكونه معلولاً (3)

فكأنّه التفت إلى وضوح هذا المطلب، ولهذا قال: وبعبارةٍ أُخرى: فالبس المطلب ثوباً صناعياً فنيّاً بحسب الظاهر لكي يغطي الفراغ الموجود في هذا التقريب الأوّل.

*****

وعلى(4) هذا الاساس أراد أنّ يبيّن أنّ مقصودي ليس هو ظاهر العبارة، بل مقصودي شيء آخر. وسوف أذكر ما أفاده مع إضافة نكتة إليه لتتمّ بذلك أطراف المطلب. وتوضيح ما افاده يتمّ يكون بأمور:

الأمر الأوّل: دعوى أنّ الإشغال والتخليص أمران مترتّبان أحدهما في 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() تقول: بأنّ السلطنة يشترط في متعلّقها إلّا أن يكون مؤدياً وعلّة للتصرّف المتلف في مال الغير. (محاضرة الغد).  (المقرِّر).

(2) وإنّما مناط هذا التقييد هو الإرفاقية وهي لا يفرق فيها بين أن يكون علّة للتصرّف المتلف في مال الغير أو يكون معلولاً له. (محاضرة غد).  (المقرِّر).

(3) فأي فرق بين الموردين من هذه الناحية. (محاضرة غد). (المقرِّر). 

(4) لخص أولاً كلام المحقق العراقي كما سبق ثم قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

طول الآخر. ويقصد من الإشغال إبقاء الزارع لزرعه في الأرض والتخليص إخلاء صاحب الأرض للأرض من مال غيره. والتخليص فرع الإشغال وحيث لا اشغال لا معنى للتخليص، فيقول: حالهما حال الدفاع والهجوم، فكما أنّ الدفاع مترتّب على الهجوم، فاذا لم يهجم عليك أحد لا معنى لأن تدافع، كذلك هنا التخليص فرع الإشغال وفي مرتبة متأخّرة عنه.

الأمر الثاني: أنّه مبنيٌ على تأخّر رتبة التخليص عن الإشغال، فتكون السلطنة على التخليص أيضاً متأخّرة بالتبع عن السلطنة على الإشغال، فتكون سلطنة صاحب الأرض على التخليص في طول سلطنة صاحب الغرس على الإشغال؛ لأنّ الطولية بين موضوعي السلطنة يؤدّي إلى الطوليّة بين السلطنتين. وهذا هو الأمر الثاني الذي صرح به أيضاً في كلماته.

والسلطنة على التخليص هي في طول السلطنة على الإشغال إثباتاً ونفياً، يعني عدمها أو وجودها واقع في المرتبة المتأخرة عن السلطنة الأولى، كما هو الحال في كلّ متأخّر ومتقدّم رتبة في نظره، حيث إنّ أي متأخر بحسب الرتبة يكون عدمه أيضاً في تلك الرتبة، فكما أنّ وجود المعلول متأخّر عن العلّة كذلك عدم المعلول متأخّر عنها.

الأمر الثالث: أننا لا بدّ وأن نفرض أنّ سلطنة كلّ مالكٍ على التصرّف ليست ثابتة على كلّ تصرفٍ، بل على تصرف مقيّد بأن لا يكون مستلزماً لتصرّف آخر، ولكن هذا القيد يُتصوّر على وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ سلطنة هذا المؤمن على كلّ تصرّف لا يكون مستلزماً 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

للتصرّف بمال شخص آخر بحيث يكون استلزامه لذلك يكون هو المانع عن ثبوت هذه السلطنة، سواءٌ كان المال الآخر والحيثيّة التي تضيع في المال الآخر، تحت سلطان الآخر أو لا (1).

الوجه الثاني: أنّ سلطنة كلّ مالك على التصرّف في ماله مقيّدة بأن تكون سلطنة على تصرف لا يستلزم ضياع سلطنة الآخر لا ماله، فلو استلزم التصرّف في مال الآخر، لكن تلك الحيثيّة التي تصرّف بها لم تكن تحت سلطان الآخر؛ فلا بأس بذلك؛ فهذا نحو آخر من التقييد، ولا محالة القيد الثاني أضيق من الأوّل؛ لأنّنا إذا قيدناه بأن لا يكون مستلزماً لإتلاف مال الآخر يخرج تمام صور الاستلزام لإتلاف مال الآخر، سواءٌ كان الآخر صاحب سلطان على حفظ ماله من هذا الإتلاف أم لم يكن، وأمّا إذا جعلنا القيد بالصيغة الثانية، يعني: أن لا يكون مستلزماً للتصرّف في مال آخر يكون الآخر ذا سلطان لحفظ ماله من ناحية هذا التصرّف فتكون دائرة القيد أضيق.

وإذا دار الأمر بين هذين الوجهين من التقييد يقتصر على التقييد الأقل لا محالة، وهو أن يقيّد بأن لا يكون مفوّتاً لسلطان الآخر، بحيث يفرض أنّ المانع عن هذه السلطنة سلطنة آخر، لا مجرّد استلزامه للتصرّف في مال الآخر حيث يمكن كلا الوجهين من التقييد يتعين الصيغة الثانية منه. وأمّا حيث لا يمكن كلا الوجهين، بل يكون أحدهما مستحيلاً -مثلاً- فيتعيّن التقييد الآخر. هذا هو الأمر الثالث المستخلص من كلماته.

ــــــــــ[256]ــــــــــ

() وهذا هو التقييد الاوسع الذي يوجب خروج شيئاً كثيراً من تحت السلطنة (تكرار). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فإذا اتضحت هذه الأمور الثلاثة فهنا نقول: إنّه عندنا سلطنتان: سلطنة لصاحب الأرض على تخليص أرضه وهذه السلطنة مقيّدة -كما قلنا في الأمر الثالث- والتقييد له صيغتان وكلاهما ممكن، فيتعيّن الصيغة الثانية من التقييد، وهو: أن تكون سلطنة صاحب الأرض على تخليص أرضه مقيّدة بأن لا يكون هذا التخليص مستلزماً لتفويت سلطان صاحب الغرس على إشغال زرعه وإبقائه. 

وهذا ينتج أن سلطنة صاحب الغرس تكون مانعة عن سلطنة صاحب الأرض لو وجدت، فإن سلطنة صاحب الأرض على التخليص مقيّده بأن لا يلزم من التخليص تفويت سلطنة صاحب الغرس، فمعناه: أنّ سلطنة صاحب الغرس لو وجدت لكانت مانعة عن سلطنة صاحب الأرض، فيكون عدمها مؤثّراً في فعلية سلطنة صاحب الأرض، وهذا أمر معقول، لإنّنا بيّنا في الأمر الثاني أنّ السلطنة على الإشغال أسبق رتبة من السلطنة على التخليص، والأسبق رتبةً يمكن أن يكون مانعاً عن وجود المتأخّر، ويكون عدمه دخيلاً في وجود المتأخّر.

وأمّا لو جئنا إلى السلطنة على الإشغال فهي لا يعقل فيها الصيغة الثانية للتقييد، وهي بأن تكون السلطنة على الإشغال مقيّدة بأن لا يلزم من الإشغال تفويت صاحب الأرض على التخليص، (1) بحيث يفرض أنَّ سلطنة صاحب 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

() وهو أن يفرض أن سلطنة صاحب الزرع على ابقاء زرعه فرع أن لا تكون سلطنة لصاحب الأرض على تخليص أرضه (تكرار) (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الأرض مانع سلطنة صاحب الغرس على الإشغال لو وجدت، وأن عدمها مؤثّر. هذا غير معقول؛ لأنّنا بيّنا في الامر الثاني أنّ السلطنة على التخليص في طول السلطنة على الإشغال اثباتاً وعدماً. ويستحيل أن يكون المتأخّر رتبة مانعاً عن فعلية المتقدّم رتبة وإن يكون عدمه مؤثّراً في فعلية المتقدم.

 إذن، فيتعيّن الصيغة الأولى للتقيد من الصيغتين اللّتين ذكرناهما في الأمر الثالث، وهو أن يكون سلطنة صاحب الغرس على إشغال غرسه وإبقائه مقيّد بأن لا يلزم منه تصرّف متلف في مال الآخر، بقطع النظر عن أن يكون الآخر تحت سلطان الآخر أو لا.

وبذلك يتّضح أنّ سنخ التقييد اختلف في كلتا السلطنتين فالسلطنة على التخليص قُيّدت بأن لا تكون هناك سلطنة على الإشغال. والسلطنة على الإشغال لم تقيد بأن لا يكون هناك سلطنة على التخليص، حتّى تكون نسبة التقييدين إليهما على حدٍ واحد، بل قُيّدت السلطنة على الإشغال بأن لا يلزم من الإشغال تصرّف في مال الغير.

ومن المعلوم أنّ القيد الذي أُخذ قيداً في السلطنة على الإشغال منتفٍ وجداناً، وهو ألّا يلزم منه التصرّف في مال الغير. فإنه بالوجدان أنّ إبقاء الغرس في الأرض يلزم منه التصرّف في مال الغير سواءٌ كان الغير مسلّطاً على ماله أو غير مسلّط. فما هو قيد سلطنة الإشغال منتفٍ وجداناً فتنتفي السلطنة وجداناً. وإذا انتفت وجداناً وُجِدَ قيد سلطنة التخليص؛ لأنّها مقيّدة بعدم السلطنة على الإشغال، لا بعدم استلزام التخليص للأشغال. إذن، فقد وجد ما 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هو قيد السلطنة على التخليص(1).

فقد اختلف القيدان(2)، فقيد سلطنة صاحب الزرع هو أن لا يستلزم الإشغال تصرّفاً في مال صاحب الأرض، وهذا القيد منتفٍ هنا وجداناً، فتنتفي سلطنة صاحب الزرع على الإشغال وجداناً. وأمّا سلطنة صاحب الأرض على تخليص أرضه، فقيده أن لا يكون لصاحب الزرع سلطنة، وهذا متحقّق وجداناً. إذن، فتكون سلطنة صاحب الأرض على تخليص أرضه هي السلطنة الفعليّة هذا هو تمام مرامه في مقام توضيح هذا المطلب العجيب.

وهذا المرام ممّا لا يتحصّل لنا منه معنى عدا هذه الصياغة الفنيّة؛ وذلك لأنّه يرد عليه: 

أولاً: أنّ الأمر الأوّل من الأمور التي قدّمناها باطل، وهو أنّ التخليص متأخر رتبةً عن الإشغال كتأخّر الدفاع عن الهجوم. وهذا لا معنى له، فإن الإشغال والتخليص مرجعهما إلى شيء واحد، وجهه من ناحية المستأجر يكون اشغالاً ووجهه من ناحية صاحب الأرض يكون تخليصاً؛ وذلك أنّ هناك منفعة الأرض التي يشغلها صاحب الغرس لغرسه. وهذه المنفعة استرجاعها 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: في أحد الطرفين وهو السلطنة على التخليص تحقّق ما هو الأضيق من التقييدين، وفي السلطنة على الإشغال تحقق ما هو الأوسع منهما. فلزم من ذلك انتفاء السلطنة على الإشغال وفعليّة السلطنة على التخليص.  (المقرّر  ). 

(2) وهنا كرّر السيّد برهان المحقّق العراقي نذكر هذه الفقرة الأخيرة: (فقد اختلف القيدان)… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وحفظها من الغارس تخليص وإبقاؤها عنده إشغال. فهناك منفعة واحدة إمّا أن تقع تحت سلطان الغارس بالاستيفاء أو تحت سلطان المالك بالاسترداد؛ فهذا مطلب واحد لا مطلبين، وليس أحدهما في طول الآخر، بل أحدهما في عرض الآخر؛ فهذا مال واحد إمّا أن يأخذه هذا أو يأخذه ذاك، من قبيل كتاب واحد يجرّه هذا من ناحية ويجرّه ذاك من ناحية(1). هذا أولاً.

 وأما ثانياً: لو سُلّمت الطوليّة بين الإشغال والتخليص؛ فلا يتمّ الأمر الثاني من الأمور التي ذكرناها، وهو الطوليّة بين السلطنتين، أي: موجب للطولية بينهما، لكي تكون السلطنة على التخليص فرع السلطنة على الإشغال، وأن الإشغال وجد بلا سلطان ولا حقّ شرعي، فإنّه هناك يُتصوّر مجال للسلطنة على التخليص.

فلا موجب للطوليّة إلّا تخيّل أنّ كلاً من السلطنتين حيث إنّها متقوّمة بالوجود العنواني لموضوعها أو هو الإشغال والتخليص، وحيث إنّ هذا المعنون في طول ذاك المعنون، وهو التخليص في طول الإشغال، فهذه الطولية تسري أيضاً إلى عرضيهما، فكما أنّ المعروضين أحدهما في طول الآخر، فالعرضان وهما السلطنتان أحدهما في طول الأخر.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: أنّ التفويت والإشغال ليست بهذا العنوان من أنحاء التصرف، فإنّ ما هو تصرّف عبارة عن أخذ هذه المنفعة التي يريد أن يأخذها شخصان. وليس هناك فعلان طوليان أحدهما مترتّب على الآخر بوجه من الوجوه. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ومثل هذا الكلام غير صحيحٍ لأُمور:

الأمر الأوّل: لأنّ السلطتين هنا عرضيان لوجودي العنوانين للاشغال والتخليص لا للوجودين الخارجيين (1). ولو فُرِض هناك ترتّب فإنّما هو بين واقع الإشغال خارجاً وواقع التخليص، لا بين العنوانين.

وثانياً: إنّنا ذكرنا مراراً أنّ الطوليّة بين المعروضين لا يلزم منه الطوليّة بين العرضين بوجه من الوجوه. 

وأما ثالثاً: لو سُلّم أنّ هذه السلطنة في طول تلك السلطنة؛ فلا نسلم أنّ عدمهما في طول تلك السلطنة أيضاً بقاعدة أنّه إذا تأخّر شيء عن شيء بحسب الرتبة فنقيضه أيضاً متأخّر عن ذلك الشيء. فإنّنا تكلمنا مراراً أنّ هذا ممّا لا أساس له.

 رابعاً: لأنّه ليست هذه هي طريقة البحث الفقهي في مثل هذا الدليل، فإن طريقة البحث فيه هو أن نرى ما هو ملاك التقييد، وهو الإرفاقية، وهي تقتضي 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() فإنّ السلطنة حيث إنّها حكم في عالم النفس تتقوم بعنوان الإشغال لا أنّ فعليّة السلطنة فرع فعليّة الإشغال خارجاً. وليست نسبة السلطنة إلى الإشغال نسبة العرض إلى موضوعه الخارجي فتقومها بالإشغال من باب تقوم الأحكام بعناوينها الذهنيّة لا من باب تقومها بالوجودات الخارجيّة. والتأخر والتقدم إنّما يقال -لو قيل- في الإشغال الخارجي والتخليص الخارجي لا بين الصورتين الذهنيتين لهما. فإنّ المولى يمكن أن يتصوّر الإشغال والتخليص في عرض واحد، كذلك الهجوم والدفاع ذهنياً، وإن كانا مقربين خارجاً. (تكرار). (المقرِّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أن يقيّد كلّ منهما بأن لا يستلزم التصرّف المتلف في حال الآخر من دون أن يفرض للآخر سلطان قبل هذا.

وإلّا فإن التقييد بلحاظ فرض سلطان للآخر؛ فهذا من باب استحالة اجتماع سلطانين متنافيين، لا من باب الإرفاقية. 

وأمّا نكتة الإرفاقيّة فهي تقتضي التقييد بالصيغة الأولى في كلّ من الطرفين، يعني: تقييد كلّ من السلطنتين بأن لا يكون متعلّقها مستلزماً لتصرّف متلف في مال الآخر؛ لأنّه لو استلزم ذلك لكان خلاف الإرفاق وموجباً لكسر الخاطر بالنسبة إلى الآخر، وكسر الخاطر لا يفرق فيه بين أن يكون قد جعل للآخر سلطنة أو لا. 

فإنه بالتالي قد اتلف مال الآخر؛ فنكتة الإرفاقيّة دائماً تعيّن الصيغة الأولى للتقييد في كلّ من السلطنتين، وعليه؛ فلا يبقى فرق ما بين هاتين السلطنتين.

كلّ هذا بحث فرضي مبني على أن يكون لقاعدة السلطنة دليل اجتهادي يتمسّك بإطلاقه، وهذا ممّا ليس موجوداً، فإن قاعدة السلطنة دليلها منحصر بالإجماع والارتكاز والسيرة العقلائية والموارد المتفرّقة المتصيّدة من الروايات، وليس له إطلاق لفظي حتّى ينتهي الكلام إلى مثل هذا البحث. 

هذا تمام البحث في هذا الوجه. وبذلك انتهت هذه المسالة ايضاً. وبذلك انتهى هذا التنبيه.

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 




التنبيه الثالث: نسبة القاعدة إلى الأدلة الأولية

 

التنبيه الثالث: في بيان النسبة بين القاعدة وأدلّة الأحكام الأولية الشاملة بإطلاقها لموارد ضررية المجعول، حيث إنّ النسبة بين القاعدة وبين كلّ واحد من أدلّة الأحكام هو العموم من وجه، وحيث إنّ مقتضى التعارض بهذا النحو هو التساقط؛ ولهذا وقع الإشكال من حيث إنّه كيف عمل بالقاعدة ونجى دليل القاعدة عن التساقط وقدّم على كل دليل عارضه؟ وما يذكر عادة أو يمكن أن يذكر في مقام توجيه هذا المطلب عدة تقريبات: 

[التقريب الأوّل: في تقدم القاعدة على الأدلة الأولية] 

هو أن يُقال: إنّ دليل القاعدة قطعي باعتبار استفاضة نصوص (لا ضرر ولا ضرار) وأدلّة الأحكام الأخرى، ما يفرض منه قطعياً من حيث السند يكون مثله ويتساقطان. وما يفرض منها أنّه ليس بقطعي السند، وإنمّا هو مشمول بأدلة الحجية تعبّداً فيكون هذا معارضاً مع الدليل القطعي من حيث السند. 

وقد ذكرنا في بحث خبر الواحد أنّ الخبر لا يكون حجّة إذا تعارض بنحو التباين أو بنحو العموم من وجه مع الكتاب الكريم أو السنة القطعية سنداً، فيخرج الدليل الظني الشامل، وإطلاقه للحكم الضرري بمقدار مادة الاجتماع عن ادلّة الحجيّة، ويبقى دليل القاعدة بلا معارض.

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذا الكلام مضافاً إلى أنّه لا يتمّم تمام المدّعى؛ لأنّ أدلة الأحكام القطعيّة تبقى بلا نكتة في مقام تقديم القاعدة عليها.

 مضافاً إليه: أنّ هذا الوجه غير تامٍ، لأنّه موقوف على وجهين:

الوجه الأوّل: على فرض تواتر أو استفاضة روايات القاعدة بحيث يوجب القطع العادي بذلك.

الوجه الثاني: على استقطاب التعارض بين دليل القاعدة وأدلة الأحكام الواقعية، حتى ينتهي المطلب إلى التعارض السندي، وإلا لو أمكن علاج التعارض في المرحلة الدلالية فلا مجال للوصول إلى مثل هذا الكلام.

والأمر الأوّل هو استفاضة سند القاعدة وقد تقدّم الكلام فيه في المقام الأوّل من المقامات التي عقدناها لتحقيق حال القاعدة، وأما الأمر الثاني فسوف يظهر أنّ التعارض بين دليل القاعدة وأدلة الاحكام الأولية ليس مستقطباً ومستحكماً، بل هو منحلّ في المرحلة الدلالية قبل أن تصل إلى المرحلة السندية.

[التقريب الثاني: في تقديم القاعدة الأخصية] 

إنّ دليل القاعدة إذا لوحظ مع كلّ دليل من أدلّة الأحكام الواقعيّة، وإن كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه، ولا يكون هناك موجب لتقديم دليل القاعدة عليه. 

لكن إذا لوحظ دليل القاعدة مع مجموع أدلّة الأحكام الواقعية، فإنه يكون أخصّ مطلقاً منها، فيقدم عليها باعتبار الأخصيّة.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [اعتراض السيد الأستاذ على التقريب الثاني] 

واعترض السيّد الأستاذ على هذا الوجه قائلاً: بأنّه لا موجب فني لملاحظة مثل هذه الأخصيّة، فإن الأخصية إنّما تلحظ بالنسبة إلى ما هو طرف المعارضة دون غيره. 

وهنا ليس عندنا معارضة واحدة، بل معارضات عديدة بعدد أدلّة الأحكام الواقعيّة، فكلّ واحدٍ من الأدلّة هو طرف لمعارضة استقلالية قائمة بذاتها، وليس عندنا معارضة واحدة وراء هذه المعارضات العديدة يكون طرفها مجموع الأدلة، حتّى تنفع أخصيّة القاعدة في تقديمها، بل لنا معارضات استقلالية متعدّدة كلّ واحدٍ غير مربوط بالآخر، وكلّ واحدٍ طرفه دليل واحد شخصي، فلا بدّ أن نلحظ النسبة ما بين المتعارضين، لا بين أحد المتعارضين وبين شيء آخر لم يقع طرفاً للمعارضة اسمه مجموع الادلّة.

تحقيق الكلام في ذلك 

وتحقيق الكلام في هذه النكتة: هو أن تقديم أحد الدليلين المنفصلين المتعارضين على الدليل الآخر فيه مسلكان:

المسلك الأوّل: أن يقدّم أحد الدليلين المتعارضين المنفصلين على الآخر في مقام الحجيّة، باعتبار الأخصيّة من باب أنّه متى ما تعارض ظهوران، فنقدم الظهور الأقوى ظهوراً على الأضعف. وأحد مظاهر الأقوائية في الظهور هو الأخصيّة، الذي قد نعبّر عنه القرينية.

وبناءً على هذا المسلك يكون ما ذكره السيّد الأستاذ تاماً وصناعياً، وذلك: 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فإننا إذا فرضنا أن تقديم الأخصّ على العامّ من باب أنّه أقوى ظهوراً، إذن فلابدَّ أن يفرض كونه أخصّ من ذاك الظهور الذي وقع طرفاً للمعارضة معه، وأمّا إذا فُرِض أنّه لم يكن أخصّ بلحاظ ما هو طرف المعارضة. إذن، فلا يكون أقوى من الظهور الذي وقع طرفاً للمعارضة؛ فلا تكون مثل هذه الأخصيّة مفيدة في المقام.

فدليل القاعدة وإن فُرِض كونه أخصّ من مجموع الأدلة، لكن ما هو طرف المعارضة ليس هو مجموعها، بل هذا الدليل وذاك الدليل بذاته، وكون دليل القاعدة أخصّ من المجموع لا يوجب إقوائيته من كلّ دليلٍ في نفسه، ونحن نحتاج إلى أن يكون دليل القاعدة أقوى من الظهور الذي وقع طرفاً للمعارضة معه، ولا يكون اقوى منه إلّا إذا كان أخصّ منه.

 وأمّا الأخصية بلحاظ غير ما هو طرف للمعارضة لا يزيد في إقوائيته على ما وقع طرف للمعارضة.

 المسلك الثاني: وهنا مسلك ثاني في مقام تقديم الأخصية وحاصله: أن يقال: بأنّ التقديم بالأخصيّة كان باعتبار أنّنا دائماً نفرض المخصّص المنفصل كأنّه متّصل وإن الكلامين متّصلان، ونعاملهما كذلك.

وتوضيح ذلك: أنّ الفاصل الزمني بين كلام الشارع وكلام آخر بحسب طبعه يوجب استقرار الظهور في كلّ خطاب على النحو الذي كان مكتنفاً بذلك الخطاب من قرائن اللحاظ والمقام، بحيث يكون مجيء خطاب آخر منفصل واجداً لظهور آخر يكون بابه باب التعارض بين الظهورين.

ــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إلّا أنّ الشارع حيث إنّه أقام قرينة عامّة على أنّ بنائه على التدرج في مقام إلقاء الأحكام، وعلى الاعتماد على القرائن المنفصلة في مقام التخصيص والتقييد، فبعد أن استقر بناؤه على هذا وعُرف ذلك من حاله وطريقة بيانه للأحكام بينه وبين السامعين، فحينئذٍ الفاصل الزمني يفرض كأنه غير موجود، وكأن الشارع له مجلس واحد مستمر منذ بداية البيانات التشريعية إلى نهايتها، وأن هذه الفواصل الزمنيّة تُنزّل منزلة العدم، بمعنى: أنّ السيرة العقلائيّة تعامل مع خطابات شخصيّة يكون هذا بناؤه هكذا، مع خطاباته المنفصلة معاملة الخطابات المتّصلة.

وحينئذٍ، فأي أثر أو بركة يمكن أن تحصل من ناحية الاتصال، فأيّ أثر تفسيري أو توضيحي لكلام المولى يمكن أن يحصل في فرض كون الخطاب متّصلاً، فإنه يحصل في فرض الانفصال أيضاً.

ونتيجة هذا المسلك هو أنّنا نقدّم الأخصّ على العامّ؛ باعتبار أنّ الأخصّ لوكان متّصلاً بالعام لمنع من انعقاد الظهور له، ففي المقام لابدَّ وأن نفرض أنّ دليل القاعدة كان متّصلاً بمجموع الأدلّة؛ لأنّ جميع الأدلّة خطابات للشارع. صحيح أنّ دليل القاعدة لم يقع طرفاً لمعارضة مع مجموع الأدلّة، بل وقع طرفاً لمعارضات عديدة بعدد الأدلّة، لكن نحن نقول: إنّه حيث إنّ الفاصل الزمني نفرض أنّه غير موجودٍ فنفرض أنّ دليل القاعدة كأنه متّصل مع مجموع الأدلّة، وأيّ دليل وقع مع مجموع أدلة وكان أخصّ من المجموع متّصلاً بها بعدم ظهورها في الإطلاق، كما لو قال في مجلس واحد: يجب الوضوء ويجب الغسل 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ويجب الصوم على كلّ مكلّف، ولا يثبت وجوب ضرري على أي مكلّف، فهنا ينعدم الظهور العمومي والإطلاقين في كلّ واحدٍ من هذه الجمل؛ لأنّ هذا المخصّص باعتبار كونه أخصّ من المجموع يصلح عرفاً للقرينية على المجموع وبعدم ظهوره. 

ففي المقام لا يكون له أثر الاتصال لا حقيقةً، بل حكماً، بمعنى: أنّه يوجب إسقاط حجيّة تلك الإطلاقات والعمومات بتمامها، فليس تقديم (لا ضرر) من باب الأخصيّة في المقام بلحاظ معاملة (لا ضرر) معاملة الظهورين المتعارضين وتقديمهما من باب أنها أقوى المتعارضين بلحاظ الأخصيّة، حتّى يقال: بأنّ أخصيّتها لم تكن بلحاظ معارضها، حتّى تكون أقوى منه، بل من باب أن أخصيّتها من المجموع في فرض الاتصال بعدم ظهور الجميع، وحيث إنّ المنفصل كالمتّصل في كلام عاقل كالشارع، لهذا توجب إسقاط حجيّة تلك الظهورات.

فهذا التقريب الإنصاف أنه في غاية المتانة بناءً على هذا المسلك، وغير فنّي على المسلك الأوّل المتداول في كلماتهم.

التقريب الثالث: [في تقديم القاعدة على الأدلة الأولية]  

التقريب الثالث: إن دليل (لا ضرر) يتعارض بنحو العموم من وجه مع كلّ دليل دليل، لكن لو قدّمنا كل واحد من هذه الأدلة جميعها يلزم إلغاء القاعدة رأساً، ولو قدمنا البعض دون البعض فهو ترجيح بلا مرجح، ولو قدّمنا القاعدة على الجميع لا يلزم شيء من المحذورين، فيتعيّن الثالث.

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وكأن السيّد الأستاذ هكذا بيّن الوجه، وحينئذٍ، اعترض عليه: بأنّنا نختار الوجه الثاني، يعني: نقدّم بعض الأدلّة عليه دون بعض ولا يلزم الترجيح بلا مرجّح؛ وذلك لأنّ الأدلة الدالّة على الحكم الضرري بعضها تدلّ عليه بالعموم وبعضها يدلّ عليه بالإطلاق، فما كان دالاً على ذلك بالعموم نقدّمه على القاعدة، لأنّنا قلنا في محلّه: بأن العموم الوضعي يُقدّم على العموم الحكمي، وأمّا إذا كان دليل الحكم الواقعي بمقدّمات الحكمة فلا يقدم عليه، بل يتعارضان ويتساقطان.

وكأنّه فهم من هذا الوجه أنّنا نريد نكتة تميّز بعض الادلّة عن بعض في مقام التقديم عليه، فبعضه نقدّمه على القاعدة وبعضه نسقطه معها، مع أنّ هذا محذوره هو محذور الشق الأوّل وهو لزوم لغوية القاعدة؛ لأنّ معناه: أنّ القاعدة في بعض الموارد أسقطنا حجّيتها باعتبار الحاكم وهو أداة

العموم، وفي بعض الموارد وهو موارد الإطلاق أسقطناها باعتبار المعارضة، وهذا هو معناه إسقاط الدليل رأساً الذي هو محذور الشق الأوّل لا محذور الشق الثاني.

والظاهر أنّ المراد لصاحب هذا الوجه هو هذا البيان: أنّ (لا ضرر) لها مفادان:

 أحدهما: نفي الحكم الضرري بنحو القضيّة المهملة التي في قوّة الموجبة الجزئيّة، وأن هناك أحكام ضرريّة منفية في الجملّة، وهذا المفاد ثابت بصراحة دليل القاعدة وقوّة ظهورها العرفي بلا حاجة إلى ضمّ مقدمات الحكمة.

 ثانيهما: وهو قلب هذه القضية المهملة إلى سالبة كلية وهو أنه لا يوجد 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

حكم ضرري على الإطلاق. وهذا المدلول الأوسع إنّما ينعقد للدليل بلحاظ جريان مقدّمات الحكمة.

حينئذٍ، نقول في المقام: إنّ دليل القاعدة بلحاظ مفاد الأوّل وهو القضية المهملة، فيعارض مع مجموع أدلّة الأحكام الواقعية؛ لأنّ السالبة الجزئية نقيض الموجبة الكلية. 

ومجموع الأدلّة تشكّل موجبة كليّة وهو أنّ كلّ حكمٍ شرعي يثبت في حالة الضرر، والقضيّة المهملة الثابتة في المرتبة السابقة عن مقدّمات الحكمة، فنقول: بأن بعض الأحكام لا تثبت في حالة الضرر، فيحصل التعارض بين دليل القاعدة بلحاظ القضيّة المهملة مع مجموع الأدلة بلحاظ ما يتحصّل من المجموع من موجبة كليّة وفي هذه المعارضة القاعدة أقوى من مجموع الأدلة؛ لأنّ طرف المعارضة من طرف القاعدة هو نصوصيتها، ومن ناحية الأدلّة طرف المعارضة هو إطلاقها الثابت بمقدّمات الحكمة، ومتى ما تعارض إطلاق حكمي مع ظهور لفظي ونصوصية لفظيّة عرفيّة تقدم هذه النصوصّية على مجموع تلك الأدلّة، فإذا قدّمناه عليه فمعناه: أنّنا نلتزم بسقوط بعض الإطلاقات في أدلّة الأحكام الواقعيّة، فتحصل حينئذٍ، في طول ذلك معارضة بين نفس إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة في أنّ أيّها يسقط وأيّها يبقى، فإذا حصل التعارض فيما بينهما تسقط جميع إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة، وإذا سقطت نكون في راحة من ناحيتها، ولا يبقى حينئذٍ، مانع من الرجوع إلى قاعدة (لا ضرر). هذه هي الصيغة الفنية لهذا التقريب.

*****

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وطرف(1) المعارضة مع القضيّة المهملة هو المجموع لا الجميع لإطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة، وحيث يقدم دليل القضيّة المهملة على إطلاقات الأدلّة الواقعيّة بنحو المجموع يعني يلتزم بأن المجموع غير ثابت، فيقع التعارض بين نفس إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة؛ لأنّ كلّ واحدٍ يدلّ بالالتزام على أنّ الباقي هو الساقط. 

وإذا تعارضت أدلّة الاحكام الواقعية تساقطت، وإذا تساقطت لا يبقى هناك مانع من الرجوع إلى القاعدة؛ لأنّ المانع لم يكن إلا تلك الإطلاقات، وقد أسقطناها ببركة القضيّة المهملة. 

[اعتراضان على الصيغة الفنية] 

وهذه الصياغة الفنيّة يمكن أن يوجّه إليها اعتراضان:

الاعتراض الأوّل: أنّ كلّ إطلاقٍ من إطلاقات أدلّة الأحكام الواقعيّة، كما يعارض مع إطلاق الأدلّة الاُخرى للأحكام الواقعيّة، كذلك يعارض مع إطلاق دليل القاعدة.

ولكي يتّضح المطلب نفرض أنّ أدلّة الأحكام الواقعيّة دليلان فقط: دليل وجوب الغسل ودليل وجوب الوضوء. 

والقاعدة أثبتت بنحو القضية المهملة نفي حكمٍ ما، وبالإطلاق تطبّق النفي على أحد الحكمين، فهنا يقال: بأنّ إطلاق دليل وجوب الغسل لحالة الضرر كما يعارض مع دليل وجوب الوضوء لهذه الحالة، كذلك يعارض مع 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

() لخص أولاً البيان الفني الأخير وقال فيما قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

إطلاق دليل القاعدة لوجوب الغسل، والمفروض أنّ هذا إطلاق وليس نصّاً. إذن، فيكون له معارضان، ويسقط حينئذٍ، الجميع في رتبة واحدة، ولا موجب لإنّجاء إطلاقات القاعدة عن المعارضة.

وهذا الاعتراض يمكن أن يجاب عنه على أساس قاعدة بحثناها في تنبيه من تنبيهات العلم الإجمالي، وحاصلها: أنّه كلّما كان هناك دليلان متعارضان، وكان تقديم كلّ منهما على الآخر ترجيحاً بلا مرجّح وأختص أحد الدليلين بنكتة، وهي أنّه لو فُرِض أنّه جاز لنا تقديم بلا مرجح على معارضه، فيبتلي بمحذور الترجيح بلا مرجّح من ناحية أخرى. 

بخلاف العكس، فإن تقديم الدليل الأوّل ينحصر محذوره في أن إجراءه بدلاً عن هذا ترجيح بلا مرجّح. 

ففي مثل هذا قلنا إنّه يتعيّن تقديم ذاك الدليل الذي لا يكون فيه محذور من ناحية أخرى على الدليل الذي يكون فيه محذور، فمثلاً لو كان عندنا دليلان متعارضان: (أ) و(ب) ودليلان آخران متعارضان ايضاً (أ) و(ب)، وكلّ (أ) تعارض مع (بائها)، وتقديم كلّ (أ) على (بائه) ترجيح بلا مرجّح والعكس أيضاً كذلك، ولكن إذا فُرِض أنّه استحال لسبب من الأسباب تقديم كلا الباءين على كلا الألفين من غير ناحية الترجيح بلا مرجّح. لكن لا مانع من تقديم كلا الألفين على كلا الباءين بقطع النظر عن محذور الترجيح. ففي مثل ذلك يتقدم كلا الألفين على كلا الباءين، ولا يتقدّم شيء من الباءين على شيء من الألفين؛ لأنّنا لو قدّمنا الباء الأولى على الألف الأولى، فهذا فيه ترجيح بلا 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مرجّح مع الألف الأولى. وفيه محذور آخر وهو إنّه لو صار البناء على أنّ نرجح الباء على الألف، لماذا رجحنا الباء الأولى على الألف الأولى دون الباء الثانية على الألف الثانية؟

وهذا المحذور نشأ من ناحية استحالة الجمع بين الترجيحين للباءين على الألفين، وهذا بخلاف ترجيح الألف الأولى على الباء الأولى، فإنه بلا مرجّح من ناحية الباء وليس فيه محذور آخر، إذ لا محذور في الجمع بين كلا الترجيحين، ولا منافاة بينهما، حتّى يحصل محذور الترجيح، بل مرجّح من ناحية أُخرى، ففي مثل هذا يتقدم الألفان على الباءين.

فإذا طبقنا هذا المطلب هنا، نقول: إنّه عندنا دليلان: دليل وجوب الغسل ودليل وجوب الوضوء وهما (ب) و(ب). وعندنا إطلاق القاعدة للغسل وإطلاقها للوضوء، وهما (أ) و (أ). وتقديم كلا الألفين على كلا الباءين لا بأس به، فنأخذ بالقاعدة بكلا إطلاقيها، وهذا ليس فيه محذور إلّا ترجيحه على معارضه بلا مرجّح. وأمّا تقديم كلا الباءين على كلا الألفين، فيعني جعل القاعدة مغلوبة لكلا الحكمين، فهو فيه إلغاء للقضيّة المهملة الثابتة بالنصّ، فالجمع بين تقديم كلا الباءين غير معقول.

بقي أن نقدّم فقط الباء الأولى على الألف الأولى دون الباء الثانية على ألفها، فمثلاً نقدّم إطلاق دليل وجوب الغسل على إطلاق القاعدة دون دليل وجوب الوضوء؛ فهذا فيه محذور زائد على ترجيح على معارضه بلا مرجّح، وهو أنّه ما المرجّح لترجيح الباء الأولى على الألف الأولى على ترجيح الباء الثانية على الألف الثانية، فيدخل صغرى لتلك القاعدة، وهي: أنّه كلما كان 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ترجيح أحد المتعارضين واجداً لمحذور عقلي زائداً على مسألة المعارضة بينهما، فيتعيّن السقوط ويكون فاقد هذا المحذور الزائد هو الجاري في المقام، وهو الالف الاولى والثانية دون الباءين، فهذا الوجه يمكن تخريجه فنيّاً على هذا الترتيب، وبناءً على تمامية هذه القاعدة يكون المقام من صغرياتها. هذا هو الاعتراض الأوّل مع جوابه.

الاعتراض الثاني: وهو مبنيٌّ على قاعدة، وهي: أنّه إذا صدر من المولى خطابات متعدّدة، أو ظهورات إطلاقيّة متعدّدة وعلم اجمالاً بكذب بعضها، فهل يسقط الجميع حينئذٍ بالتعارض أو يبقى بعضها على الحجيّة، فإن فرضنا أنّه يسقط الجميع بالتعارض؛ فتسقط إطلاقات أدلة الأحكام الواقعيّة بالتعارض.

وأمّا إذا قلنا: إنّ بعضها يبقى على الحجيّة، بتقريب: أنّ أصالة الإطلاق في كلّ دليلٍ بعنوانه التفصيلي، وإن كان لا يجري، لأنّه معارض بمثله في الدليل الآخر، لكن حيث إننا نعلم إجمالاً بأن أحد الإطلاقين كاذب، فنجري أصالة الإطلاق في هذا العنوان الاجمالي للخطاب وهو عنوان غير ما علم إجمالاً بكذبه فإن فُرِض أنّ السيرة العقلائيّة أو أدلّة الحجيّة تتحمل بقاء الحجيّة على مثل هذا العنوان الإجمالي، ففي المقام نلتزم بهذه الحجيّة على مثل هذا العنوان الإجمالي.

 وفائدته: أنّ هذه الحجيّة تكون أخصّ مطلقاً من دليل القاعدة، فلا تكون هذه الحجيّة مغلوبة للقاعدة بالنكتة التي وردت في الإطلاقين بعنوانهما التفصيلي؛ فحينئذٍ، تقع هذه الحجيّة للعنوان الإجمالي طرفاً للمعارضة مع إطلاق القاعدة.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذا الكلام مبني على تلك الكبرى، وهو: أنّ أدلّة الحجيّة هل تساعد على بقاء الحجية على هذا العنوان الإجمالي أو لا؟ وسوف يأتي تحقيق ذلك في بحث التعادل والتراجيح.

الوجه الرابع(1): [في تقديم القاعدة على الأدلة الأولية] 

هو أن يقال بأنّنا سلّمنا بأن النسبة بين إطلاق القاعدة وبين أدلة الأحكام الواقعيّة هو العموم من وجه، فلتجر قوانين باب التعارض وليحكم بالتساقط، وهذا يكفينا؛ لأنّه بعد التساقط لا يبقى عندنا دليل على وجوب الوضوء إذا صار ضررياً، ولا على وجوب القيام في الصلاة إذا أصبح ضررياً، وهذا يكفينا في مقام إثبات نتيجة القاعدة.

وقد اعترض عليه السيّد الاستاذ: بأنّ هذا وإن كان يكفي في مقام نفي وجوب الوضوء -مثلاً- أو وجوب القيام(2) ولكنّه لا يكفي في مقام إثبات وجوب آخر مترتّب على جريان القاعدة واقعاً، كوجوب التيمم والجلوس في الصلاة؛ فلا يمكن بهذا الوجه أن نثبت ثمرة القاعدة ونتيجتها.

وهذا الكلام لابدَّ من تمحيصه، وذلك؛ لأنّه في هذه الموارد التي أشير اليها في كلامه يتشكل بحسب الحقيقة علم إجمالي إمّا بوجوب الوضوء أو وجوب التيمم وإمّا بوجوب القيام أو بوجوب الجلوس، إذ المفروض أنّ وجوب 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

() التقريب الرابع.

(2) باعتبار الرجوع إلى البراءة بعد سقوط إطلاق دليله بالتعارض مع إطلاق القاعدة.

(المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

التيمم معلّق على عدم وجوب الوضوء واقعاً، وهنا لا يدري المكلّف أنّ قاعدة (لا ضرر) صادقة أو لا، فهو يحصل له علم إجمالي بأنّه إمّا أنّ الشارع يحكم بحكم ضرري فالواجب عليه هو الوضوء، وإن كان الشارع لا يحكم بحكم ضرري فالواجب عليه هو التيمم. وكذلك في مثال الصلاة جالساً.

ومن هنا يُعرَف أنّ المورد ليس من موارد جريان البراءة؛ لأنّ هذا العلم الإجمالي في نفسه يكون موجباً للتنجيز ووجوب الاحتياط في الطرفين. غاية الأمر أنّ وجوب الاحتياط بلحاظ أحد الطرفين ضرري أيضاً بلحاظ الوضوء والقيام؛ فيرتفع بالقاعدة، ولا معارض له في هذا المقام؛ لأنّ وجوب الاحتياط ليس حكماً ثابتاً بدليل من الأدلة الشرعية حتّى يستشكل في رفعه، فإذا ارتفع وجوب الاحتياط من هذه الناحية بالقاعدة يبقى وجوبه في الطرف الآخر على القاعدة في موارد تنجيز العلم الإجمالي.

فنحن لا نحتاج في مقام تنجيز وجوب التيمم أو الصلاة الجلوسّية إلى أكثر من قواعد العلم الإجمالي. فنحن بهذا حصلنا النتيجة العمليّة.

الوجه الخامس(1): [تقديم القاعدة لأن خطابها امتناني] 

 الوجه الخامس: ما نقله الميرزا عن المحقّق الخراساني أو عن غيره، وهو أنّ دليل (لا ضرر) يُقدّم على أدلّة الأحكام الواقعيّة؛ لأنّ هذا خطاب امتناني بخلاف تلك.

ــــــــــ[276]ــــــــــ

(1) التقريب الخامس.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وهذه العبارة بهذا المقدار في غاية الإجمال والغموض، فما معنى كون الامتنانية سبباً في تقديم هذا الخطاب على أدلّة الأحكام الواقعيّة إلّا أن يُقصد من ذلك أحد أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ الامتنانيّة بنفسها تكون موجبة لقوة الظهور الإطلاقي فيها، حيث إنّ الامتنان يأبى عن التخصيص والتقييد، فإنّ التخصيص فيه لا يناسب مع مقام الامتنان، فالامتنان إذ يؤكد الظهور الإطلاقي يجعل ظهور دليل القاعدة في الإطلاق للوضوء أقوى من ظهور دليل وجوب الوضوء لحالة الضرر.

وهذا الوجه غير تام عرفاً كما ترون(1).

الأمر الثاني: أنّ نرجع هذا البيان بنكتة إلى الحكومة، ونقول: بأنّ مسألة الامتنانية في دليل القاعدة يكون نكتة في كون دليل القاعدة حاكماً. وحينئذٍ، يكون نكتة فنية.

وتقريب ذلك: أنّ حكومة دليل القاعدة على أدلّة الأحكام الواقعيّة فرع كونه ناظراً إليها. وحينئذٍ، إذا استفدنا من دليل القاعدة أنّه في مقام الامتنان على المكلّفين، ومعنى الامتنان عليهم يعني جعل الضرر مانعاً عن تأثير المقتضيات الواقعيّة التشريعيّة وإلّا لو كان الحكم منفيّاً من باب أنّه لا مقتضي له أصلاً في نفسه، لا معنى للامتنان. 

فالعرف يفهم من ظهور الخطاب في الامتنان أنّ الامتنان يجعل الضرر 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

() أقول: قال السيّد الاستاذ ذلك باعتبار قول أحد الإخوان في مناقشة هذا الوجه: بالعكس فإن من يكون في مقام الامتنان يطلق كلامه ولا يذكر التقييد. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مانعاً عن تأثير المقتضيات الواقعية في نظر المولى لشدّة شفقة المولى على المكلّف، فبقرينة الامتنان يرجع دليل القاعدة إلى جعل المانعيّة للضرر، ودليل المانعية دائماً له نظر إلى دليل الممنوع؛ لأنّ المانعيّة بنفسها تستبطن النظر إلى الممنوع. فهذا بنفسه يكون قرينة على كون هذا الدليل ناظراً إلى ممنوع ومقيّداً بعدم وجود المانع.

هذه النكتة حينئذٍ، تكون نكتة فنيّة لاستظهار الحكومة من دليل القاعدة، ويأتي إن شاء الله تفصيل هذه النكتة عند التعرّض للوجه الأخير من وجوه الجمع بين دليل القاعدة وأدلة الأحكام الواقعيّة، وهو الحكومة.

الوجه السادس(1): [تقديم القاعدة بالحكومة]  

في تقديم (لا ضرر) على أدلة الأحكام الواقعيّة هو الحكومة، فإن دليل القاعدة حاكم عليها. وهذا الوجه هو المختار للشيخالنائيني ومدرسته. وبمناسبة ذلك تعرّضت مدرسة المحقّق النائيني لتحقيق إجمالي للحكومة لتطبيقه على محلّ الكلام. وخلاصة ما أُفيد بالجمع بين كلمات الميرزا والسيّد الأستاذ: إن ما يكون قرينة وبياناً على مراد المولى من خطاب آخر إمّا أن يفرض إنَّ بيانيته بحكم العقل، وإمّا بمدلوله اللفظي ظاهر بهذه البيانيّة. والأوّل بابه باب التخصيص والثاني بابه باب الحكومة.

فالأوّل أن يصدر بيانان أحدهما: (أحل الله كل بيع)، والآخر: لا يجوز بيع الصبي.

ــــــــــ[278]ــــــــــ

(1) التقريب السادس.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 وهذان الكلامان ليس لأحدهما أي نظر أو التفات إلى الآخر، غاية الأمر أنّهما متناقضان في حصّة من المدلول، والعقل يحكم لا محالة بأنّ المولى لم يرد ما هو الظاهر من كلّ منهما. وحيث إنّ الخاصّ أظهر وأقوى فيتعين لكي يكون بياناً للعام. 

فبيانيّة الخاصّ ليس لظهور لفظي في كونه مفسراً ومبيناً للعامّ، إنّما ذلك بلحاظ حكم العقل بأنّه لابدَّ أن يكون أحد البيانين منزلاً على الآخر، واستحالة التناقض من الشارع. وتعيّن كون العامّ منزلاً على الخاصّ باعتبار الأظهريّة.

وباب الحكومة عندهم هو أن يفرض كون البيانيّة التي ثبتت بالقسم الأوّل بحكم العقل تثبت هنا بالظهور اللفظي، فالدليل الحاكم بظهوره اللفظي يكون دالاً على كونه بياناً وشارحاً لدليل المحكوم، وذلك: بأن يكون ظهوره العرفي دالاً على أنّه ناظرٌ إلى ذلك الدليل المشروح من دون أن نتقيد ونقتصر في النظر على خصوص الكلمات الافراديّة الدالة على النظر كـ(أعني) و(أريد)، بل أي ظهور لفظي للدليل الحاكم ومفيداً للنظر يحقق للحكومة، وتكون البيانية بيانية بالظهور اللفظي لا بحكم العقل.

قالوا: وإنّ الدليل الحاكم الذي يفرض كونه ناظراً للحكم المدلول عليه بالدليل المحكوم، فهنا تارةً يفرض أنه ناظر إلى عقد الوضع لذلك الحكم، واُخرى يفرض أنّه ناظر لعقد الحمل له.

فالأوّل الناظر لعقد الوضع لذلك الحكم: بأن يوسع أو يضيق من 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

موضوعه فيقول لا ربا بين الوالد وولده، فإنه مضيق لموضوع قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، واخرى يكون موسّعاً كـ”الطَّوَافُ‏ بِالْبَيْتِ‏ صَلَاة“، فيكون موسعاً وناظراً لقوله: “لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُور“.

وأمّا النظر إلى عقد الحمل: بأن يكون النظر ابتداءً إلى الحكم من حيث إنّه مثبت أو منفي، من قبيل: ما جَعَلَ‏ عَلَيْكُمْ‏ فِي‏ الدِّينِ‏ مِنْ حَرَجٍ(1)، فإنّه ابتداءً ناظر إلى مرحلة الجعل وعالم الحكم لا إلى عالم الموضوعات الكليّة التي انصبّت عليها تلك الأحكام، وكلّ من الحاكم الذي يكون نظره إلى عقد الحمل والحاكم الذي يكون نظره إلى عقد الوضع، كلاهما يقدّم على الدليل المحكوم.

أمّا الذي يكون نظره إلى عقد الوضع فيكون مقدّماً على الدليل المحكوم؛ لأنّه ليس هناك معارضة بين الدليلين الحاكم والمحكوم؛ لأنّ المرتبة التي يتعرّض لها الدليل الحاكم سكت عنها الدليل المحكوم، فإن الدليل المحكوم الذي يقول: (حرَّمَ‏ اللّـهُ الرّبَا) مرجعه إلى قضية شرطية إذا صدق على المعاملة أنّها ربا فهي حرام، والقضيّة الشرطيّة لا تنافي كذباً فيها -كما قرأنا في علم المنطق- فهي لا تتعرّض إلى كون المعاملة يصدق عليها أنّها ربا. 

والدليل الحاكم يقول بأن المعاملة الصادرة بين الوالد وولده ليست بربا، فهو لا يكذب القضية الشرطية، بل يكذب طرفيها ويرفع المعلّق عليه في القضية وهو لا ينافي صدقها.

يقول الميرزا: وهذه هي نكتة الجمع بين الأمر بالمهم والأمر بالأهمّ في باب 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

(1) الحج: 78.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الترتّب، فإننا إنّما التزمنا في الترتّب بالأمر بالأهم والأمر بالمهم مع تضادهما، لكون الأمر بالأهم بوجوده أو بامتثاله يفني موضوع الأمر بالمهم؛ لأنّ المهم موضوعه القدرة وبامتثال الأمر للأهم يخرج المكلّف عن كونه قادراً من حيث إنّ الأمر بالمهم معلّق على شيء والأمر بالأهم المعلّق عليه، كذلك هنا حرمة الربا معلّقة على ربويّة المعاملة والدليل الحاكم يهدم ربويّتها.

وأمّا إن كان النظر إلى عقد الحمل، من قبيل: ما جَعَلَ‏ عَلَيْكُمْ‏ فِي‏ الدِّينِ‏ مِنْ حَرَجٍ فلا يأتي هذا الكلام، فالدليل الحاكم ناظر إلى عقد الحمل في الدليل المحكوم، فهو ناظر إلى الجزاء لا إلى الشرط؛ فلا بدّ من الالتزام بالتعارض بينهما.

 لكن قالوا مع هذا بالحكومة، باعتبار: أنّ الدليل المحكوم كدليل وجوب الوضوء إنّما يشمل موارد الحرج باعتبار أصالة الإطلاق أو العموم، وهذا الأصل ككل أصل لفظي أو عملي أُخذ في موضوعه الشكّ في المراد، أمّا إذا علم مراد المولى فلا تجري أصالة الإطلاق. 

والدليل الحاكم الناظر إلى عقد الحمل يوجب العلم بالمراد ولو تعبّداً، وأن المراد هو غير هذه الحصة الحرجية، فيرتفع بذلك موضوع أصالة الإطلاق في الدليل المحكوم. هذه في كلمات مدرسة الميرزا.

[مناقشة مدرسة المحقق النائيني]

وهذا الكلام بهذا المقدار ممّا لا يمكن المساعدة عليه بتمامه، ولا بد من تبديل منهج البحث في المقام، فإن هذا الكلام يرد عليه:

ــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [في الفرق بين الحاكم والمخصص] 

أولاً: –بلحاظ الجزء الأوّل- وهو أنّهم فرّقوا بين باب التخصيص وباب الحكومة بأنّ بيانية المخصّص للعام بحكم العقل وبيانية الحاكم بالظهور العرفي غير صحيحٍ، بل الصحيح أنّ بيانية كلّ منهما وقرينتهما بالظهور العرفي، وليس بحكم العقل غاية الأمر أنّ قرينة المخصّص بظهور عرفي سياقي وقرينة الحاكم بظهور عرفي لفظي.

توضيح ذلك: أنّنا الآن نفرض أنّ المخصّص والحاكم كلاهما متّصل، بالمخصَّص والمحكوم -ثُمّ نتكلّم في فرض الانفصال-.

 أمّا المخصّص بالنسبة إلى العامّ، فلو ورد: (أكرم كلّ عالم ولا تكرم النحويين)، فقرينية الثاني وبيانيته لما هو المراد من الأوّل ناشئة من ظهور عرفي بمعنى أنّ كلّ من يلتفت إلى هذا الخطاب من العرف بما هو عرف -بقطع النظر عن ان يحمل أي حكم عقلي- أن يكون مراده من العامّ غير النحويين. بحيث لو كان مراده من العامّ هو العموم ومن الخاصّ معنى آخر غير ما هو ظاهره، لم يكن بياناً عرفياً أصلاً.

والملاك في هذه القرينيّة هي الظهور السياقي، وأقصد به: دلائل حالة مواقع كلّ جزء من الكلام ونسبة موقعه إلى الجزاء الآخر من الكلام ونسبة مدلوله إلى مدلول الجزء الآخر. يعني: هناك خصوصيّات ومقارنات تحصل بين بعض أجزاء الكلام وبعض توجد ظهورات سياقية. 

أمّا من ناحية موقعه في الجملّة في الأوّل أو في الوسط أو في الأخير، هذا له 

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

تأثير من حيث كون مدلوله أوسع من الأوّل أو أضيق منه تأثيراً. 

وهذه المقارنات استقرّ بناء العرف على الاعتماد عليها في مقام توضيح المراد وبذلك تكوّن ظهور سياقي لمثل هذه العلاقات(1).

إذن، فالظهور السياقي عبارة عن فهم عرفي ينشأ من علاقات بين أجزاء الكلام تارةً يلحظ فيها مواقع الكلام، وأُخرى يلحظ فيها مداليل الكلام. وحيث استقرّ بناء العرف على التعويل على هذه العلاقات في مقام إعطاء المراد من مجموع الكلام؛ ولهذا أصبح لها ظهور سياقي في المقام، فتكون بيانية الخاصّ للعامّ بالظهور السياقي العرفي، وليست بحكم العقل. 

وأمّا الحاكم مع المحكوم فبيانيته بالظهور العرفي اللفظي، والمراد بهذا الظهور: ظهور عرفي ليس بلحاظ تلك العلاقات القائمة بين بعض أجزاء الكلام وبعض -سواء كان ظهوراً ناشئاً من وضع أو من قرينة أُخرى كدلالة الاقتضاء وصون كلام الحكيم عن اللغويّة أو أي قرينة توجب ظهوراً في اللفظ تدخل تحت هذا العنوان- من قبيل: ما إذا قال: (حرَّمَ‏ اللّـهُ الرّبَا) و”لا ربا بين الوالد وولده“، فإنّ بيانية الحاكم هنا ليس لمجرّد كونه أخص مضموناً من الأوّل، بل باعتبار ظهور عرفي من غير جهة الأخصيّة يتحفظ له ظهور بأن هذا 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

() وهنا قال في جواب عن سؤال: عن التقدّم والتأخّر في الكلام: التأخّر والتقدّم في بعض الموارد يكون له دخل، بحسب قانون المحاورة. وإن كنت لا استحضر مثالاً عرفياً واضحاً له، وفي باب التخصيص الذي يكون له دخل هو العلاقة بين المدلولين. (المقرّر  ). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

النفي إنّما هو بلحاظ النظر إلى حرمة الربا، وأن بيان ذلك المطلق لم يرد منه المطلق على إطلاقه هذا كلّه في فرض الاتصال.

وأمّا في فرض الانفصال، فلو انفصل الحاكم والمخصّص، فإن فُرِض أنّ الانفصال كان كـ(لا انفصال) من قبيل كلمات الشارع الذي استقرّ بناؤه على غض النظر عن الفاصل الزمني، فالانفصال في حقّه كـ(لا انفصال) في النظر العقلائي، من باب أنّه هو استقرّ بناؤه على التعويل على المنفصلات. إذن، الكلام فيه هو الكلام هناك أيضاً فإنّ معنا هذا هو تنزيل المنفصل دائماً منزلة المتّصل وإجراء حكم المتّصل عليه من هذه الناحية.

وأمّا إذا فُرِض أنّ المنفصل كان منفصلاً حقيقة والمتكلّم كان من أهل العرف الذين لم يعرفوا هذه الطريقة التي اتّبعها الشارع، فهنا أمّا المخصّص فلا نسلم قرينيته ولا بيانيته أصلاً، بل المخصّص المنفصل هنا معارض مع العام ويرى نحو تناقض بينهما، ويرجع إلى المولى في مقام التحير، فلو قال المولى: (أكرم كل جيراني)، وبعد أسبوع قال: (لا تكرم فلاناً وفلاناً من جيراني)، يقال له: أي شيء أصنع؟ فالعرف هنا لا يستغني بعرفيته ويجمع ما بينهما(1)، ونحن ننكر عرفية هذا الجمع في المخصّص المنفصل بما هو منفصل.

وقد يكون هذا الانكار صعباً بعد أن ترسخ في ذهننا عن طريق قراءة (الرسائل) و(الكفاية) وفي جميع الكتب أن المخصّص المنفصل يكون قرينة، إلّا 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

() نعم، قد يحمل العبد على الصحة ويقول لعل مراده هذا. لكن ليس هذا قرينة عرفية بحيث إنّ العبد بما هو عرفي يحل المطلب بهذا الترتيب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أنّه سوف يأتي في بحث التعادل والتراجيح أنّنا ننكر هذه القرينيّة، وإنّما نحكم بتقديم مخصّصات الشارع على عموماته باعتبار كونها كالمتّصلات، وأمّا الحكم المنفصل، فهو حتّى إذا كان منفصلاً حقاً يكون قرينة لا محالة.

 ووجه الفرق بين الحاكم والمخصص: أنّ قرينية المخصّص في فرض الاتصال كانت ناشئة من ظهور عرفي متكوّن من السياق، ومن المعلوم أنّ المخصّص إذا انفصل ينعدم السياق، فلا يبقى ظهور سياقي، فلا يبقى ما يدلّ على قرينيته.

وأمّا الحاكم فالظهور الدال على قرينيته لم يتكون من السياق حتّى ينحلّ بتعدّد الدليلين وانفصالهما، بل تكون باعتبار نكتة أُخرى كوّنت ظهوراً لفظياً عرفياً للدليل الحاكم، وهي يمكن فرض انحفاظها مع الانفصال والاتصال معاً ومع فرض انحفاظها كذلك يبنى على قرينيتها بذلك الملاك.

وبهذا اتّضح أنّ قرينيّة الحاكم تختلف عن قرينيّة المخصّص من وجهين:

 الوجه الأوّل: أنّ قرينيّة المخصص ناشئة من ظهور يكوّنه السياق. وأمّا قرينية الحاكم فناشئة من ظهور لفظي عرفي موجود بقطع النظر عن تلك العلاقات. وكلتا البيانتين عرفيّة، وليست إحداهما عقليّة، والأُخرى عرفية.

الوجه الثاني: أنّ الحاكم إذا انفصل لا يسقط عن البيانيّة. وأمّا المخصّص إذا كان منفصلاً حقيقة، ولم يكن كالمتّصل -كما في بيانات الشارع- فهو يسقط عن البيانيّة العرفيّة حقيقة. هذه هي مناقشة الجزء الأوّل من كلام مدرسة المحقّق النائيني.

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [في عقد الوضع وعقد الحمل] 

ثانياً: أنّهم قالوا: بأن الحاكم الذي له نظر إلى المحكوم، تارةً يكون نظره إلى عقد الوضع كـ”لا ربا بين الوالد وولده“، وأُخرى نظره إلى عقد الحمل. 

أمّا الأوّل فقالوا: إنّه ينافي مع دليل المحكوم إذ لا تعارض بينهما أصلاً؛ لأنّ الدليل المحكوم مفاده قضيّة شرطيّة أنّه لو كانت المعاملة ربا لكانت حراماً أمّا أنّها ربا أو لا، فلا يتعرّض إلى ذلك. والدليل الحاكم يتعرّض إلى ما سكت عنه الدليل المحكوم يعني بعدم المعلّق عليه في تلك القضيّة الشرطيّة ويقول هذا ليس ربا؛ فنسبة الحاكم إلى المحكوم نسبة الأمر بالأهم للأمر بالمهم في باب الترتّب، فكما لا تعارض هناك لا تعارض هنا.

وهذا الكلام بهذا المقدار -بلا إضافة- غير صحيحٍ؛ وذلك لأنّه وإن كان لا يلزم من صدق القضيّة الشرطيّة صدق طرفيها، فيجتمع صدقها مع كذب جزائها بالفعل؛ لأنّ كذب الجزاء قد يستند إلى كذب شرطها لا إلى كذب الملازمة، فهذا صحيح إلّا أنّ هذا المطلب لا يمكن أن يُفرَض في المقام: فإن كذب الجزاء في فرض صدق الشرط يكون منافياً مع صدق القضيّة الشرطيّة لا محالة. وفي المقام الدليل الحاكم يكذب الجزاء مع أن الشرط صادق بحسب الواقع؛ لأنّنا نعلم -بحسب الواقع- بأنّ المعاملة الواقعة بين الأب وأبنه ربا؛ فصدق القضية الشرطية لا يعاند تكذيب الجزاء في نفسه، لكنه يعاند تكذيب الجزاء المنظم إلى مفروغيّة وجود الشرط في نفسه، والمفروض في المقام المفروغيّة عن ذلك، ومجرّد أنّ دليل تكذيب الجزاء جاء بلسان: (أنّه لا ربا)، لا يغيّر 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الواقع عمّا وقع عليه، فلا ينفي وجوب الشرط خارجاً، وكلّ مفهوم تابع لوجوده الواقعي بحسب الخارج.

وهذا هو الفرق بين المقام وبين باب الترتّب. فإنه هناك: الأمر بالأهم يفني بامتثاله موضوع الأمر بالمهم حقيقة؛ لأنّ موضوعه هو القدرة، وبامتثالنا للأهم ينسلخ القدرة عن المهم وتنحلّ حقيقة، وأمّا هنا فالدليل الحاكم لا يفني الشرط المعلّق عليه في الدليل المحكوم حقيقة، بل يفنيه عنواناً استطرقاً إلى تكذيب الجزاء. والتكذيب مع الفراغ عن وجود الشرط خارجاً، يستحيل اجتماعه مع صدق القضية الشرطية.

إذن، فلا بدَّ من ضم ضميمة إلى المقام، وذلك بأن نحوّر من نفس الشرط في القضية الشرطية، وأن نقول: إنّه سنخ شرط بحيث يزول حقيقة بمثل هذا البيان من قبل الشارع.

 وهذا كلام سوف يأتي توضيحه حينما نشرع في تحقيق المطلب وإلّا فمجرّد هذا البيان لا يكفي لنفي التعارض بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم.

وأما الجزء الثالث من كلامهم: أنّ الحاكم إذا كان ناظراً إلى عقد الحمل يكون مقدماً، كـمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وإنّما يُقدّم لأنّ أصالة الإطلاق في دليل وجوب الوضوء أُخذ في موضوعها الشكّ في المراد. وهذا يوجب إلغاء الشكّ في المراد. وهذا ليس بياناً فنياً، وذلك:

أما أولاً: فلأنّ هذا لا يوجب حكومة الدليل الثاني – ودليل الحرج- على دليل وجوب الوضوء، بل يوجب حكومته على دليل حجيّة الإطلاق، لأنّ 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

المحكوم الذي رفع موضوعه إنّما هو دليل حجيّة الإطلاق، فإن موضوعه الشكّ في المراد وقد أُلغي. وليس حكومة على دليل وجوب الوضوء أو دليل وجوب الغسل.

ولو التزم بالحكومية بهذا المعنى فهو ثابت في كل مخصص، فإن كلّ مخصّص لا محالة أُخذ عدمه في موضوع أصالة العموم في العام، فإنّها مقيّدة بأن لا يجيء مخصّص، ومع مجيئه يرتفع موضوعها، فلو كان هذا ملاك الحكومة في هذا القسم لم يبق فرق بين هذه الحكومة وبين المخصّصات.

ثانياً: هذا الذي قاله السيّد(1) وهو أنّنا يمكن أن نعكس المطلب، لقطع النظر عن مسألة الأظهرية، ونقول: إنّه كما أُخذ في موضوع أصالة الإطلاق الشكّ في المراد، كذلك أُخذ في موضوع أصالة الظهور في الدليل الحاكم الشك في المراد. فليكن كلّ منهما موجباً لإلغاء موضوع الآخر؛ فلابدَّ من استئناف بحث آخر في المسالة لأجل توضيح ضابط الحكومة ثُمّ تطبيقه على محلّ الكلام.

التحقيق في باب الحكومة 

فإنّ الحكومة تارةً تكون على الدليل الآخر بلحاظ المرحلة اللغويّة له وأُخرى تكون بلحاظ المرحلة التشريعيّة والمولويّة للدليل الآخر؛ فهنا نحوان من الحكومة؛ والنحو الأوّل مجرّد افتراض في واقع التشريع، والمتعارف هو النحو الثاني.

ــــــــــ[288]ــــــــــ

() يعني كاتب هذه السطور. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [بلحاظ المرحلة اللغوية]

النحو الأوّل: هو ان تكون الحكومة حكومةً على المرحلة اللغويّة للدليل المحكوم.

توضيح ذلك: إذا قال المولى: (حرَّمَ‏ اللّـهُ الرّبَا)، فهنا حيثيتان للمتكلّم: حيثيّة إنّه شارع ومُقنّن، وحيثيّة إنّه مستعمل للألفاظ والهيئات في معانيها. 

وهو بلحاظ كونه مستعملاً يكون كلّ لفظ عنده شاملاً لتمام الأفراد التي تندرج تحت المعنى والمفهوم اللغوي لذلك اللفظ، إلّا أنّ هنا شيئاً، وهو: أن نظر المستعمل في الأفراد توسعةً وتضييقاً في تطبيق المفهوم على هذا الفرد أو نفيه عن ذلك الفرد نظره إن كان نظراً إخبارياً صرفاً بمعنى اعتقاده بأنّ المعاملة الفلانية ربا من باب جهله بمعنى الربا، أو اعتقاده بأن زيد بن أرقم عالم. فهذا النظر الأخباري ليس له أثر أصلاً.

وأمّا إذا كان له نظر إنشائي في مقام التطبيق فمثل هذا النظر يكون متبّعاً في مقام تشخيص مراده من اللفظ؛ لأنّ هذا النظر الإنشائي يكون أساساً له في مقام الاستعمال؛ فهو إذا كان بنظره الإنشائي لا يرى أنّ الربا بين الوالد وولده ربا، أو لا يرى زيد بن أرقم العالم عالماً، فهو له نظرٌ إنشائي في نفسه -بقطع النظر عن أي حكم من الأحكام- يسلخ يد العالمية عن زيد ويسلخ به الربوية عن المعاملة الواقعة بين الأب وابنه، فمثل هذا النظر الإنشائي يتبع في مقام تطبيق المفهوم على أفراده.

وهذا النظر الإنشائي تارةً يُفرَض أنّه تقوم عليه قرينة عامّة، وأُخرى تقوم عليه قرينة خاصّة. 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

أمّا القرينة العامّة عليه فهو تمام الارتكازات العرفيّة التي تكشف عن أنظار إنشائيّة عرفيّة عامّة في مقام تطبيق المفاهيم على الأفراد، فتكون قرينة عامّة على النظر الإنشائي لهذا المتكلّم لأنّه أحد العرف وابنه من باب أصالة عرفيته واتباعه للعرف في ارتكازات باب الألفاظ والمعاني.

واُخرى يُفرَض أنّه هو ينصب قرينة خاصّة على نظره الإنشائي، فيقول: أنا لي نظر خاصّ في هذا المورد ولا أرى الربا بين الوالد وولده، ولا أرى زيداً بن أرقم عالماً، فأيضاً يتبع كما اتبع في الأوّل(1).

وبناءً على هذا يكون معنى قول الشارع: (حرَّمَ‏ اللّـهُ الرّبَا) وحرم الله كلّ معاملة ينطبق عليها عنوان الربا بحسب نظري الإنشائي، وهذا النظر ينكشف إمّا بقرينة عامّة، وإمّا بقرينة خاصّة، فالعامّة هي الارتكاز، والخاصّة هي الدليل الحاكم. فحينما يجيء دليل حاكم ناظر إلى المرحلة اللغوية للدليل المحكوم – لا المرحلة المولويّة له- فيقول الدليل الحاكم: “لا ربا بين الوالد وولده“، ونفرض أنّ معناه: أنّني في مقام الاستعمال لا أرى المعاملة الواقعة بين الوالد وولده ربا محكّماً بالطريقة السكاكيّة.

وبناءً على هذا يكون الدليل الحاكم رافعاً لموضوع الدليل المحكوم حقيقة؛ 

ــــــــــ[290]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال عن معنى النظر الانشائي: يعني فرض الواقع غير واقع، من قبيل مجاز السكاكي. وهذا تصرّف في عالم اللغة والاستعمال، يعني يقول: أنا لا أرى أن زيداً بن أرقم عالماً، يعني لا اعبّر عنه بكلمة (عالم)، فإنّها لا تشمله عندي. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

لأنّ موضوعه هو عبارة عما يكون ربا بالنظر الإنشائيّ للمستعمل، فيرجع إلى قضيّة شرطيّة حاصلها: أنّه إن كانت هذه المعاملة ربا بنظري الإنشائي فهي حرام. والدليل الحاكم يقول: هذه ليست ربا بنظري الإنشائي في مقام الاستعمال، فيرتفع موضوع الدليل المحكوم حقيقة. ولا يحصل أي تعارض بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم(1).

إلّا أنّ هذا مجرّد فرض بحسب الخارج، فإن الأدلة الجائية في لسان الشارع بلسان نفي الموضوع، كـ”لا ربا بين الوالد وولده“، أو “لا شكّ لكثير الشك” أو “لا سهو في سهو” غير ناظرة إلى مرحلة اللغويّة لدليل المحكوم، بل ظاهرها النظر إلى المرحلة المولوية له، فالنظر إلى الحكم. ممّا يعني: لا ربا من حيث إنّ الربا حرام، لا من حيث عالم الاستعمال. فكل هذه البيانات ظهورها في المولوية وظهور حال الشارع في الشارعية يجعلها مصروفة عن هذا القسم، لأنّنا لو حملناها عليه لما كان الصادر منه بما هو مولى.

إلّا أنّه بالتالي هذا امر معقول في نفسه، وهو أن يُفرَض أنّ المولى في خطاب آخر يتصرّف في مقام تطبيق المفهوم على فرده من الناحية اللغويّة بقطع النظر عن الحكم. 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال عن معنى النظر الإنشائي: هو لا يريد أن يبدّل معنى كلمة ربا، لكنه يقول: إنني لا أرى هذا اللفظ الموضوع لهذا المفهوم سارياً إلى هذا الفرد، لأنّني ادّعي أنّ هذا الفرد ليس مصداقاً لهذا المفهوم. هذا المفهوم بما هو مدلول عليه بلفظة ربا، لا يشمل هذا الفرد، هذا هو النظر الإنشائي. انتهى. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ولكن هذا الأمر المعقول لا ينطبق على هذه الأدلّة الخارجية، ولو وقع هذا المعنى المعقول يكون تقدم الدليل الحاكم على المحكوم من باب أنّه رافع لموضوعه، ولا تعارض بينهما بوجه من الوجوه.

وحينما يقع هذا الأمر المعقول يلتزم بأنّ تمام الأحكام التي ترد في لسان الشارع للربا تنفي في المقام؛ لأنّ المفروض أنّ الشارع اعتبر هذا الفرد خارجاً عن حريم اللفظ بتصرف انشائي؛ فمتى ما استعمل اللفظ وعلق عليه، أي: حكم الحرمة، الجواز، الكراهة يكون هذا الحكم غير شامل لهذا الضرر بلحاظ هذا النظر الإنشائي. هذا هو القسم الأوّل.

[بلحاظ المرحلة المولوية التشريعية]

القسم الثاني(1) من الحكومة: هو أن يُفرَض الدليل الحاكم ناظراً إلى المرحلة المولويّة التشريعيّة من الدليل المحكوم لا إلى المرحلة اللغويّة منه، يعني: حينما يقول: “لا ربا بين الوالد وولده“، لا يريد أن يتكلّم عن نفسه بما هو مستعمل للألفاظ في المعاني، وإنّما يريد أن يتكلّم عن أنظاره بما هو مشرّع ومقنّن؛ فيكون قوله ذلك بلحاظ المرحلة التشريعيّة من الدليل الحاكم دون المرحلة اللغويّة منه.

وفي مثل ذلك يكون الدليل المحكوم قد انعقد له إطلاق في نفسه يقتضي الشمول للمعاملة الواقعة بين الأب وابنه؛ لأنّها مصداق لكلمة الربا حتى بحسب النظر الإنشائي للشارع بما هو مستعمل وينعقد للدليل المحكوم ظهور في ثبوت 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

(1) النحو الثاني.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الحكم حتى لهذا المصداق، ثُمّ يجئ الدليل الحاكم في مقام نفي هذا الحكم(1).

وفي مثل(2) هذا لا يفرق بين الحكومة على عقد الوضع والحكومة على عقد الحمل، فكلاهما معارض بحسب الحقيقة، إذ لا يفرق بين أن يكون بلسان عقد الوضع كـ”لا ربا بين الوالد وولده“، أو بلسان عقد الحمل كـما جَعَلَ‏ عَلَيْكُمْ‏ فِي‏ الدِّينِ‏ مِنْ حَرَجٍ، فعلى كل حال يكون كلٌّ منهما تفنناً في التعبير، ويكون مرجعهما معاً إلى مصادمة ظهور الدليل المحكوم في ثبوت الحكم للربا بين الوالد وولده أو ثبوت وجوب الوضوء في حالة الحرج، وهذا ينفي هذا وينفي ذاك، فيحصل التعارض بين هور الدليل الحاكم وظهور الدليل المحكوم(3).

التطبيق على القاعدة 

ولكن مع هذا يقدم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم، وذلك تطبيقاً لكبرى تقديم القرينة على ذي القرينة، فإنّ ظهورها دائماً يكون مقدّماً على ذيها، 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: القسم الأوّل مخصوص بالحكم على عقد الوضع؟

 فقال: نعم. انتهى. (المقرِّر). 

(2) يعني فيما إذا فُرِض أنّ النظر كان إلى المرحلة التشريعية من الدليل المحكوم لا إلى المرحلة اللغوية منه (منه )، (المقرِّر).

(3) وهنا قلتُ له: كلاهما يرجع إلى التصرّف في عقد الحمل، باعتبار أنّه حتّى في مثل: “لا ربا بين الوالد وولده“، يعني: لا حرمة للربا فيرجع حينئذٍ إلى المحمول؟

 فأجاب : نعم صحيح بحسب اللبّ هكذا. وإنّما هو تفنّن في التعبير لا أكثر. بحسب العبارة يكون أحدهما تصرّفاً في عقد الوضع والآخر تصرّفاً في عقد الحمل. وأمّا بحسب جد المراد، فكما تقولون كلاهما تصرّف في عقد الحمل. انتهى. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

سواءٌ كانت متّصلة به أو منفصلة عنه، فإذا كانت متّصلة بذي القرينة يُقدّم عليها من باب أنّه لا يتكوّن ظهور في ذي القرينة أصلاً. وهذا له مصداقان: 

أحدهما: المخصّص.

 والآخر: الحاكم. 

فإنّ كلاً منهما إذا كان متّصلاً يكون قرينة ويفنى ظهور العام المحكوم. 

وأمّا القرينة المنفصلة فلها مصداق واحد وهو الحاكم. وأمّا المخصص فلا يتحفّظ على قرينيته في فرض الانفصال، ولو فُرِض الانفصال مع التحفّظ على القرينية يستقر الظهور في ذي القرينة، لكنّه يُقدّم من باب الحجيّة، يعني: يسقط حجيّة ظهور ذي القرينة لا أصل ظهوره من باب أنّ مدرك الحجيّة هو السيرة العقلائيّة، وهي غير بانية على حجيّة ذي القرينة مع صدور القرينة من قبل المولى بعد هذا ولو منفصلاً.

ومن مجموع ما ذكرناه ظهر أنّ معنى التقدّم بالحكومة ليس هو رفع الموضوع للدليل المحكوم، كما هو مصطلح مدرسة الميرزا، ولهذا اضطروا الى تأويل الحاكم بلحاظ عقد الحمل بأنّه يرفع موضوع دليل أصالة الإطلاق. 

وليس معنى الحكومة هو رافع الموضوع، بل معناها التقدّم بالمبينيّة والمفسريّة، فإنّ المفسِّر والمبيِّن مُقدّم على المفسَّر والمبيَّن (بالفتح).

كما أنّه ظهر بما ذكرناه: أنّ نكتة تقديم الحاكم هي بنفسها نكتة تقديم المخصّص فيما إذا كان المخصّص قرينة، غاية الأمر بأنّ المفسريّة تارةً تكون ذاتية للمفسِّر وأُخرى تكون موقوفة على اتصاله بالمُفَسَّر فمفسريّة الحاكم للمحكوم 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ذاتية للمفسِّر ولهذا تكون محفوظة سواءٌ اتّصل أو انفصل، وأمّا مفسريّة المخصّص للعامّ فهي ليست ذاتيّة، بل مشروطة بالاتّصال، إذ معه يُنتزع منه عرفاً عنوان المفسريّة دون الانفصال، هذا تمام الكلام إجمالاً في تشريع كبرى الحكومة.

 بعد هذا نأتي إلى حكومة قاعدة (لا ضرر) فنقول: إنّ القاعدة تكون حاكمة باعتبار المفسريّة والمبينيّة التي مرجعها بحسب الروح إلى النظر، فإن الناظر يعتبر بالنظر العرفي مفسراً ومبيناً للمنظور اليه.

ولكن تقريب كون قاعدة (لا ضرر) ناظرة يحتاج إلى مزيد بيان؛ لأنّه في النظرة الأولى قد يشكّك في هذا ويقال: بأنّ النفي في القاعدة يُتصوّر بنحوين: بنحو السلب البسيط، وبنحو السلب التركيبي.

 أمّا بنحو السلب البسيط بأن يقول المتكلّم: لا يصدر منّي أحكام ضرريّة، فمثل هذا أي نظر له إلّا ما صدر منه من الاحكام الثابتة بادلّتها ليكون لدليل النفي نظر إلى مداليل تلك الأدلة.

 وأخرى يُفرَض أنّه بنحو النفي التركيبي، يقول: ما يصدر منّي ليس ضررياً، حينئذٍ، يكون له نظر، ولا معين للثاني في مقابل الأوّل -مثلاً-.

فنحتاج في إثبات نظريّة القاعدة وحاكميّتها إلى استظهار أنّ النفي المدلول عليه في القاعدة بلسان النفي التركيبي دون البسيط. 

وهذا -مثلاً- واضح في قاعدة الحرج: ما جَعَلَ‏ عَلَيْكُمْ‏ فِي‏ الدِّينِ‏ مِنْ 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

حَرَجٍ(1) بقرينة: (في الدين)، فإنّه واضح جدّاً في النفي التركيبي، يعني: أنّ الدين – وهو وجوب الوضوء ووجوب الغسل ووجوب الصوم- بعد فرض وجوده ليس فيه حرج. وكذلك قاعدتنا المباركة لو جاءت كلمة في الاسلام أيضاً يصير واضحاً في النفي التركيبي يعني الإسلام ليس فيه ضرر، فبالتالي قد فرض شريعة فيها احكام وبيّن أنّها ليس فيها ضرر.

وأمّا حيث إنّ كلمة (في الإسلام) و(في الدين) غير موجودة، فقد يشكّك في بادئ الأمر ويقال: بأنّه يكون أمره دائراً بين النفي التركيبي والنفي البسيط.

 ومع فرض النفي البسيط يصير مرجعه إلى أنّه لم يصدر مني احكام ضررية وهذا لا يفرض في المرتبة السابقة الفراغ عن وجود وجوب الوضوء والغسل والصوم ليكون له نحو نظر اليها وتوجه اليها، والنكتة هنا يمكن أن تبيّن بتقريبات ثلاثة:

التقريب الأوّل: أن نقول: بأنّنا نضم إلى هذا النفي ارتكاز الشريعة. فإنّ هذا المتكلّم لو كان لا يدري أنّ له أحكام أو لا، ولم يكن مثل هذا الارتكاز موجوداً، حينئذٍ، يبقى أمر النفي مردّد بين أن يكون نفيّاً تركيبياً أو نفيّاً بسيطاً. ولكن ارتكازيّة أنّ المتكلّم له شريعة واحكام، فهذا الارتكاز يعوض عن كلمة: (في الإسلام) أو (في الدين)، فكأنّه قال: (لا ضرر من ناحية الشريعة المفروغ عن وجودها).

وهذا الارتكاز بنفسه يوجب صرف النفي إلى كونه نفيّاً تركيبياً بلحاظ 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

(1) الحج: 78.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هذه الشريعة المفروغ عنها، فيكون للدليل حينئذٍ، نظر إلى تمام أحكام الشريعة التي منها وجوب الوضوء ووجوب الغسل وغيرهما.

التقريب الثاني: هو أن يقال: إنّ القرينة على ذلك هو ظهور الدليل في الامتنان على المكلفين على النحو الذي أشرنا إليه فيما سبق. 

والامتنان على المكلّفين بهذه القاعدة لا يكون إلا بلحاظ جعل الضرر مانعاً عن التشريع، وكون التشريع لو لا الضرر ثابتاً.

 وأمّا لو فُرِض أنّ التشريع غير ثابت من باب عدم الاقتضاء وأنّ هذا في نفسه لا يشرّع أحكاماً، فمثل هذا لا يكون فيه امتنان على الناس.

فظهوره في الامتنان مساوق مع ظهور في مانعية الضرر عن التشريع. وظهوره في مانعية الضرر مساوق مع المفروغية عن وجود التشريع لو لا المانع. 

ومثل هذا يستبطن فرض وجود تشريع مفروغ عنه ويكون دليل (لا ضرر) في مقام إنشاء شرط عام لذلك التشريع، وهو عدم الضرر. 

ويكون من قبيل: “لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب” أو “لا تصل فيما لا يؤكل لحمه“، ونحو ذلك من أدلّة المانعيّة التي يكون لها حكومة ونظر إلى دليل الحكم الممنوع.

التقريب الثالث: هو أن يُدّعى في المقام لزوم اللغوية، وبقرينته نصرف النفي إلى النفي التركيبي لا البسيط. وذلك. لأنّنا لم نكن نحتمل -بقطع النظر عن بيان المولى- أنّ المولى سوف يجعل أحكام ضرريّة فقط، وإنّما المحتمل في شأنه أنّه حين يشرع احكاماً فقد يجعلها أحياناً ضرريّة، لا أنّه يخصّص الأحكام 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

بحالة الضرر؛ فالتصدّي لنفي الحكم الضرري ليس في مقابل الحالة الأولى؛ لأنّها منفية بالبداهة بلا حاجة إلى بيان من قبله. وإنّما هو في مقابل الحالة الثانية، وهي: أن يجعل تشريعاته بنحو يسري إلى حالة الضرر. إذن، فقد فُرِض في المقام أصل التشريع.

وهذا البيان غير تام لو لم يتم البيانان الأولان: يعني لو فُرِض أنّه لم يكن عندنا ارتكاز أنّ النبي صاحب شريعة، ولم يكن للدليل ظهور في مانعية الضرر عن التشريع لا يأتي الوجه الثالث وحده، فإن هنا صوراً أربع:

 أحدها: أن يخصّص الشارع أحكامه بحالة الضرر.

 ثانيها: أنّ الشارع يخصّص أحكامه بحالة عدم الضرر.

 الثالث: أنّ الشارع يسري حكمه إلى حالة الضرر وحالة عدم الضرر.  

  الرابع: أنّه لا يشرّع أصلاً. 

والحالة الأولى منفية بالبداهة العرفيّة؛ فتبقى الصور الثلاث، والمفروض أنّنا نقطع النظر عن ارتكاز وجود الشريعة أو ظهوره في المانعيّة الذي ينفي الصورة الرابعة من هذه الصور. إذن، نبقى مردّدين بين هذه الصور الثلاث.

وحينئذٍ، فالنفي كما يناسب أن يكون بلحاظ الصورة الثانية، وهي: أنّ الشارع يخصّص أحكامه بحالة عدم الضرر يناسب مع الصورة الرابعة، وهي أنّ الشارع لا يشرع شيئاً أصلاً، فلا يتعيّن حمله على الصورة الثانية التي يكون مرجعه إلى النفي التركيبي، بل يلائم مع الرابعة التي يكون فيها النفي بسيطاً، فلو قطعنا النظر عن النكتتين السابقتين؛ فمجرّد دلالة الاقتضاء ولغويّة بيان 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

نفي الصورة الأولى لا يكفي لتعيّن الصورة الثانية. فحينئذٍ، دليل الحكومة يكون تامّاً في قاعدة (لا ضرر)، باعتبار الارتكاز وظهوره في المانعيّة، وتكون نقطة التقديم هو الحكومة.

هذا تمام الكلام في الوجه السادس وبهذا تمّ التنبيه الثالث من تنبيهات القاعدة(1).

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() عطلة الأربعين. (المقرِّر). [أي بعد هذه المحاضرة].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 















التنبيه الرابع: في تصرّفات المالك إذا كانت                       ضررية على الغير 

 

التنبيه الرابع والأخير: في هذه القاعدة، في تصرّفات المالك فيما يملك إذا كانت ضرريّة بالنسبة إلى شخصٍ آخر، من قبيل: أن يحفر بالوعة في داره، فيتضرّر في ذلك بئر جيرانه أو جداره.

 فيقع الكلام بأنّها من حيث إنّها تؤدي إلى الضرر على شخصٍ آخر، هل تبقى تحت سلطانه أو لا؟

والكلام في ذلك: تارةً يقع بلحاظ القواعد الاوليّة، أي: بقطع النظر إلى القاعدة، واخرى بلحاظ القاعدة.

[المقام الأول: بلحاظ القواعد الأولية] 

أمّا بلحاظ القواعد الاولية أي بقطع النظر عن القاعدة فما يمكن أن يُتصوّر كونه دليلاً لإثبات سلطنة هذا المالك على مثل هذا التصرّف هو التمسّك بإطلاق قاعدة السلطنة، إلّا أنّ هذا التمسّك غير صحيحٍ لأمور:

[الوجه الأول]

 أمّا أولاً: فما تقدّم منّا من أنّ قاعدة السلطنة ليس لها دليل لفظي معتبر يُتمسّك بإطلاقه، وإنما هي قاعدة متصيّدة من الموارد المختلفة زائداً على الإجماع 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

والارتكاز والسيرة، فيلتزم بها بمقدار قابلية هذه المصادر لها لا أوسع من ذلك. 

وحينئذٍ، فمن المحتمل أن لا تكون السلطنة ثابتة للشخص على ماله على الحصّة الملازمة مع الاضرار بشخص آخر، ومع الشكّ في هذا لا يمكن التمسّك بإطلاق الدليل بعد فرض كونه دليلاً لبيّاً ناشئاً من هذه المصادر، وحديث: “الناس مسلّطون على أموالهم“، ليس معتبراً من الناحية السنديّة.

[الوجه الثاني]

وأمّا ثانياً: فلأنّنا لو سلّمنا هذا الحديث، وفرضنا دليلاً لفظياً له إطلاق في نفسه، فلا معنى للتمسّك بإطلاقه في المقام لإثبات جواز هذا التصرّف وما يستتبعه من الاضرار بالغير.

وذلك؛ لأنّنا إمّا نفهم من حديث قاعدة السلطنة أنّها في مقابل قانون الحجر المجعول على السفيه والصبي ونحوه، يعني: هذا بيان لما هو الأصل في الانسان، وهو أن يكون غير محجَّر عليه، أو عبّر عن عدم الحجر بالسلطنة، المعبّر عنه بملك التصرّف. والذي يخرج بدليل خاصّ دال على التحجير.

بناءً على هذا الفهم لقاعدة السلطنة وهو عدم الحجز عن ممارسته الصلاحيات المشروعة. 

إذن، فنفس هذه القاعدة لا تشرّع تلك التصرّفات المشروعة ولا تعيّنها. 

أمّا ما هي التصرّفات المشروعة التي من حقّ الشخص أن يتولاّها في ماله الذي يكون مطلق العنان فيه، فهذا لابدّ أن يستفاد من أدلة أُخرى غير قاعدة السلطنة.

ــــــــــ[301]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 وعليه فكلّما شكّ في أن تصرفاً ما جائز تكليفاً أو وضعاً لا يمكن أن يرجع إلى قاعدة السلطنة في مقام إثبات جوازه، بل لابدَّ وأن يرجع إلى سائر القواعد والأدلة(1).

وأمّا أن نفهم قاعدة السلطنة بفهم آخر، بأنّها في مقام اعطاء السلطنة على ماله -لا أنّ السلطنة مفروغ عنها في دليل سابق، والقاعدة في مقام نفي المانع وهو اسباب الحجر- وأن الشخص مطلق العنان في التصرّف بماله.

بناءً على هذا الفهم أيضاً لا يمكن أن نستدّل بهذه القاعدة في المقام؛ لأنّ المتفاهم عرفاً من مثل هذا المفهوم أنّ المشرّع في مقام بيان أنّ هذا المال ليس له عصمة في مقابل ارادة المالك، فليفعل به ما يشاء بخلاف غير المالك، فإنّه مهما كان له حقّ في المال، فإن للمال عصمة في مقابله في الجملّة. وأنّ الشخص الذي بلغت علاقته بالمال إلى مستوى الملكية هدرت عصمة هذا المال في مقابله؛ لأنّه لا تبقى جهة اخرى ينبغي احترامها في مقابله.

وحينئذٍ، إذا احتملنا ضيقاً في دائرة سلطنة المالك من باب أنّ المال له 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤالٍ وجّهته اليه: القاعدة تتعرّض إلى نفي الموانع، والحجر معناه سدّ المقتضي بلحاظ مانع: كالصبا والسفه والجنون؛ فهذه القاعدة قضيّة كليّة في مقام نفي الحجر بلحاظ تمام الموانع أنّ مقتضى الأصل في الإنسان أنّه لا مانع عن أن يمارس سلطته على ماله. أمّا ما هي حدود سلطته على ماله، فهو لا يبين في هذه القاعدة بل يؤخذ من أدلّة أُخرى. فتكون قاعدة السلطنة أجنبية عن الاستدلال بها على محلّ الكلام. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

عصمة في مقابله، فمثل هذا الاحتمال يكون منفيّاً بقاعدة السلطنة، ولكن إذا احتملنا ضيقاً في دائرة السلطنة -لا بلحاظ المال- بل باعتبار كونه مؤديّاً إلى الإضرار بالغير، ونحتمل أنّه باعتبار انطباق هذا العنوان الثانوي لم يكن مسلّطاً على هذه الحصّة من التصرّف. فمثل هذا لا يمكن نفيه بقاعدة السلطنة، فإن غاية ما تقتضيه القاعدة بناء على هذا المفهوم أنّه من ناحية المال وكونه مالاً محترماً لا مانع من أن يتصرّف فيه بأي تصرّف وضعي أو تكليفي، ولكن الشكّ هنا في جواز التصرّف ليس من ناحية احترام المال، بل ناشئ من ناحية احترام الغير؛ فمثل هذا الشكّ لا يمكن نفيه بهذه القاعدة.

وعليه فقاعدة السلطنة لا يمكن أن يُستفاد منها إطلاق ينفي بها الشكّ حتّى لو كان دليلاً لفظياً. هذا هو الوجه الثاني لعدم جواز التمسك بقاعدة السلطنة.

الوجه الثالث: للمحق العراقي 

ثالثاً: ما ذكره المحقّق العراقي، وحاصله: أن يُفرَض أنّ قاعدة السلطنة دليل لفظي وله إطلاق في نفسه، إلّا أنّه تقع المعارضة بين اقتضائه لسلطنة صاحب البيت على حفر البالوعة في بيته، وسلطنة صاحب البيت الآخر على حماية وحفظ جداره وبئره. فإن من أنحاء سلطنة الشخص على ماله سلطنته على حفظ ماله ووقايته.

وحينئذٍ، فمقتضى إطلاق قاعدة السلطنة لصاحب البيت هو سلطنته على حفر البالوعة، ومقتضى إطلاقه لجاره هو سلطنته على المحافظة على جداره 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وبئره. ولا يُعقل جعل السلطنتين معاً؛ لأنّ كلاً منهما تلازم منع الآخر من سلطتنه. إذن، فيقع التعارض في نفس دليل السلطنة بين هذين الإطلاقين.

إلّا أنّ هذا البيان الذي أفاده المحقّق العراقيغير تامٍ؛ لأنّنا إذا سلّمنا أنّ قاعدة السلطنة لها دليل لفظي له إطلاق يشمل سلطنة صاحب البيت على تمام أنحاء التصرّف في بيته بما فيه حفر البالوعة، فهو لا ينبغي أن يعارض بإطلاق هذا الدليل للشخص الآخر بلحاظ سلطنته على حفظ جداره أو بئره، فإنّ محافظته على جداره وبئره ليس من شؤون سلطنته عليهما. فإنّ السلطنة على المال المجعولة في قاعدة السلطنة إنّما هي ناظرة إلى التصرّفات التي تمثل ناحية القهر والغلبة على ذلك المال، وبذلك تكون السلطنة سلطنة على المال. وليس المراد منه جعل الولاية له على كلّ تصرّف له مساس بالمال وإضافة لغويّة إليه، فإنّ تعديّة السلطنة بـ(على) يوجب قصر دائرة مثل هذه السلطنة، بحسب المتفاهم العرفي على التصرّفات التي فيها نحو من الغلبة والقهر كالبيع والصلح والهدم واستيفاء المنافع ونحوه. وأمّا حفظه الذي يكون مصداقه عبارة عن أن يذهب إلى جيرانه ويمسّك بتلابيبه ويمنعه عن هذا التصرّف، هذا المطلب لا يكون مصداقاً للقهر والغلبة بالنسبة إلى جداره، وانما يكون مصداقاً للقهر والغلبة بالنسبة إلى جيرانه. 

فمثل هذا الحفظ لا يدخل تحت السلطنة على الجدار والبئر بوجه من الوجوه؛ وعليه فلا ينبغي إيقاع التعارض بين السلطنتين. 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

فالمهم في مقام منع شمول دليل السلطنة هما الوجهان الأولان(1). إذن، فحديث السلطنة لا بدَّ أن نفرض وجوده كعدمه. 

وبعد هذا لا بدَّ من الرجوع إلى الأصل لو أعوزنا الدليل، ومقتضى الأصل هو الجواز، لأنّه تصرّف مشكوك الحرمة فيرجع إلى أصالة البراءة لإثبات الجواز، بحيث يثبت الجواز التكليفي لا السلطة الوضعيّة.

ولكن الصحيح أنّ النوبة لا تصل إلى الأصل، بل لابدَّ من الرجوع قبل هذا إلى المصادر اللبيّة لقاعدة السلطنة، لأجل أن نرى أنّها ماذا تقتضي.

 ولا يبعد أنّ السيرة العقلائية المركوزة، فيها التفصيل في المقام بين ما إذا كان المالك يتضرّر من ترك التصرّف أو لا يتضرّر من ترك التصرّف، فإن لم يكن يتضرّر من تركه يبني على عدم جواز التصرف، يعني: أنّ الارتكاز العقلائي يقتضي ضيق دائرة سلطنة المالك على ماله وخروج تلك الحصّة من التصرّف التي لا يتضرّر المالك من تركها، ولكن غيره يتضرّر من فعلها لخراب جداره
-مثلاً- تضرّراً عقلائياً معتدّاً به لا يتسامح فيه عادة. ومثل هذه الحصّة لا يبعد خروجها عن دائرة السلطنة بحسب الارتكاز العقلائي من أوّل الأمر.

وأمّا إذا فُرِض أنّها كانت بحيث يتضرّر المالك من ناحية تركها، فالأصل 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

() وهنا قلتُ له: في النتيجة له حقّ في المحافظة عليه وإن لم يكن مستفاداً من قاعدة السلطنة، ولكن حقّه العقلائي موجود؟

  فأجاب: هذا الحقّ ارتكازي يقتصر فيه على القدّر المتيقّن؛ فإذا فرض أنّ دليل السلطنة كان له إطلاق فإطلاقه يكون حاكماً. انتهى. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

في ذلك دخولها تحت دائرة السلطنة، كما لو فُرِض أنّه إذا لم يحفر البالوعة ينهدم بيته، فله هذه السلطنة على التصرّف ما لم يُفرَض أنّه يكون ضرر الآخر بدرجة من الأهميّة بحيث يندك ضرره عقلائياً في جانب ضرر الآخر، على النحو الذي قلناه في لوح السفينة والأرض المستأجرة للزراعة إذ لم يصل إلى تلك المرتبة من الاندكاك التي تخرج بحسب الارتكاز العقلائي، فالأصل هو الجواز.

 ولو شكّ في الوصول إلى تلك المرتبة وعدم الوصول، فالأصل هو البراءة وجواز التصرّف؛ ما لم يقطع بوصوله إلى تلك المرتبة.

وهذا المطلب مطابق مع ما هو المعروف في فتاوى الفقهاء.

 ومظنوني أنّ الفقهاء تأثروا بارتكازهم أكثر ممّا تأثروا بالصناعات الاستدلاليّة في مقام الإفتاء بذلك.

إذن، فهذا هو المرجع من الادلّة الاجتهاديّة السابقة على قاعدة (لا ضرر)، وحينئذٍ من التفصيل وفقاً لهذا المرجع ومعه لا تصل النوبة إلى اصالة البراءة، هذا هو الكلام في المقام الأوّل.

المقام الثاني: الكلام بلحاظ القاعدة 

المقام الثاني: فيما هو مقتضى القاعدة بلحاظ (لا ضرر)، بأن نفرض أنّ قاعدة السلطنة قد تمّت ووجد لها إطلاق لفظي يقتضي سلطنة المالك على التصرّف في بيته بحفر البالوعة ولو استلزم ذلك هدم جدار أو خراب بئره. 

وقطعنا النظر عن الوجوه السابقة، حينئذٍ، نتكلّم هنا في أنّ (لا ضرر) هل يمكن التمسّك به لنفي هذه السلطنة باعتبار كونها ضرريّة أو لا يمكن، وقد 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

اعترض على التمسّك بالقاعدة لنفي هذه السلطنة بعدّة وجوه(1):

الإشكال الأول 

أنّ هذه السلطنة حكم إرفاقي فلا يمكن نفيه بالقاعدة، فإنّ القاعدة لا يمكن بها نفي حكم ضرري إذا كان نفيه خلاف الإرفاق بشخص من الأشخاص؛ لأنّ القاعدة في مقام الامتنان، فلا يمكن أن يستنبط منها حكم على خلاف الامتنان والإرفاق.

 وهنا سلطنة المالك على حفر بالوعة في بيته، وإن كانت حكماً ضرريّاً للجار؛ ولكن نفيها خلاف الارفاق بالنسبة إلى المالك، فلا يمكن نفيها بالقاعدة:

وهذا الكلام تقدّم منا أكثر من مرةٍ أنّه مبني على كبرى باطلة، وحاصلها: أنّه يشترط في جريان القاعدة أن لا يكون الحكم المستنبط منها على خلاف الإرفاق بأحد، فإنّ مثل هذا ليس شرطاً.

 نعم، يشترط في أن يكون جريانها على طبق الإرفاق والامتنان بالنسبة إلى من يقع عليه الضرر؛ لأنّ ظهورها في الامتنان يقتضي هذا المطلب، فالقاعدة تمتنّ على من يقع عليه الضرر فترفعه عنه، فلابدَّ أن يكون هذا الرفع خلاف الإرفاق بالنسبة إلى من يقع عليه الضرر.

 وأمّا كونه خلاف الإرفاق بالنسبة إلى شخص آخر، فمثل هذا لم يعلم من القاعدة.

نعم، لو بلغ خلاف الإرفاق بالنسبة إلى شخص آخر إلى درجة تشكّل 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

() أهمها وجهان. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ضرراً أيضاً، فيصبح حينئذٍ، من باب تعارض الضررين، وحينئذٍ، فالقاعدة لا تشمل كلا الطرفين.

 وأمّا إذا فرضنا أنّ أحدهما تعرّض للضرر الحقيقي والآخر لم يكن متعرّضاً لضرر، سواءٌ نفى هذا الضرر أو لا، لكن الأحسن بحاله والأولى بطبعه هو أن لا ينفي هذا الضرر عن المؤمن الأوّل، ففي مثل هذا لا توجد قرينة في القاعدة على التقييد وحبس إطلاق القاعدة عن مثل ذلك.

ولهذا نحن نفرق بين أن يكون جريانها على خلاف الإرفاق بالنسبة إلى شخص من يقع عليه الضرر، أو بالنسبة إلى غيره، فالأوّل مانع عن جريان القاعدة دون الثاني. فهذا الإشكال غير وارد.

الاشكال الثاني   

الإشكال الثاني: على جريان القاعدة، هو دعوى المعارضة، بمعنى: أنّ جريانها لنفي هذه السلطنة يعارض مع ضرر المالك؛ إذ أنّه كما أنّ سلطنة المالك على حفر البالوعة ضرري، كذلك عدم سلطنته وعدم جواز تصرّفه في ماله أيضاً ضرري، فذاك ضرري على الجار وهذا ضرري على المالك، فالأمر يدور بين ضررين.

*****

بأن(1) يُدّعى بأنّ نفي جواز حفر البالوعة وتحريمه على المالك ضرري عليه 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

() عنون السيد المسألة أولاً وذكر الإشكال الأول ملخصاً، ثم قال: الإشكال الثاني في جريان القاعدة، وهو دعوى المعارضة بين ضررين. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

-لا أنّه مجرّد خلاف الإرفاق به- وضرريّته على المالك، إمّا بدعوى أنّ نفس حرمانه من التصرّف في ماله ضرر عليه، وإمّا يفرض مؤونة زائدة في المقام، بأنّ نفرض بأنّه لو لم يحفر البالوعة لتجمّع الماء في بيته وخرب بيته بصدفة اتفاقية؛ فيقع التعارض بين الضررين، ويكون جريان القاعدة لنفي جواز حفر البالوعة وجواز حفرها ضرر على الجار معارضاً مع جريانها لنفي حرمة حفر البالوعة، وهو ضرر على نفس صاحب البيت، فلا ينفي لا هذا ولا ذاك للعلم الاجمالي بأنّ أحد الحكمين مجعول في الشريعة، فلا يمكن نفيهما معاً بالقاعدة.

[دفع الإشكال]

والكلام تارةً يقع في الصغرى، يعني: هل هناك تعارض بين الضررين أو لا، وأُخرى يقع في الكبرى يعني بعد فرض التعارض بين الضررين، فهل يكون بابه باب التساقط بين الإطلاقين أو يقدم أحدهما على الآخر.

أمّا البحث في الصغرى وهو أنّه هل هناك تعارض بين الضررين أو لا؟

فقد قالوا: إنّه لا إشكال في تصوّر التعارض بين الضررين مع فرض المؤونة الاتفاقية، بأن يكون عدم حفر البالوعة مؤديّاً إلى خراب بيته.

 وأمّا كون مجرّد عدم السماح له بالتصرف في بيته وحرمانه منه بنفسه ضرراً، فهذا غير صحيحٍ في نفسه فإنّ هذا غايته نقص الانتفاع وعدم المنفعة لا أنّه ضرر.

وهذا الذي ذكر في المقام صحيح، إلّا أن تحقيقه هو أن كون حرمان هذا الشخص ضرراً أو لا، مربوط بأن نرى في المرتبة السابقة ما هي دائرة الارتكاز العقلائي في مقام إعطاء السلطنة للمالك، فإنّ فرض أنّ الارتكاز كان يقتضي 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

سلطنته على هذا النحو من التصرّف الضرري بالنسبة إلى الجار؛ فحينئذٍ، يكون منع المالك من مثل ذلك فرداً من الضرر العقلائي، فلا نحتاج في إثبات الضرريّة له إلى فرض مؤونة اتفاقية. 

وأمّا إذا فرضنا أنّه في المرتبة السابقة لم يكن مثل هذا السلطان ثابتاً في المرتبة السابقة، فلا يكون نفيه شرعاً حكماً ضررياً.

وقد عرفنا في المقام الأوّل الذي تكلّمنا عنه سابقاً أنّ الارتكاز العقلائي لا يساعد على مثل هذه السلطنة فيما إذا لم يترتّب على ترك حفر البالوعة ضرر من ناحية أُخرى صدفة؛ فلا يساعد الارتكاز على أنّ مالك الدار له أن يتصرّف فيها ولو بحفر بالوعة توجب انهدام دار جيرانه، ومثل هذه السلطنة ليست ثابتة بحسب الارتكاز العقلائي. 

إذن، فمجرّد حرمانه من التصرّف في داره ومنعه من حفر البالوعة لا يكون حكماً ضررياً بالنسبة إليه؛ لأنّ الضرريّة فرع نقصان ما هو واجد له، وهو ليس واجداً بمثل هذه السلطنة بالنظر العقلائي ليكون سلبها منه ضرراً عليه بالنظر العقلائي.

فالتعارض بين الضررين لا يتصوّر إلّا حين تفرض مؤونة زائدة وصدفة اتفاقية بأن يفرض أنَّ عدم حفر البالوعة كان يؤدي إلى خراب بيته، فحينئذٍ، يتصوّر تعارض الضررين. 

ويقع الكلام حينئذٍ في الكبرى، وهي أنّ القاعدة ماذا تقتضي في المقام، فهل يتساقط الفردان من تحتها أو أنّها تجري في أحد الفردين دون الآخر.

ــــــــــ[310]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [كلام المحقق النائيني في المقام] 

ذهب الميرزا أنّه بعد تعارض الضررين تقتضي القاعدة نفي سلطنة المالك على حفر البالوعة ولا تقتضي نفي حرمة حفر البالوعة، وإن كان كلّ منهما حكماً ضررياً.

 وبرهن على ذلك بأن هذا الحكم وليد القاعدة فلا يمكن أن ينفى بالقاعدة، فإنّه لابدَّ من فرض حكم كان ثابتاً بحسب القواعد الأوليّة بقطع النظر عن هذه القاعدة، وذاك الحكم لا بدّ أن يكون هو أحد الأمرين:

 أمّا سلطنة المالك أو حرمة التصرّف عليه، ولا معنى لكون كلا الحكمين مجعولاً بالأدلة الاوليّة. 

وواقع المطلب عنده: أنّ المجعول هو سلطنة المالك على حفر البالوعة بمقتضى إطلاق قاعدة السلطنة، وأمّا حرمة حفر البالوعة فلم تكن مجعولاً في دليل قبل القاعدة، وإنّما تولّدت هذه الحرمة من تطبيق القاعدة في مقام نفي تلك السلطنة. 

إذن، فهذا الفرد المتولّد من تطبيق القاعدة في مقام نفي تلك السلطنة لا يمكن أن يؤخذ موضوعاً من جديد للنفي المجعول بالقاعدة، حتّى يحصل التعارض بين الفردين.

ثُمّ اعترض على نفسه: بأنّه لماذا تضيقون الخناق وأنتم الذين وسعّتموه في باب دليل حجيّة خبر الواحد وغيره، حيث بنيتم على أنّ القضيّة الحقيقيّة يمكن أن تشمل نفسها أيضاً، فـ(صدّق العادل) يمكن أن يفرض أن تطبيقه على إخبار 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الشيخ الطوسي يولد موضوعاً جديداً لدليل الحجية؛ لأنّه يثبت إخبار الشيخ المفيد، وتطبيق الدليل على الشيخ المفيد يحقق فرداً جديداً من موضوع دليل الحجيّة؛ لأنّه يثبت إخبار محمّد بن الحسن الوليد -مثلاً-، وهكذا حتّى ينتهي إلى الأوّل، هذا شأن القضيّة الحقيقيّة، فلماذا لا يفرض الأمر في المقام كذلك؟

يقول: بأنّ القضيّة الحقيقيّة وإن كان يعقل فيها أن تتوالد، وأن يولد فرد منها موضوع فرد آخر وهكذا إلّا أنّ هذا فيما إذا لم تكن القضيّة الحقيقية مسوقة مساق النظر والحكومة. 

وأمّا إذا كانت مسوقة هذا المساق فلا يعقل فيها هذا التوالد، كما هو الحال في قاعدة (لا ضرر) في المقام، فإنّ القاعدة لو فُرِض أنّها مجرّد نفي للحكم الضرري من دون نظر إلى الأدلة التي تكون بإطلاقها مقتضيّة لجعل الحكم الضرري، فلا بأس بأن يقال: بأنّ القاعدة تنفي الحكم بسلطنة المالك وتنفي الحكم بحرمة التصرّف على المالك، لأنّ كلّيهما حكم ضرري.

لكن المفروض أنّ القاعدة حاكمة، ومعنى الحكومة النظر إلى تلك الادلّة نظراً تقييدياً، فيقال: إنّ تلك الأدلّة الدّالة على أحكامها لا تشمل صورة الضرر، وحينئذٍ، فاذا أردنا أن ننفي بالقاعدة سلطنة المالك على حفر البالوعة الذي هو الحكم الأوّل، فهذا يستدعي أن يكون للقاعدة نظر إلى الدليل الذي بإطلاقه يقتضي سلطنة المالك على حفر البالوعة وهو حديث الناس مسلّطون ولا بأس بهذا، فإنّه من الممكن أن يفترض أنّ حديث (لا ضرر) نظر إلى حديث السلطنة يعني يفترض وجود ذاك قبله. 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا إذا أردنا أن ننفي بالقاعدة حرمة تصرّف المالك في حفر البالوعة، فهذا معناه: أنّ القاعدة ناظرة إلى الدليل الذي بإطلاقه أثبت هذه الحرمة، وليس هو إلّا نفس القاعدة، فإن الدليل الذي أثبت حرمة تصرّف المالك فيما يملك هو نفس القاعدة، فنفي هذه الحرمة بالقاعدة يستدعي افتراض أن تكون القاعدة ناظرة إلى نفسها ومفترضة وجود نفسها قبل نفسها وهذا غير معقول، وتهافت في عالم اللحاظ والنظر.

فالقاعدة حينئذٍ تتمحّض لنفي الحكم الأوّل، ولا يتعارض إجراؤها في ذلك مع إجرائها لنفي الحكم الثاني.

وهذا الإشكال وإن كان صناعياً بحسب الصورة، ولكنّه مبني على الفهم الميرزائي لحكومة (لا ضرر) على أدلّة الأحكام الواقعيّة وعلى التفسير الميرزائي لهذا النظر لا على ما اخترناه في معنى هذا النظر والحكومة.

[المختار في مقام الجواب] 

فإننا تارةً نقول: بأنّ قوام حكومة القاعدة بأن تكون ناظرة إلى أدلّة الأحكام الواقعيّة نظراً تقييدياً، ولازمه أن نفترض أنّ القاعدة لا ينفي بها إلّا ذلك الحكم الضرري الذي لولا القاعدة لكان عليه إطلاق أو عموم دليل، وبها ننفي الإطلاق والعموم لكونه حكماً ضرريا.

وهذا معنى الحكومة والنظر عند الميرزا، ولهذا رتّب عليه فيما سبق أنّ القاعدة لا يمكن أن ننفي بها أصل حكم ضرري من رأس، كوجوب الجهاد؛ لأنّ القاعدة ناظرة نظراً تقييدياً إلى أدلّة الأحكام الواقعيّة؛ فنقيّدها بغير حالة الضرر.

ــــــــــ[313]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 أمّا إذا كان الدليل يثبت من رأس حكماً ضررياً، فلا يكون تحت النظر للقاعدة.

فلو فسرنا النظر بهذا المعنى لكان لكلامه صورة، وذلك بأن يقال: إنّ فرض نفي حرمة تصرف المالك هو فرض أن تكون ناظرة نظراً تقييدياً إلى دليل هذه الحرمة، ودليلها ليس هو إلّا نفس القاعدة، فيكون لها نظر إلى نفسها، وتفترض إجمالاً وجود نفسها قبل نفسها، وهذا تهافت (1) في عالم اللحاظ.

وأمّا إذا فسرنا النظر بمعنى الذي قلناه وهو أنّ قاعدة (لا ضرر) ليس ناظرة نظراً تقييدياًّ إلى أدلّة الأحكام الواقعية، بل هي ناظرة نظراً توضيحياً وشرحياً للشريعة الإسلاميّة الملحوظة ككل بما فيها من أحكام واقعيّة؛ فإنّه من الأوقاف التي تعطي للشريعة أنّها لا يدخل على المؤمن ضرر من ناحيتها. فهذا نظر إلى الشريعة ككلّ والى الأحكام الواقعيّة بما هي مكونة لهذه الشريعة ككلّ. 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

() ليس فيه أي تهافتٍ لا ثبوتاً ولا إثباتاً. أما ثبوتاً فلإمكان تصوّر جامع الحكم الضرري مدلول عليه بدليل بما فيه القاعدة نفسها، وتكون القاعدة ناظرةٌ ونافية له.

 وبعبارةٍ أُخرى: يمكن للمولى بلحاظ خاصّ أن يلحظ حكومة القاعدة على الأحكام الضرريّة المدلول عليها بالقاعدة فقط ولا يكون من تقدّم الشيء على نفسه وإنّما هو من تقدّم لحاظٍ على لحاظٍ آخر. وأمّا في مقام الإثبات فهو مبني على إمكان تصوّر إطلاقين طوليين للكلام الواحد أحدهما ينقح موضوع الآخر -وهو ممكن كما في دليل حجيّة خبر الواحد كما سبق -، فيكون الإطلاق والا إثباتاً على ما هو ممكن ثبوتاً. إلّا أن يُقال: إنّ ما هو الممكن يحتاج إلى لحاظٍ خاصّ ولا يمكن إثباته بإطلاقٍ من هذا القبيل فتأمّل. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ويكون محصّل هذا النظر ليس هو التخصيص أو التقييد، بل هو التعريف وبيان وصف من أوصاف الشريعة.

ومن هنا قلنا فيما سبق: إنّه يمكن بالقاعدة أن ننفي حكماً يكون من أساسه ضررياً (1)، ويمكن أن ننفيه بالقاعدة بأن نقول: إنّ وجوب الجهاد ليس داخلاً في نطاق الشريعة، لأنّ هذه الشريعة موصوفة بأنّها لا يدخل على العبد منها ضرر ولو كان وجوب الجهاد داخلاً فيها لدخل على العبد من ناحيتها ضرر. إذن، فننفي أصل وجوب (2) الجهاد بالقاعدة.

هذا هو النظر الذي اخترناه، وبناءً عليه يندفع الإشكال، فإنّ نفي حرمة تصرّف المالك في حفر البالوعة لا يستدعي افتراض أن يكون للقاعدة نظر تقييدي وتخصيصي لإطلاق الدليل الذي اقتضى هذه الحرمة، وإنّما معنى نفي هذه الحرمة بهذه القاعدة أنّ القاعدة حيث إنّها وصفت الشريعة بأنّها لا يأتي من قبلها ضرر. وهذه الحرمة لو لوحظت بذاتها -بقطع النظر عن أي دليل دل عليها- فهي حرمة ضرريّة؛ فيقال: بأنّها لو كانت جزءاً من الشريعة الإسلاميّة لدخل على المؤمن الضرر من ناحية تلك الشريعة، وحيث إنّ القاعدة تصف 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

() فلو لم يكن هناك دليل على وجوب الجهاد وكان ضررياً صح. (المقرِّر).

(2) لا يخفى أنّ هذا الوجوب لغرض أنّه لا دليل عليه، فإنّه ينتفي بأصالة البراءة ولا تصل النوبة إلى قاعدة (لا ضرر)، لأنّه يكون ممّا لا يعلم؛ فينتفي سواءٌ كان ضررياً أو لم يكن، اللهم إلّا أن يقصد السيّد الاستدلال اللولائي أي لولا أصالة البراءة لوصلت النوبة إلى قاعدتنا، أو الاستدلال بهما في عرض واحد لو أمكن فتأمّل جيداً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الشريعة بأنّها لا تدخل من ناحيتها ضرر على مسلم. إذن، فهذه الحرمة ليست من الشريعة الإسلاميّة.

فلا يحتاج في مثل هذا النظر إلى افتراض نفس دليل القاعدة في المرتبة السابقة على وجود هذا الدليل حتى يلزم التهافت في عالم اللحاظ والتصوّر.

 وعليه فالتعارض في المقام بين الفردين محكم وفي محله. لكن فيما إذا فرضت تلك المؤونة الزائدة.

ومحصّل هذا حينئذٍ، أنّه متى ما فرضت مؤونة زائدة تستدعي كون ترك التصرّف من المالك مضرّاً بالمالك، فيتعارض (لا ضرر) بالنسبة إلى المالك و(لا ضرر) بالنسبة إلى غيره، ويرجع إلى القواعد الاوليّة، وهي تقتضي جواز التصرّف من قبل المالك، على ما بيّناه في المقام الأوّل.

 ومتى ما كان ترك التصرّف غير مضرّ، فـ(لا ضرر) تجري في المقام لنفي سلطنة المالك على التصرف بحفر البالوعة من دون معارض؛ لأنّ المفروض أنّ ترك التصرّف لا يؤدّي إلى الضرر من ناحية أُخرى.

وبذلك يظهر أنّ نتيجة المقام الثاني تطابق مع نتيجة المقام الأوّل، يعني ادخال عنصر القاعدة لا يغيّر من الموقف شيئاً. فالنتيجة هي التفصيل بين ما إذا كان ترك التصرّف ضررياً بالنسبة إلى المالك،

وأمّا إذا لم يكن ضررياً، فإذا لم يكن ضررياً لا يجوز، وإذا كان ضررياً فالأصل جوازه.

هذا هو تمام الكلام في بيان الحكم التكليفي للمسألة، من حيث جواز التصرف. 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

وأمّا من حيث الضمان، فهو لا يرتبط بالجواز، فحتّى في المورد الذي نقول بالجواز، لو جاز للمالك حفر البالوعة ولو بان ينهدم جدار غيره يضمن له فيما إذا صدق عنوان الاتلاف؛ لأنّ الضمان بملاك الاتلاف وهو يكون متحققاً ومجرد جواز أن يتصرف في ماله لا يخرج الاتلاف عن كونه موضوعاً لدليل الضمان.

في من حفر بالوعة تؤثّر على بئر جيرانه 

وهنا نكتة مختصرة أًريد أن اذكرها، وهي: أنّه ذكر المحقّق العراقي: بأنّ من حفر بالوعة تؤثّر على بئر جيرانه، فهنا تارةً يفرض بأنّه يتلف بذلك أصل مال الغير، بأن ينضب ماء البئر، وأُخرى يتلف وصف من أوصاف الماء الدخيلة في ماليته كالعذوبّة، وثالثة يفرض أنّه لا يتلف وصف حقيقي، ولكن يوجب نحواً من تنفّر الطباع.

فذكر أنّه في الأوّل والثاني يضمن لا محالة، لأنّه إتلاف لمال الغير ذاتاً أو وصفاً. وأمّا في الثالث، فلا يضمن، بل ليس حراماً أيضاً؛ لأنّه لم يتلف مال الغير، وإنّما اتلف مالية الغير؛ فإنّ المال بقي على حاله وإنّما وجد نحو من تنفر الطباع، وهذا التنفّر أوجب قلّة ماليّته والرغبة العقلائية فيه، وتقليل الإنسان لمالية مال إنسان آخر ليس من المحرّمات ولا الموجبات للضمان. ولهذا لا يستشكل أحد في أنّه لو قلّل ماليّته شخص آخر، بأن أصدر بضاعة مماثلة لبضاعته إلى السوق، فقلّت قيمة بضاعة ذاك الشخص؛ لأنّه توفّرت السلعة في السوق، وهذا ليس حراماً ولا يوجب الضمان مع أنّه يوجب تقليل مالية الشخص الآخر.

ــــــــــ[317]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

ومسالة ضمان المالية لها عرض عريض في باب الضمانات، وهذا النقض
-أي عرض التاجر للسلعة في السوق توضيح- هو النقض الذي يتمسّك به دائماً لإثبات هذا المدّعى؛ لأنّ هذا النقض واضح في المقام.

الفرع الآخر الذي عادة يكون شبيه بهذا الفرع، هو أنّ شخصاً لو غصب كمية من العباءات الصيفيّة، سرقها في الصيف وأرجعها لصاحبها في الشتاء. يقول الفقهاء بأنّه لا يضمن شيئاً؛ لأنّه أرجع إليه نفس ماله؛ لأنّ العباءة لم تنقص ذاتاً ولا وصفاً. غاية الأمر أنّ قيمتها الآن أنزل من قيمتها وقتئذٍ والمالية غير مضمونة، وإلّا لا تنقض أيضاً بتاجر الحنطة الذي يضمن لو قدم الحنطة مع أنّه لا يضمن(1).

طبعا تفصيل الكلام في هذا المطلب، موكول إلى بحث الضمان يعني بحث المقبوض بالعقد الفاسد من المكاسب، وليس هنا موضعه. وإنّما هنا أذكر كلمة واحدة بنحو الاختصار تبقى كأساس إلى بحث الضمان.

وهو: أنّ هناك لابدَّ من التمييز بين نقصان المالية الناشئ من نقصان القيمة الاستعماليّة للمال ونقصان المالية الناشئ من نقصان القيمة التبادليّة للمال. فإنّ للمال قيمتين: قيمة استعماليّة وهي: القيمة التي تتحصّل من منافع هذا المال واشباعه لحوائج الإنسان الطبيعية بقطع النظر عن عرضه بالسوق ووجود 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: أنّ هذا الفرق موجود وهو أن اليد هناك -يعني في مثال العباءات- موجودة وفي محل الكلام -يعني مثال البالوعة- اليد غير موجودة. انتهى.    (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

مشتري له. وهنا القيمة التبادلية التيُ عبَّر عنها في العرف الاعتيادي بالسعر والثمن السوقي، يعني قوة تبادل هذا المال مع مال آخر.

والقيمة التبادليّة لا محالة تؤثّر فيها القيمة الاستعماليّة؛ لأنّ الشيء الذي ليس له قيمة استعماليّة، ولا ينفع أصلاً، ليس له قيمة تبادلية في السوق. لكن يدخل في تكوين القيمة التبادلية عامل آخر أيضاً وهو كميّة العرض والطلب، فكلما ازداد عرض البضاعة تنخفض القيمة المتبادلة، وإذا قلّت البضاعة تزيد. وهذه زيادة والقلة مؤثرة في القيمة المتبادلة وليس مؤثرة في القيمة الاستعماليّة.

إذا اتضح هذا فيقال في المقام: أنّ القيمة الاستعماليّة للشيء في الواقع هي وصف من الأوصاف القائمة بالشيء، فإنّها عبارةٌ عن قابلية الشيء للانتفاع به، وهي حيثيّة قائمة به كسائر حيثياته القائمة به كسواده ونعومته. وهذه الحيثية
-كونه ينتفع به- تستند إلى أمور خارجيّة وأمور نفسيّة، فإنها كما تستند إلى سواد العباءة ومتانتها كذلك تستند إلى الحاجة إلى العباءة وكون الجو حاراً لا بارداً. فإنّ هذا من الأمور التي تساهم في تحديد القيمة الاستعمالية لهذا المال.

وكذلك ماء البئر، فإنّه يستند في كونه قابلاً لإشباع حاجة الانسان إلى صفائه وعذوبته، وإلى انشراح الإنسان له وإلّا لو كان الإنسان متنفّر الطباع منه، فلا يحصل به إشباع هذه الحاجة. فالقيمة الاستعماليّة التي هي في الحقيقة خصوصيّة قائمة بالمال، تضعف بإيجاد تنفّر الطباع فيه. حاله حال شخص أوجد حركات معيّنة ومشاغبات في بيت شخص آخر بحيث أوهمه أنّه مسكوناً للجن، وبذلك اشمأزت الطباع منه من دون أن يؤثّر في هذا البيت شيئاً. مثل 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

هذا الشخص قلّل من القيمة الاستعماليّة للبيت. وتقليلها كتقليل أي حيثيّة من الحيثيات القائمة بالبيت، يوجب الضمان لا محالة. فلو قلّلها بعنوان الإتلاف يوجب الضمان بقاعدة الإتلاف، ولو قلّت تحت يده ويده به ضمان، فيجب الضمان بمقتضى قاعدة اليد كلّ حسب شرائطه وقانونه. 

وأمّا لو فُرِض أنّ القيمة الاستعماليّة لم تقلّ بوجه من الوجوه، وإنّما قلّت القيمة التبادليّة من باب زيادة العرض بحسب الخارج، عندي كمية كبيرة من الحنطة قدمتها في السوق. بهذا بقية القيمة الاستعماليّة بقية على حالها، يعني قابلية الحنطة للإشباع بالنحو المطلوب محفوظ كما كان سابقاً، ولكن قيمتها التبادلية قد رخصت. ومعناه: أن قابليتها بأن يعوض عنها بمال آخر قلّت، فسابقاً كان يعوض عنها بدينار والآن أصبح يعوض عنها بنصف دينار.

وهذا ليس ضرراً ونقصاناً فيما هو تحت يد المالك فعلاً، وإنّما نقص أمر تقديري تعليقي يعني: لو أنّه بدله بمال آخر سابقاً لحصل على مال أكثر ممّا يبدله به الآن. ومثل هذا النقص التعليقي ليس ضرراً بالفعل. ومن هنا لا ينبغي أن يقاس مورد النقض بما هو محلّ الكلام.

هذا ما أردنا الإشارة إليه بنحو الإجمال هنا. وبه ينتهي هذا التنبيه. وبانتهائه ينتهي البحث في قاعدة (لا ضرر).

وبهذا ينتهي الكلام في مباحث البراءة والاشتغال. ونبدأ بعد التعطيل بمباحث الاستصحاب.

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 



الفهرس

 

المقام الخامس: في فقه الحديث 11

[مشاكل اصطدم بها المحقّقون في المقام] 11

[المشكلة الأولى:] الابتلاء بكثرة التخصيص 11

[المشكلة الثانية: تطبيق (لا ضرر) في حديث الشفعة] 13

كلام شيخ الشريعة 13

[الجواب عن هذه المشكلة] 14

مشاكل أخرى في الحديث 15

[المشكلة الثالثة: مشكلة التطبيق في رواية منع فضل الماء] 15

[المشكلة الرابعة] 16

[(لا ضرر ولا ضرار) هل هي قاعدة مشرّعة للأحكام، أو هي معرّف لقواعد مشرعة في المرتبة السابقة؟] 18

المختار في قاعدية الجملة 20

انحلال جملة من المشاكل بناء عليه 26

معالجة كثرة التخصيصات 29

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الأجوبة التي ذكرها [الآغايون] 33

[الجواب الأوّل:] جواب الآخوند 33

[الجواب الثاني:] جواب الميرزا 35

الجواب الثالث: [هو إبداء نكات في كلّ مثال مثال] 37

[المثال الأول: الخمس والزكاة] 37

[المثال الثاني: ضمان اليد] 39

[المثال الثالث: مسألة الضمان كلّية] 42

الجواب الرابع: للشيخ الأعظم 43

تطبيق النص على رواية سمرة بن جندب 46

الحكم الأول: تحريم الدخول على سمرة 46

كلام المحقق العراقي 47

تحقيق المقام 49

[المقام الأوّل: في تحليل الموقف] 49

المقام الثاني: في تطبيق القاعدة 61

[بلحاظ الصورة الأولى] 61

وأما في الصورة الثانية 63

الحكم الثاني: وهو قلع الشجرة 64

[الإشكال في القاعدة من ناحية مسلمات الفتاوى وعمل الفقهاء] 68

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

في تمسّك الفقهاء بالقاعدة 69

المورد الأوّل: [نفي الأحكام العبادية الضررية] 69

كلام آغا ضياء ومناقشاته 69

النكتة الأولى: 70

النكتة الثانية: 73

النكتة الثالثة: 76

[المورد الثاني: إثبات خيار الغبن بالقاعدة] 80

[المقام الأول: في إثبات خيار الغبن ونحوه بـ(لا ضرر)] 82

أمّا المقام الأوّل: 82

المقام الثاني من كلامه ومناقشته 83

تطبيق القاعدة على خيار الغبن 92

التقريب الأوّل: وإشكالاته ومناقشاته 92

الإشكال الأوّل 93

الإشكال الثاني وما بعده 97

الإشكال الثالث 109

الاشكال الرابع 111

الإشكال الخامس 112

الإشكال السادس 113

ــــــــــ[323]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الإشكال السابع 114

تقريب آخر لخيار الغبن وهو التحقيق 118

التقريب الثالث للمحق العراقي 121

فذلكة البحث 126

[تحكيم النظرة العقلائية في (لا ضرر)] 127

[التقريب الأول: التمسك بالإطلاق المقامي] 127

[التقريب الثاني: التمسك بالإطلاق اللفظي] 129

[التحقيق في المقام] 133

[تقريب شمول القاعدة للضرر العقلائي] 134

[هل المناط نظر العقلاء في عصر التشريع أو العقلاء في كل زمان] 135

[التقريب الأول] 136

[التقريب الثاني] 137

[التنبيه على نكتتين في المقام] 142

في النتائج التي للتحقيقات السابقة 146

المقام السادس: في فقه لا ضرار 151

[تنبيهات (لا ضرر)] 159

التنبيه الأول: هل يمكن أن تضع حكماً 159

[الاستدلال على أن القاعدة ترفع ولا تضع] 161

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

الوجه الأوّل: للنائيني 161

الوجه الثاني له أيضاً 168

المثال الأوّل: [إعطاء ولاية الطلاق للزوجة أو وليها] 168

[مناقشتان لكلام الميرزا] 170

المثال الثاني: النقض على القاعدة بعدم الضمان في بعض الموارد 174

[تحقيق في إثبات الضمان بـ(لا ضرر)] 177

في مثير الإشكال عند النائيني 183

[التعليق على إشكال الميرزا النائيني] 184

[إشكال المحقق الأصفهاني وجوابه] 187

التنبيه الثاني: في تعاكس تطبيقات الفقهاء للقاعدة 191

أحدهما: في مسألة الغبن والجنابة 191

كلمات الميرزا ومناقشتها 192

والتقريب الأوّل 192

التقريب الثاني 196

[التقريب الثالث] 200

[مناقشة التقريب الثالث في مقامين] 202

[المقام الأول: في صحة النكتة في المسألة الأولى] 202

المقام الثاني: في جريان النكتة في المسألة الثانية 205

ــــــــــ[325]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [البحث في الصغرى] 206

اشكالان ودفعهما 216

عدم الإقدام المأخوذ في القاعدة 221

[البحث في الكبرى] 223

القسم الأوّل 229

القسم الثاني 234

فروع: أحدها إذا استعار أرضاً وزرعها 235

[تقريب عدم جريان القاعدة بوجوه] 235

الوجه الأول [مسألة الإقدام]: ومناقشته 236

الوجه الثاني [دعوى تعارض الضررين]: ومناقشته 238

[الوجه الثالث] 241

[صور تستثنى عمّا هو محل النزاع] 243

[تحقيق الوجه الثاني] 246

المقام الأوّل: وهو حساب المطلب من ناحية الضرر العيني 246

المقام الثاني: الضرر المالي 251

الوجه الثالث: للمناقشة في جريان قاعدة (لا ضرر). 252

التنبيه الثالث: نسبة القاعدة إلى الأدلة الأولية 263

[التقريب الأوّل: في تقدم القاعدة على الأدلة الأولية] 263

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [التقريب الثاني: في تقديم القاعدة الأخصية] 264

[اعتراض السيد الأستاذ على التقريب الثاني] 265

تحقيق الكلام في ذلك 265

التقريب الثالث: [في تقديم القاعدة على الأدلة الأولية] 268

[اعتراضان على الصيغة الفنية] 271

الوجه الرابع: [في تقديم القاعدة على الأدلة الأولية] 275

الوجه الخامس: [تقديم القاعدة لأن خطابها امتناني] 276

الوجه السادس: [تقديم القاعدة بالحكومة] 278

[مناقشة مدرسة المحقق النائيني] 281

[في الفرق بين الحاكم والمخصص] 282

[في عقد الوضع وعقد الحمل] 286

التحقيق في باب الحكومة 288

[بلحاظ المرحلة اللغوية] 289

[بلحاظ المرحلة المولوية التشريعية] 292

التطبيق على القاعدة 293

التنبيه الرابع: في تصرّفات المالك إذا كانت ضررية على الغير 300

[المقام الأول: بلحاظ القواعد الأولية] 300

[الوجه الأول] 300

ــــــــــ[327]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج21 

 [الوجه الثاني] 301

الوجه الثالث: للمحق العراقي 303

المقام الثاني: الكلام بلحاظ القاعدة 306

الإشكال الأول 307

الاشكال الثاني 308

[دفع الإشكال] 309

[كلام المحقق النائيني في المقام] 311

[المختار في مقام الجواب] 313

في من حفر بالوعة تؤثّر على بئر جيرانه 317

الفهرس 321