أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج22

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الثاني العشرون 

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج22 (424ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1726/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1726) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

7-44-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الثاني والعشرون  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 



البحث في الاستصحاب

 

ويحتوي على:

  • [المبحث الأول: في تحقيق حال الاستصحاب]
  • [المبحث الثاني:] في أن ّالاستصحاب هل هو مسألة أصولية
  • المبحث الثالث: في الفارق بين الاستصحاب وغيره من القواعد
  • الكلام في أدلة الاستصحاب

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 









[المبحث الأول: في تحقيق حال الاستصحاب]

 

  • الجهة الأولى: في كيفية جعله ثبوتاً
  • الجهة الثانية: في استخدام الاستصحاب كدليل من من قبل الفقيه
  • الجهة الثالثة: تعريف الاستصحاب
  • ــــــــــ[11]ــــــــــ
  • تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 







لا بدَّ(1) بحسب السير المنهجي ومتابعة الكتب، من تقديم مقدّمة قبل الشروع في الاستدلال، وهي تتكون من عدة مباحث:

[المبحث الأول: في تحقيق حال الاستصحاب]

 

المبحث الأوّل: في تحقيق حال الاستصحاب جعلاً واستدلالاً واصطلاحاً، وبذلك كان هذا المبحث الأوّل يتكون من جهات ثلاث:

الجهة الأولى: في تحقيق كيفية جعل الاستصحاب ثبوتاً من قبل المولى، باعتباره حكماً ظاهرياً.

 الجهة الثانية: في كيفية استخدام الفقيه للاستصحاب إثباتاً، باعتباره دليلاً في المسألة الفقهية.

 الجهة الثالثة: في كيفية تعريف الاستصحاب كمصطلح في علم الأصول.

 

[الجهة الأولى: في كيفية جعله ثبوتاً]

الجهة الأولى: في تحقيق كيفية جعل الاستصحاب ثبوتاً من قبل المولى، باعتباره حكماً ظاهرياً.

وفي هذه الجهة لابدَّ أن نستذكر أمرين من مبانينا المتقدّمة، التي شرحناها في أوّل مباحث الأصول العمليّة:

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الأحد 5/3/1388 – 1/6/1968.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأمر الأول: [أنحاء التزاحم في عالم الأحكام] 

هو أنّنا ذكرنا أنّ التزاحم في عالم الأحكام المولوية يُتصوّر على ثلاثة أنحاء.

النحو الأوّل: هو التزاحم بين الأحكام، باعتبار مبادئها وملاكاتها من المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة. بأن يُفرَض فعل واحد واجد لملاكات حكمين، كالوجوب والحرمة أو الحرمة والإباحة، فيحصل التزاحم بين الحكمين. وهذا نسميه بالتزاحم الملاكي أو الآخوندي -نسبة إلى الآخوند صاحب الكفاية- وهذا التزاحم لا يتصوّر إلى مع وحدة الموضوع. وأمّا مع تعدّده بحسب الخارج؛ فلا يُتصوّر التزاحم الملاكي لإمكان جعل الحرمة على موضوع والوجوب على موضوع آخر. وهذا التزاحم لا يختص بالأحكام الإلزامية؛ فكما يمكن أن يقع بين حكمين إلزاميين، يمكن أن يقع بين حكمين إلزامي وترخيصي، فيما إذا فُرِض أنّ الحرمة كان لها ملاك يقتضي جعلها وكانت الإباحة أيضاً كانت إباحة اقتضائية، ولم تكن لا اقتضائيّة؛ فيقع التزاحم الملاكي في جعل حكم إلزامي على هذا الفعل وجعل حكم ترخيصي عليه.

النحو الثاني: من التزاحم: التزاحم الامتثالي أو المرزائي نسبة إلى الميرزا. وهذا التزاحم ليس بلحاظ الملاكات، فإنّ كلّ ملاك يؤثّر أثره وينجز مفعوله في عالم تشريع المولى؛ ولكن يقع التزاحم بينهما في عالم الامتثال، لعجز المكلّف عن امتثالهما معا، كما في الصلاة مع إزالة النجاسة عن المسجد ونحوه من الأمثلة المعهودة.

وهذا على عكس التزاحم الأوّل، ففي الأوّل كان يعتبر وحدة الموضوع، 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أمّا هنا فيعتبر تعدّد الموضوع، إذ لابدَّ من فرض حكمين على موضوعين، وليقع التزاحم بينهما في عالم الامتثال بعد الفراغ عن عالم الجعل، وثبوت الحكم لكلّ موضوع في نفسه. والتزاحم الملاكي كان يتعقل بين الإباحة والحرمة، وأمّا هذا التزاحم الامتثالي؛ فلا يُتعقّل إلّا بين تكليفين إلزاميين؛ لأنّ غير الالزامي ليس له امتثال حتى يُزاحم بامتثاله امتثال التكليف الالزامي.

النحو الثالث من التزاحم: وهو التزاحم في عالم الحفظ -كما سميّناه- بين التكاليف والملاكات الواقعيّة. نفرض أنّ التكاليف الواقعيّة لم يقع بينها تزاحم ملاكي؛ لأنّ كلّ منها من الواجبات والمحرّمات والمباحات. على موضوع غير موضوع الآخر، كما أنّه لم يقع تزاحم امتثالي؛ لأنّ المكلّف لو كان يعرف تمام أحكام المولى، فإنّه يستطيع أن يأتي بتمام الواجبات ويترك تمام المحرّمات، ويكون مطلق العنان في تمام المباحات.

ولكن نفرض الشكّ والاختلاط في نظر العبد بين موارد الملاكات اللزومية وموارد الملاكات الترخيصيّة، وفي اللزوميّة أيضاً قد يوجد اختلاط بين الوجوبات والتحريمات. ونفرض أنّ الأحكام الترخيصيّة ناشئة من اقتضاء الترخيص لا من اللااقتضاء للإلزام.

وحينئذٍ فالملاكات الواقعيّة الالزاميّة، التي يحتمل المكلّف وجودها في كلّ شبهة بدويّة -تدعو المولى إلى التحفّظ عليها- وذلك يجعل ايجاب الاحتياط، أو ما يكون نتيجته ذلك، في تمام موارد الشبهات البدويّة، تحفّظاً إلى وصول العبد إلى الملاكات اللزوميّة الواقعيّة، وهذا معنى حفظها بتوسعة دائرة اللزوم إلى تمام الشبهات.

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وكذلك الملاكات الترخيصيّة حيث إنّها ناشئة من الاقتضاء في إطلاق العنان، أيضاً تدعو المولى إلى توسعة دائرة الترخيص في تمام الشبهات البدويّة لأجل التحفّظ عليها، حتّى يكون العبد مطلق العنان في واقع المباحات الشرعيّة، وذلك بجعل البراءة أو ما يكون نتيجته جعل البراءة. فهذا هو التزاحم في مقام الحفظ.

وهذا التزاحم الثالث يولّد خطابات في مرحلة متأخّرة عن هذا التزاحم، الذي هو في طول الشكّ في الأحكام الواقعيّة واختلاط مواردها. وهذه الخطابات التي يولّدها هذا التزاحم، هي حقيقة الخطابات والأحكام الظاهريّة؛ فتمام الأحكام الظاهريّة المستظهر من أدلة أنّها مجعولة على وجه الطريقية لا على وجه السببيّة، روحها هو ذلك.

 ولهذا(1) لو علم المكلّف الواجب من الحرام من المباح لم يقع بين الاحكام الشرعية تزاحم حفظي؛ لأنّه بالإمكان أن تنحفّظ تمام أغراض المولى طبقاً للخطابات الواقعيّة حينئذٍ، وإنّما وقع التزاحم الحفظي بينها في طول الاشتباه والشكّ، فيولّد خطابات ظاهرة في مقام التحفّظ على الأهم منها فإنّ المولى.

 حينئذٍ، يُعمل قوانين التزاحم الحفظي، وطبقاً لها بجعل الحكم الظاهري. هذا هو روح الحكم الظاهري المجعول بنحو الطريقيّة الصرفة.

هذا هو الأمر الأوّل الذي كان لابدَّ من استذكاره لأجل التفريع عليه.

ــــــــــ[16]ــــــــــ

() وهنا قرره مكرراً وقال فيما قال: ولهذا… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأمر الثاني: [في قوانين التزاحم الحفظي]  

في الإشارة إلى قوانين هذا التزاحم الحفظي، الآن وقع تزاحم في مقام الحفظ بين ملاكات الواقعيّة اللزوميّة والترخيصيّة. فحينئذٍ، لابدَّ وأن يرى أنّه ماذا يعمل المولى.

المولى هنا يجري قوانين تقديم الأهم على المهم وخطاباً يقتضي التحفّظ على الأهم، ويرفع يده عن المهم في مقام التحفظ عليه. فإذن فرض كون الأهم هو الغرض الترخيصي بجعل البراءة، أو ما ينتجها وإن كان الأهم هو الغرض اللزومي بجعل الاحتياط، أو ما ينتج نتيجته.

إلّا أنّ هذه الاهميّة تارةً تكون بلحاظ المحتمل وأُخرى تكون بلحاظ نفس الاحتمال، فإنّ المولى تارةً يفرض شبهة تقع للمكلّف يشتبه فيها بين الحرمة والإباحة، وقد وقع التزاحم الحفظي بين الأغراض اللزوميّة والترخيصيّة، والأوّل يقتضي جعل الاحتياط لاحتمال وجود الغرض اللزومي والثاني يقتضي جعل البراءة لاحتمال وجود الغرض الترخيصي.

فهنا إذا فرضنا أنّ الأغراض الترخيصية بما هي(1)، أهمّ في نظر المولى من الأغراض اللزوميّة، فيقدّمها(2) لا محالة فيجعل البراءة؛ فهذا الجعل هنا يكون بلحاظ المحتمل؛ لأنّنا نفرض من حيث الاحتمال أنّ الاحتمالين متساويان؛ ففي مثل ذلك يكون التقديم على أساس شدّة الاهتمام بالمحتمل، من دون أن يلحظ 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

() يعني المحتمل بذاته بقطع النظر عن الاحتمال. (توضيح).  (المقرِّر).

(2) كما أنّه لو فرضت الأهميّة بالعكس فإنّه يجعل الاحتياط. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أي جنبة راجعة إلى نفس الاحتمال ولا الاعتماد على كاشفيته

وأُخرى يفرض أنّ الترجيح يكون بلحاظ الاحتمال. افرضوا: أنّ الاغراض اللزوميّة والترخيصيّة متساوية عند المولى، ولكن مع هذا يقدم أحدهما على الآخر من ناحية الاعتماد على كاشفية الاحتمال. وهذا القسم الثاني له أيضاً قسمان (1)، فإنّ الاعتماد على كاشفية الاحتمال تارةً تكون بنظر مجموعي، وأخرى يكون بنظر استغراقي.

يعني أنّ المولى قد يأخذ هذه الدائرة من الشبهات: وهي الشبهات التي وجد فيها خبر ثقة يدلّ على الحكم الالزامي. يقول: حيث إنّ خبر الثقة هو أمارة ومضمون الصدق، إذن فالأحكام الالزاميّة الموجودة في هذه الدائرة أكثر من الأحكام الترخيصيّة الموجودة فيها، يعني صدق هؤلاء الثقات أكثر من كذبهم. (70) صادق و(30) كاذب -مثلاً-. فيقع التزاحم بين (70) حكماً الزامياً وثلاثين حكماً ترخيصياً. فالمولى أن جعل البراءة فوّت به حكماً الزامياً وأن جعل وجوب الاحتياط فوّت به حكماً ترخيصياً. فنفرض هنا أنّه يجهل وجوب الاحتياط، أو ما ينتج نتيجته الذي معناه وجوب تصديق العادل ونحوه.

وهذا تقديم بلحاظ الاحتمال، لكن بالنظر المجموعي، يعني أنّ المولى لاحظ مجموع أخبار الثقات، ورأى أنّ الأحكام الالزاميّة فيها أكثر. ولهذا
-بحسب الحقيقة- أنّ هذا الترجيح أيضاً ترجيح بلحاظ المحتمل، لكنّه بلحاظ 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

() ومن هنا تكون مجموع صور التقديم ثلاث.  (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

كمية المحتمل لا كيفيته، كما كان الحال في القسم الأوّل(1). فإن شئتم قلتم: إنّ هذا ترجيح بلحاظ المحتمل، وإن شئتم قلتم: إنّه ترجيح بلحاظ الاحتمال، لكن بالنظر المجموعي، للأخبار.

والقسم الثاني من القسم الثاني، هو أن يُفرَض بأنّ الترجيح بلحاظ الاحتمال، لكن بالنظر الاستغراقي الانحلالي، لا المجموعي، يعني أنّ المولى يفرض خبر ثقة واحد ويقول: إنّه (70) بالمئة إنه صادق (30) انه كاذب، وحيث إنّ احتمال بما بالمئة اقوى من الآخر، فيدعو ذلك إلى جعل الحكم الظاهري على طبقه، فيجعل الحجيّة لخبر الثقة. وهذا جعل قائم على أساس قوة الاحتمال محضاً، لا على إساس المحتمل لا كيفاً ولا كماً. فهذا هو القسم الثاني من القسم الثاني.

وبهذا يمكن أن نشقق إعمال قوانين باب التزاحم إلى ثلاثة شقوق: 

الشق الأوّل: أن يُعمل قوانين باب التزاحم، ويُقدّم أحدهما في مقام الحفظ على الآخر بلحاظ قوّة المحتمل وأهميّته.

 الشق الثاني: أن تعمل قوانين التزاحم ويقدّم أحدهما على الآخر بلحاظ كثرة المحتمل وكمّيته. وهذا معناه ملاحظة جنبة الكاشفيّة في الاحتمال، لكن بالنظر المجموعي. يعني(2) ملاحظة القضيّة الخارجيّة.

 الشق الثالث: أن تُعمل قوانين باب التزاحم ويُقدّم الاهمّ بلحاظ جنبة 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

() لأن المولى يهتم بالوجوب أكثر من الإباحة. (المقرِّر).

(2) هذا جواباً على سؤال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

قوّة الاحتمال المفروض بنحو القضيّة الحقيقيّة، يعني: يفرض خبر ثقة مّا أخبر بشيء واحتمال صدقه (70)، فيقدم الجعل على طبق ما أخبر لقوة احتماله.

وقد أشرنا فيما سبق ويأتي في مباحث الاستصحاب، بأنّ هذه الفروق الثبوتية يترتب عليها آثار مهمّة بحسب مقام الاستنباط، فإننا أيّ حكم ظاهري استظهرنا من دليله أنّه قد أُعمل فيه الحالة الثالثة، نبني على أنّه أمارة وأنّ مثبتاته حجّة على القاعدة، ولا يحتاج حجيّتها إلى مؤونة زائدة، على ما يأتي إن شاء الله في بحث الأصل المثبت. بخلاف القسمين الأولين، فإنّه ليس أمارة حقيقية وإنّما هو أصل بمعنى من المعاني، وهو مثبتاته على القاعدة ليست حجّة إلّا إذا وجدت مؤونة زائدة.

والتفرقة المركوزة في أذهان الأصوليين، بين الأمارة والأصل من حيث إنّ الأمارة مثبتاتها حجّة على القاعدة، والأصول مثبتاتها ليست بحجّة على القاعدة، بالرغم من أنّه ناقش في هذه التفرقة جملة من المحقّقين، ومنهم السيّد الاستاذ.

إلاّ أنّها تفرقة مبنية على هذه الصناعة، التي سوف أوضحها في بحث الأصل المثبت. فنحن لا نحتاج في مقام إثبات حجيّة المثبتات إلى أكثر من استظهار أنّ دليل الحجية يدّل على النحو الثالث، أو الثاني أو الأوّل.

فهذا هو الأمر الثاني الذي لابدَّ من استذكاره.

فالذي نريد أن نبحثه في الجهة الأولى، هو أن جعل الاستصحاب من قبل المولى وبوصفه حكماً ظاهرياً هو من أي من هذه الاقسام الثلاثة. وهنا نتكلّم 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

تكلّماً ثبوتياً فقط، يعني فيما هو معقول بالنسبة إلى الجعل الاستصحابي. وأمّا ما هو مستظهر من دليله بحيث يترتّب عليه الآثار فهذا يأتي حينما ننهي باب الاستدلال ونأتي إلى التنبيهات.

فإلى هنا اتضح ما هو مقصودنا من هذه الجملة حيث عنوناها بهذا العنوان: وهو كيفية جعل الاستصحاب ثبوتاً من قبل المولى بوصفه حكماً ظاهرياً. يعني أنّ الجعل الاستصحابي هل يعقل تخريجه على أساس كلّ من الشقوق الثلاثة، أو لا يُعقل تخريجه إلا على بعض هذه الشقوق دون بعض. هذا هو المقصود من الجهة الأولى.

[تطبيق على المجعول الاستصحابي]

الآن(1) نريد أن نطبّق ذلك على المجعول الاستصحابي، لنرى أنّه يمكن تخريجه على أي وجه من هذه الوجوه بحسب مقام الثبوت.

من المعلوم على ما بيّناه، بأنّه لا معنى لأن يُفرَض كون الجعل الاستصحابي اجنبياً عن الواقع بالمرّة، كما فرض في بعض كلمات الآغايون. حيث توّهم أنّ الأصول غير التنزيلية كالبراءة والاحتياط، اجنبية عن الواقع بالمرّة، وقيل إنّه من المحتمل أنّ يكون الاستصحاب من قبيل أصالة البراءة، والحلّ الأجنبي عن الواقع، ولم يلحظ فيه التحفّظ عليه بوجه أصلاً.

مثل هذا لا يعقل لا في الاستصحاب، ولا في أصالة البراءة ولا أصالة الحلّ، ولا في أي حكم آخر لا يستلزم السببية والتصويب؛ وذلك لأنّنا قلنا بأنّ 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() أشار السيد إلى ما كان قاله بالأمس ثٌمّ قال: الآن… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الخطاب الظاهري بعد فرض انحفاظ الأحكام الواقعية بدرجتها الفعلية في نفس الأمر والواقع، لا يُتصوّر له نحو تحقّق ومسوغ إلّا احتياج نفس الاحكام الواقعية إليه (1). فلابدَّ من فرض أنّ هذا الخطاب ناشئ من حاجة الملاكات الواقعية إليه، لا أن نفرض أنّ السببية والمصلحة المستقلّة، والتي برهنّا في بحث (الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية) على أنّها بتمام أشكالها تؤدّي إلى التصويب وارتفاع الواقع.

فمع فرض عدم التصويب والتحفّظ على الواقع، لا معنى لفرض خطابات ثانوية زائدة على الخطابات الواقعية، إلا بلحاظ حاجة نفس الملاكات الواقعية لجعلها. وحاجتها إلى هذه الخطابات

انما هو في مقام حفظها. فلابدَّ وأن يُفرَض أنّ كلّ خطاب ظاهري مرجعه إلى التحفّظ على الواقع لا محالة، غاية الأمر يكون تارةً تحفّظاً على غرض لزومي كخطاب وجوب الاحتياط وأخرى على غرض ترخيصي، كما هو الحال في خطابات الأصول المؤمّنة كالبراءة والحل والطهارة ونحوها.

ففرض أصل عملي لا يكون ناظراً إلى التحفّظ على الواقع، غير معقول في نفسه إلا بناءً على سببية مؤدّية إلى رفع الواقع، وإلى تسجيل شبهة ابن قبة في الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية.

ــــــــــ[22]ــــــــــ

() أي الخطاب الظاهري. (المقرّر ). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إذن، فهذا الفرض غير معقول في الاستصحاب، كما هو غير معقول في سائر الأحكام الظاهرية.

فرض آخر في كلمات الأعلام 

هناك فرض آخر يذكر في كلمات بعض الأعلام، وهو أن يكون الاستصحاب مجعولاً لأجل التحفّظ على الواقع. كخطاب أصالة الاحتياط، وإن لم يلحظ فيه الكاشفية والأمارية، ولكنّه جعل لأجل التحفّظ على الواقع. كما جعل وجوب الاحتياط لأجل ذلك وإن لم يلحظ فيه جنبة الكاشفية والأمارية.

ويمكننا إرجاع هذا المطلب إلى مسألة قوّة المحتمل، يعني إلى تطبيق قوانين باب التزاحم بلحاظ قوة المحتمل، بقطع النظر عن كاشفية الاحتمال. فكما أنّ المولى في خطاب وجوب الاحتياط قدّم جانب الالزام على جانب الرخصة، من باب قوّة المحتمل بقطع النظر عن كاشفية الاحتمال. فهنا أيضاً يكون هكذا.

مثل هذا المطلب غير معقول أيضاً في دليل الاستصحاب، وإن كان معقولاً في دليل وجوب الاحتياط.  يعني دليل الاستصحاب لا يُعقل أن يجعل من قبيل الشق الأوّل من الشقوق الثلاثة، التي ذكرناها. بمعنى أن يكون الخطاب الاستصحابي نتيجة لإعمال قوانين باب التزاحم، في مقام الحفظ بتقديم الأهم بلحاظ المحتمل، لا بلحاظ نفس الاحتمال. وإن كان معقولاً، بل واقعاً في دليل الاحتياط والبراءة.

ونكتة الفرق ما بينهما هو: أنّ تقديم المولى لأحد الجانبين على الآخر بلحاظ أهميّة المحتمل في نفسه، إنّما يكون بالنسبة إلى خطاب ظاهري يتعيّن نوعه. فمثلاً، لو كان المولى يرى أنّ أحكامه الالزامية أهمّ من أغراضه الترخيصية، فيحكم بوجوب الاحتياط. وهو حكم يكون في صالح نوع معيّن من أنواع 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الواقع. أو إذا رأى الأغراض الترخيصية أهمّ بحكم البراءة، وهو موافق مع نوع معيّن من أنواع الواقع الذي جرى فيه التزاحم.

أمّا خطاب ظاهري، لا يتعيّن لا إلزاما، ولا ترخيصاً، بل هو قابل لأن ينطبق أحياناً على الإلزام، وقابل لأنّ ينطبق أحياناً على الرخصة. كما هو الحال في خطاب الاستصحاب، فإنّه قد يثبت الإلزام على خلاف القاعدة الجارية لولاه، وقد يثبت الرخصة كذلك.  مثل هذا الخطاب، لا معنى لأن يُقال بأنّه مجعول بلحاظ قوّة المحتمل، وأنّ المولى يحسب حساب أغراضه فيرى أنّ هذا النوع أقوى من ذاك. خطاب الاستصحاب نسبته إلى تمام تلك الأنواع على حدٍّ سواء، فلا معنى لأن يُفرًض أن جعل هذا الخطاب بلحاظ أهميّة الواقع في نفسه.

فأنّه ما هو هذا الواقع الذي يراد التحفّظ عليه، هل هو الاحكام الالزامية؟ الاستصحاب قد يثبت حكماً ترخيصياً، أو الأغراض الترخيصية، فالاستصحاب قد يثبت حكماً إلزامياً. أو هو التحفّظ على واقع الحالة السابقة، لاحتمال بقائها، فهذا ليس هو الواقع على أي حال. فإنّ هناك واقع آخر محتمل في مقابله، وهو واقع انتقاض الحالة السابقة، فلماذا (1) فُرِض التحفّظ على هذا الجانب دون ذاك قبل أن يتبيّن نوعه.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

() يمكن أن يُتصوّر أنّ المولى يرى أنّ كلّ حكم له حالة سابقة متيقنة أهمّ في مقام الحفظ من الحكم الذي لا يكون كذلك. كما يمكن أن يُتصوّر أن التحفّظ على الحالة السابقة دائماً أهم في نظره من الحكم بانتقاضها للتحفظ على الواقع، المشكوك. فيكون الجعل الاستصحابي بلحاظ هذا المحتمل تأمّل.  (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فإجراء قوانين باب التزاحم بلحاظ أنواع الأغراض المولوية، إنّما يجعل خطاباً منعياً من حيث إنّه إلى جانب الأغراض اللزومية دائماً كوجوب الاحتياط، أو إلى جانب الأغراض الترخيصية دائماً كدليل البراءة. أمّا خطاب تكون نسبته إلى تمام الأغراض الواقعية على حدٍّ سواء، يمكن أن يكون نتيجة لقوّة المحتمل، بالنحو الذي بيّناه في الشق الأول من الشقوق الثلاثة.

فيبقى الشقّ الثاني والثالث، وكلاهما معقول في الجعل الاستصحابي. فيُعقل أن يكون هذا الجعل نتيجة لإجراء قوانين باب التزاحم الحفظي، بنحو الشقّ الثاني، يعني أنّ المولى لاحظ كاشفية الاحتمال بالنظر المجموعي. لاحظ تمام موارد الاستصحاب فرأى -ولو خطأ(1)– أنّ موارد بقاء الحالة السابقة أكثر عدداً من موارد انتقاضها بالنظر المجموعي. وهو لا يستطيع أن يوصل طريقاً واقعياً للتمييزين بين موارد الانتقاض وموارد عدمها، فيجعل الخطاب الاستصحابي لأجل التحفّظ على ما هو أكثر عدداً من المحتملات.

كما أنّه يُعقل أن يكون الجعل الاستصحابي نتيجة لإجراء قوانين باب التزاحم بلحاظ الشقّ الثالث. وذلك بأنّ يكون نظر المولى هكذا: بأن اليقين السابق بما هو في كلّ حالة أمارة عنده وكاشف عن بقاء الشيء على حد أماريّة خبر الثقة (2)، فيجري قوانين باب التزاحم، بلحاظ قوّة الاحتمال الملحوظ بالنظر الاستغراقي، يعني كلّ حالة حالة.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

() في مولى غير معصوم فإنّ هذه النسبة وإن لم تكن مطابقة للواقع، لكن قد يتخيّلها. وكلامنا في مقام الإمكان لا صحّة هذه الفرضية في نفسها (منه)، (المقرِّر).

(2) فيُحكم على طبق الاحتمال الأقوى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وهناك وجه ثالث، معقول أيضاً لجعل الاستصحاب. وذلك فيما إذا فرضنا أنّه بلحاظ الاحتمال لم يكن هناك ميزة لاحتمال البقاء على احتمال الانتقاض، لا بالنظر المجموعي، ولا الاستغراقي. وبلحاظ ذات المحتمل، فهو ليس معلوماً ما هو، هل هو إلزام أو هو رخصة حتى يحسب المولى حساب اهتمامه بأنواع أغراضه. وافرضوا أنّه من حيث اهتمامه بذات المحتمل على حدٍّ سواءٌ، اهتمامه بغرضه الموجود على تقدير بقاء الحالة السابقة -الذي لا يدري هل هو وجوب أو حرمة أو إباحة- على حدّ اهتمامه بغرضه الموجود، على تقدير انتقاض الحالة السابقة، والذي أيضاً لا يدري ما هو.

فالملاكات الواقعية المتزاحمة، في مقام تحريك المولى نحو جعل خطاب ظاهري في مقام حفظها، تتزاحم بنحو التساوي والتكافؤ؛ لأنّه لا ميزة لأحدهما في مقام الحفظ على الآخر لا من حيث الاحتمال ولا المحتمل. إذن فمن ناحية ملاكات الواقع لا يتعين خطاب بأي شكل من الأشكال.

هنا يمكن للمولى أن يُعمل عناية زائدة، بأنّ يضع خطاباً ظاهرياً ينظم به وظيفة العبد، وهذا الخطاب لا يكون لمصلحة هذا الغرض، أو ذاك بخصوصه، وإنّما لوحظ فيه نكتة نفسية غيبية مجهولة، قد يقال في تقريبها إلى الأذهان أنّه مناسب مع السليقة العقلائية، والارتكاز العقلائي. نكتة من هذا القبيل توجب عند المولى تعيين خطاب من الخطابات كالاستصحاب بعد عجز الملاكات المولوية عن التعيين لفرض تساويها في نظر المولى. وهذا لا يخرجه عن كونه خطاباً طريقيّاً، ولا يدخله في الخطابات السببية النفسية، لأنّ هذه النكتة النفسية 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

معمولة فقط في مقام ترجيح أحد الأمرين على الآخر، بعد تساوي النسبة إلى الواقع. هذا أيضاً معقول في جعل الاستصحاب(1) 

هذا تمام الكلام في الوجوه المعقولة في صدور الجعل الاستصحابي من قبل المولى ثبوتاً.

وبعد هذا إذا جئنا إلى مرحلة الاستدلال، واستظهرنا من الدليل أنّ الاستصحاب مجعول بنحو الشقّ الثالث. إذن فيكون أمارة ومثبتاته حجّة على القاعدة بلا حاجة إلى مؤونة زائدة. 

وأمّا إذا استظهرنا من الدليل أنّه مجعول بنحو الشقّ الثاني، أو بنحو هذا الوجه الأخير، إذن فهذا لا يكون أمارة ولا مثبتاته حجّة، إلا بمؤونة وعناية زائدة، قد لا تستفاد من ألفاظ الدليل.

هذا هو الكلام في الجهة الأولى.

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() وقال له أحد الإخوان، إنّه من المفروض في الشارع أن لا يُعمل علم الغيب في أحكامه فكيف تفرضون إعماله لنكتة غيبية.

 فأجاب: بأنّ ذلك في الخطابات ظواهرها ومداليلها، فإنّه يتكلّم بما أنّه عرفي، لا بما أنّه علاّم الغيوب. وأمّا في أصل جعل الأحكام، فمن الضروري أن يُعمل الغيب في إدراك المصالح والمفاسد، وإلا لخرج الشارع الإسلامي عن ميزته الحقيقية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

الجهة الثانية: في استخدام الاستصحاب كدليل                                        من قبل الفقيه

 

الجهة الثانية: في كيفية استخدام الاستصحاب كدليل من قبل الفقيه. اعتاد الفقيه إذا أراد أن يستدلّ بالخبر على المسألة الفقهية. أن يقول: دليل رواية زرارة، ولا يقال دليلي، آية النبأ، التي دلّت على حجيّة خبر الثقة، بل يعتبر آية النبأ دليل الدليل، فإنّه دليل على حجيّة خبر زرارة، التي هي دليل على وجوب السورة، وعلى تقييد الإطلاقات النافية لوجوب السورة، لو فُرِض وجودها.

كما أنّه اعتاد الفقيه في الاستدلال بالاستصحاب، أو أصالة الحلّ، أن لا يقول: دليلي هو الاستصحاب أو أصالة الحلّ، بل يقول: دليلي هو قوله “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام” وقوله “لا ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ“، لا نفس مفردات هذا الدليل كما كان هناك، بل أصل الدليل.

وهذا الاختلاف ليس هو اختلاف في التعبير، وإنّما هو اختلاف في الأثر والنتيجة، بلحاظ تشخيص ما هو طرف المعارضة. فإنّه في موارد الخبر يعتبر دليله صحيحة زرارة لا آية النبأ. فإذا كان هناك عموم يدلّ بعمومه على عدم وجوب السورة، فهنا يوقع المعارضة بين صحيحة زرارة، وذلك العام ويلحظ 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

النسبة بينهما وهي الأخصيّة، فيخصص ذلك العام بالرواية. وأمّا في باب دليل الاستصحاب، لو وقع التعارض بين اصالة الحلّ، والاستصحاب، فإنّه يقول: إنّ التعارض بين دليل الاستصحاب ودليل أصالة الحلّ، فيُقدّم أحدهما على الآخر بالحكومة، أو يتعارضان ويتساقطان. ولا يقول: بأنّ هذا المفرد من الاستصحاب يكون هو طرف المعارضة هذه هي العادة الصحيحة الجارية بين الفقهاء.

[كلام السيد بحر العلوم في المقام]

إلّا أنّ السيد بحر العلوم وقع في اشتباه في هذا المقام، حيث ذكر في فوائده الأصولية، أنّ دليل الاستصحاب شأنه شأن دليل حجيّة الخبر، فهو دليل الدليل. وأمّا دليل الفقيه فهو نفس مفرد الاستصحاب لا قوله (لا ينبغي أن ينقض الشكّ باليقين) هذا كآية النبأ، والاستصحاب كصحيحة زرارة.

وفرّعَ عن هذا المطلب العجيب وقال: بناءً عليه أنّ الاستصحاب إذا عارض مع المحرّمات الحلّ يكون مخصّصاً لها، لأنّ ما هو طرف المعارضة معها ليس هو دليل الاستصحاب، حتّى تكون النسبة بينهما عموم من وجه -مثلاً-، بل هو استصحاب الحرمة في هذا المورد المخصوص، فيكون مخصّصاً لدليل أصالة الحلّ.

وبالرغم من أنّ هذا الكلام من الاشتباهات، إلّا أنّه أيّده في ذلك بعض الأعلام المتأخّرين، وذهب إلى صحّة هذا التصوّر في كيفية استخدام الاستصحاب، بناءً على أنّه أمارة أو أصل تنزيلي.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فكأنه تخيّل، بأنّ ميزان ما استقرّ عليه بناء الفقهاء، في باب الأخبار، من أنّهم يقولون: أنّ دليلنا هو الخبر، ميزانه أمّاريّة الخبر، فقال: بأنّ دليل الحجيّة إذا كان في مقام جعل الأماريّة، أو ما هو بحكمها. 

إذن، فدليل الفقيه يصير هو الأمارة، لا دليلها، وفي مقام المعارضة تُلحظ هذه الأمارة. وإذا كان دليل الحجيّة في مقام بيان حكم عملي ابتداءً، بلا نظر إلى الواقع كدليل أصالة الحلّ، والطهارة، فحينئذٍ، ما هو دليل الفقيه هو نفس قوله: (كلّ شيء طاهر)، و(كلّ شيء حلال).

فإذا بنينا على أنّ الاستصحاب أمّارة، أو أصل تنزيلي، تكون مفردات الاستصحاب هي أدلّة الفقيه في المسألة الفقهية، وإذا وقع تعارض، يقع بينه وبين المعارض كعموم أصالة الحل، فيكون الاستصحاب مخصّصاً لعموم أصالة الحلّ.

كلام الشيخ الأعظم

وقد(1) تعرض الشيخ الاعظم في الرسائل إلى هذا الكلام. واعترض عليه قائلاً، بأنّ هذا المفرد من مفردات دليل الاستصحاب، هو عبارة عن حكم الشارع ببقاء الحكم بالنجاسة والحرمة في هذا الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، وهذا هو نفس الحكم فكيف يمكن أنّ يجعل دليلاً على الحكم. وهذا بخلاف، مسألة دليل حجّيّة خبر الواحد، فإنّ الدليل هنا هو صحيحة زرارة، وهي غير الحكم، فيمكن أنّ تجعل دليلاً على الحكم.

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() لخصّ أولاً ما ذهب اليه السيّد بحر العلوم ثُمّ قال: وقد… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

طبعاً هذا الكلام بهذا المقدار غير فنّي، وذلك: لأنّه بالإمكان أن يقال: بأنّنا نقصد بمفردات الاستصحاب، ليس أحكام الشارع المجزّئة التي تعادل في دليل حجيّة خبر الواحد، حجية خبر زرارة، ومحمد بن مسلم. وإنّما نحن نقتنص من باب الاستصحاب ما يكون مثل أخبار زرارة، ومحمد بن مسلم، وهو اليقين السابق مع احتمال البقاء.  فنقول: نحكم بنجاسة الماء المتغيّر؛ لوجود دليل وهو أنّنا كنّا على يقين بهذه النجاسة سابقاً، ويكون الدليل على حجيّة هذا الدليل هو قوله  “لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ“.

ولعلّ هذا هو الذي أوجب بعد هذا، إصرار بعض الآغايون، على اختيار ما ذهب إليه السيد بحر العلوم. وكأنّه تخيّل كون هذا المطلب من تبعات كون الدليل متكفّلاً للحجيّة بنحو الأماريّة، أو بنحو الأصلية(1). فإن فُرِض أنّ الدليل كان متكفّلاً للحجية بنحو الأماريّة، إذن فدليل الاستصحاب يكون كدليل حجيّة خبر الثقة. فكما أنّ دليل حجيّة خبر الثقة يجعله أمارة فيكون الخبر هو دليل الفقيه، وهو طرف التعارض، كذلك الحال في دليل الاستصحاب، إذا كان في مقام جعل الأمارة، وعلى ما بيّنا بجعل اليقين السابق، واحتمال البقاء أمارة على البقاء، فيكون هذا الدليل منتجاً لأمارات متعدّدة كلّ واحد منها دليل بيد الفقيه.

وهذا بخلاف الأصل، فإنّ الدليل المتكفّل للحكم الظاهري بنحو الأصل، فإنه لم يعطِ صفة الحجّية لشيء باسم أمارة، حتّى يخلق حججاً متعدّدة 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

() نسبة إلى الأصل العملي(المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بيد الفقيه، فحجّة الفقيه هو نفسه، لا شيء آخر مخلوق منه. 

وبهذا يختلف دليل أصالة الحلّ عن دليل الاستصحاب. فدليل أصالة الحلّ هو بنفسه حجّة الفقيه؛ لأنّ الحكم فيه مجعول بنحو الأصلية. وأمّا دليل الاستصحاب بناءً على أنّه مطعّم بشيء من الأماريّة، يكون المجعول في هو حجّيّة هذه الأمارات المتعدّدة. فإذا أوقع التعارف بين الاستصحاب، ودليل أصالة الحلّ، يجب أن نلحظ النسبة بين عموم دليل أصالة الحل، وهذا الاستصحاب(1).

هذا الكلام مثل ما أفاده السيّد بحر العلوم، واضح البطلان، وذلك لأنّ إعمال قواعد التخصيص في باب الأخبار ليس بملاك الأمارية، وإنّما هو بنكتة الخطابية.

توضيح ذلك: أنّه في باب دليل حجيّة خبر الثقة، مشى الفقهاء على اعتبار الخبر دليلاً على الحكم، مشياً صحيحاً فنّياً. ومن هنا يوقعون المعارضة بين هذه الأمارة وبين العموم الفوقاني. كما لو دلّ عموم فوقاني على حليّة الطيبات، ودلّ دليل على أنّ بعض الطيبات محرّمة، وهو صحيحة زرارة، وتكون هي طرف المعارضة مع العموم فنقدم الصحيحة عليه، بالأخصيّة والقرينية عليه.

هذا المشي صحيح؛ وذلك لا باعتبار كون خبر زرارة أمارة، فإذا وقع التعارض بينه وبين العموم، تقدّم أخصّ الأمارتين على أعمهما. حتّى يقال: إنّ هذا الكلام بنفسه يجري في دليل الاستصحاب مع دليل أصالة الحلّ، لو بني 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

() وهنا سأله أحد الإخوان: عن صاحب هذا القول؟ فلم يذكره. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

على أنّ المجعول فيه هو الأمارية.

فان تقديم أخصّ الأمارتين على أعمّهما ليس له أي ميزان فنّي، كما لو فُرِض أنّ بينة قالت كلّ ما في الغرفة نجس، فشملت هذا الإناء بالعموم وهناك بيّنة أخرى قالت: بأنّ هذا الإناء طاهر، فالثانية أخصّ، ومع ذلك لا نُعمل بينهما قواعد التخصيص، لمجرّد كون الأمارة الثانية أخصّ من الأوّل. وإنّما الأخصيّة ميزان لتقديم الأخصّ على الأعمّ، فقط في مورد التعارض بين خطابين صادرين من المولى، باعتبار أنّ ذلك العموم الصادر من المولى، وإن كان مشمولاً لدليل حجيّة الظهور، ولكن شموله له مشروط بان لا يصدر من المولى قرينة على الخلاف. والمفروض أنّ دليل حجيّة خبر الثقة تعبّدنا بصدور ما ينقله زرارة من الإمام، فهو يتعبّدنا بصدور قرينة على الخلاف من قبل الإمام. وهذه القرينة -التي أصبحت قرينة باعتبار أخصيّتها- لا محالة تُقدَّم على ذلك العموم. تقدّم عليه، لا باعتبار كونها أمارة أخص(1)، بل باعتبار كونها خطاب صادر من الشارع وهو أخصّ. والشارع إذا صدر منه خطابان عام، وخاص يكون الخاص قرينة على العام.

وحينئذٍ، افرضوا أنّ دليل الاستصحاب يجعل أمارة، يعني يجعل اليقين بالحدوث أمارة على البقاء على حدّ جعل خبر الثقة أمارة. لكن مع هذا لا يكون دليل الفقيه في المسألة الفقهية هو اليقين بالحدوث. بمعنى أنّه يجعله طرفاً للمعارضة مع العمومات الفوقانية، ويلحظ النسبة بينه وبينها ويقدّمه عليها 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() حتّى يعمّ لكلّ أمارة. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بالتخصيص، كما ادّعى السيد بحر العلوم.

هذا كله اشتباه؛ وذلك لأن اليقين بالحدوث حتّى مع فرض كونه أمارة، لا موجب لتقديم أخصّ الأمارتين على أعمّهما. فإنّ تقديم الأخص إنّما هو بملاك القرينية، والقرينية إنّما هي في كلامين صادرين من متكلّم واحد. أمّا كلام المولى مع أمارة اخرى من الخارج، فلا يُعقل كون تلك الأمارة قرينة على ما هو مراد المتكلّم. فالقرينية فرع أن تكون القرينة وذووها خطابين صادرين من الشارع.

فهذه الخصوصية مخصوصة فقط بخصوص الأمارات الواقعة في مقام إثبات صدور الخطاب من الشارع، كخبر الثقة، وأمّا غير ذلك من الأمارت، فلا يلحظ فيها كلّ أمارة أمارة، بل يلحظ دليل الحجّيّة. 

فاذا وقع التعارض بين أصالة الحل، والاستصحاب، لا نقول بأنّه مخصّص بأماريّة الاستصحاب هنا، لأنّ معنى ذلك هو أنّنا بنيّنا على أنّ أخصيّة الاستصحاب ميزان للتقديم، مع أنّه لم يرد في آية، ولا رواية، ولا في عقل، أنّ كلّ دليل أخصّ مقدَّم على الدليل الأعمّ. وإن ورد التقديم بالأخصيّة، بلحاظ أنّ الأخصّ يكون قرينة على تفسير كلام المتكلّم بالعام، وقرينيّته عليه فرع أن تكون القرينة من كلماته، حتّى يكون مفسّراً له.

إذن، فالفقيه يستخدم الاستصحاب في المسألة الفقهية على حدٍّ استخدام دليل أصالة الحلّ والطهارة، يعني دليله هو نفس قوله “لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ” لا المفردات الجزئية. ولو وقعت المعارضة مع دليل آخر، فتلحظ النسبة بين الدليل الآخر، وبين قوله (لا ينبغي… الخ). لا بيّنه وبين 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المفردات بما هي هي. هذا هو الكلام في الجملة الثانية(1).

ــــــــــ[35]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: حول إن كان النقض على السيّد بحر العلوم بأصالة الحلّ. فكما يجعل طرف المعارضة في الاستصحاب هو مفرداته، كذلك هناك ينبغي أن يجعل ذلك. 

فأجاب: هو يبني على أنّ أصالة الحلّ خالية من الأمارية. وهذا مربوط بالمباني. 

وهنا قال أحد الإخوان: هل السيّد بحر العلوم فرّق بين الاستصحاب وأصالة الحلّ؟

 فأجاب: هو قال بأنّ الاستصحاب مخصّص لعمومات أصالة الحلّ. فلو جرى هذا الكلام في أصالة الحلّ كيف يجعله مخصّصاً لها؟ (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 









الجهة الثالثة: تعريف الاستصحاب 

 

في تعريف الاستصحاب كمصطلح في علم الأصول.

الاعلام المتأخرين عرّفوا الاستصحاب بأنّه الحكم بإبقاء ما كان أو: الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم، وهو تعريف الكفاية.

[إشكال في المقام]

واستشكل في ذلك (1) جملة من الأعلام المتأخرين، ومنهم السيّد الاستاذ، فإنّ الاستصحاب لابدَّ وأن يُعرّف بتعريفات متعدّدة حسب المسالك والمباني، ولا يمكن أن يُعرّف بتعرف واحد. فبناءً على الأمارية ينبغي أنّ يُعرّف بتعريف أو بناءً على الأصليّة ينبغي أنّ يُعرّف بتعريف آخر. 

فبناءً على الأماريّة يعرف بأنّه عبارة: عن كون الشيء متيقّناً في السابق ومشكوكاً في اللاحق؛ لأنّ هذا هو الأمارة لا الحكم الشرعي ببقاء ما كان. 

وبناءً على الأصلية يصحّ أن يُعرّف بالحكم (2). وحينئذٍ، هل يعرف بإبقاء ما 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

() على الروح العامّة في هذه الصيغ، بعدة اعتراضات الاعتراض الأوّل: (المحاضرة الآتية). (المقرّر).

(2) فهذه التعاريف إنّما تصحّ على غير مسلك الأمارية في الاستصحاب؛ لأنّ الأمارة ليست هي الحكم والحكم الشرعي، لا معنى لأن يكون أمارة، وإنّما الأمارة عبارة عن تلك النكتة، التي أوجبت الكاشفية واستتبعت الحكم الشرعي، وهي اليقين السابق والشك اللاحق. (المحاضرة الآتية). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

كان أو الحكم ببقاء حكم، أو موضوع ذي حكم. يأتي الكلام عليه.

وتحقيق الكلام في ذلك: هو أنّه إن أُريد من ربط تعريف الاستصحاب بالمباني في مسألته، هو أنّ كلّ مبنى لابدَّ وأن يلتزم أنّ الاستصحاب بمعنى غير المعنى الذي يلتزم به صاحب المبنى الآخر. فهذا بلا موجب فناً. فإنّنا لو قلنا بمسلك الأماريّة (1)، فالأمارة، وإن كان هو نفس اليقين السابق لا الحكم الشرعي، لكن لا يلزم من بناءِ هذا الشخص على الأماريّة بناءٌ على أنّ الاستصحاب هو نفس الأمارة، فأنّه يمكن فرض البناء على الأماريّة، وأنّ الحجيّة من باب الكاشفية، إلّا أنّ كلمة الاستصحاب ليست موضوعة لما هو بالحمل الشايع أمارة، بل هي موضوعة لحجيّة تلك الأمارة، الذي هو الحكم الشرعي، ولا ملازمة ما بينهما.

وإن أُريد الاستشهاد على ذلك بالعبائر، حيث إنّهم يعبّرون عن الاستصحاب بأنّه أمارة. فمثل هذه العبائر نسبتها إلى المسلكين على حدّ واحد، إذ كما أنّ اصحاب المسلك الأوّل إذا عبّروا عنه بالأمارة، يدلّ على أنّ معنى الاستصحاب عندهم هو اليقين بالحدوث، لا للحكم الشرعي. 

كذلك أصحاب المسلك الثاني الذين ينكرون الأمارة لو قالوا بأنّ 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

() لا ملازمة بين مسلك الأمارية وبين ان يكون الاستصحاب. هو كون الشيء متيقّناً حدوثاً مشكوكاً بقاءً. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الاستصحاب ليس من الأمارات أيضاً، هذا يدلّ على أنّ الاستصحاب عندهم هو عبارة عن اليقين بالحدوث، غاية الأمر أنّهم أنكروا أماريّته. فكلٌ من عبائر النافين والمثبتين على حدّ سواء.

إذن، فالمطلب ليس مربوطاً بالمباني، بل بالتعبيرات. بأنّ نرى من الذي عبّر بتعبير عن الاستصحاب يناسب مع اليقين بالحدوث، ومن الذي عبّر عنه بحيث يناسب مع الحكم الشرعي. فمن عبّر عنه بأنّه اليقين بالحدوث، نقول: إن هذا مبناه، على أنّ الاستصحاب هو ذلك سواءٌ عبّر عنه بأنّه أمارة، أو بأنّه ليس أمارة. ومن عبّر بتعبير آخر وقال: بأنّ الاستصحاب مجعول من قبل الشارع، فيقال: بأنّ هذا بانٍ على أنّ الاستصحاب هو الحكم الشرعي، سواءٌ أكان بنحو الكاشفية، أو بنحو الأصلية.

فبهذا اتضح أن ربط التعريف بالمباني، غير صحيح.

*****

هذا(1) الكلام قلنا فيما سبق أنّه غير صحيح: وذلك:

أمّا أولاً: فلما تقدّم من أنّه لا ملازمة بين مسلك الأمارية، وبين أن يكون الاستصحاب عبارة عن كون الشيء متيقّناً حدوثاً مشكوكاً بقاءً، بل يمكن أن يُبنى على مسلك الأماريّة ومع هذا يقال: بأنّ الاستصحاب اصطلاحاً عبارة عن الحكم ببقاء ما كان -مثلاً-.

ودعوى الملازمة بين مسلك الأماريّة، وبين أن يكون الاستصحاب بمعنى 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() لخصّ أولاً الاعتراض الاوّل للأعلام في الجهة الثالثة وقال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

غير الحكم -اليقين والشك-. هذه الدعوى، إن كان بلحاظ أنّ نفس طبيعة مسلك الأماريّة يقتضي هذا، فمن يبنى عليها يلزمه أن يبني على أنّ كلمة الاستصحاب موضوعه لليقين بالحدوث والشك في البقاء، دون الحكم. فقد قلنا إنّه لا ملازمة بينهما ابداً؛ لأنّ من يبني على مسلك الأمارية، من قال إنه يريد أنّ يضع كلمة الاستصحاب، لما هو أمارة، لعلّها موضوعة عنده لنفس المجعول الشرعي، الذي هو حجيّة هذه الأمارة. إذن، فلا يلزم من مسلك الأمارية الالتزام بأنّ كلمة الاستصحاب موضوعة لنفس ما هو أمارة، ليُفرّع على ذلك أنه يتعيّن أن يكون الاستصحاب بمعنى آخر غير الحكم.

وأن ادّعي الملازمة بلحاظ كلماتهم. حيث إنّ أصحاب مسلك الأمارية
-في مقام تقريب مدّعاهم- يقولون: الاستصحاب أمارة. وحيث إنّنا نعلم أنّ الحكم لا يُعقل أن يكون أمارة، فنستكشف أنّ الاستصحاب ليس عندهم بمعنى الحكم، وإلا لما وصفوه بكونه أمارة.

إنّ كان ملاك الملازمة هو الاستشهاد بكلمات أصحاب مسلك الأماريّة. فيمكنّنا أن نستشهد بمثل هذه الكلمات من أصحاب مسلك غير الأماريّة. فإنه كما أنّ أصحاب مسلك الأماريّة إذا قالوا: الاستصحاب أمارة، يثبت أنّ الاستصحاب عندهم ليس بمعنى الحكم الشرعي، كذلك أصحاب مسلك الأصلية إذ ينفون كون الاستصحاب أمارة، ويقولون الاستصحاب ليس بأمارة. 

أيضاً تدلّ على أن الاستصحاب له سنخ معنى يقبل أن يكون أمارة. وكلا العبارتين تدلّ عليه؛ ولهذا يثبته هذا وينفي ذاك.

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فترجع المسألة إلى النظر في كلماتهم. فلعلّ الكلمة التي يستظهر منها كون الاستصحاب أمارة، موجودة عند كلا الفريقين أو عند أحدهما. ولا تكون القضية حينئذٍ، مربوطة بالمسالك، بل مربوطة بالاستظهار من كلماتهم(1).

وأمّا ثانياً: فلأنّنا لو بنينا على أنّنا نريد أن نعرّف الاستصحاب على مسلك الأماريّة بما يكون أمارة. فما هي الأمارة. هل هو ما أفاده من كون الشيء متيقن الحدوث مشكوك البقاء. هذه هي نكتة الكشف عن البقاء وأمارته أو شيء آخر.

أمّا كون الشيء مشكوك البقاء فلا إشكال أنّه ليس له دخل في الكاشفية. فإنّ ما يكون أمارة -لو سلّمنا هذا التعبير- هو الجزء الأوّل من التعبير، وهو كون الشيء متيقّن الحدوث. هذا له دلالة مطابقية على الحدوث، ودلالة التزامية ظنيّة على البقاء -مثلاً- من باب أنّ كلّ ما حدث يبقى. فاليقين وحده يكون أمارة باعتبار مدلوله الالتزامي، لا الشكّ في البقاء.

 نعم، الشك في البقاء بمعنى عدم العلم بالانتقاض، دخيل في حجيّة كلّ أمارة حتّى خبر الثقة، فإنّ الأمارة هو ذات الخبر، إلا أنّه لا يكون حجّة، إلّا إذا 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() وهنا قلت له: كيف يستظهر من عبارات النافين، أنّ الاستصحاب يمكن أن يكون أمارة، مع أنّهم قالوا: إنّه ليس بأمارة. 

فأجاب: بأنّ الشيء الذي لا يُعقل، وليس في معرض أن يكون أمارة، لا يقال: هذا ليس أمارة، لا يقال: إنّ وجوب السورة ليس أمارة. وإنّما هم في مقام نفي شيء يكون معقولاً في نفسه، غاية الأمر أنه غير ثابت عندهم. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

كان مفاده غير معلوم الكذب. فدخل الشكّ في البقاء في الاستصحاب على حدّ دخل احتمال الصدق، وعدم العلم بالكذب في خبر الثقة.

فما هو أمارة ومقدّم لجهة الكشف هو اليقين بالحدوث، غاية الأمر أنّ هذه الأمارة قد تُبتلى باليقين بكذبها أحياناً، كما إذا علمنا بالارتفاع، وقد لا تبتلى بذلك. فما يكون أمارة هو اليقين بالحدوث، لا المجموع المركّب منه، ومن الشكّ في البقاء.

ثُمّ نريد أن نصعد أكثر، فنقول: إنّ اليقين بالحدوث أيضاً ليس أمارة، وإنّما الأمارة ذات الحدوث، لا اليقين به. فإنّ الذي يكون ملازماً مع البقاء هو ذات الحدوث. واليقين بالحدوث ليس له دخل في أن يبقى أو لا يبقى. فإنّ الملازمة الغالبية المدّعاة هي بين الحدوث والبقاء، من باب أنّ طبع العالم هو الوقوف والسكون، ولهذا كلّ شيء يوجد يبقى ساكناً في محلّه. وليست الملازمة بين اليقين بالحدوث والبقاء.

فالحدوث هو كخبر الثقة؛ لأنّه هو الأمارة على البقاء. واليقين بالحدوث كاليقين بالخبر. فإنّ الحدوث تارةً يصل إليه وتارةً لا يصل، كما أنّ خبر الثقة تارةً يصل، وأخرى لا يصل، ولا يكون معنى ذلك أنّ ما هو أمارة هو اليقين بخبر زرارة، بل هو ذات الخبر. كذلك في المقام ما هو أمارة إنّما هو ذات الحدوث، وهذه الأمارة تارةً تصل بنحو اليقين، وأخرى تصل بنحو الظن، وثالثة بنحو الاحتمال.

إذن، فلا الشكّ في البقاء دخيل الأمارية، ولا اليقين بالحدوث، بل لو أردنا 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أن ننساق مع هذا الترتيب، ونضع كلمة الاستصحاب لما هو نكتة الأمارة، يجب أن نضعه للحدوث، يكون حدوث الشيء أمارة على بقائه.

إشكال المحقّق الاصفهاني

الإشكال الثاني على هذا التعريف، ما أورده المحقّق الاصفهانيحيث ذكر: أنّ المراد من الإبقاء في قولنا: الاستصحاب هو الحكم بإبقاء ما كان أو إبقاء ما كان. إما الإبقاء العملي، وإما الإبقاء الحكمي الجعلي التشريعي.

فإن أُريد به الإبقاء العملي، الذي هو فعل المكلّف، فهذا معقول من وجهة نظر من يثبت الاستصحاب بالأخبار، فيقول: بأنّ الشارع حكم بوجوب الإبقاء العملي. ومعقول من وجهة نظر من يريد أنّ يثبت الاستصحاب بالسيرة العقلائية، فيقال: فإنّ العقلاء بنو على هذا الإبقاء العملي وجروا على طبقه. ولكنّه غير معقول عند من يثبت الاستصحاب بحكم العقل. فإنّ حكم العقل عبارة عن ادراكه الظنّي ببقاء الحكم الواقعي، وليس الإبقاء العملي والجري العملي مورداً لحكم العقل، حتّى يكون مورداً للاستصحاب المثبت بحكم العقل.

ولو قلنا: بإنّ الإبقاء هو الإبقاء التشريعي والحكمي. فمن يقول بالاستصحاب من باب الأخبار، يمكن أن يقول: بأني استفيد من الأخبار بأنّ الشارع حكم بوجوب الإبقاء. ومن يقول بالاستصحاب من باب حكم العقل، أيضاً يقول: بأنّ الإبقاء الحكمي بحكم العقل؛ لأنّه قد يُعبّر عن إدراكات العقل بأنّها أحكام تسامحاً. وأما من يثبت الاستصحاب بسيرة 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

العقلاء، فأيّ شيء يقول؟ مع أنّ العقلاء بما هم عقلاء ليس لهم أحكام ولا شريعة.

إذن، فالإبقاء العملي، يخلق مشكلة لمبنى العقل، والإبقاء الحكمي يخلق مشكلة للسيرة العقلائية. هذا ما ذكره.

وسوف اقتصر من الإشكالات التي ذكرها، على هذا الاشكال كنموذج؛ لأنّ بقية الإشكالات كلّها من هذا القبيل.

وهذا الإشكال ممّا لا يمكن تحصيل معنى منه؛ وذلك لأنّنا نختار كلاً من الشقّين، ولا يوجد إشكال. 

نختار الشقّ الأوّل، وهو أنّ الإبقاء بمعنى الإبقاء العملي(1) ومن يستفيد الاستصحاب من العقل، يقول بأنّه مورد لحكم العقل؛ لأنّ هناك حكمين للعقل: حكمه بمعنى إدراكه الظنّي ببقاء وجوب صلاة الجمعة. هذا الحكم غير مربوط بالعمل. وحكمه المترتّب على هذا، وهو الحكم بمعذريّة الجري العملي مبنياً على بقاء الواقع ظناً، وهذا حكم مربوط بالعمل لا محالة. فيقول صاحب مسلك العقل: إنّ الإبقاء العملي مورد لحكم العقل بالمعذريّة. أي إشكال في هذا؟ وحكم العقل ببقاء الواقع ظناًّ يكون حيثية تعليلة للمطلب، لا أنّه يكون هو محلّ الكلام ابتداءً.

ونختار الشقّ الثاني، وهو أنّ يكون البقاء بمعنى البقاء الحكمي، يعني الحكم بوجوب صلاة الجمعة. يقول: فيه إشكال من ناحية مسلّك السيرة 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() يعني من شك ببقاء وجوب صلاة الجمعة، فإنّه يصلّيها. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

العقلائية. هذا جوابه من وجهين:

أولاً: أنّ العقلاء أيضاً لهم أحكام. فإنّ السيرة العقلائية لها معنى، شرحناه في بحث خبر الواحد وسوف نشرحه هنا إجمالاً، وحينما نصل إليه يتّضح بأنّ المقصود منها: سيرة العقلاء بما هم موالٍ، مع من هو تحت سيطرته المولوية. والعقلاء بما هم موالٍ لهم أحكام لا محالة. نعم، العقلاء بما هم أهل السوق ليس لهم أحكام.

وثانياً: بأنّ مطلبنا ليس هو حكم العقلاء ابتداءً، وإنّما هو حكم الشارع، والسيرة العقلائية حيثية تعليلية لما هو الشارع. لا أنّه هو المطلب الأصولي المدّعى ابتداءً. وعليه فلا إشكال من هذه الناحية.

وأظن أنّنا لو اقتصرنا على هذا المقدار يكون أولى وأحوط شرعاً، باعتبار تضييع الوقت بالتوسّع في هذه المسائل.

وخلاصته ما ينبغي أن يختم به هذا الحديث هو أن يقال: بأنّه إن أُريد بتعريف الاستصحاب، فهم ما هو المعنى الموضوع له كلمة الاستصحاب في كلمات الأعلام، فطريق ذلك مراجعة كلماتهم والتدقيق فيها؛ ليعرف ذلك منها. ولا يترتّب على هذا أثر عملي بالنسبة إلينا.

وفي هذا المقام قد لا يكون للاستصحاب معنى واحد، بل قد يكون له معانٍ متعدّد حسب التطور التاريخي للمسألة. بالإمكان أن تكون كلمة الاستصحاب عند المحقّق الحلي في مقدّمة المعتبر، بمعنى ومن كتاب العلامة الحلّي بمعنى آخر، وفي كلام المعالم بمعنى آخر. فالكلمة بما هي كلمة بالإمكان 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أنّها كانت تحمل معانياً متعدّدة حسب مراحل التاريخ. وهذا بحث استقرائي يرجع إلى مطالعة هذه الكلمات، ولا ندخل فيه.

وإن أُريد من تعريف الاستصحاب، بيان عنوان جامع يدور حوله البحث وتنصب عليه المباني، فهذا العنوان الجامع يقال فيه بأنّه عبارة عن: مرجعية الحالة السابقة في حال الشكّ، أو لا تكون. فالبناء على المرجعية بناء على الاستصحاب سواءٌ كانت هذه المرجعية بملاك الأماريّة أو الأصلية، وسواءٌ كانت بدليل العقل أو العقلاء أو الأخبار. وسواءٌ كانت هذه المرجعية متجسّدة في حكم مجعول بلسان الحكم المماثل، أو المنجزيّة، أو الطريقية، أو الكاشفية؛ لأنّ هذا كلّه خارج عن صلب الغرض، الذي هو أنّ الحالة السابقة هل تكون مرجعاً، أو لا. وهو عنوان جامع تنصب عليه المسالك.  ولا بد من البحث فيه.

 هذا هو تمام الكلام في البحث الأوّل من أبحاث المقدّمة.

بعد هذا ندخل في البحث الثاني: وهو ان الاستصحاب هل هو مسألة أصولية أو لا؟

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 







[المبحث الثاني] 

في أن ّالاستصحاب هل هو مسألة أصولية

 

  • الاتّجاه الرسمي في ضابط المسألة الأصولية ومناقشته

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 






[المبحث الثاني]                                                                                          في أن ّالاستصحاب هل هو مسألة أصولية 

 

البحث الثاني: من ابحاث المقدّمة: في أنّ الاستصحاب هل هو من المسائل الأصولية أم لا؟

لكي نعرف ذلك، يجب أن نستذكر ما هو الضابط لكلّي في أصولية المسألة. لكي نطبق ذلك الضابط، على الاستصحاب. وبحث تحقيق هذا الضابط موقعه في أول الدورة، وليس هنا مجال التوسّع فيه. ولكن تمهيداً لأصولية المسألة، لابدَّ من التعرّض له بنحو الإيجاز.

فنقول: إنّ هناك اتّجهات متعدّدة في تصوير ضابط المسألة الأصولية، بحثناها مفصّلاً في موقعه، وبيّنا ما يمكن أن يعلّق على كلّ واحد منها. الآن نختار منها: الاتجاه المشهور الرسمي العام، بالمقدار الذي يتوقّف عليه البحث في المقام، ثُمّ نذكر الاتجاه الصحيح المختار في ضابط المسألة الاصولية، ثُمّ نطبّق كلا الاتجاهين على محلّ الكلام.

ــــــــــ[49]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

الاتّجاه الرسمي في ضابط المسألة الأصولية ومناقشته 

 

أمّا الاتّجاه الرسمي العام في ضابط المسألة الأصولية، فهو ما ذكره المحقّق النائيني ومدرسته، وحاصله: أن عملية الاستنباط، وإن كانت تتوقّف على مقدّمات كثيرة جداً، إلا أنّ المقدّمات تختلف من حيث كيفية دخولها في قياس الاستنباط، فبعضها تكون صغرى، فيه وبعضها تكون كبرى. وضابط المسألة الأصولية ما يقع كبرى في قياس استنباط الحكم الفرعي الفقهي. فيقال -مثلاً- وجوب السورة ممّا أدّى إليه الخبر، وكل ما أدّى إليه الخبر، فهو ثابت فوجوب السورة ثابت. فوقعت حجّيّة خبر الواحد كبرى في القياس، أو التتن مشكوك الحرمة، ولا دليل على حرمته، وكل ما كان كذلك فهو مباح، فشرب التتن مباح. 

فقد وقعت أصالة الحلّ كبرى في هذا القياس.

بينما المسائل الغير الأصولية، تقع صغريات في القياس لا كبرى. فوثاقة زرارة، التي هي من مسائل علم الرجال، أو ظهور كلمة الصعيد في مطلق وجه الأرض، الذي هو مبحث لغوي أو ورود رواية في هذا المطلب، الذي هو بحث حديثي، كلّ هذا لا يقع كبرى وإنّما يقع صغرى (1)، ولابدَّ من ضمّ 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

() وإن كانت قد تقع كبرى في قياس أسبق من القياس المنتج للحكم، فيقال -مثلاً-: هذا خبر زرارة وزرارة ثقة، إذن فهذا خبر ثقة، ثُمّ يقال: هذا خبر ثقة، وكلّ خبر ثقة حجّة، فهذا الخبر حجّة. أو يقال: هذه كلمة الصعيد، وكلّما وردت هذه الكلمة فهي تدلّ على مطلق وجه الأرض، فهذه الكلمة تدلّ على مطلق وجه الأرض، ثُمّ يقال: هذه الكلمة دالّة أو ظاهرة بذلك، وكلّ ظاهر حجّة، فظهورها حجّة وهكذا. إلّا في محلّ الكلام هو القياس الذي يستنتج منه الحكم مباشرة، وهو الأخير في عملية الاستنباط. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الكبرى إليه، من حجيّة خبر الثقة، أو حجّية الظهور، لكي يستنبط من ذلك الحكم الشرعي.

اعتُرِض على هذا الضابط، بأنّه يشمل غير المسائل الأصولية أيضاً، كالقواعد الفقهية، فإنّها أيضاً تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الفرعي الفقهي الكلّي. وهذا الاعتراض لن نتعرّض له؛ لأنّه غير وارد في النهاية، كما بيّنا في محلّه. وإنّما نقتصر على اعتراضنا، الذي نحن اعترضناه على هذا الضابط المشهوري.

وحاصله: هو أن المسألة الأصولية ليست دائماً تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الفرعي، بل قد تقع صغرى بل قد تقع ممهّدة للصغرى، من ممهّدات تماميّتة الصغرى. وأمثلة ذلك عديدة:

فمن ذلك: البحث عن ظهور صيغة الأمر في الوجوب، أو ظهور صيغة النهي في الحرمة، أو ظهور (كلّ) في العموم. فإن هذه أبحاث في صغرى القياس (1) لا كبراه؛ لأنّ كبراه هو حجيّة الظهور. فإنّه حينما يتنقّح بأنّ صيغة 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

() وإن وقعت كبريات في قياس أسبق منه كقولنا: هذا أمر، وكلّ أمر ظاهر في الوجوب فهذا ظاهرٌ فيه. إلّا أنّ العمدة هو القياس المنتج للحكم مباشرة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأمر ظاهره في الوجوب، نشكّل قياساً، ونقول: بأنّ صيغة الأمر دالّة على الوجوب دلالة ظهورية، وكلّ دلالة ظهورية حجّة ويثبت بها مدلولها، إذن فيثبت في المقام مدلول هذه الصيغة وهو وجوب السورة.

ومن ذلك: بحث إمكان الترتّب، وبحث اجتماع الأمر والنهي. ونحو ذلك من الأبحاث. ففي بحث الترتّب نتكلّم أنّه هل يمكن للمولى أن يحكم بالضدّين على وجه الترتّب أو لا؟ هذا الإمكان ليس كبرى في استنباط حكم فرعي فقهي كلّي، وإنّما هذا الإمكان يكون سبباً في تماميّة الصغرى، وهي ظهور (صلّ) في الوجوب. فإنّه عندنا خطاب (أزِلْ) وخطاب (صلّ). ونريد أن نعرف أنّ إطلاق خطاب (صلّ) سقط في مورد المزاحمة، أو بقي على وجه الترتّب. فإنّ كان الترتّب معقولاً فالإطلاق باقٍ، وإن لم يكن معقولاً فهو ساقط. فالإمكان هنا يكون سبباً في تماميّة صغرى قياس الاستنباط. بأن نقول: دلّ الظهور على معنى معقول وهو وجوب الصلاة في مورد المزاحمة، وكلما دل الظهور على معنى معقول، يثبت، إذن فالوجوب يثبت. فإن كان الترتّب وقع في طريق صغرى القياس، كما أنّ القول بالامتناع، يقع في طريق إبطال الصغرى أيضاً.

وكذلك البحث عن إمكان اجتماع الأمر والنهي، فإنّ الإمكان والامتناع أيضاً ينقّح الصغرى في قياس الاستنباط إثباتاً وعدماً. فإنّنا نريد أن نعرف أنّ إطلاق (صلّ) هل يشمل الصلاة في الدار المغصوبة أو لا؟ فإن قلنا بالإمكان مرتّب القياس هكذا: دلّ الظهور الإطلاقين على شمول الوجوب، بمعنى 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

معقول لمدّة الاجتماع، وكلما دلّ الظهور على معنى معقول يثبت، إذن فيثبت الوجوب في مادة الاجتماع. فتثب الصغرى. وإذا فُرِض أنّنا قلنا بالامتناع تبطل الصغرى.

إلى غير ذلك من النقوض التي توسّعنا في تحقيقها في أوّل الدورة.

 وعليه، فلا يمكن المصير إلى أنّ ضابط المسألة الأصولية، هو كون المسألة واقعة كبرى في قياس استنباط الحكم الفرعي الفقهي الكلّي(1).

الضابط المختار لها 

وأمّا الضابط المختار للمسألة الأصولية، الذي ذكرناه في أوّل بحث خبر الواحد مفصّلاً، ونعيده هنا مختصرّاً. فحاصله: هو أنّ المقدّمات التي تكون دخيلة في استنباط الحكم الفرعي تنقسم إلى قسمين: القسم الأوّل، مقدمة تكون دخيلة في استنباط حكم فرعي، لكن لا حكم أي مادة تفرض، بل حكم مادة مخصوصة. بحيث إنّ هذه المقدّمة لا تصلح لاستنباط حكم مادّة أخرى من أفعال المكلّف. كصحيحة زرارة الدالّة على وجوب السورة -مثلاً- فإنّها تدخل في عملية استنباط وجوب السورة دون حكم آخر لأفعال المكلّف. فالحكم المستنبط منها لا يمكن أن يكون الا مربوطاً بمادّة معينة.

وأخرى يُفرَض أنّ المقدّمة الدخيلة في عملية الاستنباط، تدخل في عملية 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

() وهنا سألته: عن معنى كونه ممهداً للصغرى.

 فأجاب: لأنّ الصغرى هي دلالة الظهور على معنى معقول، وهو يوجب إحراز هذا القيد في الصغرى. فهو يوجب إحراز قيد الصغرى أو نفيه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

استنباط حكم مأخوذ لا بشرط من حيث المادة، قابل لأنّ يتخصّص بأيّ مادّة تُفرَض. من قبيل ظهور صيغة (افعل) في الوجوب، فإنّها مقدّمة قابلة لأن تدخل في استنباط حكم أي مادّة تفرض كوجوب السورة والصوم وغيره. لا بشرط من حيث المادّة؛ لأنّ كلّ فعل يُتصوّر أنّ يكون هناك أمر به. كذلك حجّيّة خبر الواحد وحجيّة الظهور. فإنّها يمكن أن تدخل في عملية استنباط الأمارة.

أمّا القسم الأوّل فهو خارج عن علم الأصول، ويبحث عنه في علوم أخرى. أمّا في علم اللغة يبحث عن كلمة الصعيد، فإنّ ظهورها لا يمكن أن يستنبط منها حكم إلّا الحكم المتعلّق بمادّة الصعيد، دون غيرها من الأحكام. فظهور الكلمات الأفرادية تدخل في القسم الأوّل، وتخرج من علم الأصول.

وكذلك القضايا التي تعيّن في الفقه، أو الحديث، من أنّه هل جاءت رواية على وجوب السورة أو لا؟ هذه مسألة حديثية غير أصولية؛ لأنّ أي حديث يُفرَض لا يمكن أن يكون دخيلاً لا بشرط من حيث المادة، بل لابدَّ أنّ يكون دخيلاً في حكم متعيّن من حيث المادة. فهذا كلّه يخرج عن علم الأصول.

بقينا نحن والقسم الثاني، وهي المقدّمات التي تكون دخيلة في استنباط حكم لا بشرط من حيث المادّة، بقطع النظر كبرويّتها وصغرويتها، نقسمها أيضاً إلى قسمين: فإنّ هذه المقدّمات تارةً يُفرُض أنّها لا تستبطن حكماً أصلاً، فهي أيضاً خارجة عن علم الأصول. من قبيل قواعد علم المنطق، التي تدخل كمقدّمات في عملية استنباط كلّ حكم فقهي مبني على الشكل الأوّل من 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

القياس. ولكن مع هذا لا يكون من مسائل علم الأصول، لأنّها مقدّمة لا تستبطن حكماً بوجه من الوجوه. ولهذا يمكن أنّ يرمز إلى الشكل الأوّل برموز يمكن أنّ تملأ بالحكم ويمكن أن تملأ بشيء آخر من الامور التكوينية.

وهناك قسم آخر: وهو ما كان عنصراً، ومقدّماً في استنباط حكم لا بشرط من حيث المادة، وكان يستبطن الحكم. إمّا أنّ تكون المقدّمة هي بنفسها حكماً كحجية خبر الواحد وحجيّة الظهور وأصالة البراءة الشرعية والاستصحاب الشرعي. وإمّا أن تكون متكفّلة للعلاقة بين حكمين من قبيل أن يقال، بأن الوجوب والحرمة ضدّان، الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، أو يقتضي الأمر بمقدّمته، ونحو ذلك. أو في مقام بيان العلاقة بين حكم وكاشفه، من قبيل أنّ يقال: إنّ صيغة افعل تدلّ على الوجوب، وصيغة النهي تدلّ على الحرمة. وأمّا في مقام إثبات تنجيز الحكم والتعذير عنه (1)، كما في قواعد التأمين والتنجيز، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان أو أصالة الاشتغال العقلية. فالحكم في هذه الموارد مستبطن في القاعدة، وتكون هذه هي المسائل الأصولية.

فالمسألة الأصولية متقوّمة بقيدين: 

أحدهما: أنّ يكون مقدّمة دخيلة في استنباط حكم لا يشرط من حيث المادة.

والقيد الثاني: أنّ تكون هذه المقدّمة تستبطن حكماً في نفسها بأحد هذه الأنحاء من الاستبطان.

ومن هنا سميّنا الأصول بمنطق الفقه. وقلنا: إنّه يصدق عليه أنّه علم 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

() يعني مبينة لوظيفة عملية تجاه الحكم.(منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المنطق لا منطق الفكر البشري على الإطلاق، بل منطق خصوص علم الفقه. فكما أنّ علم المنطق هو مقدّمات دخيلة في استنباط أي حقيقة لا بشرط من حيث المادة، كذلك المقدّمات الأصولية دخيلة في استنباط أي حكم فقهي، لا بشرط من حيث المادة(1).

ــــــــــ[56]ــــــــــ

() وهنا قلت له: أصالة الطهارة ينطبق عليها هذا الضابط؟

 فأجاب: أنّها لا تستنبط منها حكم أي شيء، بل هي خاصّة بباب* الطهارة والنجاسة، ففيها ضيق ذاتي عن الشمول للموارد الأخرى. 

قلت له: هذا الضيق الذاتي موجود في جملة من المباحث الأصولية فإنّ الأوامر لا يستنبط منها حرمة شرب الخمر، ولا النواهي يستنبط منها وجوب السورة، وكذلك أصالة البراءة، خاصة بإثبات الأحكام الترخيصيّة، دون الالتزامية.

 فأجاب ما محصلّه: نحن أرجعنا القيد إلى المادة لا إلى الحكم، وأصالة الطهارة مقيّدة من حيث المادة بالطهارة والنجاسة، على حين أنّ الأوامر مقيّدة بالوجوب والاستحباب من حيث الحكم أمّا من حيث المادة فهي لا بشرط. فإنّ من المباحث الأصولية ما يستنبط منه كلّ حكم على الإطلاق كالاستصحاب وحجية الظهور، ومثل هذه المباحث تكون أوكد في الأصولية وأشد، ومنها ما يستنبط منها بعض الأحكام دون بعض الأوامر والنواهي.

ولما نقضوا عليه بقاعدة اليد قال: بأنّ قاعدة اليد لا تثبت إلّا الموارد الجزئية، أنّ هذا المال ملك لهذا الشخص.

 فقيل له: أنّها تثبت أنّ كلّ مال يكون تحت يد شخص. فهو له، وهذا ليس مورداً جزئياً.

 فأجاب: هذا هو نفس مدلول القاعدة، وليس ممّا يثبت بها.

*هذا وما بعده من الأسئلة والأجوبة بعد الدرس. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التطبيق على محل الكلام

هذا هو خلاصة المختار في ضابط المسألة الاصولية. وبعد هذا نأتي إلى التطبيق فنقول: بأنّ الاستصحاب مسألة أصولية إذا كان المقصود منه الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية. على كلا الضابطين. 

أمّا على الضابط رسمي، فلأنّه يقع كبرى في قياس الاستنباط، فيقال
-مثلاً- صلاة الجمعة كنّا على يقين من وجوبها فشككنا، وكلما كنّا على يقين من مشى فشككنا فهو باقٍ، فوجوب صلاة الجمعة باقٍ. 

وأمّا على ضابطنا فأيضاً الاستصحاب مسألة أصولية؛ لأنّه مسألة تنتج حكماً لا بشرط من حيث المادة؛ لأنّ الاستصحاب كما يمكن أن يستنتج منه وجوب صلاة الجمعة، كذلك يمكن أن يستنتج منه وجوب السورة، أو وجوب الصوم؛ لأنّ أي فعل منها يمكن أن يفرض فيه اليقين بالحدوث، والشك في البقاء. فالاستصحاب مسألة أصولية على كلا الضابطين(1).

ــــــــــ[57]ــــــــــ

() سألته قبل الدرس: عمّا إذا كانت هذه المطالب، وهي: تعريف علم الاصول، المعنى الحرفي، المشتق، داخلة في علم الاصول بحسب الضابط السابق. 

فأجاب: ما محصّله: أمّا عن التعريف، فمفهوم التعريف متضمّن لعدم كونه من العلم، فتعريف علم الحساب ليس مسألة حسابية. وأمّا المشتق فلا بأس به.

 قلت: باعتبار تنقيحه لصغرى أصالة الظهور.

 فقال: نعم.

 أقول: وكأنّه وضع المعنى الحرفي خارج علم الأصول على أي حال.

ولا يخفى أنّه كرّر في هذه المحاضرة ذكر الضابط بعرض جديد إلى حدٍّ كان مختلفاً عنه ببعض الآثار، كأصالة الطهارة، التي لم تكن داخلة في علم الأصول بحسب الضابط السابق وأصبحت محتملة الدخول بحسب الضابط الجديد. فلابدَّ من كتابة ما قاله بتلخيص غير مخلٍ: (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 [الضابط المختار بعرضٍ جديد]

في الضابط المختار للمسألة الاصولية نقول: إنّه هناك مقدّمات كثيرة تدخل في عملية استنباط الحكم الشرعي الفقهي الكلّي. وبهذا وضعنا -منذ البدء- حداًّ بين المقدّمات الدخيلة في استنباط الحكم الفرعي الجزئي، والمقدّمات الدخيلة في استنباط الحكم الكلّي. فالنحو الأوّل من المقدّمات ليست من مسائل علم الأصول، كقاعدة اليد وقاعدة الفراغ، وأصالة الصحّة ونحوها. فإنها لا تقع مقدّمات في استنباط حكم فرعي كلّي، فإنّ قاعدة اليد تقع مقدّمة في استنباط أنّ هذا الكتاب ملك لهذا الشخص. وهو حكم جزئي لا كلّي.

وما هو محطّ نظرنا من مقدّمات الاستنباط، ما كان منها دخيلاً في استنباط حكم فرعي كلّي.

ثُمّ إذا لاحظنا المقدّمات ضمن هذه الدائرة، فنرى أنّها مقدّمات متنوعة، فهناك مقدّمات مأخوذة من علم الحديث، من قبيل وجود رواية من زرارة وغيره. ومقدّمات مأخوذة من علم اللغة، كقولنا: إنّ الصعيد موضوع لمطلق وجه الأرض -مثلاً-. وهناك مقدّمات مأخوذة من علم الرجال والتأريخ، بأن يقال تاريخياً: بأنّ زرارة كان شخصاً ثقة، وأنّ الذي يروي عنه الكليني هو محمد 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بن الحسن الصفّار. وهناك مقدّمات مأخوذة من علم الفلسفة كقانون العلية، واستحالة تخلّف المعلول عن العلّة. فإنّنا به نستنبط الحكم الشرعي في موارد تنقيح المناط، حيث نستكشف ما هو الملاك في الحكم الشرعي، بقانون أنّ المعلول يحتاج إلى علّة غائية، ثُمّ بقانون استحالة تخلّف المعلول، نسرى هذا حكم إلى سائر الموارد الملاك.

ومن جملة المقدّمات، مقدّمات منطقية، كقانون إنتاج الشكل الأوّل من القياس، الذي نعتمد عليه في مقام الاستدلال على جملة من المبرهنات الفقهية. ومن جملة المقدّمات لعملية الاستنباط ما اعتدنا أن نراه في كتب الأصول كحجيّة خبر الواحد وأصالة البراءة، وظهور صيغة (افعل) في الوجوب وغيرها.

فكل هذه مقدّمات لاستنباط الحكم الشرعي، وإنّ كان بعضها تقع كبريات في القياس، وبعضها تقع صغريات وبعضها تقع ممهدّات وبتعبير آخر، أنها مقدّمات لقياسات أخرى ابتدائية، قبل أن تصل النوبة إلى قياس، استنباط الحكم الفرعي. والتمييز بين المقدمات الأصولي منها وغير الاصولي من حيث وقوعها كبرى في القياس أو صغرى، قد عرفنا أنّه غير تام. فكيف يمكننا نحن أن نميّز بينها؟! 

هنا، ينبغي أن يقال: بأنّ هذه المقدّمات ما كان منها بالنسبة إلى علم الفقه، بمثابة المنطق له، فهو مقدّمة أصولية له. وما لم يكن منها كذلك فهو ليس مقدّمة أصولية.

توضيح ذلك: أنّ هناك لمجموع فروع المعرفة البشرية، منهج وقواعد عامّة 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في التفكير، تنقّح قبل الدخول في أي فرع من فروع المعرفة. ومعنى هذا أنّنا قبل أن نعرف شيئاً من المواد التي تبحثها العلوم: كالكيمياء، والفيزياء، والرياضيات والفلسفة، نضع مناهج، بها نريد أن نعرف أحوال هذه الموارد وواقعيتها.

ومن هنا كانت هذه المناهج صورّية صرفة عارية عن المادة؛ لأن أي مادة هي في الواقع مسألة من مسائل العلوم. فهي تعطينا صورة الاستدلال دون مادّته. وهذا هو علم المنطق، الذي يحدّد مناهج التفكير البشري في كلّ فروع المعرفة. فمن هنا كان صورياً محضاً (1)، تُستعمل فيه الرموز القابلة للتحويل إلى كلّ فروع المعرفة البشرية.

ثُمّ أنّ هذه القواعد، التي تشكّل المنطق لجميع العلوم، تُطعّم بمواد لا محالة في سائر العلوم. فمثلاً حينما ندخل في الفلسفة تُطعم بمواد معيّنة، فتثبت بذلك قضية ذات مادة معيّنة، وذات صورة معيّنة. فيتبرهن في الفلسفة بتطبيق تلك المناهج على أوليّات العقل البشري، قانون العلّية، وأنّ كلّ ممكن لابدّ له من علّة. وهذا مطلب له مادة على أي حال؛ لأنّه عُيّن فيه مفهوم مخصوص هو العلية.

ثُمّ أنّ هذه المعرفة التي تقمّصت مادة معيّنة في علم من العلوم، ولم تبقَ صورية صرفة، كقانون العلية، هذا القانون قد يصبح بدوره هو منطقاً لعلوم أخرى أنزل منها، يكون نسبته اليها كنسبة المنطق إلى قانون العلية. بأن لا يكون هذا القانون قد أُخذ فيه أي مادة من تلك المواد ولا بشرط من جهتها. فإنّ 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

() كقولنا: كلّ (أ) (ب)، و(ب) (ج)، إذن: (أ) (ج). (المقرّر )

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

قانون العليّة نفسه، لم يؤخذ فيه مادة فيزيائية ولا فلكية ولا عنصرية. فهذا القانون بنفسه يُعتبر منطقاً بالنسبة إلى العلوم الطبيعية كلّها؛ لأنّه أُخذ لا بشرط من حيث أي مادة من موادها. وحينما يدخل العالم الطبيعي في هذا العلوم، يلبس هذا القانون مواده فيقول: الحركة علّة الحرارة. فيعني أن العلة هي الحركة والمعلوم هو الحرارة.

وبذلك نعرف، أنّه ليس هناك منطق واحد، هو: منطق كلّ فروع المعرفة البشرية، بل كل فرع من المعرفة له منطق وهو عبارة عن تلك القواعد والمعلومات المأخوذة لا بشرط من حيث المواد، التي تبحث عنها في ذلك الفرع، والتي يتوقّف عليها البحث فيه. فهذه القواعد تشكّل منطقاً بالنسبة إلى ذلك العلم. وإنّ كان هذا المنطق له منطق فوقه، أكثر منه صوريّة أُخذ لا بشرط من حيث مواده أيضاً. وهكذا حتّى ينتهي إلى المنطق الصوري الخالص، الذي أُخذ لا بشرط من جهة سائر المواد.

إذا عرفنا هذه الفكرة العامة، نأتي إلى محلّ الكلام. فإنّ علم الفقه أيضاً لا يشذّ عن سائر العلوم من هذه الناحية. فالمقدّمات الدخيلة في عملية استنباط الحكم الفرعي الكلّي، على قسمين:

تارةً تكون مقدّمات مربوطة بمادة معيّنة من المواد، التي يبحثها علم الفقه وأخرى لا يكون مربوطة بمادة معينة، بل مأخوذاً (لا بشرط) من حيث تلك المادة.

وأقصد بمواد علم الفقه: تلك المتعلّقات للأحكام الواقعية: يعني كلّ 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

العناوين الأوليّة والعناوين الثانوية، الصالحة لتعلّق الأحكام الواقعيّة بها (1). فالفقيه يبحث عن أنّ الضرب حرام أو لا، وعن أنّ التأديب حرام أو لا. ومن هنا يُعرف أنّه ليس من مواد علم الفقه، عنوان المشكوك؛ لأنّ المشكوك بما هو مشكوك ليس من متعلقات الأحكام الواقعية، فإنّ متعلّقات الأحكام الواقعية ذوات الأشياء إمّا بعناوينها الأولية، أو الثانوية. وأمّا المشكوك فليس موضوعاً للحكم الواقعي بل موضوع للحكم الظاهري.

حينئذٍ نقول: بأنّ المقدّمات الدخيلة في عملية استنباط الحكم الكلّي، إمّا أن تكون مأخوذة مربوطة بمادة من هذه الموارد، وإمّا أن تكون مأخوذة لا بشرط من حيث هذه المواد. 

مثال القسم الأوّل: القواعد الفقهية، التي يُستنبط منها حكم كلّي كـ(لا ضرر ولا ضرار)، فإنها مربوطة بمادة معيّنة من مواد علم الفقه، وهو عنوان ثانوي معيّن، وهو عنوان الفعل الضرري. فإنّ هذا العنوان بنفسه أصل مواد علم الفقه، ويمكن أن يتعلّق به حكم واقعي، وهو عدم الوجوب.

 غاية الأمر أنّه عنوان واقعي وسيع، يمكن أن ينطبق على الوضوء والصلاة والصوم وهكذا. فلا ضرر ولا حرج، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، ونحوها من القواعد الفقهية التي يستنبط منها حكم كلي مربوط بمادة فقهية معينة 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

() وان لم يكن الحكم الواقعي واصلاً، وانتهينا إلى الوظيفة العملية، إلّا أنّها وظيفة عملية تّجاه الواقع، الذي تتعلّق به هذه العناوين. فعلم الفقه أعمّ من الواقع ومن الوظيفة العملية تجاهه. (مستفاد منه ). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مهما كانت وسيعة وقابلة الانطباق على أشياء كثيرة. إذن فهي مأخوذة (بشرط شيء) من حيث المادة الفقهية، لا (لا بشرط) من جهتها.

وأمّا مثال القسم الثاني، يعني الذي أُخذ لا بشرط من حيث المادة الفقهية، من قبيل جميع الأحكام الظاهرية، التي نبحث عنها في علم الأصول. كحجيّة خبر الواحد وأصالة البراءة والحلّ. فإنّ أصالة الحلّ يمكن أنّ تجري في شرب التتن وفي أكلّ لحم الأرنب وفي الصلاة في الحمام الى غير ذلك. فهو مأخوذ لا بشرط من حيث المادة الفقهية.

ولا يقال: أنّ حليّة ما لا يُعلم بحدّ ذاتها كـ(لا ضرر ولا ضرار)، فإنه يقال: بأنّ العنوان هنا ليس مادة فقهية، فإنّ العنوان هو (ما لا يعلم). وقد قلنا: بأنّ المادة الفقهية عبارة عن العناوين الواقعية لأفعال المكلّف: الأولية أو الثانوية، وأمّا عنوان (ما لا يعلم) فليس من أفعال المكلّف، التي تتعلّق بها الأحكام الواقعية. فأصالة الحلّ لا يشرط من حيث المادة الفقهية، لأنّه يجري في حقّ أي فعل من الأفعال بعناوينها الأولية، أو الثانوية، إذا انطبق عليه عنوان (ما لا يُعلم)(1).

إذن، فالمقدّمات التي أُخذت بشرط شيء، من حيث مادة معيّنة من مواد علم الفقه تخرج عن علم الأصول، وتدخل في علوم أخرى؛ لأنّ علم الأصول بمثابة المنطق لعلم الفقه، ومنطق كلّ شيء يجب أن يكون صورياً بالنسبة إليه، يعني مأخوذاً لا بشرط من حيث مواده.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() وهنا قال ضمن جواب عن سؤال: لابدَّ قبل تعيين علم الأصول، من أنّ يعين علم الفقه. ثُمّ نأتي الى تعيين علم الأصول على ضوء تعييننا لعلم الفقه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وأمّا ما لم يؤخذ فيه مادة معيّنة، فيكون منطقاً بالنسبة إلى علم الفقه. ثُمّ أنّ هذه المقدّمات، التي أُخذت لا بشرط من حيث المادة المعيّنة، تارةً تكون منطقاً لدائرة أوسع من علم الفقه، فهو لا بشرط من حيث كثرة من العلوم لا من حيث علم الفقه بالخصوص، كقانون العليّة، فإنه لا بشرط من حيث تمام العلوم التي، هي تحت الفلسفة لا الفقه فقط. فهو منطق مشترك بين الفقه وغيره. وبهذا لا يدخل في علم الأصول؛ لأنّ علم الأصول أسّس للمنطق المختصّ بعلم الفقه، لا للمشترك بينه وبين غيره من العلوم، وإلّا لدخلت كلّ قضايا علم المنطق؛ لأنّها أيضاً مقدّمات مأخوذة لا بشرط من حيث المواد الفقهية.

إذن، فلا بدَّ أن نقف في مرتبة متوسّطة في اختيار المقدّمات، فلا نُدخل المقدّمات التي أُخذت بشرط شيء من حيث المادة الفقهية؛ لأنّها أخصّ من منطق الفقه. ولا المقدّمات التي أُخذت لا بشرط بنحو عرض عريض، بحيث لا بشرطيتها أوسع من علم الفقه وغيره من العلوم؛ لأنّ هذا أعمّ من منطق الفقه.

والمرتبة المتوسّطة هي عبارة عن مسائل الحجج، والظواهر، والملازمات العقلية، ومسائل علم الرجال أيضاً فإنّها أيضاً مرتبة متوسّطة. إلّا أنّ هناك ارتكازاً يقتضي عزل علم الرجال، وقصر النظر على تلك المسائل الأخرى. وهي أنّ علم الأصول، الذي وضع لكي يكون منطق الفقه. وضع لكي يبحث فيه علم الحكم الشرعي وعن شؤون الشارع لا عن الموضوعات الخارجية التكوينية، التي لا ربط لها بالشارع، وإن كانت دخيلة في عملية الاستنباط، فيؤسّس لها علم آخر. هذا الارتكاز اوجب فصل علم الرجال عن علم الأصول. وهذا الارتكاز مرادنا 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

من عبارة الأمس، التي لعلّها لا تخلو من غموض(1)

فعلم الأصول هو المقدّمات، التي يُبحث فيها عن الحكم الشرعي، إمّا أصل صدور الحكم من الشارع، من قبيل هل صدر منّه حجيّة خبر الواحد، أو الاستصحاب، أو أصالة الحلّ أو لا؟ وإمّا يُبحث عن اقتضاءات الحكم. بحسب أحد العوالم الثلاثة: إمّا في عالم الجعل، وهي عبارة عن الملازمات العقلية: أنّ الامر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه والأمر بمقدّمته وهكذا. أو اقتضاءاته في عالم الخطاب والإبراز، وهي: عبارة عن الدلالات والظواهر، أو اقتضاءاته في عالم التنجيز والتعذير، الذي هو: عبارة قبح العقاب بلا بيان، أو أصالة الاشتغال، يعني حكم العقل بتنجيز الواقع او المعذريّة عنه.

فيصحّ أن يقال بناءً على هذا: إنّ علم الأصول علم المنطق للفقه، ويبحث فيه عن المقدّمات الدخيلة في استنباط الحكم الفرعي الكلّي، المأخوذ لا بشرط من حيث مواد علم الفقه. على أن تكون هذه اللابشرطية بمقدار علم الفقه لا أكثر (2) على أن يكون الكلام فيه عن الشارع، لا عن موضوعات يمكن بحثها حتّى، مع غض النظر عن الشرع.

وبناءً على هذا التعريف يظهر أنّ الاستصحاب من المسائل الأصولية. 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

() أقول: هي قوله: تستبطن الحكم الشرعي. (المقرّر).

(2) بحيث تشمل علوم أخرى، وإن كانت اوسع.  لكنّها تشمل علوم أخرى كالمشتق، فإنّه أيضاً يبحث عنه في الأصول؛ باعتبار كونه من اقتضاءات عالم الإبراز. (منه جواب على سؤال). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

المبحث الثالث

في الفارق بين الاستصحاب وغيره من القواعد

 

  • في الاستصحاب القهقرائي 
  • الفرق بينه وبين قاعدة اليقين 
  • في قاعدة المقتضي والمانع

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 








تتمة مباحث مقدمة الاستصحاب(1)

 

المبحث الثالث                                                                                                    في الفارق بين الاستصحاب وغيره من القواعد 

 

المبحث الثالث: من أبحاث المقدّمة. في الفارق بين قاعدة الاستصحاب وبين ثلاث قواعد أخرى، هي: الاستصحاب القهقهري، وقاعدة اليقين، وقاعدة المقتضي والمانع. فإنّ هذه القواعد الثلاث، لها بشكل وآخر نحو من الوجود في الارتكاز العقلائي ادعاءً أو حقيقة.

من المعلوم أنّ التمييز الدقيق بلحاظ تمام الخصوصيات والشرائط، موقوف على النظر إلى الدليل الواقعي الدالّ على الاستصحاب، الذي هو الروايات -مثلاً- ليُرى الخصوصيات التي يكتسبها الاستصحاب من ناحية تلك الروايات، وحينئذٍ، تُبيّن فوارقه عن القواعد الأخرى.

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) كـان تـاريخ الشروع في هـذا الـدفتر (21) بتاريخ الثلاثـاء: 14/3/1388- 11/6/1968.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

في الاستصحاب القهقرائي 

 

لكن بنحو التمييز الإجمالي نقول:

قالوا: إنّ هناك قاعدة أخرى في مقابل الاستصحاب الطردّي، اسمها: الاستصحاب العكسي، أو القهقرائي. ففي الطردّي: نكون على يقين من شيء نشكّ فيه بقاءً فنستصحبه، فيكون مشكوكنا في طول متيقناً زماناً. وأمّا في الاستصحاب القهقرائي فيكون مشكوكنا قبل متيقننا. نرى شيئاً فنشكّ أنّه كان موجوداً إلى زمن طويل فنمدّد وجوده إلى أزمنة ماضية، فيكون متيقننا في طول مشكوكنا. وبذلك يختلف الاستصحاب العكسي عن الطردي.

وهذا الاستصحاب العكسي يتمثل في الارتكاز العقلائي في باب ظواهر الألفاظ. فإنّ العقلاء استقرّ بناؤهم على استصحاب الظهور، فإنّهم متى ما رأوا لفظاً له معنى معيّن بحسب عرفهم، وشكّوا بأنّ ظهوره وليد هذا العرف الحادث، أو كان موجوداً منذ عصر النبوة فيجرون الاستصحاب راجعين إلى الخلف، فيثبتون أنه كان موجوداً منذ ذلك العصر. هذا خلاصة ما قيل في المقام.

والصحيح في المقام، هو أنّ هذا الاستصحاب العكسي صيغة مقلوبة للاستصحاب الطردي، وليست قاعدة أخرى في مقابله، ليس عند العقلاء في 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

باب ظواهر الألفاظ استصحاب عكسي يكون متيقّنهم فيه في طول مشكوكهم، بل في هذا الباب أيضاً عندهم استصحاب طردي، ومشكوكهم في طول متيقنهم أيضاً.

وتوضيح ذلك: أنّ العقلاء يعلمون إجمالاً، بأنّ اللفظ العربي المعيّن كان له ظهورٌ في معنى(1) معيّن في أيام الشارع، وهذا المعنى مجهول عندهم، ويحتملون أنّ هذا المعنى المعيّن الذي كان في زمان الشارع قد زال وتبدّل إلى غيره، أيضاً بنحو الإجمال؛ فهذا شكّ في بقاء ذاك المعنى الإجمالي المتيقّن على إجماله. وهذا النحو من اليقين والشك هما أركان الاستصحاب الطردي -لا العكسي- لأن هذا الشكّ في طول ذلك اليقين. غاية الأمر أنّ المتيقّن إجمالي والمشكوك إجمالي تبعاً له.

في مثل هذا يبني العقلاء على بقاء المتيقّن على إجماله، وأنّ ذاك المعنى لصيغة (افعل) في زمان الشارع، والذي أدري حتّى الآن ما هو باقٍ على حاله. وبناؤهم على بقاء ذلك المعنى ليس تعبّداً صرفاً، وإنّما هو بناء أماري، لأنّ العقلاء باعتبار نظرهم إلى ظواهر الأمور دون بواطنها، يرون نحو ثبات للغة واستقرار لها، وأنّ اللغة ليس حالها حال سائر موجودات الكون، التي تتصرّم أمام أعينهم، فإنّه ما أكثر الناس الذين يموتون، والأشجار التي تذبل، والأنهار التي تفيض وتغيض، إلاّ أنّه لم يشهد إنسان موت لغة برمّتها وشهد أناس كثيرون تطور اللغة، ولكن بنحو بطيء ونادر. 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

() مثلاً صيغة (افعل) كانت ظاهرة في معنى معيّن هو إمّا الوجوب، أو الاستحباب أو الجامع بينهما. (منه ). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فهذا الثبات النسبي للغة بين ظواهر الكون الأخرى، أوجب أصالة الغلبة في الذهن العقلائي، وأنّ طبع اللغة غير طبع الأشياء الأخرى، وهو أنّ دلالتها تثبت وتستقر. وهذه الغلبة كانت ملاك بنائهم على استصحاب ظهور اللفظ في ذلك المعنى، الذي كان في أيام الشارع، ولذا سميّنا هذا الاستصحاب في بحث الظواهر بأصالة الثبات تسميّة له بنكتته المركوزة.

فالعقلاء يستصحبون طرديّاً أنّ صيغة (افعل) لا تزال تحمل نفس ذاك المعنى الذي كانت تحمله في أيام النبي. ثُّمّ يصيرون في مقام تعيين هذا المعنى. وهنا حيث إنّ هذا الاستصحاب عندهم مثبتاته أيضاً حجّة؛ لأنّه بنحو الأمارية لا بنحو الوظيفة العملية الصرفة، ولهذا يستكشفون تعيين هذا المعنى بالمدلول الالتزامي لهذا الاستصحاب. 

فإنّ هذا الاستصحاب يقول: بأنّ صيغة (افعل) لا تزال تحمل نفس المعنى الذي كان في أيام النبي  ونحن نرى بالوجدان أنّ المعنى لذي تدلّ عليه صيغة (افعل) فعلاً هو الوجوب -مثلاً- فلو لم يكن هو الوجوب في أيام النبي، للزم بطلان ذاك الاستصحاب. فذاك الاستصحاب بالدلالة الالتزامية يدلّ على تعيين هوية ذلك المعنى، الذي كان موجوداً في عصر النبي، فيثبت أنّ ذاك المعنى هو أيضاً الوجوب.

فإثبات ظهور صيغة (افعل) بالوجوب، إنّما هو بلحاظ الدلالة الالتزامية للاستصحاب الطردي، لا بلحاظ توهّم تأسيس قاعدة أخرى للعقلاء اسمها قاعدة الاستصحاب القهقرائي مختصّة بظواهر الألفاظ، التي لا يوجد هناك أيّ 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

منشأ وأيّ نكتة للالتزام بها(1)

والآن نبحث عن الفرق بين القاعدتين بعد فرض عدم شمول (لا تنقض اليقين بالشك) له، إذن فالاستصحاب العكسي يرجع إلى الطردي.

ــــــــــ[73]ــــــــــ

() وهنا قلت له: من الممكن تعميم الاستصحاب القهقرائي إلى موارد أخرى، مثلاً أعلم بأنّني الآن على وضوء، وأشكّ بأنّي قبل ساعة حينما صليّت هل كنت على وضوء أو لا؟ فاستصحب.

 فأجاب: بهذا المعنى من العموم لم يدّعِ أحد أنّه قاعدة. بحيث لو وجدت إنساناً اليوم وشككت وجوده قبل سبعين سنة، فاثبت وجوده حينئذ بالاستصحاب.

 فقلت: يشمله (لا تنقض اليقين بالشكّ) لأن هذا يقين وشكّ. 

فأجاب: لا تنقض اليقين بالشكّ عبارة أخرى عن الاستصحاب الطردي، ونريد أنّ نميّز بينه وبين قواعد أخرى جاءت في كلمات الفقهاء. ومنها الاستصحاب القهقرائي، وهي لم تدّعَ في كلماتهم إلاّ في حدود ظواهر الألفاظ، لم يدّعِ أحد أنّه كلما وجدّت موجوداً فالأصل أنّه أزلي*.

* أصالة الأزليّة في الموجودات ليست من القواعد العامّة. نعم، هي من القواعد العامّة في خصوص باب ظوهر الألفاظ.

أقول: لا يرد شيء في كلام السيّد على كلامي؛ وذلك لأنّه لم يؤخذ في قوله (لا تنقض اليقين بالشكّ)، أن يكون اليقين سابقاً والشكّ لاحقاً، فيمكن استفادة فرصة نقض اليقين بالشكّ، لو كان اليقين فعليّاً، والشكّ متقدّماً وكان للاستصحاب أثر بنحو الشبهة الموضوعية كالمثال المذكور في سؤالي أو بنحو الشبهة الحكمية كاستصحاب عدم جعل الحكم، ونحو ذلك. وكلّه ممكن ولا غرابة فيه. والفقهاء إنّما ذكروا ظواهر الألفاظ كمثال على المطلب فإنّها الصغرى الرئيسية لهذا الاستصحاب في نظرهم، ولا يدلّ ذلك على انحصاره في موردها كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

الفرق بينه وبين قاعدة اليقين 

 

وأمّا الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين: فإنّه يقال عادةً: بأنّ الاستصحاب يكون الشكّ فيه شكّاً في البقاء، وأمّا قاعدة اليقين فيكون الشكّ فيه شكّاً في نفس الحدوث. 

فأنّك تارةً تكون على يقين من إجتهاد زيد، ثُّمّ يُبتلَى زيد بمرض طويل، فنشكّ أنّه بقي على الاجتهاد أو لا. فهنا المشكوك هو بقاء الاجتهاد لا أصل حدوثه، وهو مورد قاعدة الاستصحاب.

 وأمّا قاعدة اليقين، فالشكّ فيها شكّ في أصل الحدوث، لا في البقاء، كما لو كنت على يقين من اجتهاد زيد، ثُّمّ تنبهت إلى أنّ هذا اليقين بلا موجب، فأصبحت تشكّ في هذا المطلب، فيكون شكّك شكاًّ في أصل حدوث الاجتهاد عنده بنحو الشكّ الساري. وهذا هو مورد قاعدة اليقين.

هذا الفرق -بين الاستصحاب وقاعدة اليقين- بنحو الإجمال صحيح، لكن لا بدَّ من تعميقه بمقدارٍ ما لأجل أن يصبح أصحّ.

وذلك؛ لأنّ الشكّ في البقاء بعنوانه ليس مقومّاً للاستصحاب، فإنّه قد يجري من دون شكّ في البقاء أيضاً. وإنّما ينبغي إبدال هذا المائز وهو قولنا: الاستصحاب متقوّم بالشكّ في البقاء، وقاعدة اليقين متقوّمة بالشكّ في 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الحدوث. إلى قولنا: أنّ الاستصحاب متقوّم فُرِغ فيه عن الحدوث –سواءٌ كان شكّاً في البقاء أو لم يكن- وقاعدة اليقين متقوّمة بشكّ لم يُفرَغ فيه عن الحدوث.

وتوضيح ذلك: أنّه قد يتّفق ولو بلحاظ بعض المباني، أنّ الاستصحاب يجري بلحاظ شكّ لا يصدق عليه أنّه شكّ في البقاء، إلاّ أنّه شكّ محقّق لقاعدة نقض اليقين بالشك، التي هي ميزان جريان الاستصحاب. 

مثاله: إنّنا إذا علمنا إجمالاً بحادثة، وقعت إمّا في الآن الأوّل، وإمّا في الآن الثاني، نعلم إجمالاً بوقوعها في أحد الآنين. وعلى فرض وقوعها في الآن الأوّل فهي محتملة البقاء في الآن الثاني. وعلى فرض وجودها في الآن الثاني، إذن، فالآن الثاني ظرف لأصل حدوثها. هنا عندي شكّ في البقاء، لأنّي أشكّ لا محالة في بقاء الحادثة على تقدير أنّها حدثت في الآن الأوّل، إلاّ أنّ هذا الشكّ في البقاء لا يصحّح جريان الاستصحاب؛ لأنّ هذا الشكّ شكّ في بقاء الحادثة في الآن الأوّل. وهي في هذا الآن ليست بمعلومة، والاستصحاب يتقوّم باليقين بالحدوث والشك في البقاء. والشك في بقاء حادثة الآن الأوّل شكّ في بقاء أحد طرفي العلم الإجمالي، لا شكّ في بقاء معلومي بما هو معلومي. 

فإني لو التَفَتُّ إلى الحادثة في الآن الأوّل: لا أدري إن وقعت أو لا، وعلى تقدير الوقوع لا أدرى أنّها بَقيتْ أو لا. فالبقاء مشكوك في عرض مشكوكيّة الحدوث. فمثل هذا الشكّ في البقاء لا يصحّ جريان الاستصحاب (1).

ــــــــــ[75]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان ما محصّله: يعنى أنكم لا تقبلون الشكّ في البقاء التقديري؟ 

فأجاب: يعني أنا أتكلم على مباني من لا يقبله، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هنا نجري الاستصحاب هكذا: بأن ألتفت إلى نفس معلومي الإجمالي
-الذي هو الجامع بين وقوعها في الآنين- وأقول: بأنّ هذا الجامع متيقّن لي، وأنا متيقّن بحدوثه، وإن كنت لا أدري متى حدث: في ضمن الحصة الأولى أو الثانية. فهذا أحد ركني الاستصحاب وهو اليقين بالحدوث. وأنا شاكّ في وجود هذا الجامع في الآن الثاني، ووجوده في الآن الثاني ليس بقاءً لوجوده المتيقّن، بل لعلّه هو نفسه. فإنّه قد يكون بقاءً لو كان قد حدث في الآن الأوّل، وقد يكون هو نفسه لو كان الجامع قد حدث من أوّل الأمر في الآن الثاني.

فعندي متيقّن مفروغ عنه، وعندي مشكوك أيضاً. وهذا الشكّ يمسّ هذا اليقين، على حد ّما يمس كلّ شكّ في البقاء اليقين بالحدوث، أو بنحو أشدّ من المسّ. فا لاستصحاب يكون جارياً، مع أنّ الشكّ في البقاء غير موجود. 

إذن، فبالدّقة، ما هو ركن الاستصحاب ومقوّم له، هو: أن يكون الشكّ قد فُرِغ فيه عن الحدوث، لا أن يكون الشكّ شكّاً في بقاء الحدوث. وهذا موجود في هذا المثال، فإنّني حينما أشكّ في أن الجامع موجود في الآن الثاني أو لا. 

أنا فارغ عن أنّه حدث في أحد الآنين، فالمفروغية عن الحدوث هو الخصيصة الذاتية للاستصحاب، في مقابل قاعدة اليقين لا عنوان الشكّ في البقاء بعنوانه.

الفرق(1) بين الاستصحاب وقاعدة اليقين من حيث إنّ الاستصحاب 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() أقول: إلى هنا تمّ ما قاله في هذه المحاضرة عن الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين، وأود أن ألحق به ما قاله في المحاضرة الآتية عنه لكي نستمر بعد ذلك في التسلسل الطبيعي للكتابة: قال: الفرق… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يتقوّم بالشكّ في البقاء، وقاعدة اليقين تتقوم بالشك في الحدوث. وقلنا بأنّ تدقيق الفرق يقتضي استبدال هذه العبارة بقولنا: إنّ الاستصحاب يتقوّم بما هو أوسع من الشكّ في البقاء، وهو الشكّ الذي فُرِغ فيه عن الحدوث، سواءٌ كان شكّاً في البقاء، أو لم يكن. بينما قاعدة اليقين تتقوّم بشك لم يُفرَغ فيه عن الحدوث. هذا من حيث تقوم القاعدتين بأركانهما.

وأما من حيث نكتة القاعدتين: لو فرض انهما كانتا قائمتين على أساس نكتة أمارية عقلائية. فهناك أيضاً تباين بين النكتتين:

فأنّ نكتة الاستصحاب، لو كان له نكتة أمارية عقلائية، هو غلبة أنّه إذا حدث بقي، يعني الملازمة الغالبية بين الحدوث والبقاء، من دون أن يكون لليقين دخل في هذه النكتة. 

بينما قاعدة اليقين، ليس نكتتها هو الملازمة الغالبية بين الحدوث والبقاء؛ لأنّنا فيها نشكّ في أصل الشيء، فإنّنا صرنا نشكّ في أصل اجتهاد زيد، فلا يمكننا الرجوع إلى تلك الملازمة لإثبات اجتهاده.

وإنّما ملاك قاعدة اليقين ونكتتها، هي كاشفيّة نفس اليقين، حيث إنّ الغالب -مثلاً- فيمن يتيقّن بشيء أن يكون يقينه مطابقاً للواقع، ونحن كنّا متيقنين باجتهاد زيد ثُّمّ طرأ علينا الشكّ. نقول: نلحق هذا اليقين بالأعمّ الأغلب من يقيناتنا، وهو كونها مطابقة للواقع، فهذا اليقين مظنون المطابقة للواقع.

فنكتة الاستصحاب قائمة بالملازمة، بين الحدوث والبقاء ولو غالباً. ونكتة قاعدة اليقين قائمة بكاشفيّة نفس اليقين؛ باعتبار غلبة مطابقته للواقع -مثلاً-. هذا هو الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين. 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

في قاعدة المقتضي والمانع 

 

وأمّا الفرق بين الاستصحاب، وقاعدة المقتضي والمانع:

هنا أيضاً قالوا: بأنّ الفرق بينهما، هو: أنّ الاستصحاب المتيقّن فيه نفس المشكوك وجوداً، غاية الأمر: الحصّة البقائية منه. 

وأمّا في قاعدة المقتضي والمانع، فالمتيقّن شيء والمشكوك شيء آخر مباين له. غاية الأمر يجمعهما جامع وهو أنّهما دخيلان في إيجاد شيء ثالث.

فأنت تتيقّن بأنّ النار لاقت مع الورقة، وتشكّ في أنّه هل هناك رطوبة أو لا؟ فما هو متعلّق اليقين هو الملاقاة: وهو المقتضي، وما هو متعلّق الشكّ وهو الرطوبة: وهو المانع.

هذا أيضاً يحتاج إلى نوع من التحقيق، وهو: أنّ قاعدة المقتضي والمانع التي لا أساس لها، إلاّ توهّم الارتكاز العقلائي. هذا الارتكاز ببعض مراتبه الضعيفة التي لا يُبنى عليها، هي التي يجب أن تكون منشأ في فهمنا لقاعدة المقتضي والمانع.

حينئذ نقول: إنّ هذه القاعدة لا بدَّ وأن ترجع بحسب الارتكاز العقلائي إلى أصالة المانع، يعنى: إلى نفي المانع. وهذا النفي -حيث إنّ البناءات العقلائية ليست على التعبّد الصرف- لا بدَّ أن يكون باعتبار الأمارية الناشئة من حساب 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الاحتمالات والغلبة. بمعنى: أنّ العقلاء حسبوا حسابهم بأنّه في موارد وجود المقتضيات الأغلب أنّه لا يوجد(1) موانع وحالة وجود المانع أقلّ من حالة عدم وجود المانع، وهذه الغلبة اقتضتهم أنّهم متى ما أحرزوا وجود المقتضي وشكوا في وجود المانع الحقوا هذه الحالة بالأعمّ الأغلب، وهو حالات عدم وجود المانع.

فهم في المثال يبنون على أنّ الورقة احترقت، لكن لا يبنون عليه ابتداءً؛ لأنّه يصير بناءً تعبديّاً صرفاً، بل يبنون على هذا، باعتبار بنائهم على عدم المانع، من باب أنّ الغالب في المقتضيات أنّها لا تقترن بالموانع. فبنائهم على وجود الاحتراق في طول بنائهم على وجود المانع، لكي يكون هذا البناء قائماً على أساس نكتة الأمارية كما هو الأصل في الارتكازات العقلائية. فقاعدة المقتضي والمانع، كأنها أصالة عدم وجود المانع، ويترتّب على ذلك وجود الممنوع لا محالة.

بناءً على فهم هذه القاعدة بهذا المعنى، حينئذٍ يقع الكلام في تمييزها عن الاستصحاب من أحد استصحابين: 

الأول: الاستصحاب الجاري في نفس المانع. يعني: ما هو الفرق بين أصالة عدم الرطوبة بقاعدة المقتضي والمانع، وأصالة عدم الرطوبة باستصحاب عدم الرطوبة.

 الثاني: الاستصحاب الجاري في الممنوع المعلول، يعني استصحاب عدم الإحراق أو استصحاب بقائه الذي يختلف باختلاف الحال. 

يقع الفرق بين القاعدة وهذين الاستصحابين. 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() كأن العقلاء لم يكونوا يعيشوا هذا العالم، (منه)، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 [التكييف العقلائي لقاعدة المقتضي والمانع]

بعد هذا(1) نأتي إلى الفرق بينه وبين الاستصحاب:

تارةً: نتكلّم في الاستصحاب الجاري في نفس المانع، يعني استصحاب عدم الرطوبة. 

وأخرى: في الاستصحاب الجاري في الممنوع وهو الاحتراق.

أمّا الاستصحاب الجاري في نفس المانع، وهو: استصحاب عدم الرطوبة، فهو موافق من حيث المؤدّى والمظنون والمجعول، مع مؤدّى قاعدة المقتضي والمانع، بناءً على ما قلناه من أنّ المجعول ابتداءً في هذه القاعدة هو نفي المانع، نفي الرطوبة، واستصحاب عدم المانع أيضاً ينفي الرطوبة.

لكن بينهما فرق من حيث الأركان ومن حيث النكتة: فإنّ الاستصحاب ينفي الرطوبة بلحاظ أنّها لم تكن سابقاً، بلحاظ الملازمة بين الحدوث والبقاء، والأصل أنّ كلّ ما كان من عدم يبقى على عدميّته، ولهذا لا يجري استصحاب عدم الرطوبة إلاّ إذا كان عدمها معلوماً في السابق. 

وأما قاعدة المقتضي والمانع، فهي تجري حتّى فيما إذا لم تكن الحالة السابقة معلومة من حيث الرطوبة وعدمها، فإنّ نكتة الغلبة فيها هو غلبة أنّ المقتضي لا 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

() عنون السيّد المسألة، وتكلّم في نكتة الفرق بين قاعدة اليقين والاستصحاب، ما سجلّناه في المحاضرة السابقة، ثُّمّ عنون قاعدة المقتضي والمانع، وفرقها عن الاستصحاب، وأعطى عنها فكرة كما سبق، وقال: هذا هو التكييف العقلائي لقاعدة المقتضى والمانع. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يُقترن بالمانع، وهذه الغلبة تقتضي البناء على عدم الرطوبة، حتّى لو كانت الحالة السابقة مشكوكة.

فقاعدة المقتضي والمانع والاستصحاب هنا، متّفقان مفاداً، ولكنهما مختلفان روحاً.

والاستصحاب الذي يجري في الممنوع، في جانب الاحتراق، فتارةً يُتصوّر هذا الاستصحاب في مرحلة البقاء، وأخرى يُتصوّر في مرحلة الحدوث. يعني تارةً أعلم بأنّ الاحتراق حدث في اللحظة الأولى، ثُّمّ أشكّ في أنّه هل بقي أو لا؟ لاحتمال أنّ الرطوبة حدثت الآن، فحالت بين الورقة والاحتراق بقاءً. فالاستصحاب استصحاب الاحتراق هنا أيضاً موافق مع قاعدة المقتضي والمانع، فإنّ كليهما يثبت الاحتراق.

وهنا، إذا افترضنا أنّنا اشترطنا في جريان الاستصحاب إحراز المقتضي. فبحسب الحقيقة أيضاً يرجع الاستصحاب إلى إعمال حساب الغلبة في باب المانع، وبيان أنّ الغالب هو أنّ الموانع لا تحدث مع المقتضي، فيرجع هذا الاستصحاب بحسب الروح إلى قاعدة المقتضي والمانع بنحو من الأنحاء. 

نعم، إذا لم نشترط في الاستصحاب إحراز المقتضي، يعني كان يجري حتّى مع الشكّ في المقتضي. حينئذٍ، يكون بملاك آخر، وهو غلبة أنّه إذا حدث بقي.

وأمّا الاستصحاب الجاري في أصل حدوث الاحتراق. لو شككنا من أوّل الأمر في أنّ الرطوبة موجودة أو لا. فنشكّ في أنّ الاحتراق حدث أو لا. فهنا الاستصحاب ينفي الاحتراق، بينما قاعدة المقتضى والمانع تثبته، فيحصل 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التعارض ما بينهما؛ باعتبار نكتتين غلبيّتين: 

نكتة الغلبة في قاعدة المقتضي والمانع، وهي أنّ الغالب في الموانع أن لا توجد ضد المقتضيّات. ونكتة الغلبة في جانب الاحتراق، وهو: أنّ الغالب فيما هو معلوم أن يبقى معلوماً.

فحساب الغلبة في جانب العلّة، يقتضي في المقام أنّ المانع غير موجود، وأنّ العلّة تامّة. 

وحساب الغلبة في جانب المعلول يقتضي أنّ المعلول لم يوجد، وأنّ عدم الاحتراق باقٍ على حاله. 

وحساب الغلبة في جانب العلّة يُقدّم هنا على حساب الغلبة في جانب المعلول، فيكون التأثير الفعلي لقاعدة المقتضي والمانع(1).

هذا تمام الكلام في الفرق بين هذه القواعد الثلاثة، وبه يتمّ الكلام في المبحث الثالث من أبحاث المقدّمة.

وبهذا تم البحث في المقدّمة. ونشرع في ذي المقدّمة.

ــــــــــ[82]ــــــــــ

()  وهنا قلت له: لا بدَّ أن نقدّم الأغلب احتمالاً.

 فأجاب: هذا بحسب الحقيقة دائرة خاصة من تلك الدائرة الكبيرة يعني هناك دائرة كبيرة، بأن ننظر إلى تمام الأمور الوجودية والعدمية في الكون، فنقول: الغالب فيها أنها تبقى. ثم نشكل دائرة أصغر منها، وهي دائرة الأمور التي وجد فيها المقتضي للتبدّل*، ونقول: الأغلب فيها انه يحصل التبدلّ؛ لأنّ الأغلب في المقتضيّات أن لا تُقترن بالموانع. الغلبة في الدائرة الضيقة تحكم على الغلبة في الدائرة الواسعة. 

* وهو الاحتراق في المثال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 





الكلام في أدلة الاستصحاب

 

  • الوجه الأوّل: هو كونه مفيداً للظن بالبقاء
  • الوجه الثاني: السيرة العقلائية 
  • [الوجه الثالث الاستدلال بالروايات] 
  • في الثمرة الأصولية 
  • الثمرة الفقهية

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 





الكلام في أدلة الاستصحاب

 

استُدِلّ على الاستصحاب بوجوه: 

 الوجه الأوّل: هو كونه مفيداً للظن بالبقاء

 

إمّا الظن النوعي، وإمّا الظن الشخصي. 

والمراد من الظن النوعي، دعوى وجود أمارة في باب الاستصحاب، بحيث لو خُلِّيت وطبعها لأفادت الظن، ويكون وجود مثل هذه الأمارة هو ملاك الحجّيّة، سواءٌ خُلَّيت وطبعها خارجاً، أو اقترنت بما يزاحم تأثيرها.

 وأمّا دعوى حجّيّة من باب الظن الشخصيّ، فمعناه: أنّ تلك الأمارة التي لو خليّت وطبعها لأفادت الظن، تكون حجّة بشرط أن تُخلّى وطبعها، بحيث تفيد الظن بالفعل، وإلاّ لو اقترنت بالمانع والمزاحم في مقام الكشف، فلا تكون حجّة.

ويمكن أن يستشهد لإفادته للظن النوعي أو الشخصي، بما سوف يأتي في الوجه الثاني من وجوه الاستدلال، من انعقاد بناء العقلاء والسيرة على الجري على طبق الاستصحاب، مع العلم أنّ العقلاء ليس عندهم تعبّدات صرفه، فهم 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لا يجرون الاستصحاب للتعبّد، وإنّما هم يجرون الاستصحاب كما يجرون سائر الأمارات، بلحاظ جهة كاشفيتها، وأمّاريتها فلو لم يكن الاستصحاب مفيداً للظن النوعي أو الشخصي، لما استقرّ بناء العقلاء في الجري على طبقه. فالسيرة العقلائية التي سوف تأتي دليلاً مستقلاًّ يمكن أن تُجعل دليلاً على ثبوت هذا المدّعي في الدليل الأوّل.

هذا المقدار من البيان يبيّن فقط الصغرى، وهو أنّ الاستصحاب يفيد الظن. أمّا أنّ الظن الُمفاد من الاستصحاب سواءٌ كان نوعيّاً أو شخصياً حجّة، بقي منطقة فراغ في هذا الدليل ولم يبيّن. فلا بدّ أن يُبنى على حجّيّته بدليل آخر، ولو بدليل الانسداد، وبعد تحصيل دليل على الكبرى تتمّ صورة القياس في المقام.

ونحن هنا نعلّق على الصغرى، بعد معلومية عدم إمكان تحصيل دليل على حجيّة كل ظن، لأن دليل الانسداد لم يتم عندنا كما تقدم. ولا يوجد عندنا دليل آخر على حجية الظن الاستصحابي إلا بأن يرجع إلى دعوى السيرة العقلائية وعدم ردع الشارع عنها. يرجع إلى الوجه الثاني الذي سوف يأتي، ولا يكون وجهاً مستقلّاً.

وأمّا من حيث الصغرى، وهو أنّ الاستصحاب هل يفيد الظن أو لا يفيده؟ الصحيح أنّه لا يفيد الظن على إطلاقه؛ لأنّ ملاك إفادة الظن، إنّما هو أمارية الغلبة، وهذه الأمارية بهذا الترتيب لا يمكن دعواها في الاستصحاب.

نعم، يمكن ادعاؤها في موجودات خاصّة، تكون بحسب طبعها باقية 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ومستقرّة، ففي حدود استقرارها يمكن دعوى الغلبة بالنسبة إليها. وأما بنحو القانون الكلّي في عالم الطبيعة، يقال: أنّ الغالب هو البقاء والاستقرار، فمثل هذه الغلبة غير موجودة في الواقع الخارجي أصلاً، إذن فلا منشأ لهذا الظن إلاّ توهّم الغلبة ولا غلبة.

وأمّا الاستشهاد لهذا الظن بالسيرة العقلائية المدّعى انعقادها على العمل بالاستصحاب. فهذه السيرة، وإن كانت في الجملة، بنحو القضيّة المهملة غير قابلة للإنكار، إلاّ أنّها لم تنعقد على الاستصحاب بلحاظ الكاشفيّة المنطقيّة للحالة السابقة، وأن الحالة السابقة تكشف كشفاً ظنيّاً منطقياً عن البقاء حتّى نفتش عن منشأه، حتى نلتزم بالغلبة كمنشأ له.

وإنّما نشأ هذا الجري العقلائي على طبق الحالة السابقة، في كثير من الموارد التي لا يمكن تخريجها على أساس شيء آخر غير الاستصحاب، إنمّا نشأ من الألفة والعادة للحالة السابقة، المؤثر وهميّاً في الإنسان -لا منطقياً- في الاتجاه النفسي نحو افتراض بقاء الحالة السابقة، والغفلة أو الانصراف الذهني عن الشكّ المنطقي في ارتفاع الحالة السابقة.

والدليل على أنّ هذا الميل النفسي عند العقلاء، إلى الاستصحاب، هو ميل ناشئ من مبرّر منطقي هو: أن هذا الميل لا يمكننا أن نصوغه كقضيّة كليّة، وحينما نصوغه كذلك لا نشعر بهذا الميل، وإنّما نشعر به في القضايا الجزئية، كلّ قضيّة قضيّة جزئية.

توضيح ذلك: إنّنا إذا عشنا مع شخص عمره خمسين سنة أو ستين، فنألف 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أنّه حيّ يصبح ويمسي. فمثل هذه الألفة والعادة تجعل عندنا ميلاً نفسيّاً إلى افتراض بقائه حيّاً، والانصراف الذهني عن مبررات الشكّ المنطقي في ارتفاع الحالة السابقة. فنبني على بقائه حيّاً وهماً. وذلك في هذا الشخص بالخصوص وذلك بالخصوص.

ولكن لو صغناها بنحو القضيّة الكليّة، فنسأل: هل أنّ الإنسان إذا بلغ من العمر ستين سنة، هل تظنون أنّه يبقى حيّاً عشر سنوات أو إلى تسعين إلى أنّ تقطعون بالعدم؟ لا نجد عندنا مثل هذا الظن؛ لأنّ كثير من الناس يبلغون ستين سنة ويموتون، أو خمسين أو سبعين، وهكذا(1).

فهذا المطلب في نفسه برهان على أنّ الميل الذي يحسن به العقلاء، على إبقاء الحالة السابقة، قائم على أساس الألفة والعادة، لا على أساس برهان منطقي يولد هذا الظن. 

وحينئذٍ، لا يمكن أن نستكشف من السيرة العقلائية ظنّاً منطقيّاً ببقاء الحالة السابقة.

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذه الملاحظة لو صدقت بالنسبة إلى كلّ فرد، تصدق بالنسبة إلى القضيّة أيضاً، كما هو الحال بالنسبة إلى الأمارات الأخرى القائمة على أساس الغلبة. -مثلاً- نقول: الغالب في الإنسان الذي يوجد في الخارج أن يكون له رأس واحد لا أن يكون له رأسان. فلو سألنا أنّ أي شخص يولد في العالم هل تظنون أنّ له رأساً واحداً أو رأسان؟ هنا، نظن بنحو القضيّة الكليّة بأنّ أي شخص يولد له رأس واحد لا رأسين؛ لأن الظن بأن هذا المولود له رأس واحد وذاك وهكذا.. يشكّل ظنّاً بالقضيّة الكلية، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا هو تمام الكلام في الوجه الأوّل من الوجوه التي استُدِلّ بها على الاستصحاب.

*****

وأمّا (1) الصغرى وهو أنّ الاستصحاب يفيد الظن، فهو أيضاً ممنوع؛ لأن ملاك إفادة الاستصحاب للظن، إنّما هو دعوى الملازمة الغالبية بين الحدوث والبقاء، وحيث تكون هذه الملازمة أمارة ظنية على البقاء، إلا أنَّ هذه الملازمة غير موجودة في الدائرة الكبيرة بما هي كبيرة التي هي محلّ الكلام. 

نعم، قد تكون موجودة في دوائر صغيرة وحدود متفاوتة. فلا يكون هناك ملاك لإفادة الظن.

والشاهد(2) على ذلك من أنّ بناء العقلاء على التمسُّك بالحالة السابقة إنّما هو لأجل ما يخلقه تعايشهم مع الحالة السابقة من ألفة توجب ميلاً نفسيّاً إلى افتراض البقاء والتجاوز عن احتمال الارتفاع. الشاهد على ذلك أنّنا نرى في حالة هؤلاء العقلاء فرقاً بين القضيّة التفصيلية والقضيّة الإجمالية، التي كنّا نعبّر عنها بالقضيّة الجزئية والكليّة، وهذا التعبير لعلّه أحسن. فإنّه في القضايا التفصيلية يميلون إلى افتراض البقاء، وإنّ البقاء هو الأصل. ولو كان هذا البناء 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() عنون السيّد أولاً الوجه الأوّل من أدلة الاستصحاب وتكلّم حوله إلى أن قال:… (المقرِّر).

(2) ثُمّ ذكر الاستشهاد على ذلك بالسيرة، وناقشها بكونها انصرافاً نفسياً لا منطقيّاً ثم قال: والشاهد. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

منهم في القضايا التفصيلية بملاك ظنّي عقلي منطقي، للزم من ذلك أنّه لو جرّدنا منها قضيّة إجمالية بنحو الإبهام أيضاً يشعرون تجاهها بنفس ما يشعرون تجاه القضايا التفصيلية، فلو قيل. بأنّ هناك شخصاً عاش خمسين عاماً، فهل يكون باقياً إلى الآن؟ لا يحسّ في نفسه ذلك الميل الذي يحسّه لو عاش كلّ قضيّة بظروفها، واندمج مع حالتها السابقة وليس هذا إلاّ أنّ كلّ قضيّة حينما تجرّد عن وضعها وخصوصياتها، وتصاغ صياغة كليّة تفقد عنصر الألفة والعادة بالنسبة إليها، ويكون حال هذا الشخص بالنسبة إلى البقاء كحاله بالنسبة إلى الارتفاع(1).

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() وهنا قلت له: يمكن أن يقال: بأن القضايا التفصيلية تكون كافية، لأن الاستصحابات تكون في موارد تفصيلية؟

 فأجاب فيما أجاب: ليس مقصودي النقض بأن أقول أنّه في هذه القضيّة كيف تجرون الاستصحاب حتّى تقولوا إنّه يكفي جريانه بلحاظ القضايا التفصيلية، بل مقصودي: أنّه حيث إنّ وجدان العقلاء لا يحسّ بهذا الميل تجاه هذه القضيّة الاجمالية ويحسّه تجاه القضايا التفصيلية، فيُعرف من ذلك أنّه ميل وهمي، ناشئ من الألفة والعادة الناتجة عن التعايش مع الحالة السابقة، وإلاّ لوكان قائماً على الظن المنطقي، لما كان فرق بين القضايا الإجمالية والتفصيلية، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 





الوجه الثاني: السيرة العقلائية 

 

الوجه الثاني: من الوجوه التي استُدِلّ بها على حجيّة الاستصحاب.

هو السيرة العقلائية، بأن يقال: بأنّ العقلاء انعقد بناؤهم ومعاشهم ووضعهم الحياتي على العمل بالحالة السابقة، ولولا ذلك لاختلَّ نظام الحياة. لو أراد كلّ إنسان في كل ّلحظة برهاناً قاطعاً على بقاء كلّ شيء ممّا كان يؤمن به قبل لحظة، لاختلَّ نظام الحياة، ولأصبح هذا الإنسان إنساناً غير متعارف، يُتّهم من قبل غيره من العقلاء أنّه شاذ، وهذا لا يعني إلاّ أنّ السيرة العقلائية منعقدة على البقاء على الحالة السابقة.

وبعض الناس وسّع الدعوى فقال: إنّها سيرة كلّ ذي شعور، يعني الجامع بين الإنسان والحيوان، فإنّ الحيوانات أيضاً دخيلة في استنباط الحكم الشرعي! ايضاً انعقدت سيرتها على العمل بالحالة السابقة، فإن الحيوانات ترجع دائماً الى البيت الذي خرجت منه.

وأنا نسيت أن أقول في الوجه السابق، أنّ هذا المطلب في الحيوانات بنفسه من مؤيّدات ما قلنا، من أنّ بناء العقلاء على العمل بالحالة السابقة ليس بناءً منطقياً، وإنما هو بناء ناشئ من حالة نفسية، وهذه الحالة موجودة في الحيوان كما هي موجودة في الإنسان.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الكلام في هذا التقريب يقع في مقامين: 

المقام الأوّل: في تقريب السيرة العقلائية، بحيث تكون حجّة على الاستصحاب حيث لا ردع. 

المقام الثاني: في أنّه هل ورد ردع أو لم يرد عن هذه السيرة؟

المقام الأوّل: في حجيّة السيرة 

أمّا المقام الأول: في تقريب السيرة بنحو تكون حجّة على فرض عدم الردع. أمّا أصل بناء العقلاء واستقرار سيرتهم على الجري على الحالة السابقة، فهو ما لا ينبغي إنكاره ولا بدَّ الاعتراف به بنحو القضيّة المهملة. 

ولا أريد أن أقول: إنّ كلّ عاقل هكذا، إذ لعلّ أنّ بعض العقلاء المحقّقين المتعوّدين على الحالة المنطقية في التفكير لا يكونون هكذا. ولكن بنحو القضيّة المهملة لدى العقلاء لا ينبغي إنكار أصالة الحالة السابقة في ارتكازهم وسلوكهم.

وأمّا ما حاوله بعض الأعلام كالسيّد الأستاذ(1)، من إنكار ذلك؛ وذلك بتحليل السيرة العقلائية، حيث قالوا بأنّ العقلاء أنّما يبنون على الحالة السابقة لا لأصالة الحالة السابقة، بل إمّا لاطمئنانهم بالبقاء أو ظنّهم به. وإمّا لغفلتهم من تغير الحالة السابقة، وإمّا من باب الرجاء والاحتياط، فإنّ الاحتياط بالنتيجة حسن. 

وأمّا حيث يقطع النظر عن هذه المناشئ الأربعة فليس هناك أصالة للحالة 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 13.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

السابقة في البناء العقلائي، وإنّما يجري على الحالة السابقة باعتبار أحد هذه المناشئ الأربعة(1).

هذا التحليل في الواقع غير منطبق على الواقع، فإنّ الواقع يشهد بأصالة الحالة السابقة في بناء العقلاء، وهذه الموارد التي أفادوها، جملة منها مبنية على أصالة الحالة السابقة، وذلك هو الغفلة، وهو أكثر موارد البناء على الحالة السابقة، والسبب غالباً في تكوّن الغفلة، يكون في طول أصالة الحالة السابقة. حيث إنّ الأصل هو الحالة السابقة، بالنحو الذي بيّناه وهو أنّ الحالة السابقة تخلق أُلفة وعادة، وهي توجب ميّلاً نفسيّاً إلى افتراض البقاء والتجاوز عن احتمالات الارتفاع. هذا الميل يولّد الغفلة؛ باعتبار الانصراف عن احتمال الارتفاع، فليس أنّ الغفلة والنسيان طبيعة ثانية للإنسان تعرض له، حتّى في غير موارد الحالة السابقة، بل الحالة السابقة هي التي مهّدت لهذه الغفلة، وألفت بالإنسان فيها؛ باعتبار الميل النفسي أي غض النظر عن احتمال الارتفاع، فحال الغفلة هو الغالب، باعتبار وجود سبب لها. فالغفلة لا يمكن أن تعتبر سبباً في عرض أصالة الحالة السابقة، بل هو من نتائجها غالباً في النظر العقلائي. 

فهذا التحليل لا يكفي لإبراز عدم أصالة الحالة السابقة، بل الوجدان قائم على ثبوتها.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هل المراد من الأصالة غير الظن؟

 فقال: الأصالة يعني كون الحالة السابقة، بما هي توجب البناء عليها، بقطع النظر عن أمارة ظنية في بعض الأحيان وهو حساب الاحتمالات في صحّة هذا الشخص ومرضه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ويؤيّد ذلك شهادة جماعة من الأكابر واعترافهم، بأنّ السيرة منعقدة على ذلك، حتّى إنّ الميرزا قال: لو لم تكن السيرة منعقدة على ذلك؛ لاختلَّ النظام(1)

وهذا الكلام صحيح، فإنكم تصوروا أنّه لو لم توجد مثل هذه الغفلات عن احتمال الارتفاع، وكان كلّ إنسان بمجرّد أن يحتمل الارتفاع منطقيّاً، يثبت الاحتمال في ذهنه، ولا يوجد عنده ميل نفسي يوجب صرف نظره عن احتمال الارتفاع، ويكون في مقام الاحتياط والفحص. لترتّب على ذلك كثير من اختلالات النظام، وإنّما انساقت الأمور في المجتمعات العقلائية؛ باعتبار بركة هذه الغفلة، الناشئة من الميل النفسي إلى التجاوز عن احتمال الارتفاع.

فالإنصاف أنّ صغرى استقرار البناء العقلائي على أصالة الحالة السابقة ممّا لا يعني إنكاره.

ولكن يبقى الكلام في أنّنا نقرّب هذه السيرة بنحو تكون حجّة على الحكم الشرعي، ويكون ذلك بأحد تقريبات ثلاثة:

التقريب الأوّل: أنّ السيرة العقلائية على أصالة الحالة السابقة ولو من باب الميل النفساني، جرى عليها العقلاء في الأمور الشرعية، كما جروا عليها في أمور معاشهم. فجروا عليها في الأحكام والموضوعات الشرعية، تحت سمع الشارع وبصره، فكانوا كلما شكّوا منطقيّاً في بقاء الحالة السابقة، فيما يرجع إلى الشارع، بنوا على البقاء وغضّوا النظر عن احتمال الارتفاع.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 4: 232.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحينئذٍ، الشارع إمّا أن يكون غرضه خلاف ذلك، وإمّا أنّ يكون غرضه موافقاً له. 

فإن كان موافقاً له، فهذا هو معنى الإمضاء، فقد ثبت أنّ الشارع يرضى من العقلاء في أن يبنوا على الحالة السابقة، وهذا معناه جعل الحجيّة للاستصحاب. 

وأمّا أن يفرض أنّ الشارع غرضه خلاف ذلك، وكان لا بدَّ له في مقام حفظ غرضه وعدم فواته، لا بدَّ له من الردع، فيستكشف من عدم الردع الإمضاء. وحينئذٍ، لا يبقى كلام إلاّ المقام الثاني وهو أنّه هل صدر ردع من الشارع أو لا؟

إلّا أنّ هذا التقريب هل هو تام، يعني هل يمكننا الجزم بأنّ العقلاء عملوا بهذا الميل في الأحكام الشرعية؟ سوف يأتي الكلام عنه. 

فإنّ ما عجزنا عن إنكاره حتّى الآن، هو أنّ العقلاء بطبعهم يبنون على الحالة السابقة، أمّا أنّهم هل جروا على هذا الطبع في الأحكام الشرعية، أو لم يجروا عليه؟ فهذه مؤونة زائدة، ومن يقرّب السيرة بهذا التقريب عليه عهدة إثبات ذلك، وهذه مؤونة زائدة تحتاج إلى بحث زائد.

التقريب الثاني: من تقريبات السيرة. هو أن يقال: إنّنا لا ندري أنّ العقلاء هل جروا على طبق هذا الطبع، أو لا بالنسبة إلى الأحكام الشرعية؟ ولكن القدر المتيقّن أنّ لهم مثل هذا الطبع في أغراضهم التكوينية، وكلّ إنسان في وضعه الطبيعي الخارجي يجري على هذا الطبع. 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إلاّ أنّ هذا البيان بهذا الحدّ، لا يمكن أن يقتضي منه الحكم الشرعي؛ لأنّ مثل هذه السيرة لا ربط لها بالشارع، ولا يعلم أنّه يرضى أو لا، فلو كان التاجر يرتّب الأثر على وجود وكيله في البصرة ويحول له الحوالات، فالشارع غير ملزم بردع هذا التاجر عن هذا العمل، لو لم يكن يجعل الاستصحاب في الأحكام الشرعية؛ لأنّه مربوط بأغراض التاجر المباشرية وغير مربوط بأغراضه التشريعية، فلا يستكشف من عدم الردع أنّه أمضى إجراء الاستصحاب في الأحكام الشرعية.

ولهذا؛ لا بدَّ من إضافة نكتة إلى هذا التقريب، وهو: أنّ استقرار الطبع العقلائي على أصالة الحالة السابقة في أغراضهم التكوينية، وأنّ كان أجنبياً عن ميدان الأحكام الشرعية، إلا أنّ مثل هذا الميل الطبعي إذا استعمل عند العقلاء فلا محالة يشكل خطر السريان إلى الأحكام الشرعية أيضاً. 

فلا بدَّ للشارع في مقام التحفّظ على غرضه من أن يبيّن: أنّي في أحكامي لا أرضى بإجراء هذا الطبع الذي تجرون عليه في أغراضكم التكوينية، وحينئذٍ يكون عدم الردع من قبله كاشفاً عن الإمضاء.

والفرق بين هذا الوجه، والوجه السابق، أنّه هناك فرضنا أنّ العقلاء جروا بالفعل على طبق طبعهم في الأحكام الشرعية. أمّا هنا فلا نريد أن نتعّهد بذلك الجري حتّى يسأل عن الدليل عليه، وإنّما نقول: إنّ هذا الطبع العقلائي القاهر، الذي هو أساس تعاملهم في أغراضهم التكوينية، يشكّل غرض السريان إلى الأحكام الشرعية؛ لأنّ الإنسان إذا استفحلت فيه عادة، فلا بدَّ أن يجري عليها حتّى في أغراض مولاه، غافلاً عن أنّ هذا القياس في غير محلّه؛ لأنّه إذا كان 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يشخِّص أن أغراضه التكوينية لا تأبى عن الاستصحاب، ولا تقتضي منه الاحتياط، فلعلّ أغراض مولاه بدرجة من الشدّة والأهميّة بحيث تأبى عن التحويل على الحالة السابقة. 

لكن عدم منطقية هذا القياس وبطلانه، لا يمنع عن تشكيل هذا القياس، لا يمنع عن تشكل سريان هذه العادة من باب قوة العادة واستفحالها. وحينئذٍ، يكون من مسؤولية الشارع التحفّظ على غرضه بالردع، ويستكشف من عدم الردع الإمضاء.

التقريب الثالث هو: أن يقال: بأنّ السيرة العقلائية جارية على الاستصحاب في علاقات الموالي مع العبيد، لا في الأغراض التكوينية، كما كان في الوجه الثاني: أمّا هنا فنقول: بأنّه(1) لو تقمّص قميص المولى وصار له أغراض تشريعية وصار يصدر أوامر إلى غيره، حينئذٍ، يجعل على غيره الاستصحاب حجّة.

وهذا التقريب يختلف عن الثاني، إذ يُدّعى هناك جعل الاستصحاب أصلاً بالنسبة إلى الأغراض التكوينية للعقلاء. وهنا يُجعل أصلاً بالنسبة للأغراض التشريعية لهم.

وحينئذٍ، فمثل هذه السيرة بمرّ العقل والمنطق، لا تمسّ المولى شيئاً؛ لأنّ معناها أن أي واحد من العقلاء يتقمّص قميص المولوية، يرى أنّ أغراضه الواقعية لا يريد أن يتحفّظ عليها بأكثر من حافظية الاستصحاب لها، فيُجعل الاستصحاب، فإنّ كلّ مولى له الحقّ في أن يقدر درجة اهتمامه بأغراضه. ولكن لا 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

() يعني أحد العقلاء، (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يمكن أن يُقال مولى على مولى آخر، فلعلّ المولى الحقيقي تختلف درجة اهتمامه بأغراضه عن درجة اهتمام العقلاء بأغراضهم التشريعية،فكون أغراضهم لا تأبى عن جعل الاستصحاب، لا يلزم من ذلك أن تكون أغراض المولى الحقيقي، وتأبى عن الاستصحاب، فبحسب مرّ العقل لا ربط لهذه السيرة بالمولى.

ولكن مع هذا يأتي خطر السريان الوهمي، بالتقريب السابق، وهو: أنّ العقلاء، حيث إنّهم عاشوا شرائعهم العقلائية، وقوانينهم الوضعية مبنية على الاستصحاب، فأصبحوا عِرضة لوهم الجريان على الاستصحاب بالنسبة إلى الأحكام الشرعية، وعدم التمييز بين دائرة أحكام الشارع والدوائر العقلائية، فشكّل هذا خطراً على الأغراض المولويّة. فحينئذٍ، يأتي نفس الكلام السابق.

وهو: أنّ الشارع إذا كان لا يرضى بالاستصحاب في أغراضه وأحكامه، ينبغي له أن يقول ذلك فيُردع، وما لم يُردع يستكشف من عدم الردع الإمضاء.  هذه تقريبات ثلاثة للسيرة العقلائية.

وقد اتّضح من ذلك، أنّ التقريب الأوّل منها، لا يحتاج إلى ضمّ مقدّمة السريان الوهمي، ولكن التقريبين الأخيرين يحتاج إلى ضمّ هذه المقدّمة، الذي يوجب مسؤولية المولى في مقام الردع.

والصحيح(1) من هذه التقريبات هو التقريب الوسط، دون الأوّل والثالث.

أمّا الأوّل، وهو دعوى أنّ السيرة العقلائية انعقدت على العمل 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() لخّص أولاً التقريبات الثلاثة السابقة للسيرة العقلائية، ثم قال: والصحيح… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بالاستصحاب، حتّى في الشرعيات، حتّى في أيام النبي والأئمّة. فهذا محالٌ أن نحرزه في المقام. فإنّنا نحتمل بأنّ المتشرّعة في أيام النبي والأئمة لم يكونوا يعملون بالاستصحاب لوجود منبّهات خاصّة أوجبت عندهم عدم العمل به. ولم نحرز أنّهم سروا على طبق هذا الميل، حتّى في الأحكام الشرعية، فإنّ الارتكاز في ذهن المتشرّعة بأنّ الحكم الشرعي يجب أن يؤخذ(1) من النبي والإمام، ولا يُعوّل عليه فيه على شيء آخر، ونحوه من الارتكازات، المنبّهة للمتشرعة، بحيث لم يسرِ هذا الميل إلى ميدان الأحكام الشرعية.

ومّما يجعلنا أقرب ميلاً إلى ذلك هو دعوى كثير من العلماء، إجماع السلف الصالح، على عدم حجّيّة الاستصحاب، فإنّ علماءنا المحدّثين هم ينقلون بأنّ السلف من علمائنا كانوا جميعاً لا يرون حجّيّة الاستصحاب، وإنّما كانت من الأمور المتأخّرة على يد الأصوليين، وهذا النقل على الأقل يوجب احتمال أن يكون الأمر هكذا، ومعه كيف يبقى هناك وثوق بأنّ أصحاب الأئمّة والمتشرّعة في تلك الأزمنة، كانوا يعملون بالاستصحاب. من قال أنّهم كانوا يعملون به؟

ولا يمكن أن تقاس هذه السيرة على السيرة بالعمل بخبر الواحد، فإنّ سيرة العقلاء على خبر الثقة نحن نجزم على أنّها سرت إلى ميدان الأحكام الشرعية، والشواهد على أن رحى الاستنباط عند أصحاب الأئمّة كانت على أخبار الثقات كثيرة جدّاً، والاجماعات المنقولة على أن ديدنهم كان على هذا 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() هذا إنما ينفي جريان الاستصحاب في الأحكام لا في الموضوعات، فإنّ هذا الارتكاز لم يكن موجوداً بلا إشكال؛ لعدم إمكان الرجوع فيها إلى الأئمّة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

واضحة، فلا ينبغي أن يُقاس هذا بذاك، فإنّ مثل هذا غير موجود في السيرة العقلائية على الاستصحاب(1).

فالوجه الأول غير تام.

وكذلك الوجه الثالث: وهو أنّ العقلاء بما أنهم يتقمّصون قميص المولويّة، يجعلون الاستصحاب منجّزاً ومعذّراً. فإنّ عهدة ذلك على مدّعيه.

وهذا بخلاف الوجه الثاني، وهو: أنّ العقلاء بما هم عقلاء، يمشون على طبق الاستصحاب في أغراضهم التكوينية، وهذا يشكّل خطراً على الشارع، فيستكشف من عدم الردع الإمضاء. هذا هو الكلام في المقام الأوّل.

المقام الثاني: في الردع عنها 

وهو أنّه هل صدر ردع من الشارع أو لا؟

فقد ذكر المحقّق الخراساني بأنّ الردع موجود؛ وذلك بالعمومات والمطلقات الناهية عن العمل بغير العلم وأدلّة البراءة والاحتياط، فإنّ مقتضى تلك العمومات، أنّ كلّ ما لا يكون دليلاً قطعياً لا يجوز التعويل عليه في باب 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

() وهنا قلت له: هذا بغض النظر عن قوله (لا تنقض اليقين بالشكّ)، وإلاّ فإنّ هذا كان واصلاً إلى أصحاب الأئمة. 

فقال: نحن نتكلّم الآن بقطع النظر عن الروايات، وهذه الروايات من المحتمل أن تكون مغفولاً عنها، كمّا غفل عنها جميع علماء الشيعة إلى أيام والد الشيخ البهائي، فإنّ كثيرين بحثوا الاستصحاب، وقالوا بحجّيّته أو بعدمها ولم يستدلّ أحد منهم -على ما يقول الشيخ الأنصاري- بروايات الاستصحاب، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأحكام الشرعية، ومن المعلوم أنّ الاستصحاب ليس دليلاً قطعيّاً، وأنّ إطلاقات أدلّة البراءة والاحتياط، أيضاً تكون رادعة عن الاستصحاب؛ لأنّه يُعارض مع البراءة تارةً، ومع الاحتياط أخرى، فإطلاقهما يكون رادعاً عن السيرة العقلائية القائمة على الاستصحاب(1).

قال هذا في المقام. وفي بحث خبر الواحد حينما استدلّ على حجيّته بالسيرة، واعترض على ذلك بأنّها مردوع عنها بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ، هناك قال بأنه لا تعقل هذه الرادعية(2). بينما بنى هنا على الرادعية.

أمّا تحقيق أصل المطلب، وهو: أنّ هذه الأدلّة هل تكون صالحة للرادعية، ولو بلحاظ تلك السيرة المنعقدة في خبر الواحد، فضلاً عن هذه السيرة في الاستصحاب. أو لا تكون صالحة؟ وأنّ ما بيّنه صاحب الكفاية هناك، من البراهين هل هو تام أو لا؟ 

كلّ هذا سوف لن نبحثه هنا؛ لأنّه تقدّم في بحث خبر الواحد مفصّلاً. وإنّما سوف نقتصر هنا على بيان أنّه هل هناك فارق فنّي بين المسألتين أو لا، بحيث يمكن أن يُقال بأنّ السيرة القائمة على خبر الواحد لا يمكن الردع عنها، وأمّا هذه السيرة القائمة على الاستصحاب، فيمكن الردع عنها. أو نعبّر أنّ تلك السيرة يمكن إثبات الحجّيّة بها وهذه السيرة لا يمكن إثبات الحجّيّة بها(3) 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

() انظر: كفاية الأصول: 387.   

(2) انظر: كفاية الأصول: 304.  

(3) أو بتعبير آخر: بنينا على نتيجة التعارض بين السيرة والعلم الفوقاني – الآيات الناهية وأدلة البراءة- هو الحجّيّة، فهل يلزمنا البناء على ذلك في مسألتنا أو لا ملازمة بين البناء على الحجّيّة في تلك المسألة والبناء عليها؟ هنا بعد التعارض بين الحجّيّة والعام، فيمكن أن يفكك بين المسألتين فيبُني هناك على الحجّية بحسب النتيجة، وهنا على عدم الحجّية (محاضرة غد)، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

سواءٌ كان هذا الفرق المتصوّر ملحوظاً لصاحب الكفاية أو لم يكن(1)؟

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() أقول: قلت له بعد البحث: إنّ الردع إنّما يصدق إذا كان موضوع السيرة وموضوع الأدلّة الرادعة واحداً وهو الاستصحاب. وأمّا إذا كان كلّ منهما حكماً على موضوع غير الموضوع الآخر، فلا يكون رادعاً.

 فقال: يعني تنتهي النوبة إلى المعارضة.

 فقلت: إذا انتهت النوبة إلى المعارضة كان الاستصحاب حاكماً ومقدّماً بنحو من الأنحاء.

 فقال: إنك تسأل عن الوجه في أصل تقديم إطلاق دليل ورادعيّته عن السيرة، ولا كلام لنا فيه فعلاً، وقد بحثناه في مبحث خبر الواحد.

 فقلت: وهل توصلتم إلى كونه رادعاً؟ 

فقال: لا.

 فقلت: إذن هذا موافق لرأي في عدم إمكان رادعية أدلة البراءة والاحتياط عن السيرة في الاستصحاب. 

فقال: ليس كلامنا في ذلك، وإنّما الكلام في الفرق بين المسألتين فقط، بعد فرض عدم ثبوت الردع هناك. 

فقلت: إنّني أردت أن أعرف تصوّراً كيفية الردع؛ لكي أفهم سائر ما يتفرّع عليه. فسكت دام ظله.

 أقول: والذي يخطر لي: أنّ حكومة الاستصحاب على أدلة الاحتياط والبراءة فرع ثبوت الاستصحاب. فلو كانت السيرة مردوعاً عنها سقط الاستصحاب عن الحجيّة ولم يصلح للحكومة. وبما أنّ السيرة من الأدلة اللبيّة التييُقتصر فيها على القدر المتيقّن، فيصلح إطلاق هذه الأدلة عن الردع، عن السيرة في مورد التعارض؛ لأنّ القدر المتيقّن من رضاء الشارع بالسيرة هو غير هذا المورد. إلا أن يقال: بأنّ السيرة من الرسوخ والعمق في أذهان العقلاء، بحيث لا يكفي إطلاق بعض الأدلّة التي ليس لها نظر إلى السيرة بالخصوص، للردع عنها، وإنّما تحتاج إلى أدلّة خاصّة متظافرة، كالردع عن القياس، تصلح في مقام الردع. ولعلّ هذا هو ما أشار إليه السيّد. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في وجوه الفرق بين السيرتين 

ما قيل أو يمكن أن يُقال من الفرق بين السيرتين ثبوتاً(1) عدة وجوه:

الوجه الأوّل للسيّد الأستاذ ومناقشته

الوجه الأوّل: ما ذكره السيّد الأستاذ. وحاصله أنّه قال: هناك فرق بين المسألتين من ناحية، وهي أنّه لو بنينا في موارد كبرى المسألة، وهو وجود سيرة ووجود عموم رادع، على تكافؤ الدليلين، فلا نبني على حجّيّة السيرة وتخصيص العموم بها، ولا على حجّيّة العموم بها، ورادعيّته للسيرة. حينئذٍ(2) 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

() بحيث تكون النتيجة هناك في صالح الحجّيّة، وهنا في صالح التوقّف عنها، (المقرِّر).

(2) حينئذٍ، لا بدَّ من الرجوع إلى الأصول العملية، والأصول العملية في مصلحة حجّيّة خبر الواحد، وليست في مصلحة حجّيّة الاستصحاب؛ وذلك: (محاضرة غد)، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

تختلف النتيجة هنا، والنتيجة هناك.

لأنّه هناك في بحث خبر الواحد، كنّا ندّعي قيام السيرة على العمل بخبر الواحد، وكان يُدّعى أنّها وجد لها رادع، وهو: عموم الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، ومن المعلوم أنّ هذه الآيات لم تجيء في اليوم الأوّل من نزول الشريعة، فنحن ننقل الكلام إلى ما قبل مجيء هذه الآيات، فنرى أنّه لم يكن هناك ردع. إذنّ فيثبت الحجّيّة حينئذٍ؛ لأنّ السيرة موجودة ولم يُردع عنها.

ثُّمّ بعد هذا جاءت هذه الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، ووقع تعارض بين مخصّصية السيرة للعمومات، وبين رادعية العمومات للسيرة، وفرضنا التكافؤ والتساقط فيما بينهما، فمعنى هذا أنّنا نبقى شاكّين لا ندري أنّ خبر الواحد، بعد مجيء الآيات الرادعة هل زالت حجّيّته أو لا يزال على حجّيّته، فنستصحب حجّيّته؟

هذا الكلام هناك معقول، أمّا هنا فغير معقول، بأن نقول: بأنّه في أوّل البعثة كانت السيرة على الاستصحاب موجودة ولم يردع عنها النبي. ثُمّ جاءت الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، فوقع تعارض بين رادعيّتها عن السيرة ومخصصيّة السيرة لها، فتساقطا، فمعنى هذا أنّنا نشكّ في بقاء حجّيّة الاستصحاب وعدم بقائه، فهنا لا يمكن إثبات بقاء حجّيّة الاستصحاب بالاستصحاب؛ لأنّنا فعلاً نتكلّم عن حجّيّته، فيكون دوراً(1).

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() انظر: دراسات في علم الأصول 3: 189-190. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا الكلام غير تام: 

أمّا أولاً: فلأننا في المسألة الأولى أيضاً لا يمكن أن نجري استصحاب حجّيّة خبر الواحد -كما لا يجري هنا-؛ لأنّ مدرك الاستصحاب هو صحيحة زرارة التي ثبتت حجيّتها بأدلّة حجية خبر الواحد(1). فإذا كنّا شاكّين في أنّ السيرة على حجّيّة خبر الواحد بقيت غير مردوع عنها أو لا، يمكنّنا أن نثبت ذلك بالاستصحاب الذي هو في طول حجّيّة خبر الواحد(2)

وأما ثانياً: فلأنَّ استصحاب بقاء الحكم في موارد الشك في النسخ، يمكن أن يُدّعى أنّ هذا لا يتوقّف حجّيّته على دليل الاستصحاب المعهود؛ لأنّ استصحاب عدم النسخ أُدعيّ من قبل كثير من العلماء الإجماع على عدم حجّيّته، وأنّ الأصل هو عدم النسخ، وجملة من المحقّقين، ومنهم الشيخ، صرحوا بأنّ استصحاب عدم النسخ خارج عمّا هو محلّ الكلام.

 فبعد فرض الركون إلى هذه الإجماعات المستفيضة المدّعاة لاستصحاب عدم النسخ(3)، يمكن الركون إلى استصحاب بقاء حجّيّة الاستصحاب، ولا ــــــــــ[105]ــــــــــ

() فدليل الاستصحاب في طول دليل حجية خبر الثقة، فلو أُريد إثبات حجّيّة خبر الثقة بالاستصحاب لكان محالاً، والاستدلال على البراءة بالآيات لا يعترفون به صاحب الكفاية والسيّد الأستاذ (المحاضرة). (المقرِّر).

(2) وقال جواباً على سؤال: وأمّا السيرة -كدليل على الاستصحاب- فهي محلّ الكلام، وأنّ الاستدلال بالسيرة غير تامّ، هكذا يريد السيد الخوئي، (المقرِّر). 

(3) وعليه، فيمكن إجراء الاستصحاب في كلتا المسألتين هنا وهناك؛ لأنّه ثابت بدليل مستقل، وخارج عما هو محلّ النزاع في المقام (محاضرة غد)، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يلزم من هذه الناحية دور.

هذا هو الوجه الأوّل في الفرق بين السيرتين، وقد تبيّن أنّه ليس فنيّاً.

الوجه الثاني: 

الفرق الثاني(1): شبيه بالفرق الأوّل، وهو أنّه هنا يمكن أن يُقال: بأنّ ما يكون ردعاً عن السيرة أحد أمرين: إمّا عمومات الآيات الناهية عن العمل بالظن، وإمّا أدلّة البراءة. -فإنّ أدلّة(2) البراءة في نفسها أيضاً رادعها السيرة القائمة على حجّيّة خبر ثقة على حكم إلزامي- أو استصحاب على حكم إلزامي. ومن هنا قلنا إنّه إذا ثبت دليلّ حجّيّة خبر أمارة إلزامية، يكون تخصيصاً في إطلاقات أدلّة البراءة.

وحينئذٍ يقال: بأنّ كِلا هذين الدليلين لا يصلحللردععن السيرة، القائمة على حجّيّة خبر الثقة، أمّا الآيات الناهية عن العمل بالظن؛ فلأنّها إرشادية وليست مولويّة، كما ذكره صاحب الكفاية هناك(3)، فإنّ معناه: أنّك لا يجوز لك أن تعوّل إلاّ على اليقين، ولو باليقين في آخر السلسلة. ومن المعلوم إنّ من يعوّل على أي أمارة ظنيّة فهو معوّل على اليقين بحجيّتها. 

فالآيات ليست في مقام بيان أنّ الظنّ ليس بحجّة، وإنّما في مقام بيان 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

() مبني على أنّ السيرة حجّة ما لم يثبت الردع عنها، كما هو مختار صاحب الكفاية. فحينئذٍ، نقول: إنّ الردع في مسألة خبر الواحد لم يثبت، ولكنّه هنا ثبت. (محاضرة غد)، (المقرِّر).

(2) كقوله: “كلّ شيء حلال“، أو “رفع ما لا يعلمون“. (المقرِّر).

(3) انظر: كفاية الأصول: 259.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

استقلال العقل، في أنّ العبد يجب أن يحصّل المؤمّن بالنتيجة، والمؤمّن إمّا نفس القطع بالحكم الواقعي، أو بقطع بحجّيّة الحكم الظاهري المنجّز والمعذّر عن الحكم الواقعي.

إذن، فالآيات لا تكون نافية لحجّيّة الأمارة الظنيّة، إذا كنّا قاطعين بحجّيّتها ولو بالسيرة العقلائية.

وأمّا إطلاقات أدلّة البراءة، فلا يمكن أن تكون رادعة أيضاً؛ لأنّ أدلّتها لم تكن إلاّ بأخبار الثقات(1). فلا يمكن أن تكون رادعة عن السيرة العقلائية، التي هي مدرك حجّيّة أخبار الثقات، فيستحيل أن تكون أدلّة البراءة رادعة عن خبر الثقة؛ لأنّها لا تكون حجّة، إلاّ في طول تماميّة حجّة خبر الثقة.

وأمّا في الاستصحاب، فالآيات الناهية عن العمل بالظنّ، وأنّ فُرِض بطلان رادعيّتها بعد أن حملناها على الإرشاد، ولكن إطلاقات أخبار البراءة لا بأس برادعيّتها؛ لأنّ أخبار البراءة لم تثبت حجّيّتها بالاستصحاب، وإنّما ثبتت حجّيتها بخبر الثقة، فلا بأس بكونها رادعة عن السيرة القائمة على الاستصحاب. وحينئذٍ فهذه الرادعية هناك مستحيلة، وهنا غير مستحيلة. فالرادع عن السيرة الاستصحابية ثبت، ولكن الرادع عن السيرة الخبرية لم يثبت؛ لأنّ ثبوته هناك دوري وثبوته هنا ليس دورياً.

الوجه الثالث: 

الوجه الثالث للفرق ما بين الموردين: هو أنّ السيرة نعلم بجريانها في 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() التي تتوقّف حجّيّتها على تمامية حجّيّة خبر الثقة، (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأحكام الشرعية في خبر الواحد، فإنّنا نعلم بأنّ المتشرّعة كان مبناهم على العمل به في موارد الأحكام الشرعيّة، وصاحب الكفاية هناك هكذا عبّر عن السيرة، قال: إنّ العلماء والمتشرّعة في جميع الأعصار أجمعوا على العمل بخبر الثقة، بما هم عقلاء(1). إذن، فقد فرض أنّ السيرة العقلائية سرت إلى ميدان الأحكام الشرعية، وطُبّق مقتضاها عليها.

وأمّا هنا، فالصيغة التي بُيّن فيها السيرة العقلائية على الاستصحاب، لم يُفرَض فيها جريان الاستصحاب، وتطبيقه على الأحكام الشرعية(2). فهناك فرق موضوعي بين السيرتين، فإنّ السيرة هناك يُعلم بجريانها، حتّى في موارد الأحكام الشرعية، وهنا لا يُعلم بذلك، وهذا الفرق الموضوعي يُنتج فرقاً في مقام الاستدلال.

وذلك: أنّ السيرة الخبرية إذا كان يعلم أنّها انعقدت من قبل العلماء والمتشرّعة، ولو بما هم عقلاء، على العمل بأخبار الثقات في موارد الأحكام الشرعية. فهذا في نفسه يكون كاشفاً ظنيّاً معتبراً عن عدم الردع، لأنّه كيف أنّ العلماء والمتشرّعة من أصحاب الأئمة يبنون على هذا مع وجود ردع(3)؟ 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() انظر: كفاية الأصول: 303. 

(2) وعلم أنّ الفقهاء من أصحاب أئمتنا كان مبناهم على الاستصحاب خارجاً. بل ذكرنا بالأمس بأنّ مثل هذا قد لا يكون مظنوناً فضلاً عن أن يكون معلوماً (محاضرة غد)، (المقرِّر).

(3) وإلاّ لارتدع عنها المتفقهة في خلال أيام الأئمة. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فهذا يوجب اطمئناناً عقلائيّاً معتبراً في نفسه على عدم الردع، فلا نحتاج هناك إلى دليل من الخارج على عدم الردع؛ لأنّ السيرة بنفسها دليل على عدم الردع فتتمّ بذلك حجيّة نفسها. وإنّما نحتاج بأنّ لا يثبت الردع من الخارج(1).

 وهذا بخلافه هنا، فإنّ السيرة العقلائية على الاستصحاب، لم يُحرز جريانها في موارد الأحكام الشرعية(2)  فهي بنفسها ليست دليلاً على عدم الردع، وإنّما يحتاج إلى دليل من الخارج على عدم الردع، ولو من باب أن نقول: لو كان هناك ردع، لوصل إلينا، ولم يصل إلينا، فلا ردع(3).

فاذا اتّضح هذا يقال: إنّ السيرة هناك حيث هنا بنفسها توجب ظنّاً قويّاً معتبراً على عدم الردع، وفي مقابلهِ عموم وإطلاق، ومثل هذا العموم والإطلاق لا يقابل هذا الظن الاطمئناني بعدم الردع، الناشئ من نفس السيرة بالبرهان الإنّي. وأمّا في المقام فالسيرة بنفسها ليست برهاناً إنّياً على عدم الردع، 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() وإذا تمّت حجيّتها، فتصبح مخصّصة ومقيّدة للمعلومات الناهية عن العمل بالظن. (محاظرة غد). (المقرِّر).

(2) من قبل أصحاب الأئمة. وإنمّا الذي أحرزناه هو وجود الميل العقلائي إلى الاستصحاب وهو بنفسه لا يكون دليلاً على عدم الردع؛ لأنّ الطبع العقلائي في نفسه يلائم مع صدور ردع ومع عدم صدوره (محاضرة غد). (المقرِّر).

(3) هذا الدليل يكون في المقام باطلاً إذ لعله ردع بهذه العمومات وقد وصلت إلينا، فيكون وصول العمومات إلينا موجباً لعدم تماميّة الدليل على عدم الردع من الخارج. والمفروض في هذا الوجه أنّ حجية السيرة تتّوقف على الدليل على عدم الردع، لا أنّه يكفي فيه عدم الدليل على الردع. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وإنما لا بدَّ أن يثبت عدم الردع من دليل من خارج.

 وحينئذٍ، يكفي في مقام التشكيك فيه وجود وإطلاق أو عموم في أدلّة البراءة والاحتياط والآيات الناهية عن العمل بالظن، بحيث تصلح للردع عن مثل هذه السيرة. هذا هو الفرق الثالث.

الوجه الرابع(1):

هو أنّنا لو فرضنا، أنّ السيرة الخبرية كانت محرزة الانطباق على الأمور الشرعية بخلاف السيرة الاستصحابية. لكن نتنزّل عمّا قلناه في الوجه السابق، من أنّ السيرة الخبرية بنفسها تكون دليلاً على عدم الردع، بل هنا نُبدي هذا الاحتمال: وهو أنّ الأئمّة ردعوا لكن أصحاب الأئمّة غفلوا ولم يفهموا معنى الردع، ولم يلتفتوا إلى المقصود، فبقوا مستمرّين على عملهم. فلا نعتبر وجود السيرة بنفسه كاشفاً عن عدم الردع.

حينئذٍ، نقول: بأنّ السيرة الخبرية إذا كانت شائعة بين الفقهاء من أصحاب الأئمّة، وكان معنى هذا أن المركوز في أذهان هؤلاء هو حجّيّة خبر الثقة بحيث كان عملهم على ذلك، مثل هذا الارتكاز العمومي عند المتشرّعة يصلح أن يكون كالقرينة المتصلّة، التي توجب إجمال الدليل على أقل تقدير، بحيث لا يبقى في عموم دليل البراءة إطلاق، إذ يصبح من قبيل ما يكون محتفّاً بما يصلح للقرينية. 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() ذكر الوجوه الثلاثة السابقة للفرق بين السيرتين، مفصّلاً، ولا حاجة إلى إثباتها هنا، بعد ما ذكرنا بعض الزوائد منها على الهامش ثُّمّ قال: الوجه الرابع… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فإنّ الارتكاز اللبّي إذا كان معاشاً عموميّاً لدى المجتمع والبيئة، التي صدر فيها النصّ، يكون كالقرينة المتصلّة، فيوجب باتصاله إجمال العام، وعدم انعقاد الإطلاق فيه، فلا يمكن حينئذٍ، أن يرجع إلى الإطلاق في مقام إثبات الردع عن هذه السيرة. 

وهذا بخلافه في السيرة الاستصحابية، فإنّنا حيث لم نتعهّد أنّها كانت قد جرت في ميدان الأحكام الشرعية، ولم نقطع بأنّ الفقهاء والمتشرّعة في عصور أصحاب الأئمّة كان مبناهم على الاستنباط من الاستصحاب، إذن، فلا نقطع بوجود ارتكاز معاش لديهم على حجّيّة الاستصحاب، بحيث يكون هذا الارتكاز صالحاً على كلّ تقدير لإجمال دليل البراءة. إذن، فيبقى إطلاقه على حاله.

الوجه الخامس: 

في الفرق ما بين السيرتين: هو أنّ السيرة الخبرية قلنا سابقاً: بأنّها عبارة عن الصيغة الثالثة التي ذكرناها في المقام السابق. يعني أنّ كلّ إنسان عاقل حينما يتقمّص قميص المولويّة، يجعل خبر الثقة منجّزاً ومعذّراً على مأموره ورعيّته. 

وأمّا هنا، فلم نقبل هذا التقريب، بل قلنا بأنّ المتيّقن هو أنَّ العقلاء في أغراضهم التكوينية وتصرّفاتهم الشخصية، مبناهم على الجري على الحالة السابقة. وهذا اختلاف جوهري بينهما.

فبناءً على تقريب السيرة هناك: بأنّها سيرة في باب المولويّة، وعلاقة العبيد مع الموالي في مقام التنجيز والتعذير، يأتي -ولو صورياً- ما أختاره صاحب الكفاية في تلك المسألة بحسب ظاهر عبارته، فإنّهذكر في تلك المسألة أنّ 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مرجع السيرة العقلائية إلى توسعة دائر التنجيز والتعذير العقلي. بمعنى أنّ السيرة الجارية على العمل بخبر الثقة -مثلاً- معناها: أنّ المولى لا يستحقّ من العبد الطاعة إلاّ أنّ يطبق عمله على أخبار الثقات، وإذا طبق عمله على الظن الخبري، فيكون قد قام بحق المولى، وأحكام المولى لا تتنجّز بأكثر من ذلك. 

ومن هنا قال صاحب الكفاية هناك(1) بأنّ السيرة العقلائية حجّة ما لم يثبت الردع، لأنّ مرجعها إلى التصرّف في دائرة حكم العقل، فإنّ العقل يحكم بأنّ هذا المقدار من الإطاعة الظنيّة كافٍ ومعذّر للعبد، فلا نحتاج إلى إثبات الإمضاء من قبل الشارع للسيرة.

 نعم، لو ردع عنها وحرّمها فحينئذٍ، يدخل في الإطاعة القطعية، فلو عملنا بخبر الثقة لا يحصل حتّى الإطاعة الظنيّة.

فالسيرة العقلائية هناك يأتي فيها مثل هذا الكلام، وإن كنّا لم نقبله هناك. إلاّ أنّه لا يأتي هنا، وجداً قريب أنّ هذا داخل في ارتكاز صاحب الكفاية حينما فرّق بين المسألتين. 

فالسيرة هنا سيرة لا يمكن إرجاعها إلى باب التوسعة في حكم العقل، وهناك يمكن إرجاعها إلى ذلك.

ومن هنا يكفي في حجّيّة تلك السيرة عدم ثبوت الردع، وهنا لا يكفي في حجيّتها إلا ثبوت عدم الردع. وهنا لم يثبت عدم الردع، وهناك لم يثبت الردع. فتكون تلك حجّة ولا تكون هذه حجّة.

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() انظر: كفاية الأصول: 304.   

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الوجه السادس: 

أنّ السيرة العقلائية الخبرية، قد يقال -كما قالت مدرسة الميرزا- إنّها حاكمة على الآيات الناهية عن العمل بخبر العلم؛ لأنّ مفادها هو جعل خبر الواحد علماً عند العقلاء. فتُقدِّم السيرة بالحكومة، وهذا وإن كان غير صحيح -كما قلنا هناك- لكن لو فُرِض صحّته يصير منشأ لفرق فنّي، ما بين المسألتين، إذ يمكن أن يقال حينئذٍ: إنّ الاستصحاب ليس الأمر فيه هكذا بناءً على عدم كونه من الأمارات. فإنّه يمكن أن يقال: إنّ بناء العقلاء عليه لا من باب أنّه علم، بل من باب خصوصية أخرى(1)

فحينئذٍ، لا يكون دليل الاستصحاب هنا، حاكماً على الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، والمرزا بنفسه يقول: بأنّ المجعول في الاستصحاب غير الكاشفيّة والطريقية على ما يأتي.

هذا هو الفرق السادس. ونقتصر على هذا المقدار من الفروق، وإن كان بالتدقيق يمكن تحصيل فروق أخرى أيضاً(2)

وبهذا اتضح بأنّه يمكن التمييز بين المسألتين بعدة اعتبارات، وليست كما قال الأعلام بأنّهما من وادٍ واحد.

هذا هو تمام الكلام في السيرة العقلائية، ولا نطيل أكثر من هذا المقدار. 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() من الخصوصيات الوهمية أو النفسية بنوا على أصالة الحالة السابقة، لا أنّه من باب الكاشفيّة المنطقية، التي تتمّ وتُجعل علماً. (المقرِّر).

(2) أقول: كان السيّد عازماً على ذكر ثمانية فروق، انتهى. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وسوف نتّجه إلى الدليل الثالث الذي هو العمدة: وهو الروايات الصحيحة الواردة عن الأئمّة التي ادُعيّ دلالتها على الاستصحاب.

ــــــــــ[114]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 












[الوجه الثالث الاستدلال بالروايات] 

 

الرواية الأولى 

الكلام في الاستدلال على الاستصحاب بالأخبار:

الرواية الأولى: من الروايات التي استُدلّ بها على الاستصحاب صحيحة زرارة. 

أقول(1) ونصّها: محمد بن الحسن عن محمد بن النعمان عن أحمد بن محمد بن الحسن عن أبيه عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى وعن الحسين بن الحسن بن أبان جميعاً عن الحسين بن سعيد، عن حماد عن حريز عن زرارة، “قَالَ: قُلْتُ لَهُ الرَّجُلُ‏ يَنَامُ‏ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ أَتُوجِبُ الْخَفْقَةُ وَالْخَفْقَتَانِ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ. فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ قَدْ تَنَامُ الْعَيْنُ وَلَا يَنَامُ الْقَلْبُ وَالْأُذُنُ فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ وَالْقَلْبُ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ. قُلْتُ: فَإِنْ حُرِّكَ إِلَى جَنْبِهِ شَيْ‏ءٌ وَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. قَالَ: لَا، حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَدْ نَامَ حَتَّى يَجِي‏ءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ وَإِلَّا فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ وَلَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ وَلَكِنْ يَنْقُضُهُ بِيَقِينٍ آخَرَ“.

 هذه الرواية واضحة الانطباق على الاستصحاب، وواضحة الدلالة على 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() ص104 ج1من منتقى الجمان، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

جعله حجّة شرعاً، وسوف يأتي في تنبيهات بحث هذا الصحيحة بعض الشبهات في هذا الوضوح، مع تفنيدها.

وإنّما النقطة الأساسية التي ينبغي أن تُعالج في مقام تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة، هو أنّه هل يمكن أن نستفيد منها القاعدة الكلّيّة أو لا يمكن؟ ومن ثُمّ انصبّت كلمات جُلّ الأعلام على علاج هذه النقطة، في مقام تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة. 

فالكلام في أنّ الاستصحاب الذي تدلّ عليه الصحيحة وتجعل حجّيّته هل هو خصوص الاستصحاب في باب الوضوء فيكون قاعدة خاصّة بهذا الباب. أو هو الاستصحاب في سائر الموارد، متى ما وجد يقين بالحدوث، وشُكّ في البقاء. فيكون قاعدة عامّة؟

ومنشأ الإشكال في الاختصاص وعدمه، هو أنّ (اللام) في قوله: (ولا ينقض اليقين بالشكّ)، أهو (لام الجنس) أم هو (لام العهد)؟ 

فإن فُرِض كونه (لام الجنس) -مثلاً- فينعقد لهذا الكلام إطلاق في أن أيّ يقين لا يُنقض بالشكّ. 

وأما إذا فرضنا أنّه (لام العهد)، بلحاظ معهودية يقين خاص في الجملة السابقة وهو اليقين بالوضوء، إذ قال: وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا يُنقض اليقين بالشكّ. فتختل بذلك كليّة هذه الجملة، وتعجز حينئذٍ، عن إفادة القاعدة الكلية.

فهذا هو الذي صار منشأ للبحث بين الأعلام في كيفية تقريب الاستدلال، 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بحيث يتعيّن الاحتمال الأوّل، ويسقط الاحتمال الثاني، احتمال العهد إلى يقين الوضوء(1).

ومن هنا، كان لا بدَّ من بيان نكتة تنفي (العهدية) وتوجب تعيين (الجنسية) يعني الاحتمال الأول: وما يقال: في إبراز هذه النكتة عدة وجوه:

الوجه الأوّل: هو التمسُّك بظهور (اللام) على ما ذكر صاحب الكفاية، بمعنى أنّ الأصل في اللام أنّه (لام الجنس)، ولا يُصرف عنه إلى معنى آخر إلا بقرينة خاصّة. إذن، فمقتضى أصالة الظهور، أو أصالة الحقيقة في (اللام) أنّه مستعمل بمعنى (الجنسية) لا (العهدية)، ولا قرينة على خلاف ذلك فيُتمسّك بهذا الظهور(2).

هذا الكلام غير صحيح على ما حقّقناه في بحث المطلق والمقيد، فإنّه تقدّم هناك، أنّ (اللام) بحد ذاتها ليست موضوعاً لـ(لجنسية)، بالمعنى المساوق للاستغراق والإطلاق، ولا للعهدية ولا لأي تعيّن آخر بخصوصه من هذه التعيّنات، وإنّما هي موضوعة لتعيّن الماهية بحدّ ذاتها، بنحو يلائم مع أي واحد 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() وهنا سألته وسأله أحد الإخوان، فقلت له: بشرط أن يكون الرافع المشكوك هو النوم أيضاً. 

فأجاب: هذا غير موجود في كلام الإمام، وإنمّا المأخوذ في كلامه هو اليقين بالوضوء. فلا عهد في كلام الإمام للنوم، فيصير قاعدة في موارد الوضوء، متى ما كان على يقين من الوضوء، وشكّ إمّا من ناحية النوم، أو البول أو غيره، فيجري الاستصحاب، (المقرِّر).

(2) انظر: كفاية الأصول: 390. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

من هذه التعيّنات، فمعنى (اللام) معنى يلائم مع سائر أنحاء التعيّن.

وأمّا الاستغراق، فهو يُستفاد من الإطلاق، ومقدّمات الحكمة في المدخول، إذا تّمت، ويكون أحد المقدّمات: 

 أن لا يكون هناك ما يصلح للتقييد، فلو فُرِض أنّه قامت قرينة على (العهدية) تكون هادمة لمقدّمات الحكمة؛ لأنّها تكون حينئذٍ، مقيّدة(1).

التقريب الأوّل لاستظهار العموم للآخوند(2)

ولاستظهار العموم في هذه القاعدة يبين عدة تقريبات:

التقريب الأول: ما يظهر من عبارة صاحب الكفاية، في أنّ الأصل في (اللام) أن تكون لـ(لجنس)، فالحمل على العهدية خلاف الأصل، ومع الحمل على الجنسية يتعيّن حينئذٍ، كون الاستصحاب مجعولاً بنحو كبروي كلّي في سائر موارد اليقين والشكّ(3).

وتحقيق الحال في ذلك: أنّ (اللام) فيها عدة مسالك:

 المسلك الأوّل: أن يقال بأنّها موضوعة بنحو الاشتراك اللفظي، أو ما يشبهه لكلّ واحد من أنحاء التعيّنات: التعيّن الذاتي الماهوي، والتعيّن العهدي الخارجي، والتعيّن العهدي الذكري، ونحوها.

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() أقول: كرّر هذا الوجه مع ما يليه في محاضرة غد بشكل أفضل؛ فلذا ينبغي كتابتها ثُّمّ مطابقتها مع هذه المحاضرة. (المقرِّر).

(2) عنون أولاً الإشكال وهو احتمال العهدية في (اللام). ثُمّ قال: (المقرِّر).

(3) انظر: كفاية الأصول: المصدر السابق. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وبناءً على هذا الاحتمال تأتي شبهة العهدية، حيث يُقال: بأنّنا كيف نثبت الإطلاق في جريان الاستصحاب؟ لا سبيل لنا إلى الإطلاق إلا ببركة إجراء مقدّمات الحكمة في لفظة اليقين، أي مدخول اللام. 

ومن المقدّمات: أنّ لا يكون هناك ما يصلح لبيان القيد عرفاً، وحيث إنّ (اللام) مشترك لفظي أو ما بحكمه، فمن الممكن للمولى أن يكون قد استعملها في التعيّن العهدي، وعلى هذا الفرض تكون هي بحدّ ذاتها بياناً للقيد. 

إذن فلم نحرز أنّ المولى لم يبيّن القيد فلا تجرى مقدّمات الحكمة حينئذٍ، ما لم نحصّل قرينة زائدة وراء مقدّمات الحكمة على أنّ (اللام) هنا استعملت في معنى آخر غير العهد.

المسلك الثاني: أن تكون (اللام) موضوعة للتعيين الاستغراقي بالخصوص، وهو الذي يسميه علماء النحو بـ(لام الجنس). وبناءً عليه تندفع شبهة العهدية؛ لأنّ (اللام) بحدّ ذاتها تكون دليلاً على الاستغراق، ولا نحتاج إلى مقدّمات الحكمة حتّى يُقال إنّها لا تجري لاحتمال العهدية؛ بل عندنا ظهور وضعي لفظي يدلّ على الاستغراق. واحتمال العهدية لا يقاوم هذا الظهور.

المسلك الثالث: أن لا تكون (اللام) موضوعة لا للتعيّنات بنحو الاشتراك اللفظي ولا لخصوص التعين الاستغراقي، بل هي موضوعة للتزيين، كما يقول صاحب الكفاية في بحث المطلق والمقيد. وسائر التعيّنات يجب أن تُستفاد من قرائن السياق والأحوال لا من (اللام)(1)، وسنذكر حكم هذا الاحتمال مع 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() انظر: كفاية الأصول: 245. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

حكم الاحتمال الرابع بعده:

المسلك الرابع: أن يقال: بأنّ اللام موضوعة لجامع التعيّن وخصوصية كون التعيّن عهديّاً، أو ذهنيّاً، أو خارجيّاً، أو جنسيّاً، يُستفاد من دالٍّ آخر بنحو تعدد الدالّ والمدلول.

وبناءً على هذين الاحتمالين الأخيرين، لا تكون (اللام) بنفسها دالّة على العهدية؛ لأنّها إمّا موضوعة للتزيين، أو لجامع التعيّن لا بشرط من حيث العهدية والجنسية وغيرها، فاحتمال أنّ (اللام) قد استُعملت في العهدية غير موجود. فإن أُريد بهدم مقدّمات الحكمة، هدمها من ناحية إبداء احتمال أنّ (اللام) تكون بياناً للقيد -وهو العهدية- فهذا لا يكون، لكن يمكن أن يقال: أنّ مقدّمات الحكمة مختلّة في المقام؛ لأنّ (اللام) وإن لم تكن بياناً للعهدية، ولكنّنا نستفيد العهدية في سائر الموارد من السياق، وكون اسم الجنس قد وقع عقيب حصّة معيّنة منه. هذا السياق تارةً يكون بنحو من الوضوح بحيث يؤدّي إلى ظهور في العهدية، وأخرى يكون مذبذباً بحيث يؤدّي إلى مرتبة من الإجمال في العهدية.

 فيُدّعى هنا: أنّ هذا السياق الخاص(1)، يكون صالحاً لبيان القيد، ولو بنحو الإجمال، فيؤدّي إلى عدم جريان مقدّمات الحكمة، فأيضاً يعود الإشكال مرّة أخرى. هذا توضيح الحال بناءً على محتملات (اللام) الأربعة.

حينئذٍ، نأتي إلى جواب الآخوند المجمل، حينما يقول: (اللام) هنا (لام 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() إذا فرضنا أنّ الجملة الأولى بحدّ ذاتها تصلح عرفاً لأن يكون نظر (اللام) إليه في مقام التعيين، ولا يكون ما يأبى عن ذلك (محاضرة أمس). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الجنس)، إن كان يريد أن يختار الشقّ الثاني، يعنى (لام الاستغراق)

 بالمعنى النحوي، فبناءً على هذا يندفع الإشكال كما قلنا، لكن هذا المبنى في نفسه باطل، كما ذكرنا في محلّه. 

وإن أراد بـ(لام الجنس) معنى يناسب مع الاحتمال الثالث والرابع، فهذا لا يدفع الإشكال، بل يبقى على حاله.

الوجه الثاني: 

الوجه الثاني: ما يقال: من أنّ قانون التعليل يقتضي عدم قصر الحكم على خصوص مورد التعليل، فحينما يُقال: (أكرم زيد) لأنه عالم، يقتضي التعليل، أن لا يقتصر في وجوب الإكرام على خصوص زيد، بل يسري إلى ما هو أوسع دائرة من زيد.

وفي المقام نبني -على ما يأتي في فقه الحديث- على أن قوله و(إلا) قضيّة شرطها عدم النوم وجزاؤها محذوف وتقديرها، وإن لم يستيقن أنّه نام فلا يجب عليه الوضوء. 

ثُّمّ يعلله(1) الإمام بقوله: “فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ ولَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ“. فيكون هذه العبارة تعليلاً، ومقتضاه أن لا يقتصر في الحكم على خصوص المورد، بل يكون الحكم أوسع منه.

فلو بنينا على أنّ الاستصحاب لا يجري إلا في باب الوضوء، لكان معناه 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() هذا المشهور ومختار الشيخ وأكثر من تأخّر عنه، ويكون قوله: (لأنّه حينئذٍ تعليلاً للجزاء المحذوف. (المحاضرة أمس)، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أنّنا جعلنا الحكم المعلل بمقدار المورد لا أكثر، مع أن مقتضى التعليل تعميمه.

هذا البيان، بهذا التقريب، جوابه من الواضحات؛ لأنّ مقتضى التعليل ليس هو إسراء الحكم إلى أكثر من المورد

 بهذا العنوان، بل مقتضاه إسراء الحكم في حدود سريان العلّة، فلو كانت العلّة أوسع من المورد فإن الحكم يسري، وإن فُرِض أنّ العلّة بمقدار المورد فلا يسري. ونحن هنا نشكّ في هذا(1)، في أنّ قوله (لا ينقض اليقين بالشكّ) عهدي، أو جنسي. 

إن كان عهديّاً فالعلّة بمقدار المورد؛ لأنّ معناه يكون: لا ينقض اليقين بالوضوء بالشكّ، وإن كان جنسيّاً فالعلّة أوسع من المورد، فهنا الشكّ في أنّ العلّة وسيعة أو ضيقة.

كلام المحقّق العراقي 

إلا أنّ المحقّق العراقي بيَّن هذا المطلب بتقريب آخر، حيث ذكر: أنّ هناك ارتكاز في الذهن العرفي للشكل الأوّل من القياس، وهذا الأسلوب من الاستدلال(2)  ينصرف في الذهن العرفي إلى الشكلّ الأوّل. صحيح أنّ العرف لم 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() فما هو العلّة لوجوب الوضوء هل هو حجيّة الاستصحاب مطلقاً، أو حجّيّته في خصوص باب الوضوء، وما هو حدود العلّة لا بدَّ أن يُستظهر من ألفاظ العلّة. وقانون التعليل لا يقتضي الإسراء إلى أكثر ممّا يدلّ عليه الظهور العرفي لألفاظ العلّة. والكلام هنا إنّما هو في الظهور العرفي لألفاظ العلة. (محاضرة أمس)، (المقرِّر).

(2) الظهور السياقي لهذا الاستدلال أنّه صعود من الخاص إلى العام. (محاضرة أمس). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يدرس منطق أرسطو، ولكن هذا المنطق أُخذ من هذه الارتكازات. 

فالعرف إذ ينصرف ذهنه إلى هذا الشكل يؤلف مفاهيم كلام الإمام بنحو مطابق مع الشكل الأوّل، بحيث ينتج ظهوراً في الشكل الأوّل. وحمل(1) كلام الإمام على الشكل الأوّل يقتضي التعميم، يقتضي فرض كون اليقين في قوله: ” ولا ينقض اليقين بالشكّ“، أن يُراد به طبيعي اليقين، لا خصوص اليقين بالوضوء(2).

وعكس هذا تماماً ما ذكر المحقّق الأصفهاني بذهنيّته الصناعية في تطبيق قواعد المنطق، فإنّه قال في حاشيته على الكفاية: بأنَّ هذه العبارة حيث إنّها من قبيل الشكل الأوّل من القياس، إذن، فالشكل الأوّل يحتاج إلى حدّ أوسط يكون متكرّراً بين الصغرى والكبرى. ونحن إذا قرأنا قوله: “فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالشك” نرى أنّ الحدّ الأوسط المتكرّر هو اليقين.

وحينئذٍ، فإذا فرضنا أنّ اليقين في الجملة الأولى، أُريدَ به اليقين بالوضوء خصوصاً، كما هو مقتضى الجمود على العبارة، فيجب أن يُراد اليقين بالوضوء من كلمة يقين في الجملة الثانية، حتّى يطبق قواعد إنتاج الشكل الأوّل من القياس، لأنّ الحدّ الأوسط يتكرّر حدّه في الصغرى وفي الكبرى، فينتج حينئذٍ: 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() وهو الصعود من الخاص إلى العام، ومن الصغرى إلى الكبرى، على نحو ما يتطلّبه تأليف الشكل الأوّل من القياس (محاضرة أمس)، (المقرِّر).

(2) انظر: نهاية الأفكار 4ق1: 42-43.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إنّه كان على يقين من وضوئه، ولا ينبغي أن ينقض اليقين بالوضوء بالشكّ.

ولهذا قال: بأنّ الاستدلال بهذه الرواية على العموم، لا يكفي فيه أن ندّعي الجنسية والعموم في الجملة الثانية فقط؛ لأنّ التفكيك بين اليقين في الجملتين غير معقول، يعني الاعتراف بأنّ اليقين في الجملة الأولى يُراد به اليقين بالوضوء، ويُدّعى أنّ اليقين في الجملة الثانية، يُراد به طبيعي اليقين ولم يؤخذ فيه العهدية؛ لأنّ معنى هذا أنّ الحدّ الأوسط لم يتكرّر بنحو واحد في المقدّمتين. فعلى المستدلّ عهدة أن يثبت بحيلة من الحيل، أنّ اليقين حتّى في الجملة الأولى أُريدَ منه طبيعي اليقين وإلا يخرب الاستدلال(1).

 هذا تماماً نقيض ما أفاده المحقق العراقي.

الصحيح في المقام 

والصحيح بحسب الفرض الفقهي والأصولي، هو ما أفاده المحقّق العراقي، وتوضيحه يتوقف على التنبيه إلى أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ الشكل الأوّل من القياس يحتاج إلى حدودٍ ثلاثة: حد أصغر وحد أوسط وحد أكبر، ولا يكفي في تحصيل الحدود الثلاثة في أن نكرّر الحدّ الأصغر مرّتين، فنقول مثلاً: (الإنسان إنسان، والانسان يجب إكرامه، فالإنسان يجب إكرامه). فإنّه لا يتألف الشكل الأوّل من القياس؛ لأنّه في الواقع ليس إلاّ حدَّين وهو (الإنسان يجب إكرامه)، وهذه قضيّة واحدة. ومجرّد أنّنا كرّرنا الحدّ الأصغر مرتين، لا يشكّل لنا حدّاً ثالثاً اسمه الحدّ الأوسط، وهذا واضح.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية 3: 47.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأمر الثاني: أنّه متى ما كان ثبوت الحدّ الأوسط للحدّ الأصغر في الصغرى بديهيّاً في نظر العرف وواضحاً، فالعرف يحوّل بيان الصغرى من صورتها المنطقية إلى صورة أخرى، صورة مفاد (كان التامّة)، يتفادى بها محذور توضيح الواضحات(1). على ما سوف يظهر من المثال.

-مثلاً- لو كان يريد أن يركّب هذا القياس: (الحيوان الناطق حيوان، والحيوان يجوع، فالحيوان الناطق يجوع). فالصورة المنطقية للقياس هي هذه. إلاّ أنّ ثبوت طبيعي الحيوان (2) للحيوان الناطق؛ لأنّه أخذ الجامع في ضمن الحصّة بعنوانه وحيث إنّه بديهي، والعرف، ليس من طريقته أن يصوغ الكلام، بحيث يوضّح به الواضحات؛ ولهذا يقلب صياغة هذه الصغرى فلا يقول: (الحيوان الناطق حيوان)، بل يبدّله إلى مفاد كان التامّة مع انخفاض الكبرى بحدّها فيقول: (الحيوان الناطق موجود) أو (هذا حيوان ناطق، والحيوان يجوع فهذا يجوع). فيبدل الصغرى من إثبات حيوانية الحيوان الناطق، إلى كونه موجوداً مصداقاً على هذا الفرد، ثُّمّ يرتّب المقدّمات الأخرى.

طبعاً هذا خطأ منطقي؛ لأنّه إذا قال: (هذا حيوان ناطق)، لا يمكنه أن يقول: (والحيوان يجوع)؛ لأنّه اختلف الحدّ الأوسط. إلاّ أنّ هذا الخطأ المنطقي صحيح عرفي، والرجوع إلى الاستعمالات العرفية أكبر شاهد على ذلك.

إذا تمّ هذان الأمران، يقال في مقام توضيح ما أفاده المحقّق العراقي: 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

() أقول: إن كان هذا محذوراً ولا اعتقد ذلك، فإنّ الواضحات ينبغي الإعراب عنها لا التجنّب عنها. (المقرِّر).

(2) ثبوت الحدّ الأوسط للحدّ الأصغر بديهي. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إنّ العرف ينصرف ذهنه بحكم الارتكاز إلى أنّ الإمام يريد أن يبيّن الشكل الأوّل من القياس في قوله: إنّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالشكّ. لكن يريد أن يبيّنه بياناً عرفياً لا بياناً منطقياً(1)

وحينئذٍ، فهنا يوجد في الصغرى محمول(2)، ما هو؟ إمّا أن يكون هو طبيعي اليقين؛ وذلك بأن يكون الشكل الأوّل من القياس هكذا: (اليقين بالوضوء يقين، واليقين لا ينقض بالشك، فاليقين بالوضوء لا ينقض بالشك). إن كان المضمون القياسي لكلام الإمام هو هذا، فهو منطبق لما صدر منه بالفعل انطباقاً تامّاً في نظر العرف، وإن لم يكن منطبقاً في نظر أرسطو.

لأنه لوكان هذا هو المضمون القياسي الذي يريد أن يبنيه، فيجب عليه باعتباره عرفياً، أن يوجِد تصرّفاً في الصغرى فلا يقول (اليقين بالوضوء يقين)، ويحوّلها(3) إلى بيان وجود اليقين بالوضوء فيقول: فإنّه على يقين من(4) وضوئه ولا ينقض اليقين في الشك. بمعنى أنّ اليقين بالوضوء موجود، فيبدّل حمل 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() ومقتضى هذا لا بدَّ وأن نفرض أنّ المقدّمة الثانية أوسع من الأولى (محاضرة أمس). (المقرِّر).

(2) أقول: بعد فرض أن قوله: على يقين إلخ موضوع ومحموله محذوف. ولا يخفى ما فيه، فإنّه محمول في الصغرى، وموضوعه الضمير في (أنّه) والمعنى: المكلّف على يقين من وضوئه فافتح عينك على ما يقال!! (المقرِّر).

(3) كما قال السيّد في الأمر الأوّل. (منه). (المقرِّر).

(4) ويكون معناه في نظر السيّد: (اليقين بالوضوء موجود)، وقد عرفت ما فيه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الحدّ الأوسط على الأصغر إلى بيان أنّ الحدّ الأصغر موجود بنحو كان التامّة؛ لأنّ كون الحدّ الأوسط ثابتاً له بعد وجوده أمر مفروغ عنه. وواضح. فيكون هذا المضمون القياسي منطقيّاً على كلام الإمام انطباقاً كاملاً، لكن مع أخذ الطريقة العرفية في التعبير القياسي، لا الطريقة المنطقية فيه.

وهذا هو المدّعى، وبناءً عليه، يتعيّن فرض كون الجملة الثانية كليّة، بحيث لا تكون مخصوصة بخصوص اليقين بالوضوء؛ لأنّ المفروض أنّها كبرى في قياس هذا نصّه (اليقين بالوضوء يقين، واليقين لا ينقض بالشك) فهي كبرى كلّية(1)  موضوعها طبيعي اليقين على إطلاقه. فبهذا يتمّ الاستدلال.

هذا كلّه إذا فرضنا أنّ المحمول في الصغرى في المضمون القياسي الواقعي لمراد الإمام هو طبيعي اليقين(2).

ــــــــــ[127]ــــــــــ

() وأمّا إذا لم يفهم العرف من الصغرى إلا طبيعي اليقين بالوضوء، فسوف ينتظر بارتكاز الشكل الأوّل من الاستدلال أن يصعد في الجملة الثانية، إلى ما هو أعمّ منه، وهو طبيعي اليقين على الإطلاق إذ لا يوجد هناك قرينة على تحديد وسط بين اليقين بالوضوء وطبيعي اليقين على الإطلاق. (محاضرة أمس). (المقرِّر).

 (2) أقول: سألت السيد الأستاذ سؤالين: 

أحدهما: لو كانت الكبرى هي خصوص حجّيّة الاستصحاب في الشبهات الموضوعية، لكفّت كونها كبرى لتلك الصغرى*، ولا يلزم حملها على اليقين المطلق؛ بل هناك من القرائن ما تدلّ على خصوص ذلك، وهو مورد الكلام، فإنّه شبهة موضوعية، كما هو واضح.

فأجاب: بأنّ الأمر كان دائراً بين أن تكون (اللام) عهدية أو غير عهدية، فبعد أن انتفت

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

العهديّة تجري مقدّمات الحكمة في المدخول لإثبات الإطلاق.

السؤال الثاني قلت له: إنّى أعتقد أنّ حمل الصغرى على مثل قوله: (اليقين بالوضوء يقين)، أو (اليقين بالوضوء موجود)، حمل على خلاف الظاهر، وإنّما (اليقين بالوضوء) محمول في الصغرى موضوعه هو المكلّف المدلول عليه بالضمير في قوله(أنّه): فيكون المعنى: أنّ هذا الشخص المفروض، الذي كان على وضوء، وحدثت له الخفقة والخفقتان، فشكّ في ارتفاع الوضوء، هو على يقين من وضوئه. ولا ينقض اليقين بالشك.

فأجاب بما حاصله: أنّ القضيّة لو كانت خارجية لصحّ ذلك، ولكنّها قضيّة فرضية، بمعنى: أنّ الإنسان الذي فرضناه في السابق على يقين من وضوئه، وهو لا تعيّن له، إلاّ كونه كان على يقين من وضوئه. فيكون المعنى: من كان على يقين من وضوئه على يقين من وضوئه. 

فقلت: طبعاً هو على يقين من وضوئه بالحمل الشايع. 

فقال: ليس في المقام حمل شايع؛ لأنّ ذلك إنّما يتمّ في القضيّة الخارجية -كما لو قال زرارة على يقين من وضوئه- لا على القضيّة الفرضية التي يكون الموضوع فيها شخص غير متعيّن إلا بعنوان كونه كان متيقناً فشكّ.

أقول: ما قلته من معنى الصغرى هو نص كلام الإمام، ولا حاجة إلى سلخه عن معناه وتخيّل أن اليقين بالوضوء موضوع محموله محذوف، فهذا الظهور ثابت لا محالة، فلو تمّت مناقشة السيّد، فلا بدَّ من إيقاع المعارضة بين ذلك، وبين ظهور الكلام بتأليف الشكل الأوّل من القياس، فلاحظ المسألة جيداً. انتهى. 

* إذا فرضنا ان القضية الصغرى كانت جزئية حينئذٍ، يكفي في مقام الصعود من الخاص إلى العام ان يفرض ان العام في الجملة الثانية عبارة عن قانون كلي في تمام موارد الوضوء ونتبع بذلك غريزة العرف، وارتكاز الشكل الأوّل من القياس منه، (محاضرة أمس). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

وأما إذا كان المحمول هو اليقين بالوضوء، فنسأل أنّ الموضوع في الصغرى ما هو؟ 

فإن كان هو اليقين بالوضوء أيضاً، بأنّ يكون المضمون القياسي هذا: (اليقين بالوضوء يقين بالوضوء، واليقين بالوضوء لا ينقض الشك). إن كان هذا، فهو خلاف المقدّمة الأولى التي قلناها؛ لأنّه ليس هناك حدود ثلاثة، بل الحدّ الأصغر كرّرناه مرتين، فلا يتحصّل منه الشكل الأوّل من القياس، بل هذا في حقيقته ليس إلا عبارة عن قضيّة واحدة، وهي: اليقين بالوضوء لا ينقض بالشكّ. مع أنّ المفروض، أنّ العرف انصرف إلى ذهنه أنّ الإمام يريد أن يبيّن الشكل الأوّل من القياس. فبحكم هذا الانصراف لا يكون هذا الأمر محتملاً.

وأمّا إذا فرضنا أنّ المحمول هو اليقين بالوضوء، والموضوع هو هذا الفرد بالخصوص أي: الوضوء الذي توضأه زرارة في يوم معيّن ومكان معيّن. فيكون هذا المضمون القياسي معقول منطقياً، بأن يقال: بأنّ هذا الفرد يقين بالوضوء، واليقين لا ينقض بالشكّ، فهذا الفرد لا ينقض بالشكّ.

ولكن هذا غير صحيح في المقام؛ وذلـك لأنّ الـمفروض هو إلغاء الخصوصيّات وأنّ القضيّة فرضيّة وليست خارجية(1). ونظر الإمام لم يكن إلى استنباط حكم هذا الشخص من اليقين بالوضوء، وإنّما كان نظره إلى استنباط حكم طبيعي اليقين بالوضوء. 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() فيقول العرف: إنّ معنى قوله: “أنّه على يقين من وضوئه” يعني: هناك يقين بالوضوء. (محاضرة أمس). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إذن، فمع فرض القضيّة فرضيّة يستحيل أن يكون النظر إلى فرد معيّن. القضيّة الفرضية لا واقع لها، إلاّ نفس الفرض، وليس أمراً واقعياً خارجيّاً، يكشف عنه الغطاء فيقال: (هذا يقين بالوضوء).

إذن، بهذا البيان يتعيّن أن يكون المضمون القياسي، الذي انصرف إلى ذهننا -بما اننا عُرف- من مراد الإمام هو عبارة عن أنّ: اليقين بالوضوء يقين، واليقين لا يُنقض بالشكّ. غاية الأمر أنّ هذا المضمون القياسي بيّنه بالطريقة العرفية، لا الطريقة الأرسطية.

وأنا أظنّ ظنّاً اطمئنانياً، أنّ هذا هو الذي كان تحت نظر المحقّق العراقي، وإن كانت عبارته في غاية الاختصار والإجمال، بحيث لا يتّضح منها هذا المطلب. وسواءٌ كان تحت نظره أو لا، فهذا المطلب صحيح جدّاً، ويمكن التعويل عليه في مقام إثبات الظهور.

وأمّا ما ذكره الشيخ الاصفهاني، فقد اتّضح من هذا البيان، أنّه لم ينصف المسألة، لا أنّه أراد أن يطبّق الصياغة المنطقية للشكل الأوّل من القياس، مع أن الصياغة المنطقية لا تكون صياغة عرفية، فنحن لا ندّعي أنّ الإمام في مقام الصياغة المنطقية للشكل الأوّل من القياس، وإنما ندّعي أنّه في مقام بيان روح الشكل الأوّل، لكن بالطريقة المتعارفة عند العرف في مقام البيان.

إذن، فلا يأتي ذلك الكلام، ويكون هذا الوجه تامّاً في مقام إثبات المطلوب. هذا هو الوجه الثاني لإثبات المُدّعى.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الوجه الثالث(1)

الوجه الثالث(2): من الوجوه التي ذُكرت في مقام تقريب المطلب هو أن يقال: بأنّ مناسبات الحكم والموضوع تقتضي إلغاء خصوصيّة اليقين بالوضوء؛ لأنّه هنا عبّر بنقض اليقين بالشكّ، واليقين وإن كان يُراد به اليقين بالوضوء، لكن ينغي أن نلغي خصوصيّة الوضوء، ونقول: أنّ المراد هو نقض طبيعي اليقين، لا نقض اليقين بالوضوء بمناسبات الحكم والموضوع، المركوزة في أذهان العرف.

فإن كون اليقين متعلّقاً بالوضوء بالخصوص، ليس له دخل في إضافة النقض إلى اليقين، وإنّما إضافته إلى اليقين؛ باعتبار(3) ما في اليقين من جهة الإحكام والوضوح والابرام. فهذا هي المناسبة الارتكازية المصحّحة لإضافة النقض إلى اليقين، بلا فرق بالوضوء وبين غيره. 

فمناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن العرفي لا تقوم بين النقض، وبين اليقين بالوضوء بما هو كذلك، بل تقوم هذه المناسبات، بين النقض وبين طبيعي اليقين(4). إذن، تلغى خصوصية كون اليقين متعلّقاً بالوضوء.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

() التقريب الثالث.

(2) هذا الوجه ذكره السيّد في محاضرة أمس وسيعيده يوم السبت. (المقرِّر).

(3) فإن النقض بحسب الحقيقة عبارة عن هدم أمر محكم مُبرم، وليس كلّ إزالة تكون نقضاً، بل إزالة مخصوصة، لوحظ في موضوعها نحو خاصّ من الاستحكام والثبات كقولنا: نقضت البيعة ونقضت العهد. (المقرِّر).

(4) فالمناسبة المركوزة في الأذهان العرفية، لنسبة النقض إلى اليقين أوسع دائرة من اليقين بالوضوء. إذن، فيجب توسعة الحكم تبعاً للمناسبة، كما يجري على ذلك في تمام أبواب الفقه، فيما لو ثبت حكم على موضوع في كلام الإمام وكانت مناسبة ثبوت ذلك الحكم لذلك الموضوع أوسع من ذلك الموضوع. مثلاً لو قال الإمام: الماء الموجود في هذا الحب إذا كان كثيراً، فلا ينجس بملاقاة النجاسة. فالموضوع وإن كان الماء الموجود في الحب. ولكن المناسبات العرفية تقتضي أنّ مناط العصمة كميّة الماء لا ظرفه. فتُلغى خصوصيّة الظرف، وإن كانت مأخوذة في كلام الإمام. (محاضرة السبت)، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا الكلام بهذا التقريب، أيضاً غير فنّي. لا بدَّ من تحليله، وتحليله يتوقّف على معرفة أنّه كيف صحَّ إسناد النقض إلى اليقين؟ 

في ذلك مسلكان على مايأتي: أحدهما: أن يقال: بأنّ النقض حيث إنّ فيه نوع من شدّة الهدم؛ ولذا يناسب أن يضاف إلى شيء فيه شدّة البناء والاستحكام، وحيث إنّ اليقين فيه شدّة البناء والاستحكام ذاتاً؛ باعتبار أنّه جزم مطلق لا يناسب مع التردّد والتأمّل، ولهذا أُضيفت إليه كلمة النقض، الدالّة على ذلك الهدم الشديد.

إذا بنينا على هذا المسلك، وهو مسلك صاحب الكفاية والمشهور، فحينئذٍ، لا معنى لهذا التقريب؛ لأنّ النقض يكون مصّصح إسناده إلى اليقين، هو عبارة عن المناسبات اللفظية المفهومية لليقين والنقض، ويكون إسناد النقض إلى اليقين بمصحّح لفظي، وهو: أنّ مفهوم كلمة اليقين بحدّ ذاته به نحو إحكام. فيناسب في مقام بيان انهدامه، بلفظ يدلّ على هدمٍ فيه نوع من الشدّة.

صحيح أنّ هذه المناسبة لا تختصّ بخصوص اليقين بالوضوء، لكن هذه ليست مناسبة الحكم والموضوع، بل هي مناسبة في مقام الاستعمال، مناسبة 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إسناد لفظ إلى لفظ آخر في مقام الاستعمال، إسناد النقض إلى كلمة اليقين في مقام الاستعمال، مصحّحه الاستعمالي، ليس هو خصوص كونه يقيناً بالوضوء، بل هو يقينية هذا اليقين.

وهذا أي ربط له بكون الاستصحاب في سائر الموارد، فإنّ جريانه في سائر الموارد، موقوف على أن تكون المناسبات المركوزة في ذهن العرف لجعل هذا الحكم أوسع من اليقين بالوضوء؛ لأنّ المناسبات المركوزة لاستعمال الألفاظ يكون أوسع من ذلك. فهنا خلط فنيّ بين مناسبات الحكم والموضوع، وبين مناسبات الإسناد اللفظي. وكون مناسبات الإسناد اللفظي أوسع من دائرة المُسند إليه في مقام الكلام، لا يقتضي توسعة دائرة الحكم، وما يقتضي توسعة دائرة الحكم هو أن تكون المناسبات المركوزة في ذهن العرف لتشريع هذا الحكم، مصبّها أوسع من الموضوع، الذي جرى عليه الحكم في مقام الجعل. هذا على المسلك الأوّل في إضافة النقض إلى اليقين.

وأما على المسلك الثاني: وهو أنّ إضافة النقض إلى اليقين، بلحاظ كون اليقين مقتضيّاً لأن يجري على طبقه، حتّى في مرحلة الشكّ في البقاء، فيكون الشكّ في البقاء نقضاً له لو أريد ترتيب الأثر عليه؛ لأنّه هدم لما يقتضيه ذاك اليقين فعلاً.

بناءً على هذا، تكون هذه النكتة من مناسبات الحكم والموضوع، لا من مناسبات الإسناد اللفظي، فإنّ العرف حينئذٍ، يفهم من هذا القول حينئذٍ، إمضاء اقتضاء ذاك اليقين للجري العملي. بينما يقول: (لا تجعل هذا الشكّ 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مانعاً لك عن أن تجري ما يقتضيه اليقين بالوضوء فعلاً)، فيفهم منه العرف أنّ نكتة جعل الاستصحاب هو: الحفاظ على اقتضاء ذاك اليقين للجري فعلاً. 

ومن المعلوم إنّ هذه النكتة لا تختص بخصوص اليقين بالوضوء، بل هي تعمّ غيره. وهذا وجه مستقلّ سوف يأتي التعرّض له.

إذن، فهذا البيان -وهو مناسبات الحكم والموضوع، بالنسبة إلى كلمة النقض- لا يأتي على المسلك المشهوري، ويأتي على مسلك آخر سوف نحقّقه فيما بعد، هذا هو الوجه الثالث.

مناقشته(1) 

هذا التقريب، بهذا المقدار من البيان، غير تام؛ وذلك لأنّه وقع فيه خلط بين المناسبات اللغوية للإسناد اللفظي، والمناسبات التشريعية لجعل الحكم.

توضيحه: أنّ الشارع يعني النبي والإمام بما هو يستعمل الألفاظ في معانيها، فيضيف بعض المحمولات إلى بعض الموضوعات، لا بدَّ وأن تجري على طبق المناسبات اللغوية العرفية، في مقام الاستعمال وأداء المعاني بالألفاظ. 

ومن هنا حينما يقول الإمام: بأنّ اليقين يُنقض أو لا يُنقض، هو مُطالَب
-على كِلا التقديرين- بأن يكون قد اعتمد على نكتة ارتكازية في الذهن العرفي، تصحح أن يُنسَب النقض إلى اليقين. مُطالَب بجواب المعترض القائل: بأنّ كلمة النقض في لغة العرب، لا تُضاف إلاّ إلى شيء من قبيل الجعل المُبرم 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

() قرّب السيّد أولاً الوجه الثالث، الذي نقلناه، مع شيء من التوضيحات، التي نقلناها في الهامش، ثُّمّ قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المحكم، فكيف أضفته إلى اليقين؟ 

فيجيب عن هذا الإشكال اللغوي: أنى أضفته إلى اليقين بما في اليقين من جهة إحكام ورسوخ ووضوح.

 فالمناسبة التي صحّحت له -بما هو مستعمل- إضافة النقض إلى اليقين، في مقام الأمر بالنقض، أو النهي عنه، عبارة عن مناسبة عرفية موجودة في طبيعي اليقين، ولا يفرق فيها بين اليقين بالوضوء، أو اليقين بغيره، وهذا واضح. 

وهذه المناسبة لا ربط لها أصلاً بالنكتة في جعل الحكم. 

فإنَّ هذه نكتة في تصحيح هذا النحو من التعبير في لغة العرب. 

ولهذا يجب مراعاتها حتّى في خطاب ينفي(1) حجّيّة الاستصحاب. ولا ربط لها بالمناسبات المركوزة لجعل أصل الحكم بالاستصحاب وتشريعه.

 وحينئذٍ، فكون هذه المناسبة أوسع دائرة من اليقين بالوضوء، لا يقتضي أن يكون جعل الحكم أيضاً أوسع دائرة من ذلك، فإنّ جعل الحكم يدور مدار سعة المناسبات التشريعية لجعل الحكم، لا مدار سعة المناسبات اللغوية لاستعمال اللفظ في المعنى، والخلط ما بين المطلبين هو الذي أدّى إلى تشويش التقريب.

التقريب الرابع: 

هو أن يقال: بأنّ هذه العبارة لو كانت واردة في مورد واحد، لأمكن أن يُقال بأنّها مختصّة بخصوص بابها، لكن حيث إنّها تكرّر ورودها في موارد متعدّدة، وردت في باب الطهارة الحدثيّة، وفي باب الطهارة الخبثيّة -وفي باب 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() يعني يقول: انقض اليقين بالشك. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الصوم -لو تمّت دلالة الروايات الآتية- فتكرّر ورودها وتطبيقها في عدة موارد يوجب الكشف عن كونها كبرى كليّة، لا تختص بمورد دون مورد.

وهذا الكلام إن أُريد به، بيان أن تكرّر هذه العبارة في موارد عديدة، يوجب الظن بأنّ اليقين أُريد به طبيعي اليقين، وبيان الكبرى الكليّة، فلا ينبغي الإشكال في الصغرى، فإنّ مثل هذا الظن موجود، فإنّ التكرّر بلحن واحد وخطاب واحد، يورث بحساب الاحتمالات هذا الظن. إلاّ أنّ هذا الظن ليس داخلاً في باب ظواهر الألفاظ، فلا يكون من الظنون اللفظية الحجّة. لأنّه ظن نشأ من قرينة خارجية، ولا يدخل في باب الظواهر؛ لأنّ باب الظهور هو باب انكشاف المعنى، ولو ظنّاً من ناحية طبع نفس اللفظ، لا من ناحية أمارة خارجية. فمثل هذا الظن الذي ينشأ من أمارة خارجية، لا دليل على حجّيّته ليعوَّل عليه.

وإن أُريد تصعيده إلى مرتبة الجزم والاطمئنان، بأن يُقال: إنّ هذا التكرّر شاهد اطمئناني أو قطعي على ذلك، فهذا جزاف محض في المقام، كيف يحصل القطع أو الاطمئنان بكبرى كليّة، لمجرّد أن هذه العبارة تكرّرت في ثلاثة أو أربعة موارد؟! وعليه فمثل هذا البيان لا يكفي لإثبات المطلب(1).

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() وهنا قال في جواب على سؤالي: بحساب الاحتمالات نستبعد احتمال أن يُراد (لام العهد) في جميع هذه الموارد، ونظن أنّه أُريد من أحدها (لام الجنس). 

وقيل له حول هذا الوجه أيضاً: لو كانت الروايات في مجلس واحد، ألم يكن ينعقد لها ظهور بكونها كبرى كلّية؟ 

فقال: نعم، لا يبعد.

فقال الأخ السائل: أليسَ عندكم قانون بأنّ خطابات المولى صادرة في مجلس واحد؟

 فأجاب: هذا القانون لا نقبله في الظهورات التي تنتج من ضم ظهور إلى ظهور، بحيث لا يكون هذا ظاهراً ولا ذاك، ولكن من ضمهما ما ينتج الظهور. 

فقال أحد الإخوان: إنّ هذا القانون تقبلونه فقط في باب الجمع*؟

فقال: نعم، انتهى.

* يعني الجمع بين الروايات المتعارضة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التقريب الخامس 

التقريب الخامس هو أن يُقال: بأنّ قوله: “وإلا فإنّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك“، بناءً على كونه تعليلاً لجزاء محذوف، كما هو مختارهم، والمعنى: وإلا فلا يجب الوضوء فإنّه على يقين من وضوئه الخ. 

بناءً عليه يقال: بأنّ التعليل ظاهر في كونه تعليلاً بأمر ارتكازي عرفي، لوضوح أنّ المولى إنّما يريد أن يعلل؛ لأجل أن يقرّب الحكم إلى الأذهان العرفية، ويجعله مألوفاً على طبق الذهنية العرفية. فلا بدَّ أن يكون التعليل بأمر عرفي ارتكازي، لا بأمر تعبّدي صرف؛ لأنّ هذا خلاف ظهور مقام التعليل في أنه في مقام التقريب إلى الأذهان العرفية.

وحينئذٍ، فيُقال في المقام: إنّ هذا التعليل لو كان تعليلاً بقاعدة مختصّة بخصوص باب اليقين بالوضوء، فهو تعليل بقاعدة غير عرفيّة ولا ارتكازيّة. 

وأما إذا كان التعليل تعليلاً بقاعدة لا تختص بباب دون باب، فهذه تكون قاعدة ارتكازيّة، وذلك لارتكاز كبرى الاستصحاب في الأذهان العقلائية. هذا التقريب قد يُبيّن بهذا البيان.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحينئذٍ، يمكن أن يُعترض عليه، بأنّ التعليل هنا، في مقام التقريب إلى الأذهان العرفيّة، فننكر بأنّ الداعي إلى هذا التعليل هو ذلك، بل التعليل يكون لأحد غرضين، كلاهما عرفي عقلائي:

 أحدهما: أن يكون في مقام التقريب إلى الأذهان العرفية. وحينئذٍ، يُشترط أن يكون التعليل تعليلاً بأمر عرفي ارتكازي. 

ويمكن أن يكون بداعي إعطاء حكمٍ شرعي أوسع؛ لأنّ الإمام هو في مقام بيان الأحكام الشرعية، فيعلّل الخاص بالعام فيقول: المستأجر لا يضمن بتلف العين؛ لأنّ الأمين لا يضمن. لأجل تطبيق القواعد الكليّة على مصاديقها، وليس هذا على خلاف ظهور الحال، فإنّ ظهور حال الإمام هو بيان الأحكام الشرعية. 

فدعوى: أنّ ظاهر التعليل هو التقريب إلى الذهن، فلا بدّ أنّه بأمر إرتكازي، غير صحيحة.

ومن هنا قد يُستغنى عن هذه القطعة غير الصحيحة من التقريب، ويُقرّب المطلب بدونها؛ وذلك بأن يُقال: إنّ هذا التعليل سواءٌ كان بداعي تقريبه إلى الذهن أو بيان حكم عام، بالنتيجة ينصرف إلى تلك الكبرى، المركوزة في الذهن العرفي. حيث إنّ هذه الكبرى مركوزة في الأذهان العرفية، ففي مقام التعليل بقوله: “لا ينقض اليقين بالشكّ” ينصرف إلى كونه تعليلاً بتلك الكبرى المعاشة في الأذهان العرفيّة، فكأنّه إشارة إلى تلك الكبرى.

 وإن شئتم قلتم: إن عهديّة الكبرى في الأذهان، أقوى بمراتب من عهديّة 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

اليقين بالوضوء في الجملة، فهذا عهد خارجي، أقوى بكثير من العهد الذكري الموجود في الجملة السابقة. فقوله “لا تنقض اليقين بالشكّ” ينصرف إلى كونه عهداً، وإشارة إلى تلك الكبرى المركوزة.

وهذا الكلام بهذا التقريب يكون صحيحاً ولا بأس به، إلا أنّ مثل هذا التقريب كيف يدّعيه من أنكر ارتكازية كبرى الاستصحاب. فإنّ هؤلاء الأعلام في بحث السيرة أنكروا ارتكازية كبرى الاستصحاب، وحينما يجيئون إلى تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة، فحتّى من أنكر ارتكازية الاستصحاب هناك، يمشي هنا بارتكازه على ارتكازية الاستصحاب، فيقول: بأنّ التعليل بكبرى مركوزة في الأذهان العرفيّة.

وأتذكر من بحث السيّد الأستاذ، أنّه حينما وقع في مثل هذا، قال: بأنّ مقصودنا من الكبرى المركوزة في الذهن العرفي في قوله: “لا ينقض اليقين بالشك” كبرى: أن ّالطريق الواضح، الذي لا خطر فيه لا يُعدل عنه إلى طريق فيه خطر، واليقين طريق لا خطر فيه، والشك طريق فيه خطر، ولا يعدل العاقل في النظر العقلائي من طريق ليس فيه خطر، إلى طريق فيه خطر. فهذه هي الكبرى المركوزة(1).

هذه الكبرى، وإن كانت عقلائية، إلاّ أنّها غير منطبقة على باب الاستصحاب، لأنّه هنا لا معنى لأن يُقال إنّ موارد الاستصحاب، من هذا القبيل، فإن اليقين بالحدوث أيضاً مورد للخطر؛ لأنّه مشكوك بحسب الحقيقة. 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأصول 3: 19.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لا أنّ هناك طريق متيّقن السلامة وطريق مشكوك لها، والأمر يدور بينهما، بل هو طريق واحد كنت متيّقناً بسلامته، والآن شكّكت في سلامته. فليس هذا من مصاديق تلك الكبرى المركوزة العقلائية.

فلو فُرِض أنّنا حملنا الكبرى على هذا، فيصبح التطبيق، على هذا المصداق تعبديّاً.

 إذن، التزمنا لا محالة بعدم ارتكازية التعليل بمقدار تطبيق الكبرى على مصداقه؛ بل بهذا ينهدم باب الاستدلال بالرواية على الاستصحاب كليةً؛ لأنّ هذه الكبرى الصحيحة عقلائيّاً، قد طبّقها المولى تعبّداً في خصوص المقام على الاستصحاب. ومن قال بأنّها مطبقة تعبّداً في سائر الموارد؟ فإنّ المولى إذا طبّق كبرى كليّة على مورد تعبّداً، على خلاف ما هو الواقع، يقتصر على مقدار تطبيق المولى، ولا تسرّى إلى سائر الموارد المشابهة. -مثلاً- لو قال المولى بسجود التلاوة في الصلاة زيادة، وهذا تطبيق غير صحيح بحسب القواعد الأولية؛ لأنّ سجود التلاوة لم يؤتَ به بقصد الصلاة، فليس زيادة فيها، فيقتصر فيه على مورده ولا يقال بأنّ أي شيء أجنبي يؤتى به في الصلاة، يكون زيادة، فبحسب الحقيقة هذا البيان يكون هدماً لأصل الاستدلال. 

 فلا بدَّ من الاعتراف، بأنّ الكبرى الكليّة، المركوزة في الأذهان العقلائية، والتي ينصرف إليها الدليل، هي كبرى ذاك الميل النفساني إلى إبقاء الحالة السابقة، الذي هو شيء معقول بالتشكيكّ، ولا يخلو من إبهام وغموض من حيث سعته وضيقه، ولكن بنحو القضيّة المهملة موجود بلا إشكال. ووجوده 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بنحو القضيّة المهملة يكفي قرينة على صرف اليقين هنا عن اليقين الخاص، اليقين بالوضوء وبعد صرفه عنه، لا يبقى موجب لتخصيصه بيقين دون يقين.

نعم، يمكن لمن أنكر ارتكازيّته في المقام، أن يبيّن هذا التقريب بتعبير آخر، بأن يقول: بأنّ التفكيك بين اليقين بالوضوء، وغير اليقين بالوضوء على خلاف الارتكاز. وإن كان لا يوجد عندنا ارتكاز الكبرى، وإن كلّ يقين يجب ابقاؤه، ولكن العرف لا يتعقّل فرقاً بين اليقين بالوضوء، واليقين بغيره، يعني لو قيل له بأنّ هذا حجّة، فهو إنّما يكون حجّة باعتبار تلك النكتة الغامضة الإجمالية، التي وإن لم تكن مؤثّرة في جريه خارجاً، لكنّها مؤثّرة في انصراف ذهنه من دليل الحجّيّة إلى أن تلك النكتة هي الملاك.

فهناك مرتبتان من الإدّعاء: 

تارةً ندّعي: أنّ هذه الكبرى مركوزة عملاً وبناءً في المجتمع العقلائي. وأخرى ننكر هذا، ولكن ندّعي أنّه بالمناسبات الارتكازية في الأذهان العرفية، توجد نكتة مشتركة بين تمام موارد اليقين، وهي وإن لم تؤثّر في بناء العقلاء فعلاً، لكن تؤثّر في انصراف ذهنهم عن قصر الحكم عن المورد، فيكون التفكيكّ على خلاف الارتكاز، فتلغى الخصوصية بالارتكاز العرفي من هذه الناحية(1).

ــــــــــ[141]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال ما محصّله: هذا غير محتاج لإثبات أنّ اللام (لام الجنس)، بل حتّى لو كان (اللام عهدياً)، بالآخرة يكون الوضوء ملغيّاً بالمناسبات الارتكازية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الوجه السادس(1):

الوجه السادس: أنّه قد يقال: بأنّ المشكلة وقعت في أخذ كلمة الوضوء في التعليل، وافرضوا أنّ (اللام عهدية)، فقيل: (فإنّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشكّ).

وأيُّ خصوصية تؤخذ في التعليل، فالأصل فيها أنّها دخيلة فيها لا محالة، إلاّ في حالة واحدة، وهي: أنّ تكون تلك الخصوصية منتزعة من المورد، فإنّ الأصل فيها حينئذٍ، أنّ لا تكون دخيلة. -فمثلاً-: إذا قال الشارع: حرمّت الخمر؛ لأنّها مسكرة أو لإسكارها، أو لأنّها مسكرة بالتخمّر هنا، قد أُخذت الخمريّة قيداً في التعليل في العبائر الثلاثة على اختلاف في نحو القيدية: إمّا بنحو إرجاع الضمير إليها أو بشكلٍ أشدّ. ولكن العرف يفهم من تمام هذه الصيغ الثلاث أنّ المقصود هو كون مناط الحكم ذات الإسكار لا خصوصيّة التخمّر، وكون الإسكار خمريّاً.

وليس لهذا وجه إلاّ أنّ كون هذه الخصوصية هي خصوصية المورد، فنفهم من هذا أنّ أي خصوصيّة تؤخذ في العلّة، إذا كانت غير مأخوذة في المورد فمقتضى القاعدة التحفّظ عليها، وإذا كانت منتزعة من المورد فمقتضى القاعدة إلغاؤها.

والنكتة في ذلك، هو أن تصدّي المولى للتعليل، بعد أن يُبيّن حكماً، ثُّمّ 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) التقريب السادس.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يتصدّى لتعليل ثبوت الحكم للموضوع، نفس تصدّي المولى لذلك ظاهر عرفاً، في أنّه ألغى خصوصية المورد، وأنّ الموضوع الذي أخذه ليس دخيلاً في المناط وإنّما الدخيل شيء آخر سوف يذكره.

وهذا الظهور العرفي السياقي لنفس تصدّي المولى للتعليل هو: المنشأ في أنّ العرف لا يتحفّظ على الخصوصيات المأخوذة في التعليل، إذا كانت منتزعة من المورد.

هذا التقريب أيضاً لو تّمّ في نفسه وسلَّم، فلا ينطبق على محلّ الكلام؛ لأنّه إنّما يتمّ -لو تمّ- فيما لو فُرِض أنّ المولى أدخل في العلّة نفس عنوان الموضوع، الذي جعل الحكم عليه، كما في مثال الخمر الذي سبق، وهذا غير موجود في المقام. فإنّه في المقام، لم يلقَ الحكم المعلل على عنوان اليقين السابق، بل الحكم المعلّل هو عدم وجوب إعادة الوضوء للمكلّف الذي لم يستيقن بالنوم. يقول: المكلّف لا يجب عليه الوضوء إذا لم يستيقن بالنوم، لأنّه كان على يقين من الوضوء.

فالتعليل يوجب إلغاء خصوصية الموضوع، الذي أُضيف إليه الحكم عرفاً في طرف المعلّل، لا إلغاء أي خصوصيّة أخرى مساوقة مع المورد. 

وفي المقام، الحكم المعلّل لم يُعلَّق على عنوان اليقين بالحدث، وإنّما كان الحكم المعلّل هو عدم وجوب الوضوء على مكلّف لم يستيقن بالنوم، فمثل هذا لا يقاس بالتراكيب الأخرى. هذا هو التقريب السادس.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الوجه السابع(1): للنائيني 

التقريب السابع: من تقريبات الاستدلال بالصحيحة، على القاعدة الكبرى هو ما ذكره المحقّق النائيني(2)، في مقام بيان أنّ (اللام) في (لا ينقض اليقين بالشك) ليست للعهد.

لأن، اليقين في الجملة الأولى (وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه) بالرغم من أنّه أُضيف إلى الوضوء، نحو لا نفهم منه القيدية. فإذا لم نفهم القيديّة من الجملة الأولى، فكيف نفهم العهدية من الجملة الثانية، بحيث ترجع إلى هذه الحصّة الخاصّة؟

أمّا لماذا لا نفهم القيديّة من الجملة الأولى؟ فيقول: إنّ اليقين حيث إنّه من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، المتقوّمة بمتعلّق لا محالة، ولا يُتصوّر وجود اليقين بلا متعلّق، بلا متيقّن، ولذا يكون إرداف اليقين بمتعلّقه على مقتضى الطبع، ولا يكون هذا كاشفاً عن كونه قيداً لليقين في مقام تعلّق الحكم به.

طبعاً لا ينبغي أن يكون مقصود الميرزا، وإن أُوهمت العبارة، هو أنّ اليقين حيث إنّه صفة حقيقية ذات الإضافة، فهو يستحيل انفكاكه عن متعلّقه، فيكون ارتباط متعلّقه به من باب استحالة انفكاك متعلّقه عنه. 

ليس مراده ذلك حتماً؛ لأنّه من الواضح أنّ استحالة انفكاك المتعلّق عنه إنّما هو بحسب عالم وجود في نفس المتيقّن، لا بحسب الذكر والتعبير عنه في 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

(1) التقريب السابع.

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 359- 360.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مقام الإثبات وإلا -في مقام الإثبات- كثيراً ما يُستعمل اليقين من دون أن يخصّص بمتعلّقه.

بل مراده هذا التقريب: أنّه حيث كان الـمتعلّق من مقدّمات اليقين، ومشخصّات ذاته وهويته، باعتبار كونه صفة ذات الإضافة، فبهذا الاعتبار لا يكون ذكره ذا مؤونة زائدة في النظر العرفي، حتّى تُحمل هذه المؤونة على الالتزام بالقيدية.

فإنّ ذِكْرَ أيِّ خصوصيّة من الخصوصيات في موضوع الحكم، مؤونة زائدة في عالم اللحاظ، وهذه المؤونة الزائدة، يُحتمل ثبوتاً أن تكون جزافاً ويُحتمل أن يكون من باب القيديّة. والظهور العرفي للمؤونة الزائدة، أنّه من باب القيديّة لا من باب الجزافية، ومن باب دخله في موضوع الحكم، لكن هذا الظهور في القيديّة ملاكه أن تكون مؤونة زائدة في نظر العرف، وهنا ذِكرُ المتعلّق -بحسب النظر العرفي- ليس فيه مؤونة زائدة، فإنّ نسبة الوضوء إلى اليقين نسبة الشخص لهويّته وماهيّته. فحينما يقول: (فإنّه على يقين) أو يقول: (على يقين من وضوئه)، لا يرى أنّه استعمل مؤونة لحاظية زائدة، في نظر العرف، وإن كانت بالدّقة مؤونة، لكنها ليست مرئية للعرف، لينعقد لها ظهور في أنّ إعمالها من قبل المولى كان بملاك القيديّة. إذن، فلا ينعقد للجملة الأولى من أوّل الأمر ظهور في القيديّة.

ولا ينعقد لها ظهور في عدم القيدية، على الأقل يبقى من هذه الناحية غير واضح. 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يعني الكلام لا يُعطى حسب عناية المولى على القيد، لكن بحسب الواقع وعالم الثبوت، يحتمل ان يكون مأخوذاً ولا يمكن التمسُّك بالإطلاق، لو اقتصرنا على الجملة الأولى، وبمقدّمات الحكمة. لكن ليس في كلام المولى ما يدلّ على صب عناية المولى على هذا القيد؛ لأنّه ليس فيه عناية عرفية بالنظر العرفي.

وحينئذٍ، فلو اقتصرنا على جملة: (فإنّه على يقين من وضوئه)، فإنّه لا يمكن التمسُّك بإطلاقه بالنتيجة، وإن لم يكن القيد ظاهراً بالقيديّة. فلو اقتصرنا على الجملة الأولى، لم يتحصّل لنا استصحاب كلّي. لكن بعد الالتفات إلى الجملة الثانية، وهو قوله: “ولا ينقض اليقين بالشكّ“. وهو في نفسه يصلح أن يكون مفاده قاعدة كلية، وإنّما الإشكال كان من ناحية كون اليقين هنا عهديّاً إلى تلك الحصّة الخاصّة، واحتمال كون سبق تلك الحصّة ممّا يصلح أن يكون بياناً للقيد. وهذا يرتفع في المقام، إذ بعد أن عرفنا في المقام، أنّ بيان هذا القيد في الجملة الأولى لم يكن يصلح أنّ يكون بياناً للقيد، فكيف يصلح هذا أنّ يكون بياناً للعهد في الجملة الثانية؟

وتعقّب الجملة العامّة بحصّة إنّما يكون صالحاً للتقييد، فيما إذا كان القيد المذكور في تلك الحصّة الخاصّة ممّا توجّه إليه النظر في مقام القيديّة، ولكن إذا كان هذا القيد منذُ أُخذ لم يؤخذ بنحوٍ له ظهور، في أنّ النظر المولوي انصّب عليه، فمثل هذا التعقّب لا يصلح حتماً للقرينية عرفاً. فلو قال المولى أنّى اعتمدت على سبق هذه الحصّة الخاصّة، لم يكن مثل هذا الاعتماد اعتماداً عرفيّاً، بل تجري مقدّمات الحكمة، ويثبت الإطلاق في المقام. وهذا البيان من ألطف 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

البيانات العرفية في مقام استفادة الحكم من هذه الرواية بناءً على هذا التقريب. والمضنون أنّ مقصود الميرزا هو هذا(1)

هذا هو التقريب السابع.

التقريب الثامن: للخراساني في الكفاية

التقريب الثامن: هو الذي ذكره المحقّق الخراساني في الكفاية حيث قال: مع قوة احتمال أن يكون كلمة (من وضوئه) متعلقاً بالظرف لا باليقين(2). ويكون معنى قوله: “وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه” أنّه من طرف وضوئه على يقين، لا أنّه على يقين من وضوئه، يعني يريد أن يدّعي ذاك المعنى الذي يستظهره الناس -لعلّه- عموماً، لو صار تقديم وتأخير في الجملة وقلنا: وإلاّ فإنّه من وضوئه على يقين. فإنّ كلمة الوضوء حينئذٍ، لا تكون مقيّدة لكلمة 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا لا يصلح قرينة على العهدية، بمعنى أنّ ما يكون مجملاً في نفسه في جملته، وليس له في جملته ظهور في القيدية، لا تصلح لأن تكون قرينة على العهدية، هذا جزماً. يعني نحن نفكّك بين مطلبين، فإنّ هذه الخصوصية بلحاظ الجملة الأولى ليس لها ظهور في القيديّة، لكن ليس معناه أنّه ينعقد الإطلاق، فإنّها بالنتيجة، حيث إنّها موجودة، ولهذا يكون مجملاً؛ لأنّ المولى لو قال: إنّي ذكرت هذا بعنوان المقيديّة، لم يكن هذا مخلّاً.

ولكن اعتماد المولى في مقام تقييد المطلق على ذكر قيد سابق، مشروط بأن يكون لهذا القيد في جملته السابقة ظهور في القيدية، وإلاّ لا يصلح لأن يكون مقيّداً للمطلق. وعليه فيتمّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة. (المقرِّر).

(2) انظر: كفاية الأصول، 390.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

اليقين؛ لأنّها جاءت قبله. وإنّما تكون قيداً لأمر آخر وهو الظرف المستتر المقدّر المقتنَص من حرف الاستعلاء (على)، بأنّ يقال: فإنّه كائن مستقرّ أو ثابت على يقين. هذا الكون والاستقرار الذي هو من ناحية الوضوء. فالوضوء يكون طرف لنفس الكون، والاستقرار على اليقين، واليقين يبقى على إطلاقه دون أن يقيّد بشيء.

يقول صاحب الكفاية: أنّ هذا احتمال قوي جدّاً(1).

 والإنصاف أن ما ذكره قوي جدّاً، وهذا الاحتمال قريب من النفس جدّاً. والكلام تارةً يقع في تقريب هذا الاحتمال إلى النفس، وأخرى في نفعه في مقام الاستدلال بالرواية.

أما تقريب هذا الاحتمال إلى النفس، فبملاحظة شواهد هذا الباب، فإنّه حينما يُقال: (فإنّه على يقين من وضوئه) من قبيل قولنا (فهو على سلامة من دينه) و(على بيّنة من ربه) ونحوها من التركيبات. وفي مثل هذه التركيبات نلحظ أمرين: 

أحدهما: أنّ جملة من هذه الصفات لا تتعدّى غالباً إلى متعلّقها بـ(من) وإنّما تتعدّى بحرف آخر. ففي اليقين الغالب انه لا يتعدّى بـ(من) فلا يقال: أنا متيقّن من كذا، وإنما: أنا متيقن بكذا. ومثله (أنا على بصيرة من ديني) فإنّه يقال: فلان بصير بالدين ولا يقال: أنه بصير من الدين.

إذن، فمن في هذه الأمثلة ليست في مقام أنّ تعدّي اليقين إلى متعلّقه أو 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) انظر: المصدر السابق نفسه.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

البصيرة إلى متعلّقها، فمن هنا نستشم أنّ (من) ليست مربوطة باليقين وبالبصيرة بل مربوطة بـ(على) ابتداءً.

 ولهذا فهي تجيء بعد الكلمة حينما تجيء (على) قبلها، فيقال: (على يقين من وضوئه وعلى بصيرة من دينه). فقولنا (من وضوئه، ومن دينه) يتعلّق بالظرف المستتر المستبطن، يعني كائن من ناحية وضوئه على يقين، وكائن من ناحية دينه على بصيرة.

وأيضاً نستشم هذا المطلب، من معاني هذه الجُمل، قلنا: حينما نقول سيّد الشهداء في سفره كان على بيّنة من ربه، هل نقصد أنّه كان على بيّنة بربه يعني كان يعلم بوجود الله، أو نريد بذلك: أنّه على بينة بصّحة طريقه وذهابه إلى كربلاء واستشهاده؟ فمتعلّق البيّنة ليس هو الله، بل هو هذا العمل العظيم الذي قام به، يعني هذا العمل كان بيّن الصحّة عنده. فـ (من ربه) بالنتيجة تكون متعلّقاً بـ(على)، يعني: ثابت على بيّنة هذا الثبوت من ناحية الله، والله تعالى هو الذي أفاض عليه البيّنة. فالله معطي البيّنة، لا متعلّق لها.

وهنا، أيضاً كذلك، حينما نقول: فإنّه على يقين من وضوئه، يكون الوضوء منشأ اليقين وليس متعلّقه. صحيح بحسب الواقع المتعلّق هو الوضوء، ولكن بمقدار ما أُريد التعبير عنه في عالم اللفظ، أنّ الوضوء منشأ لليقين، لا أنّه متعلّق بالنسبة إليه. فمن وضوئه يكون قيداً لنفس الظرف المقتنص من حرف الاستعلاء المقدّر بكائن، وثابت، ومستقر(1).

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: المقصود أنّه بهذه النكتة نعرف أنّ هذا الاحتمال هناك موجود في قولنا (على بيّنة من ربه) مع أنّنا لا نرى فيه أي مؤونة، وأي فرق عرفي بين التعبيرين، يعني: بحسب النظر العرفي نرى أنّ كلّ هذه التراكيب مسوقة بمساق واحد، وليس فيه أي بعد أو مؤونة، فهذا التركيب صالح صلاحية عرفية لأن يفيد هذا المعنى، مع كون هذا المعنى هو المتعيّن في بعض التراكيب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نحن نرى أنّ هذا الاحتمال قريب جداً من النفس، فيقع الكلام، بعد هذا 

أنّ هذا الاحتمال الذي أبداه المحقّق الخراساني، هل هو نافع في مقام تصحيح الاستدلال أو لا؟

هنا ناقش المحقّق العراقي(1) فذكر: أنّ هذا الاحتمال غير نافع في مقام تتميم الاستدلال. افرضوا بأنّ الوضوء لوحظ بما هو منشأ لليقين، لا بما هو متعلّق له. بالنتيجة، لا محالة يستحيل أن يكون لهذا اليقين إطلاق لغير حالة تعلّقه بالوضوء، كاليقين بالعدالة والاجتهاد، سواءٌ أُخذ الوضوء قيداً ومحصّصاً له بلحاظ المتعلّق أو أُخذ حيثية تعليلية له. فإنّه حتّى على فرض أنّه أُخذ حيثية تعليلية له، يستحيل أن يكون للمعلول إطلاق لغرض فقد العلّة. 

فبالنتيجة يحصل ضيق ذاتي في هذا اليقين، ولو من ناحية تقيّده بالحيثية التعليلية. وهذا الضيق الذاتي، يوجب عدم انعقاد الإطلاق له، فلو أرجعنا (اللام) والعهد إليه، رجعنا إلى قاعدة صغيرة، في خصوص باب الوضوء.

وهذا الكلام غير تام، وذلك لأنه كأنّه فهم أنّنا نريد أن نتحفّظ على كون من وضوئه قيداً لليقين، لكن تارةً يكون قيداً بالمعنى المتعلقيّة، وأخرى 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 4ق1: 43.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يكون قيداً بمعنى المنشأية. ومعه لا يمكن فرض إطلاق يشمل اليقين بالعدالة؛ لأنّ اليقين بالعدالة لا ينطبق عليه اليقين بالوضوء متعلّقاً أو علّةً. وهذا واضح.

لكن المحاولة التي قام بها صاحب الكفاية لا تستهدف إبقاء (من وضوئه) قيداً لليقين، مع تبديل مضمون القيديّة من المتعلّقية إلى التعليلية، بل مراده سلخ هذا القيد رأساً عن كلمة اليقين، وإرجاعها إلى أمر آخر، وهو عبارة عن الظرف، بأن يُقال: بأنّه ثابت على يقين أو كائن. فالكون هنا يكون له قيدان: قيد اليقين تعدّى إليه بـ(على) وقيد الوضوء تعدّى إليه بـ(من). وتعدّيه إلى اليقين بـ(على) له معنى الاستقرار والثبوت، وتعدّيه إلى الوضوء بـ(من) له معنى المنشأية والعليّة.

 إذن، فاليقين والوضوء معاً يردان قيدين في عرض واحد على الكون
-الظرف المقدر- من دون أن يلحظ أيّ ارتباط بين نفس هذين القيدين. إذن، فكلمة اليقين في مرحلة الإسناد الكلامي لا يُلحظ فيها أيّ نحو من التحصيص، بل تكون قيداً وارداً على الظرف في عرض ورود قيديّة الوضوء على الظرف، فلا يكون هناك أي تحصيص بين كلمة اليقين وكلمة الوضوء.

كما هو الحال فيما لو قدمنا هذه الكلمة، وقلنا إنّه من وضوئه على يقين(1)

ــــــــــ[151]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: ليس المقصود أنه يستحيل أن يتقيّد المعلول الواقعي بعلّته، بل ما فرض كونه معلولاً في عالم الإسناد الكلامي. وآغا ضياء: ليس مقصوده أنّ المعلول واقعاً لا بدَّ وأن يتقيّد، بل مقصوده أنّ مافُرِض مربوطاً بعلّته، يعني النسبة التعليلية كالنسبة التقييدية محصّصة ومقيّدة لا محالة، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحينئذٍ، فهذا الكلام من قبل صاحب الكفاية قريب من النفس، ويكون معزّزاً ومؤيّداً للوجوه الأخرى التي تقدّمت.

وبذلك اتضح: أنّ جملة من الوجوه التي تقدّمت، إمّا ابتداءً، أو بالإصلاحات التي أجريناها عليها، تكون كافية في مقام الاستدلال بهذه الرواية. 

إذن، فالاستدلال بها على كبرى الاستصحاب تام(1).

هذا هو الكلام في أصل الاستدلال بالرواية. 

ولأجل استيعاب الكلام في فقه هذه الرواية، والذي يلقي أيضاً بعض الظلال على فرضنا الأصولي منها، نعقد تنبيهات لفقه هذه الرواية.

تنبيهات الصحيحة الأولى:

التنبيه الأوّل 

من تنبيهات هذه الرواية: في ظهورات هذه الجملة وهي قوله: “وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك“، من سائر الجهات، فإنّنا عالجنا سابقاً ظهورها من ناحية الكلّيّة، واختصاصها بالمورد، والآن نتكلّم في ظهورها من سائر الجهات.

فيقال: بأنّه لا إشكال بأنّ قوله: “وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه“، ظاهر 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: ثُّمّ لو لم يتمّ كلّ واحد منها، أليس مجموعها يكون تامّاً؛ لأنّ كلّ واحد يشكل قرينة ناقصة؟

 فقال: بلى لا باس به! (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بالإخبار في مقابل الإنشاء؛ لأنّ طبع هذه الجملة خبري لا إنشائي، فإنّ الأصل في مثلها أن يكون في مقام الإخبار والحكاية عن ثبوتها لموضوعها، لا في مقام الإنشاء. وهذا الظهور ممّا لا إشكال فيه، في هذه الجملة، حتّى منْ حمله على الإنشاء كالميرزا، أيضاً سلّم بأنّ حملها على الإنشاء، على خلاف طبع الجملة في نفسه. حتّى أنّ جملة من الأعلام كالسيّد الأستاذ، ادّعى أنّ الحمل على الإنشائية خطأ، ويتعيّن الحمل على الخبرية، وليس المورد من موارد صحّة استعمال الجملة الخبرية في مقام الإنشاء.

بتقريب: أنّ الجملة الخبرية التي تُستعمل في مقام الإنشاء، هي ما كان من قبيل الجملة الفعلية، من قبيل (يُعيد ويغتسل)، (وأعاد واغتسل) ونحوها.

 وأمّا الجملة الاسميّة، بأن يقال: (فلان متوضئ أو مغتسل)، فهو لا يُستعمل في مقام إنشاء طلب الغسل. فالجملة الأسمية لا تصلح لأن تُستعمل في مقام الإنشاء. والجملة التي في المقام اسمية وليست جملة فعلية(1).

إلا أنّ هذا الذي ذكره غير تامّ؛ وذلك لأنّ هذا إنّما يتمّ -لو فُرِض تماميّته- فيما أن كان المراد من استعمالها في مقام الإنشاء يعني استعمالها لإنشاء الطلب بها، بحيث يكون معنى قوله: “فإنّه على يقين من وضوئه” يعني: ابنِ واجرِ على طبق اليقين. حينئذٍ، يأتي مثل هذا الكلام.

وأمّا إذا قيل بأنّها مستعملة في مقام الإنشاء، بمعنى إنشاء محمولها على موضوعها، أي إنشاء نفس اليقين وإيجاده اعتباراً وتعبّداً، مثل جملة (أنت 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 20.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

طالق)، فإنّها جملة خبرية بحسب طبعها، إلاّ أنّها مستعملة في مقام الإنشاء. وليس المراد منها طلب الطلاق، بل المراد إنشاء المحمول وإيجاده على موضوعه، وهذا المعنى من الإنشائيّة يتصدّر حتّى في الجملة الأسمية.

وحينئذٍ، ففي المقام أيضاً يمكن أن يكون إنشائيّاً بهذا المعنى، ولا يكون فيه محذور. 

نعم، لا شكّ ولا ريب في أنّه خلاف الظاهر، فإنّ الطبع الأولي للجملة، أن يكون خبريّاً لا أن يكون إنشائيّاً، فلا بدَّ أن يتحفّظ على هذا الظهور، ما لم يكن موجب فنّي لرفع اليد عنه.

الظهور الثاني الذي لا إشكال فيه أيضاً: أنّ ظاهر المولى أنّه في مقام الإخبار عن اليقين الحقيقي، أي عن الوجود الحقيقي لليقين، لا عن الوجود التعبّدي له.

في مقابل من يقول: سلّمنا الظهور الأوّل، وهو أنّ المولى في مقام الإخبار عن اليقين لا في مقام إنشائه، لكن يخبر عن اليقين التعبّدي، فالتعبديّة يطعمها في مادة الكلمة، لا في مدلول الجملة. هذا أيضاً خلاف الظاهر، بحيث يكون المولى مخبِراً عن اليقين التعبّدي، فإنّ ظاهر كلّ مدلول أن يراد به مصداقه الواقعي لا مصداقه العنائي المسامحي.

فبضم هذا الظهور إلى الظهور الأول(1)، ينتج إلى أنّ ظاهر المولى من قوله: “وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه“، أنّه في مقام الإخبار عن اليقين الحقيقي، الذي

ــــــــــ[154]ــــــــــ

() فتكون الجملة خبرية هيئة ومادة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 كان عند هذا المؤمن، وهو اليقين بالوضوء حدوثاً.

إلاّ أنّ هذه النتيجة المستخلَصة من الظهورين، يمكن أن تبرز لها ظهوراً ثالثاً معارضاً، لا يلائم مع هذه النتيجة، وتوضيح إبراز هذا الظهور الثالث، يتوقّف على الإشارة إلى نكتة سوف تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وهي: أنّ اليقين بالحدوث في موارد الاستصحاب، يمكن أن يُلحظ بلحاظين: 

يمكن أن يُلحظ بما هو يقين بالحدوث، أي يحصّص متعلّقه، ويُقيّد بالحصّة الحدوثية. وحينئذ، فلا يصحّ -مثلاً- أن ينسب إليه نقض الشكّ، بأن يقال: بأنّ الشكّ في البقاء ينقض اليقين بالحدوث أو لا ينقضه؛ لأنّ اليقين بالحدوث على هذا ليس متعلّقاً، يعني ما تعلّق به الشكّ. فإنّ اليقين تعلّق بالحصّة الحدوثيّة، والشكّ تعلّق بالحصّة البقائية. وكونه ينقضه أو لا ينقضه، فرع أن يتعلّق بنفس ما تعلّق به، فلا يصحّ بهذا اللحاظ إضافة نقض الشكّ إلى اليقين.

وهناك لحاظ آخر، أبرزه الأعلام؛ لأجل تصحيح إضافة نقض الشكّ على اليقين، حيث قالوا: إنّ اليقين بالحدوث له لحاظ آخر، وهو: أن يُلحظ اليقين بالحدوث مجرّداً عن خصوصيّات الحدوث والبقاء، يعني يُضاف اليقين إلى ذات الشيء، بقطع النظر عن خصوصية حدوثه وبقائه، ويُضاف الشكّ إلى ذات الشيء، بقطع النظر عن خصوصيّة حدوثه وبقائه، فبهذا الاعتبار يصّح اتحاد متعلّق الشكّ واليقين، فيكون الشكّ ناقضاً لليقين.

وهذا اللحاظ، من اللحاظات العرفيّة الصحيحة، فإنّ اليقين بالحدوث، 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يمكن أن يُلحظ بما هو أمر قابل للجريان مع متعلّقه. فيقال: قد بقي يقين بعدالة فلان، يقصد أنّى لا أزال متيقَّناً من عدالته. فيكون بقاء اليقين بجريانه، وفق جريان متعلّقه. 

فإنّ اليقين تارةً: يلحظ بما هو مضاف إلى حصّة خاصّة حدوثه، ويقال بأنّ يقيني بقي، فهذا البقاء يُضاف إلى اليقين بما هو. -مثلاً- يُقال: إنّ يقيني بحدوث عدالة زيد باقٍ، ليس معناه أنّ عدالة زيد الآن متيقّنة لي؛ لأنّه حصَّص متعلّق اليقين بخصوص الزمان الأوّل(1)

وأخرى لا يُحصّص ويّقال: بأنّ يقيني بعدالة زيد باقٍ، يُفهم منه العرف أنّ عدالة زيد الفعلية متيقّنة لي، لا أن يقيني بالعدالة في اليوم الأوّل باقٍ حتّى الآن، بل يُفهم منه بقاء اليقين ببقاء متيقّنه.

وبهذه العناية يصحّ نسبة الشكّ الى اليقين. فكما يصّح أن يُقال: إنّه بقي يقيني بعدالة زيد، بمعنى أنّ عدالته الآن متيقّنة لي، يصحّ أيضاً أن يُقال: إنّه انقطع يقيني بعدالته، وزال وانتقض بالشكّ. بمعنى: أنّ تيقّني لم يبقَ، وجريان يقيني طبق جريان متيقني، فيقيني كأنّه لم يبقَ. فهذا نحو من نقض الشكّ باليقين، وهو يصدق بعناية تجريد متعلّق اليقين والشكّ. فإنّ هذا التجريد يكسب اليقين طبعاً غير طبعه الأوّلي، ويجعله مواكباً في امتداده وانقطاعه لمتيقّنه امتداداً وانقطاعاً. هذا هو اللحاظ الثاني.

وهذا اللحاظ الثاني هو المتعيّن بناءً على أنّ اللحاظ الأوّل، لو لاحظنا 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

() وهذا هو اللحاظ الأوّل، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

اليقين بالحدوث بما هو يقين بالحدوث، فيصبح هناك تباين بين متعلّق الشكّ واليقين، ولا يصحّ إضافة نقض الشكّ إليه. فيجب أن يُلحظ اليقين بما هو مجرّد عن خصوصيّة الحدوث والبقاء، بحيث يكتسب طبع المتيقّن، ويزول بزوال متيقّنية المتيقّن.

إذا اتضح هذا يقال: بأنّ اليقين بالحدوث الذي أراد أن يُخبِر عنه الإمام في قوله: “وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه” هل لاحظه باللحاظ الأوّل، أو باللحاظ الثاني؟ فإنّ كان قد لا حظ اليقين باللحاظ الأوّل، أي: بما هو مضاف إلى الحدوث بما هو حدوث، فهذا اليقين لا يصحّ أن يُقال بأنّه يُنقض بالشكّ؛ لأنّ هذا اليقين لم يطرأ عليه شكّ أصلاً، وإنّما الشكّ طرأ على شيء آخر أجنبي عنه. فاليقين بالحدوث، وإن كان موجوداً بالفعل وعبارة الإمام صادقة بالنسبة إليه، ولكنّه لا يصدق حينئذٍ، نقض الشكّ لمثل هذا اليقين، لتباين متعلّق الشكّ واليقين بهذا اللحاظ.

وأمّا إذا فرضنا أنّ المولى الذي أخبر عن اليقين بالحدوث، لاحظه بلحاظ الثاني، فسوف يكتسب اليقين طبع المتيقّن، وسوف ينقطع بانقطاعه. 

ومعنى هذا أنّه في مرحلة الشكّ في البقاء لا يوجد يقين بالفعل، بل يصحّ أن يُقال بنفس هذه العناية، أنّه قد زال يقيني بالفعل، مع أنّ ظاهر قوله: “وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه” الإخبار عن فعليّة اليقين. فإنّه لم يقل (فإنّه كان على يقين من وضوئه). وفعلية اليقين لا تناسب مع هذا اللحاظ الثاني.

وهذه هي النكتة، في أنّ الإمام في الروايات الأخرى الآتية، فرض اليقين 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بالحدوث قد مضى يقول: (من كان على يقين فشكّ). وهذا هو الذي جعل بعض الناس يحملونه على قاعدة اليقين؛ لأنّ ظاهره أنّ اليقين زال. مع أنّ هذا من نتائج ومكاسب هذا اللحاظ، فإنّه يقتضي فرض أنّ اليقين غير موجود بالفعل.

وعليه، فيتشكّل من هذا ظهور ثالث يعارض نتيجة الظهورين الأوليين، حيث إنّ ظهور الجملة وهو قوله: “وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه“، في
أنّه إخبار عن وجود اليقين بالفعل(1)، لا يناسب مع حمله على أنّ الجملة خبريّة صرفه، إذ مع حملها على الخبرية، تكون ناظرة إلى اليقين التكويني بالحدوث، ولا بدَّ حينئذٍ من حمل اليقين بالحدوث على اللحاظ الثاني، ومع حمله عليه، لا معنى للإخبار عن فعلية، بل لا بدَّ وأن يُخبر بانّه كان وزال. 

إذن فالظهور بالفعليّة، يوجب معارضة تلك النتيجة المستخلَصة من الظهورين الأولين.

ولو أردنا أن نعطيه حقّه -أي الظهور الثالث- لأمكن الالتزام بالإنشائية(2). فقد أوضحنا أنّه حينئذٍ، يكتسب طبع متعلّقه ويجري مجراه، وبهذا 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

() لأن اليقين الذي يعرّى عن خصوصية الحدوث والبقاء، يكتسب عرفاً طبع متيقّنه فيكون بقاؤه وجريانه بجريان متعلّقه وبقائه، ولا يكون له طبع مستقلّ. وحينئذٍ، ففي كلّ مورد يحصل شك في البقاء، لا يبقى هناك يقين بهذا اللحاظ مع أنّ ظاهر الجملة الإخبار عن فعلية اليقين. (المقرِّر).

() وهنا قال في مقام التكرار. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يصحّ أن يُضاف إليه نقض الشك باليقين، وأنّ الشكّ في البقاء ناقضٌ له، وبعين هذا اللحاظ، لا يمكن فرض وجوده بالفعل حينئذٍ. 

إذن، فظهور هذه الأخبار في فعليّة اليقين، لا يناسب مع النتيجة المستخلَصة من الظهورين الأوليين. فيحصل التعارض حينئذٍ، بين الظهور الثالث، والظهورين الأوليين.

إلا أنّ هذا التعارض مبني على أن لا يوجد عندنا مخلص، ووجد لتصحيح نسبة النقض إلى اليقين، إلا اللحاظ الثاني. 

أمّا لو فرضنا أنّنا حتّى مع الالتزام باللحاظ الأوّل، وهو: لحاظ أنّ اليقين أُضيف إلى الحدوث بما هو حدوث. أمكن أن يُنسب النقض إلى اليقين. وبناءً على هذا، هذا الكلام لا يأتي؛ لأنّنا حينئذٍ، نختار أنّ الإمام يُخبر عن فعليّة وجود اليقين الآن، ومراده اليقين التكويني بالحدوث بما هو حدوث. وأمّا أنّه كيف نسب إليه نقض الشكّ؟ فله بيان آخر غير اللحاظ الثاني. 

وحينئذٍ، لا يحصل تعارض بين الظهور الثالث والظهورين الأولين. وهذا مطلب يأتي تحقيقه، حينما نتكلّم في التفصيل بين موارد الشك، في المقتضي والرافع.

ثُّمّ، لو فرضنا أنّه انحصر المطلب، ولم يكن تصحيح إسناد نقض الشكّ إلى اليقين، إلا بحمله على اللحاظ الثاني، الذي معه لا يمكن الإخبار عن فعليّة اليقين. حينئذٍ يستحكم التعارض، بين الظهور الثالث والظهورين الأولين. ومعه فلا ينبغي أن يُشكّ في أنّ الظهورين الأولين أقوى من الثالث.

يعني أن التحفّظ على الظهورين الأولين، وارتكاب عناية. بمقدار أنّ 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الإمام قال: “بأنّه على يقين” يعني: بلحاظ أوّل المطلب، لا أنّه على يقين فعلاً. هذه العناية أقرب من أن نرفع اليد عن الظهورين الأولين، ونتحفّظ على الثالث، ونقول: إنّ المولى هو في مقام الإنشاء، بحيث إنّه حين يقول: “وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه“، ليس ناظراً إلى هذا اليقين المفروض في السؤال، بل ناظر إلى يقين، هو يجعله جعلاً ويوجده في مرحلة البقاء بالعناية المولوية. مثل هذه العناية أكبر من تلك العناية. ففي مورد التعارض بين هاتين العنايتين يلتزم بالتحفّظ على الظهورين الأولين وبرفع اليد عن هذا الظهور الثالث.

خصوصاً: اننا لو حملنا قوله: “وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه“، على أنّ جملة إنشائية في مقام جعل اليقين فعلاً، وإلغاء الشكّ تعبّداً. إذن، بِمَ نفسر الجملة الثانية، وهي قوله: “ولا ينقض اليقين بالشكّ“؟ هل يكون المراد من اليقين في الجملة الثانية اليقين الحقيقي، أو اليقين التعبّدي، الذي ينطبق على ما جعله في الجملة الأولى؟

فإن أراد أنّ اليقين الحقيقي الوجداني لا يُنقض بالشكّ، فكأنّه بيّن الاستصحاب بعبارتين:

 أولاً: جعل الاستصحاب بعنوان: (فإنّه على يقين).

 وثانيها: بيّنه بعبارة (ولا ينقض اليقين بالشكّ). وهذا خلاف ما استظهرناه من أنّ سياق الكلام يوجب انصراف العرف إلى الشكل الأوّل(1)  من 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

() ويلزم من ذلك ثانياً: أن يكون المراد من اليقين في الجملة الأولى هو اليقين التعبّدي، ومن اليقين في الجملة -الثانية اليقين الوجداني- مع أنّ وحدة السياق تقتضي أن يُراد من اليقين في كلّ منهما نحو واحد حتّى بقطع النظر عن ارتكازية الشكل الأوّل من القياس. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

القياس وأنّ الإمام في مقام الاستدلال، وبيان صغرى وكبرى. وهذا لا يكون كذلك، بل يكون من بيان مطلب واحد بعبارتين. 

وأمّا إذا أراد أنّ اليقين التعبّدي لا يُنقض بالشكّ. فهذا فيه ضعف من ناحيتين: 

إحداهما: إنّ هذه ليست قاعدة من القواعد المستحقّة البيان؛ لأنّ مرجعه يكون إلى قولنا: إنّ الجملة الشرعية لا بدَّ من العمل بها، ولم يكن هذا محتاجاً إلى بيان، فيكون هذا بنفسه بياناً مستغنىً(1) عنه.

مضافاً إلى أنّه بذلك النظر الذي يكون المولى قد جعل اليقين وألغى الشكّ، كيف يمكن أن يُفرض الشكّ؟ لو فُرِض أنّه في الكبرى يريد اليقين التعبّدي، وأنّه لا يُنقض بالشكّ، ففرض اليقين هو فرض أنّه قد ألغى الشكّ، وفرض الشكّ هو فرض اعترافه في هذا المقام بوجود الشكّ، فحينئذٍ، يحصل نحوٌ من التهافت بالنظر العرفي بين: فرض اليقين، وفرض الشك.

نعم، لا يستحيل عقلاً، أن يقول المولى: أنا أفرض وجود اليقين، ولكن الشكّ باقٍ على حاله، لكن فيه نحو من التهافت العرفي الذي يوجب انصراف العبارة عنه.

فلمجموع هذه الخصوصيّات، يتعيّن رفع اليد عن الظهور الثالث 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() وتكون كبرى ركيكة، إذ نقول: إذا حكمنا بحجّيّة الاستصحاب، فلا ينبغي الالتفات إلى الشك. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

والتحفّظ على الظهورين الأولين في مقام التعارض. ونتيجته: أنّه يتعيّن حمل الجملة على أنّها جملة خبرية لا إنشائية.

*****

مطلب آخر: في أن قوله فإنه… الخ جزاء أو تعليل(1)

بعد هذا ندخل في مطلب آخر: وهو أنّ هذه الجملة وهو قوله: وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه. أهو جزاء لقضيّة شرطية، أو هو علّة لجزاء محذوف، وهو توطئة ومقدّمة لجزاء؟

والجزاء هو قوله: “ولا ينقض اليقين بالشكّ“. فهنا ثلاثة احتمالات: 

أنّه ما قبل الجزاء، وأنّه ما بعد الجزاء، وأنّه هو الجزاء. وهذه الاحتمالات تارةً ندرسها بناءً على ما هو المستظهر من كون الجملة خبرية، وأخرى ندرسها بناءً على كون الجملة إنشائية.

أمّا بناءً على أنّ الجملة خبرية: 

الاحتمال الأول: أن تكون هذه الجملة: -وإن لم يستيقن أنّه نام- فإنّه على يقين من وضوئه، جملة بعد الجزاء، والجزاء محذوف، وتقديره: فلا يجب عليه الوضوء فإنّه على يقين من وضوئه. فيصير تعليلاً لجزاء محذوف، فتكون هذه الجملة بعد الجزاء. وهذا الاحتمال هو مختار الشيخ والمشهور(2).

ــــــــــ[162]ــــــــــ

() ذكر أولاً فهرست ما كان قاله من البرهان على أنّ الجملة إخبارية لا إنشائية، (المقرِّر).

(2) انظر: فرائد الأصول 2: 564. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا الاحتمال صحيح في نفسه، وجارٍ طبق أساليب التعبير العربي، ولا بأس بانطباقه على هذه الجملة، ولا يُتصوّر هناك مبعد له إلا أحد أمرين:

 أحدهما: دعوى أنّه يلزم من هذا التكرار، إذ يلزم أن يكون المولى قد كرّر عدم وجوب الوضوء مرّتين؛ لأنّه -قبل الشرطية- بيّن أيضاً أنّه لا يجب الوضوء، “قلت: فإن حرك إلى جنبه شيء لم يعلم به قال: لا” -يعني لا يجب عليه الوضوء حتّى يستيقن أنّه قد نام… وإلاَّ -يعني وإن لم يستيقن أنه قد نام فلا يجب عليه الوضوء- (فإنّه على يقين من وضوئه) فقد كرّر عدم وجوب الوضوء مرّتين والتكرار خلاف الأصل. 

هذا التوهّم طبعاً غير صحيح؛ وذلك لأنّ هذا تكرار تقديري لا تحقيقي. فإنّ المفروض أنّه حذفه. 

نعم، لو صرّح به لكان هذا على خلاف طبع المتكلّم، لكن حيث إنّه لم يصرّح به، فمثل هذا التكرار التقديري، ليس على خلاف الطبع حتّى في مقام التعبير.

والتخيّل الثاني أن يُقال: أنّه يلزم منه الالتزام بالتقدير، والتقدير في نفسه خلاف الأصل، وواجد لمؤونة. 

هذا أيضاً غير صحيح؛ لأنّ التقدير عبارة عن الاعتماد على وضوح المطلب واقتناصه، وصحيح أنّ المتكلّم بطبعه يجب أن يعتمد في تفهيم مقاصده على الدال الأوّل وهو الموضوع المصرّح به: وهو اللفظ، لا على الدال الثاني وهو: الوضوح المقتنص والمتكّون من مجموع الكلمات، هذا قد يكون فيه نحو من العناية.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ولكن الاعتماد هنا لم يكن الاعتماد على الوضوح المقتنص، بل كان على الوضوح المصرّح به في الجملة السابقة، فإنّه قال: “لا حتّى يستيقن.. وإلّا فإنّه على يقين” فقبل الدخول في الشرطية(1) بيّن الحكم بعدم وجوب الوضوء، ووضع له غاية، وهو أن يستيّقن. ثُّمّ قال بعد هذا: (فإن لم تتحقّق الغاية، فمن المعلوم أنّه يكون حكمه هو حكم المُغيّا). إذنّ فالاعتماد لم يكن على وضوحٍ مقتنص وثانوي، بل كان على وضوح تصدّى لبيانه بالمطابقة(2). وإنّما لم يبيّنه مرة أخرى من ناحية مؤونة التكرار. 

فالالتزام بكون الجزاء مقدّراً، ليس فيه لا محذور التكرار ولا محذور الاعتماد على موضوع مقتنص، وعليه فهذا الاحتمال في حدّ ذاته صحيح جارٍ حسب أساليب التعبير العربي، وليس فيه أي مؤونة وعناية.

الاحتمال الثاني: أن يكون قوله: فإنّه على يقين من وضوئه قبل الجزاء، ويكون الجزاء هو قوله: “ولا ينقض اليقين بالشكّ“.

هذا الاحتمال غير صحيح، بل جُعِل من قبل الأعلام أردأ الاحتمالات، ولعلّه كذلك، باعتبار أنّ: “لا ينقض اليقين بالشكّ“، لا يناسب أن يكون جزاءً باعتبار عطفه بـ(الواو)، والجزاء لا يعطف بـ(الواو)، فلو كان جزاءً لكان 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

() لا يخفى أنّ هذا البيان أيضاً تقديري، فالمراد من الجواب هو أنّ الاعتماد ليس على تقدير الجزاء، بل على تقدير سابق. وإذا كان هكذا، فقد يقال بعدم ترجيح تقديرٍ على تقدير فتأمّل. (المقرِّر).

(2) لأنّ مسبوقية البيان بهذا النحو كأنّه يكون مصرّحا ًبه، وليس في هذا التحويل أي مؤونة. (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المناسب أن يبدأ به بـ(الفاء) ففرض كونه جزاءً مع فرض كونه معطوفاً بـ(الواو)، خلاف أساليب التعبير العربي بحسب الخارج.

وكيف يُفرَض أنّ (الفاء) التي يستحقّها الجزاء وضعت على الجملة الأولى، بينما الجزاء بنفسه وضع عليه (الواو). والجملة الأولى وهو “فإنّه على يقين من وضوئه“، على هذا الاحتمال: إن فرضناها من مقدّمات الجزاء، فهذا هو الذي قلناه(1)، وإن فرضنا أنّها من متمّمات الشرط، فيأتي فيها إشكال آخر مضافاً إلى الإشكال السابق. وهي أنّها لو كانت من متمّمات الشرط، لا يليق أن يدخل عليها (الفاء). فيكون هذا الاحتمال بناءً على هذا غير صحيح.

الاحتمال الثالث: هو أن يكون: “فإنّه على يقين من وضوئه“، هو بنفسه الجزاء، مع فرض كونه جملة خبرية لا إنشائية.

وهذا أشكل عليه الآخوند(2) والأعلام الآخرون، بأنّه أيضاً غير صحيح، لأنّ فرض شيء جزاء ليس أمراً جزافاً، بل هو بلحاظ الملازمة والترتّب بين الشرط والجزاء، وفي المقام لا ترتّب بينهما، فإن الشرط هو عدم اليقين بالنوم إذ تقديره: فإن لم يستيقن بالنوم فهو على يقين من الوضوء.

إن أُريد بهذا اليقين بالوضوء، اليقين التعبّدي ببقاء الطهارة، فهذا خلف فرض كون الجملة خبرية؛ لأنّ معناه صيرورة الجملة إنشائية، ونحن نتكلّم بناءً على الخبرية. 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

() يعني يرد عليه إشكال أنّ (الواو) لا يناسب، (المقرِّر).

(2) انظر: كفاية الأصول، 389.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نعم، لو أُريد منه اليقين التعبّدي بالطهارة، يكون الترابط في محلّه، لكنّه خلاف المفروض. 

وإن أُريد باليقين، اليقين بحدوث الطهارة، فأي علاقة وأي ربط بين عدم اليقين بالنوم بقاءً، وبين اليقين بالطهارة حدوثاً، لا علاقة ما بينهما. 

وإن أُريدَ به اليقين التكويني ببقاء الطهارة، بدعوى أنّ اليقين التكويني ببقاء الطهارة ملازم مع عدم اليقين بالنوم، إذ يستحيل بقاء اليقين بالطهارة مع اليقين بالنوم، فبقاء اليقين بالطهارة ملازم مع عدم اليقين بالنوم وتتوقّف عليه، كما قال الشيخ الأصفهاني(1).

هذا أيضاً غير محتمل؛ وذلك: لأنّ بقاء اليقين بالطهارة، وإن كان ملازماً مع عدم اليقين بالنوم، ولكنّه لا يترتب عليه، فإن مجرّد عدم اليقين بالنوم لا يكفي لحصول اليقين بالطهارة، بل لا بدّ زائداً على ذلك من فرض أن لا يكون هناك شكّ في النوم أيضاً، وفرض أنّه لا شكّ في المقام، إن كان غير مستبطن في هذه القضيّة الشرطية فهي كاذبة، وإن كان مستبطناً، فإن كان مستبطناً بنحو الإخبار فهو كذب؛ لأنّ الشكّ موجود، وإن كان بنحو الإنشاء فهو خُلف؛ لأنّنا نتكلّم على فرض الإخبارية، لا على فرض الإنشائية.

إذن فجعل، “فإنّه على يقين من وضوئه” بنفسه جزاءً مع كونه قضيّة خبرية لا يمكن.

نعم، يمكن جعلها جزاءً مع التحفّظ على كونها قضيّة خبرية، بأن يُجعل 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية 3: 44-64.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الجزاء مجموع الجملتين- بالنحو الذي (السيّد محمد)(1)–  فيحصل الجزاء: “فإنّه على يقين من وضوئه“، و “لا ينقض اليقين بالشكّ“، ويُراد بهذه الجملتين لا مقام ثبوتها، يعني: المعلّق ليس هو مضمون الجملتين(2)، بل هو دليليتهما وقياسيتهما، فكأنّه يقول: وإن لم يستيقن أنّه قد نام، فيتم الدليل من الشكل الأوّل على عدم وجوب الوضوء. فالمعلّق هو الجانب الإثباتي لهاتين الجملتين. وهذا أيضاً أمر يصح بحسب الاستعمال(3).

هذا كلّه في محتملات المطلب على تقدير كون الجملة خبرية.

وأما على تقدير كون الجملة إنشائية. فيمكن أن يكون “فإنّه على يقين من وضوئه” بعد الجزاء ويكون الجزاء محذوفاً، أمرٌ معقول ولا بأس به. كما سبق على التقدير الأوّل، ويمكن أن يكون بنفسه جزاءً، ولا يرد عليه الإشكال 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() يعني كاتب هذه الحروف في سؤال سبق أن وجّهته له. (المقرِّر).

(2) لا واقع اليقين بالوضوء ولا واقع قانون الاستصحاب معلّق. (المقرِّر).

(3) قُلت له بعد البحث: أنّه حصل لدينا احتمالان صحيحان: أحدهما: كون الجزاء مقدّر. والآخر: كون الجزاء هو كِلا الجملتين.

فقال: نعم.

فقلت له: فكيف نعيّن أحدهما؟ 

فقال: بالاستخارة!!

والظاهر أنّ مراده عدم ترتّب أثر على اختيار أحد الوجهين على ما سيأتي في آخر هذه المحاضرة، بالنسبة إلى غرض الأصولي. انتهى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

السابق، فإنّ الترابط هنا واضح بين عدم اليقين بالنوم، وبين اليقين التعبّدي من الشارع، لإبقاء الطهارة. 

نعم، احتمال أن يكون خصوص الجملة الثانية جزاءً، لا ينسجم في المقام باعتبار (الواو) التي لا تناسب كون الجملة بخصوصها جزاءً، فتمام ما كان معقولاً على التقدير الأوّل، يكون معقولاً هنا مع زيادة(1).

هذا تمام الكلام في محتملات المطلب من هذه الناحية.

يبقى أن نرى أنّ هذه المحتملات هل تؤّثر في سير الاستدلال أو لا؟

 الصحيح أنّها لا تؤّثر. يعني على جميع هذه الاحتمالات يُتصوّر تتميم الاستدلال، واستنباط كبرى الاستصحاب من هذه الصحيحة.

 وغاية ما قيل في مقام تصوير أنّ بعض المباني هنا، لا تناسب مع تتميم الاستدلال، هو أن يقال: بأنّ فرض احتمال كون “لا ينقض اليقين بالشكّ” بنفسه جزاءً، إمّا وحده، أو هو مع الجملة الأولى. إذا فرضنا أنّه كان بنفسه جزاءً، فلا يمكن أن نستفيد منه الكبرى الكليّة؛ لأنّ الجزاء لا يمكن أن يكون أوسع من الشرط، بل لا بدَّ أن يكون بمقداره، فيكون بمقداره. من قبيل قولنا: إذا استطاع زيد فيجب الحج، يعني فيجب الحج على زيد. 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() قال أحد الإخوان: بناءً على التعبّد هل يمكن جعل مجموع الجملتين جزاءً؟ 

فقال: نعم، إذا فرضنا أنّنا شكّلنا منهما قياس. 

فقال الأخ السائل: الصحيح انه لا يمكن التشكيل؟

 فقال: بلى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هنا أيضاً يقال: إذا لم يستيقن، فيجري الاستصحاب يعني في حقّه، لا في سائر الموارد.

وهذا الكلام غير تام. وذلك:

 أما أولاً: فلأن هذا لا يتم بناءً على ما تصوّرناه من أنّ (لا ينقض بالشكّ) جزاءً في ضمن الجملتين بوصفها القياسي، وهذا يوجب التحفّظ على كليّة الكبرى في هذه الجملة، فليست مجموع الجملتين جزاءً بلحاظ مدلولهما الواقعي، حتّى يلزم الضيق الذاتي فيه، وكون المدلول الواقعي على مقدار الشرط، بل قلنا إنّ مدلول الجملتين يقع جزاءً بلحاظ مدلولهما الإثباتي. وحينئذٍ، لا بأس بإبقاء المدلول الواقعي على سعته(1).

وأما ثانياً: فلو غُض النظر عن ذلك وسُلِّم، فلا أقل، أن تأتي بعض الوجوه الأخرى، التي كانت مبنيّة على إلغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي ونحو ذلك، بحيث يحصل التعميم من باب إلغاء الخصوصية، أو أنّ التفصيل بين بعض الموارد وبعض غير عرفي، لو تمّت تلك الوجوه التي لا تتوقّف على إثبات كليّة الكبرى في نفسها، فهي تجري في المقام.

وعليه، بذلك يتّضح أنّ الاستدلال تامّ على جميع المحتملات.

هذا هو الكلام في التنبيه الأوّل من تنبيهات هذه الصحيحة.

ــــــــــ[169]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: يعني أنّ المولى يريد أن يقول: فإن لم يستيقن بالنوم، فهذا الدليل يجري في حقّه، ويكون نظر المولى إلى دليلية الجملتين في هذا المورد بالخصوص، ونحن نتكلّم في مركز هذه الدليلية، وهي الكبرى على إطلاقها، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التنبيه الثاني: في استفادة قاعدة تعليل المقتضي والمانع من الجملة 

التنبيه الثاني: من تنبيهات هذه الصحيحة:

قلنا فيما سبق، أنّ استفادة الاستصحاب من هذه الصحيحة ممّا لا ينبغي التشكيك فيه، وإنّما الذي ينبغي البحث عنه، هو أنّ الاستصحاب المستفاد من هذه الصحيحة، هل هو الكبرى الكليّة للاستصحاب، الذي لا يختص بمورد دون مورد، أو هو في باب الوضوء -مثلاً- وقد بحثنا عنه وتبيّنا أنّ المستفاد هو كبرى الاستصحاب.

لكن هناك من يشكك في ذلك ويقول: بأنّ الرواية ليست ناظرة إلى الاستصحاب أصلاً، بل هي ناظرة إلى قاعدة المقتضي والمانع.

وتقريب دعوى تنزيل الصحيحة على قاعدة المقتضي والمانع دون الاستصحاب، يمكن أن يكون بوجهين:

الوجه الأوّل:

 هو أن يقال: بأنّ اليقين الذي فُرِض في هذه الصحيحة ركناً للقاعدة هو اليقين بالوضوء، لا اليقين بالطهارة. والوضوء عمل آني ينتهي بانتهاء الغسلات والمسحات، وليس أمراً قابلاً للبقاء والاستمرار، فالإنسان لا يكون دائماً متلبّساً بالوضوء، وإن كان دائماً متلبس بالطهارة الناتجة عنه.

وحينئذٍ، إذا فُرِض أنّنا نزلنا الصحيحة على الاستصحاب، وفيه يريد به بقوله: فإنّه على يقين من وضوئه، أن يستعرض أركان الاستصحاب في اليقين بالوضوء بمعناه الحرفي، لا يناسب أن يكون ركناً من أركان الاستصحاب؛ لأنّ 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الوضوء ليس أمراً قابلاً للبقاء والاستمرار حتّى يُشكّ في بقائه فيجري استصحاب بقائه، بل لا بدَّ حينئذٍ، من تأويله بالمسبَّب، بأن يُقال: بأنّ المراد من الوضوء هنا الطهارة المسبَّبة عنه. وفي ذلك عناية واضحة؛ لأن ظاهر إضافة اليقين إلى الوضوء إرادة اليقين المتعلّق بهذا العنوان.

وأما إذا أُريد قاعدة المقتضي والمانع، فنبقي هذا الظهور على حاله، ويكوناليقين بالوضوء بهذا العنوان مقدّم لقاعدة المقتضي والمانع، ببيان: أنّ هناك مقتضٍ للطهارة ومانعاً عنها. المقتضي لها هي عملية الوضوء، والمانع عن تأثير هذه العملية هو النوم. وهذا قد أحرز المقتضي وشكّ في المانع، فتجري قاعدة المقتضي والمانع، من دون حاجة إلى تأويل.

فحاصل هذا التقريب، هو جعل إضافة اليقين إلى الوضوء، مع كون الوضوء غير قابل للبقاء والاستمرار، قرينة على أنّ الإمام في مقام استعراض أركان قاعدة المقتضي والمانع لا الاستصحاب(1).

فكما لو أحرزنا الملاقاة وشككنا في الرطوبة، نبني على الاحتراق. هنا أيضاً أحرزنا عملية الوضوء التي تقتضي طهارة طويلة الأمد، وشككنا في وجود المانع، فنبني على وجود الطهارة. وبذلك نتحفّظ على ظهور اليقين بالوضوء في 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() وهنا قال حول سؤال، عن أنّ المقتضي أيضاً يحتاج إلى البقاء: بأنّ الوضوء، هذه العملية بوجودها الآني، يؤثر أثراً طولانياً ما لم يقترن بالمانع، تؤثر في طهارة طويلة الأمد إلى يوم القيامة، ما لم يقترن بالمانع، إلاّ إذا وجد أحد النواقض. فالعملية الوضوئية بوجودها الآني مقتضٍ لخط طويل من الطهارة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

كونه مضافاً إلى عملية الوضوء، دون حاجة إلى صرفه عن ذلك الى اليقين بحسبه وهو الطهارة.

هذا التقريب غير صحيح؛ وذلك لأنّ الوضوء له اعتباران ولحاظان: 

تارةً يُلحظ باعتبار عملية تكوينية محدودة تبتدأ بغسل الوجه وتنتهي بمسح القدمين، وبهذا العنوان لا يكون قابلاً للبقاء والاستمرار.

 وأخرى تُلحظ هذه العملية بلحاظ عنوانها الاعتباري المطبق عليها شرعاً، وهو عنوان الطهارة. فإنّ المختار في محلّه، على ما بيّنا مراراً في أبحاث الأصول المتقدّمة، أنّ الطهارة عنوان اعتباري جعله الشارع مطبقاً على نفس الوضوء لا أنه أمرٌ مسبب عن الوضوء، فالوضوء بنفسه طهارة من الطهارات.

وبهذا العنوان يكون قابلاً للبقاء والاستمرار، فإنّ الشارع اعتبر الوضوء طهارة مستمرة ما لم يحصل أحد النواقض، وبهذا الاعتبار صحَّ جعل ناقضيّة النواقض، فيقال: الوضوء ينقضه البول، ولا يُقال: الطهارة المسبَّبة ينقضها البول. ونقض شيء فرع أن يكون له بقاء واستمرار، وإلاّ فالوضوء بما هو عملية تكوينية غير قابل لأن ينقض بعد ساعة أو ساعتين.

 وبهذا اللحاظ أيضاً صحَّ إضافة البقاء إليه، فيقال: (فلان على وضوء)، وقد استعمل هذا اللحاظ في شخص هذه الرواية حيث قال زرارة: “الرجل ينام وهو على وضوء”. فقد فرض أنّه يستصحب الوضوء معه حينما ينام، فلو كان الملحوظ هو الوضوء بالاعتبار الأوّل، وبما هو عملية تكوينية محددة لكان هذا التعبير غير صحيح، فيكون هذا بنفسه قرينة على أنّ لحاظ السائل والمجيب 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وتصورهما للوضوء هو اللحاظ الثاني لا الأوّل. وباللحاظ الثاني يكون الوضوء قابلاً للبقاء والاستمرار بلا إشكال؛ وعليه فحمل الرواية على الاستصحاب لا يكون موجباً لعناية من هذه الناحية.

بخلاف حمل الرواية على قاعدة المقتضي والمانع، فإنّ ذلك يوجب عناية كبيرة في جملة “ولا ينقض اليقين بالشكّ“؛ وذلك أنّ ظاهره باعتبار أنّ الشكّ لم يذكر متعلّقه، ظاهره أنّ متعلّقه نفس متعلّق اليقين. يعني: أنّ حذف متعلّق الشكّ قرينة عرفية على أنّ المراد به الشكّ المتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين. 

فلو حملّناه على الاستصحاب يتحدّ متعلّق الشكّ واليقين، وهو الوضوء. وأمّا لو حملناه على قاعدة المقتضي والمانع، فيكون على يقين من وضوئه وهو المقتضي، وعلى شكّ من المانع وهو النوم.

إضافةً إلى أنّ النقض حينئذٍ، لا يصح إضافته، كيف يكون الشكّ في النوم المانع ناقضاً لليقين بالمقتضي؟ كيف يكون الشكّ في الرطوبة ناقضاً لليقين بالملاقاة؟ لا يكون أي نقض وأي تزاحم بين الشكّ واليقين بما هما شكّ ويقين، حتّى لو أعملتم عناية التجريد عن خصوصية الحدوث والبقاء. 

مع ذلك لا يصح أن يُقال: أنّ هذا الشكّ ناقضٌ لليقين، بل يكون النقض نقضاً بلحاظ حال المتعلّق، بمعنى أنّ المانع ناقض للمقتضي في مقام تأثيره. وحيث إنّ النوم ناقض لعملية الوضوء في مقام تأثيرها، ولهذا جعل الشكّ في هذا ناقضاً للشكّ في هذا من دون أن يكون هناك أي تصادم بين الشكّ في هذا، واليقين في ذاك.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إذن، فحمل الرواية على الاستصحاب لا يكون فيه عناية أصلاً، بل حمله على قاعدة المقتضي والمانع لا يخلو من العنايات. وعليه فلا ينبغي الاستشكال في أنّ الرواية متجهة إلى الاستصحاب، لا إلى قاعدة المقتضي والمانع.

التقريب الثاني(1)

التقريب الثاني: لتوجيه الرواية على قاعدة المقتضي والمانع.

بأن يُقال: بأنّ الرواية لو كانت متجهة إلى الاستصحاب، لكانت مخالفة لمباني الشيخ الأنصاري، فلا بدَّ من فرض أنّها لا تتجه إلى الاستصحاب، بل إلى قاعدة المقتضي والمانع.

وتوضيح ذلك: أنّه لو كانت الكبرى المجعولة في الصحيحة هي كبرى الاستصحاب، وكان مطبّقها شخصيّاً فنيّاً صناعياً درس الأصول، لما طبّقها بالنحو الذي طبقها الإمام؛ لأنّ الإمام طبّق الكبرى على الأصل المسبَّبي مع وجود الأصل السببي الحاكم عليه.

لأنّه عندنا يقينان وشكّان، يقين بالوضوء وشكّ في بقائه، وهو يحقّق أركان الاستصحاب(2) في نفسه، وعندنا يقين بعدم النوم، وشك في بقاء عدم النوم، وهو أيضاً يحقق أركان الاستصحاب(3) في نفسه. 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

() الوجه الثاني.

(2) وهو استصحاب مسبّبي. (المقرِّر).

(3) وهو استصحاب للشكّ السببي وهو الشكّ في أنّه هل صدر ناقض أو لا؟ (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ونسبة الثاني إلى الأوّل نسبة السببي إلى المسبَّبي، لأنّ الشك في بقاء الوضوء مسبّب عن الشك في بقاء عدم النوم، إذن، فيجب أن نطبّق كبرى الاستصحاب على الأصل السبّبي لأنّه حكم على الأصل المسبّبي، فنقول: فإنّه على يقين من عدم النوم، وشكّ في بقائه ولا ينقض اليقين(1)  بالشكّ. بينما الإمام -الذي لم يأخذ هذه الخصوصيات بعين الاعتبار- طبّقها على الأصل المسبّبي فقال: فإنّه على يقين من وضوئه. ومثل هذا التطبيق بناءً على سوق هذه الكبرى إلى الاستصحاب يكون خطأ؛ باعتبار حكومة الأصل السبّبي على الأصل المسببي. هذا إذا حملنا الكبرى على الاستصحاب.

أما لو حملنا الكبرى على قاعدة المقتضي والمانع. حينئذٍ، لا يأتي هذا الإشكال، لأنّها ليس لها إلا تطبيق واحد في المقام(2)، وليس لها تطبيقان سبّبي ومسببي. إذ ليس عندنا إلا مقتضٍ واحد وهو الوضوء ومانع واحد وهو النوم، والأثر هو الطهارة. فيقول: بأنّك على يقين من المقتضي وشككت في المانع فابنِ على الطهارة، فيكون التطبيق في محلّه(3) هذا هو التقريب الثاني.

قد يُتمحَّل ويقال: في مقام الجواب عن ذلك: بانّنا نقلب فرض السؤال والجواب، ونقول: بأنّ زرارة حينما سأل الإمام فقال: “فَإِنْ حُرِّكَ إِلَى جَنْبِهِ 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

() فيستصحب عدم النوم، ويترتّب عليه حكمه وهو بقاء الوضوء(منه). (المقرِّر).

(2) وهو التطبيق الذي مارسه الإمام. (المقرِّر).

(3) فبقرينة التطبيق نحمل الكبرى على قاعدة المقتضي والمانع دون الاستصحاب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

شَيْ‏ءٌ ولَمْ يَعْلَمْ“. هذا الفرض يمكن أن نفهمه بشكلين: 

أحدهما: أن نقول أنّ زرارة كان عنده شبهة موضوعية، يعني أنّه يعرف معنى الوضوء، والنوم أنّه ناقض له، لكنّه لا يدري أنّ النوم وقع بحسب الخارج أو لا، تحريك شيء إلى جنبه وهو لا يعلم شكّه في حصول النوم.

 ثانيهما: أن نقول: بأنّ شكّه بنحو الشبهة المفهومية، يعني هو يعلم أنّه وصل إلى مرتبة من الثقل في السمع والبصر بحيث يتحرّك إلى جنبه شيء إلى جنبه وهو لا يعلم. فهو شكّ في سعة مفهوم النوم وضيقه، فتكون الشبهة بناءً على هذا مفهومية.

فإذا فرضنا أنّ الشبهة لو كانت موضوعية، يتسجّل الإشكال على الإمام -مثلاً- لوكان بصدد تطبيق كبرى الاستصحاب. فإنه يُقال للإمام من قبل الشيخ الأنصاري: إنّه يوجد في الشبهة الموضوعية يقينان وشكّان سببي ومسببي، فلماذا تجرون الاستصحاب المسبّبي، مع أنّ الاستصحاب السببي تامّ الأركان في نفسه وهو حاكم عليه.

وأمّا إذا كانت الشبهة مفهومية، فلا يوجد عندنا وراء استصحاب بقاء الوضوء استصحاب آخر سببي بالنسبة إليه؛ لأنّ ما يُتوهم كونه استصحاباً سببياً له هو استصحاب عدم النوم، وهذا لا يجري؛ لأنّ شبهة عدم النوم شبهة مفهومية، والمحقّق في محله -على ما يأتي إن شاء الله ومرَّ في مباحث سابقة- على أنّ الاستصحاب لا يجري في الشبهات المفهومية. كما لو شككنا مفهوماً أنّ هذا الشخص كان عالماً ثُّمّ أخذ ينسى علمه، حتّى لم يبقَ في ذاكرته إلا كتاب المعالم 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في الأصول، وشككنا أنّه بهذا المقدار هل يبقى عليه عنوان العالم أو لا، هنا لا يجري استصحاب بقاء العلم. وكذلك العكس، كما لو لم يكن عالماً؟ حتّى درس المعالم. فشككنا أنّه هل زال عنه عنوان عدم العلم أو لا؟ فإنّ استصحاب عدم العلم لا يجري؛ لأنّ الشبهة مفهومية. ففي المقام أيضاً لا يجري استصحاب عدم النوم؛ لأنّ الشبهة مفهومية.

إذن، فيكون إجراء الاستصحاب المسبَّبي في محلّه وجارياً طبقاً لبراهين الأصول الجديد للشيخ الأنصاري.

إلاّ أنّ هذا الكلام تمحّل غير محتمل في الصحيحة. يعني لا يحتمل أن نحمل كلام زرارة على الشبهة المفهومية. 

نعم، نحتمل هذا المطلب، بل لعلّه هو الظاهر في سؤالٍ لزرارة في صدر الصحيحة: “أَتُوجِبُ الخَفْقَةُ والْخَفْقَتَانِ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ“. يعني يسأل أنّ هذا المقدار من الإطراقة هل توجب الوضوء؟ فهذه شبهة مفهومية. 

وقد أجاب الإمام لتحديد النوم بحسب الحكم الواقعي، وبعد أنّ عرف المفهوم من جواب الإمام. ثُّمّ قال: “فَإِنْ حُرِّكَ إِلَى جَنْبِهِ شَيْ‏ءٌ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ“. فهذا لا يحتمل ان يكون شبهة مفهومية، إذ لو كان شبهة مفهومية لكان على الإمام أن يبيّن حكم الله الواقعي، لا أن يجري الاستصحاب الظاهري، فإنّه ليس مجتهداً لا يحصل على الدليل، فيجري الاستصحاب في الشبهة الحكمية! بل وظيفة الإمام تعليم الاستصحاب في الشبهة الموضوعية.

 فيعرف من إجرائه للاستصحاب بأنّ الشبهة هي الموضوعية، التي من 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

شأن الإمام فيها علاجها بأجراء الأصول الظاهرية لا الشبهة الحكمية، إذ لو كانت الشبهة حكمية لكان على الإمام أن يبيّن الحكم الواقعي لحدود النوم الناقض. فاحتمال حمل السؤال الثاني على الشبهة المفهومية غير موجود أصلاً. 

هذا هو الجواب الأوّل عن الإشكال مع دفعه.

الذي ينبغي أن يقال في دفعه

والذي(1) ينبغي أن يُقال في دفع هذا الكلام:

أولاً: أنّه سوف يأتي إن شاء الله أنّه لا أساس لحكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبَّبي. فإنّ اصطلاح الحكومة، والاستصحاب السببي والمسبَّبي، مصطلحات فنيّة ليس لها مبرر في مقام التطبيق الفقهي. 

نعم، الاستصحاب السببي يتقدّم على المسبَّبي بلا إشكال، لكن وجه تقدّمه يختص عند تعارض هذين الاستصحابين، من قبيل استصحاب طهارة الماء مع استصحاب نجاسة الثوب المغسول به. فنقول: بأنّنا نطبّق كبرى الاستصحاب نطبقها على الماء لا على الثوب، فنحكم بطهارة الماء وبالتبع نحكم بطهارة الثوب.

وأمّا إذا كان الأصل المسبّبي موافقاً للمؤدى مع الأصل السبّبي فلا بأس بجريانه معه، ولا موجب للحكومة. هذه المباني تتّضح في موضعها في آخر بحث الاستصحاب هذا أولاً.

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() ذكر جملة ما سبق، بما فيها التقريب الثاني، والجواب الذي قد يُقال في مناقشته مع جوابه. إلى أن قال: والذي… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وثانياً: لو سلّمنا الحكومة بالمعنى المشهوري للاستصحاب السبّبي على الاستصحاب المسبّبي، فهذه الحكومة ليس معناها إلاّ أن يقال: أنّ مقتضى إطلاق الاستصحاب السببي هو ترتيب تمام آثاره، التي من جملتها الأثر الذي يكون الاستصحاب المسبّبي جارياً بلحاظه. -مثلاً- يقال: بأنّ مقتضى الإطلاق في التعبّد الاستصحابي الجاري في عدم النوم -في حمل الكلام- هو أنّه يتكفّل إلغاء الشكّ في عدم النوم، وإلغاء تمام الآثار المترتّبة على الشكّ التي منها نفس الاستصحاب المسبّبي، وهو استصحاب بقاء الطهارة. فاستصحاب عدم النوم يلغي الشكّ في تمام آثار عدم النوم، أي أنّه يلغي الشك في الطهارة، بتمام آثاره التي منها جريان استصحاب بقاء الطهارة.

فحكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبَّبي بلحاظ الإطلاق في إلغاء المجعول التعبّدي في الاستصحاب السببي لتمام آثار الشكّ، فإذا فُرِض في مورد أنّه ثبت أنّ الاستصحاب السببي لا يلغي تمام آثار الشك، بل لا ينافي جريانه مع جريان الاستصحاب المسبَّبي، بل يرفع اليد حينئذٍ، عن إطلاق التعبّد في جانب الاستصحاب السببي. لا أنّه تؤوّل الكبرى ويرفع اليد عن ظهورها في الاستصحاب وتُحمل على قاعدة المقتضي والمانع.

وبتعبير آخر: أنّه هناك عندنا ظهور وإطلاق. ظهور للعبارة في أنّها في مقام بيان كبرى الاستصحاب دون قاعدة المقتضي والمانع، وهذا الظهور له إطلاق يقتضي أنّ الاستصحاب السببي لعدم النوم، يقتضي إلغاء تمام آثار الشكّ في الطهارة التي من جملتها استصحاب الطهارة، فهذا إطلاق في طول ذاك الظهور.

ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فإذا فُرِض أنّه بقرينة تطبيق الإمام بَطُل هذا الإطلاق وتعيّن رفع اليد عنه، فمقتضى الصناعة حينئذٍ، هو التحفّظ على أصل الظهور، وتقييد هذا الإطلاق، لا أنّنا نستكشف من بطلان هذا الإطلاق، بطلان أصل الظهور. بحيث تؤول هذه الجملة، ونصوغ لها معنى آخر لا يساعد عليه الفهم العرفي.

 وأما ثالثاً: فيمكن أن يقال: لو جمدنا على مرّ الصناعة: 

إنّ استصحاب عدم النوم السببي لا يجري في المقام، كما لا يجري في تمام موارد أخذ الشيء غاية للحكم، والشك في تحقيق الغاية وعدمه، يعني: في كلّ مورد يكون هناك حكم مجعول، ويكون الحكم مغيَّى بغاية، ويُشكّ أنّ الغاية تحقّقت أو لا. هنا لا يجري استصحاب سببي اسمه استصحاب عدم تحقّق الغاية، يعني عدم تحقّق النوم في مثالنا، بل الذي يجرى هو الاستصحاب المسببي ابتداءً، وهو استصحاب بقاء المغيّى الذي هو الطهارة.

وذلك: بتوضيح أمرين:

 الأمر الأوّل: أنّه يشترط في جريان الاستصحاب، أن يكون هناك حكم شرعي قد رُتّب من قبل الشارع على موضوع وجودي، أو عدمي. وحينئذٍ، فيجري الاستصحاب إمّا لإثبات ذلك الأمر استطراقاً لإثبات الحكم عليه، أو نفيه استطراقاً إلى نفي الحكم، الذي رُتّب عليه من قبل الشارع.

وأمّا إذا فُرِض أنّ هذا الأمر لم يكن قد رُتّب عليه حكم من قبل الشارع، وإنّما كان يلازم عقلاً مع حكم، فكان ثبوت الحكم في مورده ملازماً عقلياً. في مثل هذا لا يكون التعبّد بوجوده مؤديّاً إلى التعبّد بذلك الحكم، ولا يكون 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التعبّد بعدمه مؤديّاً إلى التعبّد بعدم ذلك الحكم. وهذا واضح.

الأمر الثاني: هو أنّ عدم النوم، والنوم يمكن أخذه قيداً في الطهارة المجعولة على المتوضئ، يمكن للشارع أن يأخذ النوم أو عدم النوم قيداً في هذا المجعول بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: أن يأخذ عدم النوم قيداً في موضوع هذه الطهارة على حد سائر القيود الأخرى، غاية الأمر أنّه قيد في مرحلة البقاء، يعني أنّ المجعول مقيّد بقاءً بعدم النوم. فاستصحاب عدم النوم يترتّب عليه ما رتّبه الشارع عليه من حكم، والمفروض أنّ الشارع رتّب على عدم النوم الطهارة المجعولة، فيترتّب عليه الطهارة، بلا شبهة المثبتية أصلاً.

الوجه الثاني: أن لا يأخذ الشارع في موضوع الطهارة المجعولة عدم النوم، وإنّما يجعل الطهارة، ويجعل النوم -لا عدمه- حدّاً ونهاية لهذا المجعول الوجودي. فهو ينشئ الحكم بالطهارة، وببقاء هذه الطهارة إلى حين وجود النوم، فالنوم أُخذ محدّداً ونهاية للمجعول.

في مثل هذا، بحسب الدّقة ومرّ الصناعة، لم يترتّب عليه حكم شرعي على النوم لا وجوداً ولا عدماً. 

أمّا وجوداً فواضح. فإنّ الشارع لم يحكم على تقدير وجود النوم، وإنّما أُخذ حدّاً ونهاية لمجعول، وإنّما حكم بحكم محدود بالنوم، ومستمر إلى حين النوم. 

وأمّا عدم النوم فهو أيضاً كذلك، وإن كان يستوجب عقلاً في المثال انقضاء الطهارة لا محالة، لكن لا من باب أنّ الشارع جعل الطهارة مترتّبة على عدم 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

النوم، كما هو الحال في الفرض الأوّل، بل من باب استلزام غائية النوم وحدّيّته للطهارة المجعولة، انتفاء المغيّى عند وجود غايته وحده.

فعدم الطهارة بوجود النوم، ليس مرتّباً من قبل الشارع على النوم، بل الطهارة في مرحلة جعلها أُخذت لا بشرط وغير مقيّدة بعدم النوم. 

نعم، أُخذت محدّدة من حيث عمود الزمان بالنوم. إذن، فالطهارة لم تترتّب على عدم النوم، حتّى يثبت باستصحاب عدم النوم الطهارة.

هذا الكلام تفكيك عقلي بين غائية النوم ومانعيته. يعني: ممكن عقلاً أن يُفرَض التفكيك بين هذين النحوين من الدخل: أن يكون الشيء دخيلاً بنحو الغائية، بحيث يكون وجوده مفنيّاً وحدّاً بالنسبة إلى المجعول، لكن من دون أن يُفرَض أنّ عدمه مأخوذ قيداً في المجعول. هذا التفكيك معقول ثبوتاً في المجعولات الاعتبارية؛ لأنّ المجعول صياغته حسب ما يقدّره الجاعل من المناسبات.

ولكن لا يتعقل الفرق بينهما بحسب مقام الإثبات، بمعنى أنّ الدليل الذي يدلّ على غائية الطهارة بنفسه يفهم من العرف مانعية النوم للطهارة، ودخل عدم النوم فيها. وعليه، فيرى أنّ كبرى الاستصحاب تنطبق على الاستصحاب السببي في المقام، فالتفكيك ما بين هذين المطلبين ليس عرفيّاً. وحيث إنّ المناط في تطبيق دليل الاستصحاب هو فهم العرف من الأدلة والعرف يفهم المانعية حينما يتكفّل الدليل الغائية، وعليه، فهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه.

وعلى أي حال فقد تلّخص من هذه الكلمات، أنّه لا موجب صناعةً وفناً 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وعرفاً، بحمل الجملة المذكورة في الصحيحة على كبرى قاعدة المقتضي والمانع، وصرفها عما يقتضي ظهورها الأولي من كونها متّجهة إلى الاستصحاب. هذا هو التنبيه الثاني.

التنبيه الثالث: في سلب العموم للجملة 

التنبيه الثالث: هناك إشكال تعرّض له الشيخ الاعظم مختصراً(1) وعقبه المرزا(2)، ولم يكن يستحق التعرّض لولا أنّ الشيخ والمرزا تعرّضا له. وكأنّ المرزا إنّما تعرّض له باعتبار أنّ الجواب عليه ينقّح نكتة صناعية في باب الأدلة، لا باعتبار أنّه إشكال حسابي بالنسبة إلى خصوص هذه الصحيحة.

وحاصل الإشكال الذي أشار إليه الشيخ في (الرسائل) وفصّل المرزا الكلام فيه، هو: أنّنا لو سلّمنا العموم والجنسية في اليقين، ولم نحمله على العهد، فلا ينقض اليقين بالشكّ هنا قضيّة سالبة، والقضيّة السالبة يُتصوّر فيها نحوان: 

أحدهما: أن يكون السلب سلباً للعموم. 

ثانيهما: أن يكون للعموم السلب. 

والمدّعى، والمقصود في المقام أن يكون عموماً للسلب حتّى ينتج قاعدة كليّة للاستصحاب في تمام الموارد.

مع أنّ بالإمكان أن يّدّعي الاحتمال الآخر، بحيث يوجب إجمال العبارة. 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول: 2: 564. 

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 360-361.  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وهو أن يكون بنحو سلب العموم وحينئذٍ، فلا يستفاد منه إلاّ أنّه لا عموم للنقض، وهو يكون ملائماً مع الموجبة الجزائية، يعني مع جريان الاستصحاب بنحو الموجبة الجزئية؛ لأنّ سلب العموم نقيضه هو إثبات الاستصحاب في تمام الموارد.

وحينئذٍ، وقع الكلام في أنّ مفاد “لا ينقض اليقين بالشك” هل هو السالبة الكلّية التي تنتج عموم السلب، أو السالبة الكلّية التي تنتج سلب العموم؟ 

ونظير هذا الكلام، وقع في الفقه عند المرزا، في تشخيص مفهوم: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء). هل هو موجبة جزئية أو موجبة كليّة؟ هل مفهومه: إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه كل شيء، أو مفهومة أنه ينجس بعض الأشياء؟

هذان كلامان قريبا المأخذ، كما سيتضح من تحقيق النكات الفنيّة. ومن هنا وقع الكلام عند المرزا أنّه متى يُستفاد عموم السلب، ومتى يُستفاد سلب العموم.

وأجاب(1) عنه الشيخ على ما أتذكر باستظهار كون السلب هنا سلباً لذات العام، لا سلباً للعموم، فيكون مطابقاً لحاجتنا للاستدلال بالرواية(2).

وفصّل المحقّق النائيني الكلام في ذلك؛ باعتبار أنّ هذه الشبهة تجري في جملة من الموارد، حيث يُقال: إنّ السلب هل هو سلب للعموم، فلا يفيد إلاّ 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

() لخص الإشكال أولاً ثُمّ قال: (المقرِّر).

(2) انظر: فرائد الأصول، المصدر السابق. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

انتفاء العموم، لا انتفاء أصل الشيء أو هو سلب لأصل الشيء، فتنتفي تمام الأفراد؟ 

ومن جملة موارد تطبيق هذه الشبهة القضيّة الشرطية في مثل قولنا: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء). حيث وقع الكلام في أنّ ما علّق على الشرط في هذه القضيّة وهو الكريّة، هل هو عموم السلب، أو أصل السلب؟ 

فإن كان الأوّل، فبانتفاء الكريّة ينتفي عموم السلب، ولا ينتفي تمام أفراد السلب. 

وإذا كان المعلّق أصل السلب، فبانتفاء الكريّة ينتفي أصل السلب بتمام أفراده.

وخلاصة ما يُستفاد من بعض كلمات المرزا: أنّ الضابط في كون النفي وارداً على العموم أو على العام، أنّ العموم هل يكون مدلولاً عليه بنحو المعنى الاسمي، أو مدلولاً عليه بنحو المعنى الحرفي، وبالدلالة التبعية؟ 

فإن كان العموم مدلولاً عليه بنحو المعنى الاسمي، إذن عندنا عموم متوجّه إليه بالاستقلال يمكن أن يطرأ عليه السلب، فيُعقل في المقام سلب العموم، كما يُعقل جعل السلب طارئاً على ذات العام. كِلا الوجهين يكون معقولاً. وأمّا إذا كان العموم مستفاداً بنحو المعنى الحرفي لا الاسمي، فلا يُعقل في المقام طُرو السلب على العموم؛ لأنّ طرو السلب على العموم فرع التوجّه إليه، والمفروض أنّ العموم ملحوظ ضمناً بنحو المعنى الحرفي، فلا يمكن أن 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يتوجّه السلب إليه(1)، فلا يبقى مركز يتوجه إليه السلب إلا ذات العام. وبتوجيه السلب إلى ذات العام يثبت انتفاء تمام الأفراد.

وفي قولنا: (لا ينقض اليقين بالشكّ)، فيه سلب توجّه إلى قولنا (ينقض اليقين بالشكّ). والعموم في هذه الجملة ليس مستفاداً بالمعنى الاسمي، لعدم وجود أداة من قبيل (كلّ) و(جميع)، وإنما هو مستفاد بنحو المعنى الحرفي الاندكاكي، بلحاظ جريان مقدّمات الحكمة. فحينئذٍ، السلب لا يمكن أن ينصب على العموم، بل لا بدَّ وأن ينصب على ذات العام، فيثبت انتفاء تمام أفراد نقض اليقين بالشك، وهو المقصود(2).

وتحقيق الكلام في المقام: هو أنّ المناط في استحالة طروّ النفي، والسلب على العموم، ليس هو كون العموم الحكمي مستفاداً بنحو المعنى الحرفي -بحسب ما يصطلح عليه المرزا من المعنى الحرفي والمعنى الاسمي- بدعوى: أنّ المعنى الحرفي حيث إنّه غير مُلتَفت إليه، فلا يُعقل طروّ السلب عليه، بل يتعيّن طروّه على ذات العام.

ليس مناط الاستحالة هذا، وذلك: لوضوح أنّ من يدّعي أنّ السلب يطرأ على العموم، إذا كان مستفاداً بنحو المعنى الحرفي، لا يدّعي أنّ العموم يكون مستقلاًّ مصبّاً للنفي والسلب حتّى يقال: بأنّ مصبيّة العموم مستقلّاً للنفي فرع 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() وإلاّ لخرج عن كونه معنى حرفيّاً، وينقلب إلى المعنى الاسمي وهو خلف. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) انظر: أجود التقريرات، المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التوجّه إليه استقلالاً، ومع كونه معنى حرفياً كيف يحصل هذا التوجّه. وإنّما معنى سلب العموم المستفاد بنحو المعنى الحرفي، أي توجّه السلب إلى العام
-الذي هو معنى اسمي -لكن بما هو متحصّص ومتقيّد بالعموم -الذي هو معنى حرفي-.

فالسلب يتوجّه إلى العام على أي حال، لا للعموم، لكن تارةً يتوجّه السلب إلى ذات العام بقطع النظر عن تقيّده بالعموم، فينتج انتفاء ذات الشيء، وأخرى ينصب السلب عليه بما هو متحصّص بالعموم، ومتقيّد به، فينتج انتفاء هذه الحصّة الخاصّة من المعنى الاسمي، أي: انتفاء العام بما هو عام لا انتفاء ذات الشيء.

فلا يتوقّف استفادة سلب العموم، على توجّه السلب استقلالاً إلى العموم، حتّى يُدّعي أنّه معنى حرفي، بل السلب يتوجّه إلى العام بما هو مقيّد بهذا المعنى الحرفي، لا إليه بذاته. كما هو الحال في سائر موارد تقيّد المسلوب بالمعاني الحرفية. كقولنا: (لا يجلس الرجل في الدار)، فإنّ النفي لم ينصب على النسبة الظرفية ابتداءً، أي المعنى الحرفي المستفاد من كلمة (في) استقلالاً، بل النفي انصب على الجلوس بما هو متحصّص بالمعنى الحرفي، أي حصّة خاصّة من المعنى الاسمي، وهو الجلوس المقيّد بالمعنى الحرفي، فغاية ما يستفاد منه حينئذٍ انتفاء الجلوس المقيّد لا انتفاء ذات الجلوس.

كذلك في المقام، لا ندّعي أنّ النفي والسلب يوجّه استقلالاً إلى العموم، حتّى يُقال بأنّه معنى حرفي وهو لا يُعقل أن يقع موضوعاً للحكم عليه، بل 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

العموم يكون ملحوظاً ضمناً، ويكون مصبّ السلب هو العام -لا العموم-، لكن بما هو مقيّد بالعموم، لا ذات العام بقطع النظر عن العموم. وهذا أمر معقول.

فمجرّد كون العموم معنى حرفيّاً، ليس هو ملاك استحالة رجوع السلب إلى العموم، بل لا بدَّ من استئناف بحث لتحصيل نكتة هذه الاستحالة، استحالة كون موارد استفادة العموم بنحو المعنى الحرفي أي بمقدّمات الحكمة، ممّا يستحيل في هذا المورد سلب العموم، ويتعيّن فيها سلب العام.

وتلك النكتة الأخرى يظهر حالها، باستذكار ما حقّقناه في بحث العام والخاص، والمطلق والمقيّد، حيث ذكرنا هناك أنّ الإطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة، مع العموم الثابت بأداة ككلّ وجميع، بينهما اختلاف ذاتي. ليس أن لهما معنى واحد، تارةً يكون مستفاداً من مقدّمات الحكمة وأخرى يكون مستفاداً من أداة العموم، بل هما معنيان متباينان.

توضيح هذه الفكرة إجمالاً: أنّ العموم الأداتي عبارة عن مفهوم مستقلّ في نفسه، قابل للتصوّر واللحاظ قبل أن يطرأ عليه أي حكم من الأحكام، فإنّ كلّ واحد منّا يستطيع أنّ يتصوّر معنى (كلّ الناس)، ونفهم منه الاستيعاب واستغراق الطبيعة لتمام أفرادها؛ فهو معنى محفوظ في نفسه سواءٌ حكمنا عليه بحكم أو لا.

وأما العموم الحكمي الثابت بمقدّمات الحكمة، في مثل قولنا أَحَلَّ اللَّـهُ 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الْبَيْعَ‏(1) أو (أكرم العالِم). هذا الإطلاق الحكمي، ليس معنى قابلاً للتصوّر واللحاظ في نفسه في المرتبة السابقة على تعلّق الحكم بالطبيعة؛ لأنّ الإطلاق الحكمي ليس معناه إراءة الأفراد، كما هو معنى (كلّ)، ومن المعلوم أن نرى أفراد طبيعي الإنسان سواءً أردنا أن نحكم عليها بحكم أو لا. أمّا الإطلاق، فليس مدلوله إراءة أفراد الطبيعة، ليكون معنى مستقلّاً قابلاً للتصوّر في المرتبة السابقة على تعلّق الحكم به.

بل معنى الإطلاق -كما بيّناه في بحث مقدّمات الحكمة-: أنّ المولى حيث إنّه في مقام البيان، ولم يبين إلاَّ كلمة (البيع)، فيستكشف من ذلك أنّ تمام الموضوع للحليّة ثبوتاً هو مدلول كلمة (البيع) دون زيادة. يعني: أنّ الطبيعة المهملة الموضوع لها كلمة (البيع) هي تمام الموضوع للحكم بالحليّة ثبوتاً، ويلزم من ذلك عقلاً سريان الحليّة إلى تمام الأفراد، حيث إنّ تمام الموضوع للحليّة هو ذات طبيعة (البيع)، وهي محفوظة في الأفراد لامحالة. فمدلول الإطلاق يعني مدلول الظهورات السياقية التي كوّنا منها مقدّمات الحكمة، وإنّ كلمة (البيع) هي تمام موضوع الحكم. وليس مدلول الإطلاق إراءة الأفراد في عالم اللحاظ والتصوّر، إذ لا يوجد هناك ما يدلّ عرفاً على إراءة الأفراد.

وبهذا نعرف أنّ الإطلاق متقوّم بفرض ثبوت حكم على الطبيعة، حتّى يقال: بأنّ طبيعة (البيع) هي تمام الموضوع للحليّة، ومن دون حكم يتعلّق بالطبيعة، لا يُعقل فرض الإطلاق بالطبيعة. إذن، فالإطلاق لا يُتصوّر إلا 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بلحاظ ترتّب حكم عليه.

إذن، فالإطلاق يختلف عن العموم، في أنّه ليس له معنى مستقلّ محفوظ في المرتبة السابقة، على تعلّق الحكم بالطبيعة.

هذه هي المقدمة التي سحبناها من بحث العام والمطلق.

فإذا اتّضحت هذه المقدّمة في مقام الفرق بين الإطلاق الحكمي، والعموم الأداتي. 

فنقول: إنّه في القضيّة التي يثبت بها حكم على مطلق: 

تارةً: يُفرَض أنّ المطلق لم يطرأ عليها إلا حكم واحد. 

وأخرى: يُفرَض أنّ المطلق يطرأ عليه حكمان طوليان كما سيتّضح.

مثال الأوّل، وهو أن يطرأ على المطلق حكم واحد. مثل “لا ينقض اليقين بالشك” و(لا تأكل الرمان الحامض) و(أكرم العالم). سواءٌ كان الحكم سلبياً أو إثباتياً، فهنا إذا طرحنا هذا السؤال: أنّ هذا الحكم هل هو ثابت للعموم أو للعام؟ ففي قولنا (أكرم العالم) هل معناه أكرم عموم العلماء، بنحو العموم المجموعي، أو بنحو الإطلاق الاستغراقي؟ أو (لا تأكل الرمان الحامض) هل معناه حرمة أن تأكل جميع الرمّانات الحامضة، أو حكم ثابت للعام؟

إذا طرحنا هذا السؤال، يكون جوابه واضحاً، وهو أنّه لا يُعقل هنا فرض كون الحكم متعلّقاً بالعموم وبالإطلاق، لا لأنّه معنى حرفي، بل لأنّه لا يُتعقّل الإطلاق إلا بلحاظ الحكمي، فإنّ الإطلاق هنا حكمي، وهو لا يتحصّل له معنى معقول إلا بلحاظ تعلّق الحكم بالطبيعة، فلا معنى لأنّ نفرض أنّ البعث 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أو الزجر أو النفي في هذه القضايا تعلّق بإطلاق الطبيعة، لأنّ إطلاقها فرع تعلّق الحكم بها، فلا يُعقل أن يكون النهي في قولنا “لا ينقض اليقين بالشك” منصبّاً على عموم السلب وإطلاقه، لأنّ إطلاقه إطلاق حكمي، وهو لا يتحصّل له معنى إلا بلحاظ الحكم.

فإذا سُئِلنا بأنّ الحكم في المطلق هل يرد على الإطلاق أو على المطلق؟ نقول: إنّ هذا السؤال غير معقول، يعني أحد الشقين غير معقول، وهو ورود الحكم على العموم والإطلاق، لأنّه معنى حرفي، بل لأنّ مدلوله غير قابل للتحصّل والتعقّل في المرتبة السابقة على تعلّق الحكم بالطبيعة.

فبذلك يتعيّن أن يكون الحكم متعلّقاً بالمطلق، يعني بذات المطلق وذات العام، لا بالإطلاق بما هو إطلاق، وبالعموم بما هو عموم. والإطلاق والعموم يكون من شؤون تعلّق الحكم بالطبيعة، ولهذا يوجب سريان الحكم إلى تمام أفرادها.

هذا كله فيما إذا فرضنا أنّ المطلق كان فيه حكم واحد لا أكثر.

وأما إذا فرضنا حكمين طوليين، من قبيل القضايا الشرطية كقولنا (إذا جاء زيد فأكرمه). فإنّ الإكرام هنا تعلّق به حكمان: 

أحدهما: الوجوب المستفاد من جملة الجزاء(1)

والآخر: التعليق. 

وإنّ وجوبه معلّق إلى الشرط المستفاد من أداة الشرط أو هيئة القضيّة 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() يعني هيئة أكرمه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الشرطية، وهذا الحكم الثاني في طول الحكم الأول. فهنا حكمان طوليان ترتبا على الطبيعة.

في مثل ذلك: إذا أمسكنا الحكم الأوّل وهو الوجوب، فحاله هو ما قلناه، من حيث إنّه لا معنى لأنّ نطرح هذا التساؤل: وهو أنّ الوجوب تعلّق بالإطلاق أو بالمطلق، بل هو تعلّق بالعام لا محالة، يعني بذات المطلق، والإطلاق من كيفيّات تعلّق الحكم بذات المطلق؛ لأنّ الإطلاق لا يتحصّل له معنى إلا بلحاظ الحكم. إذن فالحكم الأوّل تعلّق بذات المطلق والعام.

لكن بعد هذا حين نجيء إلى الحكم الثاني، الذي هو في طول الحكم الأوّل، وهو التعليق على الشرط، حينما نطرح هذا التساؤل، يصبح ذلك معقول، فنقول: المعلّق على الشرط، هل هو وجوب مطلق الإكرام أو وجوب الإكرام المطلق؟ فنحن كنّا نستفيد من (اكرمه): أنّ الواجب هو طبيعي الإكرام، يعني الإكرام المطلق القابل للانطباق على كلّ إكرام. فحين نجيئ إلى التعليق يمكننا أن نسأل: أنّ المعلّق على الشرط هو وجوب الإكرام المطلق أو مطلق الإكرام، يعني أنّ المعلّق هل هو إطلاق الوجوب، أو أصل الوجوب؟ 

فإن قلنا: بأنّ المعلّق على الشرط هو إطلاق الوجوب، فمعناه، أنّه إذا انتفى الشرط ينتفي إطلاق وجوب الإكرام، أمّا أصل وجوب الإكرام فلعلّه باقٍ بشكل مقيّد، لأنّ انتفاء إطلاق الواجب لا يلزم منه انتفاء أصل الواجب.

وأمّا إذا قلنا: إنّ المعلّق أصل الواجب لا إطلاقه، فحينئذٍ، إذا انتفى الشرط ينتفي أصل وجوب الإكرام بتمام مصاديقه وحصّصه، فلا يجب حينئذٍ، لا إكرام 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المطلق، ولا إكرام المقيّد بالضيافة.

وهذان الشقّان كلاهما يكونان معقولان هنا. وسر معقوليتهما: هو أنّه في المرتبة السابقة على الحكم الثاني قد تحصّلنا وتعقلنا معنى الإطلاق؛ لأنّ تعلّقه كان محتاجاً إلى طروّ حكم على الطبيعة، والمفروض أنّ الحكم الأوّل قد طرأ على الطبيعة، فتكون بهذا اللحاظ إطلاق ناشئ من مقدّمات الحكمة، فحينئذٍ، يقع الكلام في أنّ التعليق هل هو تعليق للإطلاق أو لذات المطلق؟ ويختلف اقتناص المفهوم باختلاف هذه النكتة. 

فإنّ كان تعليقاً للإطلاق، فغاية ما يدلّ عليه انتفاء الإطلاق عند انتفاء الشرط. 

وإذا كان تعليقاً للمطلق ذاته، فيدلّ على انتفاء أصل وجوب الإكرام بتمام حصّصه حين انتفاء الشرط.

وقد ذكرنا في بحث المفاهيم، أنّ مقتضى الصناعة الفنيّة، في اقتناص المفاهيم، هو ان يكون المعلّق هو ذات الوجوب لا إطلاقه.

فقولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه)، يدلّ مفهومه على أنّه إذا لم يجئ لا يجب إكرامه أصلاً، لا أنّه لا يجب إكرام المطلق، أمّا المقيّد فلعلّه يكون واجباً. وهذا هو مقتضى الظهور العرفي. وقد فلسفنا هذا الظهور بإبراز نكتته الفنيّة في بحث المفاهيم.

نعم، في بحث الفقه، استثنينا من هذه النكتة العامّة، التراكيب الجارية على حسب هذا السياق: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء). وقلنا بأنّ الظاهر فيه 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أنّ المعلّق هو العموم لا العام، فينتج أنّ مفهومه هو أنّه إذا لم يبلغ الماء قدر كر، فينجسه بعض الأشياء لا أكثر، ولهذا الاستثناء نكتة بيّناها في بحث الفقه، وكلّ من النكتتين خارجة عمّا هو محلّ الكلام فعلاً.

والمقدار الذي يجب أن يتحقّق في هذا البحث هنا، ما حاصله: أننّا عرفنا أنّ ملاك استحالة رجوع السلب إلى العموم والإطلاق، ليس هو كون العموم معنى حرفياً، بل هو كون العموم والاطلاق ممّا لا يتحصّل له معنى في المرتبة السابقة على طروّ الحكم عليه؛ ولهذا إذا فرضنا حكمين طوليين، فيُعقل مثل هذا الكلام بالنسبة إلى الحكم الثاني، ولا يأتي هنا كلام أنّ العموم معنى حرفي.

هذا خلاصة ما يجب استنتاجه من بحثنا.

 ومن المعلوم أنّ “لا تنقض اليقين بالشك” فيه حكم واحد لا حكمان، فمن غير المعقول أن يكون النفي نفياً للإطلاق، بل نفي للمطلق.

تبيّن(1) ممّا ذكرناه ان هذا الضابط ليس فنياً؛ وذلك: لأنّه أراد بفرض كون العموم بنحو المعنى الحرفي، كالجمع المعرف بـ(اللام)، على ما مثّل به، أراد به أن يكون العموم معنى حرفياً نسبياً قائماً بين ذات الطبيعة والحكم. ففي قولنا (أكرم العلماء)، يلحظ العموم أو الاستيعاب بنحو النسبة الاستيعابية لا بما هو استيعاب، وتكون هذه النسبة قائمة بين ذات طبيعة العالم وبين الحكم بوجوب الإكرام، ومعنى النسبة الاستيعابية كون أحد طرفي هذه النسبة مستوعباً للطرف الآخر منها.

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() لخّص أولاً مسلك الميرزا في ورود النفي على العموم. ثُّمّ قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إن أراد هذا بكون العموم معنى حرفيّاً، فالحكم وإن لم يكن يعقل -بهذا المعنى- أن يطرأ عليه. لكن لا من باب أنّه(1) معنى حرفي، وأنّه إذا طرأ الحكم عليه ينقلب إلى معنى اسمي، لأنّه يستوجب التوجّه إليه استقلالاً، بل من باب أنّ هذا المعنى الحرفي فرضناه نسبة بين الحكم والطبيعة. فهي نسبة متقوّمة ومتعلّقة ذاتاً بالحكم، والنسبة المتقوّمة ذاتاً بالحكم يستحيل أن تقع موضوعاً لهذا الحكم.

وأمّا إذا كان مراده -كما هو كذلك- هو: أنّ العموم يُلحظ بما هو معنى حرفي، ونسبة قائمة بين الطبيعة وأفرادها، ففي قولنا (أكرم العلماء)، يكون الدالّ على العموم دالاً على نسبة قائمة بين الطبيعة وأفرادها، وهي نسبة الاستغراق والاستيعاب لتلك الأفراد، بحيث أنّ طرفي النسبة هما الطبيعة والأفراد، لا الطبيعة والحكم.

وهذا هو مراد المحقّق النائيني، لأنّه صرّح بأنّ العموم بنحو المعنى الحرفي، معنى متحصّل وثابت للطبيعة بقطع النظر عن طرو الحكم عليها. وهذا صريح في أنّ النسبة العمومية والاستيعابية لم يؤخذ الحكم طرفاً لهما، فلا بدَّ أن يكون قد تصوّر المطلب فنيّاً بأنّ النسبة الاستيعابية تكون متقوّمة بطرفين، هما الطبيعة والأفراد.

وحينئذٍ، بناءً على هذا يأتي ما تقدّم سابقاً، من أنّ هذه النسبة وإن كان يستحيل أن تقع بنفسها موضوعاً مستقلاًّ للحكم، ولكن من الممكن أن تقع قيداً ومحصّصاً لموضوعه. فالنفي يتعلّق بالطبيعة المتحصّصة بالنسبة الاستيعابية 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() لا لمجرّد كونها نسبة، ومعنى حرفي (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بما هي متحصّصة بها؛ فيُعقل أنّ يُفرَض حينئذٍ، أنّ النفي نفيٌ للعموم لا نفي لذات العام؛ لأن النفي للعام بما هو مقيد بالعموم، ولا محالة أن هذا غاية ما يدلّ عليه نفي القيد لا نفي ذات المقيد، ويكون هذا أمراً معقولاً.

إذن، فهذا الضابط الذي أفاده ممّا لا يرجع إلى محصّل فني.

ما هو الصحيح في المقام 

والصحيح هو ما ذكرناه من أنّ الطبيعة التي ثبت إطلاقها بمقدّمات الحكمة، يختلف إطلاقها الحكمي جوهرياً عن الإطلاق الأداتي الثابت بـ(كلّ) و(جميع). 

حيث إنّ الإطلاق الأداتي معنى متحصّل في المرتبة السابقة على طروّ أي حكم على الطبيعة؛ لأنّ معناه إراءة الأفراد، ويمكن للإنسان أن يرى الأفراد قبل أنّ يُحكم عليها. 

وأمّا الإطلاق الحكمي فمعناه: إثبات أنّ ما ذكرناه في مقام البيان هو تمام الموضوع للحكم بحسب عالم الجعل والثبوت. إذن، فمفاد الإطلاق الحكمي سنخ معنى متقوّم بلحاظ الحكم، فلا معنى لفرضه قبل الحكم وطروّ الحكم عليه.

ومن هنا فصلنا بين أن يتكوّن في القضيّة حكم واحد، وأن يكون حكمان. فإن كان في القضيّة حكم واحد، فلا بدَّ أن يكون الحكم متعلّقاً بذات العام، لا بالعموم(1)

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() إن كان هذا الإطلاق حكمياً. نعم، يُعقل ذلك إن كان هذا الإطلاق أداتيّاً، إذ يكون له معنى محفوظ في المرتبة السابقة. (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وإذا فُرِض أنّ هناك حكمان -كما في القضيّة الشرطية- فهنا الإطلاق بمقدّمات الحكمة يعقل بلحاظ الحكم الأوّل، وفي المرتبة الثانية يعقل إرجاع الحكم الثاني إلى المطلق بما هو مطلق ويمكن إرجاعه إلى ذات المطلق.

ثُّمّ أنّ هذه التفرقة الفنيّة، بين الإطلاق الحكمي والعموم الأداتي، إنّما تتمّ على المباني المختارة، ولا تتمّ على مباني المحقّق النائيني، فإنّ هذا التمييز ودعوى أنّ الإطلاق الحكمي ليس له معنى متحصّل في المرتبة السابقة على طرو الحكم، بخلاف الإطلاق الأداتي، هذا التمييز بينهما يتّجه بناءً على المختار من أنّ العموم الثابت بالأداة لا يحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المرتبة السابقة في مدلوله. 

وأمّا بناءً على احتياج العموم الثابت بالأداة إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول، فيكون هذا العموم في طول الإطلاق الحكمي، ويكون حاله حاله.

توضيح ذلك: أنَّ هناك بحثاً في باب العموم والخصوص، وحاصله: بعد الاتفاق على أنّ (كلّ) في قولنا: (أكرم كلّ عالم) تدلّ على العموم والاستيعاب لغةً ووضعاً. لكنّها هل تدلّ استيعاب تمام أفراد المعنى، الذي وضِع له كلمة (عالم)، أو على استيعاب تمام أفراد ما أريد جداً من كلمة عالم؟ والأوّل هو المشهور والصحيح. 

وكلمة (عالم) وضِعت للطبيعة المهملة الكلية، فتكون (كلّ) دالة على إسراء هذه الطبيعة إلى كلّ ما يصلح أن يكون فرداً لها. وبناءً على هذا لا نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة، بل تكون كلّ مغنية عنها.

وبناءً على هذا، لو قال (أكرم كلّ عالم)، ثُّمّ ثبت من الخارج بأنّه لا يجب 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إكرام العالم النحوي، يكون هذا معارضاً مع الظهور العمومي لا محالة.

المبنى الآخر، هو أن يقال: بأنّ أداة العموم موضوعة للشمول لتمام أفراد ما أريد جداً من كلمة (عالم)، وما أراده المولى في عالم جعل الحكم منها. والمراد الجدي المشخص له مقدّمات الحكمة. إذن، فلا بدَّ في المرتبة السابقة عن كلّ، أن نشخّص حدود المراد الجدي، بهذه المقدّمات. 

ومن هنا ذكر المرزا في بحث العموم واختاره، بانّنا نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول؛ لإثبات أنّ المراد الجدّي للمولى من المدخول هو الطبيعة المطلقة. وحينئذٍ، فـ(كلّ) توفي تمام أفراد الطبيعة المطلقة.

وبناءً على هذا يترتّب، أنّه لو قال (أكرم كلّ عالم)، وعلمنا من الخارج بأنّ العالم النحوي لا يجب إكرامه، لا يكون هذا هدماً للظهور العمومي لأداة العموم، بل يكون تقييداً للإطلاق الثابت لمقدّمات الحكمة. وهذه هي الثمرة التي اقتنصها المرزا هناك من هذا المبنى.

ففي محلّ الكلام، إذا فرضنا أنّ الظهور العمومي الثابت بالأداة، يدلّ على استيعاب تمام أفراد ما وضع له كلمة المدخول، وهو الطبيعة المهملة، بلا حاجة إلى مقدّمات الحكمة، فحينئذٍ، يكون ما بيّناه من التفرقة بين العموم والاطلاق الحكمي، نكتة صناعية، حيث إنّ العموم الأداتي يكون سنخ معنى يكون له تحصّل في المرتبة السابقة على طرو الحكم عليه؛ لأنّه هو يرينا أفراد الطبيعة قبل تعلّق الحكم بها، يمكن أن يتعلّق الحكم بالعموم. وأمّا الإطلاق الحكمي فليس له معنى إلا توسعة دائرة المراد الجدّي بلحاظ جعل الحكم، يعني توسعة دائرة 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

موضوع الحكم، فحينئذٍ، لا يتحصّل له معنى إلا بلحاظ الحكم. وتكون هذه النكتة صناعية.

وأمّا إذا بنينا على المبنى الثاني، وأنّ أداة العموم توجب استيعاب تمام أفراد ما أريد جداً من المدخول، بحيث يُفرَض جريان مقدّمات الحكمة في المرتبة السابقة، وإثبات الإطلاق ويكون العموم موسعاً في طول الإطلاق. فمثل هذا العموم لا محالة يكون أيضاً في طول جعل الحكم؛ لأنّه استيعاب لتمام أفراد المراد الجدّي من كلمة (عالم)، والمراد الجدّي هو ما هو موضوع الحكم، لأنّ الإرادة الجديّة هي إرادة جعل الحكم. إذن، فقد ارتبط العموم أيضاً بجعل الحكم، فلا يكون هناك معنى متحصّل للعموم، بقطع النظر عن جعل الحكم.

فهذه النكتة التي بيّناها تتمّ على مباني صاحب الكفاية (1)، والمشهور بين علماء الأصول، ولا تتمّ على مباني المحقّق النائيني.

وقد جاء في أحد تقريري المحقّق النائيني، عبارة يمكن أن تطبّق على النكتة التي ذكرناها. 

فهي إمّا أن تُحمل على أنّها من باب التسامح في التعبير، وإمّا أن تُحمل على أنّها تهافت من المبنى؛ لأنّ مثل هذه النكتة نحن من حقنا أن نذكرها. أمّا من يبني على ربط العموم بالإطلاق الحكمي، وكون العموم في طول جريان مقدّمات الحكمة، فمثل هذا التمييز بين العموم ومقدّمات الحكمة غير صحيح؛ لأنّ العموم بعد أن صار في طول الإطلاق الحكمي صار في طول الحكم لا محالة.

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() انظر فوائد الأصول 4: 338- 339.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فما أُشير إليه في أحد التقريرين، على فرض كونه مراداً جديّاً منافياً مع المبنى.

مطلب آخر أُشير إليه في التقريرين 

ثُّمّ أنّ هناك إشارة أخرى في كلا التقريرين إلى مطلب آخر، وحاصله: ملاحظة الإطلاق المتعارف حينما يقال: بأنّ النكرة أو اسم الجنس في سياق النفي أو النهي يدلّ على الإطلاق، لحكم العقل بأنّ نفي الطبيعة لا يكون إلا بانتفاء تمام أفرادها.

كأن ظاهر بعض عبائر التقريرين، أنّ المرزا يلحظ هذا الإطلاق الناشئ من حكم العقل، بأنّ الطبيعة لا تنتفي إلا بانتفاء تمام أفرادها، ويجعل هذا الاطلاق هو محلّ النظر والبحث بينه وبين صاحب الشبهة، في أنّ العموم في المقام هل هو بنحو سلب العموم أو بنحو عموم السلب؟ فهو يريد أن يستفيد من هذا الإطلاق، إجراء الاستصحاب وحرمة النقض في كلّ مورد مورد، وصاحب الشبهة يستفيد من حرمة العموم لا حرمة العام.

مع أنّ هذا الإطلاق أجنبي عن هذا الكلام بالمرّة، وليس هو محلّ الكلام والنزاع بين صاحب الشبهة وبيننا، بأنّه هل هو بنحو عمو السلب، أو بنحو سلب العموم؟ وذلك لأنّ هذا الاطلاق لا ينتج مقصودنا على أي حال، لا ينتج الحكم بحرمة نقض كلّ فرد من أفراد اليقين. والإطلاق الذي هو محلّ الكلام، هو ذاك الإطلاق الذي ينتج مقصودنا وهو العموم الاستغراقي وثبوت الحكم لكلّ فرد فرد، هذا الإطلاق يكون وافيّاً بالمقصود وعند صاحب 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الشبهة من باب سلب العموم لا من باب عمو م السلب.

توضيح ذلك: أنّه إذا تعلّق النفي أو النهي بطبيعة، فهنا مقامان: 

المقام الأوّل: تشخيص أنّ هذه الطبيعة حين قال (لا تكرم زيداً)، طبيعة إكرام زيد ماذا أريد بها؟ هل أريد بها مطلق الإكرام أو حصّة خاصّة منه؟ وهنا لا ينفع حكم العقل؛ لأنّ العقل هنا لا يعيّن أحد الأمرين(1)، بل المتعيّن في المقام الرجوع إلى الإطلاق اللفظي الثابت بمقدّمات الحكمة.

نرجع هنا إلى الإطلاق، كما نرجع إليه في موارد الإثبات كـوَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ، لو شككنا أنّ موضوع الحليّة هل هو مطلق البيع أو البيع العقدي خاصّة؟ فنثبت بمقدّمات الحكمة أنّ الموضوع هو المطلق، وبذلك نثبت انحلال الحليّة إلى حليّات متعدّدة بعدد البيوع. وبذلك نثبت -بوجه من الوجوه المتقدّمة في بابها- الاستغراقية والانحلالية، و(أن لا تكرم زيداً) انحلالي بعدد أنحاء الإكرام.

فهذا إطلاق حكمي يثبت انحلالية النهي بعدد الأفراد، يعني يثبت النهي بنحو الموجبة الكلية.

المقام الآخر، وهو بقطع النظر عن المقام الأوّل، أي شيء كان المتعلّق، سواءٌ كان هو مطلق الإكرام أو الإكرام المقيّد، العقل يحكم بأنّ كلّ طبيعة لها أفراد لا تنتفي إلاّ بانتفاء تمام تلك الافراد؛ لأنّ وجودها يتمثّل بوجود أي فرد منها.

ــــــــــ[201]ــــــــــ

() إنّ المولى يبغض مطلق إكرامه أو حصّة خاصّة منه، (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحينئذٍ، إذا تعلّق النهي والزجر بشيء، يرى العقل أنّ امتثال هذا النهي لا يتحقّق إلا بانعدام سائر الأفراد، وهذا الإطلاق مرجعه بحسب الحقيقة إلى تشخيص دائرة الامتثال بالنسبة إلى هذا النهي، وبهذه الدلالة والتشخيص العقلي، لا يمكن أن نعيّن أنّ النهي هل هو نهي واحد، أو نواهي متعدّدة؟ لعلّه نهي واحد، ولعلّه نواهي متعدّدة. 

إذا كان نهياً واحد، فمعناه أنّنا لو أتينا بأحد الأفراد يسقط هذا النهي بالعصيان. وإذا كانت نواهٍ متعدّدة إذن فهناك عصيانات متعدّدة وامتثالات متعدّدة.

هذه الدلالة العقلية ليس لها تعرّض إلى تشخيص هوية هذا النهي، وأنّه انحلالي أو وحداني، وإنما غاية همها تشخيص نوع الامتثال لهذا النهي، وأنّ امتثاله لا يكون إلا بترك تمام الأفراد.

إذا اتّضح هذان الإطلاقان، وأنّ الأوّل إطلاق لفظي ثابت بمقدّمات الحكمة في مقام تشخيص موضوع النهي. والثاني إطلاق عقلي غير مربوط بالدلالة العقلية، وإنّما يكون في مقام تشخيص دائرة الامتثال لا أكثر. يتّضح: بأنّ ما يكون مدركاً لنا في قولنا: “لا ينقض اليقين بالشك” أو قولنا: (لا تكرم زيد)، على إثبات أنّ كلّ نقض نقض يكون حراماً، بعدد أفراد اليقين والشك، الذي هو مدّعانا، الذي يكون مدركاً للنواهي الانحلالية التي يدعيها المرزا وندّعيها، إنّما هو الإطلاق الأوّل دون الثاني. فإنّ الثاني أجنبي عن باب إثبات أنّ النواهي كثيرة أو واحدة، وإنّما هو في مقام تشخيص نوعية الامتثال لهذا 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

النهي، سواءٌ كان واحداً أو كثيراً.

فالإطلاق الذي يثبت انحلالية النواهي هو الإطلاق في المقام الأوّل، وهو إطلاق ثابت بمقدّمات الحكمة. وحينئذٍ، فصاحب الشبهة ينتقل إلى هذا الإطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة، ويقول: إنّ هذا الإطلاق الذي يثبت الاستغراقية، لعلّ استغراقيّته هي موضوع الحرمة، فالحرمة حرمة الاستغراق لا حرمة استغراقية. فالإطلاق في المقام الأوّل هو الذي تأتي عليه الشبهة؛ لأنّه هو الدالّ على الاستغراقية. 

أمّا الإطلاق في المقام الثاني فهو أجنبي عن باب الدلالة على الاستغراقية، فإدخاله في محلّ الكلام في غير محلّه.

والصحيح هو حصر النظر على الإطلاق الناشئ من مقدّمات الحكمة، وهذا الإطلاق حيث لا يتحصّل له معنى في المرتبة السابقة على جعل الحكم، فلا معنى لفرض طرو الحكم عليه. وعليه فلا مجال للشبهة في المقام.

هذا تمام ما أردنا توضيحه من هذا التنبيه الثالث.

التنبيه الرابع: في تحكيم الارتكاز على إطلاق القاعدة 

التنبيه الرابع، والأخير، من تنبيهات الصحيحة الأولى:

هو: أنّنا ذكرنا في مقام تعميم القاعدة المستفادة من هذه الصحيحة، وافتراضها كبرى كليّة للاستصحاب تجري حتّى في غير موارد الوضوء، ذكرنا في مقام استفادة ذلك عدة أساليب، وكان من أهمها، هو مسألة الارتكاز، بمعنى أنّ مناسبات الحكم والموضوع التي تقوم بدور أساسي في تحديد مدلول 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أي دليل يؤخذ من قبل العرف. هذه المناسبات تسبغ ظهوراً ثانوياً على الدليل، زائداً على ظهوراته الأوليّة المستمدّة من حاقّ الأوضاع اللغوية.

وبمقتضى هذا الظهور الثانوي الناشئ من مناسبات الحكم والموضوع، لا يمكن تخصيص القاعدة بخصوص باب الوضوء؛ لأنّ التفصيل بين باب الوضوء وغيره ليس أمراً ارتكازياً، فلو تمّ لكان على خلاف الارتكاز العرفي. 

وإن شئنا قلنا: بأنّ الجملة التي تكون متكفّلة لحكم على موضوع، يكون لهذا الموضوع مناسبات ارتكازية في نظر العرف، تكون هذه الجملة ظاهرة في الإشارة إلى ذلك الحكم المعهود بحسب الارتكاز، ولهذا قلنا بأنّ عهدية هذا الارتكاز أقوى من عهدية كلمة اليقين بالوضوء الواردة في الجملة السابقة.

بمثل هذا البيان قلنا بأنّ القاعدة لا يمكن تخصيصها بخصوص موارد الوضوء، بل لا بدّ من التعدّي إلى غير موارده.

لكن يبقى الكلام بعد هذا في أنّ هذه القاعدة هل من اللازم أنّ نحكّم -في مقام توسعتها- الارتكاز دائماً؟ فإنّنا ما دمنا حكّمنا الارتكاز في إلغاء خصوصية المورد وهو اليقين بالوضوء، فهل لا بدَّ أنّ نحكّم هذا الارتكاز في تمام موارد تطبيق هذه القاعدة، فمتى كان هناك ارتكاز عقلائي فعلى جريان الاستصحاب نبني عليه، ومتى ما لم يكن هناك ارتكاز في المرتبة السابقة على جريانه لا نبني عليه. يعني أنّ الإطلاق، في المقام، يكون بمقدار الارتكاز لا أكثر.

تحقيق الكلام في ذلك: هو أنّ الارتكاز: 

تارةً: يُفرَض أنّه انصبّ على نكتة محدودة بحدّ تنتهي عنده، ولا تجري في 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

موارد فقدان هذا الحدّ، ويكون هذا الحد بنفسه تحت الارتكاز، فكما أنّ أصل النكتة ارتكازي كذلك محدوديّتها بهذا الحدّ.

وأخرى: يُفرَض أنّ الارتكاز تعلّق بنكتة على نحو القضيّة المهملة. وقد استقرّ بناؤهم على الجري على طبق هذه النكتة ببعض مراتبها، ولها مراتب أخرى وعرض عريض مقول بالتشكيك، وليس هناك ارتكاز لعدم سريان النكتة إلى تمام هذه المراتب. 

نعم، قد لا يكون هناك وضوح لسريانها ويكون هناك توقّف وإجمال، لا أنّه يكون ارتكاز عدم هذه النكتة إلى تمام المراتب، كما هو الحال في القسم الأوّل، بل يكون للنكتة مراتب وعرض عريض، غاية الأمر أنّ العقلاء لم يتحقّق جريانهم الفعلي إلا على بعض مراتبها، وأمّا بعض المراتب الأخرى فلا يأبون أن يكون ذات النكتة والملاك موجود هناك ومحفوظاً ببعض مراتبه، لكن هذا الانحفاظ ببعض مراتبه لم يؤثر في جريهم الخارجي، إما لشكّهم وعدم جزمهم بهذا الانحفاظ، أو لاحتمالهم وجود جهة أخرى مزاحمة، أو لغير ذلك، بحيث لا يكون الحدّ ارتكازياً.

ففي الموارد التي يكون الارتكاز فيها من قبيل النحو الأوّل، يعني ارتكاز النكتة بحدّها مأخوذة (بشرط لا)، فمثل هذا الارتكاز يكون مقيّداً للإطلاق، كما يكون موسّعاً وملغياً لخصوصية المورد، وحملها على المثالية. كذلك يكون محددّاً من الإطلاق، لأنّ مثل هذا الارتكاز يعطي للدليل ظهوراً في أنّه في مقام إمضاء ذات تلك النكتة، والمفروض أنّ ذاتها مأخوذة (بشرط لا). فلو فرض أنّنا تمسّكنا 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بإطلاق الدليل حتّى لموارد فقدان ذلك الحدّ المخصوص، لكان معناه اتجاه الدليل إلى نكتة أخرى غير تلك النكتة العقلائية، وهذا خلف. فإنّ المفروض انسباق المعنى الارتكازي من الدليل الشرعي، فلا بدَّ من تقييده في المقام.

هذا هو المتبّع عموماً في جميع الأدلّة التي تتكفل معانياً مطابقة مع الارتكاز، إذا كان الارتكاز من قبيل القسم الأوّل.

وأما إذا كان الارتكاز من القسم الثاني، يعني ذات النكتة مرتكزة في الأذهان العقلائية، لكن لا يأبى العقلاء عن أن يفرضوا لها مراتباً وعرضاً مقولاً بالتشكيك، غاية الأمر أنّهم أدركوا إدراكاً فعليّاً خالياً من المزاحم بعض هذه المراتب وجروا على طبقها.

في مثل ذلك لا بأس بالتمسّك في إطلاق الدليل، والعقلاء لايأبون هنا عن أنّ يستكشفوا من إطلاق الدليل سعة هذه النكتة في نظر المولى، وأنّ هذه النكتة في نظره أوسع من دائرة جزمهم وإحرازهم اليقيني، ولا يكون مثل هذا الارتكاز مقيّداً لإطلاق الدليل.

وحينئذٍ، إذا فرضنا في صحيحة زرارة، أنّ الإطلاق اللفظي في نفسه كان تامّاً إمّا بقطع النظر عن الارتكاز، أو بلحاظ أنّ الارتكاز حول قيد الوضوء إلى المثالية. وهذا الإطلاق يشمل تمام موارد الحالة السابقة. وحينئذٍ، فمثل هذا الإطلاق يؤخذ به، ولا يصحّ أن يقال: بانّنا نتقيّد في تطبيقه على ما نحرز كونه مطابقاً مع الجري العملي للارتكاز العقلائي بحسب الخارج؛ لأنّ الارتكاز العقلائي على الاستصحاب من القسم الثاني –لا الأوّل- يعني أصل نكتة 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مرجعية الحالة السابقة مركوزة بنحو القضيّة المهملة في الأذهان العقلائية، على ما قلنا، ولكن هذه النكتة لها مراتب وعرض عريض، والعقلاء ليس لهم حدّ (بشرط لا) في هذه النكتة أيضاً يقع تحت الارتكاز.

فمن هذه الناحية لا باس بالتمسّك بالإطلاق وتطبيق الاستصحاب، حتّى في الموارد التي لم ينعقد فيها جريان فعلي من قبل العقلاء على الاستصحاب.

وممّا يؤيد هذا ويشهد له، أنّ الإمام صرّح بجريان الاستصحاب، حتّى مع الظن على الخلاف؛ لأنّه قال: “لا حتّى تستيقن” حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، “ولا ينقض اليقين بالشك“، ولكن ينقض بيقين آخر. وهذا واضح جدّاً في التصريح بإجراء الاستصحاب، حتّى مع الظن بالخلاف؛ لأنّه حصر الناقض بخصوص اليقين بالخلاف. ومن المعلوم أنّ موارد الظن بالخلاف، ليست من الموارد الداخلة في موارد الجريان الفعلي للبناء العقلائي، فهذا بنفسه ممّا يؤيد أنّ هذه القاعدة لم يكن الملحوظ في حدودها وإبعادها الجريان الفعلي للبناء العقلائي.

وعليه، فلا بأس -بعد فرض التعدّي- بمقدار سعة دلالة اللفظ. هذا هو التنبيه الرابع.

الصحيحة الثانية(1) 

وهي طويلة وفيها فقرتان هما محل ّالاستدلال. أقول هي مضمرة(2) زرارة، 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

() الرواية الثانية. 

(2) الرسائل ص191 ج2. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

قال قُلْتُ أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ‏ رُعَافٍ‏ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ شَيْ‏ءٌ مِنْ مَنِيٍّ فَعَلَّمْتُ أَثَرَهُ إِلَى أَنْ أُصِيبَ لَهُ مِنَ الْمَاءِ فَأَصَبْتُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَنَسِيتُ أَنَّ بِثَوْبِي شَيْئاً وَصَلَّيْتُ ثُمَّ إِنِّي ذَكَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: تُعِيدُ الصَّلَاةَ وَتَغْسِلُهُ. قُلْتُ: فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ مَوْضِعَهُ وَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ‏ فَطَلَبْتُهُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلَمَّا صَلَّيْتُ وَجَدْتُهُ. قَالَ: تَغْسِلُهُ وَتُعِيدُ. قُلْتُ: فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً ثُمَّ صَلَّيْتُ فَرَأَيْتُ فِيهِ. قَالَ: تَغْسِلُهُ وَلَا تُعِيدُ الصَّلَاةَ. قُلْتُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً. قُلْتُ: فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَأَغْسِلَهُ. قَالَ: تَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ. قُلْتُ: فَهَلْ عَلَيَّ إِنْ شَكَكْتُ فِي أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْ‏ءٌ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تُذْهِبَ الشَّكَّ الَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِكَ. قُلْتُ: إِنْ رَأَيْتُهُ فِي ثَوْبِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَتُعِيدُ إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتَهُ وَ إِنْ لَمْ تَشُكَّ ثُمَّ رَأَيْتَهُ رَطْباً قَطَعْتَ الصَّلَاةَ وَغَسَلْتَهُ ثُمَّ بَنَيْتَ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ. الحديث.

وفي هذه الصحيحة ستة أحكام في ستة أسئلة وستة أجوبة. والفقرة الأولى للاستدلال وقعت في الحكم الثالث، والفقرة الثانية وقعت في الحكم السادس.

نأخذ الآن تصوّراً فقهيّاً عامّاً عن تمام الصحيحة؛ لكي ندخل بعد هذا في تمحيص كلتا هاتين الفقرتين للاستدلال.

الحكم الأوّل: أنّ الراوي سأل الإمام: أنّه لو صلّى في الصلاة المعلومة سابقاً 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لأجل النسيان، فهل النجاسة بوجودها الواقعي المنسيّ تكون مؤثّرة في بطلان الصلاة أو لا؟؛ لأنّها غير محرزة بالفعل حال الصلاة. وأجاب: ببطلان الصلاة، وهو المشهور بين الفقهاء، والموافق لأكثر الروايات الواردة في الناسي.

الحكم الثاني: أنّه سأل عن فرض العلم الإجمالي، أنّه علم إجمالاً بوقوع النجاسة في بعض مواضع ثوبه، وكأنّه كان يريد أن يغسله فطلبه فلم يقدر عليه، فلما عجز عن تحصيله صلى فيه، وبعد الصلاة وجده. قال تغسل ثوبك وتعيد الصلاة. وهذا واضح، فإنّ قوله: “فَطَلَبْتُهُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ“، ليس معناه أنّه قد انحلّ علمه الإجمالي، إذ لم يستعمل كلمة تدلّ على الفحص عنه، لم يقل نظرت فلم أره، حتى يُقال: إنّه يصير منشأ للشكّ، وإنّما طلبه في مقام ترتيب الأثر فلم يقدر عليه؛ لأنّه كان في موضع مستتر. فعلمه الإجمالي باقٍ على حاله، ودخل في الصلاة من باب أنّه يتخيّل أنّ هذا المقدار من الاعتناء بالنجاسة والفحص عنها، وعدم وجدانها يكفي عذراً في مقام الدخول في الصلاة. والإمام أفتى بوجوب إعادة الصلاة، ووجوب غسل النجاسة؛ لأنّها كانت منجزة بالعلم الإجمالي.

الحكم الثالث: أنّه سأل عمّا إذا كان قد ظن بالإصابة، وصار في مقام التفتيش فلم يرَ شيئاً، يقول: “فصليت ثُّمّ رأيت فيه“، فبعد أن صلى رأى في ثوبه نجاسة. فقال الإمام: النجاسة التي رأيتها أغسلها ولا تُعيد الصلاة. فسأل عن السبب في ذلك. فقال: “قَالَ لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ“. وهذا هو الحكم الثالث الذي جاء 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مذيّلاً بالفقرة التي هي محلّ الكلام في الاستصحاب.

هذا الفرض، الذي يفرضه السائل مردّد في بداية الأمر بين أربع افتراضات(1)

الاحتمال الأوّل: أنّه حينما ظن أنّه قد أصابه ونظر فلم يرَ شيئاً، حصل له اليقين بأنّه ليس هناك شيء، فدخل في الصلاة متيقّناً بالطهارة. ثُّمّ بعد أن صلى رأى فيه نفس تلك النجاسة التي ظنّها قبل الصلاة، فتحوّل يقينه بالطهارة إلى اليقين بالنجاسة. 

وهذا الفرض ساقط في الرواية؛ لأنّه لا يُلائم مع الشكّ، والمفروض في المقام افتراض الشكّ؛ لأنّ الإمام يقول له: “لا ينقض اليقين بالشك“، فلا بدَّ من فرض الشكّ له، إمّا في حال العمل أو في حال السؤال بعد العمل، وإلاّ فلا معنى لتطبيق مضروبة للشاك عليه.

الاحتمال الثاني: أن لا نستفيد من قوله: “فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً” اليقين بالطهارة، فإنّ عدم الوجدان، لا يدلّ على عدم الوجود، وبالنتيجة بقي شيءٌ. ولا نستفيد من قوله: “فرأيت فيه” أنّ هذه النجاسة هي تلك النجاسة، التي كان يظنّها فيما سبق. هذا أيضاً غير معلوم عنده. فنعكر كلا اليقينين المفروضين في التصوّر الأوّل.

ففي مثل هذا يكون هذا المورد مجرى للاستصحاب بنحو واضح بلا إشكال. ويكون الاستصحاب جارياً بلحاظ حال الصلاة، وحال السؤال معاً؛ 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() وهنا قرأ عبارة السائل فراجعها، (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لأنّ هذا الشخص كان متيقّناً بالطهارة قبل ظن الإصابة، ثُّمّ حصل له شكّ، ولا يزال إلى الآن شاكّ في أنّ صلاته وقعت مع الطهارة أو لا. فاستصحاب الطهارة يجري في حقّه حال الصلاة وحال السؤال.

ولا يكون هذا المورد مورداً لقاعدة اليقين؛ لأنّها متقوّمة بأن يكون عنده يقين بشيء، ثُّمّ يشكّ في نفس الحدوث، الذي كان على يقين منه، وهنا ليس عنده حال الصلاة يقين بالطهارة، ويفرض بعد هذا أنّه يشكّ في طهارته حال الصلاة، حتّى يكون من باب قاعدة اليقين، فتنحصر القاعدة المطلوبة هنا في الاستصحاب، ويكون جارياً بلحاظ الصلاة وما بعدها.

الاحتمال الثالث: أن يُفرَض أنّ هذا الشخص لم يحصل له يقين بالطهارة حين نظر فلم يجد شيئاً، ولكن حين صلى ورأى فيه نجاسة، حصل له علم بأنّها هي النجاسة السابقة. 

هذا الفرض ليس مورداً لقاعدة اليقين بلا إشكال؛ لأنّه لا يوجد هنا شكّ في يقين سابق، بل حاله أنّه كان حال الصلاة شاكاًّ في النجاسة، وبعدها تيقّن على أنّه كان محكوماً بالنجاسة حال الصلاة، فليس هذا مورداً لقاعدة اليقين.

كما أنّه بلحاظ ما بعد الصلاة ليس مورداً لقاعدة الاستصحاب أيضاً؛ لأنّه انكشف له حاله، وعلم أنّه لم يكن طاهراً حال الصلاة. 

نعم، هو مجرى للاستصحاب بلحاظ حال الصلاة؛ لأنّه كان على يقين من طهارته وشكّ. ومن هنا يأتي الإشكال المشهور الذي سوف نعالجه، وهو: أنّه ما فائدة هذا الاستصحاب بالنسبة إليه؟ فإنّه يسأل بعد أن انتهت الصلاة 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وانكشف على أنّه صلى بالنجاسة، فالاستصحاب بلحاظ حال السؤال لا ينفعه. يأتي توضيح هذا السؤال مع دراسته.

الاحتمال الرابع عكس الثالث: أنّ نفرض أنّه حينما نظر فلم يرَ شيئاً، حصل له اليقين بأنّه طاهر، ثُّمّ بعد هذا لما رأى النجاسة بعد الصلاة، لا يدري أنّها سابقة أو لاحقة.

هنا، يتمّ موضوع قاعدة اليقين والاستصحاب معاً؛ لأنه عندنا في المقام يقينان: يقين بالطهارة حال الصلاة، وهذا هو مفهوم قاعدة اليقين، وحصل هناك شكّ ساري مسرى اليد فأبطله. وهناك يقين آخر وهو المتعيّن بالطهارة قبل ظن الإصابة، وهو باقٍ على حاله، غاية الأمر: يشكّ الآن في بقاء ذاك المتيقّن وعدم بقائه. وهذ الاستصحاب يكون جريانه بلحاظ ما بعد الصلاة؛ لأنّه في حالها كان متيقناً بالطهارة وليس شاكّاً في البقاء. فيكون جريانه بلحاظ حال السؤال على عكس الفرض السابق، الذي كان جريانه بلحاظ حال الصلاة. وسيأتي تمحيصات هذه الاحتمالات.

الحكم الرابع: أنّه سأل: أنّي علمت إجمالاً بوقوع نجاسة على ثوبي، ماذا أصنع في مقام الغسل؟ يعني يريد أن يقول: هل يجب عليَّ غسل تمام أطراف الشبهة المحصورة، أو يكفي أن أغسل بعضها، أو ما أظن بانطباق المعلوم بالإجمال عليها؟ فحكم الإمام عليه بوجوب الاحتياط وغسل الناحية التي يعلم اجمالاً بوجود النجس فيها، “حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ” وهذا تطبيق لقانون تنجيز العلم الإجمالي. 

الحكم الخامس: إمّا أنّه كان من أوّل الأمر يحمل مثل هذا الشك أو إحماله 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بهذا الشك قوله: حتى تكون على يقين من طهارتك على أي حال سأله: إذا شككت أنّه أصابني نجس أو لا، بنحو الشكّ البدوي، هل يجب أن أنظر وأفحص أو لا؟ قال: “لا يجب عليك أن تنظر إلاّ إذا كنت تريد أن تُذهب بالشكّ، الذي وقع في نفسك“. يعني: إزالة الشكّ ليس امراً واجباً، يمكنك أن تبني على الشكّ، وتعوّل على أصالة الطهارة -مثلاً- ولكن إذا كنت تريد أن تتنزّه عن هذا الشكّ من باب الاحتياط، فلا بأس بذلك، فقد افتاه بالمؤمنيّة في حال الشكّ، وعدم وجوب الفحص، وقد يستشعر منه ضمناً حسن الاحتياط.

تفصيل الكلام فيها 

الحكم السادس: “قُلْتُ إِنْ رَأَيْتُهُ فِي ثَوْبِي وأَنَا فِي الصَّلَاةِ” هذا قد يُفرَض كونه فرضاً ابتدائياً جديداً، كأنه يريد أن يقول: إنسان مصلّي رأى نجاسة في صلاته. وقد يُفرَض كونه تتميماً للفرض السابق، فإنّه هناك فرض الشكّ البدوي، فمراده هنا: أنّه شككتُ أنّه أصابني بنحو الشكّ البدوي، ودخلت في الصلاة، وفي أثناء الصلاة رأيته، يعني رأيت ذلك الذي كنت على شكّ منه.

قال له الإمام: “تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وتُعِيدُ إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتَهُ وإِنْ لَمْ تَشُكَّ ثُمَّ رَأَيْتَهُ رَطْباً قَطَعْتَ الصَّلَاةَ وغَسَلْتَهُ ثُمَّ بَنَيْتَ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ“.

هذا التفصيل (1) من الإمام يحتمل فيه احتمالان: 

أحدهما: أن يكون مقصوده من قوله: “إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

() إذا كنت شككت فكذا وان كنت لم تشكّ فكذا. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

رَأَيْتَهُ“، يعني صورة العلم الإجمالي، يعني كان أصل النجاسة مفروغاً عنه، وشككت في تعيين الموضع(1)، فهنا لا بدَّ لك أن تقطع صلاتك، وتغسل وتستأنف الصلاة من جديد؛ لأنّها الصلاة وقعت مع نجاسة معلومة بالإجمال، وهي موجبة لبطلان الصلاة بلا إشكال. وان كنت لم تشكّ يعني: الشكّ في التطبيق المقرون بالعلم الإجمالي. 

أمّا بأن كان شكّك بدوياً ودخلت في الصلاة، أو كنت غافلاً أصلاً، أو كنت متيقّناً بالطهارة. ففي مثل ذلك ابنِ على صحّة صلاتك؛ وذلك لأنّ هذه النجاسة التي رأيتها في الأثناء، “مَنْ قال لك أنّها كانت موجودة من الأوّل، لعلّها الآن أوقعت عليك”، وحينئذٍ تمسّك بالاستصحاب لإثبات أنّها لم تكن موجودة من الأوّل.

وبناءً على صحّة هذا الاحتمال، يكون مقتضى مفهوم قوله: “لَعَلَّهُ شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ“، أنّه لو كان يعلم أنّه شيء لم يوقع عليه الآن، فقد كان شخصاً دخل في الصلاة من دون علم إجمالي، وفي أثنائها التفت إلى نجاسة علم بأنّها كانت سابقة وموجودة من الأوّل. مقتضى هذا المفهوم أنّه في مثل ذلك لا ينفعك الاستصحاب وصلاتك باطلة(2).

الاحتمال الثاني في هذا الكلام، هو أن يكون مقصود الإمام في قوله: “إذا شكّكت في موضع منه ثُّمّ رأيته” يعني إذا شككت شكّاً ابتدائياً في موضع 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

() ثُّمّ في أثناء الصلاة تعين الموضع ورأيته. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) لأنّه انكشف له أنّ بعض هذه الصلاة قد وقع مع بعض النجس. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

معين أنّه هل توجد نجاسة أو لا؟ ثُّمّ رأيت نجاسة في أثناء الصلاة وعلمت أنّها كانت موجودة من الأوّل، في مثل هذا لا بد أن تقطع صلاتك(1) وتتطهّر وتدخل الصلاة من جديد.

هذا هو نفس الحكم الذي كنّا نفهمه على التقدير الأوّل من مفهوم التعليل في قوله “لَعَلَّهُ شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ“. هنا صرنا نفهمه بالصراحة من الشقّ الأوّل من كلام الإمام.

وأمّا إذا كنت لم تشكّ، يعني دخلت الصلاة دون أن تشكّ شكّاً بدوياً، بل دخلتها غافلاً أو قاطعاً بالطهارة، وبالأثناء رأيت نجاسة فهنا الإمام بلحاظ قوله “لَعَلَّهُ شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ“، أبدى احتمال أن تكون هذه النجاسة متأخّرة، فصلاتك تكون صحيحة بالاستصحاب.

ومن هنا يظهر أنّه على كلا الاحتمالين، يستفاد من الحكم السادس من كلام الإمام: أنّ من صلّى ووجد نجاسة في أثناء صلاته، وعلم بسبقها فصلاته باطلة. غاية الأمر أنّ هذا الفرض يستفاد بطلانه -على التفسير الأوّل- من مفهوم قوله: “لعلّه أوقع عليك“، وعلى التفسير الثاني من منطوق الشق الأوّل من كلام الإمام. 

هذان الاحتمالان لكلّ منهما ما يمكن أن يكون مقرّباً له: 

الاحتمال الأوّل: وهو أن نحمل قوله: “إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

() هنا حكم بالبطلان؛ لأنّه فرض أنّ النجاسة المرئية في أثناء الصلاة هي النجاسة السابقة فجزء من الصلاة قد وقع مع النجاسة. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

رَأَيْتَهُ” على العلم الإجمالي. فما يمكن أن يقال أنّه مقرّب له:

أولاً: كلمة (موضع منه). فإنّها لو كان المقصود الشكّ البدوي، لكانت قلقلة زائدة، فإنّه بإمكانه أن يضيف الشكّ إلى نفس الثوب، فلماذا فرض الموضع؟ وقسم الثوب إلى مواضع وأطراف، وما فرض الموضع والطرق أنسب بالعلم الإجمالي منه بالشك البدوي.

وثانياً: لو كان المراد الشك البدوي(1)، فلماذا أبدى الإمام في صورة -أنك لم تشك- احتمال تأخّر النجاسة، ولكن في صورة الشكّ البدوي لم يبدِ هذا الاحتمال، بل فرض أنّها هي النجاسة السابقة التي شُكّ فيها من أوّل الأمر. فلو كان الشقّ الأوّل محمولاً على الشك البدوي، فكِلا الشقّين يمكن فيه إبداء هذا الاحتمال. أمّا لو حملنا الشقّ الأوّل على العلم الإجمالي، فمعناه أنّ هذا الاحتمال غير موجود، إذ المفروض أنّه علم إجمالي، وان المكلّف دخل الصلاة مع العلم الإجمالي(2)

ولكن كلّ من هذين المؤيّدين غير تام. 

أمّا المؤيد الثاني، فلأنّنا نحتمل قوياً أن يكون قوله في السؤال السادس: (فإن رأيته في أثناء الصلاة)، تتّمة السؤال السابق. يعني: إن شككت أنّه أصابني ثُّمّ رأيته في أثناء الصلاة. (فرأيته) يرجع إلى ما شكّ فيه، لا أنّه مجرّد 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

() من الشق الأوّل ومن الشق الثاني عدم الشك البدوي. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) وأنّه يعلم بسبق النجاسة، فلا معنى لأن يبدي احتمال تأخّرها. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

قضيّة فرضية ابتدائية، فيكون هذا هو محطّ سؤال السائل ابتداءً. والإمام في مقام الجواب ذكر ما هو محطّ السؤال كشقٍّ، فقال: “أنّي شككت فيه ثُّمّ رأيته“، ثُّمّ بعد هذا تبرّع ببيان شق آخر، وهذا لا بأس به؛ لأنّه تبرّع بصورة أخرى تقع غالباً بمحل الابتلاء، وليس فيه أي محذور وأي مسامحة.

فإنّما خصّص إبداء احتمال تأخّر النجاسة بالشقّ الثاني دون الأوّل؛ لأنّه لم يكن يريد بالشقّ الأوّل طبيعي دخول المصلي مع الشبهة البدوية، بل كان يريد محطّ سؤال السائل، وهو -بعد فرض كون السؤال السادس متمّماً للخامس- أنّه شكّ في نجاسة ثُّمّ رآها في أثناء الصلاة.

وأمّا المؤيّد الأوّل: فكلمة (في موضعه) هنا لا يناسب أن تكون إشارة إلى أطراف العلم الإجمالي مع فرض التنكير، فإنّه مع التنكير ظاهر في أنّ الشكّ شكّ فيه لا شكّ في تعيينه. لو كان معرَّفاً بـ(اللام) أو بالإضافة: شكّ في الموضع أو في موضعه، لكان لا يبعد أن يُفرض أنّ أصل النجاسة لها تعيّن في الواقع، وهو يشكّ في انطباقه. وأما مع التنكير، فهو لا يناسب مع فرض العلم الإجمالي.

 ولعلّ ذكر كلمة موضع هنا؛ لأجل إبراز هذا المطلب، وهو: أنّ النجاسة التي رآها هي نفس النجاسة التي شكّ فيها؛ لأنّه إذا كان الشكّ في الثوب على نحو الإجمال، ويرى بعد هذا نجاسة أيضاً على نحو الإجمال، حينئذٍ(1)،  مَنْ قال 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

() فهنا حساب الاحتمالات لاينتج دائماً ان هذه النجاسة المرئية هي نفس تلك النجاسة المشكوكة. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بأنّ هذه النجاسة هي نفس المشكوك؟ لكن حين يكون شكّه في موضع معيّن، ثُّمّ يرى نجاسة في ذلك الموضع المعيّن يحصل له الاطمئنان بحساب الاحتمالات، بأنّ هذه النجاسة التي رآها في الصلاة، هي النجاسة التي كان شاكّاً فيها. فلعلّ إبراز كلمة (الموضع) لهذه النكتة. 

فمؤيدات الاحتمال الأوّل غير تامّة، بل يتعيّن الاحتمال الثاني، وهو: أن نحمل كلمة: (فإن شككت)، على الشك البدوي، (وان لم تشكّ)، على غير الشك البدوي. 

وذلك: 

أما أولاً: فلأنّه لو حملنا الشقّ الأوّل على صورة: (إن شككت) على العلم الإجمالي يلزم التكرار؛ لأنّ فرض العلم الإجمالي، قد سأل عنه زرارة. في السؤال الثاني من الأسئلة الستة وأجاب عنه الامام، فلا يكون في هذا التكرار نكته(1) واضحة.

وثانياً: أنّه فرض في مقام بيان الشقّ الثاني قوله: “وإن لم تشكّ” في الشق الثاني -وهذا مطلب أشار اليه الشيخ في (الرسائل)(2) على ما أتذكر- وهو ظاهر في نفي أصل الشكّ، وحمله(3) على أنّك وإن لم تشكّ شكاًّ مقروناً بالعلم 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

() قيد مهم. (المقرِّر).

(2) انظر: فرائد الأصول 2: 566. 

(3) ولو حملنا الشقّ الأوّل العلم الإجمالي، للزم حمل الشقّ الثاني على شكّ لم تشكّ هذا الشكّ الخاص المقرون بالعلم الإجمالي، ولا يخفى ما في هذا من العناية. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الإجمالي، حمل بعيد جداً.

وثالثاً: وهي القرينة المهمة، هي أنّه ذكر في الشق الأوّل: “فإن شككت في موضع منه ثُّمّ رأيته، فأعد صلاتك“، وظاهر هذا التعبير أنّ (ثُّمّ رأيته) له دخل في الحكم بالبطلان، مع أنّه لو حملنا الشكّ كان هذ من موارد العلم الإجمالي، فسواءٌ رآه أو لم يره فصلاته باطلة، فلا يكون للرؤية دخل في ذلك، بخلاف ما لو حمل على الشكّ البدوي(1)

وعليه فالأظهر حمله على الاحتمال الثاني وهو الشكّ البدوي.

وعلى كلّ حال، فيستفاد من هذه الفقرة الأخيرة، أنّ الإنسان لو صلّى ووجد في أثناء صلاته نجاسة علم بسبقها، فصلاته باطلة. ومن هنا يمكن أن يوقع التعارض بين هذا الحكم المستفاد من الفقرة السادسة، والحكم المستفاد من الفقرة الثالثة، لو حملناها على الاحتمال الثالث من الاحتمالات الأربعة، التي قلناها. وهو احتمال أن يكون هذا المؤمن قد صلّى، وبعد الصلاة رأى نجاسة علم بأنّها هي النجاسة السابقة. هناك أفتى الإمام بالصّحة، وهنا أفتى بالبطلان.

ويقول الشيخ في (الرسائل): مع أولوية ذاك الفرض من هذا بالصحّة؛ لأنّه هناك تمام الصلاة وقعت مع النجاسة وهنا بعضها وقع مع النجاسة(2).

*****

ــــــــــ[219]ــــــــــ

 (1) هذا -يعني ظهور دخل الرؤية في البطلان- لا يناسب إلا مع الشكّ البدوي. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2)  انظر: فرائد الأصول، المصدر السابق. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

جوابه (1) هو ما قلناه من أن صيغة السؤال في الفقرة السادسة لو أُخذت صيغة مستأنفة ابتدائية، كأن يقول: مصلٍّ يرى النجاسة في أثناء الصلاة. فهذا الكلام يتّجه. وأمّا إذا أخذنا الفقرة السادسة كمتمّم للفقرة الخامسة، التي صدرت من زرارة، فإنّه قال هناك: إن شككت أنّه أصاب ثوبي فهل أنظر وأفحص أو لا؟ (قال: لا، قال: فإن رأيته في الصلاة)، فينتج: (أنّي لو شككت في أنّه أصاب، ثُّمّ رأيته في الصلاة)، ظاهره أنّ ضميره: (رأيته) يرجع إلى نفس المشكوك، الذي شُكّ فيه قبل الصلاة. فيكون حينئذٍ، قول الإمام: “إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتَهُ” من باب أنّ هذا هو مورد سؤال السائل، فلم يكن هناك معنى لأن يفرض فيه احتمال تأخّر الوقوع؛ لأن مورد السؤال أنّه يرى نفس ما كان شاكّاً فيه. ثُّمّ بعد هذا تبرّع الإمام ببيان شقٍ آخر كثيراً ما يقع في محلّ الابتلاء أيضاً، وهو: أنّه إذا لم تشكّ ورأيته في أثناء الصلاة. ومثل هذا التبرّع صحيحٌ في محلّه(2)

وعلى كِلا الاحتمالين في الفقرة السادسة، يُستفاد من كلام الإمام الحكم ببطلان الصلاة إذا انكشف في أثنائها أنّ النجاسة كانت موجودة من 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

() أعاد السيّد، تمام ما كان قاله عن الحكم السادس في الصحيحة الثانية، نذكر منها ما كان فيه ميزة زائدة ولو بطريقة العرض، قال في نقد المؤيد الثاني لاحتمال العلم الإجمالي. (المقرِّر).

(2) ولما انتهى من ذكر مؤيّدات الشق الثاني وهو إرادة الشكّ البدوي من الفقرة الأولى من الحكم السادس. قال: (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأوّل، فإنّه يُستفاد -بناءً على حمل الشقّ الأوّل على العلم الإجمالي- من مفهوم التعليل في الشقّ الثاني، يعني قوله: “لَعَلَّهُ شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ“. 

وبناءً على حمل الشقّ الأوّل على الشكّ البدوي، يُستفاد من نفس بيانه ابتداءً من الشقّ الأوّل(1)

وحينئذٍ، فالحكم في الفقرة الثالثة(2). إذا حملناها على أنّ هذا المؤمن بعد أن صلّى ورأى النجاسة علم بسبق النجاسة، ومع هذا حكم الإمام بالصحّة هناك. 

حينئذٍ، يحصل من التهافت ولو صورةً بين حكم الإمام بصحّة صلاة وقعت بتمامها مع النجاسة، وحكمه ببطلان صلاة وقعت بعضها مع النجاسة، لأنّه قد يُدّعى كما ذكر الشيخ الأعظم(3) إنّ هذا الفرض أولى بالصحّة من ذلك الفرض؛ لأنّه لم تقع تمام الصلاة مع النجاسة، بل بعضها. فإذا كان وقوعها مع تمام الصلاة ليس مبطلاً فكيف يكون وقوعها مع بعض الصلاة مبطلاً؟ 

نعم، لو حكّمنا تلك الفرضية في الحكم الثالث، على أنّه لما رأى بعد الصلاة لم يجزم بأنّ هذه النجاسة هي الموجودة من أوّل الأمر، حينئذٍ، لا تعارض بين الحكمين في هاتين الفقرتين.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

() وهنا قلت له: هذا المفهوم من أيِّ سِنخ من المفاهيم، مفهوم قامت عليه قرينةٌ خاصّة؟

 فقال: يعني أنّه لو فُرِض أنّ النجاسة حتّى لو كانت سابقة فصلاته صحيحة، يكون قوله: لعلّه شيء أوقع عليك لغواً. ولما كان للتأخّر دخل في الصحة. (المقرِّر).

(2) وهنا تلاها فراجعها. (المقرِّر).

(3) انظر: فرائد الأصول 2: 566. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التعارض بين هاتين الفقرتين -على هذا التقدير- مبني على عدم إمكان التفكيك بين بعض الصلاة وتمامها. بأن يُقال: إذا حكم بصحّة الصلاة بتمامها مع العلم بأنّها وقعت في النجاسة، فبطريق أولى -على حدِ تعبير الشيخ- يحكم بأنّ النجاسة الواقعة مع بعض الصلاة غير مانعة؛ لأنّ وجود النجاسة في الصلاة في الصورة الثانية أقل من وجودها في الأولى.

وقد أجاب عن ذلك السيّد الأستاذ: بأنّ هذه أحكام تعبديّة والتفرقة والتحكم في مقام التمييز بين بعض الفروض وبعض، واقعٌ من قِبَل الشارع، ولا يمكننا الاطلاع على الملاكات الواقعية، لكي نجزم بأنّه إذا صحّت الصلاة الواقعة بتمامها مع النجاسة، تصح الصلاة الواقع بعضها معها(1).

وهذا الجواب بهذا المقدار غير تام؛ وذلك لأنّ الشيخ إن كان يدّعي أنّه اطلع على الملاكات وجزم بأنّ الملاك الموجود في الصحّة في الصورة الأولى، موجود في الصورة الثانية، فليكن هذا جواباً له. 

لكن نحن لا ندّعي ذلك، بل نقول: بأنّ التدافع بين الحكمين في هاتين الصورتين، من طريقة فهم العرف؛ لاقتناص الحكم من ظهور هاتين الفقرتين. فإنّ العرف هو المحكّم في توسعة وتضييق دائرة الحكم المستفاد من الدليل الفقهي دائماً، حسب مناسبات الحكم والموضوع. ولهذا كثيراً ما تؤخذ قيود في موضوع الحكم بحسب حاقّ اللفظ، لكن الفقيه يلغيها ويحملها على المثالية والموردية؛ لأنّ هذه المناسبات المركوزة تحول هذه القيود إلى الموردية 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() انظر: دراسات في علم الأصول 4: 24-25.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وتعطي صفة الإطلاق للحكم. 

والتدافع المدّعى في المقام مبني على هذه القاعدة، وذلك: أمّا بأن يُقال: بأنّ العرف حينما يلتفت إلى حكم الإمام بالصحّة في الفقرة الأولى، فهو وإن كان يرى أنّ حكمه هذا وارد في مورد وقوع تمام الصلاة في النجاسة، لكن كون تمام الصلاة وقعت في النجاسة، لا يجعله بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهنه، دخيلاً في الصحّة؛ لأنّ المركوز في ذهنه، بما هو عرف أنّ كثرة وجود النجاسة في الصلاة ليس له دخلٌ في الصحّة.

فيفهم العرف من هذا: أنّ الحكم بالصحّة ليس لامتداد النجاسة، مع تمام الصلاة دخل فيه، وإنّما الحكم بالصحّة باعتبار كون هذه النجاسة مجهولة ومعفو عنها. من دون فرق بين أن تكون في جزءٍ من الصلاة أو في تمام أجزائها. 

ولهذا لو بقيّ العرف مع الفقرة الأولى، لأفتى العرف، بأن من اطلع على نجاسةٍ بالنسبة إلى بعض الصلاة المتقدم، أيضاً يحكم بصحة صلاته، من لو كان أن يفرق-مثلاً- بين البعض والكل من هذه الناحية.

ثم لمّا يأتي إلى الشق الآخر، يرى أن الإمام يحكم بالبطلان، فيما إذا انكشف في أثناء الصلاة أن النجاسة كانت واقعة من الأول. فهنا أيضاً يفهم العرف، بأن مناط البطلان، ليس هو أن النجاسة لم تستمر مع الصلاة، بل مناطه أن الصلاة لا تناسب مع النجاسة، وحيث وقع غير المتناسبين، أبطل أحدهما الآخر. فأيضاً يتعدى ويحكم بالبطلان في كلتا الصورتين. 

وبعد التعدي يكون كل منهما مطلقاً، فكأنّ الإمام حكم في الأوّل 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بالصحة مطلقاً، وفي الثاني حكم بالبطلان مطلقاً. غايته أن حكمه بالصحة أولاً مورده هو تمام الصلاة، وحكمه بالبطلان في الثاني، مورده هو بعض الصلاة، فيحصل التدافع لا محالة بين هاتين الدلالتين، بحسب هذا التوهم. 

وأما إذا فرضنا أننا ادعينا أكثر من هذا المقدار، ادعينا التلازم العرفي -لا مجرد إلغاء الخصوصية- بين الحكم بالصحّة فيما إذا وقعت تمام الصلاة، وفيما إذا وقعت بعضها. يعني هذان الحكمان وإن لم يكن بينهما تلازمٌ منطقي، لكن بينهما تلازم عرفي، بحيث إنّ الفرق لا يصدق بأحدهما إلّا بلحاظ تصديقه بالآخر، بحيث يكون الدليل على أحدهما بالمطابقة دليلاً على الآخر بالالتزام العرفي.

وفي مثل هذا يكون التدافع بنحوٍ أقوى، يعني كلٌّ منهما يكون بمدلوله المطابقي مكذبّاً للمدلول الالتزامي للآخر، فإذا تصوّرنا دخل الارتكاز العرفي بهذا النحو، يكون التدافع بحسب الصورة قائماً بين هذين الموردين، ولا بدَّ من حلّ.

وتوضيح الحال في ذلك: هو أن يُقال: إنّ هاتين الصلاتين: صلاة من صلّى في النجس إلى آخرها، ثُّمّ انكشف له، وصلاة من صلّى إلى الوسط ثُّمّ انكشف له وجود النجاسة من أوّل الأمر. هذه الأخيرة فيها ثلاث حالات:

 الحالة الأولى: أنّ النصف الأوّل منها وقع في النجاسة.

الحالة الثانية: أنّ النصف الثاني منها وقع مع الطهارة؛ لأنّ المفروض أنّه حين التفت إلى النجاسة غسل ثوبه. 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الحالة الثالثة: أنّ آناً متخللّاً بين هذين النصفين، وقع مع نجاسة معلومة بالفعل؛ لأنّه التفت في هذا الآن إلى وجود النجاسة.

فلنقارن بين الحالات الثلاث في هذه الصلاة، وبين صلاة ذاك المؤمن، الذي صلّى مع النجاسة في التمام. 

لو أردنا أن نقول: أنّ هذا يحكم ببطلان صلاته؛ لأنّ الجزء الثالث من صلاته وقع مع الطهارة، بينما وقع الجزء الثالث من تلك الصلاة مع النجاسة، لو أردنا أن نحكم ببطلان صلاته؛ لذلك لكان هذا هو الأمر الغريب المناقض للارتكاز العرفي، ويكون على خلاف الأولويّة -مثلاً-. 

لكن ليس المائز بين الصلاتين هو هذا الجزء الثالث، حتّى يُقال: بأنّ هذه الصلاة لا يمكن أن يحكم عليها بالبطلان، مع الحكم بصحة الأخرى. إذن فلِنلتفت إلى الجزئين الآخرين، لنرى أنّه هل يمكن تحصيل مائز على طبق الارتكاز العرفي؟ 

الجزء الثاني منها: هو أنّ هذا المؤمن انكشف له النجاسة، وكان عالماً بها في آنٍ من آنات صلاته، وعلم أنّها كانت موجودة من الأوّل، فهو عنده في هذا الآن نجاسة معلومة وجداناً وتفصيلاً.

إلاّ أنّ هذه النجاسة المعلومية بهذا الاعتبار ليست مناطاً أيضاً، للحكم ببطلان صلاته؛ وذلك لأنّ الشخص الآخر الذي يلتفت في أثناء صلاته إلى النجاسة ويحتمل أنّه شيءٌ أوقعَ عليه الآن، ويعلم بتأخّر هذه النجاسة، الإمام يحكم بصحّة صلاته، مع أنّه كهذا الشخص من حيث إنّه مبتلى بنجاسة في هذا 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الآن معلومة له وجدناً. فمن هنا يعرف أنّ الجزء الثاني من صلاته، الذي وقع مع نجاسة معلومة وجداناً ليس هو مناط البطلان.

ولا يُقال في المقام: بأنّنا نحتمل عقلاً أنّ هذه النجاسة المعلومة، الآن تكون مانعة عن صحّة الصلاة، وموجبة لبطلانها، على مقتضى القاعدة، من دون فرق بين هذا الفرض وبين فرض مَنْ انكشفت له النجاسة، أو وقعت عليه فعلاً، مقتضى القاعدة هو بطلان كلتا الصلاتين.

لكن خرجنا بالدليل في النجاسة المعلومة بقيد كونها حادثة، وأمّا النجاسة المعلومة غير الحادثة فلم نخرج بالدليل.

فنحن نميّز هنا بين أمرين ليس الارتكاز على خلافه: بين نجاسة معلومة وحادثة، ونجاسة معلومة وليست حادثة، فالأولى ليست مانع، والثانية تكون مانعة وموجبة لبطلان الصلاة. 

مثل هذه التفرقة، وإن كانت معقولة وغير مناقضة مع الارتكاز، ولكنّها خلاف ظاهر الرواية في نفسها، لأنّ الرواية تعلّل صحّة الصلاة في الشقّ الثاني، بقوله: (لعلّه شيءٌ أوقع عليك وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ). وهذا ظاهر بأنّه يريد أن يُجري استصحاب عدم النجاسة في أوّل الصلاة. ومن المعلوم أنّ التفاهم عرفاً من إجراء مثل هذا الاستصحاب، هو التأمين من ناحية هذه النجاسة التي ينفيها الاستصحاب، ومعنى هذا: أنّ النجاسة التي يُراد نفيها بالاستصحاب هي منشأ البطلان، لا النجاسة المعلومة بالجزء الثاني بقيد أن لا تكون حادثة، بل النجاسة التي يقدّر 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الاستصحاب على نفيها هي منشأ البطلان(1).

فالجزء الثاني لا يمكن أن يكون هو ميزان الفرق بين الفرضين.

بقي الجزء الأول من صلاة هذا المؤمن، فإنّه وقع النجاسة، هذا هو ميزان الفرق -بحسب الحقيقة- فإنّ هذه النجاسة التي وقعت في الجزء الأوّل من صلاة هذا الشخص، يمكن أن تكون منشأ للبطلان، بالرغم من أنّ تلك النجاسة التي امتدّت في صلاة المؤمن الأولى بامتداد صلاته، ليست منشأ للبطلان. 

وذلك؛ لأنّ تلك النجاسة في صلاة الأوّل لم تنكشف للمكلّف إلى أن انتهى من صلاته، وهذه النجاسة انكشفت للمصلّي في أثناء صلاته، ونحن نحتمل(2) أن تكون النجاسة المانعة في الصلاة نجاسة يعلم بها في أثناء الصلاة. نعم، النجاسة التي لا يعلم بها في أثناء الصلاة لا تكون مانعة.

فليس الفرق بين النجاستين، أنّ هذه انقطعت في أثناء الصلاة، وتلك استمرت مع الصلاة، بل هذه عُلِمت في أثناء الصلاة، وتلك لم تُعلَم في أثنائها.

ــــــــــ[227]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان ما محصّله: من الممكن أن تكون كِلا النجاستين منشأ للبطلان؟

 فأجاب: بالنتيجة إذا كانت تلك منشأ البطلان فيعود الإشكال، من حيث إنّه حينئذٍ، أي فرق بين تلك النجاسة، وبين النجاسة في فرض ما إذا كانت في تمام الصلاة. انتهى الجواب. (المقرِّر).

(( قال السيّد: أنّ المطلوب في هذا الوجه هو إبراز فرق فنّي بين الصلاتين، بحيث لا يكون متنافياً للارتكاز العرفي. وهذا أمر نحتمله من دون أن يكون أمراً منافيّاً لذلك. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحينئذٍ، إذا فُرِض أنّه رأى نجاسة في الأثناء، وعلم بأنّها كانت موجودة من الأوّل يحكم ببطلان صلاته، ولا يلزم من ذلك أن يحكم ببطلان صلاته لو صلّى مع النجاسة بتمامها ثُّمّ رأى بعد الصلاة نجاسة، علم بأنّها كانت موجودة، إذن فالأولوية أو الملازمة كلهّا غير تامّة، ولا تدافع بين الفقرة السادسة والثالثة. هذا تمام الكلام في التصوّر العام الفقهي للرواية.

*****

بحسب (1) الارتكاز العرفي القطعي، فإنّ العرف بما هو عرف يقطع بأنّ هذه الخصوصية غير مؤثّرة في أسوئيّة صلاة الثاني من صلاة الأوّل بلا إشكال.

الأمر الآخر: أنّ الثاني وجدت عنده نجاسة معلومة بالفعل، في أثناء الصلاة في كون صلاتي، دون الأوّل. ومن المعلوم بأنّ النجاسة كما تكون مانعة في الأجزاء الصلاتيّة كذلك تكون مانعة في الأكوان الصلاتية.

هذا الفارق يحتمل أن يكون فارقاً بين الصلاتين، لكن نعلم من الخارج أنّه ليس هو ملاك بطلان الصلاة الثانية، إذ من المعلوم بأنّ هذا المؤمن لو علم بأنّ النجاسة كانت متأخّرة وواقعة عليه في هذا الكون الصلاتي دون أن تكون سابقة، لكانت صلاته صحيحة، ومعنى هذا أنّ نجاسة معلومة بالفعل في كون صلاتي غير مبطلة، فلا يحتمل كون ذات النجاسة المعلومة في الكون الصلاة هي 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() لخصّ أولاً عدم تعقّل الفرق بين الصلاتين بلحاظ أمور أربعة أحدها: كون الصلاة التي التفت إلى النجاسة في الأثناء، صلّى نصفها الثاني بالطهارة قال: بحسب… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الموجبة للبطلان، وإلا وجبت البطلان في فرض العلم بتأخّرها أيضاً. 

الأمر الثالث: هو نفس الأمر الثاني بذاته، وهو النجاسة المعلومة بالفعل في الكون الصلاتي، لكن مقيّدة بأن لا تكون حادثة.

بأنّ يدّعي: بأنّ كلّ نجاسة معلومة سواءٌ كانت في جزء صلاتي، أو في كون صلاتي موجبة لبطلان الصلاة، خرج من ذلك النجاسة المعلومة في كون صلاتي بقيد أن تكون حادثة، خرج بالروايات الدالة على أنّ النجاسة، إذا علم تأخّرها فليغسل ويبني على صلاته. 

فالموجب لبطلان الصلاة الثانية، هو عبارة عن النجاسة الموجودة في الكون الصلاتي المقيّدة بأن لا تكون حادثة، وهذه غير موجودة في صلاة الأوّل، لأنّها لم يوجد فيها نجاسة معلومة، ولو في كون صلاتي.

كما أنّها غير موجودة في صلاة ذاك الذي ابتلي بالنجاسة في أثناء صلاته، لأنّ تلك النجاسة، وإن كانت معلومة في كون صلاتي لكنّها حادثة. 

هذا المطلب أيضاً معقول ثبوتاً، ولكنّه خلاف ظاهر صحيحة الاستصحاب في المقام. إذ لو فُرِضَ أنّ منشأ البطلان في فرض العلم بالسبق هو النجاسة المعلومة في الكون الصلاتي، لا النجاسة التي وقعت مع الأجزاء السابقة، فحينئذٍ، الاستصحاب لا ينفع شيئاً، لأنّ استصحاب عدم وقوع النجاسة في الأجزاء السابقة، لا يثبت كون هذه النجاسة حادثة(1)، مع أنّ ظاهر الصحيحة، بل صريحها تعليل الصحّة والتأمين بالاستصحاب، ممّا يكشف عن أنّ المحذور 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

() لأنّه مثبت. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الذي ينشأ منه البطلان هو انضمام النجاسة إلى الأجزاء السابقة، وأنّ الاستصحاب ينفي هذا المحذور.

وإن شئتم قلتم: بأنّ ظاهر الصحيحة، بل صريحها، بأنّ الاستصحاب ينفي ما هو ملاك البطلان، وما ينفيه الاستصحاب هو وقوع النجاسة مع الأجزاء السابقة، فيستكشف من ذلك أنّ ملاك البطلان هو وقوع النجاسة مع الأجزاء السابقة؛ لأنّ النجاسة الفعلية بقيد أن لا تكون حادثة، إذن فهذا الأمر الثالث خلاف ظاهر الصحيحة، بل صريحها. 

الأمر الرابع: بأنّ صلاة الثاني تختلف عن صلاة الأوّل، بأنّ هناك نجاسة معلومة بالفعل في كون صلاتي، وأنّ هذه النجاسة سابقة وممّتدة من أوّل الصلاة إلى هذا الوقت. 

وإن شئتم قلتم: بأنّ الموجب للبطلان النجاسة الممّتدة إلى حين تنكشف ويُعلم بها، وهذه غير موجودة في صلاة الأوّل، لأنّ الأوّل نجاسته ممتّدة، ولكنّها لم تنكشف إلى آخر الصلاة، كما ان مثل هذا العنوان يكون الاستصحاب نافعاً في مقام التأمين عنه، فإنّه لو شك بأن النجاسة المرئية في أثناء الصلاة في الكون الصلاتي، هل هي نجاسة سابقة أو لا؟ وهل هي ممتدة إلى حين انكشفت أو هي حادثة بالفعل؟ لا بأس في مثل هذا بإجراء الاستصحاب مع الأجزاء الصلاتية السابقة. 

فهنا نُبرز أمراً يكون فارقاً عقلاً بين الصورتين، ويكون محتملاً بلحاظ سائر الأحكام الشرعية، ومحتملاً بلحاظ الارتكاز العرفي أيضاً، يعني لا يأبى 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

عنه الارتكاز، وهذا هو معنى دفع التعارض بين الفقرتين. 

اثبات الاستصحاب بالفقرة الأولى من الرواية 

بعد هذا نأتي إلى كلّ من الفقرتين، لنتكلّم فيها بلحاظ إثبات قاعدة الاستصحاب بها. 

أما الفقرة الأولى: وهي التي تكفلت الحكم الثالث من الأحكام الستة في الصحيحة، وهي قوله: “قُلْتُ فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ ولَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً ثُمَّ صَلَّيْتُ فَرَأَيْتُ فِيهِ. قَالَ: تَغْسِلُهُ ولَا تُعِيدُ الصَّلَاةَ قُلْتُ لِمَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً“. 

البحث في الاستدلال بهذه الفقرة على قاعدة الاستصحاب:

تارةً: يقع في أن المستفاد من هذه الصحيحة هل هو قاعدة الاستصحاب، أو قاعدة اليقين؟ 

وأخرى: يقع الكلام بعد الفراغ عن أنّ الإمام تمسّك بقاعدة الاستصحاب، يُقال بأنّ هذه القاعدة المجعولة في كلامه هنا، هل هي قاعدة خاصّة بخصوص باب الطهارة، أو هي عامّة شاملة لتمام موارد اليقين والشك؟ 

أمّا الجهة الثانية من هاتين الجهتين، فليس فيها مزيد بحث عمّا مرَّ في الصحيحة الأولى، بمعنى أن تمام النكات التي ذكرت في تلك الصحيحة
-تقريباً- لإثبات تعميم القاعدة، جارٍ في المقام، بل حال هذه الصحيحة من حيث التعميم لعلّه أظهر من الصحيحة الأولى، كما أشار إليه الشيخ 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بلحاظ صراحة هذه الصحّة بأنّها في مقام التعليل(1)؛ لأنّ الراوي سأل: لماذا؟ فصار الإمام في مقام التعليل، فهنا يجعل الوجوه التي كانت تقتضي التعميم هناك التي كانت مبنية على التعليل، أجلى وأوضح هنا.

وإنّما المهم في المقام هو الجهة الأولى وهي أن يعرف: بأنّ القاعدة المتمسّك بها هل هي قاعدة اليقين أو الاستصحاب؟

وفي هذا المقام لا بدَّ وأن يعرف: بأنّ ظواهر جواب الإمام هو أنّه تمسّك في مقام تصحيح الصلاة بقاعدة ذات أركان، وهذه الأركان لا بدَّ
-بحسب ظاهر كلامه- أن يكون قد اقتنصها من مدلول كلام الراوي في مقام تصوير فرضية السؤال، لا أنّه حملّها عليه تحميلاً. 

فإنّه قال: “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ فشَكَكْتَ“. وظاهره أنّك على يقين بموجب كلامك، وإن ما هو المفروض في كلامك هو وجود يقين ووجود شكّ، فلا بدَّ من الالتفات إلى كلام الراوي، ليرى أنّ أركان أي من القاعدتين، تكون مدلولاً ومفروضاً فرضاً عرفياً، في كلام الراوي؟

فإن فرضنا أنّ أركان إحدى القاعدتين فقط تكون مدلولاً عليها عرفاً، وأركان القاعدة الأخرى وإن كان بالإمكان تماميّتها، ولكن لا دالّ عليها في كلام الراوي، فلا محالة يتعيّن صرف القاعدة إلى القاعدة التي تكون أركانها مدلول عليها بدالٍّ في كلام الراوي. 

نعم، لو فُرِض أنّ أركان كلٍّ من القاعدتين كان مصرّحاً بها في كلام 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 2: 565.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الراوي ومستفادة بالاستفادة العرفية منه، حينئذٍ، يقع نوع من الإجمال ولا بدَّ في تعيينه من قرينة من القرائن.

حينئذٍ نقول: بأنّه لا إشكال بأنّ أركان قاعدة الاستصحاب مستفادة استفادة عرفية مفروضة في الواقعة التي يسأل عنها الراوي، لأنّ أركانه ليس إلا اليقين بالحدوث والشك في البقاء، واليقين في الحدوث موجود في المقام؛ لأنّ هذا المؤمن قال: (فإن ظننت أنّه أصابه). وهذا بنفسه معناه أنّه متيقّن بالطهارة، يعني أنّ الثوب بطبعه متيقّن الطهارة، غاية الأمر أنّه شكّ في نجاسته. من حيث ظن الإصابة من الخارج، وليس في كلام الراوي ما يدلّ بوجه من الوجوه على أنّ يقينه بالحدوث ارتفع، بحيث أصبح شاكّاً في طهارة ثوبه من الأوّل، مثل هذا غير موجود، بل غير معقول عرفاً.

كما أنّ الشكّ في البقاء أيضاً في فرضية الراوي وجوداً عرفياً؛ لأنّ أصل الشكّ لا بدَّ من الالتزام بوجوده في الفرضية؛ لأنّ الإمام قال له: “فشككت“. فمعناه أنّ هناك شكّ في فرضية الراوي بوجه(1) من الوجوه. وهذا الشكّ -أي شيء قلتم فيه- فهو شك في البقاء بلحاظ هذا اليقين الذي بينّاه، سواءٌ كان هو الشك في أثناء الصلاة أو بعدها، على أي حال هو شكّ في البقاء بلحاظ اليقين بالحدوث الثابت قبل ظن الإصابة. 

إذن، فأركان الاستصحاب تمَّ استفادتها ووجودها وجوداً عرفياً في فرضية الراوي، ومن هنا يصح للإمام اقتناصها منها، وتسجيل الاستصحاب، وافتاؤه 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

() ولا نحتمل انتقاله من يقين إلى يقين (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بعدم وجوب الإعادة(1).

هذا من ناحية الاستصحاب.

وأما قاعدة (اليقين) فتماميّة أركانها يتوقّف على أن يكون الراوي قد أفاد إفادة عرفيّة، أنّه لم يحصل له يقين بالطهارة حال الصلاة، وبعدها رأى النجاسة، وشكّ في أنّها النجاسة السابقة أو المتأخّرة، حينئذٍ، يصير عنده يقين بالحدوث وشك ساري إلى ذات اليقين، الذي هو أركان قاعدة اليقين.

فلا بدَّ لصاحب قاعدة اليقين، من أن يفترض أنّ قوله: “فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً”، له ظهور عرفي بأنّه حصل لي اليقين بالطهارة، حتّى يصير هذا اليقين هو ركن قاعدة اليقين، والذي بلحاظه يُجريها الإمام عليه. 

وهذا الاستظهار، يعني دعوى: “أني نظرت فلم أَرَ شيئاً” يكون ظاهراً عرفاً أنّه في مقام بيان أنّه تيقن بالطهارة، مثل هذا الاستظهار ممنوع في المقام.

وذلك؛ لأنّ هذه العبارة حسب مناسباتها العرفية مُجملة، ولا يصح أن يُقال: بأنّها ليست صالحة لبيان اليقين بالطهارة بوجهٍ من الوجوه، لأنّها تدلّ على عدم الوجدان وعدم الوجدان -كما ذكروا هنا وغيره- لا يدلّ على عدم الوجود.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

() قُلت له: إنّ الشكّ في البقاء يدلّ عليه قوله: فظننت. بالمدلول المطابقي، فيكون متيقّناً بالطهارة وظانّاً بالنجاسة. 

فأجاب: هذا لا يمكن، بعد احتمال أن يكون المراد من قوله (فنظرت) أنّه تيقّن بالنجاسة، -على ما سيأتي – من كونه صالحاً للدلالة على ذلك. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بل نقول: بأنّ هذه عبارةٌ صالحة عرفاً؛ لأنّ يبيّن بها اليقين وصالحة لأنّ يبيّن بها مراتب أخرى أقل من اليقين، وذلك: لأنّ عدم الوجدان في كثير من الموارد باعتبار غلبة ترتّب اليقين بعدم الوجود عليه. 

هذه الغلبة، تارةً يُلتفت إليها في مقام التعبير، وتضم إلى قوله: “فنظرت فلم أَرَ شيئاً”، يعني يعتمد عليها كجزء من الدال العرفي في مقام التفهيم، فكأن المتكلّم يريد أن يقول: إنّي تيقنت بالطهارة، فحينئذٍ، إذا اعتمد على المجموع المركب من اللفظ وهذه الغلبة، فحينئذٍ، يصحّ أن يفهم بأنّ مقصوده هو اليقين بالطهارة. 

وأخرى بأنّه لا يلحظ هذه الغلبة، بل يلحظ هذا اللفظ بلحاظ مستلزماته الواقعية، لا بلحاظ الغلبة، فحينئذٍ، غاية ما يدلّ أنّه نظر فلم يجد شيئاً، فحصل عنده رجحان لعدم وجود الشيء، أمّا اليقين بعدم وجود شيء فهو غير منظور إليه.

ومن المعلوم أنّ لحاظ الغلبة واعتماد المتكلّم عليها، وإن كان لا يخلو من عناية، لكنّها عناية مقبولة بحسب النظر العرفي، يعني ليست عناية تنفى بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، لأنّها هذه الغلبة، حيث إنّها أمر واقعي واضح مركوز في الأذهان، فالاعتماد على مثل هذه العناية لا بأس به.

ولعلّ اعتماد الإمام على هذه العناية، هو الذي يجعله يُجيب على السؤال الرابع لزرارة حينما قال: “فَهَلْ عَلَيَّ إِنْ شَكَكْتُ فِي أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْ‏ءٌ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ. قَالَ: لَا ولَكِنَّكَ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تُذْهِبَ الشَّكَّ الَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِكَ“، لعلّ 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذه الغلبة هي ملاك أن الإمام حوّر النظر إلى عملية إذهاب الشك، من باب أنّ النظر هو العملية الاعتيادية في مقام إذهاب الشكّ، فالتعويل على الغلبة في مقام إبراز المقصود، ليس فيه عناية.

لكن ليس بنحوٍ بحيث ينعقد للكلام ظهور من أوّل الأمر في مقام التعويل على هذه الغلبة، بحيث لو لم يعوّل عليها لقيل له: إنّك تكلمت بكلام له ظاهر، وكان مقصودك شيء آخر، ليس كذلك.

فإنّه إذا قصد من النظر حصول رجحان الطهارة، لكان قد أخبر عن الواقع من أنّه نظر فلم يرَ شيئاً.

فاقتران هذا الكلام بمثل هذه الغلبة، يوجب مرتبة متوسّطة نسميها الإجمال، بمعنى: أنّ مثل هذه العبارة تصلح قالباً عرفيّاً، لو ضمّ إليها المتكلّم لحاظ الغلبة إليه، لإفادة اليقين بالطهارة، وتصلح قالباً عرفياً لإفادة ما هو أقل من اليقين بالطهارة.

وبهذا، يتضح أنّ ركن قاعدة اليقين غير مقتنصٍ من كلام الراوي اقتناصاً عرفياً؛ لأنّ تعيين كون المتكلّم قد لاحظ الغلبة واعتمد عليها في مقام تفهيم المقصود، يحتاج إلى قرينة لا محالة؛ لأنّ اعتماده عليها كـ(لا اعتماده عليها)، على حدٍ سواء في مقام المحاورة العرفية، وحينئذٍ، يكون الكلام من هذه الناحية مُجملاً.

ودعوى: أنّ الإمام اطّلع بحسب الواقع، على أنّ السائل لاحظ الغلبة، دعوى بلا موجب؛ لأنّه إن أُريد من ذلك أنّه اطلع من باب علم الإمامة، فقد قلنا مراراً: إنّ الإمام لا يُعمِل علم الإمامة في مقام المحاورات وفهمه لمراد 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

السائل، ولذا؛ حينما يقول له: هل يجوز له الصلاة في الكيمخت، يقول له: “ما هو الكيمخت(1)؟”(2) وإن أُريد أنّ الإمام علم هذا بقرينة من القرائن التي كانت موجودة وحذفت، فالأصل عدم القرينة. 

وإن قيل: إنّه علم من نفس هذه الألفاظ، فنحن عرف والإمام(3) عرف، وبأصالة عدم النقل، نثبت بأنّ ظهور هذه الكلمات الآن هي ظهورها في أيام الإمام (4).

إذن، فإذا فرضنا انه مُجمل، فإن كان قاعدة اليقين، لم توجد وجوداً عرفياً في كلام الراوي. إذن، فتعيّن حمل كلام الإمام على الاستصحاب دون قاعدة اليقين.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

() الكيمخت: هو جلد الحمار المدبوغ أو جلد البغل المدبوغ.

() انظر: وسائل الشيعة 3: 94، الباب 50، باب طهارة ما يشترى من المسلم ومن سوق المسلمين، الحديث 4. 

(2) إلا أن يُقال: بأنّه كان للأئمة نحو خاص من فهم المعاني من الألفاظ، لا باعتبار علم الغيب بل باعتبارٍ آخر ربما يرجع إلى تدقيقهم في فهم اللفظ أكثر من المستوى العادي. ويشهد لذلك استشهادهم في موارد عديدة بآيات من القرآن من دون ربط عرفي واضح، منها رواية وضع المرارة على الاصبع على الوضوء، حيث قال له امسح على المرارة واستشهد بآية الحرج وغير ذلك. (المقرِّر).

(3) فهنا قلت له: بأنّ الجواب الخامس يصلح قرينة على الجواب الثالث.

فقال: لا يصلح؛ ذاك فهم الإمام بالآخرة، حيث أعمل فهمه في مقام الجواب. ويأتي ما يوضحه. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هل الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة أو بلحاظ حال السؤال

وبعد هذا يقع بحث آخر، في أنّ هذا الاستصحاب الذي نحمل عليه كلام الإمام، هل هو استصحاب بلحاظ حال الصلاة، أو بلحاظ حال السؤال، يعني: بلحاظ تلك الشقوق الأربعة التي قلناها؟ 

فإنّ هذا المؤمن حينما رأى النجاسة بعد الصلاة، هل علم بأنّها هي النجاسة السابقة؟ إذن، فالاستصحاب ليس بلحاظ السؤال، بل بلحاظ حال الصلاة. أو أنّه لم يعلم؟ فالاستصحاب يجري بلحاظ حال السؤال، لا بمعنى يستصحب الطهارة الآن، بل بمعنى أنّه يستصحب الآن الطهارة الصلاتية.

فيبقى هنا تحديد أحد هذين الوجهين: أنّ الشكّ في البقاء الذي هو مقوّم الاستصحاب، هل هو الشكّ في البقاء حال الصلاة، وقد ارتفع هذا الشكّ الآن، أو هو الشكّ الآن، يعني: أنّ السائل إلى الآن يشكّ في أنّ الطهارة هل كانت باقية إلى حين الصلاة أو لا؟

الصحيح منها -بحسب الظواهر العرفية لهذه الصحيحة- هو أنّ إجراء الاستصحاب هو بلحاظ حال الآن، لا بلحاظ حال الصلاة، يعني أنّ موضوع هذا الاستصحاب هو شك السائل فعلاً، في أنّ الطهارة هل كانت باقية إلى حين الصلاة أو لا؟ لا شكّ حين الصلاة في ذلك، والوجه في هذا انقدح ممّا ذكرناه آنفاً؛ لأن الإمام لو كان يريد أن يُجريه بلحاظ حال الصلاة، فلا بدّ من فرض الشك في البقاء حال الصلاة، يعني لا بدَّ من فرض أنّ هذا المؤمن حينما نظر فلم يرَ شيئاً يبقى شاكّاً، ولم يتيقّن بالطهارة، مع أنّنا فرضنا أنّ العبارة مُجملة، لا تأبى عن أن يكون مقصوده منها أنّه ترجّح عندي الطهارة ولم أتيقن.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحيث إنّ العبارة مُجملة، فلا يمكن للإمام أن يلزمه ويحكم عليه بأنّك كنت مجرى للاستصحاب في حال الصلاة، مع انه لم يَعرف من كلامه أنّه كان شاكّاً في البقاء حالها، إذ لعلّ عبارة: (فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً)، في مقام إفادة أنّي كنت متيقّناً بالطهارة حال الصلاة، ومع هذا التقدير لا تتمّ أركان الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة. 

إذن، فإجراء الاستصحاب حال الصلاة، أركانه الواقعية غير موجودة وجوداً عرفياً في كلام السائل.

وأمّا إجراء الاستصحاب بلحاظ الآن، يعني الآن يجري استصحاب طهارته حال الصلاة، فهذا، أركانه الواقعية موجودة -وجوداً عرفياً- في فرضية السائل، أمّا اليقين بالحدوث فواضح، وأمّا الشكّ في البقاء فأيضاً كذلك، فإنّنا لو قلنا بأنّ (رأيت فيه) ظاهرة بأنّه رأى نفس النجاسة المشكوكة سابقاً، أو أنّها مُجملة من هذه الناحية، فمعناه أنّه ليس في كلام الراوي ما يدلّ على أنّه شاك في البقاء الآن.

ولكن الصحيح أنّ (رأيت فيه) ليست ظاهرة في ذلك، ولا مُجملة من هذه الناحية، فإنّ العبارة هكذا: (قُلْتُ: فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ ولَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً ثُمَّ صَلَّيْتُ فَرَأَيْتُ فِيهِ)، وأقرب ما يكون إليه، بمقتضى حذف المتعلّق، أن يُقال: فرأيت شيئاً، لا أنّي رأيت ذاك الشيء، الذي كنت أشكّ فيه، إذ لو كان المقصود هو أنّ الرؤية تعلّقت بذلك الشيء المشكوك، لكانت هذه مؤونة زائدة تحتاج إلى بيان زائد بإرجاع الضمير، بأن يقول: (رأيته فيه). 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

كما فعل مرّتين في هذه الصحيحة: 

إحداهما: في السؤال السابق حيث قال: “فَطَلَبْتُهُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلَمَّا صَلَّيْتُ وَجَدْتُهُ”. 

الثانية: قوله في السؤال السادس: “إِنْ رَأَيْتُهُ فِي ثَوْبِي وأَنَا فِي الصَّلَاةِ”.

ففي موضعين من الصحيحة حينما كان يُراد أن يُبين بأنّ المرئي هو النجاسة السابقة، كأن يُبين بعناية إرجاع الضمير إلى المشكوك. وأمّا في المقام فلم يُرجع الضمير إليه، وإنّما قال: رأيته فيه. وهذه العبارة لا تدلّ على أكثر من أنّه رأى فيه نجاسة بالفعل، أمّا أنّه قد علم بأنّها النجاسة السابقة، فهو مؤونة زائدة تحتاج إلى إبراز في مقام الإخبار، لو كان قد تعلّق غرض السائل بها، ومقتضى الإطلاق عدم تعلّق غرضه بإبراز هذه المؤونة الزائدة.

إذن، فأركان الاستصحاب بلحاظ الآن موجودة، يعني هذا المؤمن الآن متيقّن بأنّه كان قبل ساعتين على طهارة، وشاكّ في أنّ هذه الطهارة هل بقيت إلى نصف ساعة حينما صلى أو لا؟ فالآن يجري استصحاب بقاء طهارته إلى حين الصلاة.

توقّف من حيث استنكار زرارة 

وليس في مقابل هذا الاستظهار الذي بيّناه، شيء يخدشه في الرواية، إلا توقّف واحد وهو أن يُقال: إنّه بناءً على هذا لماذا ارتبك زرارة واستنكر وقال: “لِمَ صار كذلك”؟

فإنّنا إذا فرضنا أن زرارة كان يريد أن يقول: إنّني ظننت أنّ ثوبي أصابه 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

النجس، فنظرت فلم أَرَ شيئاً، ثُمَّ صلّيت فرأيت نجاسة لا أدري هل هي النجاسة السابقة أو لا؟ وهذا معناه أنّه صلّى في ثوبٍ لا يدري أنّه نجسٌ أو لا. فهل كان زرارة لا يدري بأنّ مشكوك النجاسة يجري فيه أصالة الطهارة واستصحابها؟ مع جلالة مقامه وفقهه، لا يعرف هذه الأوليّات في الفقه، فلماذا استنكر هذا المطلب؟ 

وإنّما يكون هناك مجال لاستنكار المطلب، لو حملنا فرضية السائل على أنّه بعد أن رأى النجاسة بعد الصلاة عَلِمَ أنّها هي النجاسة السابقة، ومع هذا يقول الإمام: بالرغم من أنّك تعلم بأنّ صلاتك وقعت في النجاسة، مع هذا هي صحيحة. هذا موجب للاستغراب، فسأل: كيف تكون صحيحة؟ حينئذٍ علَّله بعلّة غريبة وهي الاستصحاب على ما يأتي. فهذا الاستنكار يُجعل قرينة على المطلب. 

لكنّي أنا لا أرى قرينية في مثل هذا الاستنكار على تعيين هذا الفرض؛ وذلك لأنّ زرارة إذا أخذناه -بقطع النظر عن المراتب العالية من الفقه التي سوف نعلّق عليها بشيء- إنساناً عرفياً، فيمكننا أن نتصوّر، أنّ المركوز في ذهنه أنّ النجاسة بوجودها الواقعي موجبة لبطلان الصلاة، وقد تأكّد إرتكازه هذا عندما سأل عن فرض النجاسة المنسية، فأفتاه الإمام بالبطلان، وسأل عن فرض النجاسة المعلومة بالإجمال، فأفتاه أيضاً بالبطلان. 

ومن توابع هذا الارتكاز أنّه -أي زرارة(1)– كان يتصوّر أو يحتمل، أنّه: 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() توضيح. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

حيث إنّ النجاسة بوجودها الواقعي موجبة للبطلان، فلا يجوز له أن يدخل الصلاة، ما لم يعتمد على أمارة دليل على نفي هذا المُبطل، وما لم توجد عنده أمارة عقلائية تنفيه، فإنّه لا يجوز له أن يدخل في الصلاة. 

وهذا ليس أمراً غريباً بالنسبة إلى زرارة الذي نتبيّن شخصيته من شخص هذه الصحيحة؛ لأنّه سأل هذا السؤال في السؤال الرابع وقال: “فإن شككت أنّه أصابني فهل عليَّ أن أنظر”. ومقصوده من النظر الفحص عن النجاسة، فهل كان يحتمل -بمقتضى هذا السؤال وبمقتضى الجو العام- أن المكلّف لا يجوز له أن يَقدِم على الصلاة مع احتمال النجاسة، ما لم يحصّل أمارة عقلائية على نفيها؟ والأمارة العقلائية على النفي، هو أن يشتغل بالفحص وينظر ولا يرى.

ولهذا قال زرارة: “فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً فصَلَّيْتُ”. فهو لم يجرِ أصالة الطهارة بمجرد الشكّ، بل نظر فلم يجد شيئاً فصلّى: فقد بنى على الصلاة تفريعاً على أنّه لم يَرَ شيئاً فلعلّه كان يرى -ولو ارتكازاً أو احتمالاً أو ظناً- أنّ الدخول في الصلاة يحتاج إلى أمارة لها كاشفية، بحيث يعتمد المكلّف عليها، في مقام إثبات وقوع صلاته مع الطهارة. ثُمَّ بعد هذا رأى نجاسة، فرؤية هذه النجاسة يوجب اختلال تلك الأمارية. 

فإنّه وإن لم يوجب القطع بأنّ نجاسته كانت من أوّل الأمر، إلاّ أنّه يوجب الكشف عن أنّ فحصه يختلّ أماريةً، يعني بالفعل لا يبقى له ظن على أساس ذلك الفحص، فهذه المرتبة من الكشف التي كانت موجودة لفحصه السابق، والتي كانت هي المسوغة لدخوله في الصلاة بحسب ارتكازه العرفي، تلك 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المرتبة غير موجودة الآن وجداناً على كلّ حال. 

وأنّه استشكل: حيث إنّ هذه المرتبة من الكشف غير موجودة، فكيف يبني الآن على التعويل على تلك الصلاة، مع عدم وجود تلك المرتبة من الكشف؟ ولهذا سأل.

مثل هذه الفرضية معقولة من زرارة، باعتباره إنساناً عرفياً، وعليها شواهد من نفس الرواية بلحاظ السؤال الرابع. 

غاية ما يبقى أنّ هذا يدلّ على عدم التفقه الكامل بالأحكام الشرعية؛ لأن هذه الاحتمالات كيف تُفرض بالنسبة إلى شخص مطّلع على القواعد؟ فليكن، لعلّ زرارة وقتئذٍ لم يكن مطلعاً على القواعد، لأنّنا لا نعرف تاريخ هذه الرواية، بل لا نعرف الإمام الذي سُئِل فيها. 

والمتبيّن من هذه الرواية أنّ زرارة غير مطلّع على القواعد، لأنّه يسأل السؤال الثاني عن العلم الإجمالي، وأنّه طلبها(1) ولم يقدر عليها، فصلى مع النجاسة المعلومة إجمالاً. هذا أي معنى له؟ سوى أنّ زرارة كان يحتمل أنّه بمجرّد أنّه قد تعب وفحص عن تعيين النجس المعلوم بالإجمال، يكفي هذا عذراً عند الله تعالى، وهذا شيء واضح البطلان بحسب القواعد الشرعية العامّة.

فهذا السؤال وعدم الاطلاع على القواعد الفقهية يكون من قبيل عدم الاطلاع هذا. 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

() يعني النجاسة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فبالنتيجة، زرارة الذي كان يحتمل صحّة الصلاة مع العلم الإجمالي بالنجاسة، ويحتمل أنّه إذا ظن أنّه أصابه شيء أن ينظر ويفحص، لا يبعد على مستواه الفقهي أن يسأل مثل هذا السؤال، ويقول للإمام: إنّك كيف تقول بصحّة صلاتي، مع أنّي إنما دخلت فيها تعويلاً على أمارة وقد زالت الآن؟ والإمام يقول له في مقام الجواب: بأنّ مدركك الواقعي هو الاستصحاب وليس هو هذه الأمارة.

إذن، فلا يكون استنكار زرارة قرينة على الخلاف. 

وبذلك لا يبقى موضوع للإشكال المعروف في صحّة التعليل، الذي ورد من قبل الإمام، فإنّه بناءً على هذا يكون التعليل صحيحاً على القاعدة، لأننا فرضنا أنّ زرارة حتّى الآن هو شاكّ، ولا يدري أنّ صلاته وقعت مع النجس أو مع الطاهر، فإفتاؤه بالصحّة اعتماداً على الاستصحاب، يكون صحيحاً بلا إشكال، ولا يأتي هذا الإشكال المبني على حمل الصحيحة على فرض آخر، على ما يأتي إن شاء الله تعالى(1).

على ما استظهرناه من معنى الرواية، لا يبقى إشكال في تطبيق الإمام 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

() قلت له: بناءً على ما بينتموه ارتفع التعارض بين الحكم السادس والحكم الثالث على بعض تقاديره، فإنّه كان مبنياً على صورة جريان الاستصحاب في أثناء الصلاة، وأنّ المراد من (رأيت فيه) يعني النجاسة السابقة، وقد ظهر الآن بطلان هذا الفرض، فقد ارتفع التعارض موضوعاً. 

فقال: نعم ارتفع التعارض. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

كبرى الاستصحاب على المورد، وتعليل عدم وجوب الإعادة بأنّها نقضٌ لليقين بالشك، ولا يجوز نقضه بالشكّ. 

حيث إنّ المفروض بناءً على هذا الاستظهار أنّ زرارة افترض الشكّ في بقاء الطهارة، حتّى حين السؤال، بمعنى أنّ المكلّف بعد أن رأى نجاسة بعد الصلاة لم يحصل له القطع بأنّها هي النجاسة السابقة الموجودة حين الصلاة، بل شكّ في ذلك، فهو إلى حين السؤال قابل لأن يتعبّد بإجراء استصحاب الطهارة إلى حين الصلاة، فيكون من ترتيبه لآثار عدم الطهارة والتزامه بالإعادة على خلاف هذا الاستصحاب، ومصداقاً لنقض اليقين بالشكّ، وهذا مما لا إشكال فيه. 

اشكال آخر على المورد 

نعم، يقع الإشكال بناءً على أن نستظهر أنّ الاستصحاب قد طبّق على زرارة بلحاظ الشكّ في البقاء الذي كان موجوداً عنده -مثلاً- حين الإتيان بالصلاة، وأنّ زرارة حين رأى النجاسة بعد الصلاة حصل له القطع بأنّها هي النجاسة السابقة، ولم يبقَ لديه مجال للشك، بحيث يطبّق عليه بلحاظ حاله الفعلي أي قاعدة من قواعد التعبّد.

لو قيل بذلك، يأتي الإشكال المشهور في هذا التعليل، حيث إنّ الإعادة حينئذٍ لا تكون نقضاً لليقين بالشكّ، بل تكون نقضاً لليقين باليقين؛ لأنّ زرارة يعيد بعد أن علم أنّ صلاته وقعت بالنجاسة، وأنّ طهارته المتيقّنة قبل ظن الإصابة، قد ارتفعت بالنجاسة التي رآها فعلاً، فيكون التزامه ببطلان صلاته وآثاره نقضاً لليقين بالطهارة باليقين بالنجاسة، وليس مصداقاً لليقين بالشك، 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فأي معنى لنفي وجوب الادّعاء بالتمسّك بكبرى لا ينقض اليقين بالشك؟

والكلام حول هذا الإشكال يقع في جهات ثلاثة: 

الجهة الأولى: في أنّ هذا الإشكال لو استعصى على الجواب -مثلاً- فهل يضرُّ بالاستدلال بالرواية على المسألة الأصولية، يعني على كبرى الاستصحاب أو لا؟ 

الجهة الثانية: في كيفية توجيه ظاهر التعليل بحيث يندفع هذا الإشكال.

 الجهة الثالثة: في تحقيق أصل المطلب نفسه، في أصل حدود شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة، حسب ما هو المستفاد من هذه الرواية وسائر روايات الباب(1).

الجهة الأولى: في أنّه هل يضرّ بالاستدلال 

أمّا الجهة الأولى: وهي أنّ هذا الإشكال لو استعصى على الجواب، ولم نستطع أن نعرف أنّه كيف طُبّقت كبرى الاستصحاب على زرارة في هذا المورد، بحيث أنتجت نفي وجوب الإعادة؟ فهل يضر الإشكال بالاستدلال بهذه الفقرة على الاستصحاب أو لا؟ 

ظاهر عبارة الكفاية أنّه لا يضر، وأنّه يمكن بالرغم من استعصاء هذا الإشكال، يمكن التمسّك بهذه الفقرة لإثبات الاستصحاب(2)، وكذلك ظاهر 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: الأمر الأوّل والثاني هو اللاحق بمحلّ الكلام، والأمر الثالث يذكره الآغايون استطراداً. (المقرِّر).  

(2) انظر: كفاية الأصول، 393-394. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

جملة من الآغايون الآخرين. 

وقد ذكر صاحب الكفاية في مقام توجيه أنّه لا يضرّ: أنّ هذا الإشكال وارد على كلّ حال، سواءٌ حملنا الفقرة على أنّها في مقام بيان الاستصحاب، أو في مقام بيان قاعدة اليقين، ومع وروده على كل حال، لا يمكن أن يعتبر هذا الإشكال إشكال على خصوص الاستدلال بالرواية على الاستصحاب(1).

والإشكال في هذا الكلام واضح، كما أشكل عليه المحشّون، كالمحقق الأصفهاني(2) وغيره، من حيث إنّه كيف يفرض في المقام، أنّ هذا الإشكال وارد على كلّ حال، سواءُ حملنا الكبرى على الاستصحاب أو قاعدة اليقين، كأن الآخوند تصوّر أنّنا لو حملنا الكبرى على قاعدة اليقين فهي أيضاً مطبّقة بلحاظ حال الصلاة، لا بلحاظ حال السؤال. 

بمعنى أنّ هذا السائل حينما صلّى نفرض أنّه حصل له شكّ ساري في يقينه السابق في الطهارة، فجرت عليه قاعدة اليقين، ثُّمّ بعد هذا رأى النجاسة وعلم بأنّها سابقة، فيكون علمه بالنجاسة، موجباً لانكشاف كذب القاعدة الجارية عنده حال الصلاة، سواء كانت تلك القاعدة هي الاستصحاب أو هي قاعدة اليقين.

لكن الصحيح هو أنّنا حينما نحمل العبارة على قاعدة اليقين، لا نقول إنّها تجري في حق السائل بلحاظ الصلاة، إذ لا موجب لفرض شكّ سارٍ في حال 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

(1) انظر: المصدر نفسه، 395.

(2) انظر: نهاية الدراية 3: 77.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الصلاة أبداً. لا يمكن لأحد أن يدّعي في الفرضية أنّ زرارة حينما أراد أن يُصلي شكَّ في طهارة ثوبه شكّاً سارياً، بحيث تردّد في أصل يقينه بالطهارة السابقة على ظن الإصابة، فليس من يتمسّك بهذه الفقرة لصالح قاعدة اليقين مراده تطبيق القاعدة بلحاظ حال الصلاة، بدعوى أنّه حصل له حين الصلاة يقين بالطهارة نتيجةً لفحصه، وعدم وجدانه شيئاً، ثُّمّ حينما رأى نجاسة شكّ بأنّها هي النجاسة السابقة، فحصل عنده شكّ سارٍ. 

ففرض حمل الكبرى على قاعدة اليقين، هو بنفسه فرض حمل قوله: (فرأيت فيه)، على أنّه رأى نجاسة شكّ في تقدّمها وتأخّرها، ومع حمل فرضه على ذلك، لا يبقى مجال للإشكال أصلاً؛ لأنّه يكون مورداً للتعبّد الظاهري؛ باعتبار كونه شاكّاً بالفعل، ويكون تطبيق قاعدة اليقين عليه من باب تطبيق الكلّي على مصداقه الحقيقي بلا عناية. 

فالإشكال نشأ من فرض كون قوله: “فرأيت فيه” معناه: أنّه انكشف لي نجاسة معلومة السبق من الأوّل، وهذا الفرض ملغى بناءً على قاعدة اليقين.

وتفصيل الكلام في هذا المقام: هو أن يُقال: بأنّه ما يفرض أنّنا عيّنا الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين، واستظهرنا من الرواية بظهور (فرأيت فيه) في كون المرئي هو النجاسة السابقة. 

بتقريب: أنّه بعد فرض ظهور هذه العبارة في أنّه رأى نجاسة يُعلم أنّها النجاسة السابقة. إذن، فالشكّ الساري غير مُتَصوَّر في المقام. متى حصل عنده شكّ سارٍ؟ في أثناء الصلاة لم يكن عنده شكّ سارٍ، وأمّا بعدها حين رأى 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

النجاسة فقد أصبح له علم بالنجاسة، فالشكّ الساري غير موجود بالنسبة إليه، فيتعيّن أن يكون الشكّ المقوّم للقاعدة هو الشكّ في البقاء، لا الشك الساري، وأن تكون القاعدة هي الاستصحاب لا قاعدة اليقين. 

وأمّا أن يكون استظهار الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين، ليس بلحاظ ظهور (فرأيت فيه)، بل بلحاظ نكتة أخرى كما نحن فيه، فإنّنا لم نستظهر من قوله: (فرأيت فيه) أنّه رأى فيه النجاسة السابقة، بل قلنا: إنّه لا يدلّ على هذا. ولكن مع هذا استظهرنا الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين؛ باعتبار نكتة أخرى وهي: أنّ حمل الرواية على قاعدة اليقين يتوقّف على أن يكون في فرضية السائل دلالة عرفية، على أنّه حصل له اليقين بحدوث الطهارة بعد النظر والفحص. ومثل هذه الدلالة غير موجودة.

فإنّ بنينا على الأوّل: وهو أنّ الدليل على استظهار الاستصحاب، ونفي قاعدة اليقين هو ظهور (فرأيت فيه)، بأنّ النجاسة هي النجاسة السابقة، إن كان هذا هو المدرك للاستدلال، فيختلّ الاستدلال، إذا استعصى علينا جواب الإشكال؛ وذلك لأنّ مثل هذا الإشكال يكون في مقابل هذا الظهور، وعامل ضعف فيه، بمعنى أنّه صحيح أنّ ظاهر قوله: “فرأيت فيه“، فرض العلم بالنجاسة السابقة، وهذا الظهور يناسب مع الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة دون قاعدة اليقين.

ولكن هذا الظهور يبتلي بإشكال، وهو أنّ الكبرى يكون تطبيقها على حاجة السائل تطبيقاً غير صحيح، بحسب ظاهر الحال ولا نعرف نكتته، 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحينئذٍ، فمثل هذا يوجب إجمال هذا الظهور واكتنافه بما يوجب إجماله بنظر العرف، حيث إنّ العرف يرى أنّ هذا الظهور لو أُخذ به، فالتطبيق يصبح غير صحيح في نظره بما هو عرف، ولو لم يأخذ به، وأوَّله وحمله على قاعدة اليقين، فيصبح هذا التطبيق صحيحاً في نظره بما هو عرف، فافتراق الظهور بمثل هذا التطبيق يوجب إجماله حينئذٍ.

 وحينئذٍ، لا يبقى عندنا مدرك لتعيين الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين؛ لأنّ المفروض أنّ مدرك الاستصحاب في مقابل تلك القاعدة هو هذا الظهور، الذي نبع منه الإشكال توأماً مع توليد الاستصحاب، وحينئذٍ، يكون مجملاً، ومع إجماله لا يبقى هناك مجال للاستدلال بالرواية. 

وأمّا لو فرضنا أنّه كان عندنا مدرك آخر لاستظهار الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين، لا من باب ظهور (فرأيت فيه)، بل مع قطع النظر عنه، نحمل الرواية على الاستصحاب، بحيث إنّ قاعدة اليقين منفيّة، حتّى بقطع النظر عن ظهور (فرأيت فيه).

بناءً عليه يمكن أن يُقال الآن هكذا: بأنّ هذا الإشكال لو استعصى على الجواب، لا يكون عامل قوة لقاعدة اليقين، في مقابل الاستصحاب، بحيث يوجب إجمال الدليل وخروجه عن الظهور في الاستصحاب.

وذلك: لأنّنا في مقام توجيه هذا الإشكال بعد العجز عن الجواب عليه، إمّا أن نرفع اليد عن ظهور (فرأيت فيه) في كون النجاسة سابقة، أو لا نرفع اليد عن هذا الظهور؛ لأنّ المفروض أنّ الإشكال نشأ من هذا الظهور، فهل 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نرفع اليد عن هذا الظهور الذي نشأ من الإشكال أو لا؟ 

إن لم نرفع اليد عنه، وتحفّظنا عليه بالرغم من ورود الإشكال، وتخلصّنا من الإشكال بوجهٍ من الوجوه، فقاعدة اليقين حينئذٍ، منفية حتماً، إذ مع الالتزام بكون النجاسة المرئية المتأخّرة معلومة السبق، لا مجال لإجراء قاعدة اليقين، وإن رفعنا اليد عن هذا الظهور، فكما يمكن الحمل على قاعدة اليقين، يمكن الحمل على الاستصحاب بلحاظ الآن، وهو الوجه المختار لنا، والمفروض أنّنا بنكتة زائدة عيّنّا الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين، فيتعيّن هو في مقابلها. 

وإن شئتم قلتم: بأنّ الإشكال نبع من ظهور (فرأيت فيه)، في أنّ المرئي هو النجاسة السابقة، حينئذٍ، نسأل: أنّ الاستصحاب من أين نبع؟ هل أنّ ترجيح الاستصحاب على قاعدة اليقين، أيضاً نشأ من شخص هذا الظهور الذي نبع منه الإشكال أو من ظهور آخر؟ 

فإن كان نابعاً من نفس هذا الظهور، يبتلى هذا الدليل بالإجمال من هذه الناحية؛ لأنّ هذا الإشكال الذي تولّد من هذا الظهور يصلح لإيجاد الإجمال فيه في نظر العرف، وحينئذٍ، لا يمكننا الاستدلال بالرواية على الاستصحاب. 

وأمّا إذا فرضنا أنّ الإشكال نبع من هذا الظهور، ولكن ترجيح الاستصحاب على قاعدة اليقين نبع من ظهورٍ آخر، فلا يمكن أن يُدّعى أنّ مثل هذا الإشكال يكون عاملاً في صالح قاعدة اليقين في مقابل الاستصحاب؛ وذلك لأنّ هذا الإشكال إمّا أن يوجب رفع اليد عن الظهور، الذي نشأ منه 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الاشكال أو لا، فإن لم يوجب فهو، وأن وجب رفع عنه، فغايته أنّنا لا نلتزم بأن الاستصحاب يجري بلحاظ حال الصلاة فقط، وإنّما يجري بلحاظ حال السؤال أيضاً. 

ولا بأس بذلك، لأنّ المفروض أنّ الاستصحاب هناك ظهور آخر يعيّنه سواءٌ كان ظهور (فرأيت فيه) موجوداً أو لا. فلا يختل حينئذٍ، الاستدلال من ناحية الإجمال.

ولكن مع هذا يمكن أن يُقال: بأنّ مثل هذا الإجمال والغموض في التطبيق، قد يؤدّي أحياناً لا إلى احتمال إرادة معنى آخر خلاف الظاهر من العبارة، حتّى يُقال: بأنّه لا يوجد هناك معنى آخر خلاف الظاهر، يمكن أن يُراد من العبارة إلا الاستصحاب أو قاعدة اليقين، وأمرهما هو الذي ذكرناه.

بل يمكن أن يُقال: إنّ مثل هذا الإجمال والتشويش، يوجب في المقام تكوين أمّارة على وجود خلل في مقام النقل، وهذا الخلل، هو الذي أوجب هذا النحو من إباء هذه الكبرى من الانطباق على هذه الصغرى، فإنّه لو فُرِض في مورد أنّ إجمال التطبيق أوجد مثل هذا الظن والأمارة، التي تخرج النقل عن كونه نقلاً موثوقاً به، فيخرج بذلك عن إطلاق أدلّة حجيّة خبر الثقة؛ لأنّنا ذكرنا في بحث خبر الواحد، أنّ المناط في حجيّته، ليس مجرّد وثاقة الراوي، بل هي وثاقته بما هي طريق إلى الوثوق بالخبر، بمعناها الحرفي لا الاسمي. وحينئذٍ فأي خبرٍ يقترن بأمارة عقلائية معتدٍ بها، توجب سلب الوثوق بهذا الخبر، فمثل هذا الخبر لا يكون مشمولاً لأدلّة حجيّة خبر الواحد نفسه. 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وبناءً على هذا قد يكون اقتران الظهور، في مقام النقل، بإجمال وغموض، قد يشكل أمارة بهذا النحو، فيوجب سقوط السند عن الحجّيّة.

هذا هو الكلام في الجهة الأولى.

الجهة الثانية: في حلّ الاشكال 

وأمّا الجهة الثانية: وهي أنّه يمكن التحفّظ على ظهور التعليل أو لا يمكن؟ يعني: هل هذا الإشكال بنحو ينسجم ظاهر التعليل ويؤخذ به؟ 

هناك جوابان أساسيان ذُكرا في كلمات الآغايون، في مقام توجيه التعليل وتفسيره:

 أحدهما: أنّ التعليل لعدم وجوب الإعادة بجريان الاستصحاب، إنّما هو بلحاظ كبرى إجزاء الأحكام الظاهرية، يعني أنّ الاستصحاب كان جارياً في حقّك حال صلاتك، وأنت صليت ممتثلاً لخطاب: (لا ينقض اليقين بالشكّ)، وحيث إنّ امتثال الحكم الظاهري مجزٍ عن الواقع؛ ولهذا لا يجب عليك التدارك بعد انكشاف الخلاف، فتعليل عدم الإعادة بجريان الاستصحاب إنّما هو بلحاظ إجزاء امتثال الحكم الظاهري عن الواقع. 

الجواب الآخر: هو دعوى توسعة دائرة الشرطية الواقعية، أو تضييق دائرة المانعية الواقعية، فإنّنا إمّا أن نقول: إنّ الطهارة شرط أو النجاسة مانع، وذلك بأن يُقال: بأنّ الشرط الواقعي في الصلاة الواجبة بالوجوب الواقعي، من أوّل الأمر، ليس هو الطهارة الواقعية، بل هو الأعمّ من الطهارة الواقعية أو الاستصحابية والظاهرية. 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فيكون مرجع التعليل إلى أنّ الاستصحاب كان يجري في حقّك، وكنت متطهّراً بالطهارة الظاهرية، والطهارة الظاهرية فردٌ من أفراد الشرط الواقعي، فتكون واجداً للشرط الواقعي للواجب الواقعي، فأنت انكشف لك الخلاف بمعنى: أنّك علمت بالنجاسة، لا بمعنى أنّك علمت أنّ صلاتك لم تقع مع الشرط الواقعي. 

فهذان جوابان، لا بدَّ من تحقيق حالهما، من حيث إنّهما هل ينفعان في مقام توجيه ظاهر التعليل والتحفّظ عليه أو لا؟ كما هو الصحيح. وأمّا تحقيقهما في أنفسهما، فهو مربوط بالجهة الثالثة لا في هذه الجهة.

*****

وكِلا(1) الجوابين لا يمكن أن يتمّ بشيء منهما، للتحفّظ على ظاهر عبارة الإمام في مقام التعليل.

أما أوّلاً: فلوضوح أنّ ظاهر قولهحينما أفتى بعدم وجوب الإعادة وعلَّله: “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ فشَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ“. ظاهره أنّه في مقام التعليل بتطبيق الكبرى على صغراها، التي هي محلّ استفهام السائل وهو الإعادة، لا في مقام التعليل والاستدلال بلحاظ استكشاف ثبوت أحد المتلازمين من ناحية ثبوت ملازمه الآخر.

توضيح ذلك: أنّ هناك تصورين للاستدلال بكبرى الاستصحاب على عدم وجوب الإعادة:

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() عنون السيد أوّلاً الجهة الثانية، وذكر الجوابين الذين ذكرهما الآغايون للتحفّظ على ظاهر التعليل. ثُمَّ قال: وكِلا… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التصوّر الأوّل: أن يكون الاستدلال بالاستصحاب على نفي وجوب الإعادة، من باب تطبيق الكبرى على بعض مصاديقها وصغرياتها. بتقريب، أنّ الاستصحاب قاعدة كبروية، تدلّ على حرمة كلّ نقض لليقين بالشكّ، والإعادة نقض لليقين بالشكّ، وصغرى لتلك الكبرى فتحرم الإعادة، فينتج من ذلك حرمة الإعادة. فهو تطبيق الكبرى على صغراها على(1) طريقة الشكل الأوّل من القياس المركوز في الأذهان العرفية. 

التصور الثاني: أن يُقال: إنّ الإعادة ليست مصداقاً لنقض اليقين بالشك، كما هو واضح في محلّ الكلام، فإنّ الإعادة، بعد فرض العلم بأنّ الصلاة وقعت مع النجاسة لا يكون الالتزام بعدم آثار الطهارة نقضاً لليقين بالشكّ، بل يكون نقضاً لليقين باليقين. ولكن هناك تلازم واقعي كان يعلمه الإمام بين حكمين: 

بين حرمة نقض اليقين بالشك، وعدم وجوب الإعادة، وإن شئتم قلتم: أنّ الملازمة بين: عدم حرمة نقض اليقين بالشك، ووجوب الإعادة. وذلك: بمعنى أنّه لو وجبت الإعادة، للزم من ذلك جواز نقض اليقين بالشك، ولو حرُم نقض اليقين بالشك، للزم من ذلك عدم وجوب الإعادة.

وهذا التلازم جاء بلحاظين -كما ذكر في الجوابين-: 

إمّا بلحاظ أنّ الشرط الواقعي في الصلاة هو مطلق الطهارة الثابتة، ولو بالقاعدة الطهارية. وحينئذٍ، إذا فُرِض أنّ الاستصحاب كان جارياً في حقّ هذا 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

() وهذا التصوّر هو ظاهر الدليل بلا إشكال؛ لارتكازية حمل التعليل على أنّه من باب الشكل الأوّل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المؤمن حينما صلّى، فالشرط موجود فلا تجب الإعادة لا محالة. ولا تجب الإعادة لا من باب أنّها نقض لليقين بالشك، بل من باب وجود تلازم بين حرمة نقض اليقين بالشك -يعني: كبرى الاستصحاب- وبين عدم وجوب الإعادة.

أو بلحاظ، اقتضاء الأمر الظاهري بالإجزاء، بأن يُقال: بأنّ هناك حكمان: أحدهما: الأمر الاستصحابي، وهو: ملازم مع سقوط الأمر الواقعي، وعدم وجوب الإعادة من ناحية؛ لأنّ الأمر الظاهري يقتضي الإجزاء. 

فيستدلّ الإمام على عدم وجوب الإعادة، بثبوت كبرى الاستصحاب، من باب أنّ كبراه ملازمة مع عدم وجوب الإعادة، ووجوبها ملازم مع عدم كبرى الاستصحاب، وحيث إنّ أحد المتلازمين موجود وهو: كبرى الاستصحاب، فالملازم الآخر أيضاً موجود وهو عدم وجوب الإعادة.

هذا هو(1) ظاهر الدليل، وهذا الظاهر لا يمكن الأخذ به في المقام، حتّى لو بُنيَ على الجوابين المذكورين؛ لوضوح أنّ الإعادة لنقض اليقين بالشكّ في محلّ الكلام؛ لأن نقض اليقين بالشك معناه عدم ترتيب آثار المتيقّن؛ لأجل الشكّ فيه، ومن المعلوم أنّ رفع اليد عن صحّة الصلاة السابقة، والالتزام بإعادتها ليس من باب نقض اليقين بالشك، بل هو من باب نقض اليقين باليقين، لأنّنا صرنا على يقين بأنّ الطهارة المتخيّلة لنا سابقاً غير واقعية، فالإعادة لا يمكن أن تكون مصداقاً لنقض اليقين بالشك. 

نعم الجوابان المذكوران يتمّمان الاستدلال حسب التصوّر الثاني؛ وذلك 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

() وهنا أعاد التصوّر الأوّل ثُمَّ قال: هذا هو… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بأن يُقال: أنّ الإعادة، وإن لم تكن مصداقاً لنقض اليقين بالشك، بل هي نقضٌ له باليقين، ولكن مع هذا لا تجب الإعادة؛ لأن وجوب الإعادة بعد الانكشاف الملازم في علم الإمام مع عدم جريان الاستصحاب في ذلك الظرف، أي في أثناء الصلاة، لأنّه لو جرى الاستصحاب في أثنائها لم تجب الإعادة بعد الانكشاف، إمّا من باب توسعة دائرة الشرطية، أو من باب اقتضاء الأمر الظاهر، فالإمام يعلّل ثبوت أحد المتلازمين، وهو عدم وجوب الإعادة بعد الصلاة بثبوت ملازمة الآخر، وهو جريان الاستصحاب في أثناء الصلاة. 

فهذه الصياغة الثانية للاستدلال، يمكن تتميمها بناءً على أحد هذين الجوابين. إلا أنّ هذا خلاف المنسبق والظاهر من الاستدلال، فإنّ المنسبق منه، بقرينة الارتكاز العرفي للشكل الأوّل من القياس، إنّما هو التصوّر الأوّل، وهو لا يمكن تصحيحه سواءٌ التزمنا بأحد هذين الجوابين، أو لم نلتزم بشيء منهما(1).

وحينئذٍ، فأي واحد من هذين الجوابين لا يمكن أن يحافظ بها على ظهور 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: فيما قال: يعني لو أعدت، للزم من ذلك جواز النقض، ولا يلزم من ذلك النقض، وفرق كبير بين هذين المطلبين، فإنّه بناءً على التصوّر الأوّل للاستدلال، كأنّ الإمام يريد أن يقول: لو أعدت، للزم من ذلك نقض اليقين بالشكّ، بمعنى أنّ الإعادة بنفسها تؤدي إلى نقض اليقين بالشكّ، ونقضه حرام فالإعادة حرام. 

أمّا هنا فيقول: لو جازت الإعادة بعد الصلاة لجاز النقض في أثناء الصلاة، وجواز النقض في أثناء الصلاة باطل فوجوب الإعادة باطل، والاستدلال مبني على التصوّر الأوّل دون الثاني. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التعليل، كما اعترف به الشيخ الأعظم في (الرسائل)(1) على ما أتذكر. هذا أولاً

وأمّا ثانياً: فلأنّنا لو قطعنا النظر عن هذا الظهور، ظهور الاستدلال في كونه مبنياً على صيغة الشكل الأوّل من القياس، وفرضنا أنّ الاستدلال يمكن أن يُحمل على التصوّر الثاني، أن يكون من باب فرض تلازم بين الحكمين، وإثبات أحد الحكمين بملاك أنّ ملازمه ثابت في ظرفه. 

حينئذٍ يُقال: بأنّ هذا أيضاً لا يخلو عن مؤونة وارتكاب خلاف الظهور، من ناحية أنّ لازم هذا حينئذٍ، فرض كبرى محذوفة في مقام التعليل، وهي: قاعدة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، أو قاعدة توسعة دائرة الشرطية، فإنّ إحدى هاتين النكتتين دخيلة في مقام التصحيح، وعدم وجوب الإعادة، مع أنّها محذوفة في المقام.

وهذا خلاف ظاهر التعليل، فإنّ ظاهره بيان تمام ما يصحّ السكوت عليه عرفاً، في مقام اقتناص هذا الحكم، ومجرّد جريان الاستصحاب لا يصحّ السكوت عليه عرفاً في مقام التعليل واقتناص هذا الحكم.

كلام للمحق النائيني ومناقشته

وقد أجاب عن هذا الإشكال المحقّق النائيني: بأنّ التعليل في موارد منصوص العلّة، دائماً يستبطن نكتة محذوفة، فمثلاً: إذا قلنا: حُرّمت الخمر لأنّها مسكرة، فهو يستبطن نكتة كبروية محذوفة، وهي أنّ كلّ مسكر حرام. فالكبرى التي هي النكتة الأساسية في اقتناص الحكم محذوفة، غاية الأمر بأنّ العرف 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 2: 566.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يفهمها ويقتنصها، ففي موارد منصوص العلّة، ليس الإنسان المعلِّل مُلزَماً بحكم العرف، بأن يذكر الحد الأكبر مع الأوسط، وإنّما يكفي بأن يقتصر على الحد الأوسط، فيقول بأنّه مسكر. وأما الحدّ الأكبر فيكون مستبطناً ومحوّلاً على فطنة العرف وانتباهه. 

ففي المقام أيضاً يُقال هكذا: هذه الصلاة في موردها استصحاب، وكلّ استصحاب يقتضي الإجزاء، أو يحقّق مصداقاً للشرط الواقعي للواجب، إذن، فهذه الصلاة واجدة لملاك الإجزاء، أو الشرط الواقعي للواجب، فالاستصحاب هو الحدّ الأوسط، وكما جاز في ذلك المثال الاقتصار على الإسكار، مع أنّه هو الحدّ الأوسط، كذلك هنا، يجوز الاقتصار على الاستصحاب، بلحاظ كونه هو الحدّ الأوسط(1)

إلا أنّ هذا الكلام من المرزا، ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لوضوح الفرق عرفاً بين محلّ الكلام، وموارد العلّة المنصوصة كالمثال. فإنّ الحدّ الأوسط تارةً يكون موضوعاً للحدّ الأكبر بنفسه في مقام الجعل مباشرةً بعنوانه بلا توسط عناية زائدة، كما هو الحال في مثال الخمر، فإنّ الإسكار بنفسه هو موضوع للحرمة، فما هو موضوع الحدّ الأكبر مذكور بتمامه، وهو الإسكار؛ لأنّ ثبوت الحرمة للإسكار ليس بتوسّط نكتة أخرى، بل الإسكار بعنوانه موضوع وملاك للحرمة المولوية، وفي مثل هذا لا يجوز الاقتصار على الحدّ الأوسط، والحوالة على العرف في مقام فهم الحدّ الأكبر، بمناسبات الحكم 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 365.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

والموضوع. هذا في هذا المثال.

وأمّا في محلّ الكلام، فالاستصحاب الذي فرضناه هو الحدّ الأوسط، ليس ملاكاً لعدم وجوب الإعادة بعنوانه، بل بتوسط مؤونة زائدة، بينه وبين عدم وجوب الإعادة، بل الاستصحاب الذي هو الحدّ الأوسط، إنّما يكون ملاكاً للحدّ الأكبر، الذي هو عدم وجوب الإعادة بلحاظ مؤونة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، أو قاعدة توسعة دائرة الشرطية، فلا بدَّ في مقام إفهام ثبوت الحدّ الأكبر للأوسط من بيان إحدى هاتين المؤنتين، وأمّا بقطع النظر عن تلك المؤونة الزائدة، فإنّه لا يكون ملاكاً للحدّ الأكبر.

فالإسكار، الذي هو الحدّ الأوسط بنفسه موضوع للحرمة، فجاز حذف الحدّ الأكبر والاقتصار على الحد الأصغر. وأمّا الاستصحاب فليس بنفسه يكون ملاكاً لعدم وجوب الإعادة، بل ملاكيّته لعدم وجوبها بلحاظ نكتة أخرى وجعلٍ آخر، وهو إمّا جعل توسعة في دائرة الشرطية، أو قاعدة إجراء الحكم الظاهري. إذن، فلا يمكن في المقام دعوى أنّ حذف الحدّ الأكبر يكون على طبق الفهم العرفي في المقام. 

فالإشكال الثاني أيضاً مركّز على هذين الوجهين. 

نعم، يمكن أن يُدفع هذا الإشكال الثاني على الجواب الأوّل من هذين الجوابين، وهو الجواب الذي يوجّه التعليل على أساس توسعة دائرة الشرطية، بأن يُقال: بأنّ صاحب هذا الجواب يدّعي أنّ توسعة دائرة الشرطية ليس ثابتاً بجعل ودليل آخر، بل هو ثابت بنفس دليل الاستصحاب؛ باعتبار حكومته على أدلّة الأحكام الواقعية، فهو يوسّع دائرة الشرطية.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نظير ما قاله صاحب الكفاية في بحث الإجزاء حيث قال: بأنّ أصالة الطهارة تكون متكفّلة للإجزاء عن الواقع؛ لأن دليلها له حكومة على أدلة الشرطية الواقعية ويوسع دائرتها(1)، هذا المطلب ادعاه هناك بالنسبة إلى الأصول دون الأمارات، وقال: والاستصحاب في وجه قوي(2).

فللآخوند أن يقول في المقام: بأنّي أقول: إنّ توسعة دائرة الشرطية ليست نكتة محذوفة في مقام التعليل، متروكة إلى دليل آخر، وجعل آخر، بل هي بنفسها مستفادة من نفس دليل الاستصحاب، فإنّ نفس كبرى (لا ينقض اليقين بالشك)، في وجه قوي -على حدِّ تعبيره- تكون دالّة على الحكومة على أدلّة الشرطية الواقعية وتوسعة دائرتها.

وحينئذٍ، لا يرد مثل هذا الإشكال على الجواب الأوّل، وإنّما يرد على الجواب الثاني لو قيل بالإجزاء بقاعدة عقلية(3) -مثلاً- بقطع النظر عن الحكومة المدّعاة، وهو أنّ استيفاء المصلحة السلوكية نكتة محذوفة غير مذكورة في مقام التعليل. 

ولعلّ هذا هو السر في أنّ بعض الأعلام كصاحب الكفاية(4) قبل الجواب 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() انظر: كفاية الأصول، 86. 

(2) انظر: المصدر نفسه.  

(3) كاستيفاء المصلحة السلوكية وغيرها من البراهين التي ذكر في بحث الإجزاء (المحاضرة). (المقرِّر).

(4) وهنا، تعرّض السيّد لكلام للمحقّق النائيني، وكلام للسيد الأستاذ، وكرّرها في المحاضرة الآتية فمن هنا ننقلهما منها. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأوّل من هذين الجوابين دون الثاني؛ لعلّ هذا التفكيك بهذا اللحاظ، يعني بلحاظ الالتفات إلى الإشكال الثاني، الذي أوردناه على الجوابين. مع ملاحظة أنّ دليل الاستصحاب بنفسه يوسع دائرة الشرطية، فحينئذٍ، فالجواب الثاني لا يرد على التقريب الأوّل، لكنّه يرد على الثاني. 

وحينئذٍ، إذا فرضنا في المقام تمامية هذه الحكومة، فيندفع هذا الإشكال بنفسه، إلاّ أنّه قد تقدّم في بحث الإجزاء، أنّ دليل الاستصحاب، ودليل أصالة الطهارة، لا يُستفاد منه توسعة دائرة الشرطية الواقعية، وعليه فيكون الإشكال الثاني وارداً على كِلا الجوابين أيضاً، كالجواب الأوّل.

موقف الآخوند والاشكالات عليه(1)

هذان الجوابان، هناك موقف للمحقق الخراساني منهما، وموقف للمحقّق النائيني.

أمّا موقف المحقّق الخراساني، فقد قبل بالجواب الأوّل، وهو تصحيح التعليل بتوسعة دائرة الشرطية ولم يقبل(2) بالجواب الثاني، وهو تصحيح التعليل بلحاظ قاعدة الإجزاء. وهذا الموقف وجد عليه اعتراضان: 

الاعتراض الأوّل من السيّد الأستاذ: حيث ذكر أنّ هذين الـجوابين
-بحسب الحقيقة- جواب واحد، وإنّما اختلف التعبير فيهما عن معنى واحد، 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

() لخصّ أولاً الجوابين، اللذين ذُكرا جواباً عن الإشكال، وهو توسعة دائرة الشرطية، وإجزاء الأمر الظاهري ثُمَّ قال: (المقرِّر).

(2) بقطع النظر عن ذيل كلامه (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فلا معنى لأن يقبل أحدهما ويرفض الآخر بمجرّد تغيير العبارة(1)

وذلك؛ لأنّ إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع لا يعقل أن يكون إلا بالتصويب وتوسعة دائرة(2) الواقع، فيرجع الثاني إلى الأوّل.

وجوابه ما ذكرناه سابقاً، من أنّ تصحيح الفعل المأتي به، بمعنى عدم وجوب إعادته، تارةً يكون بلحاظ إعمال المؤونة في توسعة دائرة الواجب(3) بحيث ينطبق على المأتي به، وأخرى يكون بلحاظ إعمال المؤونة في تضييق دائرة الوجوب الواقعي، وتقييده بمن لم يأتِ بهذا الفعل(4). والأوّل هو توسعة دائرة الشرطية المقصودة في الجواب الأوّل، والثاني هو الإجزاء المقصود من الجواب الثاني، فأحدهما غير الآخر. 

كما أنّ ملاك أحدهما غير ملاك الآخر، فإنّ ملاك توسعة دائرة الواجب هو 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

() انظر: مصباح الأصول 2: 57-58. 

(2) وحينئذٍ، فيكون معنى الإجزاء هو توسعة دائرة الشرط الواقعي (محاضرة أمس). (المقرِّر).

(3) ونلتزم بأنّ الشرطية الواقعية ليس متعلّقها الطهارة فقط، بل الأعمّ من الطهارة ومن استصحابها وقاعدتها ونحو ذلك (محاضرة أمس). (المقرِّر).

(4) بأنّ نلتزم ببقاء الشرطية الواقعية على الطهارة الواقعية، وأنّ الصلاة التي وقعت مع النجاسة ليست مصداقاً للواجب الواقعي، ولكن مع هذا مجزية عنه، بنكتة أنّها تكون عدمها مأخوذاً قيداً في الوجوب، أو أنّ وجوب الصلاة مع الطهارة الواقعية مقيّد بأن لا يؤتى بمثل هذه الصلاة، فقد جعلت هذه الصلاة قيداً ومضيقاً للوجوب وهذا نحو آخر غير النحو الأوّل، وإن كان كليهما ينتج نتيجةً واحدة (محاضرة أمس). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

دعوى أنّ هذا الفعل المأتي به وافٍ بملاك الواقع، فلا محالة يشمله إطلاق الواجب الواقعي، وملاك الإجزاء هو دعوى أنّ هذا الفعل يوجب تعذّر استيفاء الملاك الواقعي، فلا محالة يتقيد الوجوب الواقعي بعد الإتيان به، فهذان الجوابان يختلفان مضموناً وملاكاً.

الاعتراض الثاني: هو اعتراض المحقّق النائيني(1)، كأنّه لم يستشكل في تعدّد الجوابين، ولكنّه قال: بأنّه لا معنى لأن يقبل أحدهما ويرفض الآخر، حيث إنّ هذين الجوابين معاً، يصحّحان التعليل بلحاظ كبرى محذوفة مستترة، وهي إمّا كبرى توسعة دائرة الشرطية. وإمّا كبرى اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء. 

فإن قلنا: بأنّ التعليل مع حذف كبرى مستترة صحيح(2)، فكِلا الجوابين صحيح؛ لأنّه كما يمكن أن نضمّ تلك الكبرى المستترة كذلك يمكن أن نضم هذه.

وإن قلنا: إنّه غير صحيح إذن، فكِلا الجوابين غير صحيح. إذن، لا فرق بينهما من حيث الجوابية عن الإشكال(3).

ــــــــــ[264]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات 2، 365. 

(2) كما في موارد منصوص العلّة، فإنّه قاس المقام عليه. (المقرِّر).

(3) ولا يمكن التمييز بينهما، فإنّهما مشتركان في المطلب، كِلاهما يحتاج إلى الالتزام بوجود كبرى محذوفة، وتعيين أنّ هذه الكبرى هي الثاني دون الأوّل بلا معين. (محاضرة أمس). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

قلنا: بأنّ هذا الكلام لا يتمّ على مباني صاحب الكفاية، سواءٌ كان صاحب الكفاية هنا، في بحث الاستصحاب لاحظ مبانيه أو لم يلاحظ، إلاّ أنّ واقع المطلب، أنّ هذين الجوابين بالإمكان أن يختلف أحدهما عن الآخر بلحاظ مبانيه.

إذ يمكن لشخص أن يختار -في مقام هذا الترديد- أنّ التعليل لا يصحّ مع حذف الكبرى، ولكنّه يقول: أنّ الكبرى في الجواب الأوّل هي توسعة دائرة الشرعية، ويدّعي أنّ دليل الاستصحاب له حكومة على أدلة الشرطية الواقعية، كما ادّعاه الآخوند صريحاً في بحث الإجزاء، فتكون الكبرى بنفسها مدلولاً لقوله: لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ، ولا يكون هناك محذوف.

بخلافه الجواب الثاني، فإنّ قاعدة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء بملاك التفويت وعدم إمكان التدارك، ليس مدلولاً عرفياً لقاعدة الاستصحاب، وإنما هو أمر لو ثبت، فهو يثبت بالبرهان، وعليه فهي كبرى محذوفة.

فالتمييز بينهما بهذا اللحاظ مبنياً على المباني، التي اختارها صاحب الكفاية بمكان من الإمكان. 

هذا كلّه في موقف صاحب الكفاية.

موقف المرزا والإشكال عليه

الموقف الثاني من هذين الجوابين، هو الموقف الذي اختاره المحقّق النائيني، فإنّه بعد أن قرر أنّ كُلاً من الجوابين يتوقف على الاعتراف بوجود كبرى محذوفة، قال: بأنّ كُلاً منهما صحيح، ولا بأس من الالتزام به، 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لأنّ التعليل مع حذف الكبرى أمر عرفي شائع في تمام موارد العلّة المنصوصة. فليكن كذلك في المقام(1).

هذا الموقف أيضاً غير صحيح: أنّ هذه المؤونة التي تُعمل في هذين الجوابين، ليست على طبق الظهور العرفي لخطاب التعليل، ولا يمكن أن تُقاس بمؤونة موارد العلّة المنصوصة، بل أنّ ظاهر التعليل هو أنّ الإمام يُريد أن يقول: إنّ الإعادة نقضٌ لليقين بالشكّ ونقض اليقين بالشك حرام، لا أنّه يُريد أن يقول: إنّ الإعادة ليست بواجبة، لأنّ وجوبها بعد انكشاف النجاسة يلازم جواز نقض اليقين بالشك قبل ساعة؛ وذلك باطل فهذا باطل، فيثبت عدم وجوب الإعادة.

تقريبات ظهور في كلام الامام 

وهذا الاستظهار الذي ندّعيه يمكن بيان نكتته العرفية بعدة تقريبات: 

التقريب الأوّل

التقريب الأول: هو ان الاستصحاب يُلحظ بلحاظين: 

تارةً يُلحظ بنحو المعنى الحرفي، بما هو وسيلة من وسائل تنجيز الواقع وإيصاله. 

وأخرى يُلحظ بنحو المعنى الاسمي، بما هو جعل من الجعول في نفسه.

وحينما يُلحظ بنحو المعنى الحرفي، يكون تمام النظر إلى الآثار الواقعية المترتبة على المستصَحب، لا على الآثار المترتبة على الاستصحاب، وحينما يُلحظ 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات، المصدر السابق. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بنحو المعنى الاسمي يكون النظر إلى نفس هذا الاستصحاب، بما هو جعل من الجعول وإلى آثاره كذلك، إذ قد يقع نفس الاستصحاب موضوعاً لأثرٍ من الآثار، فيقول المولى -مثلاً-: إذا جعل الاستصحاب في حقك فتصدق بدرهمين.

فهنا إذا فرضنا أنّ الاستصحاب صار علّة في كلام الإماملعدم وجوب الإعادة، فتارةً يكون مأخوذاً بنحو المعنى الحرفي علّة، بما هو أداة لإيصال الواقع، بحيث يكون تمام النظر إلى الواقع المستصحب وآثاره. وحينئذٍ، يتعيّن أن يكون التعليل بلحاظ كون الإعادة بنفسها نقضاً لليقين بالشك؛ لأنّ النظر إلى المستصحب لا إلى نفس الاستصحاب بما هو شيء قد يكون له حكم، فحينما يعلّل عدم وجوب الإعادة بوجود الاستصحاب بما هو مؤمّن عن الواقع، الذي هو معنى كونه معنى حرفياً، فهذا معناه أنّ يريد أن يطبّق على الإعادة العنوان المؤمّن عن الواقع، وهو عدم جواز نقض اليقين بالشكّ. فيتعيّن حينئذٍ، كون الاستصحاب علّة بلحاظ انطباق عنوان نقض اليقين بالشك على الإعادة.

نعم، لو كان مأخوذاً بنحو المعنى الاسمي بما هو جعلٌ في نفسه. حينئذٍ، يمكن أن يُقال: إنّه أُخذ باعتبار أنّ الاستصحاب بنفسه ملاكٌ لعدم وجوب الإعادة؛ لأنّ الشارع حكم بقاعدة إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع -مثلاً-، فيكون الأمر الظاهري الاستصحابي موضوعاً لحكم الشارع بالإجزاء تعبّداً، فهذا معناه أنّ الاستصحاب دخل في العلّة بما هو معنى اسمي لا بمعنى حرفي، 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وظاهر هذه الجعول، متى ما أُخذت أنّها تؤخذ بنحو الطريقية، لا بنحو المعنى الاسمي.

فتبادر الطريقية في الجعل الاستصحابي، يوجب ظهور أخذ الاستصحاب في مقام التعليل، بنحو المعنى الحرفي لا الاسمي، ومع ظهوره بذلك يتعيّن أن يكون نظر الإمام في مقام التعليل إلى تطبيق عنوان مؤمّن على ترك الإعادة، وهو عنوان نقض اليقين بالشكّ.

التقريب الثاني

التقريب الثاني: هو أنّ المعلّل العرفي حين يذكر حكماً على موضوع ثمَّ يُريد أن يعلّله بذكر حكم على موضوع آخر، فهذا يكون على نحوين: 

تارةً يقول: (أكرم زيد)؛ لأنّه يجب إكرام العالم، وهذا التعليل مرجعه بحسب الحقيقة، إلى أنّ المتكلّم بعد أن جعل حكماً على زيد أراد أن يلغي خصوصية زيد، ويذكر العلّة التي هي مناط ثبوت هذا الحكم حقيقة، فذكر موضوعاً عامّاً ينطبق على زيد وغيره، فيكون في مثل ذلك، الحكم الثاني هو نفس الحكم الأوّل، لكن مع التجريد عن الخصوصية، ويكون معنى التعليل تطبيق كبرى كليّة على صغراها، بحيث يكون موضوع الحكم الأوّل فرداً من موضوع الكبرى، ونفس الحكم الأوّل -المحمول- جزئياً من جزئيات الحكم في الكبرى. 

وأخرى: يكون الحكم الثاني مبايناً مع الحكم الأوّل، يقول له: (أكرم زيد؛ لأنّه يجب أن تُكرم عمرواً)، بناءً على ملازمة يدّعيها المتكلّم، بين وجوب إكرام 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

زيد ووجوب إكرام عمرو، لا من باب أنّ أحدهما مصداق للآخر، بل من باب أنّ هذا ملازم مع ذلك، وهذا ثابت فلا بدَّ أن يكون هذا ثابتاً. 

وغلبة النحو الأوّل من التعليل، الذي يكون فيه الحكم الأوّل من صغريات الثاني محمولاً وموضوعاً، غلبة ذلك وتداوله في التعليلات العرفية يوجب انسباقه عرفاً في كلّ مورد يذكر المولى حكماً على موضوع ثُمَّ يذكر سنخ ذلك الحكم على موضوع آخر قابل للانطباق على الموضوع الأوّل. في مثل هذا ينسبق إلى ذهن العرف، أنّ المولى يريد بهذا التعليل إلغاء الخصوصيّة، وتوسعة دائرة الحكم(1)؛ لا أنّه في مقام بيان حكم آخر مباين مع الحكم الأوّل(2)، كما في التعليل من النحو الثاني.

طبعاً هذا الظهور، إنّما يتمّ إذا كان الحكم الأوّل والثاني من سنخ واحد، بحيث يمكن أن يُقال: أنّ الحكم الثاني هو نفس الأوّل، وأمّا لو قال: (أكرم زيد)؛ لأنّه يحرم إكرام عمرو، أو لأنّه يحرم إكرام الفاسق، فهذا لا معنى لأن يُقال فيه هذا.

ومقامنا يكون من مصاديق هذا الظهور السياقي؛ لأنّه حكم بالنهي عن الإعادة، ثُمَّ علّل ذلك بالنهي عن كبرى نقض اليقين بالشكّ.

قال: “لا تعيد لأنه لا تنقض اليقين بالشك“، عيّناً كقولنا: (أكرم زيد)؛ 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

() وحسب الحكم بصيغته العامّة على عنوان عام حينئذٍ. (المقرِّر).

() وأنّ (أكرم العالِم) حكم مباين للأوّل، وقع التلازم بينهما صدفةً. (منه). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لأنّه أكرم العالم، فكما أنّ المنساق سياقياً، بحسب لغة الذهن العرفي واستيناسه، أنّ المولى ليس في مقام تعليل حكم بحكم آخر مغاير له، بل في مقام إلغاء الخصوصية، وإبراز نفس ذلك الحكم لكن بصيغته العامّة.

فهذا الظهور السياقي يقتضي أن يكون نهي المولى عن الإعادة هو نفس نهيه عن نقض اليقين بالشكّ، غاية الأمر ذلك نهي خاص بلحاظ المورد، والنهي الثاني أُلغيت خصوصيّته وبُيّن بصيغته العامّة. إذن، يكشف هذا عن أنّ الإعادة مصداق من مصاديق لنقض اليقين بالشكّ، وأنّ النهي عنهما أحد أفراد النهي عن نقض اليقين بالشكّ.

التقريب الثالث

التقريب الثالث لهذه النكتة: هو ان هذين الجوابين اللذين ذُكرا لتوجيه التعليل، كِلاهما يفترضان حذفاً للكبرى، كما اعترف بذلك المرزا. إمّا كبرى توسعة دائرة الشرطية، وإمّا قاعدة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، وهذا الحذف فيه عناية، والظاهر في مقام التعليل ذكر ما يصحّ السكوت عليه في مقام التعليل بحسب النظر العرفي.

ولا يُقال: بأنّ هذا الحذف مستعمل في موارد العلّة المنصوصة، أيضاً -كما قال المرزا- فإنّه إذ يقول: لا تشرب الخمر؛ لأنّها مسكرة، فقد حذف قوله: لأنّ كلّ مسكر حرام.

لأنّه يُقال: لأنّ موارد العلّة المنصوصة انقدح حالها ممّا ذكرناه الآن -في النكتة الثانية- فإنّ ظاهر قوله: لأنّها مسكرة هو أنّ المولى في مقام إلغاء 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

خصوصية المورد، وتجريده عنه، الذي هو المدلول العرفي السياقي للتعليل فقوله: الخمر ثابتة على المسكر. فمدلولها اللغوي الابتدائي هو التعليل، لكن مدلولها العرفي في السياق هو إلغاء الخصوصية، وتحويل ذاك الحكم الخاص على العام.

فهذا بنفسه مدلول عرفي لقوله: لأنّه مسكر، لا أنّه أمر غير مذكور في الدليل المحمول على فطرة الإنسان السامع، بل مدلوله العرفي الثانوي هو عبارة عن إلغاء خصوصية المورد؛ ومن هنا نلتزم بالتعدّي منه إلى سائر الموارد. 

ولكن هذا الكلام لا يأتي في محلّ الكلام، وهو رواية الاستصحاب؛ لأنّ الفرق بينها وبين موارد العلّة المنصوصة هو: ما أشرنا إليه سابقاً، بأنّه في موارد العلّة المنصوصة، الإسكار بنفسه، الذي هو الحدّ الأوسط هو الذي يثبت له الحرمة، ويكون مصبّاً لها بلا توسّط عناية بين الإسكار والحرمة؛ فمن هنا يكون معنى قوله: لأنه مسكر، أنّي صببت الحرمة على المسكر، لا على الخمر بخصوصيتها. 

وأمّا في محلّ الكلام، فالحد الأوسط الذي هو الاستصحاب فليس بنفسه مصبّاً للحدّ الأكبر، الذي هو عدم وجوب الإعادة والصحّة، بل بتوسّط عناية اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء أو عناية توسعة دائرة الشرطية. 

إذن، فهنا يوجد أمر محذوف بينما هناك لم يوجد أمر محذوف أصلاً، إذ هناك في موارد العلم المنصوصة، يثبت الحدّ الأكبر للأوسط مباشرة، ويكون ثبوته له مدلولاً عرفياً مباشر لقوله: لأنّه مسكر دون حذف، وعليه فلا ينبغي أن يُقاس 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

محلّ الكلام(1) بموارد العلّة المنصوصة.

التقريب الرابع

التقريب الرابع: لهذه النكتة هو: أنّنا لو قطعنا النظر عمّا قلناه في التقريب السابق، وفرضنا أنّه يوجد في موارد العلّة المنصوصة حذف، وأنّ المولى لم يذكر إلا صغرى، بأنْ جمدنا على حاقّ العبارة دون الالتفات إلى ظهورها العرفي السياقي، فالكبرى إذن محذوفة.

 لكن هذا الحذف لا ينبغي أن يُقاس بمحلّ الكلام؛ وذلك لأنّ الكبرى إنّما يصح أن تُحذف اعتماداً على قرينية الارتكاز، وأريد به ارتكاز الشكل الأوّل من القياس في مقام الاستدلال، فإنّ هذا الارتكاز يجعل العرف يفتّش عن مقدّمتين في مقام اقتناص النتيجة، وحيث لا يجد في كلام المتكلّم بالصراحة إلا مقدّمة واحدة، وهي الصغرى إذن، فهو بنفسه يأخذ بالتفتيش عن الكبرى اعتماداً على منبهيّة هذا الارتكاز للعرف إلى وجود المقدّمة المحذوفة.

ومثل هذه المنبهيّة غير موجودة في المقام؛ وذلك لأنّ عبارة الإمام في المقام يتألّف منها كلّ عناصر القياسي صغرى وكبرى؛ لأنّه قال “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ فشَكَكْتَ” -وهذه هي الصغرى- وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً -وهذه هي الكبرى-. فالعرف هنا سوف لن يجد 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

() باعتبار أنّ الحدّ الأوسط هناك بنفسه مصبّ للحدّ الأكبر فيكون التعليل بنفسه بياناً لثبوت الحدّ الأكبر للأوسط، وأمّا هنا، فالحدّ الأوسط بنفسه ليس مصبّاً للأكبر، فلا يكفي التعليل لأن يكون بياناً للعناية المتوسطة بين الحدّين (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

عنصراً واحداً حتّى يكون ارتكاز الشكل الأوّل منبّهاً له للتفتيش عن مقدّمة أخرى؛ لأنّه هنا -بحسب الصورة- يوجد مقدّمتان، منبهيّة الارتكاز إلى العنصر المفقود غير موجودة، فلو كان هناك عنصر مفقود في مقام التعليل محذوف في مقام التعبير، لكان محذوفاً بلا قرينة -ولو معنوية- عليه؛ لأنّ القرينة هي منبهيّة ارتكاز الشكل الأوّل، وهي غير موجودة في المقام، فيلزم من ذلك حذف مقدّمته دون منبّه عليه، لا لفظي ولا معنوي، فأيضاً لا ينبغي أن يُقاس المقام بموارد العلّة المنصوصة.

التقريب الخامس 

التقريب الخامس: هو أنّنا لو قطعنا النظر عمّا ذكرناه في التقريب الرابع من تماميّة عناصر الشكل الأوّل من القياس، وفرضنا أنّه لا توجد إلا مقدّمة واحدة، بأن قطعنا النظر عن قوله: “لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ فشَكَكْتَ“، التي تصلح أن تكون صغرى في القياس، ومعها لا يفتش العرف عن مقدّمة أخرى، وصببنا النظر فقط على فقرة الاستدلال؛ لأنّه ينبغي أن ينقض اليقين بالشك، فهنا مقدّمة واحدة فقط، والعرف سوف ينبّه ارتكازه عن التفتيش عن المقدّمة الثانية. 

ولكن هذه المقدّمة الثانية كيف يضعها؟ 

إمّا أن يجعل المقدّمة المصرّح بها في كلام صغرى ويجعل تلك الكبرى لها، وهذا هو معنى الجوابين، فيجعل الكبرى هي قاعدة أنّ الأمر الظاهري يقتضي الإجزاء -مثلاً- ويكون الاستصحاب صغرى. 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وإمّا أن يجعلها صغرى بأنّ يجعل المقدّمة المحذوفة هي: أنّ الإعادة تنقض، ولا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ.

وكلما دار الأمر بين أن يكون المولى قد حذف الكبرى أو حذف الصغرى، فلعلّه يكون المنساق عرفاً هو أنّ المولى حذف الصغرى، لا أنّه حذف الكبرى، بنكتة: أنّ بيان الكبرى من شأن المولى بما هو مولى، وأمّا بيان الصغرى فليس من شأنه بما هو مولى، فحذف الصغرى أخفُّ مؤونة في لسان المولى بما هو مولى من حذف الكبرى، وهذه النكتة توجب انصراف العرف في مقام ملء الفراغ، إلى وضع صغرى في منطقة الفراغ، لا إلى وضع كبرى فيها.

وحينئذٍ، يتم الشكل الأوّل بالنحو الذي قلناه: وهو أنّ الإعادة نقض، ويحرم نقض اليقين بالشكّ.

التقريب السادس

التقريب السادس: أن يُقال إنّ جملة: (لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ). ظاهرة في فعلية جريان الاستصحاب في حق السائل الآن، إذ لو كان نظر الإمام إلى لحاظ حال الصلاة، لكان ينبغي أن يقول له: (ولم يكن ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ).

فظاهر العبارة فعلية إجراء الاستصحاب في حقّه، الذي معناه: أنّ حرمة الإعادة الآن إنّما هو بملاك الاستصحاب الجاري فعلاً، لا بملاك أن الاستصحاب الجاري حال الصلاة الذي يقتضي الإجزاء.

هذا الوجه غير صحيح؛ وذلك لأنّ قوله: ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بالشكّ أبداً، لو كان المقصود منه هو الاستصحاب الشخصي الجاري في هذه الواقعة بالخصوص، فيكون ظاهرها أنّ هذا الاستصحاب الشخصي جارٍ بالفعل لا أنّه جارٍ حال الصلاة. لكن المراد ليس هو هذا، بل المراد منها القاعدة الكلية، والقاعدة الكلية ثابتة على كلّ مكلّف في كلّ زمان. ويكفي في مقام تتميم المطلب النكات الخمسة السابقة. 

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية. 

الجهة الثالثة: في تصوير توسيع الشرطية وتضييق المانعية 

لو قطعنا النظر عمّا ذكرناه في الجهة الثانية، من أنّ ظاهر التعليل هو تطبيق مجرى (لا تنقض اليقين بالشكّ) على نفس الإعادة، بدعوى أنّها نقض لليقين بالشك.

وفرضنا أنّ التعليل كان بصيغة ملائمة مع فرض إرجاعه إلى باب الاستلزام، والاستدلال على ثبوت أحد المتلازمين بثبوت الملازم الآخر، بلحاظ التوسعة في دائرة الشرطية -مثلاً-. 

فيُقال: مبنياً على التوسعة في دائرة الشرطية: أنّ الإعادة غير واجبة؛ لأنّ هذا المكلّف كان يجري في حقّه الاستصحاب في حال الصلاة، وبذلك كان واجداً لما هو الفرد للشرط الواقعي، ومعه لا يحكم ببطلان صلاته، وتكون صحيحة واقعاً. 

لو بنيَ على هذا، فما هو التصوير الثبوتي لهذه التوسعة، في دائرة شرطية الطهارة، أو التضييق الثبوتي في دائرة مانعية النجاسة، بحيث ينحفظ معه عدة 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أمور: تعقل جريان الاستصحاب في المقام، بحيث يتحفّظ الفقيه على إمكان إجراء استصحاب الطهارة في موارد الشك بها، ومنها: أنّ يتحفّظ على تصحيح الصلاة في تمام الموارد المنصوصة لصحّة الصلاة، يعني: ينتزع جامعاً للشرطية أو المانعية، بحيث يناسب مع صحّة الصلاة في الموارد المنصوصة لصحّة الصلاة في الفقه.

البحث هنا ليس بحثاً فقهياً إثباتياً، بل نحن نفرغ هنا عن مقام الإثبات الفقهي، وعن صحّة الصلاة في الموارد المنصوصة، التي منها: نفس صحيحة زرارة، ونتكلّم عن بحث ثبوتي في كيفية توسعة دائرة الشرط، أو تضييق دائرة المانع، بحيث يلتئم مع الجهات الفقهية المفروغ عنها.

والكلام هنا تارةً: يقع بناءً على شرطية الطهارة، وأخرى: يقع بناءً على مانعية النجاسة، فإنّه تارةً يُفرَض أنّ الطهارة مأخوذة شرطاً، ومرجعه إلى تقيّد الواجب بنفس هذا القيد(1). وأخرى: يُفرَض أنّ النجاسة مأخوذة مانعاً، ومرجع المانعية إلى تقييد الواجب بعدمه، فيكون عدم النجاسة مأخوذاً قيداً في الواجب. 

فتارةً: يقع الكلام بناءً على مانعية النجاسة، وأخرى: بناءً على شرطية الطهارة في الواجب.

كلام الاصفهاني وعدم تعقل الفرق بين الشرطية والمانعية ومناقشته.

وقبل الدخول في تصوير التوسيع أو التضييق، بناءً على المانعية وعلى 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

() وهو الطهارة (منه). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الشرطية، لا بدَّ من الفراغ عن تعقّل التمييز بين الشرطية والمانعية في هذا المقام، فإنّ ظاهر كلام المحقّق الأصفهاني(1)، أنّه يرى عدم الفرق بين شرطية الطهارة ومانعية النجاسة، يعني أنّ أحدهما يرجع إلى الآخر -في نظره- بحسب عالم الجعل والتشريع، والسيّد الأستاذ، وإن كان ظاهر كلامه هو الاعتراف بوجود فرق بين شرطية الطهارة ومانعية النجاسة بحسب عالم الجعل والتشريع، ولكنه ذكر أنّه لا يترتّب أثر فقهي على القول بالشرطية أو القول بالمانعية، إذ الآثار المطلوبة على كلّ منهما واحدة(2).

وكلّ من هذين الكلامين يحتاج إلى تمحيص، فإنّ التحقيق هو: أنّ الشرطية والمانعية يُتصوّر لكلّ منهما مضمون يختلف عن مضمون الآخر، جعلاً وتشريعاً خلافاً للمحقّق الأصفهاني، واثراً ونتيجةً خلافاً للسيّد الأستاذ. 

وتوضيح ذلك: أنّ المحقّق الأصفهاني الذي أنكر التمييز بين شرطية الطهارة ومانعية النجاسة أفاد: إنّ التمييز بين شرطية أحد الضدّين ومانعية الآخر، إنّما يصّح فيما إذا كان عندنا ضدّان وجوديان. ويقع الكلام حينئذٍ، في أنّ هذا الضد الوجودي أُخذ عدمه فيه، ومعناه المانعية. أو ذاك الضد الوجودي أُخذ وجوده فيه، ومعناه الشرطية. وكلاهما معقول، والمَيزْ بينهما موجود، وفي المقام ليسا ضدّين وجوديين، فإنّ النجاسة أمر وجودي، ولكن الطهارة ليست أمراً وجودياً في مقابل النجاسة، بل هي عبارة عن النزاهة والخلاء، يعني عدم النجاسة.

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية 3: 82. 

(2) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 28.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وحينئذٍ، فمانعية النجاسة مرجعه إلى قيديّة عدم النجاسة، كما أنّ شرطية الطهارة مرجعه إلى قيدية عدم النجاسة، إذ لا معنى للطهارة إلا عدم النجاسة، فقد تطابقت الشرطية والمانعية في المقام، ولم يتحصّل لدينا عنوان من الجعل، ليتكلّم في أنّ أيهما هو المطابق مع الأدلّة الشرعية.

هذا الكلام غير صحيح؛ لأنّنا في مقام تصوير مانعية النجاسة، ويمكننا أن نتصوّر مانعيتها بأحد وجهين، وعلى كِلا الوجهين نتصوّر شرطية الطهارة مقابلة لها: 

الوجه الأوّل لمانعية النجاسة: هو أن نتصوّر كون النجاسة مأخوذة مانعاً في بدن المصلّي أو لباسه، بمعنى أنّ لباس المصلّي أُخذَ قيداً بعدم النجاسة أي بأن لا يكون معروضاً للحكم الشرعي بالنجاسة. 

الوجه الآخر: هو أن نلتفت إلى الثياب المتنجّسة في الخارج، ونقول: بأنّ لباس المصلّي متقيّد بأن لا يكون هذا ولا هذا من الثياب المتنجّسة في الخارج. 

وفرق هذا الوجه عن الأوّل: 

أنّه في الأوّل، كنّا ننظر إلى تقييد لباس المصلّي بعدم النجاسة بما هي حكمٌ شرعي في نفسه، بقطع النظر عن المتنجسات في الخارج، وأمّا هنا فلا نقيّده بالنجاسة بما هي حكم شرعي، بل بأن لا يكون هذا المتنجس ولا هذا؛ ومن هنا كانت هذه المانعية على الأوّل غير انحلالية وعلى الثاني انحلالية، يعني حيث يؤخذ لباس المصلّي بأن لا يحكم عليه الله بالنجاسة، فهذه المانعية ليست انحلالية، يعني هناك شيء أُخذ عدمه قيداً في هذا اللباس، وهذا القيد لا يتكثَّر 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بِتَكثّر المتنجسات بحسب الخارج. 

نعم، بكثرة المتنجسات يضيق دائرة اللباس الذي يجوز للمصلي أن يتّخذه، ولكن لباسه الذي هو المقيّد، ليس له بالآخرة إلا قيد واحد، وهو أن لا يكون محكوماً عليه بالنجاسة، وليس له على الوجه الأوّل أكثر من قيد واحد.

وأمّا على الوجه الثاني، فالمفروض أنّ لباس المصلّي مقيّد بأن لا يكون هذا الثوب وهذا الثوب، أي أن لا يكون هو واحد من هذه المتنجّسات، فلا محالة معنى هذا مانعية كلّ ثوب من الثياب المتنجسة، فكلما ازداد النجس خارجاً، ازدادت المانعيات. ويكون لكلّ متنجس مانعية قائمة بذاتها مستقلّة -لا يعني واجب استقلالي- بل بمعنى أنّها في عالم المانعية مستقلّة، هذا مانع عن الصلاة وذاك مانع عنها، وإن كان مرجع المانعيات كلّها بالنتيجة إلى تكليف واحد هو قوله: أقيموا الصلاة.

فإن لاحظنا الوجه الأول(1) للمانعية وهو: أنّ لباس المصلي قُيِّدَ بأن لا يكون معروضاً لحكم الله بالنجاسة، يعني: قيد بعدم النجاسة، ففي مقابله أيضاً نتصوّر شرطية الطهارة بنحوٍ مُغاير لمانعية الطهارة، لا بدعوى أنّ الطهارة أمر وجودي، حتّى مع الاعتراف بكونها أمراً عرفياً، مع هذا نتصوّر شرطية الطهارة في مقابل مانعية النجاسة. 

إذ من الواضح أنّ الطهارة بناءً على أنّها أمر عدمي (عدم النجاسة) فليس 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

() قال السيّد الوجه الأوّل هو الصحيح، لكننا سوف لن ندخل في هذا البحث؛ لأنّه بحثٌ فقهي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هي عدم النجاسة بنحو الصرافة والبحتية؛ ذاك العدم المحمولي المحفوظ حتّى مع عدم الموضوع خارجاً، فإنّ عدم النجاسة معنى سلبي بحت يمكن انحفاظه، حتّى في فرض عدم وجود ذات الموضوع خارجاً، فإنّه عند عدم وجود الشيء يُقال: إنّ عدم نجاسته محقّق -من باب السالبة بانتفاء الموضوع- لكن لا يُقال: بأنّ طهارته متحقّقة؛ لأنّ الطهارة ليست مجرّد العدم المحمولي للنجاسة، بل أُخذ فيها جنبة الاتصاف والنعتية، فلو قيل بأنّها أمرٌ عدمي، فهي عبارة عن الاتّصاف بعدم النجاسة، وفرق بين عدم الاتّصاف بالنجاسة، والاتّصاف بعدم النجاسة.

فبناءً على هذا يختلف محتوى الجعل في الشرطية عنه في المانعية، فيكون محتوى الجعل على المانعية، هو أخذ عدم الاتّصاف بالنجاسة قيداً، ويكون محتواه على الشرطية أخذ الاتصاف بعدم النجاسة، وعدم النجاسة بما هو هو وصف ونعت في الواجب.

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 







 

في الثمرة الأصولية 

 

ويترتّب على هذا الثمرة التي تترتب في سائر الموارد المناظرة للمقام من حيث جريان استصحاب العدم الأزلي وعدم جريانه، فإنّه لو فرض أنّ ثوباً كان مشكوك النجاسة منذ وجِد، بأن كان يحتمل نجاسته الذاتية، فهنا إذا فرضنا أنّ المجعول هو المانعية والمأخوذ قيداً هو عدم اتصاف اللباس بالنجاسة، فهذا العدم يمكن استصحابه بنحو العدم الأزلي لذا كانت الشبهة موضوعية، وبه(1) يتنقّح إحراز هذا القيد العدمي؛ لأنّ القيد مأخوذ في الواجب، بناءً على المانعية، هو العدم المحمولي للنجاسة، وهذا يثبت بالاستصحاب. وأمّا بناءً على الشرطية، وأنّ القيد هو الاتصاف بعدم النجاسة، فهو ليس له حالة سابقة، إذ أنّ العدم المحمولي الثابت قبل وجود الموضوع، ليس مأخوذاً بنحو الوصفية؛ لأنّ وصفية العدم ونعتيته فرع وجود الموضوع، فلا يجري استصحاب العدم الأزلي للنجاسة؛ لأنّه لا يثبت الاتصاف بالعدم، والمفروض أنّ القيد المأخوذ في الواجب هو الاتصاف بالعدم لا عدم الاتصاف بالنجاسة.

وبهذا يظهر أنّه بناءً على هذا الوجه من المانعية يندفع كِلا الكلامين: 

الكلام الأول: وهو دعوى أنّه لا فرق ثبوتي بين الجعلين، فإنّ الفرق الثبوتي بينهما محفوظ. 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

() بناءً على ما هو التحقيق من جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

والكلام الثاني: وهو أنّه لا أثر عملي لهذه التفرقة أيضاً غير صحيح؛ وذلك لوجود الأثر العملي في مقام جريان الأصول.

وأمّا على الوجه الثاني للمانعية، وهو أن يكون لباس المصلّي قد أُخذَ مقيّداً بأن لا يكون هذا، ولا هذا من الأشياء المتنجسة، يعني أن لا يكون أحدها. هنا أيضاً، نتصوّر شرطية في مقابلها مختلفة عنها مضموناً، وهو أن يكون لباسك أحد تلك الأشياء الأخرى، فإنّ المولى صنّف الأشياء إلى متنجّسات وغير متنجّسات، فكما يمكن أن ينظر بإحدى عينيه إلى الأشياء المتنجّسة، ويُقيّد لباس المصلّي بأن لا يكون أحدها، كذلك يمكن أن ينظر بالعين الأخرى إلى باقي الأشياء الأخرى ويقول: لا بدَّ أن يكون لباس المصلّي أحد تلك الأشياء. 

وهذا غير ذاك مضموناً: 

فإنّ الأوّل مرجعه إلى: تقيد الواجب بأن لا يكون أحد تلك الأشياء.

 ومرجع الثاني: إلى تقيّده بأن يكون أحد هذه الأشياء، وهذا أمرٌ ثبوتي، وذاك أمرٌ عدمي، والثبوتي مقوّم للشرطية، والعدمي مقوّم للمانعية.

صحيح، أنّ الطهارة عبارة عن عدم النجاسة، ولكن المولى ينظر إلى الأشياء التي عُدمت فيها النجاسة، ويقول: بأنّ الواجب يشرط فيه أن يكون أحد هذه الأشياء، وهذا شيء غير مسألة أخذ عدم النجاسة بمجرّده قيداً في الواجب. إذن، فقد اختلفت الشرطية عن المانعية، بحسب عالم الجعل.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 

الثمرة الفقهية

 

وأمّا بحسب عالم الثمرة الفقهية، فتظهر الثمرة بينهما في جريان البراءة وعدمها؛ وذلك أنّنا إذا بنينا على المانعية على الوجه الثاني، فتكون المانعية انحلالية لا محالة، بانحلالية هذه الأشياء المتنجّسة، وتتكّثر بتكّثرها، وفي مثل ذلك إذا شككنا أنّ هذا الثوب هل هو من تلك الأشياء المتنجّسة، التي جُعلت مانعاً أو لا؟ فمعناه الشكّ في مانعية زائدة؛ لأنّ مرجع المانعية المجعولة على الوجه المذكور إلى مانعيّات متعدّدة: إلا أنّه يجب أن لا يكون لباس المصلّي هذا ولا هذا ولا هذا، إلى آخر المتنجّسات. فإذا شُكّ في شيء بنحو الشبهة البدوية أنّه متنجس أو لا، فهو شكّ في المانعية الزائدة. وحينئذٍ، فتجري البراءة عن المانعية.

عيناً، كما نقول في اللباس المشكوك في أنّه أُخِذَ ممّا لا يؤكل لحمه، بناءً على ما نستظهره من روايات المسألة، من أنّ القيد أُخذ بنحو المانعية، يعني مانعية ما لا يؤكل، لا شرطية ما يؤكل. 

بناءً عليه قلنا هناك: بأنّ المانعية تكون انحلالية بعدد ما لا يؤكل لحمه في الخارج، فإذا شُكّ في أنّ هذا ممّا لا يؤكل أو لا، يكون هذا شكّاً في مانعية زائدة، فتجري البراءة عن المانعية، ويجوز الصلاة في اللباس المشكوك.

وهذا بخلافه بناءً على الشرطية، وأنّ المولى قيّد الصلاة بأن تقع في أحد 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأشياء الطاهرة، فهنا عندنا أمرٌ ثبوتي وقع تحت الوجوب وهو إيقاع الصلاة في أحد هذه الأفراد. ومن المعلوم أنّ هذا لا بدَّ من إحرازه في مقام الامتثال؛ لأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

والشرطية ليست انحلالية كالمانعية، بحيث عندنا شرطيات متعددة بعدد هذه الأفراد، بل هي شرطية أن يكون لباس المصلي هو أحد هذه الأشياء وصرف الوجود لها، فيكون مجرى لقاعدة الاشتغال، ولا تجري البراءة عن الوجوب إذا شككنا أنّ هذا الثوب طاهرٌ أو لا، فإنّه ليس شكّاً في وجوب زائد، بل شكّ في أنّ الواجب الذي هو صرف الوجود، هل يصدق على هذا المصداق أو لا؟ فتجري أصالة الاشتغال.

من قبيل ما إذا قال: (أكرِم أحد العلماء)، وأنّا أشك في أنّ زيد عالم أو لا، هل يجوز لي أن أكتفي به في مقام الامتثال؟ لا؛ لأنّ الشغل اليقيني بوجوب إكرام صرف وجود العالم يستدعي تحصيل الجزم، بأنّي قد أكرمت ما هو مصداق للواجب.  هذه هي الثمرة.

إشكال وجوابه

هنا قد يُقال: أنّ هذه الثمرة ثمرةٌ فرضيّة وليست واقعية؛ لأنّه في واقع الحياة تجري أصالة الطهارة، فإذا شككنا في أنّ هذا الشيء نجسٌ أو لا، فسواء قلنا بالمانعية أو بالشرطية تجري أصالة الطهارة. 

نعم، لو قُطِع النظر عن أصالة الطهارة(1)، وانتهينا إلى الأصول العلمية 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

() التي هي كالأصل الموضوعي بالنسبة إلى أصالة البراءة عن المانعية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الحكمية على مستوى البراءة والاشتغال حينئذٍ، تظهر هذه الثمرة، ويُقال: أنّنا إذا شككنا بناءً على المانعية يكون شكاًّ في المانعية الزائدة، فتجري البراءة. 

وبناءً على الشرطية يكون شكّاً في مقام الامتثال، فتجري أصالة الاشتغال. فيكون ظهور الثمرة في المقام فرضياً لا فعلياً.

إلّا أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنّنا يمكن أن نفرض فعلية ظهور الثمرة فيما إذا سقطت أصالة الطهارة بالمعارضة في موارد العلم الإجمالي، وانتهينا إلى أصلٍ حكمي، فمثلاً: إذا علمنا إجمالاً بنجاسة ثوب أو شيء آخر ممّا لا يصلح أن يكون لباساً للمصلّي، فهنا يُقال: بأنّ أصالة الطهارة في الثوب معارضة لمثلها في الطرف الآخر، وبعد التساقط بقانون تنجيز العلم الإجمالي يرجع إلى الأصول الطولية الحكمية. حينئذٍ، إذا قلنا بمانعية النجاسة، وأنّ الشبهة البدوية للنجاسة مجرى للبراءة، فهنا نُجري في الثوب أصالة البراءة عن المانعية، ولا يُعارضها مثلها في الطرف الآخر؛ لأنّنا فرضنا أنّه ممّا لا يُتصوّر مانعيّته للصلاة، وأمّا إذا بنينا على شرطية الطهارة، فلا تجري هنا أصالة الطهارة عن المانعية.

نعم، هنا لا بدَّ أن نتصوّر – لأجل إبراز الثمرة إبرازاً فعلياً – أنّ الطرف الآخر ليس فيه أصل طولي أيضاً، ينتهي إليه بعد سقوط أصالة الطهارة، وإلا لوقعت المعارضة بين الأصلين الطوليين.

-مثلاً- لو علمنا إجمالاً بنجاسة ثوب أو ماء، فبناءً على مانعية النجاسة تجري أصالة الطهارة في الثوب، مع مثلها في الماء ويسقطان بالمعارضة، وبعد هذا تصل النوبة إلى أصالة البراءة عن المانعية في الثوب وفي مقابلها أصالة 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الإباحة في الماء – في مقابل حرمة الشرب – فإذا سقطت الأصول الموضوعية: يعني أصالة الطهارة النافية للمانعية هنا مع مثلها النافية لحرمة الشرب، ننتهي إلى الأصول الحكمية المؤمّنة، فأصالة البراءة عن المانعية تُعارض مع أصالة الإباحة عن الشرب، فلا تجري حينئذٍ الأصول.

فلا بدَّ وأن نفرض عدم وجود أصل طولي في الطرف الآخر.

وبتعبير آخر: أنّه حيث يوجد هناك أصل طولي في الطرف الآخر، كأصالة الإباحة في الماء، فالثمرة بين الشرطية والمانعية هي: أنّه بناءً على المانعية يوجد معارض مع ذلك الأصل الطولي، فتسقط أصالة الإباحة مع أصالة البراءة عن المانعية، وبعد هذا لا يجوز لنا أن نشرب هذا الماء، وبناءً على الشرطية لا يوجد معارض مع الأصل الطولي، وهو أصالة الإباحة في الماء؛ لأنّ أصالة البراءة لا تجري في هذا الطرف..

فالثمرة هنا تظهر في حفظ الأصل الطولي في الطرف الآخر وعدم حفظه، وفي حالة لا يوجد فيها أصل طولي في الطرف الآخر، تظهر الثمرة في أنّه يجري الأصل المؤمّن فعلاً بالنسبة إلى الثوب، بناءً على المانعية ولا يجري بناءً على الشرطية. 

وهذا له فروض كثيرة، منها: أن يُفرض أنّنا نعلم إجمالاً بنجاسة الثوب أو التراب، في مكلّف وظيفته التيمّم، فإنّ أصالة الطهارة في الثوب تعارض مثلها في التراب، وبعد هذا، بناءً على مانعية النجاسة في باب الصلاة، يرجع إلى أصالة البراءة عن مانعية الثوب، ولا يعارضه أصل طولي في التراب؛ لأنّ أصالة الحلّ 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لا معنى لها بالنسبة الى التراب؛ لعدم تعقّل شربه، وعدم جواز أكله. وأمّا أصالة البراءة عن مانعيته عن التيمم، فأيضاً لا تجري؛ لأنّ التيمم أُخِذَت الطهارة فيه شرطاً بلا إشكال، بمقتضى ظهور قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّبا(1)(2)

ففي المقام يُقال: بأنّ أصالة الطهارة هنا تكون معارضة مع مثلها هناك، وبعد البناء على أنّ التراب أُخذت طهارته شرطاً في آثاره الشرعية – كما هو المشهور – لا أنّه أُخذت نجاسته مانعاً، حينئذٍ، تجري أصالة البراءة عن المانعية في الثوب بلا معارض.

ومن المفروض: فيما إذا عَلِمَ إجمالاً بنجاسة الثوب(3) أو ماء كان قد توضأ به سابقاً، ولم يبقَ حتّى الآن حتّى يكون مجرى لأصالة الإباحة، ففي المقام: أصالة الطهارة في الثوب والماء تتعارضان؛ لأنّ جريانها في الماء الذي توضأ به ينتج تصحيح صلاته، وعدم وجوب إعادتها، وجريانها في هذا الثوب يُنتج جواز لبسه فعلاً، مع علمه الإجمالي أنّه إمّا صلاته مع هذا الثوب باطلة، أو صلاته بالوضوء السابق باطلة، فتتساقط أصالة الطهارة في الطرفين. 

هنا، لكيلا نحصّل أصلاً في الطرف الآخر، لا بدَّ وأن نفرض أنّ صلاته السابقة ووضوءه السابق ليس مجرى لقاعدة الفراغ، وإلاّ كانت هذه القاعدة 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

() المائدة: 6. 

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: بالنسبة إلى السجود أيضاً المشهور هو القول بشرطية الطهارة. (المقرّر).

(3) الذي يريد أن يصلي فيه أو الماء الذي قد صلّى فيه (منه)، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أصلاً جارياً، ومبتلى بالمعارض، فلا بدَّ وأن نفرض أنّه ليس مجرى لها: إمّا لإحراز الغفلة بناءً على ما هو الصحيح من أنّ قاعدة الفراغ يشترط احتمال التذكر، ومع إحراز الغفلة لا تجري. أو لاحتمال التعمّد بناءً على ما هو الصحيح من أنّها لا تجري مع احتمال التعمّد. وعلى أي حال لا بدَّ وأن نفرض أنّ أحد شروط قاعدة الفراغ قد اختلّ في المقام، ففي مثل هذا تجري أصالة البراءة عن المانعية بالنسبة إلى هذا الثوب، ولا يجري أصل مؤمّن بالنسبة إلى الوضوء بذلك الماء.

وعلى أي حال فالفكرة العامّة في الثمرة هي: أنّه بناءً على المانعية يكون الأصل الطولي، المنتهى إليه -بعد سقوط الأصول الموضوعية- مؤمّناً. وبناءً على الشرطية، يكون الأصل الطولي منجزّاً.

وبذلك، اتّضح أنّه بناءً على الوجه الثاني للمانعية، يكون الحال كالحال على الوجه الأوّل، يعني نتصوّر فرقاً بين مانعية النجاسة وشرطية الطهارة، ثبوتاً بحسب عالم الجعل، وأثراً بحسب الثمرة الفقهية. هذا هو الكلام في تصوير هذين الشقين.

بعد هذا نتكلّم: أنّه بناءً على مانعية النجاسة ما هو التضييق المتصوّر لدائرة المانعية، وبناءً على شرطية الطهارة ما هو التوسيع المتصوّر لدائرة الشرطية(1).

ــــــــــ[288]ــــــــــ

() قال أحد الإخوان: إنّ ما ذكرتموه من كون الثمرة صورية، جارٍ في التصوّر الأوّل للشرطية. 

فقال: تقصد ذلك باعتبار جريان أصالة الطهارة في موضوع استصحاب العدم الأزلي؟

 فقال: نعم. 

فأجاب: نعم، حينئذٍ هذا لا يتمّ إلّا بناءً على ما شككناه من عدم جريان أصالة الطهارة في الشكّ في النجاسة الذاتية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في تضييق دارة المانعية 

قلنا: إنّ الكلام يقع في أنّه: كيف نُضيّق دائرة المانعية، أو نوسّع دائرة الشرطية، بحيث نصل إلى أغراضنا المفروضة مصادرة، بعد الفراغ عن التمييز بين المانعية والشرطية مضموناً وأثراً.

الوجه الأوّل: للميرزا ومناقشته 

أمّا بناءً على المانعية، فقد ذكر المحقّق النائيني، أنّه يمكن أن يفرض تضييق دائرتها بأحد وجهين: 

إمّا بأن يؤخذ العلم بالنجاسة مانعاً، لا النجاسة بوجودها الواقعي المحفوظ، حتّى في موارد الجهل. لكن يؤخذ العلم بالنجاسة بما هو طريق، ومقصوده من ذلك يعني باعتبار جهة إحراز كاشفيّته، فيكون موضوع المانعية هو النجاسة الواصلة، أو وصول النجاسة، إمّا بمعنى أنّ تمام الموضوع للمانعية هو الوصول، سواءٌ كان مطابقاً للواقع أو لم يكن، ويلزمه: الالتزام ببطلان الصلاة، فيما إذا صلّى في ثوبٍ يعلم تعبّداً، أو وجداناً بنجاسته، وتأتّى منه قصد القربة، للغفلة عن مانعية النجاسة، وبعد هذا انكشفت طهارته(1)

ــــــــــ[289]ــــــــــ

() فإنّ بنينا على أنّ موضوع المانعية مركّب من النجاسة الواقعية مع العلم بها أو تنجزّها، فهذه الصلاة صحيحة، وإذا كان الموضوع هو صرف العلم أو المنجزيّة، فهذه الصلاة باطلة؛ لأنّ المانع موجود (من التكرار). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وإمّا أن يُفرَض أنّ موضوع المانعية مركّب من جزئين: أحدهما النجاسة والآخر الوصول، فحيث لا نجاسة لا مانعية، كما أنّه حيث لا وصول، لا مانعية، وإن كانت النجاسة ثابتة.

هذا أحد الوجهين اللذين تصورهما وبنى عليه صحّة التعليل. حيث إنّه بناءً على كون موضوع المانعية هو إحراز النجاسة -لا النجاسة بوجودها الواقعي مطلقاً- فصلاة هذا المؤمن صحيحة؛ لأنّه ولو فرض أنّ النجاسة كانت ثابتة في الواقع، لكنّها لم تقع مع إحراز النجاسة، فتكون الصلاة صحيحة(1)

هذا الوجه سواءٌ أُريد به أن يكون العلم بالنجاسة -بما هو كاشف- تمام الموضوع أو أن يكون جزءه والجزء الآخر هو النجاسة بوجودها الواقعي، على كِلا التقديرين، هذا الوجه لا يلائم مع جريان الاستصحاب؛ لأجل تصحيح الصلاة فيما إذا شكّ في النجاسة، فإنّ لازمه هو القطع الوجداني بعدم المانعية، وعدم بطلان الصلاة بمجرّد عدم إحراز النجاسة. 

أمّا بناءً على أنّ الإحراز هو تمام الموضوع فواضح، فإنّ تمام الموضوع منتفٍ، فتنتفي المانعية لا محالة، وكذلك بناءً على كونه جزء الموضوع، فإنّ انتفاء المانعية يكفي فيه انتفاء أحد الجزئين. ومعه لا معنى للتمسّك بالاستصحاب وإجراء استصحاب الطهارة أو عدم النجاسة لتصحيح الصلاة(2).

ــــــــــ[290]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات 2: 363-365.

(2) لأن المانع أُخذ في موضوعه العلم بالنجاسة وفرض القطع بعدم المانع، يغني لا محالة عن التصدّي لتصحيح الصلاة بإجراء استصحاب الطهارة، في حالة الشاكّ كما تصدى الإمام في صحيحة زرارة. (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أمّا لو فُرِض أنّ الموضوع كان هو ذات العلم والإحراز، وكانت النجاسة والطهارة في معزل بالمرّة. إذن، فهي ليست موضوعاً لحكمٍ شرعي أصلاً، حتّى نستصحب عدم النجاسة. 

وأمّا إذا كانت دخيلة في موضوع المانعية والجزء الآخر: الإحراز. فالنجاسة وإن كان لها دخلٌ ضمني في موضوع المانعية، ولكن لا معنى للتعبّد باستصحاب عدمها وتصحيح الصلاة به، فإنّ التعبّد بعدمها، إنّما هو لأجل دفع محذور المانعية، والمفروض أنّ هذا المحذور منتفٍ وجداناً؛ لأنّ الجزء الآخر للموضوع منتفٍ وجداناً، ولا معنى لتصحيح الصلاة بإجراء استصحاب ينفي أحد الجزئين تعبّداً مع إحراز انتفاء الجزء الآخر وجداناً.

فهذا الوجه لا يلائم مع إجراء الاستصحاب في النجاسة والطهارة لتصحيح الصلاة، لأنّ هذا الوجه يقتضي صحّتها واقعاً ووجداناً بمجرّد عدم إحراز النجاسة، ولا تصل النوبة إلى الاستصحاب، فهذا الوجه الأوّل لا يناسب مع الغرض المفروض، وهو: إجراء الاستصحاب بنحوٍ يصحّح الصلاة.

الوجه الثاني: ومناقشته 

الوجه الثاني، الذي ذكره: هو: أن يكون موضوع المانعية عبارة عن العلم بالنجاسة بما هو منجّز(1) أي تنجّز النجاسة أو النجاسة المنجّزة. وهنا أيضاً نحتمل سنخ الاحتمالين هناك، في أنّ تمام موضوع المانعية هل هو نفس التنجّز 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

() الجامع بين العلم الوجداني والتعبّدي، بناءً على مبانيه من أنّ الأمارات علوم اعتبارية (تكرار). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

-وأمّا ذات النجاسة المنجّزة، فخارج عن دائرة موضوع المانعية- أو أنّ موضوعها مركّب من جزئين: أحدهما: ذات النجاسة. والآخر: التنجّز.

ويترتّب عليهما ما ذكرناه سابقاً، من أنّه لو صلّى مع تنجّز النجاسة، وتأتي قصد القربة منه، ثُمَّ انكشف بعد ذلك، أنّ ثوبه كان طاهراً. فعلى الأوّل تكون صلاته قد وقعت مع المانع، فيحكم ببطلانها. وعلى الثاني(1)، يُحكم بصحّة صلاته(2).

هذا الوجه بظاهره(3) أسوأ من السابق، فإنّه يرد عليه:

[الإشكال الأول]

أولاً: أنّ هذه المنجزيّة المأخوذة في موضوع المانعية، إمّا أن يُفرض كونها تمام الموضوع، وإمّا أن يُفرض كونها جزء الموضوع. 

فإن كانت تمام الموضوع فنسأل: أنّ هذه المنجزيّة المفروضة في مرتبة سابقة على المانعية – لأنّها مأخوذة في موضوعها – هي منجزيّة للنجاسة بلحاظ ماذا؟

فإنّ النجاسة بما هي نجاسة، غير قابلة للتنجّز، لأنّ الذي يتنجّز هو الأحكام التكليفية التي تكون مناطاً لاستحقاق العقاب، والنجاسة بما هي 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

() يعني كون الموضوع مركّباً من التنجيز والمتنجّز، فالمتنجّز هنا غير موجود (منه). (المقرّر).

(2) انظر: أجود التقريرات، المصدر السابق.   

(3) بناءً على أخذ المنجزيّة على وجه الموضوعية في موضوع المانعية، فهذا يخلق محاذير في عالم الجعل وفي عالم التنجيز وفي عالم التعبّد. (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ليست كذلك(1).

حيث يُقال: بأنّ موضوع المانعية هو تنجّز النجاسة، فمعناه أنّنا فرضنا في المرتبة السابقة عن المانعية تنجّزاً للنجاسة، وهو لا بدَّ أن يكون بلحاظ حكمٍ تكليفي، فما هو هذا الحكم؟ 

إن كان هو نفس المانعية فهو خُلف؛ لأنّ المفروض أنّ المانعية ليست حكماً للنجاسة أصلاً(2)، وإن النجاسة غير دخيلة في موضوع المانعية، لا استقلالاً، ولا ضمناً. 

وإن كان بلحاظ حكم آخر غير المانعية من قبيل حرمة الشرب ونحوه، فهنا يُعقل أن يُقال: إذا تنجّزت نجاسة هذا من ناحية الحكم الفلاني، يترتّب على ذلك المانعية. لكن هذا لازمه: أن الشيء الذي لا يكون لنجاسته أثر آخر غير المانعية، لا يُتصوّر في حقّه المانعية؛ لأن مانعيّته فرع تنجّزه بلحاظ أثر آخر(3)، والمفروض أنّه ليس له أثر آخر، فلا يكون قابلاً للتنجّز في المرتبة السابقة 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

() فإنّ النجاسة بما هي حكم وضعي لا يُتصوّر لها التنجيز بمعنى استحقاق العقاب. وإنّما يتصوّر للأحكام التي لها امتثال وعصيان، والحكم الوضعي ليس له ذلك، (المقرِّر).

(2) حتى تتنجز النجاسة بلحاظ المانعية. (المقرّر).

(3) فالمانعية لا تثبت إلّا فيما إذا كان للنجاسة حكم آخر، حتّى يمكن أن تتنجّز بلحاظه مع أنّه كثيراً ما لا يكون لنجاسة الثوب حكم غير المانعية، حتّى يتنجّز بلحاظه (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

على المانعية، حتّى ترتّب المانعية عليه، فعلى كِلا التقديرين لا يكون هذا المدّعى معقولاً (1). هذا إذا ادّعي أنّ التنجيز هو تمام الموضوع.

وأما إذا ادّعي أنّ موضوع المانعية مركّب من جزئين: التنجيز، والنجاسة المنجزّة. فذات النجاسة الواقعية تكون جزءاً من موضوع المانعية(2) لا معزولة عنها بالمّرة، هنا أيضاً يأتي نفس الإشكال؛ وذلك أنّنا نسأل: أنّ تنجيز النجاسة قد فُرِض جزء موضوع المانعية فهو في الرتبة السابقة عنها، هو تنجيز للنجاسة بلحاظ ماذا؟ 

إن كان بلحاظ حكم آخر غير المانعية، فيلزم اختصاص المانعية بخصوص ما إذا تنجّز حكم آخر. 

وإن كان بلحاظ نفس المانعية، فيلزم من ذلك أخذ تنجّز الحكم في موضوع شخص ذلك الحكم. -لأنّه أُخذ في موضوع المانعية تنجّز النجاسة من ناحية المانعية- وهو على حدّ أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم.

كلّ ذلك محال كما بيّنا في محلّه(3). هذا حاصل إشكالنا الأوّل على هذا الوجه.

ــــــــــ[294]ــــــــــ

() مضافاً إلى أنّ شخصاً إذا لم يكن يعلم بحكم للنجاسة إلّا بالمانعية، فهل يحتمل فقيه أنّه لا مانعية بالنسبة إليه؛ لأنّ النجاسة لم تتنجّز عليه بلحاظ حكم آخر، طبعاً لا يحتمل عليه. (المقرّر).

(2) إذن، فالمانعية حكم للنجاسة ولو ضمناً فيُقال: إنّ النجاسة تتنجّز بلحاظ المانعية؛ باعتبار دخلها الضمني في موضوعها. (محاضرة غد). (المقرّر).

(3) وما ذكرناه هناك من وسائل التخلّص عن عدم المعقولية، لا تجري هنا كما يظهر بالتدبّر في تلك الوسائل. (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الإشكال الثاني(1)

أنّه لو كان موضوع المانعية هي النجاسة المنجّزة، بحيث تكون النجاسة جزء الموضوع والآخر المنجزيّة، فيلزم من ذلك عدم تنجيز العلم الإجمالي، وعدم مانعيّته عن جريان الأصول في الأطراف، فيما إذا تعلّق بالنجاسة، فيما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين؛ لأنّ منجزيّته(2) تكون دورية، بحيث إنّ منجزيّة العلم الإجمالي للنجاسة، ومانعية جريان الأصول في الأطراف، فرع أن يكون هذا العلم علماً إجمالياً بالتكليف الفعلي، على كلّ تقدير. فإنّ العلم الإجمالي بالنجاسة لا ينجز بما هو علم إجمالي بالنجاسة، فإنّها لا تقبل التنجز، وإنّما ينجز بما هو علم إجمالي بالتكليف المترتّب على النجاسة، كالمانعية ونحوها من التكاليف، التي لها امتثال وعصيان، فمنجزيّة العلم الإجمالي بالنجاسة فرع أن يكون علماً بالتكليف الفعلي، أي علماً بما هو تمام الموضوع(3) للتكليف الفعلي يعني: العلم بالنجاسة والمنجزيّة فكون العلم منجّزاً، فرع أن يكون علماً حتّى المنجزيّة…الخ، وكونه كذلك فرع المنجزيّة؛ لأنّ المفروض بأنّ التكليف الفعلي 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

() وهو الإشكال بحسب عالم التنجيز بالمنجّزات العقلية من قبيل العلم الإجمالي. (محاضرة غد). (المقرّر).

(2) يعني منجزيّة العلم الذاتية، لحرمة المخالفة القطعية للعلم التفصيلي، فضلاً عن الإجمالي. (المقرّر).

(3) ما لم يكن علماً بتمام الموضوع للمانعية يعني ما لم يكن علماً بالمنجزية، فتكون منجزيته فرع منجزيته مثلاً. فيكون غير معقول (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هنا منحصر بالمانعية، وموضوعها ليس هو ذات النجس، بل النجاسة المنجّزة.- فيلزم الدور -مثلاً-.

والأصح أن تقولوا هكذا: بأنّ منجزيّة العلم الإجمالي، فرع أن يكون في الرتبة السابقة على منجزيّته علماً إجمالياً بالتكليف الفعلي، بتمام الموضوع.

وهنا: ليس العلم الإجمالي بالنجاسة، في المرتبة السابقة على منجزيّته، ليس علماً بالتكليف الفعلي؛ لأنّه علم إجمالي بجزء الموضوع للمانعية لا بتمامه، والجزء الآخر هو المنجزيّة، فلكي يصير علماً بتمام الموضوع لا بدَّ من فرض منجزيّته في المرتبة السابقة، ولكي تُفرَض منجزيّته لا بدَّ أن نفرض كونه علماً بتمام الموضوع، وهذا معنى استحالة صيرورته منجّزاً(1).

الإشكال الثالث(2)

أنّه بناءً على هذا الوجه، يتعذّر إجراء استصحاب النجاسة في مقام تنجيزها من ناحية المانعية، أو استصحاب عدمها في مقام التعذير عنها بلحاظ المانعية أيضاً. 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

() فلا يكون مانعاً عن جريان الأصول في الأطراف ولا يلزم من جريانها المخالفة القطعية للمانعية، بل يلزم من جريانها في الأطراف رفع موضوع المانعية برفع جزئه حقيقة. (المقرّر).

(2) وهو لزوم المحذور بحسب عالم التعبّد الشرعي في مقام جريان الاستصحاب المنجز للنجاسة أو المعذر للطهارة، بناءً على مبنى لا نبحث عن صحته وبطلانه الآن (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وذلك: بناءً على أنّ استصحاب النجاسة والطهارة، من قبيل الاستصحاب الموضوعي، الذي يؤمن أو ينجز بلحاظ اشتماله على التعبّد بالحكم المماثل لموضوعه، فمثلاً: حينما نجري استصحاب (علم زيد) نقول: بأنّه ينجز وجوب الإكرام؛ لأنّ مرجعه إلى الحكم على زيد بما يماثل حكم العالم الواقعي وهو وجوب الإكرام، فاستصحاب علم زيد يتضمن جعل أثر العلم وحكمه بلسانٍ من الألسنة، ويكون الحكم المماثل مجعولاً بنحوٍ يكون منجزاً ومعذراً عن الواقع(1).

بناءً على هذا نقول: إنّ استصحاب النجاسة يكون منجزاً بلحاظ اشتماله على جعل حكم مماثل لحكم النجاسة الواقعية، وهذا الحكم المماثل يكون هو المنجّز، وحكم النجاسة الواقعية ما هو؟ هل هو المانعية الفعلية المطلقة. لا. لأنّ المفروض أنّ النجاسة بوجودها الواقعي ليست تمام الموضوع للمانعية، ليكون المانعية المطلقة هي حكم النجاسة، ليتكفل استصحاب النجاسة جعل المانعية المطلقة، بل النجاسة هي جزء الموضوع، فحكمها هو عبارة عن المانعية على تقدير وجود الجزء الآخر، وهو المنجزية هذا هو حكم النجاسة. فلو فرض أنّ استصحاب النجاسة، يتكفّل جعل حكم مماثل لحكمها الواقعي، وبه ينجز، فمعنها أنّه يتكفل جعل حكم بالمانعية معلّقاً على منجزيّة النجاسة(2). ومثل هذه 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

() وأيضاً فإنّ إجراء الاستصحاب في جزء الموضوع يعني: أنّ الحكم المماثل هو الحكم التعليقي يعني ثبوت حكم هذا الجزء لو كان الجزء الآخر موجوداً. (المقرّر).

(2) فيكون المجعول في الاستصحاب في مقام التنجيز هو مانعية النجاسة على تقدير تنجز النجاسة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المانعية يستحيل منجزيّتها؛ لأنّها مجعولة بنحوٍ معلّق على منجزية النجاسة. والمفروض منجزية النجاسة في الرتبة السابقة عليها، فيكون هذا الاستصحاب غير صالح لتنجيز المانعية. 

فيكون(1) المجعول في الاستصحاب أيضاً هو المانعية على تقدير المنجزية، فيستحيل أن يكون منجزاً؛ لأنّه أنيط بالتنجّز فيستحيل أن يكون هو المنشأ في تنجّز النجاسة.

وكذلك، استصحاب الطهارة، عدم النجاسة، الذي هو استصحاب مؤمّن، بناءً على مؤمنيّته أيضاً بلحاظ جعل الحكم المماثل، أو نفيه للحكم المماثل بالنسبة إلى النجاسة، فهذا الاستصحاب يؤمّن من ناحية(2) الحكم المماثل للنجاسة، والحكم المماثل للنجاسة الواقعية هو المانعية على تقدير وجود الجزء الآخر وهو المنجزيّة، فلا بدَّ أن يؤمّن عن المانعية وينفيها، على تقدير المنجزيّة للنجاسة(3).

وهذا مستحيل: أن يجعل المولى عدم المانعية على تقدير المنجزيّة في مقام التأمين، كما يستحيل أن يجعل المانعية على تقدير المنجزيّة في مقام تنجيزها.

ــــــــــ[298]ــــــــــ

() وهنا قال بعد تكرار الوجه: فيكون… (المقرّر).

(2) يعني يقول: إنّه على تقدير وجود الجزء الآخر، فأنت مؤمّن من هذا الجزء. لا تهتم به. (المقرّر).

(3) وهذا غير معقول؛ لأنّ المفروض في موضوع هذا النفي، تنجز النجاسة، فكيف يُعقل نفي المانعية والتعذير عنها في طول تنجز النجاسة؟ (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وبذلك كان محلّ الكلام يختلف عن سائر موارد الموضوعات المركّبة، كما لو كان موضوع مركّب من جزئين: نجاسة الثوب، ونزول المطر. فإنّه هناك يمكن أن يُفرض أنّ استصحاب النجاسة يكون منجّزاً لحكم النجاسة المعلّق على نزول المطر، واستصحاب عدمها مؤمّن من ناحية حكم النجاسة المعلّق على نزول المطر. ولكن هذا في خصوص المقام غير معقول؛ لأنّ الجزء الآخر في الموضوع هو نفس منجزيّة النجاسة، ولا يمكن إناطة حكم ظاهري تنجيزي أو تعذيري بالتنجز في المرتبة السابقة.

هذا هو الإشكال الثالث في المقام.

مناقشة الإشكالات الثلاثة

إلا أنّ هذه الإشكالات الثلاثة كلّها إنّما ترد، لو بنينا على المنجزيّة المأخوذة في موضوع المانعية، على وجه الموضوعية، يعني بما هي منجزيّة(1). وأمّا إذا قلنا إنّ المنجزيّة مأخوذة على وجه المعرفية، يعني(2) مأخوذة بما هي مشيرة إلى ذوات الأشياء المنجّزة كالعلم التفصيلي، واحتمال الانطباق في المعلوم بالإجمال، واليقين السابق، والشك اللاحق وخبر الثقة ونحوها. 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() يعني أن تؤخذ المنجزيّة بوجودها الفعلي الحقيقي، في موضوع المانعيّة. (المقرّر).

(2) يعني أُخذ في موضوع النجاسة، أن يكون هناك نحو كاشف عنها، بحيث يكون هذا الكاشف منجّزاً لو كانت النجاسة حكماً تكليفياً قابلاً لأن تتنجّز، وهذا الكاشف لا قصور في حدّ ذاته؛ لأن يكون منجّزاً، وهو هذا المعنى هو الذي نسميه بصلاحية المنجزيّة. بناءً على هذا التفسير نتفادى كلّ أو جلّ المحاذير السابقة، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بناءً على هذا لا تأتي تمام هذه الإشكالات الثلاثة:

لا الإشكال الأوّل وهو: لزوم أخذ تنجيز الحكم في موضوع شخص ذلك الحكم؛ وذلك(1): لأنّنا نقول: إنّ المأخوذ في موضوع المانعية ليس هو التنجيز بعنوانه، بل أدوات التنجز يعني: كونه معلوماً، أو متيقّناً سابقاً أو مؤدى خبر الثقة، ومعروضيته لأحد هذه الأدوات، لا يتوقّف على ملاحظة الحكم بالمانعية في المرتبة السابقة(2)، فإنّ النجاسة بما هي نجاسة قابلة لأنّ تكون معلومة تفصيلاً تارةً وإجمالاً أخرى، ويخبر بها الثقة وهكذا، فأخذ أداة من أدوات التنجّز لا يلزم منه المحذور، وإنّما يلزم بناءً على أخذ التنجّز بعنوانه في موضوع المانعية(3).

ــــــــــ[300]ــــــــــ

() لأنّنا نلتزم بأنّ المانعية مترتّبة على النجاسة المقرونة بأحد أدوات التنجيز، ولا يلزم من ذلك أخذ تنجز الشيء في موضوع ذلك الشيء (محاضرة غد). (المقرّر).

(2) كنّا نقول في الإشكال بحسب عالم الجعل، بأنّ المنجزيّة المأخوذة في موضوع المانعية أهي منجزيّة النجاسة بما هي أو منجزية أحكامها؟ 

نختار هنا الأوّل بمعنى: أنّ موضوع المانعية عبارة عن النجاسة، وأن يكون هناك كاشف منجّز للنجاسة بما هي نجاسة، لكن لا بالفعل، بل على تقدير أن تكون النجاسة بما هي نجاسة صالحة لأن تتنجّز. وحينئذٍ، لا يرد هذا الإشكال؛ لأنّ المنجزيّة الفعلية وإن كانت غير معقولة للنجاسة، لكن المنجزيّة في المقام لا نأخذها بمعنى المنجزيّة الفعلية، بل بمعنى قابلية الكاشف عن أن يكون منجّزاً لو كانت النجاسة قابلة لأن تتنجّز، وهو لا يلزم منه محذور. (المقرّر).

(3) وهنا قال أحد الإخوان: بعد إرجاع المنجزية إلى أدواتها، ألا يرجع إلى الوجه الأوّل وهو العلم؟ 

فقال: عند المرزا لا يرجع لأنه يقول: إننا إذا أخذنا العلم بما هو كاشف فلا يقوم مقامه الاحتمال في أطراف العلم الإجمالي، لأنه ليس له كاشفية، وإنما يقوم مقامه فقط الأمارات المجعول فيها الطريقية. 

فقال الأخ السائل: يعني يصير أعم من الوجه الأوّل. 

فقال: نعم. 

فقال الأخ: فيرد عليه الإشكال الذي أوردتموه على الوجه الأوّل. 

فقال: لا يرد ونتكلم فيه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ولا يرد الإشكال الثاني: وهو لزوم عدم منجزية العلم الإجمالي، فإنّ(1) منجزية العلم الإجمالي فرع كونه علماً بتمام الموضوع للتكليف، والعلم الإجمالي في المقام علم بتمام الموضوع للتكليف وهو المانعية، لأني أعلم بنجاسة منضمة  إلى إحدى أدوات التنجيز التي منها العلم الإجمالي نفسه، لأن الطرفية للعلم الإجمالي هو أحد أدوات التنجيز، فأنا أعلم بتمام الموضوع للتكليف الشرعي في المرتبة السابقة على فعلية التنجيز، لأن تمام الموضوع هو نجاسة مقرونة مع أداة من أدوات  التنجيز وهذه كذلك(2)، وإلا ولولا ذلك لأشكل الأمر في العلم التفصيلي أيضاً، فضلاً عن الإجمالي(3)، فكما في العلم التفصيلي يُقال: بأنّ هذا 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

() بيان لعدم الورود توضيح. (المقرّر).

(2) وهنا قد علمنا بنجاسة مقرونة بهذا العلم الإجمالي، فتترتّب عليه المنجزيّة بلا إشكال. (المنقرّر).

(3) فإذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد ثوبين، فنحن عالمون بِكلا جزئي المانعية، أمّا الجزء الأوّل وهو النجاسة فواضح. وأمّا الجزء الثاني فأيضاً معلوم، لأنّه عبارة عن أن يتعلّق بالنجاسة كاشف صالح لتنجيزها، لو كانت حكماً تكليفياً، وهذا موجود في المقام؛ لأنّه تعلّق بها علم إجمالي وهو صالح لتنجيزها لو كانت ممّا يتنجّز، وإذا حصل كِلا الجزئين تترتّب على ذلك المنجزيّة، وقد تمّ بذلك موضوع المانعية واقعاً فلو أردنا أن نجري الأصول في أطراف العلم الإجمالي، يلزم الترخيص في المخالفة القطعية لا محالة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المكلّف يعلم بنجاسة توأم مع أداة من أدوات التنجيز، كذلك في العلم الإجمالي، فلا يلزم من ذلك توقّف المنجزيّة على نفسها.

وكذلك لا يرد الإشكال الثالث: لو فُرِض تماميّة مبناه، وهو: أنّ الاستصحاب في أمثال المقام إنّما يكون مؤمّناً ومنجّزاً، بلحاظ تكفلّه لجعل الحكم المماثل على موضوعه(1).

والمانعية(2) المجعولة على تقدير المنجزيّة، يستحيل أن تكون منجّزة. هذا لا يأتي في المقام؛ لأنَّ المفروض أنّ الجزء الآخر ليس هو المنجزيّة، بل هو ذوات أدوات التنجيز، فحين نريد(3) أن نستصحب النجاسة نقول: بأنّ المجعول في 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

() وهنا لخّص تقريب الإشكال، وقال فيما قال: (المقرِّر).

(2) فإنّه بناءً على هذا المسلك، يُجعل في الاستصحاب: المانعيّة على تقدير المنجزيّة، ومن المعلوم أنّه لا يُعقل التنجيز بجعل المانعيّة على تقدير المنجزيّة؛ لأنّ هذه المانعية في طول المنجزيّة، فكيف يتنجّز الحكم بالمانعية بها؟ (المقرّر).

(3) فالمانعية لا تكون مشروطة بوجود المنجّز بالفعل، بل بوجود ما يصلح للتنجيز، وهو موجود في المقام؛ لأنّ المفروض أنّ أركان الاستصحاب تامّة في النجاسة، وتماميّة أركانه بالنسبة إلى شيء صالح لتنجيزه لو كان حكماً تكليفياً، فيكون هذا الاستصحاب منجّزاً بلا محذور، فإنّه لم يؤخذ في موضوعه التنجيز الفعلي، حتّى يستحيل تنجيزه في طول التنجيز الفعلي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المقام هو عبارة عن المانعية في حالة وجود أداة من أدوات التنجيز، التي منها اليقين بالحدوث واحتمال البقاء، فإنّه من أدواته. إذن فتكون المانعية مجعولة على النجاسة المستصحبة بقيد أن يتم أداة من أدوات التنجيز، وأداة التنجيز في المقام تامة، ولو بلحاظ اليقين بالحدوث والشك في البقاء. فلا يكون قد أُخذ في موضوع المانعية تنجزها. 

وعليه، فالمنجزيّة المأخوذة في موضوع المانعية، أنّ حملناها على الموضوعية، فتأتي الإشكالات الثلاثة السابقة. وأمّا بناءً على أخذها معرفة إلى ذوات أدوات التنجيز فلا يأتي شيء منها.

ويُقال حينئذٍ: إنّ موضوع المانعية ليست هي النجاسة على الإطلاق، بل هي النجاسة التوأم مع أداة من أدوات التنجيز.

قلنا: إنّ الكلام تارةً يقع بناءً على المانعية، وأخرى بناءً على الشرطية: 

أمّا بناءً على المانعية، فلا يمكن إبقاء المانعية على إطلاقها، وإن كان هذا هو مقتضى الأدلّة الأولية، فإنّ مقتضاها هو كون النجاسة بوجودها الواقعي مطلقاً مانعة، ولكن لا بدَّ من إيجاد تضييق في دائرة هذه المانعية، حتّى يلائم مع تصحيح الصلاة في مورد صحيحة زرارة. إذ لو كانت الصلاة بوجودها الواقعي المطلق مانعة، لكانت الصلاة في الصحيحة -بناءً على تفسير المشهور حيث قالوا: بأنّ النجاسة المنكشفة بعد الصلاة معلومة السبق- باطلة. وكذلك لا يناسب مع حكم الشارع في جملة من الروايات بصحّة الصلاة في النجاسة المجهولة. 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فلا بدَّ بناءً على المانعية، من تضييق دائرتها، ومن هنا، تارةً يضيق موضوع المانعية، بأن يُقال: إنّ موضوعها هو النجاسة بوجودها العملي، إمّا بأن يكون العلم بالنجاسة تمام الموضوع أو جزءه(1)، أو يفرض تضييق دائرة موضوع المانعية، بأنّ يؤخذ مع النجاسة المنجزيّة، ويُقال: إنّ موضوع المانعية هو النجاسة بوجودها المنجّز لا بوجودها الواقعي، أو لا بوجودها العلمي الواصل، كما هو الحال في الوجه السابق. إمّا أن يكون بمعنى أنّ المنجزيّة هي تمام الموضوع، أو بمعنى أنّ الموضوع مركّب من المنجزيّة والنجاسة(2)

وتوهّم، أنّ الحكم الآخر هو جواز الدخول في الصلاة، فإنّه هذا الجواز، حكم من أحكام عدم نجاسة الثوب، فإنّ الثوب النجس لا يجوز الدخول معه بالصلاة. فأُخِذَ في موضوع المانعية تنجّز النجاسة، بلحاظ حرمة الدخول في الصلاة، الذي هو حكمٌ آخر. 

مدفوع: بأنّه لا افتراض حكم من الأحكام اسمه حرمة الدخول في الصلاة مع النجس؛ لأنّه إن أُريد بهذه الحرمة، الحرمة التكليفية، فمن الواضح أنّه يعني الدخول في الصلاة مع النجس ليس من المحرمات إلا بلحاظ التشريع. وإن أُريد بها الحرمة الوضعية، وعدم جواز الدخول وضعاً، فهذا عبارة أخرى عن المانعية للنجاسة، فقد رجعنا مرةً أخرى إلى المانعية.

ــــــــــ[304]ــــــــــ

() وهنا ناقشه كما سبق. (المقرّر).

() وهنا بدأ بالإشكال الأوّل، وذكر على تقدير أن يكون النجاسة منجّزة بلحاظ حكم آخر غير المانعية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا تمام الكلام في الإشكال الأوّل(1).

نعم، يبقى الإشكال من ناحية مؤمّنية استصحاب الطهارة، يعني: استصحاب عدم النجاسة؛ لأنّ هذا الاستصحاب يؤمّن عن ماذا؟ هل يؤمّن عن المانعية في حال وجود الجزء الآخر، أو في حالة عدمه؟ 

إن قلتم: إنّه يؤمّن عن المانعية في حالة عدم وجود الجزء الآخر، ففي هذه الحالة لا يحتمل المانعية؛ لأنّ موضوع المانعية مركّب من جزئين، ففي حالة عدم الجزء الآخر – الذي هو أحد أدوات التنجيز- لا يحتمل المانعية.

وإن قلتم: إنّه يؤمّن عن المانعية في حال وجود الجزء الآخر – الذي هو أحد أدوات التنجيز – ففرض وجود هذا الجزء الآخر، هو فرض أنّه لا يجري استصحاب عدم النجاسة؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع هذا الاستصحاب مع أحد أدوات التنجيز. وحينئذٍ، لا يُعقل أن يكون الاستصحاب مؤمّناً؛ لأنّه لا يُعقل لكلّ استصحاب أن يكون مؤمّناً إلاّ بلحاظ ظرف جريانه، لا بلحاظ ظرف عدم جريانه. فيبقى الإشكال في مؤمّنية استصحاب الطهارة.

ولكن الصحيح بالنسبة إلى دفع الإشكال الثالث، هو: عدم قبول هذا 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

() ثُمَّ شرح الإشكال الثاني، والثالث على تقدير أن يكون المأخوذ في موضوع المانعية هو المنجزيّة بعنوانها كما سبق، ثُمَّ ذكر إنّه لا يرد على تقدير أن يراد بالمنجزيّة الإشارة إلى ذات أدوات التنجيز، وشرح كما سبق أن أي واحد من الإشكالات الثلاثة غير وارد، وبعد أن انتهى من تقرير أنّ الإشكال الثالث غير وارد، ولكنّه ذكر أنّ هذا من ناحية استصحاب النجاسة. ثمَّ قال: (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المبنى الذي تحفّظنا في مقام إبداء الرأي فيه، فإنّه في نفسه غير صحيح على ما يأتي في بعض تحقيقات الاستصحاب المقبلة.

فبهذا يتّضح أنّه إذا أُخذت المنجزيّة على وجه الموضوعية، والفعلية فهذا غير معقول، للإشكالات الثلاثة، وعلى الأقل الإشكالين الأولين، لو لم نقبل المبنى في الثالث، وأمّا لو أُخذت المنجزيّة بنحو الطريقية والمعرفية، إلى أدوات التنجيز فهذا معقول، ويندفع الإشكالين الأولين، بل الثالث لو لم نقبل مبناه أيضاً، وهو كلامٌ معلّق. 

نعم، هذا الوجه الثاني، لا يرد عليه ما أوردنا على الوجه الأوّل، يعني لو قطعنا النظر عن هذه الإشكالات الثلاثة ولم يرد شيء منها، لا يرد حينئذٍ، ما أوردناه على الوجه الأوّل للميرزا، وهو أخذ العلم بالنجاسة في موضوع المانعية، إذ قلنا هناك: إنّه لو كان العلم بالنجاسة مأخوذاً في موضوع المانعية، يلزم أنّه مجرّد الشكّ بالنجاسة يقطع بعدم المانعية، فلا مجال لإجراء الاستصحاب.

مثل هذا الكلام لا يجري بناءً على هذا الوجه، إذ بناءً عليه، بمجرّد الشكّ في عدم المانعية لا يقطع بعدمها؛ لأنّ موضوعها مركّب من النجاسة ومن المنجزيّة، ويحتمل وجود النجاسة؛ لأنّها مشكوكة بالفعل، ويحتمل وجود المنجزيّة، فإنّ منجزيّة الاحتمال في المقام محتملة، لاحتمال أنّ المولى جعل وجوب الاحتياط(1)، فكِلا جزئي المانعية محتمل، وليس مجرّد الشكّ في النجاسة يوجب 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

() لأنّنا حتّى الآن بَعدُ لم نفحص في الأدلة، لنرى أنّ المولى جعل الاستصحاب أو البراءة أو الطهارة أو أي شيء آخر (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

القطع بعدم المانعية. وحينئذٍ، فيمكن للمولى في مثل هذه الحالة أن يُجري في حقّنا الاستصحاب، أو يقوم الاستصحاب(1) حينئذٍ بوظيفتين: ينفي أحد جزئي الموضوع تعبداً وينفي الآخر وجداناً؛ لأنّه ينفي النجاسة المشكوكة تعبّداً، وهو أحد جزئي موضوع المانعية، وينفي المنجزيّة واحتمال جعل المولى لوجوب الاحتياط وجداناً؛ لأنّ الاستصحاب عبارة أخرى عن عدم وجوب الاحتياط. 

ولا يُقال: إنّه مع نفي أحد الجزئين وجداناً لا مجال لنفي الآخر تعبّداً؛ لأنّ المفروض أنّ نفي أحد الجزئين وجداناً في طول نفي الآخر تعبّداً، وقد كان إيصاله بإيصال نفي الآخر تعبّداً؛ لأنّه مستقلّ عنه. إذن، فالحاجة إلى الاستصحاب واضحة. 

هذا هو حال تحقيق الوجهين اللذين ذكرهما الميرزا للمانعية.

ثمرة للمسألة ذُكرت في تقريري المحقق النائيني

بعد هذا يحسن أن نتعرّض لثمرة تعرّض لها الميرزا، ذُكرت في التقريرين، وقد بُيّنت هذه الثمرة في تقريرات (الفوائد) بتقريب وبُيّنت في (أجود التقريرات) بتقريبٍ آخر معاكس معه تقريباً. 

ونحن نذكر الثمرة بِكلتا صيغتيها مع بيان الحال فيها (2)(3).

ــــــــــ[307]ــــــــــ

() استصحاب عدم النجاسة. (المقرّر).

(2) وهنا ذكر الثمرة بلفظ الفوائد، ولكنه كررها في محاضرة غد فننقلها منها، مع مطابقتها على ما قاله على هذه المحاضرة إن شاء الله تعالى. (المقرّر).  

(3) قال أحد الإخوان: وأمّا الحقّ فما بينتموه، هل هو الوجه الثاني بعد دفع إشكالاته، أو هو وجهٌ ثالث؟ 

فقال: نعم، نتكلّم.

 أقول: ولم يتكلّم فيه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بعد هذا تعرّضنا لثمرة ذكرها في فوائد الأصول لهذين الوجهين: وهما: ما إذا أخذت النجاسة مانعاً بما هي معلومة، أو بما هي منجّزة. فقال: إنّه إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد ثوبين وصلّى في كلٍّ منهما صلاة، صلى في الأوّل صلاة الظهر وفي الثاني المغرب، ثُمَّ بعد هذا انكشف نجاسة الثوبين معاً. 

فهنا، لو بُنيّ على أن المانعية ثابتة للنجاسة المنجّزة بما هي منجزة، فهنا يُقال: ببطلان كِلتا الصلاتين؛ لأنّ المانع موجود في كلّ منهما؛ لأنّ النجاسة المنجّزة موجودة فيهما، حيث إنّ العلم الإجمالي نجّز(1) أحكام النجاسة في الثوبين معاً فتبطلان، وأمّا إذا قيل أنّ موضوع المانعية هو النجاسة المعلومة، فمن الواضح أنّه لا يمكن الالتزام ببطلان كِلتا الصلاتين؛ إذ لا يوجد عندنا نجاستان معلومتان بالضرورة(2)، وإنّما يلتزم بإبطال إحداهما فقط؛ لأنّ المانع هو النجاسة المعلومة، والعلم لا يوجد بأزيد من واحد. 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

() لأنّ كِلا الثوبين نجس بحسب الفرض، وهو منجز بالعلم الإجمالي؛ لأّنه ينجّز جميع أطرافه. (المقرّر).

(2) إذا كان المانع هو النجاسة المعلومة فهنا يقع إشكال؛ وذلك لأنّ كلاً من النجاستين لو التفتنا إليها ليست معلومة فإنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع، ولا يتعلّق بالفرد، فكِلا الصلاتين لم تقع في نجاسة معلومة، فهل نحكم ببطلان أحدهما تعييناً أو تخييراً… إلخ (محاضرة أمس). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نعم، يقع الإشكال حينئذٍ، في أنّ الواحدة التي تبطل أيهما؟ هذا تعييناً أو تلك تعييناً، أو التخيير. هنا، يتخيّر ولا يُعيّن أحد الوجهين.

هذه هي الثمرة بالنحو الذي صاغها في الفوائد(1).

وأمّا في أجود التقريرات فقد تعرّض للفرع، لا بعنوان كونه ثمرة، بل بعنوان كونه فرعاً مستقلاً(2). فقال: إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين فصلّى فيهما صلاتين، ثُمَّ انكشف بعد الصلاتين أنّ كِلا الثوبين نجسين، فهل يحكم ببطلان كلتا الصلاتين، أو ببطلان إحداهما فقط؟ ولم يُفرِّق هنا، بأن تكون النجاسة مانعة بما هي منجّزة، أو بما هي معلومة، فإنّه – على أي حال – المتنجّز أو المعلوم نجاسة واحدة بالعلم، فإنّ العلم الإجمالي كما لا يكشف إلا نجاسةً واحدةً، كذلك لا ينجّز إلا نجاسةٍ واحدةٍ، وتنجُّز الأطراف إنمّا هو من باب تساقط الأصول، وإلاّ ما هو التنجّز بالعلم والمنكشف به نجاسة واحدة(3)

وحينئذٍ فيُقال: هناك شيء واحد منكشف ومتنجز بالعلم، وهو نجاسة أحد الثوبين بنحو صرف الوجود، وهذا الجامع حيث إنّه مأخوذ بنحو صرف 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

() انظر: فوائد الأصول 4: 354-355. 

(2) وأفتى بفتوى واحدة على كِلا الوجهين ولم يفرِّق بينهما. (المقرّر).

(3) وأمّا إذا قلنا بأنّ موضوع المانعية هو النجاسة المنجّزة، فأيضاً كذلك؛ لأنّ التنجيز تابع لمقدار العلن، ولا يتنجّز بالعلم أكثر ممّا هو المعلوم، وحيث إنّ المعلوم واحد، فالمتنجّز بالعلم أيضاً واحد، فعلى كِلا التقديرين لا يكون المانع إلاّ واحد. فتصحّ إحدى الصلاتين، وتبطل الأخرى. والصلاة الأولى هي التي تبطل وقال في مقام تقريب ذلك…الخ. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الوجود، ولا يقبل الانطباق عليهما في عرض واحد، فلا محالة ينطبق على الوجود الأوّل منهما، كما هو الحال في شأن صرف الوجود دائماً، فينطبق هذا العنوان على الوجود الأوّل من الصلاتين، فيُحكم ببطلانها؛ لانطباق صرف الوجود المنجّز بالعلم الإجمالي عليها، ومعنى هذا أنّه يحكم ببطلان الصلاة الأولى فقط، ولا يحكم ببطلان الصلاة الثانية(1).

 من قبيل باب الأمر المتعلّق بصرف الوجود فينطبق على الوجود الأوّل، ولا يُقال: بأنّ نسبة صرف الوجود إلى الوجود الأوّل والثاني على حدٍ واحد. وكلٌ من هذين الكلامين يحتاج إلى تمحيص وتحقيق:

مناقشة أجود التقريرات 

أمّا هذا الكلام الثاني، الذي يدّعى فيه أنّ المتنجّز والمنكشف بالعلم الإجمالي نجاسة واحدة متعلّقة بالجامع المأخوذ بنحو صرف الوجود، فهذا صحيح بناءً على ما قلناه من أنّ العلم الإجمالي بالجامع ولا يتعلّق بالواقع، إلاّ أنّ ما ذكره من التفريع عليه، من أنّه على ذلك ينطبق صرف الوجود على الوجود الأوّل، مثل هذا الكلام غريب في المقام! 

وذلك لأنّه إن أراد انطباق صرف الوجود على الوجود الأوّل، انطباقه بحدّه الصرفي الذي به يكون معلوماً ومنكشفاً ومنجزاً، فهذا غير معقول، لا في المقام، ولا في غير المقام، حتّى في موارد تعلّق الأمر بصرف الوجود؛ فإنّه إذا 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

() هذا خلاصة ما ذكره في التقريرات (المقرّر). انظر: أجود التقريرات 2: 367-368.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وجب صرف وجود الصلاة، لا يُعقل أن يُقال: بأنّ صرف الوجود الطبيعي ينطبق على الصلاة الأولى بحدّه، يعني بما هو محدود بذلك الحدّ، الذي صار معروضاً للوجوب.

هنا أيضاً، لا يصحّ أن يُقال: بأنّ صرف الوجود بما هو محدود بذلك الحدّ الذي به صار معروضاً للعلم والتنجّز، يكون منطبقاً على هذا الوجود الخارجي؛ لأنّ صرف الوجود الذي يكون معروضاً للوجوب أو للعلم هو صرف الوجود المحدود بحدّ بشرط لا من حيث التعيّنات، يعني صرف الوجود الواقف عند حد الجامع غير الساري إلى الحدود الشخصية، ومن الواضح أنّ صرف الوجود المحدود بهذا الحد لا يعقل أن يكون منطبقاً بحده على الوجود(1) الأوّل. 

لا يُعقل أن ينطبق الجامع بحدّه الجامعي على الوجود الأوّل لا في باب العلم، ولا باب الأوامر؛ لأنّ معناه أن يصبح الوجود لأوّل هو الجامع، وهذا خُلف كونه وجوداً أوّل.

ولهذا نقول: في باب الواجبات، بأنّ الوجود الأوّل ليس واجباً، بل هو مصداق لذات الواجب، ومعنى ذلك: أنّ صرف الوجود بحدّه، الذي صار معروضاً للوجوب وهو حدّ بشرط لا، يستحيل أن ينطبق على الوجود الأوّل، وإنّما الذي ينطبق عليه ذات صرف الوجود المحدود، لا صرف الوجود المحدود بحدّه الصرفي.

ــــــــــ[311]ــــــــــ

() على الوجود الخارجي (منه). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وإن أراد انطباق صرف الوجود على الفرد الخارجي، لا بحدّه، بل ذات المحدود. فهذا الانطباق لا معنى له، إلا كون هذا الوجود الأوّل مصداقاً له وفرداً من أفراده، وليس معنى هذا الانطباق سريان العلم والتنجّز من صرف الوجود إلى الفرد الأوّل؛ لأنَّ سريانه إليه، فرع أن يسري بحدّه إلى الوجود الأوّل، وأمّا إذا لم ينطبق صرف الوجود بحدّه على الوجود الأوّل، فالعلم والتنجّز الواقف على حد صرف الوجود لا يسري إلى الوجود الأوّل، بل يقف على صرف الوجود. فغاية ما يقتضيه كون الوجود الأوّل مصداق لصرف الوجود، وهذا بنفسه موجود بالنسبة إلى الوجود الثاني، فإنّه أيضاً مصداق لصرف الوجود كالوجود الأوّل. 

وكما أنّ عنوان الجامع ينتزع من الأوّل -إمّا ذاتياً وإمّا عرضياً- كذلك يتنزع من الثاني، فلا معنى لأن يُقال: أنّه ينطبق على الأوّل فهو دون الثاني.

وأمّا ما نقوله في باب الواجبات، من أنّه إذا تعلّق الوجوب بصرف الوجود فهذا ينطبق على الوجود الأوّل، هذا معناه هناك، مربوط بلحاظ المحمول وهو الوجوب، يعني هناك خصوصية في الوجوب تقتضي هذا المطلب، لا في صرافة وجود الجامع. حيث إنّ الوجوب المتعلّق بصرف الوجود، ناشئ من ملاك واحد لا محالة، ويقدر كلّ فرد على استيفائه. والمفروض أنّ الوجود الأوّل فقد وجِد وقد استوفى هذا الملاك، فلا محالة يسقط الوجوب المتعلّق بصرف الوجود، فلا يبقى بعد هذا مقتضي لبقاء الوجوب، لكي يطبق على الوجوب الثاني. فهذا هو معنى ما نقوله: من أنّ الواجب انطبق 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

على الوجود الأوّل ولا ينطبق على الثاني(1).

ومثل هذا الكلام يُقال في المقام، فإنّ صرف الوجود ليس معروضاً لبعثٍ ناشئ من مصلحة، حتّى يُقال أنّها استوفيت: وإنّما صرف الوجود هنا معروض للعلم والانكشاف(2)، وهو نسبته إلى كِلا المصداقين على حدٍّ واحد لا محالة. 

هذا مضافاً إلى عدة خدشات أخرى جانبية(3)، إلا أنّ النقطة الأساسية هي هذه، فتصوّر أنّ الوجود الأوّل يكون هو مصداق النجاسة المعلومة، فيختص بالبطلان ليس له أي وجه فنّي.

مناقشة الفوائد 

أمّا في فوائد الأصول فلم يدّعِ أنّ البطلان يختصّ بخصوص الفرد الأوّل، بل قال: إنّ المانعية إذا كانت متعلّقة للنجاسة بما هي منجّزة(4)، فكِلتا النجاستين منجّزة بالعلم الإجمالي، فيُحكم ببطلان كلتا الصلاتين، وإذا كانت المانعية 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

() فمعنى انطباق صرف الوجود على الوجود الأوّل ليس هو أنّ الطبيعة بما هو هو بقطع النظر عن محمولها -وهو الأمر- تكون أولى بالوجود الأوّل، دون الثاني. (المقرّر).

(2) والعلم محمول ليس ذو ملاك استيفائي كالأمر حتّى يستوفي بالوجود الأوّل. إذن، فلا معنى لفرض الانطباق على صرف الوجود في المقام. (المقررّ).

(3) قد بيّن السيد اعتراضاً ثانياً على أجود التقريرات بعد التعطيل الصيفي فراجعه، في المحاضرة المؤرخة الأربعاء 17/6/1388. (المقرّر). [ص356 من هذا الكتاب].

(4) وكأنّ المكلّف قد علم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين، وصلّى بهما صلاتين ثُمَّ تبيّن نجاسة الثوبين معاً. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

للنجاسة بما هي معلومة، فلا علم بأكثر من نجاسة واحدة، فيُحكم بصحة إحدى الصلاتين وبطلان الأخرى على إشكال تعيين الصحيحة من الفاسدة(1). نحن نتكلّم على كِلا الشقين: 

الشق الأوّل: هو أن تكون المانعية متعلّقة بالنجاسة بما هي منجّزة، فيُحكم ببطلان كِلتا الصلاتين. 

وقد اعترض على ذلك السيد الأستاذ(2)؛ وذلك: 

بتقريب: أنّ العلم الإجمالي، وإن كان لا ينجّز ولا يكشف، إلا عن نجاسة واحدة(3)، والأصول في الأطراف بعناوينها التفصيلية، وإن كانت متعارضة؛ لأنّ جريان الأصل في كِلا الطرفين يؤدّي إلى المخالفة القطعية، وجريان أحدهما بالخصوص دون الآخر ترجيحٌ بلا مرجّح، فيتساقط الأصلان. 

هذا صحيح. ولكن يمكننا إجراء الأصل المؤمّن في المقام، بلحاظ عنوان إجمالي(4)، هو عنوان: غير معلوم بالإجمال، ومثل هذا الأصل غير مُبتلٍ بالمعارض؛ لأنّنا لا نشخص في الخارج مورده، لا نجري أصالة الطهارة عن 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

() انظر: فوائد الأصول 4: 354- 355.   

(2) أنّه حتّى بناءً على أنّه أُخذ في موضوع المانعية النجاسة المنجّزة فإنّه لا يوجد عندنا أكثر من مانع واحد ونجاسة منجّزة واحدة. (المقرّر).

(3) فإنّ العلم الإجمالي لا يستوجب إلّا تنجيزاً واحد للجامع، ولا يستوجب تنجيز الأطراف بما هي أطراف. (المقرّر).

(4) فنجري الأصل المؤمّن في عنوان الثاني على إجماله ونقول: الأصل إنّه لا يوجد عندنا أكثر من نجس واحد في البين، فالأصل طهارة الآخر بعنوانه الإجمالي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا ليُقال أجروه هناك، فإذا أجريناه في هذا العنوان الإجمالي، نكون قد أمَّنَّا من قبل النجاسة الثانية، بعنوان كونها ثانية، لا بعنوان كونها هناك أو هنا.

فبناءً على ذلك يُحكم بصحّة إحدى الصلاتين، حتّى بناءً على أنّ المانعية منصبّة على النجاسة بما هي منجّزة؛ لأنّه لم يتنجّز بالعلم الإجمالي إلا نجاسة واحدة، فقد اشترك الوجه الأوّل مع الثاني في النتيجة(1).

وتحقيق الكلام في ذلك: أنّ الكلام تارةً يقع ما قبل الانكشاف، -انكشاف النجاستين- وأخرى يقع بلحاظ ما بعد الانكشاف. 

يعني تارةً نتكلّم عن المؤمّن الظاهري، من دون أن نفرض أنّه على خلاف الواقع. 

وأخرى نتكلّم بعد أن فرضنا أنّ الواقع هو نجاسة كِلا الأمرين، حتّى نعرف أنّ الصلاة هل وقعت صحيحة أو لا؟  

في المؤمّن قبل انكشاف النجاسة 

أمّا الجهة الأوّلى: وهي الكلام عن المؤمّن قبل انكشاف نجاسة كِلا الثوبين، نعلم بنجاسة أحدهما، ولم ينكشف نجاسة كليهما. فهل هناك مؤمّن من ناحية النجاسة الثانية أو لا؟

الفروض في المقام ثلاثة: 

الفرض الأوّل: أن يُفرَض أنّ النجاسة الثانية محتملة للعلم بالإجمال، فهو يعلم بإحدى النجاستين ويحتمل الثانية. 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 27.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وأخرى يُفرَض أنّه لا يحتمل نجاسة ثانية، بل كان يقطع بطهارة الأخرى على وجه الإجمال.

ثُمَّ الفرض الأوّل تارةً يُفرَض أنّ النجاسة المعلومة بالإجمال نحو من التعيّن والميّز في الواقع، وأخرى يُفرَض أنّها ليس لها تعيّن في الواقع، فإنّه تارةً يعلم بنجاسة بوليّة ويحتمل نجاسة دميّة في الآخر، وأخرى لا يكون لها تعيّن فهذه فروض ثلاثة: 

الفرض الأوّل: أنّه يعلم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين ويحتمل نجاسة كليهما ولا يكون للمعلوم بالإجمال أي نحو من التعيّن في الواقع، ففي مثل ذلك: لا إشكال ولا ريب في أنّ المعلوم بالإجمال هو أحدهما المردّد، يعني: لا بعينه، الذي يكون نسبته إلى كِلا الفردين على حدٍّ واحد. 

حينئذٍ، هذا الشخص إذا أراد أن يؤمّن نفسه من ناحية النجاسة الثانية المحتملة. إن بنينا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يعني التأمين العقلي، كما يبني على ذلك الأعلام عموماً، فهنا يجري قاعدة قبح العقاب…في النجاسة الثانية بعنوانها، ويتحصّل من ذلك: أنّ عندنا في المقام نجاستين: إحداهما منجّزة بقاعدة تنجيز العلم الإجمالي، والأخرى مؤمَّن عنها بقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّه لا بيان على أكثر من نجاسة واحدة. 

وهنا، وإن كانت النجاسة المؤمّنة مع النجاسة المنجزة، لا تعيّن لأحدهما في مقابل الأخرى، فإنّ النجاسة المنجّزة هي إحدى هاتين النجاستين الموجودتين في هذين الثوبين، والنجاسة المؤمّنة هي الأخرى، ولا تعيّن لا لمعلوم بالإجمال، 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ولا للمؤمّن عنه، فيما إذا كان كِلا الثوبين نجساً كما هو المفروض؛ وذلك لأنّ العلم الإجمالي نسبته إلى كِلا الطرفين على حدٍّ واحد، فهو ينجّز جامعاً مبهماً غير قابل للاختصاص بأحد الفردين دون الآخر، وقاعدة قبح العقاب.. تجري بعنوان غير معلوم بالإجمال، والمفروض أنّ المعلوم بالإجمال غير متعيّن، فغير المتعيّن أيضاً غير متعيّن. 

ولكن لا بأس بذلك، أن ينصبّ التنجيز والتأمين العقليين(1) على العناوين الإجمالية غير المتعيّنة؛ لأنّ التنجيز والتأمين من شؤون الوصول للأحكام، لا من شؤون الأحكام بوجوداتها الواقعية(2)، وحينئذٍ، لا بأس بأن يُفرَض أنّ هذا المقدار من الوصول منجّز؛ لأنّه وصول(3) قطعي وذاك المقدار من الوصول غير 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

() الثابت بقانون العلم الإجمالي وقاعدة قبح العقاب. (المقرّر).

(2) حتّى يُقال: أي حكم نجزّناه وأي حكم عذرناه عنه (منه). (المقرّر).

(3) بل مناط التنجيز والتعذير الأحكام بوجوداتها الواصلة أي الوجودات الانكشافية للأحكام، وهذه الوجودات متعيّنة في حدود عالم الانكشاف وعالم النفس، فهذا الوجود الانكشافي حيث إنّه تامّ الانكشافية يكون منجّزاً عقلاً، وهذا حيث إنّه ناقص الانكشافية يكون مؤمّناً عنه عقلاً. إذن، فموضوع المنجزيّة والمعذريّة متعيّن لا أنّه لا متعيّن؛ لأنّ موضوعه هو الوجودات الظنيّة والشكّية والعلمية، لا وضع النجاسة بوجودها الخارجي، فلا يلزم الالتزام بعرض قائم بموضوع مردّد، الذي هو أمرٌ مستحيل، وإنّما التنجيز والتعذير مصبّهما الوجودات الانكشافية. وحينئذٍ، نستطيع أن نميّز ونقول: إنّ المنجزيّة انصبّت على الواصل بالعلم الإجمالي، والمعذريّة انصبّت على الوجود الشكّي، فنلتزم بأنّ المنجّز بالعلم الإجمالي نجاسة واحدة، والثانية مؤمّن عنها. فبمقتضى حكم العقل يقبح من المولى أن يعاقبنا بعقابين: عقاب على أنّه صلّى العصر مع النجس، وعقاب على أنّه صلّى المغرب مع النجس؛ لأنّ أحد هذين العقابين يكون بلا بيان. (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

منجز لأنه وصول احتمالي، ومعنى كون هذا منجز يعني منشأ للعقاب ومعنى كونه غير منجز يعني ليس منشأ للعقاب، إذن فلا بأس بالجمع بين القاعدتين مع عدم تعين مصب كل منهما في الواقع.

أما لو أنكرنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، كما هو الصحيح. وحينئذٍ فلا يبقى عندنا من المؤمّنات إلا المؤمّنات الشرعية المولوية، كالبراءة والطهارة والحل ونحوها، بناءً عليه لا بد أن نرجع إلى هذه المؤمّنات لكي نتمسك بها للتأمين من ناحية الفرد الثاني، لكن هنا نحتاج أن نعيّن الفرد الثاني، وليس كما هو الحال في قاعدة قبح العقاب بلا بيان. 

وذلك: لأن التأمين يتمثل في حكم شرعي بعنوان الترخيص أو الطهارة أو نحوها، ولا معنى لأن يكون الترخيص في عنوان إجمالي يستحيل انطباقه على الخارج، وكذلك الحكم بالطهارة ونحوها، فهذه الأحكام الشرعية المؤمّنة لا بد أن تكون منصبّة على الخارج، فلا بدَّ أن يُفرّض لها مصبّ متعيّن في الخارج، وإلا فإنّها يستحيل جعلها كأحكام، ولو فُرِض أنّ موضوعها كان لا متعيّناً فمثل هذا الأصل لا يُعقل جعله؛ لأنّ اللامتعيّن لا وجود له في الخارج، وكلّ حكم شرعي يحتاج إلى موضوع موجود في الخارج لا محالة. 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في مصبّ أصالة الطهارة أو الحل 

ومن هنا، يقع الإشكال في المقام، من حيث إنّنا كيف نحصّل مصبّاً تعيينياً لإجراء أصالة الإباحة أو الطهارة، وما يُتصوّر كونه مصبّاً لأصالة الطهارة في المقام وجوه ثلاثة: 

الوجه الأوّل: هو ما يتراءى من العبارة التي نقلناها من السيّد الأستاذ، وهو أنّ نُجري أصالة الطهارة في عنوان غير الثوب المعلوم أجمالاً نجاسته، ولكن حيث إنّ الثوب المعلوم إجمالاً نجاسته ليس متعيّناً، في فرض تعدّد النجاسة. إذن، فالثوب الآخر، غير متعيّن(1)، لا تعيّن لهما حتّى في علم جبرئيل، ولا في الواقع أصلاً، والحكم بطهارة الثوب الذي لا تعيّن له في الواقع لغوٌ صِرف؛ لأنّه يستحيل أن ينطبق على أي متعيّن بحسب الخارج؛ لأنّ تطبيقه على أي فرد مساوق مع تطبيق المعلوم بالإجمال على الفرد الآخر، وهو ترجيح بلا مرجّح، إذن، فجعل الطهارة بهذا النحو غير ممكن(2).

الوجه الثاني: أن يُقال: بأنّنا نُجري أصالة الطهارة في كلٍّ من الطرفين بعنوانه التفصيلي، لكنّها طهارة حيثية جهتية، لا طهارة مطلقة، نقول: الأصل أنّ هذا طاهر يعني ليس بنجس من غير ناحية النجاسة المعلومة بالإجمال.

توضيح ذلك: أنّ كلّ طرف لاحظناه بعنوانه التفصيلي ففيه احتمالان للنجاسة: 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

() لأنّ غير غير المتعيّن غير متعيّن لا محالة. (المقرّر).

(2) انظر: دراسات في علم الأصول، المصدر السابق. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أحدهما: احتمال أنّ النجاسة المعلومة بالإجمال موجودة فيه. 

الآخر: أنّ فيه نجاسة ثانية، وحينئذٍ(1)، فنحن نؤمّن من ناحية الاحتمال الثاني في كلٍّ منهما، فيكون المصبّ هنا تعيينياً؛ لأنّ مصبّ التأمين هو هذا الطرف بعنوانه التفصيلي والآخر بعنوانه التفصيلي، ولكنّه تأمين حيثي لأنّه تأمين من ناحية الاحتمال الثاني دون الأوّل.

ولكن هذا يرد عليه نفس النكتة التي أوردناها على الوجه السابق؛ لأنّه صحيح أنّه يوجد في كِلا الطرفين احتمال النجاسة المعلومة، واحتمال النجاسة الأخرى، ولكن ما هو المائز للنجاسة المعلومة عن الأخرى، حتّى يؤمّن من ناحية أحدهما دون الآخر، يعني لا ميّز للمحتمل الإجمالي عن المحتمل البدوي حتّى نؤمّن بلحاظ أحدهما دون الآخر، لو صحّ هذا التأمين الحيثيتي الجهتي.

التقريب الثالث(2): وهو أحسن هذه التقريبات: هو أن يُقال: إنّنا نجري أصالة الطهارة في هذا الفرد بعنوانه التفصيلي وفي الآخر كذلك(3)، لكن هذا الأصل وهذا التأمين مقيّد في كلّ منهما، فالتقييد هنا، نأخذه في نفس جريان الأصل في الحيثية المؤمَّن منها، كما كان الحال في الوجه الثاني، نقول: إنّ كان هذا نجساً فذاك لا أدري أنّه نجس أو لا، فأُجري عنه أصالة الطهارة، فجريان أصالة الطهارة في كلّ منهما مشروط بنجاسة ذاك، فينتج أصلين للطهارة 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

() والاحتمال الأوّل لا أستطيع أن أؤمّن عنه؛ لتعارض الأصول. (المقرّر).

(2) الوجه الثالث.

(3) ونريد أن نثبت طهارته بالفعل، ولا تحصّص من حيث النفي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مصبّهما تعييني، غاية الأمر جريان كلّ من الأصلين مشروط بنجاسة الآخر؛ لأنّ إجراءه فيهما بنحو مطلق يوجب التعارض، لكن نرفع اليد عن إطلاق الأصل في كلّ منهما بمقدار يرتفع به محذور الترخيص في المخالفة القطعية، فيقيّد جريان الأصل في كلّ منهما بأن يكون الآخر نجساً. 

ولا يُقال: فليقيّد بعكس ذلك: بأن يكون الآخر طاهراً؛ لأنّ هذا معلوم النجاسة في فرض طهارة الآخر، ولا يمكن أن يُقال بأنّنا نجري أصالة الطهارة فيه في ظرف طهارة الآخر. وإنّما يُحتمل طهارته في ظرف نجاسة الآخر. وهذا أمرٌ معقول، وليس في مركز الأصل ولا مصبّه ولا موضوعه، أي إبهام أو تردّد. 

والمكلّف -وهو بعد لم ينكشف لديه نجاسة كِلا الثوبين- يقول: عندي طهارتان مشروطتان، وأنّا أعلم إجمالاً بتحقّق شرط إحدى الطهارتين؛ لأنّي أعلم إجمالاً – على أقل تقدير – أنّ أحدهما نجس. إذن، فشرط إحدى الطهارتين متحقّق على أي حال، ولعلّ شرط كلتا الطهارتين متحقّق، ولكن حيث إنّ الطهارتين لا يحرز تحقّق شرطهما معاً، فلا يكونان معاً واصلتين إلى المكلّف، ليلزم من ذلك محذور الترخيص في المخالفة القطعية، ومعنى هذا 

أنّه يعلم إجمالاً أنّ إحدى الصلاتين وقعت مع طهارة شرعية ظاهرية.

في الواقع، أنّ هذا المؤمن، كان كِلا ثوبيه نجس واقعاً، وكِلاهما طاهر ظاهراً؛ لأنّ كلتا الطهارتين الظاهرتين شرطهما متحقّق، فهنا يُقال: بأنّ إحدى النجاستين الواقعيتين منجّزة بالعلم الإجمالي، ولهذا توجّب البطلان بمقدارها، وإحدى الطهارتين الظاهريتين مؤمّن عنها بالعلم الإجمالي؛ لأنّ الطهارة المؤمّنة 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بوجودها الواقعي لا تمنع عن تنجيز العلم الإجمالي، وإنّما تمنع بوجودها الواصل، والمفروض أنّ الوصول صار بالعلم الإجمالي، بعنوان إحداهما من دون تعيين، فكما أنّ العلم الإجمالي بطهارة أحدهما نسبته إلى كِلتا النجاستين الواقعيتين على حدٍّ واحد، كذلك العلم الإجمالي بطهارة أحدهما ظاهراً، نسبته إلى كِلتا الطهارتين الظاهريتين على حدٍّ واحد، فلا معيّن لمصبّ التنجيز عن مصبّ التعذير.

لكن هذا لا بأس به، لما قلناه فيما سبق من أنّنا لا نحتاج إلى أن يكون مصبّ التنجيز العقلي والتأمين العقلي متعيّناً، بل يكون مصبّ الحكم الشرعي متعيّناً، وهذا متعيّن في المقام؛ لأنّنا أجرينا أصالة الطهارة في كلٍّ منهما بعنوانه التفصيلي، فمصبّ الحكم الشرعي الظاهري متعيّن وإن كان مصبّ التأمين العقلي، كمصب التنجيز العقلي غير متعيّن.

هذا الوجه الثالث – وإن كان أوجه من الوجهين السابقين وهو معقول ثبوتاً – ولكنه غير صحيح(1). وتفصيل الكلام في عدم صحّته سبق في بحث التعارض بين الأصول في أطراف العلم الإجمالي، يعني أنّ هذا التصوير يندفع به المحذور الثبوتي لجريان الأصول. لكن عندنا محذور إثباتي في جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، وليس عندنا محذور ثبوتي لجريانها حتّى في تمام الأطراف، وإنّما المحذور إثباتي. 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

() غير صحيح إثباتاً لإشكالٍ أوردناه على هذا النحو من التخيير في إجراء الأصول، في بحث جريان الأصول. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وهذا المحذور الذي حقّقناه هناك، لا يندفع بمثل هذين الأصلين، وهذا النحو من التقييد ينفع في دفع المحذور الثبوتي المنظور للآغايون -وهو لزوم الترخيص في المخالفة القطعية- دون المحذور الإثباتي، وتوضيح ذلك في محلّه. 

وعليه، فالوجوه الثلاثة كلّها باطلة.

وعليه فلا يمكن أن نحصّل في المقام مؤمّناً شرعيّاً من الزائد عن المعلوم بالإجمال في المقام. وعليه فلا يمكن إجراء الأصل الشرعي من ناحية الوجود الثاني بعنوانه الإجمالي فينجّز كِلا الوجودين. وحينئذٍ، فتكون عندنا نجاستان منجّزتان.

نعم، يمكن أن يُقال: بالفهم العرفي وتنقيح المناط، لو فُرِض أنّ العرف في المقام يقول: بأنّ مرَّ التطبيق الصناعي لدليل الأصل يقتضي تعجيز الفقيه عن تطبيق أدلّة الأصول في المقام، لكن حيث إنّ المركوز في نظر العرف: أنّه لا فرق بين هذه النجاسة الثانية، وبين أي نجاسة أخرى مشكوكة بدواً، غاية الأمر أنّه وقع الإنسان في حيص من ناحية ضيقٍ في مقام التطبيق؛ ولهذا يستكشف
-مثلاً- ترخيصاً تخييرياً من قبل الشارع، بلحاظ ارتكاز عدم الفرق بين هذا المورد وسائر الموارد(1)

ــــــــــ[323]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: عن معنى الترخيص التخييري؟

 فقال: يعني بهذا النحو الذي قلناه الآن، وهو إجراء كِلا الأصلين بنحوٍ مشروط، هذا خلاف دليل الأصل، ولكن إذا فُرِض أنّنا قطعنا بسريان المناط إليه، فيُلتزم به من باب القطع بعدم الفرق بين مورد تعيّن المعلوم بالإجمال ومورد عدم تعيّنه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ولو تمّت هذه الدعوى، حينئذٍ، يناسب مقامنا على: الفرض الثاني، وهو ما إذا كان للمعلوم بالإجمال تعيّن ويحتمل الإنسان نجاسة الثاني، فإنّه هنا لا إشكال في إجراء الأصول المؤمّنة بالنسبة إلى غير المعلوم بالإجمال، ولا يقع إشكال؛ لأن عنوان غير المعلوم بالإجمال له تعين في المقام.

الفرض الثالث: أن يكون العالم بنجاسة أحدهما عالماً أيضاً إجمالاً بطهارة الآخر(1). هنا لا بأس بأن يصلّي فيهما معاً معتمّداً على مؤمّنيته على العلم الإجمالي بطهارة أحدهما. ولا يُقال: بأنّ هذا الفرض كالفرض الأوّل، من أنّ مورد العلم بالطهارة مع مورد العلم بالنجاسة غير متعيّن، مع فرض كونهما معاً نجسان، فلو سُئِل جبرئيل أنّ أيّهما مورداً لعلمه بالنجاسة، وأيّهما كان مورداً لعلمه الإجمالي بالطهارة، يقول لا أعلم. فلا تعيّن لأحدهما في مقابل الآخر. فإنّه يُقال: إنّنا قلنا بأنّ التنجيز والتعذير الفعلي لا يحتاج إلى معيّن، وإنّما الذي يحتاج إلى معيّن هو الحكم الشرعي. 

مضافاً إلى أنّ العلم بالإجمال، الذي يُعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما وطهارة الآخر، المفروض عنده أنّه ليس كِلاهما نجساً، وأنّ ما هو النجس معزول عمّا هو الطاهر بحسب الخارج، وعليه فلا إشكال في الصورتين الأخيرتين في إمكان التعويل على هذه المؤمّنية في تصحيح إحدى الصلاتين، تصحيحاً قبل انكشاف كِلتا النجاستين. هذا كله تحقيق المطلب بلحاظ ما قبل الانكشاف.

ــــــــــ[324]ــــــــــ

() يعني يعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما لا بعينه، ويعلم إجمالاً بطهارة الآخر لا بعينه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في الحكم الواقعي بعد الانكشاف

وأما(1) بلحاظ الحكم الواقعي بعد الانكشاف، فإن بُنيَ على عدم جريان الأصل المؤمّن عن النجاسة الثانية، فلا إشكال في بطلان كِلتا الصلاتين؛ لأن كِلتا النجاستين تكون منجّزة باعتبار عدم جريان الأصل المؤمّن عنها، فيتحقّق بذلك مصداقان لموضوع دليل المانعية، وهما النجاستان المفروض عدم جريان الأصل المؤمّن عن كلّ منهما، فيحكم ببطلان كِلتا الصلاتين.

وأمّا إذا فُرِض جريان الأصل المؤمّن عن النجاسة الثانية بعنوانها الإجمالي، يعني: عن غير المعلوم بالإجمال، فهل يُقال في المقام: بأنّ الصحّة الواقعية ثابتة لأحد هاتين الصلاتين، بدعوى: أنّ الصلاة الآنية وإن وقعت مع النجاسة أيضاً، ولكنّها نجاسة مؤمّن عنها؛ لأنّنا استفدنا من الأدلّة أنّ المانع ليس هو النجاسة بوجودها الواقعي، بل هو النجاسة بوجودها المنجّز غير المؤمّن عنه، والنجاسة الثانية مؤمّن عنها، فلا تكون مانعة واقعاً، فتكون الصلاة الأخرى صحيحة. 

هذا الكلام فيه إشكال والظاهر عدم صحّته؛ وذلك أنّنا إذا لاحظنا أدلّة مانعية النجاسة، فمقتضى أولياتها، هو الحكم بمانعية النجاسة بوجودها الواقعي سواءٌ كانت منجّزة أم لم تكن. 

غاية الأمر، أنّه في موارد النجاسة المشكوكة بالشكّ البدوي المتعارف، ويكون مصبّها مورداً متعيّناً، في مثل ذلك حيث وردت روايات خاصّة، دلّت 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة، وتلخيص بعض ما سبق: وأما… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

على أنّ من صلّى في ثوبٍ نجس جهلاً بالنجاسة، وانكشف بعد ذلك أنّ الثوب كان نجساً، لا يجب عليه الإعادة. من هنا، استفدنا أنّ النجاسة بوجودها الواقعي ليست مانعاً مطلقاً، لكن يجب أن نرفع اليد عن مانعية الوجود الواقعي للنجاسة، بمقدار مورد هذه الروايات ودلالتها.

 وهي قد وردت في نجاسة واقعية متعلّقة بمورد يكون بعنوانه التفصيلي مجرى للأصل المؤمّن الجاري في الشبهة البدوية، بحيث يكون مقتضى الوظيفة الظاهرية الفعلية للمكلّف هو جواز الإقدام والاقتحام. في هذا المورد جاءت الروايات بأنّه لو أقدم بمقتضى الترخيص الظاهري، ثُمَّ انكشفت النجاسة الواقعية يُحكم بصحّة صلاته، فيرفع اليد عن مانعية النجاسة بوجودها الواقعي بمقدار ما إذا كان موردها بعنوانه التفصيلي مورداً للأصل المؤمّن. 

وأما مثل(1) هذه النجاسة، التي هي محلّ الكلام في المقام، التي يكون موردها بعنوانه التفصيلي منجّزاً، ولو بقانون العلم الإجمالي، ولا يجري فيه الأصل. بمعنى، أنّه لا يجوز فعلاً الاقتحام في هذا الطرف بحكم منجزيّة العلم الإجمالي، مثل هذه النجاسة، لم يثبت بدليل ثانوي أنّها ليست مانعة بوجودها 

ــــــــــ[326]ــــــــــ

() وأمّا التأمين في غير موارد الشبهات البدوية كالتأمين، الذي تصوّرناه عن الوجه الثاني على إجماله، فهو سواءٌ كان عقلياً أو شرعياً لا يؤثّر في تحديد الوظيفة الفعلية للمكلّف، وغير داخل في المنصوص عليه من الروايات ونحتمل الفرق بينه وبين ذاك التأمين، ومعه لا يمكن التعدّي من مورد الروايات إلى مثل هذا التأمين، فموارد هذا التأمين تبقى تحت إطلاق دليل المانعية، ولا يكون هذا التأمين مانعاً عن فعلية المانعية للنجاسة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الواقعي، ومقتضى الأدلّة الأولية مانعيّتها بوجودها الواقعي. وحينئذٍ، نعمل بمقتضى هذه الأدلّة ونقول: إنّه في مثل المقام تكون النجاسة الثانية مانعة، وإن لم تكن منجزة، وكانت منفية بالأصل، لكن حيث إنّ موردها سنخ موردٍ يكون في نفسه مجرى لأصالة الاشتغال، ولو بلحاظ الطرفية للعلم الإجمالي، فهذا المورد لا يُعلم أنّ المولى رفع اليد عن مانعية النجاسة بوجودها الواقعي، ففي مثل ذلك لا يلتزم بمانعية كِلتا النجاستين بوجودها الواقعي، وبذلك يحكم ببطلان كِلتا الصلاتين.

هذا كلّه، بناءً على أنّ النجاسة مأخوذة مانعة بوجودها المنجّز.

وأما إذا قيل بأنّ موضوع المانعية، هو النجاسة بوجودها المعلوم، أي تفيد المانعية بفرض العلم، فحينئذٍ إمّا أن نقول بلحاظ الحكم الواقعي، بأنّ إناطة المانعية بالعلم إنّما هو في مقابل الشكّ البدوي المتعارف أيضاً، لا في مقابل مثل هذا الشك البدوي، الذي يكون مورده طرفاً لعلم إجمالي منجّز، كما قلنا بالنسبة إلى المبنى الأوّل. يعني: إن أعملنا تلك النكتة الإثباتية، بلحاظ المبنى الأوّل، أعملناها هنا أيضاً. فحينئذٍ، يُحكم بلحاظ الحكم الواقعي ببطلان كِلتا الصلاتين؛ لأنّ النجاسة بوجودها الذي أُخذ موضوعاً للمانعية محقّق في كلّ من الصلاتين.

لأن؛ المفروض أنّنا وسعّنا دائرة المانعية، ولم نُنِطْ المانعيّة بمقدار العلم والوصول، ففي موارد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الثوبين واحتمال نجاسة الآخر، يكون هناك احتمال من قِبل المكلّف لمانعية ثانية لا محالة؛ لأن المفروض 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أنّه لو كانت نجاستان في الواقع لكانت مانعيتان في الواقع. إذن، فنحتاج في مقام الظاهر – في حال ما قبل الانكشاف – إلى مؤمّن من ناحية النجاسة الثانية، ويجري حينئذٍ، نفس الصور التي ذكرناها في المبنى السابق مع تلك التشقيقات. هذا إذا أعملنا تلك النكتة.

وإمّا إذا لم نُعملها، وافترضنا أنّ المانعية بحسب دليلها، أُخذ في موضوعها النجاسة الواصلة المعلومة، وقصرنا المانعية على مقدار دائرة العلم، دون أن نتعدّى من المقدار الواصل إلى غيره، بناءً عليه، لا نحتاج إلى مؤمّن بلحاظ النجاسة الثانية؛ لأنّه لا نحتمل وجود مانعيتين في عرض واحد، بلحاظ ما قبل الانكشاف، حتّى نحتاج إلى الأصل المؤمّن عن النجاسة الثانية، فإنّ الثانية على فرض وجودها، لا يُحتمل اتّصافها بالمعلومية في عرض اتصاف النجاسة الأولى بالمعلومية، يعني: لا يُعقل فرض معلومين لهذا العلم الإجمالي. وحينئذٍ، تكون المانعية المفروضة واحدة، ولا يُعقل فرض مانعية ثانية، حتّى يفرض جريان الأصل المؤمّن بلحاظها. 

فيما يقتضيه مانعيّته

نعم، يقع الكلام حينئذٍ، في أنّ هذه المانعية الواحدة أين ثبتت؟ وأنّها هل تقتضي بطلان هذه الصلاة بالخصوص، أو تلك بالخصوص، أو بطلان إحدى الصلاتين لا بعينها؟ والكلام هنا تارةً يقع ثبوتاً وأخرى إثباتاً.

أمّا ثبوتاً: فالإبطال التخييري غير معقول ثبوتاً، من دون أن تصل النوبة إلى تحقيق مقتضى الأدلّة، بحسب مقام الإثبات. 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نعم، الإبطال التعييني، بأن نفرض أنّ البطلان يختصّ بالفرد الأوّل أو بالثاني معقول ثبوتاً وتنتهي النوبة إلى مقام الإثبات.

أمّا وجه معقولية البطلان التعييني ثبوتاً فواضح، فإنّه من المعقول للمولى أنّ يُحكم ببطلان الفرد الأوّل بالخصوص، أو الثاني بالخصوص.

وأمّا وجه استحالة البطلان التخييري، يعني الحكم ببطلان إحدى هاتين الصلاتين لا بعينها واقعاً؛ لأنّ البطلان يُتنزع من عدم مطابقة المأتي به للمأمور به، وهنا عندنا أمران، كلّ منهما متعلّق بواجب، كما هو المقترح في فرض المسألة، هناك أمر بصلاة الظهر وأمر بصلاة العشاء، وصحّة كلّ منهما وبطلانها منوط بمطابقتها للمأمور به من حيث الأجزاء والشرائط والموانع، أو عدم مطابقتها. فعلى فرض المطابقة، يُحكم بالصحّة وعلى فرض عدمها يحكم بالبطلان. 

ولا يُعقل أن أحدهما لا بعينه يكون غير مطابق؛ ذلك لأنّ كُلاً من الأمرين تعييني تعلّق بمتعلّق تعييني، فلا يمكن فرض المطابقة وعدمها مع أحد الأمرين لا بعينه، فإنّ المطابقة لا بدَّ وأن تُفرَض بين أمرين متعينين ليُقال: أنّ هذا المتعيّن مطابق مع ذلك المتعيّن، أو غير مطابق معه.

وإن شئتم قلتم: بأنّ البطلان في المقام ليس له وجه إلا الاختلال من ناحية المانعية، والمانعية لا بدَّ وأن تكون مجعولة، إمّا بلحاظ هذه الصلاة بالخصوص أو تلك بالخصوص، ولا يُعقل جعل المانعية بلحاظ إحدى الصلاتين لا بعنوانها. 

والنكتة في ذلك: أنّ المانعية مرجعها إلى الأمر الضمني بالتقيّد بعدم المانع، ومن المعلوم أنّ كلاً من الصلاتين لها أمر مستقلّ، فالتقييد بعدم المانع إمّا أن 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يكون تحت هذا الأمر، الذي تعلّق بصلاة الظهر الضمني، أو تحت ذاك الأمر الذي تعلق بصلاة العشاء. وحينئذٍ، لا يمكن أن يُفرَض أنّ أحدهما لا بعينه يكون مركزاً للمانعية؛ لأنه ليس مركزاً للأمر فلا يكون مركزاً للمانعية، فإنّ ما يكون مركزاً للأمر هو هذه الصلاة بعينها وتلك الصلاة، وأمّا إحدى الصلاتين لا بعينها، فليس مركزاً للأمر، حتّى يكون مركزاً للممنوعية. 

فالبطلان في إحدى الصلاتين لا بعينها واقعاً، أمرٌ غير معقول في نفسه ثبوتاً. 

نعم، بطلان إحدى الصلاتين تعييناً أمرٌ معقول ثبوتاً، ولكنّه حينما ينتهي إلى مقام الإثبات، لا يُرى أنّ دليل المانعية مساعداً لا على الحكم بمانعية هذه النجاسة التي وقعت معها صلاة الظهر، ولا بمانعية تلك النجاسة التي وقعت معها صلاة العشاء؛ لأنّ دليل المانعية أُخذ في موضوعه النجاسة المعلومة، والمراد بها الواقع المنكشف بالعرض، يعني: الواقع الخارجي الذي يكون بإزاء الصورة العلمية، ومن المعلوم أنّ الصورة العلمية المقوّمة للعلم الإجمالي يستحيل أن يكون بإزائها منكشفان في الخارج؛ لأنّها مأخوذة بنحو صرف الوجود، وتعيّن أحدهما لكي يكون ما بإزاء الصورة دون الآخر، ترجيح بلا مرجح. فلو جمدنا على حاقّ دليل المانعية، لا نحكم بالبطلان في أي واحد من هاتين الصلاتين، لعدم تحقق موضوع المانعية في كلٍّ منهما.

ولكنّنا نعلم من الخارج، بالارتكاز العرفي، أنّه لا فرق بين هذا العلم الإجمالي وغيره من العلوم الإجمالية. ليس فرض نجاسة ثانية في موارد العلم الإجمالي موجباً لخفّة العلم الإجمالي وسهولته وعدم مانعيته، مثل هذا غير محتمل 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بحسب الارتكاز العرفي، ولهذا يكون دليل المانعية بنفسه دليلاً بالالتزام على وجود مانعية في الجملة في المقام، وإن كانت غير متعيّنة بحسب مقام الإثبات بالنسبة إلينا، وحينئذٍ، تكون الشبهة من هذه الناحية شبهة حكمية لا موضوعية، لأنّنا لا ندري أنّ المانعية هل جُعلت بالنسبة إلى النجاسة الأولى، أو النجاسة الثانية، ونشكّ في وجود المانع، بل في مانعية الموجود، هل جُعل المانع: النجاسة الأولى أو الثانية، أو كلتا النجاستين؟ كلّ هذا معقول وممكن.

وحينئذٍ، لا بدَّ من إجراء قواعد باب العلم الإجمالي في إحدى المانعيتين، مع احتمال المانعيتين معاً(1)

هذا تمام الكلام في هذه الثمرة.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هذا الذي ذكرتموه من أنّه بلحاظ لا يثبت بطلان هذا ولا بطلان ذاك، جارٍ حتّى في العلم الإجمالي المتعارف، -فيما إذا كانت هناك نجاسة واحدة- فلماذا في العلم الإجمالي المتعارف فرغتم عن بطلان الصلاة، ثمَّ تقولون: لا نحتمل فرقاً بينهما؟ 

فقال: إذا كانت نجاسة واحدة، فما بإزاء الصورة هو هذا في الخارج. نعم، نحن لا نقصد ما بإزاء الصورة، ما يكون منكشفاً بحدّه، فإنّه إذا كان المقصود ذلك فهو يختص بالعلم التفصيلي؛ لأنّ الواقع في موارد العلم الإجمالي غير منكشف بحدّه حتّى في موارد تعيّنه. لكن مقصودنا منه ما هو المتفاهم عرفاً من أنّ ما بإزاء الصورة العلمية هو هذا، بحيث لو سُئِل أهل العرف، أنّه أي شيء كنت أعلم بنجاسته لقالوا: هذا. أمّا هنا* لو سُئِل أهل العرف ذلك لوقعوا في تردّد؛ لأنّ تعيين كلّ منهما في مقابل الآخر، بلا معيّن في نظر العرف.

* يعني ما إذا كانت نجاستين (توضيح). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ويبقى عندنا بعد ذلك التكلّم في باقي جوانب الرواية ومنها: التكلم بناءً على الشرطية.

يبقى ذلك إلى ما بعد العطلة الصيفية.

*****

تكرار ما بعد العطلة الصيفية(1)

أنّه لا بدَّ بناءً على الشرطية من توسعة دائرة الشرط الواقعي، بحيث لا ينطبق على محلّ الكلام(2).

والبحث في ذلك ثبوتي وإثباتي. فإنّه تارةً يقع البحث ثبوتاً في الوجوه المتصوّرة لتوسعة دائرة الشرط، أو تضييق دائرة المانع، وأخرى يقع الكلام في مقام الإثبات، والأعلام عادةً، يتكلّمون في مقام الإثبات في الفقه، وهنا يتكلّمون في مقام الثبوت.

فهذه هي الجهة الثانية، التي كنّا نتكلّم في أثنائها وبدأ التعطيل الصيفي، فلذا الآن أرى من الأرجح الابتداء من أول المطلب، حتّى يحفظ تسلسل 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

() قال بعد إعطاء فهرس بعد التعطيل، لعناوين البحث إلى أن وصل، (المقرِّر).  

(2) والمراد من محلّ الكلام هو: أنّ الإمام في الرواية الثانية أفتى بصحّة الصلاة، مع أنّ المفروض أنّ زرارة حينما وجد النجاسة بعد الصلاة، علم أنّها نجاسة سابقة عليها، فلو كانت الطهارة المشترطة هي الطهارة الواقعية، أو النجاسة الواقعية، للزم الحكم بالبطلان، فلا بدَّ من توسيع دائرة اشتراط الطهارة، أو تضييق دائرة مانعيّة النجاسة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المطلب. والكلام يقع تارةً في تضييق دائرة المانعية، وأخرى في توسعة دائرة الشرطية، في الوجوه المتصورة ثبوتاً. فالكلام يقع في مقامين:

 المقام الأوّل: فيما يُتصوّر لتضييق دائرة المانعية.

 والمقام الثاني: فيما يتصور لتوسيع دائرة الشرطية. 

وقبل تحقيق هذين المقامين، لا بدَّ من التمييز بين هذين الفرضين في أنفسهما، وهما فرض المانعية وفرض الشرطية؛ وذلك لأنّ هناك من ادّعى أنّه لا يوجد فرق حقيقي بين الشرطية والمانعية في المقام بتقريب: أنّ الطهارة لو كانت أمراً وجوديّاً مقابلاً للنجاسة على نحو تقابل الضدّين، لكن الفرق بين الشرطية والمانعية معقول. 

فإنّ المانعية معناها تقيّد الصلاة بعدم النجاسة، والشرطية معناها تقيّد الصلاة بوجود الطهارة. وأمّا بعد فرض أنّ الطهارة عبارة أخرى عن عدم النجاسة والخلو منها، لا يبقى فرض معقول بين فرض المانعية وفرض الشرطية؛ لأنّ المانعية معناها: تقيّد الصلاة بعدم النجاسة. والشرطية معناها: تقيّد الصلاة بالطهارة التي هي عدم النجاسة. إذن، فقد رجعت الشرطية إلى المانعية. 

هذا إشكال في أنّه لا فرق ثبوتي بين الشرطية والمانعية، وهو للمحقّق الأصفهاني. وهناك كلام آخر للسيّد الأستاذ في أنّه لا فرق بينهما من حيث الحكم والأثر، بل هما على حدٍ واحد من هذه الناحية.

والتحقيق وجود الفرق بينهما ذاتاً وحكماً. 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وقبل بيان الفرق الذاتي والحكمي بين الشرطية والمانعية، نقدّم مقدمة؛ لأجل أن يتّضح المقصود. 

وحاصلها: أنّه في باب الطهارة والنجاسة للمصلّي، إذا لاحظنا ثوب المصلّي كان لثوب المصلّي إضافتان: إضافة أولية إلى نفس الإنسان المصلّي الذي لبسه، وإضافة ثانوية إلى الصلاة، التي يُعبّر عنها بالمعنى الحرفي في قولنا: صلّيت بالثوب الفلاني.

وإذا لاحظنا حالة الثوب أو صفته من النجاسة والطهارة فلها ثلاث إضافات: إضافة إلى الثوب؛ لأنّها صفة من صفاته. وإضافة بالعرض إلى المصلّي، فكأنَّ مَنْ يتقمّص الثوب يتقمّص صفته أيضاً، من حيث الطهارة والنجاسة. وإضافة ثالثة إلى الصلاة بِعَرَضيّة إضافته إلى المصلّي. فيُقال: الصلاة وقعت في طهارة أو وقعت في نجاسة. 

وإضافة الثوب إلى ذات المصلّي يُعبّر عنها باللبس؛ لأنّه لَبَسَ هذا الثوب، وهذه الإضافة إذا لوحظت بنحو المعنى الحرفي، وقعت تحت الأمر.

 حينئذٍ، تكون هذه الإضافة هي التقيّد الداخل تحت الأمر النفسي(1) ويكون طرف الإضافة(2) هو الشرط أو المانع، الذي هو خارج عن نطاق الأمر النفسي.

ــــــــــ[334]ــــــــــ

() بحيث تكون هذه الإضافة أحد واجبات الصلاة التحليلية (المحاضرة). (المقرّر).

(2) الذي هو طهارة الثوب أو نجاسته (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فإنكم قرأتم في باب الشرائط، أنّ التقيد داخل والقيد خارج. 

ثُمَّ هذه الإضافة قد تُحوَّل إلى معنى اسمي ويُعبّر عنها باللبس -مثلاً-. وحينئذٍ، يمكن فرض إضافة بينها وبين الصلاة، فتكون تلك الإضافة هي الداخلة تحت الأمر النفسي، وتكون الإضافة التي حوّلناها إلى معنى اسمي، وعبّرنا عنه باللبس يكون هو الشرط. 

الآن، نفرض أنّ هذه الإضافة الأولية، القائمة ما بين الثوب أو الطهارة والصلاة، هي التقيّد الداخل تحت الأمر النفسي، يعني: لا نحوّله إلى معنى اسمي، ونجعله طرفاً لإضافة أخرى، وإن كان ذلك أيضاً معقولاً. 

ثُمّ أنّ هذه الإضافات، التي تمثّل التقيّدات الداخلة تحت الأمر، أحد طرفيها هو ذات الواجب، فإنَّ ذات الواجب هو المقيّد دائماً ولا يُتصوّر قيد في الصلاة لا يكون المقيّد به هو ذات الصلاة، وما يُقال عادةً في ألسنة الفقهاء من أنّ الشرط، أو المانع هل هو شرط في الصلاة أو في المصلّي أو في لباس المصلي؟ لا يُعنى به أنّ طرف التقييد الأساسي ليس هو الصلاة في بعض هذه الفروض. فإنّه كيف يُعقل ذلك مع أنّ المفروض من هذا التقييد تحصيص الواجب، بحيث لا ينطبق على فاقد القيد. فالصلاة هي طرف التقييد بتمام القيود الوجودية والعدمية التي تُؤخذ في باب الصلاة

وهذا التقسيم، إنّما هو بلحاظ الطرق الآخر للإضافة، فإنّ الإضافة أحد طرفيها هو ذات الواجب في جميع القيود الوجودية والعدمية، وأمّا طرفها الآخر فتارةً يُضاف إلى الواجب ابتداءً، وأخرى يُضاف إلى الواجب بما حالة في 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لباسه، أو بما هو حالة في فاعله على ما سوف أوضح.

أنحاء شرطية الطهارة والنجاسة 

توضيح ذلك -بتطبيقه على باب الطهارة والنجاسة- نقول: بأنّ شرطية الطهارة والنجاسة يُتصوّرعلى أنحاء.

النحو الأول: أن يُفرَض أنّ أحد طرفي التقيّد والإضافة، هو ذلك الواجب وهو الصلاة -كما هو كذلك دائماً- والطرف الآخر للإضافة والمانعية هو الثوب النجس، أو الثوب الطاهر. 

النحو الثاني: أنّ يُفرَض أنّ أحد طرفي الإضافة هو ذات الواجب، وهو الصلاة، والطرف الآخر هو ذات الطهارة والنجاسة، حيث بيّنا سابقاً أنّ الطهارة والنجاسة لها إضافة إلى ذات الصلاة، فيمكن أن تُؤخذ قيداً في ذات الصلاة، فتُقيّد الصلاة بالطهارة وجوداً، أو بالنجاسة عدماً. 

والفرق ما بين هذين الوجهين: أنّه في الوجه الأوّل كان الثوب بنفسه طرفاً للمانعية يعني: أنّ المانعية منصبّة على الثوب المتنجس بما هو متنجس. وأمّا هنا، في الوجه الثاني فالمانعية انصبّت على ذات النجاسة، أو الشرطية انصبت على ذات الطهارة، بحيث لو أمكن محالاً(1) أن تُحفظ إضافة النجاسة إلى الصلاة، بلا ضمّ إضافة الثوب النجس إلى الصلاة أيضاً، تكون المانعية محفوظة، بينما على الأوّل لا تكون محفوظة؛ لأنّ طرف المانعية بناءً على الأوّل هو الثوب المتنجس.

ــــــــــ[336]ــــــــــ

() ليس هذا محالاً، بل هو في مكان من الإمكان، كما لو كان بدن المصلّي نجساً. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فالمانع بناءً على الوجه الأوّل ليس هو النجاسة، بل هو شيء مقيّد بالنجاسة وهو الثوب النجس. وأمّا على الثاني فالنجاسة بنفسها هي المانع، والمأخوذ هو إضافة النجاسة إلى الصلاة ابتداءً. 

وكِلا هذين الوجهين نسميّه فقهائياً، ونقول بأنّ الطهارة أو النجاسة من القيود المأخوذة في الصلاة، سواءٌ كان القيد هو الثوب النجس، أو هو النجاسة، فإنّ القيد أُخذ مضافاً إلى الصلاة ابتداءً، من دون قيد آخر في المرتبة السابقة.

الوجه الثالث(1): أن يُفرَض في المقام تقييدان: المولى يلحظ اللباس، بأن لا يكون نجساً، أو بأن يكون طاهراً، ثُمَّ يُقيّد الصلاة بهذا التقييد، فالصلاة تتقيّد بأن لا يكون اللباس نجساً، أو بأن يكون طاهراً. 

فهنا ما هو طرف المانعية، هو: نجاسة لوحظ إضافتها إلى شيءٍ آخر غير الصلاة وهو الثوب، بينما في الوجه الثاني كان طرف المانعية هو ذات النجاسة وتربط ابتداءً بالصلاة، أمّا هنا فنجاسة الثوب تقيّد الصلاة بعدمها، فلو لم تكن النجاسة نجاسة الثوب، بل كانت معلّقة بين الأرض والسماء، فلا بأس بها ولا تكون مانعاً. وهذا ما يصطلح عليه الفقهاء بان الشرط هنا يكون شرطاً في لباس المصلي، وعين الكلام فيما لو أُخذ وصفاً للمصلّي فقيل بأنّ الصلاة مقيّدة بأن لا يكون المصلّي نجساً. 

فهنا يُقال: بأنّ الشرط شرطٌ في المصلّي لا في الصلاة. 

وليس مرادهم من هذا، أنّ طرف التقييد الأساسي ليس هو ذات 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

(1) النحو الثالث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الواجب، فإنّ هذا خُلف معنى الشرطية، بل الطرف الآخر يعني القيد، تارةً يُلحظ مضافاً إلى ذات الواجب ابتداءً، كما هو الحال في الوجه الأوّل والثاني، وأخرى بما هو يُلحظ مضافاً إلى شيء آخر يُلحظ مضافاً إلى ذات الواجب(1)

وتكميل تحقيق هذه النكات طبعاً في بحثٍ آخر غير هذا البحث. إلاّ أنّ هذا هو الذي ينبغي أن يُراد للفقهاء في مقام تشقيقهم للشرط، من أنّه تارةً يكون شرطاً للفاعل، وأخرى للباس، وأخرى للفعل، والفقهاء في جملة من الموارد في اللباس المشكوك، وفيما لا يؤكل لحمه وغيره من الموارد يفرّعون ثمرات على هذه الشقوق، وفي كلّ مورد من موارد الثمرة لا بدَّ من تحقيق أنّ هذه الثمرة تنطبق على هذا التفسير، الذي فسرّنا به مرادهم الارتكازي أولاً.

فهذه مقدّمة، يتوقّف عليه فهم ما نريد أن نقوله من التفرقة ذاتاً، وحكماً بين الشرطية والمانعية. 

بعد هذا نأتي إلى التفرقة ما بينهما ذاتاً وحكماً: 

أما التفرقة ما بينهم ذاتاً: فعلى ضوء المقدّمة تحصّل لنا وجوه ثلاثة للمانعية والشرطية. فإذا بنينا على الوجه الثاني، أو الثالث من هذه الوجوه، يعني فرضنا أنّ طرف المانعية ليس هو الثوب، بل هو ذات النجاسة، أمّا بلا قيد، أو بما هي مضافة إلى الثوب. فحينئذٍ، ينحصر توجيه الفرق بين الشرطية والمانعية بأن 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

() وهنا سأله أحد الإخوان: عن الفرق بين الوجه الأوّل والثالث؟ 

فقال: الفرق ما بينهما، أنّه في الوجه الأوّل الثوب داخل في المانعية، وهنا الثوب غير داخل في المانعية. هناك المانع هو الثوب، والنجاسة حيثية تقييدية في مانعيته. أمّا هنا، فالمانع هو نجاسة الثوب بما هي مضافة إلى الصلاة، لا الثوب النجس. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نقول: إنّ المانعية عبارة عن تقيّد الصلاة بعدم النجاسة الملحوظة، إمّا ذاتاً أو بما هي مضافة إلى الثوب(1).

وأمّا الشرطية فهي شرطية الطهارة، لكن الطهارة ليست عبارة عن مجرّد عدم النجاسة، حتّى يُقال: إنّ التقيّد بها عبارة عن التقيّد الذي ثبت في فرض المانعية، بل الطهارة عبارة عن معنى ثبوتي في مقابل النجاسة. ولا نريد أن نقول: إنّها أمر وجودي مقابل للنجاسة، بتقابل التضاد تكويناً أو تشريعاً، لكن نقول: إنّ الطهارة وإن كانت أمراً عدميّاً، ولكنّها مطعَّمة بمعنى ثبوتي؛ لأنّ جملة من العناوين العدميّة مطعَّمة بمعنى ثبوتي، بحيث لا يكون تقابلها مع ما يقابلها تقابل التناقض، بل يكونان معنيين ثبوتيين غير الوجود والعدم، كالإتيان بالواجب وفوته، فإن فوت الواجب وإن كان مرجعه إلى عدم الإتيان بالواجب وليس أمراً وجودياً في مقابله، ولكنّه مطعَّم بأمر ثبوتي؛ ولهذا لا يمكن إثباته باستصحاب عدم الإتيان. 

فنريد أن ندّعي في باب الطهارة هذا المعنى، ونقول: بأنّ الطهارة وإن لم تكون أمراً وجودياً خارجياً أو تشريعياً، لكنّها معنى ثبوتي(2). وحينئذٍ، فتقيّد 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

() الصلاة مقيّدة بأن لا تكون النجاسة، أو أن لا يكون الثوب نجساً (محاضرة غد). (المقرّر).

(2) كالخلو والنقاء والطيب والذكي، وهو عنوان ثبوتي لا يثبت باستصحاب العدم ونحو من المفاهيم العرفية، التي ينتزعها العرف من عدم النجاسة (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الصلاة بها ليس هو بعينه معنى تقيّد الصلاة بعدم النجاسة، بل هو شيء في مقابله. من قبيل أن كون وجوب القضاء متفرّع على عدم الإتيان، ليس هو معنى كونه متفرّعاً على الفوت، بل هناك فرق بينهما. 

هذا بناءً على الوجهين الأخيرين.

وأمّا بناءً على الوجه الأوّل، وهو: أن يُفرَض أنّ طرف المانعية هو الثوب لا النجاسة، فيمكن تصوير الفرق بين الشرطية والمانعية، حتّى لو قلنا بأنّ الطهارة عبارة عن عدم محض، لم يطعم بأي أمر ثبوتي؛ وذلك لأنّ طرف التقيّد هنا
-سواءٌ قلنا بالشرطية أو المانعية- هو الثوب لا الطهارة والنجاسة والثوب
-على أي حال أمر وجودي- فتكون المانعية معناها: تقيّد الصلاة بعدم الثوب النجس، والشرطية معناها: تقيّد الصلاة بالثوب، إمّا الذي لا يكون نجساً أو الذي يكون طاهراً(1).

ومن المعلوم، أنّ هذين التقييدين متغايران: تقييد الصلاة بالثوب، الذي لا يكون نجساً، غير تقييده بعدم الثوب الذي يكون نجساً. وإن كان المحصَّل الخارجي واحداً، فالفرق بين المانعية والشرطية معقول على الوجوه الثلاثة.

هذا هو الكلام في الفرق الذاتي. 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

() ومن المعلوم، أنّ اللباس النجس، واللباس اللانجس ضدّان، وإن كان النجس واللانجس نقيضين. نجعل الألبسة الطاهرة في كومة، والنجسة في كومة أخرى، ونقول: المانعية معناها: أنّ الصلاة مقيّدة بأن لا تقع في هذه. والشرطية معناها أنّ الصلاة مقيدة بأن تقع في إحدى تلك، إذن فالشرطية غير المانعية. (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا(1) الكلام فُهِمَ منه أنّ يكون المقصود من الوجّه الأوّل أن يكون المانع هو اللباس المتنجس، وأن يكون المقصود من الوجه الثالث هو نجاسة اللباس. يعني تارةً يكون المانع هو اللباس المقيّد بالنجاسة، وأخرى النجاسة المقيّدة باللباس. 

إلا أنّ مقصودي ليس هو هذا؛ لأنّه في الوجه الثالث لو كان المانع هو النجاسة المقيّدة باللباس، فلا تصح العناية الفقهائية القائلة بأنّ هذا يكون من قيود لباس المصلّي؛ وذلك لأنّ النجاسة هنا، تكون قد قيُّدت باللباس، لا اللباس قُيّد بالنجاسة، وأنّ الصلاة قُيّدت بعدم النجاسة اللباسية. ولا يصحّ أن يُقال عن قيد أنّه قيد في اللباس، إلاّ إذا قيّد اللباس بعدم النجاسة، وأمّا إذا قُيّدت النجاسة بكونها لباسيّة، فحينئذٍ، لا يُقال بأنّ القيد في اللباس. 

فماذا نصنع لكي نحقّق العناية الفقهائية، التي تقول: إنّ الشرط قد يكون شرطاً للباس المصلّي؟ بأن نقيّد اللباس بعدم النجاسة. 

بأن نقول: اللباس اللانجس بنحو القضيّة الوصفية أُخذ عدمه في الصلاة، وهذا هو الوجه الأوّل، وهو تقييد الصلاة باللباس النجس، ومعناه أنّ القيد وطرف المانعية هو اللباس لا النجاسة، ويكون القيد قيداً في الصلاة ابتداءً. 

فالمراد من الوجه الثالث شيء آخر وهو: أنّ اللباس يُقيّد بعدم النجاسة 

ــــــــــ[341]ــــــــــ

() كرّر ما كان قاله بالأمس تأكيداً وتوضيحاً، فذكر أولاً أنحاء الإضافات، ثُمَّ ذكر أنحاء مانعية النجاسة، أو شرطية الطهارة على الوجوه الثلاثة السابقة، ثُمَّ قال: هذا… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ويُقال: اللباس أنّ لا يكون نجساً. ثُمَّ يؤخذ هذا المفاد قيداً في الصلاة(1)

وحينئذٍ، يصحّ أن يطلق على عدم النجاسة هنا، على أنّه قيد في الصلاة؛ لأنّ الصلاة قُيّدت بأن لا يكون نجساً. ويصحّ أن يُقال بأنّ عدم النجاسة قيد في الثوب؛ لأنّ الثوب تقيّد بأن لا يكون نجساً. 

إذن، فعندنا في المقام تقييدان:

 أحدهما: قبل أن تنتهي إلى الركوع والسجود، وهو أن لا يكون الثوب نجساً. 

ثانيهما: أن يُعتبر هذا المضمون قيداً في الركوع والسجود، حتّى يصبح هذا قيداً وذاك شرطاً. فيُقال: بأنّ هذا شرط في اللباس(2)

ــــــــــ[342]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنّه أيضاً أصبح قيداً؟ 

فقال: نعم، ولكن ما قيّدت به الصلاة، ليس هو عدم اللباس كما هو في الوجه الأوّل، بل عدم هذه النسبة. يعني ما قُيّدت الصلاة بعدمه في الوجه الأوّل هو اللباس المتنجّس، هذا المفهوم الافرادي المحصّص المتحصّل من قضيّة وصفية؛ ومن هنا نقول بأنّ الشرط شرطٌ في الصلاة؛ لأنّ عدم اللباس المتنجّس لم يُلحظ قيداً في شيء آخر قبل الصلاة بل لوحظ ابتداءً قيداً فيها. وأمّا في الوجه الثالث، فالصلاة لم تُقيّد بعدم اللباس المتنجّس، بل قُيّدت بأن لا يكون اللباس متنجّساً، بعدم اتصاف اللباس بالنجاسة. (المقرّر). 

 (2) وهنا قال فيما قال جواباً على سؤال: في الوجه الأوّل لم يفرغ عن لباسٍ، وتُقيّد الصلاة بأن لا يكون نجساً، بل قُيّدت الصلاة بعدم اللباس النجس. أمّا في الوجه الثالث، فقد فرغ عن اللباس ولم يكن بنفسه طرفاً للمانعية، وإنّما طرفها هو أن يكون اللباس المفروغ عن وجوده نجساً. فالفرق بين: نجاسة الثوب وأن لا يكون الثوب نجساً، أنّه في الأوّل النجاسة قُيّدت بالثوب، لا أنّ الثوب قُيّد بالنجاسة، فلا معنى لأن يُقال: إنّ الشرط من شرائط ثوب المصلّي، فلا تصحّ العناية الفقهائية، لكن في قولنا: أن لا يكون الثوب نجساً، يكون من شرائط ثوب المصلي لأنه بما هو قيد في لباس المصلي أُخِذ قيداً في الصلاة. 

وهنا قال جواباً على سؤال: أنّه لا بدَّ أن يُفرَض وجود ثوب خارجي يُقال: بأن لا يكون نجساً، ولهذا لا بدَّ أن يتخصّص هذا الثوب بأن يكون هو ثوب المصلّي؛ ولهذا سوف نقول بأنّه في هذا الوجه الثالث لا يُعقل الانحلالية، وفي الأوّل لا يُفرَض وجود ثوب خارجي، بل أن تكون الصلاة مقيّدة بعدم الثوب المتنجس. ثُمَّ دخل في تصوير الفرق الذاتي بين الشرطية والمانعية، وذكرها كما سبق. ثُمَّ قال: (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وأمّا الفرق الحكمي بين الشرطية والمانعية فهو أيضاً موجود يعني: تترتّب ثمرات فقهية على الشرطية والمانعية، لكن على أن نلحظ تلك الوجوه الثلاثة التي قدّمناها، وبلحاظها نقتص الثمرة العلمية بين الشرطية والمانعية.

في الثمرة أو الفارق الحكمي بين الشرطية والمانعية 

الكلام في الثمرة أو الفارق الحكمي بين الشرطية والمانعية، بعد الفراغ عن تصوّر الفرق الذاتي بينهما، ذكرنا سابقاً ثمرتين للتفرقة، بين الشرطية والمانعية، خلافاً للدعوى الثانية، التي صدرت من السيّد الأستاذ، وكان حاصلها عدم الفرق الحكمي.

الثمرة الأولى: 

أنّه بناءً على الشرطية، لو شُكّ في طهارة ثوب ونجاسته، وقُطِع النظر عن أصالة الطهارة بوجهٍ من الوجوه، التي يأتي التعرّض لها. 

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فبناءً على الشرطية لا يمكننا الاكتفاء بالصلاة في هذا الثوب، بل تجري أصالة الاشتغال. 

وأمّا بناءً على المانعية، فيُمكن أن تجري أصالة البراءة عنها على بعض تصويرات المانعية التي تقدّمت. 

وتوضيح ذلك يتوقّف على الإشارة إلى النتيجة المستخلصة من بحث الشبهات الموضوعية، من بحث البراءة والاشتغال.

 وخلاصته: أنّه كلما شككنا في انطباق عنوان الواجب أو الحرام على حصّةٍ من الحصص، فتجري البراءة، وكلما كان انطباق الواجب أو الحرام على الحصّة مفروغاً عنه، وإنّما الشكّ متمحض في أنّ هذه الحصّة توجد في الخارج أو لا، ففي مثل ذلك لا مجال للبراءة؛ لأنّ الشكّ متمحض في مقام الامتثال والعصيان.

مثاله: 

أنّنا تارةً: نشكّ في أنّ زيداً هو مؤمن، وأنّ قتله حصّة من حصص قتل المؤمن أو لا. فهنا يكون الشكّ في سريان التكليف، وسعة دائرته تجري البراءة عن حرمة قتل زيد المشكوك في إيمانه. بقطع النظر عن أصالة الاحتياط في الدماء. 

وأخرى: لا نشكّ في أنّ قتل زيد هو قتل المؤمن؛ لأنّه مؤمن، فالعنوان الحرام يسري إلى هذه الحصّة وينطبق عليها، ولكنّني أشكّ في أنّ هذه الحصّة توجد لو أُطلقت الرصاصة إلى هذه الجهة أو لا توجد. فيكون الشكّ بعد 

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الفراغ عن انطباق عنوان الحرام، في أنّ هذه الحصّة توجد أو لا، ففي مثله تجري أصالة الاشتغال؛ لأنّه من موارد أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، والعقل يحكم بلزوم تحصيل الامتثال. 

نطبّق هذا الكلام في المقام ونقول: أنّه(1) بناءً على الشرطية هناك تكليف بإيجاد الشرط، الذي هو عبارة عن اللباس الطاهر أو الطهارة أو أن يكون اللباس طاهراً، ولا يكون هناك شكّ في سعة دائرة الشرطية أو ضيقها، وإنّما الشكّ – بعد الفراغ عن وجوب أن يكون اللباس طاهراً – متمّحض في أن هذا الشرط هل وجد في الخارج أو لا؟ وهذا يكون شكّاً في مرحلة الوجود لا في مرحلة سعة المفهوم وانطباقه على حصّة من الحصص. فبناءً على الشرطية تجري قاعدة الاشتغال؛ لأنّه شكّ في مرحة الامتثال. 

وأما بناءً على المانعية، فإنّ تصورناها بالوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة، التي تقدّمت، يعني أنّ المانع والحرام الغيري في الصلاة، هو الثوب النجس، وهو طبيعة له أفراد في الخارج، فتنحلّ المانعية بعدد أفراد الثياب النجسة، بحسب الخارج. ونحن نشكّ في أنّ لبس هذا الثوب المشكوك، الذي لبسه حصّةً من الحصص، هل يشمل هذه الحصة عنوان لبس الثوب النجس أو لا؟ فنجري البراءة عن حرمة لبس هذا اللباس؛ لأنّ هذه حصّة يُشكّ في انطباق 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

() قد سبق جملة ممّا سيقوله السيد في المحاضرة المؤرخة: السبت 16/4/1388 معروضاً بنحو آخر، وإنّما أثبتناه هنا لكونه أكثر تفصيلاً وتوضيحاً. فراجع. (المقرّر). [ص275 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

عنوان الحرام عليها، وهو شكّ في الحرمة والمانعية الزائدة، فتجري البراءة عنها. 

هذا بناءً على الوجه الأوّل.

وأمّا بناءً على الوجه الثاني، إذا فرضنا أنّ المانع والحرام هو النجاسة ذاتها، في مثل هذا أيضاً تكون المانعية انحلالية تكثر أفراد النجاسة بحسب الخارج، ويحرم إيقاع الصلاة في نجاسة هذا الثوب، وفي نجاسة هذا الثوب. لكن مع هذا لا تجري البراءة، بل أصالة الاشتغال.

وذلك؛ لأنّه لا شكّ عندنا في أمر يحرم إيقاع الصلاة في نجاسة هذا الثوب المشكوك، غاية الأمر لا ندري أنّنا لو صلّينا في هذا الثوب فهل يقع بذلك صلاة في نجاسة أو لا؟ لأنّنا لا نعلم أنّه نجس أو لا. فيتمحض الشكّ في مقام الامتثال بعد العلم بالتكليف.

وأوضح من ذلك الوجه الثالث للمانعية، إذا فرضنا أنّ المانع هو: أن لا يكون الثوب المفروغ عنه يعني ثوب المصلي نجساً، فالمانعية هنا ليست انحلالية أصلاً؛ لأنّ المانع هو نجاسة ثوب المصلّي هي ليست منحلّة إلى نجاسات متعدّدة بعدد ثياب خارجية، بل هي نجاسة واحدة مفروغ عن مانعيتها، وإنّما يُشكّ في أنّه هل وجد المانع أو لا بحسب الخارج؟ فهو شكّ بحسب مقام الامتثال والعصيان، فتجري أصالة الاشتغال. 

فالثمرة بين الشرطية والمانعية تُلحظ باعتبار الوجه الأوّل من وجوه المانعية، لا باعتبار الوجهين الآخرين (1)

ــــــــــ[346]ــــــــــ

() ثُمَّ ذكر السيّد أنّه قد يُقال: إنّ هذه الثمرة فرضية، وليست واقعية بجريان أصالة الطهارة، وتنقيح ما هو الشرط في الصلاة بناءً على كلّ من الشرطية والمانعية. ثُمَّ أجاب عنها. 

وكلّ من الإشكال والجواب مسطور بشكل أكثر تفصيلاً في المحاضرة التي أحلنا عليها في الهامش قبل صفحتين فراجع. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الثمرة الثانية 

الثمرة الثانية في المقام: التي تتصوّر حتّى بناءً على الوجهين الأخيرين للمانعية، وذلك فيما إذا قلنا بتطعيم الطهارة معنى ثبوتياً، فمانعية النجاسة معناها يجب أن لا يكون عدم كون الثوب نجساً، وشرطية الطهارة معناها: يجب أن يتصف الثوب بعدم النجاسة والنقاء والنظافة. 

إذا شككنا في النجاسة الذاتية لشيء وعدمها، والمختار عندنا (1) عدم جريان أصالة الطهارة في موارد الشكّ في النجاسة الذاتية. كما لو شككنا أنّ هذا الثوب مُتَّخذ من جلد الخنزير أو لا. 

بناءً على المانعية يكفينا أن نستصحب عدم كون هذا الثوب نجساً، ولو بنحو استصحاب العدم الأزلي، وبذلك يثبت ما هو المعتبر في الصلاة، وأمّا بناءً على الشرطية، فالشرط هو اتصافه بأن لا يكون نجساً يعني نظافته ونقاؤه ونحو 

ــــــــــ[347]ــــــــــ

() ذكر السيّد في وجهه: أنّني احتمل أنّ الحديث هو: أنّ كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر بالضم لا بالكسر، ومعناه أنّه تحدّدت عليه النجاسة، وهو لا يشمل النجاسة الذاتية، واحتمال هذا المطلب كافٍ في عدم الحكم بجريان أصالة الطهارة في غير النجاسة العارضة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ذلك، وهذا لا يثبت باستصحاب العدم الأزلي للنجاسة إلا بنحو مثبت(1)، فلا يمكن إثبات الشرط بالاستصحاب بينما يمكننا إثبات عدم المانع به.

هنا أيضاً يأتي كلام وهو أنّ هذه الثمرة تعليقية فرضية؛ لأنّنا على كِلا التقديرين: سواءً قلنا بالشرطية أو المانعية، يمكننا أن نجري الاستصحاب الموضوعي لا الحكمي، وهو استصحاب عدم كون هذا الجلد جلد الخنزير ولا بنحو العدم الأزلي وبذلك يتنقح موضوع الطهارة؛ لأنّ كلّ حيوان طاهر إلا ما كان خنزيراً أو كلباً. 

إذن، فلا يفرق بين الشرطية والمانعية.

إلّا أنّنا نتكلّم في هذه الثمرة بناءً على عدم جريان هذا الاستصحاب الموضوعي -استصحاب عدم كونه خنزيراً- لا من باب الإشكال في أصل جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، بل من باب الإشكال في أصل جريان استصحاب العدم الأزلي في موارد الذاتيات العرفية، من قبيل إنسانية الإنسان وخنزيرية الخنزير. فإذا شكّ في أنّ حيواناً خنزير أو لا، لا يجري استصحاب عدم كونه خنزيراً. 

نعم، لو شكّ في امرأة أنّها قرشية أو لا يجري استصحاب عدمها؛ لأنّ القرشية ليست من الأمور الذاتية، بينما الخنزيرية من الأمور الذاتية.

وهذا التفصيل يرجع تبعه إلى بحثٍ آخر.

ولو طبق هذا التفصيل في المقام، يُقال: بأنّ الاستصحاب الموضوعي لا 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

() هذا أيضاً سبق في المحاضرة المُشار إليها. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يجري، والاستصحاب الحكمي يجري، فيختلف حال الشرطية عن حال المانعية فتكون الثمرة فعلية. 

هذا تمام الكلام في التفرقة بين الشرطية والمانعية ذاتاً وحكماً، بعد هذا ندخل في الوجوه المعقولة لتضييق دائرة المانعية، وتوسيع دائرة الشرطية، بحيث تكون الصلاة مع النجاسة جهلاً صحيحة. والكلام في ذلك تارةً يقع في المانعية وأخرى في الشرطية(1)

[تلخيص كلام المرزا في موضوع المانعية]

الوجه الأول: إمّا(2) أن يكون مراده بالعلم الاعتباري الذي جعله قسيماً للعلم الوجداني في موضوع المانعية، هو العلم الاعتباري الواصل إلى المكلّف وجداناً بحيث ينتهي بالنتيجة إلى العلم الوجداني يعني: البينة التي وصلت إلى المكلّف، وعلم بكونها علماً تعبديّاً شرعياً.

 وإمّا أن يريد به واقع العلم التعبّدي يعني واقع البيّنة، فلو وُجِدَت بيّنة في 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

() أمّا في المانعية فقد ذكر الميرزا  وجهين لتضييق دائرة المانعية. ثمَّ ذكرهما السيد بالنحو الذي كان قد ذكرهما في المحاضرة المؤرخة الأحد: 17/4/1388 فراجعها في الدفتر. (المقرّر). [ص289 من هذا الكتاب]. 

(2) عنون السيّد في هذه المحاضرة كلام الميرزا بأنّ موضوع المانعية هو النجاسة المنجّزة، بنحو جزء الموضوع أو التنجيز وحده، واستمر الكلام كلّه تكراراً لما كان قاله في المحاضرة التي أشرنا إليها، ولكن نثبت هنا بعض الزوائد إن وُجِدَت. قال: إما… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نفس الأمر والواقع يتمّ موضوع المانعية ولو لم يعلّم المكلّف بها لا صغرى ولا كبرى، فإن أراد بالعلم الاعتباري، ما هو الواصل وجداناً، إذن فيأتي نفس الكلام السابق، وهو: أنّه بمجرّد عدم العلم وجداناً بالنجاسة، وعدم العلم وجداناً بالبيّنة عليها، يحصل القطع بعدم المانعية؛ لعدم موضوعها، فلا معنى للانتهاء إلى استصحاب عدم النجاسة في مقام تصحيح الصلاة. 

وإن كان مراده من موضوع المانعية، العلم الوجداني والاعتباري، وإن لم ينته إلى علم وجداني، فإنّ وجود البيّنة في الواقع ولوح الأمر يكفي في تتميم موضوع المانعية، حتّى لو لم تصل إلى المكلّف، فمثل هذا غير صحيح جزماً أيضاً؛ وذلك لأنّ مقصودنا تضييق دائرة المانعية، بحيث تصحّح أصولياً الصوّر التي يُفتي الفقيه بصحّتها فقهياً. ولا إشكال في أنّ الفقيه يُفتي بأنّه لو صلّى في ثوب عليه نجاسة جهلاً، وكانت هناك بيّنة قامت على نجاسته، ولكنه لم يعلم وبعد الانتهاء من الصلاة سمع بخبر البيّنة، لا إشكال أنّ صلاته صحيحة واقعاً، فلا بدَّ من إخراج هذه الصورة عن دائرة موضوع المانعية، وإلا يلزم الحكم ببطلان الصلاة؛ لأنّها وقعت مقترنة بالمانع. 

ونحن شغلنا أصولياً: أن نضع النظرية لفتاوى الفقيه.

الوجه الثاني: أن تكون المانعية متعلّقة بالنجاسة بوجودها المنجّز، سواءٌ كانت المنجزيّة تمام الموضوع، أو جزء الموضوع، وهذا لا يرد عليه إشكال الوجه السابق؛ إذ لا يلزم بمجرّد الشكّ في النجاسة وعدم وصولها القطع وجداناً بعدم المانعية لكي يستحيل الانتهاء إلى الاستصحاب في مقام 

ــــــــــ[350]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

تصحيحها، فإنّه بمجرد الشك في النجاسة وقبل الشك في الأدلة الشرعية بما فيه دليل الاستصحاب يكون الجاري عندنا أصالة الاشتغال، وتكون النجاسة منجّزة وموضوع المانعية تامّاً؛ لأنّ النجاسة منجّزة حينئذٍ، فلا بدَّ من أن ننتهي إلى الاستصحاب في مقام هدم موضوع المانعية.

والسر في أنّ موضوع المانعية تامّ حينئذٍ، هو: 

إمّا بناءً على ما هو المختار من أنّ الشكّ دائماً موضوع لأصالة الاشتغال عقلاً مع إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بناءً عليه لو شُكّ في النجاسة، يكون شكّاً في أصالة الاشتغال، لا البراءة العقلية، ويكون مجرّد الاحتمال الحكمي منجّزاً بحكم العقل، فيتمّ بذلك موضوع المانعية، وهذا الموضوع نحتاج في مقام هدمه إلى المؤمّن الشرعي، وهو إمّا الاستصحاب، أو أصالة الطهارة.

وإمّا بناءً على الأصول المشهور من جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان فأيضاً الأمر كذلك؛ وذلك: 

أمّا إذا تصوّرنا مانعية النجاسة بنحو يكون الشكّ فيه مجرى لأصالة الاشتغال، كما قرأنا سابقاً أنّه على الوجه الثاني والثالث للمانعية، يكون الشكّ مجرى لأصالة الاشتغال في نفسه؛ لأنّه شكّ في الامتثال، لا في أصل التكليف، حتّى لو قلنا بقاعدة قبح العقاب، فإنّها إنّما تجري في موارد الشكّ في أصل التكليف، لا في موارد الشكّ في المكلَّف به. على بعض وجوه المانعية يكون الشك شكّاً في المكلَّف به، فتجري أصالة الاشتغال.

 ــــــــــ[351]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إذن، فبقطع النظر عن الاستصحاب، تكون المنجزيّة تامّة ولا بدَّ من هادمٍ لها. 

وأما لو بنينا في المانعية على وجه يناسب مع جريان البراءة، وبنينا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فأيضاً لا نقول بها في المقام، بقطع النظر إلى دليل الاستصحاب وسائر الأدلة الشرعية؛ لأنّه من الشكّ قبل الفحص، فإنّ حكم الشبهة الموضوعية يحتاج إلى فحص، فإنّ العقل إنّما يحكم بقبح العقاب بلا بيان فيما لو فحص المكلَّف ولم يجد منجّزاً، وإلا فهو يحكم بوجوب الاحتياط ومنجزيّة المحتمل. 

إذن، فقبل الرجوع إلى دليل الاستصحاب وغيره من أدلّة الباب يكون الاحتمال منجّزاً، وهدم هذه المنجزية يكون بالرجوع إلى الأدلّة الشرعية، التي منها دليل الاستصحاب وأصالة الطهارة وغيرها. إذن، فعلى جميع التقدير لا يأتي الإشكال السابق.

إذن، ففي جميع هذه التقدير لا يكون المكلّف بمجرّد شكّه قاطعاً بعدم المانعية، حتّى يستحيل عليه إجراء الاستصحاب، فالإشكال الذي أوردناه على الوجه الأوّل لا يأتي في المقام. 

ولكن هذا الوجه الثاني في نفسه معقول، وهو أن تكون المانعية مجعولة على النجاسة بوجودها المنجّز، بحيث نأخذ المنجزيّة الفعلية في موضوع المانعية، ما لم يكن هناك تأويل سوف يُشار إليه في آخر البحث، فإنّه يلزم منه المحذور في عالم الجعل، وفي عالم التنجيز وفي عالم التعبّد الاستصحابي.

ــــــــــ[352]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ودعوى(1)، أنّ كلّ لباس له حكم آخر غير المانعية، وهو عدم جواز الصلاة معه، فقد أُخذ في موضوع المانعية تنجّز النجاسة بلحاظ عدم جواز الصلاة معه. 

مدفوعة، بأنّ عدم جواز الدخول في الصلاة مع هذا الثوب النجس، إن أُريد به الحرمة التكليفية، فهي ليست موجودة، وليس من المحرّمات ذلك، وإن أُريد به الحرمة الوضعية، فمرجعه إلى وجود المانع، فليس هنا حكم آخر غير المانعية.

بقي عليه أن يختار الشقّ الأخير، وهو أنّ المنجزيّة المأخوذة في موضوع المانعية، يكون تنجّز النجاسة بلحاظ نفس المانعية. فنسأل أنّك هل جعلتها تمام الموضوع للمانعية أو جعلتها جزء الموضوع وجعلت النجاسة الجزء اللآخر، إنّ جعلت المنجزيّة تمام الموضوع للمانعية، وسلخت النجاسة عن موضوع المانعية رأساً؟ إذن، فهنا الكلام الذي تقوله خُلف وتناقض مع هذا؛ لأنّ فرض كون المنجزيّة تمام الموضوع، هو فرض أن النجاسة ليست حكماً من أحكامها، فكيف نرجع ونقول بأنّ المنجزيّة هو منجزية النجاسة بلحاظ حكمها، الذي هو المانعية؟ هذا تناقض.

وإن كنت ركّبت الموضوع من جزئين: النجاسة بوجودها الواقعي، والتنجز. فلا يأتي هذا التناقض؛ لأنّ النجاسة أصبحت جزء الموضوع للمانعية، 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

() وحين ناقش المحذور في عالم الجعل كما سبق في المحاضرة التي أشرنا إليها قال: ودعوى. (المقرّر). [ص293 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فيمكن أن يدّعي أنّ المانعية أُخذ في موضوعها جزءان: 

أحدهما: النجاسة، ثانيهما: تنجيز النجاسة من ناحية المانعية، بمقدار دخلها يعني: بمقدار كونها جزء للموضوع، فلا يكون هذا خُلفاً أو تناقضاً. لكن يلزم من ذلك أخذ منجزيّة الحكم في موضوع شخص ذلك الحكم؛ لأنّ مرجعه أنّ المانعية أُخذ في موضوعها تنجّز النجاسة من ناحيتها، يعني: أخذ في موضوع المانعية منجزّيتها(1).

 هذا هو الإشكال بحسب عالم الجعل. فقد اتّضح بذلك أنّ هذه الفرضية تولّد محذور بتمام محتملاتها(2).

وأمّا المنجزيّة العرضية للعلم الناشئة من تعارض الأصول، باعتبار أنّ جريان الأصول في تمام الأطراف يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف، وجريانها في بعض الأطراف دون بعض ترجيحٌ بلا مرجّح، فتسقط الأصول في تمام الأطراف.

هذه الصيغة تكون باطلة؛ لأنّنا نقول: فلِتجرِ الأصول في أطراف العلم الإجمالي، ولا يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية، بل يلزم رفع موضوع 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

() انظر الباقي في تلك المحاضرة. (المقرّر).

(2) ثُمَّ بدأ السيّد الإشكال بحسب عالم التنجيز، وذكر أنّه بناءً على تلك الفرضية يلزم عدم تنجيز العلم التفصيلي، والإجمالي بمرحلته الذاتية المعبّر عنها بحرمة المخالفة القطعية والمرحلة العرضية له، المعبّر عنها بوجوب الموافقة القطعية. وناقش المرحلة الأولى كما سبق في المحاضرة المُشار إليها، (المقرِّر). [ص294 من هذا الكتاب]. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التكليف الفعلي؛ لأنّ التكليف الفعلي الذي هو المانعية أُخذ في موضوعه التنجيز وعدم المؤمّن، فجريان المؤمّنات في الأطراف يوجب ارتفاع موضوع المانعية واقعاً. 

فكم فرق بين أصول تجري فيؤدّي جريانها إلى الترخيص في مخالفة التكليف الواقعي المعلوم، وبين أصول تجرّي فترفع بجريانها موضوع ذلك التكليف الواقعي المعلوم؟ والذي يلزم منه المحذور هو الأوّل لا الثاني وما يقع في المقام هو الثاني لا الأوّل(1)

ولعلّ(2) هذا هو مراد المحقّق النائيني، إلّا أنّ العبارة أُطلقت من باب التسامح، وحينئذٍ، بناءً على هذا لا يبقى إشكال في هذا الوجه الثاني، فهذا الوجه نحن نتعقّله لكن بهذا النحو، بأخذ المنجزيّة في الموضوع بنحو الصلاحية لا بنحو الفعلية. 

ــــــــــ[352]ــــــــــ

() وهنا، قرّر السيّد الإشكال في عالم التعبّد الاستصحابي، كما سبق في المحاضرة المُشار إليها فراجع. (المقرّر).

(2) بدأ السيّد بالكلام حول دفع الإشكالات السابقة على تقدير عدم كون الجزء الثاني للمانعيّة -مضافاً إلى النجاسة- هو المنجزيّة الفعلية، بل هي أمر آخر، عبّر عنه السيّد فيما قبل التعطيل بذوات أدوات التنجيز كالعلمين التفصيلي والإجمالي والاستصحاب ونحوها. وعبّر عنه في هذه المحاضرة، بما يصلح للتنجيز على تقدير كون النجاسة حكماً تكليفياً، أو صلاحية هذا التنجيز. وقد سار في رد الإشكالات على هذا النسق الجديد، وليس فيه عمّا سبق مؤونة زائدة إلّا ما أثبتناه في هامش تلك المحاضرة فراجع. وقال:.. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا هو تحقيق حال الوجهين المتصورّين لتضييق دائرة المانعية من قبل الميرزا(1)

الاعتراض الثاني: أنّه وقع خلط في هذه الكلمات بين العلم الإجمالي، الذي نحن بصدّده، والعلم الإجمالي الذي لوحظ في هذه الكلمات؛ لأنّه لو سلّمنا أنّ العلم الإجمالي بصرف الوجود دائماً ينطبق على الوجود الأوّل فيما إذا كانا وجودين تدريجيين في عمود الزمان، كالصلاة الأولى والثانية، فحينئذٍ، يُقال: إنّه ينطبق على الصلاة الأولى. 

لكن العلم الإجمالي -الذي هو محلّ الكلام هنا- ليس هو هذا بل هو العلم الإجمالي بنجاسة أحد الثوبين، وفرداه عرضيان، فإنّ نجاسة هذا الثوب ونجاسة ذاك فردان عرضيان، ونحن نريد أن نحسب حسابه قبل أن يأتي المكلّف لا بالفرد الأوّل ولا الثاني، ونقول: بأنّ هذا العلم الإجمالي يخلق مانعاً واحداً أو مانعين. وقد فرضنا أنّه يخلق مانعاً واحداً فقط، وحينئذٍ، نتساءل أنّ هذا المانع يصير في هذا الثوب أو ذاك. فكلامنا في علمٍ إجمالي عرضي الأطراف لا في علم تدريجي الأطراف. 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

() وبعد أن انتهى من ذلك، كما سبق بدأ بذكر الثمرة المذكورة في تقرري الميرزا لوجهي توسعة المانعية التي ذكرها الميرزا وهما: أخذ النجاسة بما هي معلومة. وأخذها بما هي منجّزة. وذكر أوّلاً ما في الكتابين كما سبق في المحاضرة المؤرخة: الأحد 17/7/1388هـ [ص307 من هذا الكتاب. ثُمَّ بدأ بالاعتراض على أجود التقريرات فعنون اعتراضين ذكر الاعتراض الأوّل منهما كما سبق أيضاً في محاضرة يوم الثلاثاء 19/4/1388 [ص309 من هذا الكتاب]. أمّا الثاني فلم يكن قد ذكره آنئذٍ، بل ذكره هنا. إذن، فلا بدَّ أن نكتبه تتميماً للفائدة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

هذا هو الاعتراض الثاني على أجود التقريرات، بعد هذا ننتهي إلى فوائد الأصول.

إن(1) الكلام يقع في مقامين: 

تارةً: يقع بناءً على ما هو محل الكلام بين الفوائد والسيّد الأستاذ، وهو أنّ المأخوذ في موضوع المانعية هو النجاسة المنجّزة. 

وأخرى: يقع الكلام بناءً على أنّ المأخوذ في موضوعها النجاسة المعلومة، الذي كان محلّ اتفاق بين الفوائد والسيّد الأستاذ، في أنّه لا يوجد إلا بطلان واحد(2)

وتفصيل الكلام بناءً على هذا الوجه أيضاً يقع في جهتين:

الجهة الأولى: في الوظيفة الفعلية الظاهرية لهذا العالِم إجمالاً قبل انكشاف نجاسة الثوبين.

الجهة الثانية: أن نتكلّم في حكمه الواقعي، بعد أن ينكشف الحال، وينكشف أنّ كِلا الثوبين نجس. وهل أنّ لوظيفته الفعلية المشخصّة بالجهة الأولى أثر في تشخيص حكمه الواقعي المبحوث عند الجهة الثانية؟

ــــــــــ[357]ــــــــــ

() عنون السيّد المسألة بادئاً بكلام فوائد الأصول، ثُمَّ ذكر كلام السيّد الأستاذ موضّحاً وقد سبق ملّخصه الكامل في المحاضرة المُشار إليها. ثُمَّ بدأ بما هو التحقيق في مناقشة هذه الكلمات، وقال: إن… (المقرّر).

(2) ثُمَّ تكلّم في المقام الأوّل، وأنّ العلم الإجمالي هل يوجب تنجيز نجاستين، حتّى تبطل كِلا الصلاتين، أو نجاسة واحدة حتّى تبطل صلاة واحدة؟ كما في الفوائد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في وظيفة المكلّف قبل الانكشاف

الجهة الأولى: في الوظيفة الفعلية الظاهرية لهذا العالِم إجمالاً قبل انكشاف الواقع له. هل يتنجّز عليه نجاسة واحدة، والنجاسة الثانية يكون مؤمَّناً من قبلها، أو يتنجزّ عليه نجاستان ولا يكون له مؤمِّن(1)؟

الصورة(2) الثانية(3): فيما إذا فرض أنّه عَلمَ إجمالاً بأنّ أحد الثوبين نجس بنجاسة دمّيّة ذات خصوصية معيّنة، ويُشكّ بنجاسة الآخر بالنجاسة البولية، بنجاسة على تقدير وجودها بكون هناك مائز بينها، وبين النجاسة الدمّية المعلومة إجمالاً.

في مثل هذا لا بأس بإجراء الأصول المؤمّنة بعنوان غير المعلوم بالإجمال عقلاً وشرعاً؛ لأنّ عنوان: غير المعلوم بالإجمال وإن كان غير متعيّن عند العالِم إجمالاً، لكنّه متعيّن عند جبرئيل، لأنّ المعلوم بالإجمال له تعيّن في الواقع، فغير المتعيّن متعيّن لا محالة، وحينئذٍ، لا يكون عندنا إلا نجاسة واحدة منجّزة وتكون النجاسة 

ــــــــــ[358]ــــــــــ

() ثمَّ استمرّ السيّد بتقرير هذه الجهة، كما سبق في المحاضرة المُشار إليها في يوم الثلاثاء 19/4/1388 فراجع. حتى انتهى من التقريبات الثلاث* للتأمين في أطراف هذا العلم الإجمالي وتوصل انه لا يمكن تحصيل المؤمّن بأي وجه. 

* الخاصّة بما إذا لم يكن للمعلوم بالإجمال تعيّن في الواقع. (المقرّر). [ص 307 وما بعدها من هذا الكتاب].

(2) لخصّ أولاً جملة ما كان قاله في الصورة الأولى: وهي ما إذا لم يكن للمعلوم الإجمالي تعيّن في الواقع. (المقرّر).

(3) راجعها أيضاً فيما سبق لكنّها هنا مذكورة بشكل مفصّل أكثر. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأخرى مؤمّناً عنها، فلا موجب لتنجز عقابين على مثل هذا المكلّف(1)

الصورة الثالثة: أن يفرض أنّه عالم بنجاسة أحدهما إجمالاً وعالم بطهارة الآخر إجمالاً، في مثل هذا أيضاً لا بدَّ من الالتزام بأنّ المنجّز واحد لا محالة لا أكثر. وهنا لا يفرق بين أن يكون للنجاسة المعلومة بالإجمال تعين أو لم يكن. افرضوا: علم إجمالاً بنجاسة دمّية في أحدهما وقطع بأن الآخر على إجماله طاهر، ثمَّ انكشف ان كليهما نجس بالدم. 

فهنا النجاسة المعلومة بالإجمال لا تعين لها -كما يقول السيد محمد (2) – في مقابل النجاسة الأخرى المنكشفة على خلاف قطعه. ولكن مع هذا يُقال: بأنّ المنجّز عليه واحد، وأنّ النجاسة الثانية بعنوانها الإجمالي معذّر عنها. وكونها مردّدة وغير معيّنة لا بأس به؛ لأن المعذريّة هنا عقلية لا شرعية؛ فإنّها معذريّة ناشئة من القطع بطهارة الآخر، فهي معذريّة عقلية قائمة بالوجود الواصل، لا بالوجود الخارجي، فلا يلزم قيام الصفة بالمردّد. فلا بأس بالالتزام بنجاسة واحدة.

هذا كلّه البحث في الجهة الأولى: قبل انكشاف الحال.

ــــــــــ[359]ــــــــــ

() وهنا قلت له: لو كان في الواقع كِلاهما نجاسة دمّية، فحينئذٍ لا يكون المعلوم الإجمالي متعيّناً. 

فقال: نعم، لكن هذا خلاف المفروض، نحن فرضنا أنّ النجاسة الثانية، التي انكشف أنّها موجودة سنخ نجاسة على فرض وجودها، مغايرة للنجاسة المعلومة بالإجمال، وهذا الذي تقوله يدخل إمّا في الأوّل أو الثالث. (المقرّر).

(2) يعني كاتب هذه الحروف. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في وظيفته بعد الانكشاف 

الجهة الثانية: وهي ما بعد انكشاف الحال، ووضوح أنّ كِلا الثوبين كان نجساً. هنا ما هو حكمه الواقعي؟ وهل أنّ وظيفته الفعلية التي شخصّناها في الجهة الأولى لها أثر في تعيين حكمه الواقعي بعد الانكشاف في الجهة الثانية، أو لا؟ 

وهنا ينبغي أن يُقال: إنّنا أولاً: نقول: إنّه لا بدَّ من ملاحظة أدلّة المانعية، لنرى أنّها ضُيِّقت بأي مقدار(1)؟ 

بناءً على هذا المشرب نقول: بأنّ الحكم الواقعي هو بطلان كِلتا الصلاتين، سواءٌ قلنا في الجهة الأولى بإجراء المؤمّنات عن الوجود الثاني، أو لم نقل. فإنّ مثل هذه المؤمّنات عن الوجود الثاني، لم يدلّ دليل على تقييد أدلّة المانعية بالنسبة إليها. 

إذن، فنحكم ببطلان كِلتا الصلاتين لوجود كِلا المانعين. وهذا هو الصحيح بحسب النتيجة الفقهية.

وأما لو لم نَبنِ على هذا المشرب، وقلنا بأنّ الأدلة في المسألة الفقهية، كانت من أوّل الأمر تنيط مانعية النجاسة بعنوان كونها منجّزة، فكل نجاسة غير منجّزة خارجة عن موضوع أدلّة المانعية، سواءُ كان اللا تنجيز بتأمين 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

() وهنا، لخصّ مسلكاً ذكره في الصفحة الثانية من المحاضرة المؤرخة: الأربعاء 20/4/1388هـ، والذي أنتج أنّ التأمين عن النجاسة الثانية على إجمالها، لا يكون مانعاً عن شمول أدلّة المانعية له. (المقرّر). [ص325 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

اصطناعي(1) أو بتأمين حقيقي.

فحينئذٍ، يُقال في المقام: أمّا في الصور التي كان المعلوم بالإجمال فيها متعيّناً، كما في الصور الثلاث، في مثل ذلك لا ينبغي الإشكال في أنّ إحدى الصلاتين المعيّنة تكون باطلة، وإحداهما المعيّنة تكون صحيحة. فالصلاة التي انكشف أنّها وقعت مع الثوب النجس الدمّي تكون باطلة؛ لأنّها هي النجاسة المعلومة بالإجمال، وأمّا النجاسة التي انكشفت أنّها وقعت في الثوب النجس البولي فتكون صحيحة؛ لأنها صلاة وقعت بثوب مؤمّن عن نجاسته بالخصوص، والمفروض، أنّ التأمين مطلقاً مانع عن شمول أدلّة المانعية.

وأمّا في الصوّر التي يكون التأمين فيها منصبّاً على شيء لا بعينه، كالتأمين العقلي أو التأمين الشرعي – لو كان هكذا – هذا التأمين لو لم يكن موجوداً، لكان موجباً لتنجّز كِلتا النجاستين، وحينئذٍ، يشمل دليل المانعية كِلتيهما، إذ لا يبقى له مانع من شموله لهما، فيحكم بأنّ كلاً من النجاستين مانع، وإنما قَصُرَ دليل المانعية عن الشمول لِكِلا النجاستين ببركة هذا التأمين الغامض، الذي جرى في عنوان غير المعلوم بالإجمال. وببركته تحدّدت المنجزيّة بنجاسة واحدة وأصبح من المستحيل شمول دليل المانعية لِكِلا النجاستين جمعاً. إذن، فماذا يشمل؟ 

دليل المانعية لا يمكن أن يشمل كِلتا النجاستين جمعاً؛ لأنّ إحداهما مؤمّن عنها، والمفروض أنّ دليل المانعية موضوعه النجاسة المنجّزة، ولا يوجد 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

() يعني التأمين عن النجاسة الثانية على إجماله. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

نجاستان منجّزتان جمعاً. والشمول لإحداهما دون الأخرى ترجيح بلا مرجّح. يعني أنّه غير صحيح؛ باعتبار أنّ نسبة هذه النجاسة إلى المعلوم بالإجمال نسبة النجاسة الأخرى. فمن الذي طبّق عليها عنوان النجاسة المنجّزة، حتّى تكون هي مصداقاً لموضوع دليل المانعية؟

لا يبقى إلا أن يشمل دليل المانعية المجموع من حيث المجموع، يعني يكون المانع مجموع الثوبين، يعني ليس الثوبين معاً يكون مانعاً، وهذا أمر معقول بالنسبة إلى الصلاة الواحدة، فيُقال: بانها مقيدة بأن لا يلبس كِلا الثوبين. 

وأما بالنسبة إلى صلاتين، كصلاة العصر وصلاة المغرب فالمانعية هنا غير معقولة، لا معنى لأن يُقال: إنّه لا يجوز أن يجمع بين الثوبين في صلاتين؛ لأن معناه بأنّ إحدى الصلاتين تكون مقيّدة بأن لا تقع في أحد الثوبين.

وإن شئتم قلتم: إنّه عندنا صلاتين، وهما إمّا كِلاهما مقيّد أو هذا فقط مقيّد أو ذاك فقط مقيّد أو إحداهما مقيّد، والشقوق كلّها مستحيلة. 

أمّا أنّ كِليهما مقيّد فهو خُلف كون موضوع المانعية هي النجاسة المنجّزة، وليس هنا إلا نجاسة منجّزة واحدة. 

وأمّا إن كان أحدهما مقيّد دون الآخر فهو ترجيح بلا مرجّح. 

وأمّا ان يكون المقيّد إحدى الصلاتين، فهو أيضاً مستحيل؛ لأنّ التقييد إنّما يكون بلحاظ متعلّق الأمر، وعنوان إحدى الصلاتين ليس متعلّقاً لأمر. هناك أمران: (صلِّ المغرب) و(صلِّ العصر)، والمفروض أنّه ليس أيّ منهما مقيّد، 

ــــــــــ[362]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وليس عندنا أمرٌ ثالث: صلِّ إحدى الصلاتين، حتّى يؤخذ هذا القيد المبهم فيه. فجعل مركز التقييد أيضاً غير معقول. فجميع المراكز للتقييد غير معقولة.

وبذلك يسقط دليل المانعية رأساً، والفقيه لا يمكن أن يتمسّك بدليل المانعية بأي واحد من وجوهه الأربعة. وبعد أن سقط دليل المانعية رأساً، لا بدَّ أن يرجع الفقيه إلى متيقّنه، ويقول: بأنّي لا أحتمل أن يكون هذا المورد أحسن حالاً من مورد أن تكون النجاسة واحداً، كأن وجود نجاستين أوجب خفّة، وهو غير محتمل. إذن، فيرجع إلى قدر متيقّن في مقام المانعية بوجهٍ نُشير إليه.

وإلى هنا اتّضح اعتراضان على السيّد الأستاذ: 

الاعتراض الأوّل: وهو مقتنص من الجهة الأولى، وهو أن إجراء المؤمّن الشرعي بلحاظ الوجود الثاني غير معقول في بعض الصوّر. 

والاعتراض الثاني: هو مقتنص من الجهة الثانية: أنّنا لو سلّمنا إجراء هذا المؤمّن، إمّا بأنّ نجعله عقلياً، أو نجعله شرعياً، ونغض النظر عن إشكاله، حينئذٍ نقول: إنّ هذا المؤمّن لا ينفع في تصحيح إحدى الصلاتين واقعاً، كما رامه.

لا من ناحية الإشكال الفقهي، من ناحية أنّ إطلاق دليل المانعية موجود والمخصّص أخص، بل من ناحية أخرى صناعية؛ وذلك أنّ مثل هذا التأمين يخلق هذه المشكلة في مقام تطبيق دليل المانعية على مصداقها الخارجي، إذ يستحيل تطبيق دليل المانعية حينئذٍ، على كُلّ منهما لا جمعاً ولا بدلاً، ولا هذا وحده ولا ذاك وحده. إذن، فيسقط دليل المانعية ولا بدَّ من الرجوع إلى دليلٍ آخر في مقام أخذ القدر المتيقّن. 

ــــــــــ[363]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ثُمَّ، لو فُرَض أنّ القدر المتيقّن الذي حصل بدليل المانعية، وأخذنا بالشقّ الأخير، وهو أن يكون إحدى الصلاتين لا بعينها مقيّدة بأن لا تقع في أحد الثوبين. فهذا معناه: أنّ من يعلم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين ويحتمل نجاسة الآخر أنّه يقول: إن لم يكن الآخر نجساً إذن، فالمانعية هنا تعيينية. وإن كان الآخر نجساً -فالقضيّة أخف- لأنّ المانعية تكون تخييرية، يعني يبطل إحدى صلاتين تقعان في كِلا هذين الثوبين، لا صلاة واحدة تقع فيه، فيصلي في واحدة من طرفي العلم الإجمالي ويقول: إنّ كان هذا هو النجس وحده فصلاتي باطلة؛ لأنّه إذا انحصر النجس في هذا فالمانعية تعيينية، وإن كان النجس الآخر وحده فصلاتي صحيحة، وإن كان كِلاهما نجس فالمانعية ليست تعيينية في كلّ منهما، وإنّما هي تخييرية يعني تبطل إحدى الصلاتين اللتين تقعان في كِلا الثوبين وأنا اقتصر على صلاة واحدة. ففي مثل هذا يلزم أن يكون احتمال نجاسة الثاني منشأ عند هذا المكلّف لخفّة في الكلفة ودرجة من السعة، وهي غير محتملة عند عدم وجود نجاسة ثانية. وهذا من اللوازم التي يقطع الفقيه -بقطع النظر عن الصناعة التي ذكرناها- بعدم صحّتها.

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية.

*****

انتهينا سابقاً من حكم هذا الفرض بناءً على الفرض الأوّل للمانعية، وهي: أن يكون أخذ في موضوعها النجاسة المنجّزة.

بعد هذا نتكلّم على الوجه الآخر وهو: ما إذا قلنا بأنّ المانعية أُخذ في 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

موضوعها النجاسة بوجودها الواصل لا بوجودها المنجّز يعني النجاسة المعلومة بما هي معلومة.

وقد انقدح من مطاوي الكلمات بناءً على الوجه الأوّل ما ينبغي أن يُقال بناءً على هذا الوجه، ومحصّل ما ينبغي أن يُقال بناءً على هذا الوجه: 

إنّنا إمّا أن نجمد على حاقّ هذا العنوان فنقول: بأنّ النجاسة المعلومة هي التي تكون موضوعاً للمانعية، وكلّ ما لا يتعيّن كونه معلوماً، فلا يكون. 

وإمّا أن نتصرّف في هذه العبارة من أوّل الأمر؛ باعتبار: أنّ أخذ قيد العلم في موضوع المانعية على خلاف طبع الأدلّة الأولية، التي دلّت على شرطية الطهارة في نفسها، أو مانعية النجاسة في نفسها، ولم يؤخذ فيها قيد العلم ومقتضاه، كونها مانعاً كانت معلومة أو لم تكن. وإنّما خرجنا عن ذلك بالروايات الدالّة على أنّ الشاك والجاهل إذا صلّى مع النجاسة تصحّ صلاته، والقدر المتيقّن من هذه الروايات الذي نرفع اليد به عن إطلاق تلك الأدلّة، هو أن تكون النجاسة مجهولة بالمعنى المتعارف. 

وأمّا إن كانت النجاسة مجهولة بالنحو التي هي في محلّ الكلام، فإنّه لو علم إجمالاً بنجاسة أحد ثوبين وتبيّن أنّهما معاً نجسين، فهنا كلّ من النجاستين في نفسها صالحة لأن تكون هي المعلومة بالإجمال، وإنّما يؤخّرها عن ذلك وجود المزاحم. مثل هذه اللامعلومية الناشئة من التزاحم بين الفردين الخارجيين، لم يثبت أنّها مضرّة بالمانعية، فنبقى نحن وإطلاق أدلّة المانعية، رفعنا اليد عنه في موارد الشبهة البدوية دون غيرها.

ــــــــــ[365]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إذا بنينا على هذا المشرب، فنقول: بأنّه بلحاظ ما قبل انكشاف الحال، هذا العلم إجمالاً يُحتمل وجود مانعية زائدة، لاحتمال وجود النجاسة الثانية؛ لأنّه لو كان كِلاهما نجسين يكون كِلاهما مانعاً بناءً على هذا المشرب الفقهي. فاحتمال النجاسة الثانية معناه احتمال المانع الثاني فيحتاج إلى إجراء الأصول للتأمين من ناحية النجاسة الثانية. 

والكلام في إجراء الأصول هو الكلام فيه بناءً على الوجه الأوّل بصوره الثلاث.

وبعد انكشاف الحال وتبين أنّ كِلا الثوبين نجس يحكم ببطلان كِلتا الصلاتين؛ لأنّ كلاً منهما وقع مع نجاسة شبه معلومة، والمفروض أنّ النجاسة الشبه معلومة مانعة أيضاً. 

وأما إذا لم نجرِ على هذا المشرب وتقيّدنا بِمرّ اللفظ، وقلنا بأنّ موضوع دليل المانعية من أوّل الأمر كان هو النجاسة المعلومة بما هي معلومة، أمّا بلحاظ ما قبل انكشاف الحال، فلا نحتاج إلى إجراء التأمين عن الوجود الثاني؛ لأنّ المكلّف يقطع بعدم وجود مانع أكثر من واحد؛ لأنّ النجاسة الثانية لو كانت موجودة لا تكون مانعاً؛ لأنّ المانعية أُخذ في موضوعها العلم، ولا يوجد هنا علمان ومعلومان.

وهذا هو الفرق بين هذا الوجه، والوجه السابق، فإنّه على السابق كنّا نحتاج في هذه المرحلة إلى الأصل المؤمّن، إذ لولاه لتنجزت كِلتا النجاستين. وحينئذٍ، تدخلان معاً تحت موضوع دليل المانعية، وأمّا هنا، فحتّى لو لم يجرِ 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الأصل المؤمّن لا تدخل كِلتا النجاستين تحت دليل المانعية؛ لأنّ موضوع دليلها تقيّد بالعلم، فيقطع المكلّف – قبل أن ينكشف له الحال – بوجود مانع واحد ويقطع بعدم وجود المانع الثاني. إذن، فأي حاجة له إلى إجراء الأصول(1)؟

وأما ما بعد انكشاف الحال، فهنا تأتي العويصة التي واجهها أصحاب الوجه الأول أيضاً، من حيث إنهم يتحيرون في كيفية تطبيق دليل المانعية. فإننا فرضنا انه ليس عندنا إلا مانع واحد فكيف يطبق دليل المانعية؟ تأتي الصور الأربع مع براهين استحالتها.

هذا حاصل الكلام في الوجه الثاني.

وبذلك تمّ الكلام في الثمرة بين الوجهين.

بعد هذا نرجع إلى أصل المطلب، فإنّنا كنّا نتكلّم في صياغة نظرية عامّة تناسب مع فتاوى الفقهاء بالصحّة والبطلان في باب الطهارة والنجاسة، وهذه النظرية قلنا إنّها تقتضي إمّا تضييق دائرة المانعية، أو توسعة دائرة الشرطية. 

أمّا الأوّل فقد تكلّمنا فيه.

الكلام في توسيع دائرة الشرطية 

بعد هذا نتكلّم في توسيع دائرة الشرطية، بحيث ينطبق على تلك الفتاوى الفقهية. وهذا هو الذي اتّجه إليه المحقّق الخراساني(2) فإنّه ذكر على ما يظهر 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنّه في صورة عدم التعيّن، يأتي الإشكال السابق.

فقال: نعم على ما قلناه فيما سبق. (المقرّر).

(2) انظر: كفاية الأصول، 394. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

من عبارته، أنّ الشرط هو إحراز الطهارة، ولو بأصل أو قاعدة، وهذا هو الذي تصوّره الميرزا أيضاً(1)،فإنّه ذكر أنّ الشرط هو العلم بالطهارة لا الطهارة الواقعية. 

وهنا يجب أن يعلم أنّ هناك فرقاً أساسياً في موقفنا تجاه المانعية وتجاه الشرطية: 

فإنّنا بناءً على المانعية كنّا نريد أن نضيق دائرتها، وتضييق دائرتها لم يكن يفرض علينا أن نخرج النجاسة عن موضوع دليل المانعية، إذ كان يكفي في ذلك أن نضيف إليها قيداً، فنقول: بأنّ موضوع المانعية هو النجاسة زائداً قيد المنجزيّة، أو قيد العلم والوصول، وبذلك صحّحنا الصلاة في الموارد التي يفتي الفقيه بصحّتها فيه.

وأما هنا ففرضنا توسيع دائرة الشرطية، بحيث نتصوّر انحفاظ الشرط في الموارد التي يُفتى فيها بصحّة الصلاة. وحينئذٍ، لا بدَّ لنا من إخراج الطهارة الواقعية عن دائرة موضوع الشرطية وعزلها بالمرّة، لا بنحو تمام الموضوع ولا جزئه، إذ لو دخلت في موضوع دليل الشرطية، ولو بنحو جزء الموضوع يلزم بطلان الصلاة متى ما فُقدت الطهارة الواقعية. وهذا هو الذي يثير إشكالاً – لم يكن موجوداً بهذا الوضوح في تضييق دائرة المانعية – وحاصله: أنّنا لو عزلنا الطهارة الواقعية عن الشرطية بالمرّة كيف يجري استصحاب الطهارة الواقعية في موارد الشك، فتكون الطهارة الواقعية بمعزل عن الأحكام الشرعية لا موضوعاً للشرطية ولا متعلّقاً لها.

ــــــــــ[368]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 363.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وهذا الإشكال لا نواجهه على الوجه الأوّل، إذ عليه لم نكن مضطرّين أن نعزل النجاسة عن موضوع المانعية رأساً، إذ كان بإمكاننا أن نتحفّظ عليها كجزء من الموضوع. 

وحينئذٍ يُقال: بأنّ استصحاب النجاسة أو عدمها يجري بلحاظ أنّها جزء من موضوع الحكم الشرعي عن المانعية.

وفي مقام عزل الطهارة الواقعية عن موضوع دليل الشرطية، أي في مقام توسيع دليل الشرطية، عبَّر الآخوند بأنّ الشرط هو إحراز الطهارة الواقعية ولو بأصل أو قاعدة والميرزا عبّر بأنّ الشرط هو العلم بالطهارة. 

ونحن في مقام إعطاء نظرية للشرطية الموسّعة لا بدَّ وأن لا نقصد من العلم بالطهارة -الذي نريد أن نجعله شرطاً- العلم الوجداني بالطهارة الواقعية، وإلاّ لم نصنع شيئاً؛ لأنّ معناه بطلان الصلاة في موارد جريان القواعد الظاهرية. فلا بدَّ أن نريد أحد وجوه: 

إمّا أن نريد من العلم: العلم بالجامع بين الطهارة الواقعية والظاهرية، وهذه الصيغة لا تكفي لتفسير الفتاوى الفقهية؛ لأنّه يلزم منها أنّه في موارد عدم العلم الوجداني لا بالطهارة الواقعية، ولا الظاهرية أن تكون صلاته باطلة حتّى مع فرض وجود الطهارة الواقعية. فلو صلى بلا مؤمّن(1) برجاء أن يكون ثوبه طاهراً. وبعد ذلك انكشف أنه طاهر واقعاً، لا إشكال أنّ صلاته صحيحة مع أنّ الشرط بناءً على هذه الصيغة غير موجود.

ــــــــــ[369]ــــــــــ

() كما لو كان طرفاً للعلم الإجمالي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الصيغة الثانية: أن يُقال: بأنَّ الشرط هو الجامع بين نفس الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، لا العلم بهما. فيرتفع هذا النقض؛ لأنّ الطهارة الواقعية هنا تكون محفوظة.

ولا يُقال: بأنّ هذا خلاف ما قلناه من عزل الطهارة الواقعية عن الشرط. فإنّها هنا أيضاً معزولة عنه، فإنّها هنا فرد للشرط، لا أنّها جزء من موضوع الشرطية، وفرقٌ بين فرد الشرط، وبين الجزء لموضوع الشرطية. 

إلا أنّ هذا ممّا لا يرضى عنه الفقيه؛ لأنّه يلزم من مثل هذه الصيغة: أنّه لو صلّى اعتماداً على قطعه الوجداني بالطهارة الواقعية، وكان نجساً في الواقع، أن تكون صلاته فاقدة للشرط؛ لأنّ الطهارة الواقعية غير موجودة، والطهارة الظاهرية أيضاً غير موجودة؛ لأنّه مع القطع بالطهارة لا تجري في حقّه الأصول المؤمّنة. فهذا أيضاً غير كافٍ. 

الصيغة الثالثة: أن يُفرض أنّ موضوع الشرطية، عبارة عن مطلق المؤمّن للطهارة الواقعية، بحيث يشمل العلم الوجداني لكي نصحّح الصلاة في مثل هذا الفرض. إلا أنّ هذا أيضاً غير صحيح؛ لأنّ هذا روحه يرجع إلى الوجه الأوّل، وهو الجامع بين العلم بالطهارة الواقعية والعلم بالطهارة الظاهرية، فيلزم حيث لا يوجد هناك نجاسة في الواقع، ولا مؤمّن في الظاهر أن تكون صلاته باطلة مع أنّها صحيحة(1).

ــــــــــ[370]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا عين الأوّل، إلاّ أنّه هنا مقصودنا من المؤمّن الطهارة الظاهرية بوجودها الواقعي، بحيث لو كان ثوبه مجرى لأصالة الطهارة دون أن يدري تصحّ صلاته على الثالث، ولا تصحّ على الأوّل. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ومن هذه الشقوق الثلاثة أنتم تقيسون سائر المحتملات العقلية.

ومن هنا، لا بدَّ أن نلتزم بأنّ موضوع الشرطية، يكون هو الجامع: إمّا بين الطهارة الواقعية، ومطلق المؤمّن الجامع بين القطع الوجداني، والقواعد الظاهرية. وإمّا هو الجامع بين الطهارة الواقعية والعلم بالطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، فيكون الشرط هو الجامع بين الأمور الثلاثة. فتكون هذه الصيغة كافية لإشباع حاجة الفقيه.

 في جريان استصحاب الطهارة مع عزلها عن الشرطية

بعد هذا نأتي إلى الإشكال العصيب الذي أشرنا إليه، وهو: أنّه بعد عزل الطهارة الواقعية عن موضوع دليل الشرطية، لا يبقى بعد هذا مجال لاستصحاب الطهارة الواقعية؛ لأنّها لا تكون دخيلة لا في موضوع الشرطية ولا في متعلّق الأمر، بل ما هو الموضوع والمتعلّق شيء آخر غير الطهارة الواقعية. 

وهنا نأخذ بصيغة الإشكال بالنحو الذي صاغه المحقّق العراقي، وهو أدّق الصيغ الممكنة.

إن(1) الطهارة الواقعية، قد تصبح معزولة بالمرّة عن موضوع الحكم الشرعي على بعض مباني توسيع الشرطية، كجعل الشرط هو إحراز الطهارة الواقعية أو وجود المؤمّن عنها. وقد تصبح فرداً من أفراد الشرط، على بعض الصيغ الأخرى كتوسيع الشرط، كما لو قلنا بأنّ الشرط هو الجامع بين الطهارة 

ــــــــــ[371]ــــــــــ

() عنون المسألة أولاً ثمَّ ذكر: إن… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الواقعية والظاهرية، أو بينها وبين المؤمّن. 

وهذا معنى ما قلنا من أنّ جميع صيغ توسيع دائرة الشرط تشترك في نكتة وتختلف في نكتة.

 أمّا النكتة المشتركة بينهما، فهي أنّ الطهارة الواقعية بعنوانها، لا تكون مأخوذة في دليل الشرطية. 

وأمّا نكتة الاختلاف، فهي أنّ الطهارة الواقعية بناءً على بعض تلك الصيغ تكون فرداً من أفراد الشرطية، وبناءً على بعضها لا تكون حتّى فرداً منها. 

والنكتة المشتركة أصبحت مثاراً لإشكالٍ على تمام الصيغ، وهو أنّه كيف يجري استصحاب الطهارة فيما لو شكّ في بقاء الطهارة الواقعية؟ مع أنّها قد عزلناها عن الشرطية، فليست هي موضوعاً للشرطية وللحكم الشرعي، فكيف يجري استصحابها؟

ونحن سوف نتكلّم في تحقيق هذا الإشكال في مقامين: 

المقام الأوّل: بلحاظ الوجوه والصيغ التي تقتضي عزل الطهارة الواقعية، حتّى عن كونها فرداً من الشرط الواقعي. كما لو قيل بأنّ موضوع الشرطية هو المؤمّن ونحوه. فنرى أنّه هل يمكن استصحاب الطهارة الواقعية، بالرغم من أنّها معزولة، حتّى عن أن تكون فرداً عن موضوع الشرطية أو لا؟

المقام الثاني: نتكلّم بلحاظ الوجوه الأخرى، التي يتحفّظ فيها على كون الطهارة الواقعية مصداقاً من موضوع الشرطية، كما إذا قيل بأنّ موضوع الشرطية هو الجامع بين الطهارة الواقعية والظاهرية.

ــــــــــ[372]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فيرى أنّ كون الطهارة مصداقاً من موضوع الشرطية هل يصحّ استصحابها أو لا؟

فالكلام يقع في مقامين: 

المقام الأوّل: في صيغ توسيع الشرطية

المقام الأوّل: وهو أن نتكلّم بلحاظ الصيغ في التوسيع للشرطية، التي تفترض أنّ الطهارة الواقعية ليست حتّى فرداً من الشرط الواقعي، فهل يمكن استصحاب الشرط الواقعي؟

وإشكال إجراء الاستصحاب في هذا المقام يمكن أن يقرب ملاكه بتقريبات ثلاثة: 

التقريب الأوّل: 

أن نقول: إنّ جريان الاستصحاب يكون لغواً؛ لأنّ الاستصحاب يُعيدنا بالطهارة الواقعية، وهي ليس لها أي نفع بالنسبة إلينا؛ لأنّها معزولة عن الشرطية بالمرّة، إذن. فالتعبّد بأمر معزول عن الأحكام الشرعية بالمرّة يكون التعبّد بها لغواً. 

فلا يجري الاستصحاب من أجل لغويّة هذا التعبّد. 

هذا التقريب يمكن الجواب عليه؛ وذلك بأن يُقال: بأنّ محذور اللغويّة يندفع بتصوير فائدة في نفس التعبّد لا في التعبديّة، فإنّه وإن لم يكن للمتعبّد به وهو الطهارة ليس لها دخل في الأحكام الشرعية، ولكن نفس التعبّد بالطهارة الواقعية يحقّق مصداقاً لما هو الشرط؛ لأنّه يحقّق طهارة ظاهرية استصحابية، 

ــــــــــ[373]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

والمفروض بأنّ الشرط هو الطهارة الظاهرية والمؤمّن، وهذا مصداق منها. ويكفي في خروج الاستصحاب عن كونه لغواً، أن يكون نفس التعبّد الاستصحابي ذا أثر مفيد بالنسبة إلى الفقيه، ولا يشترط أن يكون المتعبّد به ذا أثر بالنسبة إليه. وهذا يكفي في تصحيح جعله من قبل المولى وإجرائه من قبل الفقيه. فهذا التقريب غير تام.

التقريب الثاني:

 أن يُقال: إنّنا سلّمنا أنّه ليس بلغو، لكن الاستصحاب مفاده هو جعل المستصحب بقاءً، فلا بدَّ أن يكون المستصحب قابلاً لأن يكون مجعولاً من قِبل الشارع، وما يقبل الجعل إنّما هو الأحكام الشرعية. وحينئذٍ، فلا بدَّ أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي بلحاظ حكمه. أمّا إذا لم يكن حكماً شرعيّاً ولا موضوعاً له، فلا معنى لجريان الاستصحاب. فيكون مفاد الاستصحاب غير معقول؛ لأنّ مفاده هو جعل المولى للمستصحب بقاءً، وما لا يقبل الجعل لا يقبل الاستصحاب.

وهذا الاستصحاب لو تمّ أصله الموضوعي، وهو أنّ الاستصحاب لا يجري إلا فيما إذا كان المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً له حكم شرعي، يمكن دفع هذا التقريب: صغرى: بدعوى: أنّ الطهارة الخبثية الواقعية هي بنفسها حكم شرعي، ولا تحتاج إلى حكم شرعي اسمه الشرطية، حتّى يتعبّد بالطهارة بلحاظ حكمها الشرعي. 

وكأن نظر المحقّق العراقي كان إلى هذا الوجه، ولهذا قال: بأنّ الإشكال في 

ــــــــــ[374]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

جريان الاستصحاب يندفع لو قلنا بأنّ الطهارة من الأحكام المجعولة(1). هذا الكلام شاهد على أنّ نظره الارتكازي إلى هذا التقريب الثاني في مقام إنكار الاستصحاب. إذ لو كان نظره إلى الوجه الأوّل، فحتّى لو سُلّم أنّه حكم مجعول مع هذا يُقال: بأنّ إثبات هذا الحكم المجعول لغو؛ إذ لا يترتّب عليه أثر. 

إلا أنّ الصحيح في المقام: أنّه لا منشأ لدعوى أنّ دليل الاستصحاب يشترط فيه أن يكون المستصحب حكماً مجعولاً أو موضوعاً له حكم مجعول. هذا الشرط بهذا العنوان لم يدلّ دليل على دخله في الاستصحاب؛ لأنّ غاية ما يُتوَهَّم كونه دليلاً له: أنّ الاستصحاب يتكفّل جعل المولى لبقاء المستصحب فلا بدَّ أن يكون المستصحب قابلاً للجعل بقاءً من قِبَل المولى، وما يقبل الجعل هو أنّ الأحكام أو الموضوعات بلحاظ أحكامها، أمّا ما لا يكون حكماً ولا موضوعاً لحكم فلا يقبل الجعل من قبل المولى.

 وهذا الكلام غير صحيح، فإنّه يمكن تصوّر تعلّق الجعل التعبّدي بما لا يكون حكماً شرعياً ولا موضوعه. فإنّ الجعل التعبّدي ليس إلا إعمال عناية من العنايات في مقام افتراض أنّ غير الموجود موجود، أو أنّ المشكوك متيقّن. وهذا كما يُتصوّر في الأحكام الشرعية وموضوعاتها، يُتصوّر حتّى في الموضوعات التكوينية الأجنبية عن الحكم الشرعي. فإنّه يعقل للمولى أن يبذل عناية في فرض غير الموجود منها موجود، أو أنّ المشكوك منها معلوم.

 غاية الأمر يُسأل عن فائدة هذه العنايات وأنّها تكون لغواً. فيرجع إلى 

ــــــــــ[375]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 4 ق1: 51.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

إشكال اللغويّة، الذي قلناه مع جوابه: من أنّ نفس العناية في المقام يترتّب عليها، فلا يكون الجعل لغواً. 

إذن، فهذا التقريب الثاني للإشكال في جريان الاستصحاب غير تام أيضاً. 

التقريب الثالث:

 للإشكال في جريانه وهو أن يُقال: 

أنّ مفاد دليل الاستصحاب هو حرمة نقض اليقين بالشك، والنقض هنا ليس بمعنى النقض الحقيقي – إذ لا معنى لتحريمه – بل بمعنى النقض العملي. فلا بدَّ وأن يُفرض للمستصحب جري عملي، ويحرم رفع اليد عن هذا الجري والاقتضاء العملي من قِبَل المولى. وأمّا إذا لم يكن له اقتضاء وجري عملي، فلا يُتصوّر نقضه العملي. فهذا سيجعل الاستصحاب موقوفاً على فرض كون المستصحب ذا جري(1) واقتضاء عملي يعني أن يكون قابلاً للتنجيز والتعذير حتّى يُعقل تحريم نقضه، على ما يأتي توضيح هذه النكتة مفصّلاً، فيما يأتي من الأبحاث. 

والطهارة الواقعية إذا عزلناها عن دائرة الشرطية بالمرّة، ولم تكن دخيلة في موضوع الشرطية، ولا مصداقاً لموضوعها، كما هو المفروض في المقام، فلا تكون ذات جري واقتضاء عملي، فيستحيل شمول دليل حرمة النقض إليها، فلا يجري الاستصحاب.

وهذا التقريب صحيح، بمعنى: أنّنا لو خُليّنا نحن ومقتضى القاعدة في 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

() حتّى ينجّز هذا الجري، أو يعذّر عنه بلسان من الألسنة (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أدلة الاستصحاب لا نقول بجريانه. نعم، لو ثبت بدليلٍ خاص أنّ الإمام هو أجرى الاستصحاب على خلاف القاعدة فنلتزم بذلك.

وحينئذٍ، يتسجّل الإشكال على من يعزل الطهارة الواقعية عن دائرة الشرطية موضوعاً ومصداقاً، وأنّه على قولك على مقتضى القاعدة، لا يجري استصحاب الطهارة الواقعية بالتقريب الأخير دون الأوّلين. 

جواب صاحب الكفاية عن الإشكال(1)

وهذا الإشكال لا يكون له جواب، ولو تصدّى المحقّق الخراساني للجواب عليه في (الكفاية)، فإنّه ذكر في مقام الجواب عن الإشكال أمرين:

أحدهما: أنّ الطهارة الواقعيّة وإن لم تكن موضوعاً للشرطيّة -على الفرض- إذ فرضنا أنّ الشرط هو إحراز الطهارة لا نفسها، ولكنّها قيدٌ لموضوع الشرطيّة، فإنَّ موضوعها هو إحراز الطهارة الواقعية، لا إحراز عدالة زيد، بل الإحراز المقيّد بأن يكون إحرازاً للطهارة الواقعيّة، فالطهارة قيدٌ للشرط فهي قيد القيد. وبذلك يمكن إجراء الاستصحاب بالنسبة إليه أيضاً.

هذا الكلام جوابه واضحٌ: وهو أنّ ما يكون قيداً إنَّما هو عنوان الطهارة، يعني: الوجود العنواني الذهني المقوّم للصورة العلميّة في أفق النفس لا الوجود الخارجي للطهارة، وبالاستصحاب نريد أن نثبت الوجود الخارجي لها. وهذا ليس مقوّماً ولا قيداً للشرط، ولو كان مقوّماً له يلزم بطلان الصلاة مع فرض 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

() [دفتر (22)] تتمّة -مباحث الاستصحاب- الصحيحة الثانية. الثلاثاء 23/6/1388- 22/9/1968. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

عدم الطهارة الواقعيّة وهو خُلف المقصود.

الجواب الثاني في (الكفاية): أنّ الطهارة الواقعيّة، وإن لم تكن موضوعاً للشرطيّة الفعليّة، ولكنّها لا تزال لها نحو شرطيّة اقتضائيّة، فيجري الاستصحاب فيها بلحاظ تلك الشرطيّة الاقتضائيّة الناقصة الثابتة لها. 

وهذا كلامٌ غير مفهوم، إذ لا يُعلم ما هو مراده بالشرطيّة الاقتضائيّة؛ ولهذا فصّلوا في مقام التعليق على ذلك كحاج شيخ والميرزا: إن أراد منها وجود مقتضٍ في الشرطيّة، يعني كان هناك مصلحة في أنّ المولى يجعل الطهارة الواقعيّة شرطاً، لكنّها مصلحة ناقصة ضعيفة؛ ولهذا أعرض المولى عنها تقديماً لما هو أهم، وجعل الشرط هو إحراز الطهارة دونها.

إن كان المراد من الشرطيّة الاقتضائيّة وجود مقتضٍ ناقصٍ لم يحرّك المولى في مقام الجعل، فهذا المقتضي الناقص لا يصحح جريان الاستصحاب؛ إذ أنّه لا يقبل التنجيز والتعذير، ليجري الاستصحاب في مقام تنجيزه والتعذير منه.

وإن أريد بالشرطيّة الاقتضائيّة: الشرطيّة اللولائيّة يعني: أنّ الطهارة الواقعيّة في نفسها مقتضية لأن تكون شرطاً، وهي شرط لولا وجود المانع، والمانع هو الشك، ووجود الطهارة الظاهريّة، وحيث لا توجد طهارة ظاهريّة فالطهارة الواقعيّة شرط. وحيث توجد الطهارة الظاهريّة فالمولى يرفع اليد عن شرطيّة الطهارة الواقعيّة، ويبدلها بشرطيّة الطهارة الظاهريّة، بنحو يرجع إلى شرطيتين تعيينيّتين، ولكن لكلّ منهما حال غير حال الآخر، من قبيل أن نفرض أنّ شرط صلاة المريض هو الجلوس في حال القراءة، وشرط صلاة الصحيح هو القيام فيها.

ــــــــــ[378]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ومثل هذا، لو تعقّلناه، فإنّه لا يصحح جريان الاستصحاب في المقام؛ إذ غايته أن تكون الطهارة الواقعيّة موضوعاً للشرطيّة في غير حال جريان الاستصحاب، وما يكون موضوعاً للشرطيّة في غير حال جريان الاستصحاب لا ينفع في مقام تعقّل جريانه.

فهذا الوجه الثاني، أيضاً لا يرجع إلى محصّل.

إذن، فالإشكال مركّز، بمعنى: أنّنا لو اخترنا تلك الصيغ من التوسيع، التي تعزل الطهارة الواقعيّة عن موضوع الشرطيّة، وعن كونها مصداقاً لموضوعها أيضاً؛ فينبغي أن يُقال: إنّ الاستصحاب لا يجري على مقتضى القاعدة ما لم يقم دليلٌ خاص عليه، وذلك للوجه الثالث دون الأولين. هذا هو الكلام في المقام الأوّل.

المقام الثاني: الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهريّة

 وهو ما إذا اخترنا أن تكون صيغة التوسيع بنحوٍ يفرض كون الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهريّة؛ فالطهارة الواقعيّة وإن لم تُؤخذ بعنوانها في موضوع الشرطيّة، ولكنّها تكون مصداقاً للجامع المأخوذ في موضوعها. فنريد أن نرى أنّ صيرورتها مصداقاً لهذا الجامع يعني: كونه فرداً من موضوع الأثر والحكم يكفي في جريان الاستصحاب بالنسبة إليه أو لا.

طبعاً، في سائر الموارد الاعتيادية، يكفي هذا المقدار في جريان الاستصحاب. كما لو ترتّب حكمٌ شرعي على وجود ذات الإنسان، وكان (زيد) معلوماً سابقاً ومشكوكاً لاحقاً، فيجري استصحاب بقاء (زيد) بوجهٍ 

ــــــــــ[379]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

من الوجوه -إمّا الفرد أو الحصّة أو الجامع- ويترتّب أثر الكلّي في المقام. فهل في المقام يكون الحال هكذا، أو هناك نكتة في خصوص المقام، تقتضي عدم جريان استصحاب الطهارة الواقعيّة فرداً من موضوع الشرطية؟

هناك فرقٌ بين هذه الفرديّة، وبين فرديّة (زيد) لطبيعي الإنسان في المثال.

كلام المحقّق العراقي في المقام

المحقّق العراقي(1) ذكر بأنّه لا يجري الاستصحاب في المقام، ولا يشفع للطهارة الواقعيّة كونها فرداً من موضوع الشرطيّة، ولا ينبغي أن يقاس المقام على المقامات الأخرى، كالمثال الذي مثلّنا به.

وذكر في البرهنة على ذلك: أنّنا لو أردنا إجراء الاستصحاب فيمكن أن نجريه بأحد صور ثلاث:

 إمّا أن نجري استصحاب الطهارة الواقعية، بما هي طهارة واقعيّة، يعني: باعتبار خصوصياتها، ويقابله في المثال الذي ذكرناه: أن نستصحب بقاء (زيد) بخصوصية، في كونه طويلاً أو أبيض.

الصورة الثانية: أن نستصحب ذات الحصّة من الطهارة، لا بخصوصياتها التي تمتاز بها حصّة عن حصّة، ويقابله في المثال: ذات الإنسانيّة الموجودة في ضمن (زيد).

الصورة الثالثة: أن نستصحب الجامع بين الحصّتين، يعني: نستصحب جامع الطهارة بحدّه الجامعي، ولا نلتفت إلى الحصص ولا إلى الأفراد. ويقابله في المثال: 

ــــــــــ[380]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة مفصّلاً كما سبق. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أن نستصحب كلّي الإنسان وجامعه القابل للانطباق على تمام الحصص.

اللّحاظ الأوّل: استصحاب الطهارة الواقعية بخصوصيتها

أمّا اللحاظ الأوّل: استصحاب الطهارة الواقعية، وهو أن نستصحب الطهارة الواقعيّة بخصوصيتها، فهذا واضحٌ أنّه باطلٌ، باعتبار أنّ التعبّد الاستصحابي لا يمكن أن يجري إلّا على حدود موضوع الأثر، ولا يمكن أن يزيد في مقام الإثبات عمّا هو موضوعٌ له، إذ يكون إثبات الزيادة لغواً صرفاً في مقام التعبّد الاستصحابي. فالتعبّد الاستصحابي لا بُدّ أن يقف على موضوع الحكم، ولا يسري إلى الخصوصيات الخارجيّة. وحيث إنّ موضوع الشرطيّة هو الجامع والخصوصيات الشخصيّة غير دخيلة، فيستحيل أن يسري التعبّد إلى الخصوصيات. ويكون التعبّد لغواً؛ لأنّ هذه الخصوصيات لا تقبل التنجيز والتعذير؛ لأنّها ليس لها دخلٌ في الأثر الشرعي

وهذا الإشكال لا يفرق فيه بين المقام وغير المقام، حتّى في المثال السابق يأتي، إذ لا يمكن لنا أن نجري استصحاب بقاء (زيد) بما هو طويل أبيض إذ بما هو متحيّث بهذه الحيثيات أجنبيٌ عن موضوع الحكم الشرعي.

اللّحاظ الثاني: استصحاب ذات الحصّة من الطهارة المحفوظة في ضمن الجامع 

وأمّا اللحاظ الثاني: استصحاب ذات الحصّة من الطهارة. وهو أن نستصحب ذات الحصّة المحفوظة في ضمن الجامع، وهذا في مثال (زيد) لا 

ــــــــــ[381]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بأس به؛ لأنّنا لم نزد على ذات ما هو موضوع الأثر؛ لأنّ الموضوع هو عنوان الإنسان وهذه الحصّة لا تزيد على عنوان الإنسان بوجهٍ من الوجوه. ولا يأتي الإشكال السابق من أنّ التعبّد قد أسري إلى ما لا يكون دخيلاً في موضوع الحكم الشرعي(1).

إلَّا أنّ هذا الاستصحاب لا يجري في خصوص المقام لنكتةٍ فيه، وهذه النكتة تتوقّف على الإشارة إلى أمرٍ وهو: أنّ الحكم الشرعي إذا ترتّب على صرف وجود الجامع، حيث لا يتحقّق إلّا مرةً واحدة، فكلّ حصّة من حصص الجامع إنّما يترتب عليها الأثر إذا لم تكن مسبوقة بالحصّة الأخرى. وأمّا إذا كانت مسبوقة بحصّة أخرى من حصص الجامع، فلا يترتّب عليها الأثر، بل يكون الأثر قد ترتّب على الحصّة السابقة عليها، وتكون الحصّة اللاحقة غير ذات أثر.

هذا الأمر مستبطن في كلام المحقّق العراقي.

فإنَّ توضيح كلامه: أنّه في مثال الإنسان، لو كان هناك حكمٌ شرعي 

ــــــــــ[382]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هل الحصّة فيها زيادة على الجامع؟

فقال: فيها زيادة بمقدار زيادة الوجود على الماهيّة لا أكثر من هذا المقدار.

فقال الأخ: هذه الزيادة على أي حال …

فأجاب: هذه ليست زيادة؛ فإنّ وجود الشيء عين الشيء.

فقال: إذن فالحصّة والجامع شيءٌ واحد.

فأجاب: لا، مع أنّهما شيئان وهذا بحثٌ آخر، (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مترتّب على صرف وجود الإنسان ساعة في المسجد، وكنّا على علمٍ من وجود زيد وشككنا في بقاءه ساعة، هنا، لا بأس أن نستصحب بقاء ذات هذه الحصّة ساعة من الزمان، وبذلك يتحقّق موضوع الحكم الشرعي؛ لأنّ المفروض أنّ هذه الحصّة غير مسبوقة بحصّة أخرى قبلها، لكي تخرج هذه الحصّة عن كونها مؤثّرة.

وهذا بخلافه في المقام، فإنَّ الجامع المأخوذ بنحو صرف الوجود موضوعاً للشرطيّة هو جامع بين الطهارة الواقعيّة والاستصحابيّة. فإذا جرى استصحاب ذات تلك الحصّة فهذا الاستصحاب لا يخلو أمره إمّا أن يكون مطابقاً للواقع، وإمّا أن لا يكون مطابقاً له، فإن فُرِض أنّ هذا الاستصحاب كان مطابقاً للواقع، وكانت هذه الحصّة موجودة قبل أن يوجد الاستصحاب وبقطع النظر عنه. إذن، فهي سوف يترتّب عليها الأثر؛ لأنّها هي الحصّة الأولى من الجامع، فتكون موضوعاً للأثر، فيجري استصحابها بلا إشكال (1).

وأمّا لو كان الاستصحاب كذباً وغير مطابق للواقع، يعني: تلك الحصّة من الطهارة الواقعيّة مفقودة، وأنّ صرف الوجود تحقّق بنفس الاستصحاب لأوّل مرّة، يعني: أنّ أوّل حصّة متحقّق بها صرف الوجود هو نفس الاستصحاب(2).

ــــــــــ[383]ــــــــــ

() وجريان الاستصحاب في الحصّة، يتوقّف على كونها ذات أثر (المحاضرة)، (المقرّر).

(2) لأنّه جامعٌ بين الطهارة الواقعيّة والاستصحابيّة، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فلا تكون الطهارة الواقعيّة ذات أثر؛ لأنّها في حالة فقدها تحقّقت حصّة أخرى في المقام.

هذا فيما لو كان الاستصحاب جارياً وكان كاذباً.

نعم، لو كان الاستصحاب الكاذب لا يجري أصلاً، فمعناه أنّ هناك حصّتين كلتاهما لم تتحقّق، لا الطهارة الواقعيّة، ولا الطهارة الاستصحابيّة، فلا هذا منع ذاك عن كونه ذا أثر، ولا ذاك منع هذا عن كونه ذا أثر.

وبهذا يظهر أنّ عندنا حالات ثلاث:

1- أن يكون الاستصحاب جارياً وصادقاً.

2- أن يكون جارياً وكاذباً.

3- أن يكون الاستصحاب كاذباً وغير جارٍ.

ونحن في الحالة الأولى، يمكننا تقسيم أركان الاستصحاب إذ فرض كونه صادقاً، هو فرض أنّ الحصّة الواقعيّة من الطهارة وجدت بقطع النظر عن الاستصحاب، يعني: وجدت حيث لم يوجد غيرها، فتكون موضوعاً للأثر، فلا بأس بإجراء الاستصحاب.

وأمّا في الحالة الثانية، فأركان الاستصحاب مختلةٌ؛ لأنَّ فرض كونه جارياً وكاذباً هو فرض أنّ أوّل حصّة وجدت من حصص صرف الوجود هو: نفس الطهارة الاستصحابيّة، لا الواقعيّة. فقد خرجت الطهارة الواقعيّة بذلك عن كونها ذات أثر.

ــــــــــ[384]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وأمّا في الحالة الثالثة(1) فأيضاً لا بأس بجريان الاستصحاب؛ لأنّه لا الحصّة الاستصحابيّة من الجامع موجودة، ولا الحصّة الواقعيّة، فلا هذه سلخت تلك، ولا تلك سلخت هذه عن التأثير.

وهذا التحليل يعني: أنّ جريان الاستصحاب لا يصحّ إلّا في الحالة الأولى، أو الثالثة دون الثانية، يعني: أنّ صحّة الاستصحاب منوطٌ إمّا بصدق الاستصحاب -كما في الحالة الأولى- بحيث نقول: إنّ جريان الاستصحاب فرع صدقه، وهذا ممّا لا معنى له. أو منوطٌ بالحالة الثالثة بأن يقال: بأنَّ جريان الاستصحاب فرع أن لا يجري الاستصحاب، وأن يكون كاذباً، وهذا أيضاً لا معنى له.

وبذلك يتضح أنّ إجراء الاستصحاب في الحصّة غير معقول.

مناقشة المحقّق العراقي بحسب اللحاظ الثاني

وقبل أن ننتقل إلى إشكال آغا ضياء في جريان الاستصحاب في الجامع، فلنناقش ما قاله هنا أوّلاً، فنقول: بأنّ هذا غير صحيح وذلك لاعتراضين:

الاعتراض الأوّل

هو أنّنا يجب أن نميز بين وجود الأثر بنحو مفاد (كان) التامّة، وبين اتصاف الحصّة بكونها ذات أثر بنحو مفاد (كان) الناقصة. وما هو شرطٌ في جريان الاستصحاب هو الثاني لا الأوّل. 

ــــــــــ[385]ــــــــــ

() وهو ما إذا كان الاستصحاب كاذباً وغير جارٍ. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 وما هو ملحوظ للمحقّق العراقي في الإشكال، الأوّل لا الثاني.

توضيح ذلك: أنّنا تارةً نقصد من قولنا: أنّه يشترط في الاستصحاب كون الحصّة المستصحبة ذات أثر، هذا المعنى: أنّه يشترط فيه أن يكون الأثر موجوداً ومترتّباً بالفعل على هذه الحصّة، بنحو مفاد كان التامّة، يعني: وجود الأثر بالفعل في نفسه. ومن المعلوم أنّ فرض كون هذه الحصّة قد وجد أثرها بالفعل مساوقٌ مع فرض أنّها قد وجدت بالفعل، وأنّه لم يوجد هناك حصّة أخرى من صرف الوجود قبلها. فيكون جريان الاستصحاب في الحصّة منوطاً بأنَّ نثبت أنّ الحصّة موجودة بالفعل، إذ بدونه لا يمكن أن نثبت أنّ أثرها موجود بالفعل.

إلَّا أنّ هذا ليس هو مرادنا ولا مراده، وهو: أنّه يشترط في جريان استصحاب الحصّة أن يكون أثرها موجود بالفعل بنحو كان التامّة، بقرينة أنّه في الحالة الثالثة، وهي: حالة كون الاستصحاب وعدم جريانه، لا الحصّة الواقعيّة ولا الحصّة الاستصحابيّة موجودة، وقد اعترف أنّ كُلّاً منهما ذو أثرٍ في نفسه؛ لأنّ كُلّاً منهما لم يسبق بغيره، فلو كان يريد من كون الحصّة ذات أثر، أنّ أثرها موجودٌ بالفعل، لكان هذا الاعتراف منه خلاف ذلك؛ لأنّ الحصّة الواقعيّة في الحالة الثالثة غير موجودة بالفعل، ولا أثرها موجود بالفعل.

نعم، لو كان هذا هو المراد وكان هذا هو الشرط للزم عدم إجراء الاستصحاب في الحصّة، إذ يتوقّف جريان الاستصحاب في الحصّة على إحراز كون أثرها موجوداً، وهو فرع إحراز وجودها فيتوقّف استصحاب الحصّة على 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

أن تُحرز وجودها فيكون الاستصحاب لغواً.

وأمّا مرادنا الواقعي من قولنا: أنّ استصحاب الحصّة يتوقّف على كون الحصّة ذات أثر، مرادنا أتصاف الحصّة بكونها ذات أثر، بنحو مفاد كان الناقصة، لا بنحو كان التامّة، يعني كون الحصّة بحيث لو وِجِدَت في هذا الظرف لترتّب أثرها الشرعي، ويكون قابلاً للتنجيز والتعذير بنحو القضيّة التعليقيّة. وهذا هو المقدار الكافي في مقام تصحيح الاستصحاب. إذ لو صحّ أنّ الحصّة سنخ حصّة، بحيث لو وِجدت لترتّب الأثر، فالاستصحاب هو يتكفّل بإثبات وجودها فلا نحتاج إلى إثبات وجودها من خارج، وبذلك يترتّب الأثر.

فإذا اتّضح هذا، يتّضح بأنّ هذا الذي أفاده ليس إلَّا(1)… وذلك: باعتبار أنّ الطهارة الواقعيّة المستصحبة في المقام سواء كانت صدقاً أو كذباً هي سنخ حصّة لو وجدت في مرحلتها -السابقة على الاستصحاب- لكانت ذات أثر. فإنَّ المستصحب رتبة وجوده سابقة على الاستصحاب. وحينئذٍ، نقول: بأنَّ هذه الحصّة لو كانت موجودة في الرتبة السابقة على الاستصحاب لكانت ذات أثرٍ، إذ لكانت هي أوّل حصص صرف الوجود، فيكون لها أثر. وهذا يكفي في إجراء الاستصحاب.

وأمّا كون الاستصحاب صادقاً أو كاذباً، فهذا له دخل في إحراز الأثر بنحو مفاد كان التامّة، لا في إحرازه بنحو كان الناقصة، الذي هو الشرط في جريان الاستصحاب. هذا الإشكال الأوّل.

ــــــــــ[387]ــــــــــ

() وحرّك السيّد يده. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 [الاعتراض الثاني]

وأمّا إشكالنا الثاني على المحقّق العراقي، فهو في نكتة السبق والتأخّر، فإنَّ صرف الوجود في المقام له حصّتان: إحداهما: الطهارة الواقعيّة، والأخرى: الطهارة الاستصحابيّة، فلو فُرِض أنّ الاستصحاب كان جارياً وكان صادقاً لا يصحّ أن نقول: أنّ أوّل حصص صرف الوجود هو الطهارة الواقعيّة، وأمّا الطهارة الظاهريّة فهي ثاني الحصص؛ باعتبار أنّ تلك متقدّمة رتبةً على هذا، بل الحصّتان في عرض واحد؛ لأنَّ المناط في العرضيّة في المقام هو زمان إتيان الواجب؛ لأنّ هذا الجامع شرطٌ في الصلاة ولا بُدّ من إتيانه في الصلاة. والإنسان إذا استصحب الطهارة الواقعيّة وصلّى، فهو من حين شروعه في الصلاة توجد كلتا الحصّتين دون تقدّم وتأخّر زماني، فلا محالة تشتركان في التأثير. 

وتطبيق السبق والتأخر هنا من باب خلط التأخّر الرتبي بالتأخر الزماني، والمناط في باب الامتثال إنَّما هو الزمان لا الرتبة. هذا هو كلامنا الثاني(1).

هذا هو تمام تصفية الحساب مع استصحاب الحصّة.

اللّحاظ الثالث: استصحاب الجامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهرية

انتهينا(2) إلى الثالث، وهو: أن نستصحب الجامع في المقام بين الطهارة 

ــــــــــ[388]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا الكلام الثاني لا يدفع به الإشكال، بل هو اعتراض على المحقّق على العراقي، والذي يندفع به المغالطة هو الاعتراض الأوّل، والثاني كلامٌ بالآخرة لا بُدّ من الالتفات إليه. (المقرّر). 

(2). قال بعد عنونة المسألة وتلخيص مدعى المحقّق العراقي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الواقعيّة والظاهريّة. لماذا لا يمكن استصحاب الجامع، فإنَّ الإنسان إذا كان على يقينٍ من الطهارة الواقعيّة ثُمَّ شكّ فيها فلا محالة يمكن أن يضيف يقينه وشكّه إلى الجامع أيضاً؛ لأنَّ اليقين بالفرد يقين بالجامع والشكّ فيه مساوق للشك فيه فيستصحب الجامع، الذي هو بنفسه موضوع الشرطيّة.

إشكال المحقّق العراقي على جريان الاستصحاب في الجامع

هنا يذكر المحقّق العراقي في مقام الاعتراض على ذلك عبارتين، يمكن أن نفترض أنّه قصد من كلٍّ منهما إشكالاً مستقلّاً، وبذلك يكون في نظره اعتراضان حول هذا الشقّ:

الاعتراض الأوّل بصيغته الأولى 

هنا يفترض صحّة تصور الجامع، وإنما الإشكال منصبٌ على استصحاب هذا الجامع المفروغ عن تعقّله ووقوعه موضوعاً للشرطيّة.

والبرهان على عدم إجراء الاستصحاب في هذا الجامع بحدّه الجامعي هو: أنّ المستصحب هو الشيء الذي نريد أن نثبته بالاستصحاب، فالاستصحاب نحوٌ من الإثبات بالنسبة إلى المستصحب، وفي مثل ذلك لا بُدَّ أن يكون المستصحب -على فرض وجوده- محفوظاً وموجوداً بقطع النظر عن الاستصحاب. يعني: افرضوا الاستصحاب كسائر أدوات الكشف كعلمك بالطهارة وظنّك بها واحتمالك لها، فإنّها كلّها كواشف، فإنَّ علمك أو ظنّك قد يكون على خطأ ولا تكون الطهارة موجودة، ولكن لو لم تكن على خطأ وكانت الطهارة المعلومة أو المظنونة موجودة، فلا بُدّ أن يكون وجودها ثابتاً بقطع 

ــــــــــ[389]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

النظر عن علمك وظنك واحتمالك؛ لأنَّ علمك وظنك مجردٌ كاشف صرف وطريق ليس له إيجاد وسببية للمحتمل والمظنون والمقطوع.

ولهذا قيل في محلّه: إنّه لا يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، بل ولا الظن بالحكم كذلك ولا احتماله.

نفس هذا الكلام يصدق على الاستصحاب أيضاً الذي هو أيضاً نحوٌ من الإثبات للطهارة الواقعيّة، فلا بُدّ وأن يكون للجامع المستصحب في المقام وجودٌ محفوظٌ بقطع النظر عن هذا الاستصحاب. يعني: أن يكون على فرض وجوده(1) موجوداً بوجود محفوظ بقطع النظر عن الاستصحاب. كما قلنا في القطع ونحوه.

فإذا اتّضح هذا المعنى نقول: بأنّنا حين نريد أن نستصحب الجامع لا بُدّ أن يكون هذا الجامع سنخ جامعٍ لو صدق الاستصحاب يكون محفوظاً وموجوداً بقطع النظر عن الاستصحاب. وحينئذٍ، فلا بُدّ أن يكون هذا الجامع المستصحب غير قابل للانطباق على الحصّة الظاهريّة الاستصحابيّة. ويستحيل أن يكون جامعاً لهذه الحصّة الظاهريّة التي تثبت بنفس الاستصحاب؛ لأنَّ المفروض بأنَّ هذا الجامع لا بُدّ وأن يكون -على فرض صدق الاستصحاب- محفوظاً في ضمن فردٍ ثابت بقطع النظر عن الاستصحاب، والفرد الاستصحابي لهذا الجامع ليس فرداً ثابتاً، بقطع النظر عن الاستصحاب(2). فلو كان هذا 

ــــــــــ[390]ــــــــــ

() لو صدق الاستصحاب، لكان له وجود بقطع النظر عن الاستصحاب، (المحاضرة). (المقرّر).

(2) فالاستصحاب يستحيل أن يقف على الجامع، من دون أن يسري إلى الخصوصيّة، بل لا بُدّ وأن يكون الجامع المستصحب متخصّصاً بعدم الانطباق على الفردّ الذي يحصل بنفس هذا الاستصحاب، فيصبح من استصحاب الفرد لا من استصحاب الجامع، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الجامع -على فرض صدق الاستصحاب- محفوظاً في ضمن الفرد الاستصحابي للزم المحذور، وهو أن يكون مستصحبك شيئاً ثابتاً بلحاظ الاستصحاب، من قبيل أن يكون مقطوعك، أو مظنونك، أو محتملك ثابتٌ بلحاظ قطعك وظنّك.

فلا بُدّ وأن يُفرَض أنّ هذا الجامع سنخ جامع لا يقبل الانطباق والانحفاظ في ضمن الفرد الاستصحابي، وهذا معناه: إخراجه عن كونه جامعاً، وأنّنا استصحبنا الطهارة الواقعية بالخصوص، لا الجامع بينها وبين الطهارة الظاهريّة؛ لأنّ الجامع بين شيئين ليس معناه إلّا ما يقبل أن يكون موجوداً في ضمن هذا وفي ضمن هذا. ومستصحبنا لا يقبل أن يكون في ضمن ذاك.

 إذن، فليس مستصحبنا هو الجامع، ودائماً يكون مستصحبنا هو الحصّة أو الفرد، ولا يُعقل أن يكون هو الجامع.

فهذا(1) الجامع يكون فيه نحوٌ من الضيق الذاتي، الآبي عن انطباقه على الطهارة الاستصحابيّة، وهذا معناه خروجه عن كونه جامعاً؛ لأنّه إذا كان يأبى عن الانحفاظ في ضمن أحد الفردين فمعناه: أنّه ليس جامعاً، بل هو أحد الفردين، فاستصحاب الجامع في المقام غير معقول.

ــــــــــ[391]ــــــــــ

() وهنا أعاد السيّد هذا التقريب إلى أن قال: فهذا… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الجواب عن الاعتراض الأوّل بصيغته الأولى

وجواب هذا الإشكال: أنّ هذا الضيق الذي كشف عنه المحقّق العراقي
-لو كان مراده هذا التقريب الذي شرحناه- هذا الضيق في الواقع ضيق بلحاظ الاستصحاب، ومثل هذا الضيق بلحاظ جريان الاستصحاب لا يمنع عن جريانه.

توضيح ذلك: أنّه عندنا موضوعٌ ومحمولٌ، الموضوع هو الجامع المستصحب والمحمول هو الحكم باستصحابه، ونحن يجب أن لا ندخل في الموضوع أزيد ممّا هو موضوع الحكم الشرعي، من الخصوصيات الزائدة؛ إذ لو أخذنا فيه خصوصيّة زائدة على ما هو موضوع الحكم الشرعي، للزم التعبّد بالخصوصيّة، وهو محال أو لغو. كما بيّنا سابقاً.

 إذن، يجب أن يكون مصبّ التعبّد الاستصحابي، هو الحدّ الجامعي، دون أن يؤخذ معه في مرتبة الموضوع أي خصوصيّة.

إلَّا أنّ هذا المحمول، الذي هو الاستصحاب بنفسه، يقتضي ضيقاً في هذا الجامع، بمعنى: أنّه لا يناسب أن يكون محمولاً لبعض أفراد هذا الجامع، وهو الطهارة الاستصحابيّة؛ لأنّه هو بنفسه استصحابه، إذ يلزم أن يكون الشيء محمولاً لنفسه وهو محال. فحينما نحمل هذا المحمول على ذاك الموضوع، لا محالة ينشأ ضيق في هذا الجامع من ناحية المحمول، لكن هذا الضيق ليس ضيقاً في الجامع في نفسه، بل ضيق في دائرة المحمول، يعني: في نسبة المحمول إلى الموضوع، لا في ذات الموضوع، وبذلك لم نخرج عن استصحاب الجامع، فإنّنا 

ــــــــــ[392]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

استصحبنا الجامع، ولم نضف إليه في مقام الاستصحاب شيئاً، غاية الأمر أنّ هنا ضيقاً نشأ من الجامع في المرتبة اللاحقة بعد اتصافه بالمحمول.

وهذا لا بأس به، فإنَّ الشيء الذي لا يجوز هو أن نضيف خصوصيّة أجنبيّة إلى الجامع في مرتبة الموضوع لهذه القضيّة، ثُمَّ نستصحبه بحيث يطرأ الاستصحاب على الجامع المتخصّص بما هو متخصص. أمّا أن يبقى الموضوع هو الجامع ويطرأ الاستصحاب عليه، ثُمَّ إنّه حيث إنّ هذا المحمول سنخ محمول يضيق عن أن يكون وصفاً لتمام أفراد الجامع، فيحصل ضيق لا محالة في مرتبة متأخّرة عن اتصاف الموضوع بالمحمول. ومثل هذا الضيق والخصوصيّة لا تكون مأخوذة في المستصحب، حتّى يلزم أن الاستصحاب قد أثبت أكثر من موضوع الأثر. فكم فرق بين ضيق وخصوصية تكون مأخوذة في مرتبة موضوع الاستصحاب، يعني: في ذات المستصحب، وبين ضيق وخصوصية ينشأ ذاتاً في طول جريان الاستصحاب. وما يكون فيه محذور إنَّما هو الأوّل، وما يكون واقعاً في المقام إنَّما هو الثاني. فهذا الإشكال غير تام(1).

ــــــــــ[393]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: معنى قولكم إنّ الاستصحاب سنخ محمول لا يمكنه أن

يتعلّق بكلا فردي الجامع، فمعناه: أنّ الاستصحاب تعلّق لا بكلا فردي الجامع، بل بحصّة معيّنة منه.

 فقال: هو لم يتعلّق لا بهذه الحصّة ولا بتلك الحصّة، بل تعلق بالحدّ الجامعي، من دون أن يُضاف إليه أي خصوصيّة في مرتبة معروض الاستصحاب، وتعبّدنا نحن بهذا الحدّ الجامعي، غاية الأمر أن هذا (التعبّد) المحمول بنفسه لا يمكن أن يسري إلى تمام حصص الجامع، هذا ليس معناه أنّنا قيّدنا المستصحب قبل هذا، يعني هذا الضيق من= 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

ــــــــــ[394]ــــــــــ

=لوازم الاستصحاب بما هو استصحاب ببرهان من خارج، لا أنّنا فرضنا في المرتبة السابقة على الاستصحاب شيئاً في الجامع وأردنا أن نثبته بالاستصحاب. 

فنحن لم نثبت بالتعبّد الاستصحابي أزيد من الجامع، ولكن بملازمة عقلية خارجية قلنا بأنَّ هذا الجامع لو كان موجوداً والإثبات الاستصحابي صادقاً فلا بُدّ أن يكون الجامع موجوداً في ضمن هذه الحصّة الواقعيّة لا في ضمن حصّة أخرى. هذا إثبات للزائد بالبرهان، لا بالتعبّد بحيث يدخل تحت التعبد الاستصحابي.

فالتعبد الاستصحابي يبقى واقفاً على الحد الجامعي، ولكن نحن من الخارج نعلم، أنّ هذا للحد الجامعي ببرهان: أنّنا أثبتناه بالاستصحاب لا بُدّ وأن يكون موجوداً في ضمن حصّة ثابتة بقطع النظر عن هذا الاستصحاب، فالخصوصيّة هنا ثبتت ببرهان لا أنّها ثبتت بالتعبد الاستصحابي.

وهنا قال أحد الإخوان: مدّعى المحقّق العراقي أنّ هذا العلم كاشف عن وجود خصوصيّة، لا مضيق لخصوصيّة.

فأجاب: حينئذٍ، نقول: بأنّ هذا التعبّد الاستصحابي، حيث إنّه بيد المولى.. هذا في القطع والظن ونحوه من الكواشف الوجدانيّة يكون كاشفاً لا محالة.. لكنّه في التعبّد الاستصحابي توجد حيثيتان: حيثية الكاشفيّة التكوينيّة للاستصحاب من باب أنّه احتمال، وحيثيّة التعبّد وهي يمكن أن تقف على الجامع، وإن كنّا نقول: إنّ هذا التعبد لو كان ناشئاً من ملاكٍ صادق فلا بُدّ وأن يكون هذا الجامع ثابتاً في ضمن فردٍ محفوظ بقطع النظر عن هذا الاستصحاب (بالتعبد).

فقال أحد الإخوان: روح الجواب، أنّ التعبّد ليس كاشفاً حتّى يرد عليه هذا الإشكال.

فقال: الاستصحاب بمعنى اليقين بالحدوث والشك في البقاء كاشف، غاية الأمر بأنَّ التعبّد ليس كاشفاً، وإنّما التعبّد يتّبع موضوع دليله، فإنَّ موضوع دليله إذا كان بهذا المقدار يقف على هذا المقدار. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 فالتعبد(1) الاستصحابي بوصفه حكماً شرعياً من قبل المولى، قابل لأن يقف على الجامع تبعاً لوقوف الأثر الشرعي على الجامع، ولا يسري من الجامع إلى الخصوصيّة. نعم، نحن من الخارج نعلم بأنَّ هذا التعبد لو كان صادقاً فلا بُدّ وأن يكون هذا الجامع متخصصاً بخصوصية ذاك الفرد لا هذا، فهذه الخصوصية مكتشفة ببرهان خارج نطاق هذا التعبد، لا أنّها مأخوذة تحت التعبّد، وبذلك ينحل هذا الإشكال.

هذه هي الصيغة الأولى للإشكال.

*****

وجواب(2) هذه الصيغة هو إبداء الفارق بين الاستصحاب، وسائر وسائل الكشف الوجدانيّة، فإنّه في موارد الاستصحاب عندنا شيئان: عندنا كاشف وجداني تكويني وهو احتمال البقاء، وعندنا حكم شرعي وهو مفاد قول الإمام: “لا ينقض اليقين بالشك“، وهذا هو الذي نسميّه بالاستصحاب وبالتعبّد.

لو لاحظنا احتمال البقاء فهو -باعتباره كاشفاً تكوينياً- يستحيل أن يقف على الجامع بين فردٍ ثابت لولاه وبين فرد ثابت بلحاظه من دون أن يسري إلى الخصوصيّة، بحيث يكون محتملك هو وجود جامع محفوظ بقطع النظر عن هذا الاحتمال، وهذا معنى سريانه إلى الخصوصيّة.

ــــــــــ[395]ــــــــــ

() وقال فيما قال في تكرار الجواب. (المقرّر).

(2) لخص أولاً: الصيغة الأولى للمحقّق العراقي، ثُمَّ أجاب عنه بالتقريب الذي ذكره في آخر المحاضرة السابقة قائلاً: وجواب… (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وإذا لاحظنا الاستصحاب بما هو تعبد ومدلول لقوله: “لا ينقض…” فهو حكمٌ شرعي، وهذا الحكم يمكن أن يقف على الجامع، ولا يسري إلى الخصوصيّة؛ لأنَّ سريان الانكشاف إلى الخصوصيّة كان ببرهان، وأمّا التعبّد حيث إنّه أمرٌ اعتباري، فهو سهل المؤونة، وباختيار الجاعل. فيمكن للجاعل أن يتعبّدنا بمقدار الجامع بين فرد ثابت بقطع النظر عن هذا التعبّد، وفرد ثابت بلحاظه، ولا يلزم برهاناً سريان التعبّد إلى الخصوصيّة.

هذا هو التقريب الأوّل للاعتراض الأوّل للمحقّق العراقي، يعني: يمكن أن نفسّر اعتراضه الأوّل بتفسيرين، سبق الأوّل منهما.

الصيغة الأخرى للاعتراض الأوّل

التفسير الآخر: أن نقول: سلّمنا أن الاستصحاب ليس حاله حال الكواشف التكوينية، فإنّه تعبّد صرف وحكم بيد المولى، ولكن أليس هنا الاستصحاب حكم له موضوع، وهو الجامع في المقام، وموضوع كلّ حكم لا بُدّ للمولى أن يتصوره في المرتبة السابقة على إثبات الحكم له، ثُمَّ يُجعل له الحكم. ففي المقام إذا أردنا أن نستصحب الجامع، فلا بُدّ أن يكون الجامع بالنظر التصوري -الذي يتوقف عليه جعل الحكم على موضوعه- ملحوظاً في الرتبة السابقة على هذا الاستصحاب. وحينئذٍ، فلا يُعقل أن يدخل تحت هذا اللحاظ التصوّري في المرتبة السابقة الفرد الذي يكون ملحوظاً في المرتبة المتأخّرة، وهي الطهارة التي -ترى بالنظر التصوّري بعد الاستصحاب(1)-. إذ 

ــــــــــ[396]ــــــــــ

() وهي الطهارة التي تنشأ من الاستصحاب، لا بوجودها الخارجي، بل بالنظر التصوّري إليها. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يلزم من ذلك التهافت في عالم التصور؛ لأنّنا نأخذ ما نتصوّره متأخّراً فيما نتصوّر متقدّماً، وهذا تهافت في مقام التصوّر.

وعلى هذا، فلا بُدّ وأن يُفرًض: أنّ الجامع المرئي بالنظر التصوري في المرتبة السابقة لا يشمل ذاك الفرد المرئي بالنظر التصوّري في المرتبة اللاحقة. ومعنى كونه لا يشمله: أنّه خرج عن كونه جامعاً.

إذن، فنحن لم نستصحب الجامع بل استصحبنا الفرد.

وهذا التقريب أقرّب إلى مذاقات المحقّق العراقي؛ لأنَّ الروح العامّة في هذا الإشكال موجودة في أصوله متكرّراً.

وهذا يختلف عن التقريب الأوّل فإنّه هناك كان يلزم التهافت في النظر التصديقي، وهنا يلزم التهافت في النظر التصوّري، هناك كنّا نقول: بأنَّ من يكتشف شيئاً، لا محالة يصدق بأنَّ مكتشفه ثابت لولا اكتشافه، أمّا هنا فليس نظرنا إلى النظر التصديقي وإلى الواقع والوجود الخارجي، بل نظرنا إلى عالم اللحاظ والتصوّر، فإنَّ المولى يجب أن يتصوّر الموضوع فهو يراه دائماً في الرتبة السابقة على حكمه فكلّ فردٍ مرئي في المرتبة المتأخرة عن الحكم، لا يمكن أن يكون مشمولاً لذلك الموضوع المرئي في المرتبة المتقدّمة. وهذا بنفسه يبيّن به المحقّق العراقي -في بحث التعبّدي والتوصّلي- عدم إمكان أخذ القصد امتثال الأمر في متعلّقه، ويبين به عدّة مطالب في موارد متفرّقة.

الجواب عن الصيغة الثانية للاعتراض الأوّل

هذه الصيغة الثانية للإشكال أيضاً غير واردة؛ وذلك: لأنّنا نقول: إنّ 

ــــــــــ[397]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الموضوع مرئي(1) في المرتبة السابقة على حكمه. صحيح، إلّا أنّ هذا الموضوع لماذا لا يكون مطلقاً وشاملاً للفرد المرئي في المرتبة المتأخّرة عن حكمه. لو كان الإطلاق عبارة عن الجمع بين الخصوصيات ولحاظ الأفراد، للزم من هذا التهافت في عالم اللحاظ، يعني: نلحظ الجامع في الرتبة السابقة مطلقاً وواسعاً وشاملاً، حتّى للفرد المتأخّر عن الاستصحاب، فكأن الفرد الذي نلحظه بعد الاستصحاب نلحظه قبله، وهذا تهافت في مقام اللحاظ.

إلَّا أنّ الإطلاق ليس هو الجمع بين الخصوصيّات، بل هو عبارةٌ عن وقوف التصوّر على ذات الحدّ المشترك، وعدم دخول الخصوصيّات تحت التصور.

 إذن، في المقام فرض الإطلاق لمثل هذا الجامع لا يلزم منه التهافت في عالم التصوّر؛ لأنّ معنى إطلاقه هو أنّنا لم نلحظ لا هذا الفرد ولا ذاك، وليس معناه أنّنا لاحظنا في الرتبة السابقة هذا الفرد وذاك. إذن، فهذا الإشكال غير وارد (2).

ــــــــــ[398]ــــــــــ

() النظر التصوري. (المقرّر).

(2) وهنا قلت له: إنّنا استصحبنا الجامع في ضمن الحصّة الواقعية، بحسب النتيجة؛ باعتبار أنّها هي الموجودة في المرتبة السابقة.

 فقال: هذا بحسب الخارج، وأمّا الاستصحاب بما هو حكم فقد تعلق بالجامع المطلق. وهذا الجامع المطلق كان في علم الله منطبقاً على الحصّة الواقعيّة -هذا صحيح- ولكن هذا لا يجعل استصحاب الجامع استصحاباً للفرد. كما إذا استصحبنا وجود الإنسان في المسجد، وكان الإنسان في علم الله هو زيد بن أرقم بن خالد، فليس معناه أنّنا استصحبنا بقاء زيد بن أرقم، بل استصحبنا وجود الإنسان في المسجد، (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فتحصّل لنا من الاعتراض الأوّل للمحقّق العراقي إشكالان مع جوابهما، وكلاهما كانا يفترضان المحذور في نفس دليل الاستصحاب، وأنّه يستحيل أن يتكفل استصحاب الجامع إمّا للتهافت في النظر التصديقي أو التصوري.

الاعتراض الثاني للمحقّق العراقي

الآن ننتقل إلى إشكال آخر للمحقّق العراقي، وهو أحد محتملي اعتراضه الثاني، الذي نتصوّر فيه محتملين أيضاً، وهذا الإشكال الثالث. يترقّى ويقول: بأنّي لا أقول أنّ المحذور ينشأ من دليل الاستصحاب، الدالّ على الحكم الظاهري، بل ينشأ قبله من نفس دليل الشرطية الدال على الحكم الواقعي، فإنكم وسّعتم الشرطيّة، وقلتم بأنَّ موضوعها هو الجامع بين الطهارة الواقعية والظاهرية. فعندنا قبل دليل الاستصحاب دليلٌ يدلّ على جعل شرطيّة واقعيّة على الجامع بين الطهارة الواقعيّة، والطهارة الاستصحابيّة. 

أقول: المحذور في ذلك الدليل، وبعد هذا لا يبطل استصحاب الجامع فقط، بل تبطل شرطيّة الجامع أيضاً؛ لأنّ المحذور في شرطيته أيضاً. 

وحاصل هذا المحذور: هو أنّ هذا الدليل الدالّ على شرطيّة الجامع يتكفّل حكماً على موضوعٍ، الحكم هو الشرطيّة والموضوع هو الجامع بين الطهارة الواقعيّة والاستصحابيّة. وحيث إنّ أحد فردي هذا الموضوع وهو الطهارة الاستصحابيّة في طول الشرطيّة؛ لأنّه لا معنى لجريان الاستصحاب إلّا بلحاظ الشرطيّة؛ لأنّه لولا الشرطيّة لا يجري استصحاب الطهارة في مورد لا يكون هناك أثرٌ آخر. فأحد فردي الجامع في طول نفس الشرطيّة، 

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فيحصل التهافت من جديد (1).

الجواب عن المحتمل الأوّل للاعتراض الثاني

هذا الإشكال أيضاً نجيب عليه ونقول: أنّ هذا التهافت الذي تفترضونه هنا إمّا أن يكون بلحاظ النظر التصوّري أو بلحاظ النظر التصديقي. يعني: إمّا أن تقولوا -كما قلنا في التقريب الثاني-: إنّ المولى لا بُدّ له أن يتصوّر الموضوع وهو الجامع -الذي يريد أن يحكم عليه بالشرطيّة- وهذا الجامع مرئي في المرتبة السابقة على حكمه، فلو كان هذا الجامع يشمل الفرد المرئي الذي يتحقّق في طول الشرطيّة، للزم من ذلك التهافت.

إذا أردّتم هذا، فلا أقلّ من أن يكون جوابه هو ما قلناه: من أنّه لا تهافت، فإنَّ إطلاق الجامع في المرتبة المتقدّمة ليس عبارة عن الجمع بين الخصوصيات، بل عبارة عن عدم دخول الخصوصيات. يكون هذا جواباً إن لم تكن هناك أجوبة أخرى.

ــــــــــ[400]ــــــــــ

() فهنا قال أحد الإخوان: الطهارة الواقعيّة أيضاً في طول الشرطيّة.

فقال: هذا الذي تقولونه بناءً على أنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة من الأحكام التكليفيّة. وأمّا بناءً على أنّها مجعولة بالأصالة. إذن، فالطهارة الواقعيّة لها معنى مجعول مستقلّ سواءٌ جُعلت له الشرطيّة أو لا؟ ولكن الطهارة الاستصحابيّة حيث إنّها تأمينية وتنجيزية فهي دائماً بلحاظ الأثر العملي فهي في طول الشرطيّة. إذن، فما هو فردي الجامع في طول الشرطيّة، فيعود التهافت. إذن فشرطيّة الجامع غير معقولة، (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

وإن أردّتم التهافت في عالم النظر التصديقي بدعوى: أنّ كلّ حكم تتوقّف فعليّته على فعليّة موضوعه، ففعليّة الشرطيّة يتوقّف على فعليّة وجود الموضوع وهو الجامع، والمفروض أنّ أحدّ فردي الجامع وهو الطهارة الاستصحابيّة، فعليّته ووجوده فرع فعليّة الشرطيّة، وإلَّا لو لم يكن شرطيّة لم يجر الاستصحاب، فلا توجد طهارة استصحابيّة، فيلزم التهافت في عالم النظر التصديقي، بلحاظ الوجود الخارجي، لا في عالم التصوّر واللحاظ.

وإن أردّتم هذا فجوابه: أنّ الشرطيّة غير مترتّبة على وجود الموضوع خارجاً، ليس حال الشرطيّة بالنسبة إلى الشرط كحال وجوب الحج، بالنسبة إلى الاستطاعة، ليس وجود الشرط قيداً في الشرطيّة، بل الشرطيّة فعليّة سواءٌ وجد الشرط خارجاً ام لم يوجد. فالمولى لا يقول: بأنّي أحكم بالشرطيّة لو وجدت طهارة ظاهريّة أو واقعيّة في الخارج، حتّى يلزم المحذور. بل يقول: أحكم بالشرطيّة على كلّ حال، بحيث لو لم توجد طهارة واقعيّة ولا ظاهريّة يجب أن أحصل هذه الطهارة وأوجدها. فلا يأتي الإشكال بالنظر التصديقي أيضاً.

الصيغة الأخرى للاعتراض الثاني

التقريب الرابع: وهو المحتمَل الثاني للاعتراض الثاني لأغا ضياء، يصعّد المحذور مرتبة أعلى، ويقول: إنّ المحذور واردٌ بلحاظ نفس تصوّر هذا الجامع، قبل أن ننتهي إلى دليل شرطيّة الجامع، أو دليل استصحابه. أصل تصوّره غير معقول، فكيف تصوّره المولى وحكم عليه بالشرطيّة.

وتوضيح ذلك: أنّه لاقتناص الجامع وتصوّره عدّة افتراضات، والفرضية 

ــــــــــ[401]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الرسميّة في منطق أرسطو هي: أنّ الجامع يُقتنص عن طريق تجريد الأفراد عن الخصوصيّات. فتصوّر مفهوم الإنسان يكون بتجريد زيد وبكر وعمرو عن الخصوصيات الشخصيّة، وتكون هي القدر الجامع بينها. هذا الكلام نفرضه أصلاً موضوعيّاً في البحث.

فإذا كان الأمر كذلك، فهذا معناه، أنّ تصوّر الجامع واقتناصه يقع في طول تجريد الأفراد عن الخصوصيّات وفي المرتبة المتأخّرة عنها، فلا بُدّ إذن من أن تكون تمام الأفراد التي تجرّها خصوصياتها أن تكون متصوّرة، قبل اقتناص الجامع.

ومن هنا يستحيل أن يكون أحدّ أفراد الجامع سنخ فرد تكون فرديّته في طول تجريد الأفراد عن الخصوصيّات، يعني: في طول اقتناص الجامع؛ لأنَّ اقتناصه بعد أن فرضناه أنّه في طول تجريد الأفراد عن الخصوصيّات، فيستحيل أن يكون أحدّ الأفراد الذين يكون تصوّر الجامع في طول تجريدهم أن يكون هذا في طول اقتناص الجامع، الناشئ من تجريد الأفراد عن الخصوصيّات.

هذا لا يعني، أنه يستحيل أن يكون أحد أفراد الجامع في طول الفرد الآخر له. ومعلولاً له. أنت ابن أبيك وكلاكما فردٌ لجامع الإنسان، أو أن تكون فرديّة أحد الأفراد معلولة لفرديّة الفرد الآخر. الصلاة واجب والوضوء مقدّمة الواجب وإخراج الماء من البئر مقدّمة المقدّمة، فكلّ من الوضوء وإخراج الماء مقدّمة واجبة، ولكن مقدميّة إخراج الماء في طول مقدميّة الوضوء، كلّ هذا ممكن ومعقول.

ــــــــــ[402]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

لكنّنا هنا نواجه شيئاً جديداً غير ذلك، إذ نواجه فرداً تتوقّف فرديّته على اقتناص الجامع وتصوّره، الذي هو بعد الفراغ عن تجريد الأفراد عن الخصوصيات (1)، ومثل هذا يستحيل أن يكون فرداً لذلك الجامع.

وهذا الكلام يطبّق على محل الكلام ويقال: بأنَّ الجامع بين الطهارة الواقعيّة والاستصحابيّة غير معقول، إذ المراد من الطهارة الاستصحابيّة هو استصحاب نفس هذا الجامع، يعني: الجامع بين الطهارة الواقعيّة واستصحاب نفس هذا الجامع، وهذا الجامع -بمقتضى المقدّمة التي قلناها- يتصوّر في المرتبة اللاحقة لتجريد الأفراد عن الخصوصيات فكيف يفرض شموله لفرد يكون في طول تصوّر الجامع واقتناصه. فإنَّ أحدّ أفراد هذا الجامع -بحسب زعم القائل- وهو الطهارة الاستصحابيّة أي: استصحاب الجامع، واستصحابه فرع تصوّره، الذي هو بعد الفراغ عن تجريد الأفراد عن الخصوصيّات، فكيف وجد عندنا
-بعد الفراغ عن تجريد الأفراد- فرد لم نجرده بعدُ عن الخصوصيّة. هذا محال، وهذا معناه أن تصوّر هذا الفرد صار في طول تصور الجامع، بينما يجب أن يكون تصوّر الجامع في طول تصوّر الفرد.

الجواب عن الصيغة الأخرى للاعتراض الثاني

الجواب عن هذا يكون بدفع المغالطة الفنيّة الموجودة في المقدّمة؛ لأنّه صحيح أنه يقال في المنطق: أن اقتناص الجامع وتصوره فرع تجريد الأفراد عن 

ــــــــــ[403]ــــــــــ

() فلا يعقل أن تكون فرديّته وتصوّره فرداً في طول تصوّر الجامع، الذي يكون في طول تجريد الأفراد عن الخصوصيات (المحاضرة)، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الخصوصيات. لكن نريد بهذه العبارة أن الوصول إلى الجامع بين هؤلاء الأفراد فرع تجريدهم عن الخصوصيات، لا أن تصور ذات الجامع بين هؤلاء الأفراد فرع أن نتصور تمام الأفراد ونجردهم عن الخصوصيّات.

يعني: أنك لو أردّت أن تتصوّر الجامع بين زيد وعمرو وبكر، يعني جامعاً تضيفه إليهم على حدٍّ سواء، فرع أن تتصوّر الأفراد وتجرّدهم عمّا به الامتياز حتّى يبقى شيء واحد نقول هذا هو الجامع، لكن ليس معنى هذا: أنّ تصوّرك لهذا الجامع الذي بقيّ بعد الإفراز، تصوّرك لذاته لا تصوّرك لجامعيته لهذه الأفراد ليس فرع تصوّرك لتمام الأفراد، بل كان يكفي أن تتصوّر (زيداً) وحده فتتصوّر هذا الجامع. نعم، إضافة الجامع إلى أفرادٍ مّا فرع أن يكون له تصوّر مسبق لهذه الأفراد وما به الاشتراك، وما به الامتياز ما بينهم.

وحينئذٍ، فهنا تصوّر الجامع الذي هو في طول تصوّر الأفراد وتجريدها عن الخصوصيّات، ليس هو التصوّر الذي نريده، بل هو بمعنى اقتناص جامع نضيفه إلى تمام الأفراد. وهذا ليس لازماً في المقام، بل اللازم في المقام هو تصور ذات الجامع، وهو يكفي فيه انتزاعه من أحد الأفراد. وبعد انتزاعه من أحد الأفراد وتصوّره كذلك، يكون هذا التصوّر دخيلاً في تصور فرد آخر لهذا الجامع. مثل هذا لا محذور فيه.

وعليه فالتقاريب الأربعة لكلمات المحقّق العراقي ممّا لا يمكن المساعدة عليها. وعليه فجريان الاستصحاب في الحصّة وفي الجامع، لا مانع منه والإشكال غير وارد.

ــــــــــ[404]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 [في صحّة فتوى الفقيه بصحّة الصلاة بالنجاسة مع العذر]

كان كلامنا في الصحيحة الثانية، وكنّا نعالج فرضيّة تفسّر فتاوى الفقيه بصحّة الصلاة مع النجاسة في عدّة موارد، قال الميرزا: أنّه إمّا أن نضيّق دائرة المانعية، وإمّا أن نوسّع دائرة الشرطيّة، وقد تكلّمنا في كلا الأمرين واتضّح أن كلا منهما ببعض المعاني معقول ولا يرد عليه اعتراض.

يبقى أن نجرب أنّنا إذا لم نضيّق دائرة المانعيّة ولم نوسّع دائرة الشرطيّة فهل يمكن مع هذا تصحيح فتاوى الفقيه أو لا؟

وذلك: بأن نفترض بأنَّ الشرطية الواقعيّة باقيّة على الطهارة الواقعيّة بعنوانها الخاص، ومع ذلك تصحّ فتاوى الفقيه بصحّة الصلاة في موارد وقوعها مع النجاسة مع العذر.

وتصوير ذلك على سبيل المثال: أن يقال: أنّ الطهارة الواقعيّة شرط، ولكنّه شرط لا يمكن تداركه لهذا الشخص، الذي صلّى مع النجاسة جهلاً أو لعذرٍ عقلي، ولا يمكنه أن يحصله في ضمن فرد آخر.

وذلك؛ لأنَّ الشرط ليس هو الطهارة على الإطلاق، بل إيجاد الطهارة في الفرد الأوّل من الصلاة، فإذا فُرِض أنّ الفرد الأوّل لم يكن فيه طهارة واقعيّة وإنّما كان فيه الجامع بينها وبين الطهارة الظاهريّة. إذن، لا يمكن بعد هذا أن يقال بوجوب إعادة الصلاة بلحاظ التحفّظ على هذا الشرط؛ لأنّ هذا الشرط لا يمكن التحفّظ عليه، حتّى لو أعاد الصلاة؛ لأنَّ مركز الشرط ليس هو الطبيعي على الإطلاق، بل هو الفرد الأوّل الذي يطبّق العبد عليه الطبيعي في 

ــــــــــ[405]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مقام الامتثال. والفرد الأوّل تحقّق، لكنّه تحقُّق فاقداً للشرط والموجود الفاقد لا ينقلب عمّا وقع عليه. وإيجاد الشرط في ضمن فردٍ ثانٍ ليس مصداقاً للشرط؛ لأنَّ المفروض أنّ الشرط هو إيجاده في الفرد الأوّل لا في الثاني(1).

يبقى سؤال واحد: وهو أنّه بناءً على هذا نسأل: بأنَّ الطهارة الواقعيّة أضيفت إلى الفرد الأوّل الصحيح أو الفرد الأوّل الباطل؟ فإذا كانت مضافة إلى الفرد الأوّل ولو كان باطلاً فيلزم حينئذٍ أنّه لو صلّى مع النجاسة عامداً عالماً أيضاً يقال بعدم وجوب الإعادة عليه، لأنَّ الفرد الأوّل من الجامع -على الأعمّي- قد وجد بلا طهارة واقعية.

جواب ذلك: هو أنّه بالإمكان تقييد هذا الطبيعي وهو أن يراد به الفرد الأوّل الصحيح من سائر الجهات الواجد(2) للجامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهريّة. الفرد الأوّل من هذا الطبيعي لا بُدّ من إيقاع الطهارة الواقعية فيه. لا الجامع الأعمّي الذي تصور القائل بالأعمّ في مسألة الصحيح والأعمّ.

وحينئذٍ فمن أتى بالفرد الأوّل مقروناً بالمؤمّن بلا طهارة واقعيّة يكون قد 

ــــــــــ[406]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هذا تقريب لإجزاء الحكم الظاهري.

فقال: نعم، يعني هو فرضية لتصوير عالم الجعل بناءً على الإجزاء. فالفقيه لو تمّ عنده الدليل على أن الشرطيّة مجعولة بهذا النحو، فإنّه يفتي بعدم وجوب الإعادة في المقام، (المقرّر). 

(2) الواجد للمؤمّن عن الطهارة الواقعية. هذا الجامع يجب إيجاد الطهارة الواقعية في فرده الأول (تكرار). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فاته الشرط ولا يمكنه تداركه. وأمّا من صلّى الفرد الأوّل مع النجاسة عالماً عامداً، فهذا يمكنه تدارك الشرط؛ لأنّ الشرط هو تحصيل الطهارة الواقعيّة في أوّل صلاة يصلّيها مع المؤمّن، وهذه الصلاة لم يصلّها مع المؤمّن.

إذن، فبالإمكان تصوير الشرطيّة بنحوٍ بحيث لا تجب الإعادة مع فرض الاحتفاظ بكون الشرطية باقيّة على الطهارة الواقعيّة بعنوانها.

يبقى شيء فقهي واحد، وهو أنّه يظهر من روايات عدم وجوب الإعادة فيمن صلى في النجاسة جهلاً أو غفلة أو مع العلم بالعدم، يظهر منها أنّ الصلاة في نفسها صحيحة في نظر المولى لا أنّها مجرّد مانع عن إيجاد الصحيح، ليس معنى قوله: (لا تعد) أو (مضت صلاتك)، أنَّ هذا الذي أوقعته جعلك عاجزاً عن إيجاد الصحيح، فيكون حالك حال فاقد الطهورين. كما أنّ ذاك لا يجب عليه الصلاة كذلك أنت. ليس لسانها هذا، بل لسان هذه الروايات: أنّك وقع منك شيء معتبر معتدّ به، وعليه فإنا أرفع اليد عن الزائد، لا أشكال أن هذا مستظهر من الروايات.

ولأجل هذا الاستظهار نضيف فرضية جديدة إلى هذه الفرضية، لكي تكمل وتنطبق على هذه الروايات، وذلك: بأن يُقال: إنّ هذه الصلاة التي وقعت مع الجامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهريّة قد حصل بسببها مرتبة من الملاك والمصلحة، ببركة هذا الجامع بين الطهارتين، وبقيت مرتبة أخرى من المصلحة كان حصولها يتوقّف على إيجاد الطهارة الواقعيّة بعنوانها في الفرد الأوّل ولم يوجد. فمن حيث إنّ مرتبة من المصلحة قد تحقّقت فيما وقع، 

ــــــــــ[407]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

فالصلاة تُعتبر صحيحة في الواقع، ومطابقة مع غرض المولى، وليس هذا الإنسان حال فاقد الطهورين. ومن حيث إنّ المرتبة الأخرى، التي لم تتحقّق من مراتب غرض المولى كانت منوطةٌ بإيجاد الطهارة الواقعيّة في ذلك الفرد الأوّل، الذي حصل المرتبة الأولى من المصلحة. ولهذا لا يمكن تداركه؛ لأنّ المرتبة الزائدة من المصلحة كأنّها ارتباطيّة مع المرتبة الأولى من المصلحة. فهي تتحقّق بطهارة واقعية محفوظة في ضمن الفرد، الذي يحقّق المرتبة الأولى من المصلحة، فلو وِجد فرد محقّق للمرتبة الأولى من دون أن تنضم إليه طهارة محصّلة للمرتبة الأعلى من المصلحة يتعذّر بعد هذا استيفاء المرتبة الأولى من المصلحة.

وبذلك يكون مثل هذا افتراضاً منطبقاً على ظواهر الأدلّة نافعاً للفقيه في مقام تصوير فتاوى الصحّة والبطلان.

هذا تمام الكلام في الإشكال المعروف في التعليل والجهات الثلاث التي عقدناها لهذا الإشكال.

وقد تلّخص من كلّ ما تقدّم من الكلام: أنّ الفقرة الأولى من الصحيحة دليلٌ معتبر على الاستصحاب لا ينبغي الإشكال فيه.

الفقرة الثانية في الصحيحة(1)

 وهي في آخر الصحيحة وهي قوله “قُلْتُ إِنْ رَأَيْتُهُ فِي ثَوْبِي وأَنَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وتُعِيدُ إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتَهُ وإِنْ لَمْ تَشُكَّ ثُمَّ رَأَيْتَهُ رَطْباً قَطَعْتَ الصَّلَاةَ وغَسَلْتَهُ ثُمَّ بَنَيْتَ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ 

ــــــــــ[408]ــــــــــ

() أي: الصحيحة الثانية لزرارة.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ“. 

قلنا فيما سبق في فقه الرواية: إنّ هذه العبارة فيها تفسيران:

أحدهما: أن يُراد من قوله “وشككت في موضع منه” يعني شكّاً مقروناً بالعلم الإجمالي. وقوله: “وإن لم تشكّ ثُمَّ رأيته” يعني: لم تشكّ شكّاً مقروناً بالعلم الإجمالي، وهو تفسير لم نرتضه.

الثاني: أن يُراد به الشكّ من حيث هو في كلا الموردين، فالإثبات في العبارة الأولى انصبّ على الشك بما هو كذلك النفي في العبارة الثانية.

وعلى الثاني أيضاً يوجد احتمالان، لأنَّ قوله “وإن لم تشكّ” تارةً يُراد به المعنى اللغوي، الذي نستعمله عرفاً في كثير من الموارد، فنقول: إنّه يشمل العلم ويشمل الغفلة، فإنّه كما أنّ العلم غير الشكّ، كذلك الغفلة غير الشكّ، وأخرى نقول: بأنَّ قوله “وإن لم تشكّ” كناية عن العلم كما يستعمل عرفاً أيضاً، تقول: أنا لم أكن أشك في أن فلاناً عالم، ليس معناه أنك كنت غافلاً عنه، وإنما تريد أن تقول بأنّي كنت قاطعاً بأنّه عالم.

وعلى جميع هذه الاحتمالات لا شكّ في أن أركان الاستصحاب تامّة وعبارة “ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً” تنطبق على الاستصحاب؛ لأنَّ هذا الشخص كان متيقناً بالطهارة ولو قبل(1) الدخول بالصلاة، والآن يشك أن تلك الطهارة بقيت أو لا؟ وقوله: “فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ” منطبق تماماً على أركان الاستصحاب وبذلك يكون دليلاً على الاستصحاب.

ــــــــــ[409]ــــــــــ

() ولو عند خروج الثوب من يد النسّاج كما قال السيد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

يبقى في مقابل ذلك قاعدة اليقين، بأن يقال: بأنّه لعلّ مراده من اليقين والشك في قوله: “لَعَلَّهُ شَيْ‏ءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ” لعلّ مراده اليقين والشك، الذي هو من أركان قاعدة اليقين، لا الذي هو من أركان الاستصحاب. فلا بُدّ أن نرى أنّ هذا الاحتمال هل هو مساوٍ مع الاحتمال الأوّل أو مرجوح منه. هنا نرجع إلى ما قدّمناه من تفسيرات لهذه الجملة لنرى أنّه على كلّ واحد منها هل هذا الاحتمال مرجوح أو لا؟

أمّا آخر هذه التفسيرات: وهو أنّ المراد من قوله: “إن شككت” و”إن لم تشك” أنّ النفي والإثبات انصب على ذات الشكّ، وفرضنا أنّ معنى “وإن لم تشكّ” كناية عن العلم، يعني كنت عالماً بالطهارة، بناءً على هذا التقدير يمكن أن يقال: بأنَّ أركان قاعدة اليقين موجودة، كما أنّ أركان الاستصحاب موجودة؛ لأنّه بناءً على هذا التفسير حين دخل في الصلاة كان عالماً بالطهارة ثُمَّ رأى نجاسة قال “لعلّه شيء أوقع عليّ” يعني شكّ في أنّه هل كانت هذه النجاسة من حين دخولي في الصلاة، فيكون من الشكّ الساري. ويكون هذا اليقين والشك أركان قاعدة اليقين، كما أنّ عنده يقين هو ركن قاعدة الاستصحاب، وهو يقينه، الذي قبل الصلاة ولم ينتقض لحد الآن. فيكون هذا المؤمن واجداً لأركان كلا القاعدتين.

فقد يُقال حينئذ: بأنَّ الجواب يكون مجملاً، إذ كما يمكن تنزيل اليقين والشكّ في كلام الإمام على اليقين، والشك على ما هو من أركان الاستصحاب، كذلك يمكن تنزيلها على ما هو من أركان قاعدة اليقين.

ويبقى في مقابل هذا الإجمال الذي يمكن ادعاؤه على هذا التقدير إبداء 

ــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

قرائن عامّة على تعيين الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين، من قبيل ظهور الفقرة الأولى في الاستصحاب. يعني الارتكاز الناشئ من شخص هذا السياق بناء على ظهور الفقرة الأولى في الاستصحاب كما تقدّم. فهذا يوجب انصراف الفقرة الثانية إليه أيضاً. أو مثل أن يُقال: بأنَّ ارتكازية نفس الاستصحاب في الأذهان العقلائية وعدم ارتكازية قاعدة اليقين يوجب انصراف الذهن العقلائي عرفاً إلى هذا، خصوصاً أنّ الإمام بيّنه بعنوان: (لا ينبغي)، كأنّه أمر على خلاف الموازين، فهذا الارتكاز يوجب تعيّن الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين.

مثل هذا، ينبغي أن نتمسّك به في مقام دفع الإجمال.

وأمّا بناءً على غير هذا التفسير الثالث، لو قلنا: إن شككت وإن لم تشكّ مصبّهما هو ذات الشكّ، لكن لا يُراد به أنّه كان عالماً، بل يناسب العلم والغفلة، وقد ذكرنا في فقه الرواية نكتة هذا التشقيق، والنكتة محفوظة، حتّى إذا كان المراد من قوله: “وإن لم تشكّ” معنى يلائم مع الغفلة ().

فيكون حينئذٍ، موضوع القضية إنَّ هذا المؤمن لم يكن شاكّاً حين دخل الصلاة، وهذا يلائم مع الغفلة أيضاً. إذن، ليس في كلام الإمام أنّ هذا المؤمن تمّ في حقّه أركان قاعدة اليقين؛ لأنَّ عدم الشكّ ملائم مع الغفلة ومع اليقين. وعليه فلا يمكن حمل اليقين والشكّ في قوله “وليس ينبغي أن تنقض اليقين 

ــــــــــ[411]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

بالشكّ“، على اليقين المقوّم لقاعدة اليقين؛ لأنّه لا بُدّ أن يُحمل على يقين قد فرض وجوده بين السائل والإمام. ولم يُفرض بينهما إلّا ذاك اليقين الأوّل الذي هو ركن الاستصحاب. فبناءً على هذا التفسير لا يبقى مجال لدعوى الإجمال.

وكذلك الحال أيضاً على الوجه الأوّل وهو أن نحمل قوله: “وإن شككت” في موضع منه على العلم الإجمالي، و”إن لم تشك” يعني وإن لم تعلم إجمالاً، فإنّه يلائم مع الشك البدوي والغفلة ومع العلم، وعلى أي حال لم يُفرض اليقين بالطهارة حال الدخول في الصلاة حتّى تتمّ بذلك أركان قاعدة اليقين. بناءً على هذا أيضاً يتمّ الاستدلال بالفقرة الثانية من هذه الصحيحة.

سند الرواية 

بعد هذا لم يبقَ عندنا من هذه الصحيحة إلّا التكلّم في سندها وهو واضح صحيح، إلّا أنّها كتبت في الكتب الأصولية مضمرة؛ باعتبار أنّ زرارة يقول (سألته)، ولم يذكر الإمام الذي سأله، إلّا أنّ هذا الإضمار لا يشكّل عيباً فيها، وذلك لأمرين:

الأمر الأوّل: هو أنّ الإضمار من راوٍ شيعي يعتاد أن يسأل من الإمام يحمل على أن المسؤول هو الإمام دائماً. لا بملاك أنّه ذو مقام جليل جداً، وصاحب المقام العظيم لا يسأل إلّا من شخص أعظم منه، أو من شخص يلتفت إلى حجيّة كلامه، وهذا ليس إلّا المعصوم، هذا البيان الذي يختص ببعض الأصحاب.

بل ببيان آخر: وحاصله: أن نبدأ من الشيخ الطوسي الذي كتب هذه الرواية 

ــــــــــ[412]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مضمرة في (التهذيب) و(الاستبصار)، حينما نقل له شيخه هذه الرواية؛ إمّا أن يكون قد سمّى شخصاً غير الإمام أو سمّى الإمام أو نقلها أيضاً مضمراً.

فعلى الأوّل: أنّه سمّى غير الإمام، والشيخ الطوسي حذفه وذكره مضمراً فهذا تغيير وتغرير؛ لأنه حذفه حذفاً موهماً على أقل تقدير وحشره في الروايات المنقولة عن الإمام، وهذا غير محتمل في الراوي الثقة. فهذا الاحتمال ساقطٌ.

الاحتمال الثاني: هو المطابق مع الحجيّة.

الاحتمال الثالث: أنّ شيخه أيضاً رواه مضمراً، فننقل الكلام إلى شيخه، وهكذا إلى أن يصل الكلام إلى نفس الراوي الأوّل وهو زرارة -مثلاً-، وبعد إبطال الاحتمال الأوّل في الراوي الأوّل، أو الاستيناس بالاحتمال الثاني باعتباره مطابقاً مع ما هو المقصود.

 يبقى الاحتمال الثالث، وهو أن يكون الراوي الأوّل أيضاً قال (سألته) من دون أن يعيّن أحداً. 

حينئذٍ نسأل: هل هناك كانت قرينة خاصّة تكتنف الكلام، وتدلّ على أنّ المسؤول منه كان هو غير الإمام، كما لو كان الراوي في سياق قصّة أو حديث، وقال في أثنائه سألته، بحيث يُعرف أنّ المراد منه غير الإمام، أو لم يكن هناك قرينة خاصّة.

الاحتمال الأوّل ساقط، وإلَّا كان على الراوي الآخر أن ينقل هذه القرينة الخاصّة، فيبقى أن لا يكون هناك قرينة خاصّة، وحيث لا تكون هناك قرينة، ولا ينصب المتكلّم قرينة على أن المسؤول مَن هو ويكتفي بإرجاع الضمير إلى 

ــــــــــ[413]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

مرجع لا يحتاج إلى قرينة وتعيين، مثل هذا يكون له ظهورٌ عرفي في أنّ المسؤول هو المسؤول الأعلى وهو الإمام، لأنَّ أي مسؤول آخر غير الإمام – بين الأوساط الشيعية المتعارفة- يحتاج إلى تعيين، أمّا هنا فيمكن أن يقال: أنّه اكتفى في مقام التعيين أنّ المسؤول هو الإمام، فإنَّ مقتضى طبع القضية في الأذهان الشيعية هو أن من يرجع إليه في الحلال والحرام وأحكام الله إنَّما هو الإمام. وهذا الارتكاز يعتمد عليه في مقام القرينية على تعيين المسؤول، وأما لو كان المسؤول غيره فلا يعتمد على ارتكاز عام في مقام تعيينه فلا بُدّ في تعيينه من قرينة خاصّة.

إذن فبمقدّمات الحكمة يتعيّن أن يكون المسؤول هو الإمام وهذا كلام عامّ يأتي في تمام المضمرات الواردة من الرواة الشيعة، الذين كانوا يعيشون في الأوساط الشيعية المبني فقهها وأحكامها على الأخذ من الأئمة.

وقد بيّنت هذا البيان لكي ينفع في غير المقام، وأمّا في خصوص المقام فلا نحتاج إليه إذ يأتي.

ثانياً(1): وهو أن الصدوق في العلل نقل هذه الرواية بسند صحيح إلى زرارة، عن أبي جعفر الباقر بشكل صريح، نعم الشيخ في (التهذيب) و(الاستبصار) نقلها مضمرة. وفي (الوسائل) نقلها عن الشيخ مضمرة وعن الصدوق مسندة. وعليه، فلا إشكال من حيث السند.

هذا تمام الكلام في الصحيحة الثانية.

ــــــــــ[414]ــــــــــ

(1) الأمر الثاني.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 



الفهرس

 

[المبحث الأول: في تحقيق حال الاستصحاب] 13

[الجهة الأولى: في كيفية جعله ثبوتاً] 13

الأمر الأول: [أنحاء التزاحم في عالم الأحكام] 14

الأمر الثاني: [في قوانين التزاحم الحفظي] 17

[تطبيق على المجعول الاستصحابي] 21

فرض آخر في كلمات الأعلام 23

الجهة الثانية: في استخدام الاستصحاب كدليل من قبل الفقيه 28

[كلام السيد بحر العلوم في المقام] 29

كلام الشيخ الأعظم 30

الجهة الثالثة: تعريف الاستصحاب 36

[إشكال في المقام] 36

إشكال المحقّق الاصفهاني 42

[المبحث الثاني] في أن ّالاستصحاب هل هو مسألة أصولية 49

الاتّجاه الرسمي في ضابط المسألة الأصولية ومناقشته 50

الضابط المختار لها 53

ــــــــــ[415]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التطبيق على محل الكلام 57

[الضابط المختار بعرضٍ جديد] 58

المبحث الثالث في الفارق بين الاستصحاب وغيره من القواعد 69

في الاستصحاب القهقرائي 70

الفرق بينه وبين قاعدة اليقين 74

في قاعدة المقتضي والمانع 78

[التكييف العقلائي لقاعدة المقتضي والمانع] 80

الكلام في أدلة الاستصحاب 85

الوجه الأوّل: هو كونه مفيداً للظن بالبقاء 85

الوجه الثاني: السيرة العقلائية 91

المقام الأوّل: في حجيّة السيرة 92

المقام الثاني: في الردع عنها 100

في وجوه الفرق بين السيرتين 103

الوجه الأوّل للسيّد الأستاذ ومناقشته 103

الوجه الثاني 106

الوجه الثالث 107

الوجه الرابع 110

الوجه الخامس 111

الوجه السادس 113

ــــــــــ[416]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

 [الوجه الثالث الاستدلال بالروايات] 115

الرواية الأولى 115

التقريب الأوّل لاستظهار العموم للآخوند 118

الوجه الثاني 121

كلام المحقّق العراقي 122

الصحيح في المقام 124

الوجه الثالث 131

مناقشته 134

التقريب الرابع 135

التقريب الخامس 137

الوجه السادس 142

الوجه السابع: للنائيني 144

التقريب الثامن: للخراساني في الكفاية 147

تنبيهات الصحيحة الأولى 152

التنبيه الأوّل 152

التنبيه الثاني: في استفادة قاعدة تعليل الـمقتضي والـمانع من الجملة 170

الوجه الأوّل 170

التقريب الثاني 174

ــــــــــ[417]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الذي ينبغي أن يقال في دفعه 178

التنبيه الثالث: في سلب العموم للجملة 183

ما هو الصحيح في المقام 196

مطلب آخر أُشير إليه في التقريرين 200

التنبيه الرابع: في تحكيم الارتكاز على إطلاق القاعدة 203

الصحيحة الثانية 207

تفصيل الكلام فيها 213

اثبات الاستصحاب بالفقرة الأولى من الرواية 231

هل الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة أو بلحاظ حال السؤال 238

توقّف من حيث استنكار زرارة 240

اشكال آخر على المورد 245

الجهة الأولى: في أنّه هل يضرّ بالاستدلال 246

الجهة الثانية: في حلّ الاشكال 253

كلام للمحق النائيني ومناقشته 258

موقف الآخوند والاشكالات عليه 262

موقف المرزا والإشكال عليه 265

تقريبات ظهور في كلام الامام 266

التقريب الأوّل 266

التقريب الثاني 268

ــــــــــ[418]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

التقريب الثالث 270

التقريب الرابع 272

التقريب الخامس 273

التقريب السادس 274

الجهة الثالثة: في تصوير توسيع الشرطية وتضييق المانعية 275

كلام الاصفهاني وعدم تعقل الفرق بين الشرطية والمانعية ومناقشته. 276

في الثمرة الأصولية 281

الثمرة الفقهية 283

إشكال وجوابه 284

في تضييق دارة المانعية 289

الوجه الأوّل: للميرزا ومناقشته 289

الوجه الثاني: ومناقشته 291

[الإشكال الأول] 292

الإشكال الثاني 295

الإشكال الثالث 296

مناقشة الإشكالات الثلاثة 299

ثمرة للمسألة ذُكرت في تقريري المحقق النائيني 307

مناقشة الفوائد 313

ــــــــــ[419]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

في المؤمّن قبل انكشاف النجاسة 315

في مصبّ أصالة الطهارة أو الحل 319

في الحكم الواقعي بعد الانكشاف 325

فيما يقتضيه مانعيّته 328

تكرار ما بعد العطلة الصيفية 332

أنحاء شرطية الطهارة والنجاسة 336

في الثمرة أو الفارق الحكمي بين الشرطية والمانعية 343

الثمرة الأولى 343

الثمرة الثانية 347

[تلخيص كلام المرزا في موضوع المانعية] 349

في وظيفة المكلّف قبل الانكشاف 358

في وظيفته بعد الانكشاف 360

الكلام في توسيع دائرة الشرطية 367

في جريان استصحاب الطهارة مع عزلها عن الشرطية 371

المقام الأوّل: في صيغ توسيع الشرطية 373

التقريب الأوّل 373

التقريب الثاني 374

التقريب الثالث 376

جواب صاحب الكفاية عن الإشكال 377

ــــــــــ[420]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

المقام الثاني: الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهريّة 379

كلام المحقّق العراقي في المقام 380

اللّحاظ الأوّل: استصحاب الطهارة الواقعية بخصوصيتها 381

اللّحاظ الثاني: استصحاب ذات الحصّة من الطهارة المحفوظة في ضمن الجامع 381

مناقشة المحقّق العراقي بحسب اللحاظ الثاني 385

الاعتراض الأوّل 385

[الاعتراض الثاني] 388

اللّحاظ الثالث: استصحاب الجامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهرية 388

إشكال المحقّق العراقي على جريان الاستصحاب في الجامع 389

الاعتراض الأوّل بصيغته الأولى 389

الجواب عن الاعتراض الأوّل بصيغته الأولى 392

الصيغة الأخرى للاعتراض الأوّل 396

الجواب عن الصيغة الثانية للاعتراض الأوّل 397

الاعتراض الثاني للمحقّق العراقي 399

الجواب عن المحتمل الأوّل للاعتراض الثاني 400

ــــــــــ[421]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج22 

الصيغة الأخرى للاعتراض الثاني 401

الجواب عن الصيغة الأخرى للاعتراض الثاني 403

[في صحّة فتوى الفقيه بصحّة الصلاة بالنجاسة مع العذر] 405

الفقرة الثانية في الصحيحة 408

سند الرواية 412

الفهرس 415