أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج23

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الثالث العشرون

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج23 (274ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1727/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1727) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

4-45-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الثالث والعشرون  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 



تتمة البحث في الاستصحاب

 

ويحتوي على:

  • الرواية الثالثة: صحيحة زرارة الثالثة 
  • الرواية الرابعة: رواية إسحاق بن عمّار
  • الرواية الخامسة: رواية (الخصال) الواردة في حديث الأربعمائة
  • الرواية السادسة: مكاتبة علي بن محمد القاساني
  • طائفتان من الروايات

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 








الرواية الثالثة: صحيحة زرارة الثالثة

 

  • المقام الأوّل: ظهور الرواية في طبعها 
  • المقام الثاني: في محذور الأخذ بالظهور في الرواية
  • فائدة

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 







[الرواية الثالثة: صحيحة زرارة الثالثة]

 

 الكلام(1)‏ في الصحيحة الثالثة من الروايات التي يٌستدّل بها على جريان الاستصحاب.

أيضاً عن زرارة عن أحدهما “قَالَ‏ قُلْتُ لَهُ مَنْ لَمْ يَدْرِ فِي أَرْبَعٍ هُوَ أَوْ فِي ثِنْتَيْنِ وقَدْ أَحْرَزَ الثِّنْتَيْنِ قَالَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وهُوَ قَائِمٌ (يعني صلاته من قيام) بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ويَتَشَهَّدُ ولَا شَيْ‏ءَ عَلَيْهِ وإِذَا لَمْ يَدْرِ فِي ثَلَاثٍ هُوَ أَوْ فِي أَرْبَعٍ وقَدْ أَحْرَزَ الثَّلَاثَ قَامَ فَأَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى ولَا شَيْ‏ءَ عَلَيْهِ ولَا يَنْقُضِ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ ولَا يُدْخِلِ الشَّكَّ فِي الْيَقِينِ ولَا يَخْلِطْ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ ولَكِنَّهُ يَنْقُضُ الشَّكَّ بِالْيَقِينِ ويُتِمُّ عَلَى الْيَقِينِ فَيَبْنِي عَلَيْهِ ولَا يَعْتَدُّ بِالشَّكِ‏ فِيحَالٍ‏ مِنَ الحَالات(2)‏.

مورد الاستدلال بهذه الصحيحة هي العبارة المماثلة للعبارات، التي استّدل بها في الصحيحتين السابقتين. حيث جاء فيها “ولا ينقض اليقين بالشك“. 

وتوضيح الكلام في هذا الاستدلال يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في تحقيق أصل ظهور هذه الرواية في نفسها في الاستصحاب.

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الإثنين 7/7/1388 – 30/9/1968. 

(2) انظر: التهذيب 4: 128، الحديث 41.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المقام الثاني: في المحاذير والموانع التي تقتضي صرفها عن الاستصحاب، حتّى لو سلّم ظهورها البدوي فيه.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

 

[المقام الأوّل: ظهور الرواية في طبعها]

 

أمّا المقام الأوّل: فهو إنَّ هذه الرواية لو غفلنا عن كلّ النكات التي تذكر في المقام الثاني هل لها ظهورٌ في حدّ طبعها في الاستصحاب أو لا؟

وتوضيح الحال في المقام يكون بتلخيص محتملات عبارة الاستدلال، ثُمَّ نرى أنّ الاستصحاب الذي هو أحد محتملات هذه الفقرة، هل يكون أظهر هذه المحتملات في نفسه أو لا يكون. 

 سُئِل الإمام في هذه الرواية عن شخص شكّ بين الاثنتين والأربع، فأفتى بالبناء على الأربع، وبالإتيان بركعتين قيامية، فيها ركوعان وأربع سجدات، وبفاتحة الكتاب، والعبارة لم يكن فيها تصريح بالبناء على الأربع وإنّما قال: (يركع ركعتين…). بحيث لو أخذ العبارة في نفسها، لأمكن أن يُقال: بأنّه لا يُعلم بأنَّ الإمام أمر بركعتين متّصلتين، فمعناه أنّه بنى على الأقلّ، كما هو مذهب أكثر علماء السنة، أو أنّه بنى على ركعتين منفصلتين، فهذا هو الذي يسّمى في الفقه الشيعي بقاعدة البناء على الأكثر.

وقد يستظهر من قيد فاتحة الكتاب -كما استظهر الشيخ في (الرسائل)-: أن تكون الركعتان مفصولتين؛ لأنّه لو كان المقصود البناء على الأقلّ، فتكون الركعة الثالثة والرابعة ويكون الإنسان مخيّراً فيها بين الفاتحة والتسبيحات، 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فحيث أمر بصلاتهما بفاتحة الكتاب، مع ارتكاز التخيير بين الفاتحة والتسبيح، فيكون هذا الأمر إشارة إلى أنّ هاتين الركعتين يؤتى بهما منفصلتين، وهذا الفرع خارج عن محلّ الكلام.

ثُمَّ يبدأ فرع آخر فرضه الإمام، قال: “إن شكّ بين الثلاث والأربع قام فأضاف إليها أخرى ولا ينقض اليقين بالشكّ“. وهذه هي فقرة الاستدلال، هل يراد من إضافة الأخرى إضافتها منفصلة أو متّصلة، يأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

المحتملات في عبارة الاستدلال وهي: “لا ينقض اليقين بالشكّ”

فيها عدّة محتملات:

المحتمل الأوّل: هو تنزيلها على الاستصحاب، وهو المُدّعى للمستدلّ بهذه الصحيحة بدعوى: أنّ المراد باليقين والشك فيها: اليقين بعدم الإتيان بالرابعة والشك في الإتيان بالرابعة؛ لأنَّ هذا الشخص كان متيقّناً أنّه لم يأتِ الرابعة، قبل دخوله في الركعة المشكوكة. وبعد هذا شكّ في أنّه هل أتى بالرابعة أو لا. فيجري في حقّه استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، ويكون من مصاديق كبرى الاستصحاب ويكون قوله: “ولا ينقض اليقين بالشكّ” كالعبارتين المماثلتين في الصحيحتين السابقتين.

وبناءً عليه تكون العبائر الأخرى كلّها مؤكِّدة ومقويّة لهذا المضمون “ولا يدخل الشكّ في اليقين” لا بُدّ أن يكون المقصود به، مزاحمة الشكّ باليقين، حيث يهدمه ويفنيه “ولا يخلط أحدهما بالآخر” لا بُدّ وأن يُفرَض أنّ معنى 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

 (الخلط) تسوية أحدهما مع الآخر، وفرضهما من باب واحد فيكون له حدّيّة الاختيار بأن يرفع يده عن يقينه السابق باعتبار الشكّ. 

مع أنّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ اليقين عروة وثيقة، لا ينبغي أن يُقاس بها الشكّ، الذي هو أمرٌ مبهم مردّد. “ولكن ينقض الشك باليقين” عكس ذلك؛ وهو أنّ الشك يُنقض باليقين. فلو كان شاكّاً ثٌمَّ تيقن طبعاً، يرفع يده عن الشك باعتبار اليقين. فكأنّه يريد التنبيه على قوة اليقين، فكما اقتضت قوته من هذا الطرف أن يكون اليقين ناقضاً للشكّ بلا إشكال، فهي تقتضي من ذاك الطرف -ولو بالعناية والتعبّد- أن يكون الشكّ ناقضاً لليقين.

ويتمّ على اليقين” يعني يبني على اليقين بعدم الرابعة، ويستمر على ذلك كما لو لم يكن عنده شكّ “ولا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات“.

فالعبارة تنطبق بتمامها على هذا المعنى في نفسه، وإن كان فيها نوعٌ من التطويل غير المتعارف، فإنَّ هذا المضمون لا يحتاج إلى مثل هذه الجمل المتعاطفة الغريبة، كلّها كنايات واستعارات في مقام بيان مطلب كان بالإمكان بيانه، بعبارة أخرى أوضح وأحسن. هذا ممّا يخلق وسوسة للفقيه(1) في صحّة هذا الاحتمال، ولكن على أي حال هذا المعنى منطبق على هذه العبائر. وحينئذٍ، يُراد بالنقض في المقام، المعنى الذي كان يُراد به في الصحيحتين الأوليتين.

ويراد من تطبيقه نفس المعنى، الذي أُريد من تطبيقه هناك.

المحتمل الثاني للعبارة: هو أن يكون المراد من اليقين في قوله: “ولا ينقض 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

() يقصد نفسه. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

اليقين بالشكّ” يعني الشك في الفراغ واليقين به، يعني: لا ينقض قاعدة اليقين بالفراغ الشكّ فيه، فإنَّ الشيخ يقول: بأنَّ هناك اصطلاحاً في رواياتهم اصطلاح التعبير باليقين عن قاعدة البناء على اليقين في مقام تحصيل الفراغ، هذا المطلب، الذي يستقل به العقل ويعبّر عنه الأصوليون بأنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني. ففي بعض الروايات يسأل الإمام أنّه يشكّ في صلاته فقال: “يبني على اليقين“، فيًقال أنّ المراد من ذلك: أنّه يعمل في تحصيل اليقين بالفراغ، والتعويل على المشكوك غير جائز.

فيكون المعنى في المقام: أن لا يرفع يده عن اليقين بالفراغ بمجرّد احتمال الفراغ. فلو تشهّد وسلم، برجاء أن يكون قد صلّى أربعاً، فقد غض النظر عن اليقين بالفراغ، الذي هو الوظيفة العقلية الشرعية له. فعبّر عن ذلك بنقض اليقين بالشكّ.

 “ولا يدخل الشك باليقين” يعني ولا يجعل حال الشكّ، كحال اليقين ومدخله كمدخله، فكما أنّ اليقين أمرٌ يصحّ الاعتماد عليه في مقام الفراغ، الشكّ أيضاً كذلك، كما يخيّل له فيدخله مدخل اليقين.

ولا يخلط أحدهما بالآخر” يعني بـ(الخلط) نوع من المساواة، يعني لا يتخيّل أنّه ما دام أن اليقين يجوز التعويل عليه فالشكّ والاحتمال والكواشف الناقضة الممزوجة مع التردّد أيضاً يعوّل عليها، بل لا يعوّل إلّا على اليقين بالفراغ “ولكن ينقض الشك باليقين” يعني كما لا يجوز له أن لا يعتني باليقين بالفراغ، اكتفِ بالشكّ فيه.

 ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لكن يجوز له العكس وهو أن لا يعتني بالشك في الفراغ اهتماماً بتحصيل اليقين فيه، “ويتمّ على اليقين” يعني: يتمّ على أساس اليقين بالفراغ، ولا يهتم بالشكوك والاحتمالات، “يبني عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات“. 

إلَّا أنّ هذا الاحتمال الثاني في غاية الوهن: 

وذلك أمّا أوّلاً: فلأن اليقين بالفراغ أمرٌ غير موجود بالفعل وإنّما هو أمرٌ يُكلّف الإنسان بأنَّ يحصّله، وظاهر العبارة هو المفروغية عن وجود يقين وشك ويقال له: لا تنقض هذا اليقين بهذا الشك.

 وأما ثانياً: لأنّه لو قطعنا النظر عن ذاك الظهور في مفروغية الوجود فنقول: إنّ نفس عبارة (النقض) لا تناسب ذلك، فإنَّ النقض بناءً على هذا التفسير يكون معناه ما قلناه في تخريج العبارة، وهو أنّه أنت لا تكتفِ في مقام اليقين بالفراغ بالشك فيه (1)، وهذا ليس نقضا لليقين بالفراغ، فإنّه لو فُرِض أنّه ضعفت همّته، واكتفى بالمقدار الذي يحصل معه الشك في الفراغ، فهذا يكون بحسب الحقيقة نقضاً للقاعدة التي تحكم بوجوب تحصيل اليقين بالفراغ، لا أنّه تنقض اليقين بالفراغ، فإنَّ هذا اليقين ليس له اقتضاء بالفعل؛ لأنّه غير موجود. مع أنّ النقض في المقام أُضيف إلى نفس اليقين. إذن، فلا يمكن أن يحمل اليقين على اليقين بالفراغ، فهذا الاحتمال موهون في نفسه في مقابل الاحتمال الأوّل.

الاحتمال الثالث: أن يراد باليقين في المقام اليقين بإتيان الثلاث. فإنَّ هذا 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

() لا تضعف همّتك عن تحصّل اليقين بالفراغ لمجرّد أنّك حصّلت الشك في الفراغ (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المؤمن يعلم بأنّه أتى بثلاث على أي حال، لكنّه لا يدري هل هي ثلاث بلا رابعة، أو معها. فله يقين وشكّ، فكأنّه يريد أن يقول له: إنّ يقينك بالثلاث لا تهمله(1) لمجرّد أنّك شككت في أنّ هذه الثلاث انضمّ إليها رابعة أو لا. بل اعمل عملاً بحيث تتحفّظ به على يقينك بالثلاث، وتكون صلاتك بلا محذور سواءٌ كان معها رابعة، أو لم تكن. فيكون معنى قوله: “ولا ينقض اليقين بالشك“: لا تهدم اليقين بثلاث ركعات بأنَّ ترفع يدك عن صلاتك بالمرّة، فتكون بذلك قد اهملت يقينك بذات الثلاث لأجل شكوكك، التي أُضيفت إليه.

 “ولا يدخل الشكّ في اليقين” يعني: لا تجعل عملك ملفّقاً من يقين وشك، إذ تقول: إنّي متيقن بالثلاث وأختار أحد الشكّين وهو أنّي أتيت بالرابعة -مثلاً-، فجزء من وضعك متيقّن، وجزء منه مشكوك. هذا غير جائز، بل حافظ على يقينك واعمل عملاً بحيث يصحّ على كلّ حال، “ولا يخلط أحدهما بالآخر” عبارة أخرى عن الأوّل.

 “ولكن ينقض الشكّ باليقين” فهو يمكن أن يهمل الشكّ؛ لأجل اليقين، أمّا إهمال اليقين؛ لأجل الشكّ فغير صحيح، “ويتمّ على اليقين” يعني يتمسّك بيقينه، لكن يجب أن يعمل عملاً يصح على جميع المحتملات “ولا يعتدّ بالشكّ في حال من الأحوال”. 

أمّا ما هو العمل الذي هو صحيح على كلّ الحالات، فهو غير مبيّن هنا، على نحو التفصيل، وقد بُيّن في روايات أخرى، إذ قال الإمام: “أتريد أن 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

() لا تهمل الثلاث ركعات، التي أتيت بها، (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

أعلمك شيئاً بحيث لا يضرّك لو نقصت أو زدت؟ قال له: نعم”، فيعلمه قاعدة البناء على الأكثر. فإنّه لو كان أتى بالأربع فلا يضرّه على القاعدة؛ لأنَّ صلاته تمّت، ولا يكون إتيانه بركعة مفصولة موجباً لبطلان صلاته، ولو كان أنقص فلا يضرّه بحسب التعبّد طبعاً. 

هذا الاحتمال أيضاً بعيد؛ وذلك لأنّه لا يناسب مع عبارة النقض أيضاً، فإنَّ اليقين بالثلاث لا يصدق على شخص أبطل صلاته لهذا الشكّ أنّه نقض يقينه بالثلاث، فإنَّ اليقين بالثلاث ينقض فيما إذا بنى على خلاف ما يقتضيه اليقين بالثلاث، فإنَّ هذا اليقين يقتضي الفراغ من ناحية هذه الثلاث، فلو بنى أنّه من ناحية هذه الثلاث ليس في فراغ، أمّا إذا أبطل صلاته؛ لأجل الشكّ في إضافة رابعة إليها، لا يصدق عرفاً أنه قد نقض يقينه بالثلاث، فلا بُدّ ان يفسّر النقض بمعنى مسامحي -كما قلت في مقام صياغة هذا الاحتمال- أنّه يهمل يقينه بالثلاث ويجعله بلا فائدة بقطع الصلاة. ومثل هذا ليس معنى ظاهراً من النقض حتّى يحمل عليه.

نعم، يقرب هذا الاحتمال: هو احتمال أن يكون هذا النحو من سوق التعبير غير المتعارف، أنّ الإمام كان ناظراً إلى ردّ العامّة؛ لأنّهم كانوا يبنون على قاعدة البناء على الأقلّ؛ باعتبار استصحاب عدم الزائد، ولهذا حصل في العبارة هذا النوع من الجمل المترادفة المقصودة، التي لا نعيش الآن ظروفها، ولكن احتمل أن تكون ظروفها هذه، ولكن بلحاظ الظهور العرفي الذي نعيشه اليوم لا تنطبق مثل هذه العبارة عليه. إذن، فالاحتمال الثالث موهون في مقابل الاحتمال الأوّل.

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاحتمال الرابع: هو أن يُراد بـ(اليقين) المتيقّن وهو كالاحتمال الثالث. لكن فرقه عنه إرادة المتيقّن يعني: لا ينقض الركعات الثلاث بمجرّد الشكّ. وهذا التحويل يوجب فائدة؛ لأنَّ النقض يصبح له معنى حقيقياً هنا؛ لأنَّ رفع اليد عن الصلاة إبطال للركعات الثلاث. وإبطالها يصحّ أن يُقال عنه أنّه نقض لها، وبذلك يندفع الإشكال على الاحتمال الثالث.

 “ولا يدخل الشك في اليقين” المراد به على هذا التقدير يمكن أن يكون أنه لا يدخل المشكوك في المتيقّن، يعني: لا يلفّق صلاته من متيقّن ومشكوك، يقول: عندي ثلاث ركعات متيقّنة، ورابعة محتملة ألفّق بينهما. “ولا يخلط أحدهما بالآخر” فلا هو يرفع يده عن الصلاة ويبطل الركعات الثلاث، ولا أنّه يحسبها ويحسب معها المشكوك. “ولا يدخل الشكّ باليقين” ويحتمل حينئذٍ ضعيفاً أن يكون المراد من هذا الأخير: المشكوك الذي يجب أن يأتي به يعني: الركعة التي يجب أن يأتي بها، فيصير إشارة إلى أنّ الركعة التي يجب أن يأتي بها، لا بُدّ أن تكون منفصلة لا متّصلة. هذا هو الاحتمال الرابع.

وهو أيضاً خلاف الظاهر؛ لأنه يقتضي تأويل هذه العناوين بمتعلّقاتها، وهو خلاف الظاهر، فإنَّ ظاهر إضافة النقض إلى اليقين، هو أن يكون مضافاً إلى اليقين بما هو. إذن، فهذا الاحتمال أيضاً موهون بحسب الظهور العرفي في مقابل الأوّل.

هذا مضافاً إلى أنّه يلزم منه التفكيك بين هذه العناوين وبعض، حيث إن بعضها تُحمل على المتيّقن، وبعضها تُحمل على الشكّ نفسه.

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وبذلك تلخّص من المقام الأوّل: أنّ مقتضى الظهور العرفي، هو حمل العبارة على الاستصحاب. فإنّه أقوى المحتملات الأربعة. نعم، تبقى وسوسة واحدة وهي: أنّه لماذا هذا التطويل في العبائر والإغماض في هذه الكنايات. فإنَّ هذه التساؤلات يمكن أن يُجاب عليها بناءً على الاحتمال الثالث، لكن يبقى الجواب عليها بناءً على الأوّل مرجّحاً إلى حدٍّ مّا. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 










المقام الثاني: في محذور الأخذ بالظهور في الرواية

 

المقام(1) الثاني: وهو أنّه هل هناك محذورٌ في الأخذ بهذا الظهور أو لا؟ وفي هذا المقام يمكن تصوير عدّة محاذير للأخذ به، فلا بُدّ من البحث في أنّها هل تتمّ أو لا تتمّ؟ 

الإشكال الأوّل للشيخ الأنصاري

المحذور أو الإشكال الأوّل للاستدلال بذاك الظهور المدّعى في المقام الأوّل، ما ذكره الشيخ في (الرسائل) وملخّصه هو: أنّ الركعة التي أمر بإتيانها حينما قال: “قام فأضاف إليها ركعةٌ أخر” إمّا أن يُراد منها الركعة المنفصلة، وإمّا أن يُراد الركعة المتّصلة.

 فإن أُريد الركعة المنفصلة، فهذا خلاف كبرى الاستصحاب، فإنّه لو جرى استصحاب عدم الإتيان بالرابعة هو بقاء الوظيفة كما كانت، والوظيفة التي كانت مترتّبة على عدم الإتيان بالرابعة واقعاً هي، الإتيان بالرابعة المتّصلة فيكون مقتضى هذا الاستصحاب الإتيان بركعة متّصلة لا منفصلة. فإذا فرضنا أنّ المراد من الركعة هنا المنفصلة، فيتعيّن أن لا يُراد بـ”لا ينقض اليقين بالشكّ” 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

() لخّص بعد عنونة المسألة ما توصل إليه في نتيجة المقام الأوّل من كون الرواية ظاهرة في الاستصحاب، ثُمَّ قال: المقام الثاني… (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاستصحاب؛ لأنّه يمكن أن يتكفّل إثبات وجوب ركعة منفصلة، فلا بُدّ أن يُراد بالكبرى شيء آخر من المحتملات الأخرى التي ذكرناها سابقاً، كاليقين بالفراغ والشك بالفراغ، وبذلك يبطل الاستدلال.

وأمّا إذا كان المراد بالركعة التي أمر بها الركعة المتّصلة فهذا وإن كان ينطبق على قانون الاستصحاب إلّا أنّه خلاف ضرورة المذهب، والمقطوع به فقهياً وحديثيّاً من قاعدة البناء على الأكثر. وحينئذٍ، يتعيّن حمل الرواية على التقيّة. ومعه لا يمكن الاستدلال بها، هذا هو الإشكال الأوّل.

عدّة أجوبة عن الإشكال

وقد أجيب عن هذا الإشكال بعدّة أجوبة:

الجواب الأوّل للمحقّق العراقي وغيره

الجواب الأوّل: ما ذكره المحقّق العراقيوغيره، وحاصله أنّ يقال: افرضوا أنّنا نلتزم بالحمل على التقيّة، ولكن التقيّة حيث إنها على خلاف الأصل، فلا موجب للالتزام بها في تمام الرواية، بل نلتزم في التقيّة في التطبيق فقط لا في الكبرى، يعني يلتزم بالتقيّة في حدود استخراج حكم المورد، دون كبرى الاستصحاب. باعتبار أنّه ليس حكماً مطابقاً مع الواقع، وأما أصل الكبرى فلا موجب لفرض كونها تقية، فتُحمل على مقتضى ظهورها، وتجري فيها أصالة الجهة، يعني: أنّها جديّة ويتمّ الاستدلال بها.

والتفكيك بين الكبرى والتطبيق أمر متعارف في الروايات، من قبيل الرواية في حديث الرفع حيث سئُل الإمام عمّن حلف بالطلاق والعتاق 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

مكرهاً. فصار في مقام الإفتاء بعدم نفوذ ذلك مستدّلاً بحديث الرفع، مع أنّ هذا ليس من صغريات حديث الرفع؛ لأنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا يترتّب عليه طلاق وعتاق. وإنّما استشهد به مبنياً على تخيّل العامّة من أنّ هذا يوجب نفاذ العتاق والطلاق، فالتقيّة تكون في التطبيق دون الكبرى.

وكذلك في كلام الإمام الصادق -إن صحّت الرواية- للمنصور في إفطار شهر رمضان، لما سأله عن العيد، قال: “ذاك لإمام المسلمين فإن أفطر افطرنا“. فقد طبّق هذه القاعدة على مخاطبه، باعتبار التقيّة، فكانت التطبيق تقيّة والكبرى جديّة.

إذن، فيلزم بالتقيّة في حدود التطبيق، وأمّا الكبرى فتبقى تحت أصالة الجهة، ونحن نريد أن نستدّل بالكبرى، فيتمّ الاستدلال على كبرى الاستصحاب بهذه الرواية، هذا ما ذكره المحقّق العراقي في الجواب.

إشكال المحقّق العراقي على جوابه

ثُمَّ ذكر إشكالاً عن جوابه، وحاصله: أنّ الأمر دائر بين رفع اليد عن أصالة الجهة في الكبرى، أو رفع اليد عن مثلها في التطبيق، بعد فرض وجود الاختلال في أصالة الجهة في أحد الموردين، فإما أن نقول: إنّ الإمام بيّن الكبرى تقيّة، وأما تطبيقها على المورد فكان أمراً واقعياً صحيحاً، وأمّا أن نعكس المطلب ونقول: إنّ الكبرى كانت في محلّها، ولكن التطبيق في غير محلّه، فالأمر يدور بين ما ذكر في الإشكال من رفع اليد عن أصالة الجهة في التطبيق ويتحفظ عليها في الكبرى، أو عكس ذلك فتكون الكبرى بنفسها صورية، ولكن تطبيق 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا الصورية على مورد الرواية أمرٌ صحيح(1).

وهذا ينتج -بعد فرض العلم الإجمالي بوجود الصورية في أحد الآخرين: الكبرى أو الصغرى- التعارض بين أصالتي الجهة فيها، وبعد التعارض، والتساقط لا يمكن التمسّك بالكبرى. 

ثمَّ أجاب المحقّق العراقي على إشكاله عن نفسه، بأنَّ أصالة الجهة في التطبيق ليس لها أثرٌ عملي؛ لأنّنا إذا فرضنا أنّ أصالة الجهة في الكبرى سقطت وكانت الكبرى صورية، فكون تطبيقها صوري أو حقيقي لا ينتج أثراً عملياً، لكي نتمسّك بأصالة الجهة في التطبيق، وتعارض بها أصالة الجهة في الكبرى، وحيث لا أثر عملي للتطبيق فيستحيل أن تقع أصالة الجهة فيه طرفاً للمعارضة مع أصالة الجهة في الكبرى. إذن، فأصالة الجهة في الكبرى تجري بلا معارض.

مناقشة ما أفاده المحقّق العراقي

الآن نناقش كلاماً كلاماً من هذه الكلمات:

الكلام الأوّل: فرضية التقيّة في التطبيق دون أصل الكبرى

الكلام الأوّل، الذي كان جواباً عن الإشكال، وكان حاصله: الاعتراف بالتقيّة وفرضها في التطبيق دون أصل الكبرى. فتحمل الكبرى على الجد، وتجري فيها أصالة الجهة، ويُبنى على أنّ التقيّة في التطبيق. 

ويؤيّد هذا الكلام بأنّ يقال: إنّ الإمام بعد أن بيّن الكبرى جدّاً 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() وإنّ الصوري على صورته، ينطبق على المقام حقيقةً. (المقرّر )

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وطبّقها على هذا المورد تقيّة، أراد أن يلمّح إلى أنّه في حالة غير طبيعية، ويلمّح إلى واقع المطلب، وأنّ الواقع هو الإتيان بركعة منفصلة، فقال: “ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر” وأراد أن ينبّه بشكل غامض على أنّه لا يدخل المشكوك في المتيقّن، ويفصلهما عنه، وبهذا -مثلاً- يمكن أن يُجاب عمّا ذكرناه سابقاً من الوسوسة عند الفقيه في وجود هذه الجُمل المتعاطفة الغامضة. يقال: إنّ غموضها ناشئٌ من طبيعة الموقف وشذوذه، حيث إنّ الإمام يريد أن يتّقي من أعدائه، وفي نفس الوقت يريد [الإشارة] إلى واقع المطلب(1).

قرائن ثلاث على عدم كون الرواية في مورد التقية

إلَّا أن الحمل على التقيّة في المقام بعيدٌ جداً، وذلك: لعدّة قرائن:

القرينة الأولى

أنّ الظاهر من العبارة بعد ملاحظة سياقها هو الإتيان بالركعة منفصلة لا متّصلة. صحيح أنّ الإمام قال: “فإن شكّ بين الثلاث والأربع، وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أخرى” ولم يقيّد بالانفصال، وهي لو خلّيت ونفسها، لكان ظاهرها الاتصال؛ لأنَّ الانفصال مؤونة تحتاج إلى التنبيه، وعدم التنبيه يعيّن إرادة الركعة المتّصلة، بمقتضى مقدّمات الحكمة، إلّا أنّنا ندّعي القرينة على إرادة الركعة المنفصلة، وذلك بملاحظة صدر الرواية (2).

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا تأييدٌ لأصل الحمل على التقيّة، لا جواب المحقّق العراقي. (المقرّر). 

() فإن سبقه يصلح للقرينية وانعقاد ظهور للبيان المتأخر عرفاً في أن ركعة الاحتياط منفصلة لا متصلة (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فإنَّ الإمام أوّلاً: بيّن حكم مَن شكّ بين الاثنين والأربع، الذي هو مورد سؤال زرارة، والمدّعى تبعاً للشيخ الأعظم، أنّ عبارة الإمام في بداية حديثه ظاهرةٌ في انفصال الركعتين، فإنّه قال: “ركع ركعتين بأربع سجودات وهو قائم بفاتحة الكتاب” وذلك لعدّة قرائن: 

الأولى: القرينة التي ذكرها الشيخ، حيث ذكر أنّ ذكر فاتحة الكتاب في المقام قرينة، على أنّ المراد من الركعتين المنفصلتان.

وقرّبنا هذا المدّعى ببيان: أنّ المركوز في أذهان الشيعة وأصحاب الأئمة عدم تعيّن الفاتحة في الركعتين الأخيرتين، بشاهد الروايات والفتاوى فإنّه لم يُنقل عن فقيه بعينه من علماء الشيعة من أقدم عصور الفقه إلى يومنا هذا أنّه استشكل وتأمّل في كفاية التسبيح، نعم هناك قولٌ معروف لكثير من الفقهاء بالعكس أي تعيّن التسبيح، والاستشكال في كفاية فاتحة الكتاب، وزرارة نفسه يروي روايات متعدّدة في تعيّن التسبيح، وهي التي أصبحت منشأ لفتوى جماعة بمضمونها. إذن، نعرف أن ارتكاز متشرّعة الشيعة على أنّ الفاتحة ليست قيداً بعنوانها في الركعتين الأخيرتين، بينما هناك ارتكاز كامل في أنّ الفاتحة بعنوانها دخيلةٌ في الركعتين الأوليين من كلّ صلاة، حيث لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب.

فضمّ هذين الارتكازين يكون موجباً لظهور عبارة الإمام: “بفاتحة الكتاب” في أنّه يريد أن يقول: صلِّيهما صلاة مستقلّة، مفصولة عن الصلاة 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الأولى، فكأنّه يريد أنّ يبيّن كونها صلاة مستقلّة، ببيان ما هو من خواصها(1) بارتكاز المتشرّعة. 

يبقى كلام واحد، وهو: أنّه يمكن أن يُقال: بأنّه أراد الركعتين المتّصلتين، وإنّما ذكر فاتحة الكتاب؛ لأنّه كان في مقام التقيّة، فاتّقى من العامّة في أمرين: أحدهما: في إيجاب ركعتين متصلتين. والآخر: في تعيين قراءة فاتحة الكتاب.

 فإنَّ علماء السُنّة جميعاً، يفتون بتعين القراءة في الركعتين الأخيرتين وقد ذكر الشيخ الطوسي في كتاب (الخلاف): (أنّي لم أرَ فقيهاً سنيّاً يفتي بإجزاء غير القراءة عن القراءة في الركعتين الأخيرتين). 

إلَّا أن هذا الكلام أيضاً ساقطٌ وذلك: مضافاً إلى بعده في نفسه؛ لأنّه أيّ موجب للضميمة الباطلة في مقام الاتّقاء، فإنَّ الاتّقاء يُقدّر بقدره، أي: موجب لزيادة بيان خلاف الواقع من قبل إمام المفروض فيه أنّه يبيّن الواقع دائماً.

مضافاً إلى ذلك: أنّ هذا لا يمنع عمّا قلناه من انعقاد ظهور في أذهان المتشرّعة الشيعة في أنّ المراد من ذلك الإتيان بركعتين منفصلتين.

نعم، لعلّ الإمام اختار أن يبيّن هذا المطلب بمثل هذه العبارة حتّى يتوهّم منه السنّي شيئاً، والشيعي شيئاً آخر، وهذا لا ينافي بالنتيجة، أن يكون مراد الإمام بركعتين منفصلتين.

القرينة الثانية: في صدر العبارة لكون المراد من الركعتين المنفصلتين: أن 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() من باب بيان ذي الخاصّية ببيان الخاصيّة. ينعقد له ظهورٌ عرفي في ذلك (محاضرة غد). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

تمام العبارة تشير إلى ذلك، يصلي بركعتين وأربع سجدات، وهو قائم بفاتحة الكتاب، ولو كان مقصوده اتمام الصلاة والإتيان بالثالثة والرابعة، فما هو الحاجة إلى بيان الأركان والشرائط: بركعتين أو أربع سجدات وهو قائم، ليس معناه إلّا أنّه في مقام تشريع صلاة مستقلّة جديدة، فذكر أنّها قياميّة، وإلَّا فإنّ بالركعتين الأخيرتين من الواضح أنّها قياميّة، ولا يحتاج التنبيه على ذلك، فالتنبيه على هذه الخصوصيّات أحسن دليل على أنّه في مقام بيان صلاة مستقلّة(1) في الاتمام.

فهذه العبارة نحن نراها قويّة الظهور، في أنّ الإمام يريد أن يبيّن الإتيان بركعتين مستقلّتين، ثٌمَّ قال عقيب ذلك، وإن شكّ بين الثلاث والأربع، قام فأضاف إليها أخرى. السكوت هنا يحمل على ما موضّح هناك. يعني قام فأضاف إليها أخرى بالموازين السابقة، وإلَّا فلا يحتمل بحسب الفهم الفقهي والارتكاز، أنّه تكون هناك ركعتين منفصلة، وهنا متّصلة.

إذن، فالعبارة في نفسها ظاهرةٌ في أنّ الركعة في المقام تكون منفصلة، لا متّصلة، ومعه كيف يمكن فرض التقيّة في دائرة التطبيق -مثلاً- بأنَّ يقال: أنّه استنبط من كبرى الاستصحاب وجوب ركعة متّصلة، مع أنَّ المستنبط هو وجوب ركعة منفصلة (2). فإمّا أن نفرض أنّ الاستصحاب يمكن أن يستنبط منه 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

() فإنَّ الصلاة المستقلّة، يحتاج إلى بيان خصوصياتها وأجزائها وشرائطها (محاضرة غد)، (المقرّر ).

() فإنّه يكون على خلاف مذهب العامّة، يعني الأمر بركعة منفصلة. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وجوب ركعة منفصلة، وهنا جوابٌ آخر، وأمّا إذا عجزنا عن تصوير ذلك، فيجب أن نحمل العبارة في الكبرى على غير الاستصحاب.

القرينة الثانية

القرينة الثانية على عدم التقيّة في الفرع الثاني أنّ(1) احتمال التقيّة في هذه الجملة بالخصوص يكون في غاية البعد. بأنَّ نفرض أنّ الإمام في صدر العبارة لم يكن في تقيّة، وفي آخرها أصبح في تقيّة(2)

ولو أصبحنا واسعين في الخيال، وافترضنا أنّه في أثناء الكلام دخل من يُتقىّ منه، فجوابه: أنّنا لو كنّا نلتفت إلى هذه الرواية نرى أنّ الإمام تبرّع ببيان الفرع الثاني، لا أنّه كان هناك سؤالٌ آخر أجاب عليه. وعلى هذا لماذا يتبرّع الإمام حكم على خلاف الواقع في ظرف غير طبيعي. نعم، كان الفرع الثاني جواباً على سؤال زرارة لكان معقولاً(3). ولكنّ الإمام بنفسه استرسل إلى الفرع الثاني، فإذا كان يعرف أنّ وضعه أصبح وضع التقيّة، فلماذا أصبح في مقام إيهام زرارة وإفتائه بخلاف الواقع.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

() لو قطعنا النظر عمّا ادّعيناه، من أنّ العبارة الثانية تكسب ظهوراً من ظهور الفقرة الأولى (محاضرة غد). (المقرّر).

(2) لا في العبارة الأولى أفتى بالركعة المستقلّة، وفي الأثناء صار في مقام التقيّة، مثل هذا بعيد جداً بحساب الاحتمالات، خصوصاً مع قصر الحديث، (محاضرة غد). (المقرّر).

(3) أن نقول: إنّه أجاب على السؤال الأوّل بالواقع، وعن الثاني بالتقيّة، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

القرينة الثالثة

الاهتمام بالتعليل اهتماماً بالغاً، فإنّنا إذا فرضنا أنّ الحكم كان صوريّاً والاستنباط كان تقيّديّاً. إذن، فلماذا هذا الاهتمام والتكرار، كأنّه توثيق لعرى هذا الحكم وتأكيدٌ له. لا يفهم منه المستمع العرفي، إلّا أنّه تأكيدٌ لهذا الحكم إلى أعلى الدرجات، وتثبيته عليه.

يفهم منها الإنسان العرفي شدّة حرص الإمام على إفهام هذا المؤمن جريان القاعدة واقتضاءها وجوب الوظيفة، بالنحو الذي بيّنه. ومن المعلوم أنّ مثل هذه الحرص لا يتحقّق إلّا في مقام بيان الحكم الواقعي، لا في مقام بيان الحكم الظاهري.

وفرض أنّ هذه الجمل أريد بها التعريض إلى أمرٍ آخر، وهو أنّه بعد أن أفتى بالتقيّة أراد أن يبيّن ما هو الواقع، وهو أنّه لا يدخل المشكوك في المتيقّن ولا يخلط أحدهما بالآخر، هذا أيضاً في غاية البُعد؛ باعتبار أنّه قال بعد ذلك: “ولكن ينقض الشك باليقين“. وهذا قوّى الظهور جداً في أنّه استدراكٌ لهذه الجمل الثلاث، فإنّها كانت في مقام بيان الطرد، وهذا في مقام بيان العكس. وإلَّا فلا تقابل بين قوله: “فلا يدخل الشكّ في اليقين“، بمعنى المشكوك والمتيقّن، وبين قوله: “ولكن ينقض الشكّ باليقين“. فإنَّ التقابل بينهما إنَّما يكون إذا كانت الجمل مسوقة في مقام بيان الاستصحاب، لا ما إذا كانت في مقام بيان ركعة الاحتياط.

وعليه فيتلخّص من ذلك: أنّ حمل هذه الرواية على التقيّة بلا موجب، بل لا 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بُدّ إمّا أن نلتزم بأنَّ الاستصحاب يمكن أن يصحّح وجوب ركعة منفصلة، فنتمّم الاستدلال بالرواية، أو نقول أنّه لا يمكن فنحمل الكبرى على شيء آخر. 

هذا (1) حسابنا مع الكلام الأوّل.

الكلام الثاني في اعتراض المحقق العراقي على نفسه

أمّا الكلام الثاني للمحقّق العراقي: فبأن نتنزّل عمّا قلناه، ونفرض أنّ الرواية جارية مجرى التقيّة، وأنّ الإمام أفتى بوجوب ركعة متّصلة.

اعترض على نفسه باعتراض، حاصله: أن يقال: إن كنتم تعترفون بأنَّ الرواية قد وقع فيها تقيّة، واختّلت فيها أصالة الجهة من بعض الوجوه، فما المعيّن أن التقيّة في التطبيق لا في الكبرى -كما ذكرتم- بل لعلّه التقيّة بالعكس في الكبرى لا في التطبيق. ومعه لم يحصل التعارض بين أصالة الجهة في الكبرى، ومثلها في التطبيق.

ومعه يتساقطان، وبعد هذا لا يمكن الجزم بأنَّ الكبرى ليست تقيّة، فلعلّها تقيّة.

هذا الاعتراض أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ الأمر ليس دائراً بين المتباينين، بل دائر -بحسب الحقيقة- بين الأقلّ والأكثر، في مقام التقيّة.

ــــــــــ[34]ــــــــــ

() بدأ السيّد من كلام الشيخ فلخّصه ثُمَّ ذكر القسم الأوّل من جواب المحقّق العراقي عليه، ثُمَّ جوابه عليه، والقرائن الثلاث التي أقامها على عدم كون الرواية في مقام التقيّة. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وتوضيح ذلك: أنّه عندنا كبرى اسمها الاستصحاب: (لا ينقض اليقين بالشك)، تنحلّ إلى ذات أصل الكبرى، وإلى إطلاقها لباب الشكّ في الركعات، وإطلاقها هذا حتماً يكون غير جدّي وتقيّة؛ لأنّنا نعلم من المذهب أنّ الواجب هو الركعة المنفصلة لا المتّصلة، والمفروض -إلى الآن- أنّ الاستصحاب لا ينتج الركعة المتّصلة، بل ينتج المنفصلة.

ومعنى هذا أنّ إطلاق الاستصحاب لموارد الشكّ في الركعات -على أي حال- ليس جديّاً سواءٌ كان أصل الكبرى جديّة، أو لم يكن.

وحينئذٍ، فينحلّ العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، بأنَّ إطلاق الكبرى ليس جديّاً، والشكّ البدوي في أنّ ذات الكبرى جديّة أو لا؟ فتجري أصالة الجهة في ذات الكبرى، ولا يعارض بمثلها في إطلاقها، لأنّ إطلاق كبرى الاستصحاب لموارد الشكّ في الركعات، يُعلم تفصيلاً أنّه ليس جديّاً، وأنّه تقيّة، فيجري أصالة الجهة في الكبرى بلا معارض.

وعليه فالمحقّق العراقي الذي يدّعي بأنَّ أصالة الجهة في الكبرى يعارض بمثلها في التطبيق. ماذا يريد بأصالة الجهة في التطبيق؟

إنَّ أراد بها أصالة الجهة في إطلاق الكبرى الذي بينّاه، فهذا غير صحيح، لأنَّ إطلاق الكبرى يعلم تفصيلاً أنّه تقيّة ولا يحتمل كونه جديّاً. فأصالة الجهة في ذات الكبرى لا يمكن أن يعارض بمثلها في إطلاقها.

وإن أراد بأصالة الجهة في التطبيق أصالة الجهة في الحكم المستنبط للواقعة، فأيضاً الأمر فيه كذلك، فإنَّ الحكم الجزئي المستنبط من الكبرى هو وجوب 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ركعة متّصلة، ونحن نعلم تفصيلاً أنّ مثل هذا الوجوب ليس أمراً جدّياً سواءٌ كانت الكبرى جديّة أو لم تكن. وإنّ أراد بأصالة الجهة في التطبيق أنّ الكبرى على إطلاقها تنطبق على محلّ الكلام، يعني هو من مصاديق الكبرى بلا عناية. 

نعم، هذا أمرٌ موجود ومحفوظ على كلّ حال، سواءٌ التزمنا بجديّة الكبرى أو بعدم جدّيتها. فإنَّ المفروض أنّ إطلاق الكبرى صوري، سواءٌ كان أصلها جدّياً أو هزليّاً، وهذا الإطلاق الصوري الهزلي، منطبق في المقام حقيقة، يعني: ما هو المستنبط في المقام مصداق للهزل والصورية حقيقة.

فعلى أي حالٍ، لا تقع معارضة بين أصالة الجهة في الكبرى وبين مثلها في التطبيق حتّى تنتهي النوبة إلى التساقط.

إذن، فاعتراضه على جوابه غير صحيح، فلو تمّ جوابه، لما ورد عليه هذا الاعتراض.

ولكن بقطع النظر عن جوابنا عن اعتراضه، فإنَّ جوابه هو على اعتراضه لا يكون تامّاً، فإنّه قال في مقام الجواب: بأنَّ أصالة الجهة في التطبيق، لا يمكن أن تعارض مثلها في الكبرى، وأن أصالة الجهة في التطبيق ليس لها أثرٌ عملي، إلّا مع التحفّظ على أصالة الجهة في الكبرى، إذ لو فرضنا أنّ أصالة الجهة في الكبرى سقطت، وحملنا الكبرى على التقيّة، فأي أثرٍ عملي يترتّب على أنّ التطبيق كان جدّياً، فإنّه تطبيق للهزل، وإنّما يترتّب الأثر العملي، إذا حفظنا أصالة الجهة في الكبرى، فكيف تكون هي معارضة لأصالة الجهة في الكبرى.

هذا الجواب قابل للمناقشة؛ وذلك لأنّنا لو سلّمنا أنّ هناك أصلي جهة في 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الكبرى وفي التطبيق، فمعنى هذا هو التسليم بوجود ظهورين، لأنَّ أصالة الجهة من الأصول العقلائية، وهذه الأصول تنشأ من الظواهر العرفيّة اللفظية، فكلّ أصل وراءه ظهور في الدليل، فإذا سلّمنا وجود أصالتيّ جهة في الكبرى، وفي التطبيق فمعناه وجود ظهورين في الكبرى: ظهورٌ يدلّ على جديّة الكبرى، وظهورٌ آخر يدلّ على جديّة التطبيق، والمفروض أنّنا علمنا من الخارج بكذب أحد هذين الظهورين. وحينئذٍ، يصبح كلّ منهما دالّاً بالالتزام على كذب الظهور الآخر. فإنَّ المثبتات والمداليل الالتزامية للظواهر تكون حجّة، لا من قبيل الأصول العملية. فكلّ من الظهور يدلّ بمدلوله الالتزامي على كذب الآخر، ويكون حجّة بمدلوله الالتزامي على أقل تقدير.

فقولكم: بأنَّ أصالة الجهة في التطبيق ليس لها أثر عملي. نعم، ذلك بلحاظ مدلولها المطابقي، لكنّها بلحاظ مدلولها الالتزامي لها أثرٌ عملي؛ لأنّها تدلّ بالالتزام على كذب الظهور الدالّ على جديّة الكبرى. إذن، فيسقط التكاذب بين ظهورين، ويسقط كلّ منهما عن الحجيّة.

فهذا الكلام، كانّه من باب مقايسة باب الأصول العقلائية بباب الأصول العمليّة، فإنّنا لو علمنا بكذب أحد أصلين عمليين، وكان أحدهما بلا أثر عملي، والآخر له أثر، فلا يتعارض الأصلان، بل يجري الأصل الذي له أثر عملي دون الآخر، وأمّا في باب الأصول العقلائية، فمثبتاتها حجّة، فكلّ من الظهورين، يدلّ بالالتزام على كذب الظهور الآخر. 

إذن، فلا يتمّ كلامه الثالث أيضاً.

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إذن، لا ما أفاده في جواب الشيخ يمكن المساعدة عليه، ولا اعتراضه على جوابه، ولا جوابه غير ممكن المساعدة عليه؛ وبذلك يبقى إشكال الشيخ بلا جوابٍ حتّى تأتي الأجوبة الأخرى. 

وتبين(1) من خلال المناقشة أنّ حمل الحكم المذكور في فقرة الاستدلال على التقية في غاية البُعد، بل الظاهر أنّه في مقام الأمر بركعة منفصلة فيتعيّن الشق الثاني في إشكال الشيخ، وهو: أن تكون الركعة التي أمر الإمام بإتيانها هي الركعة المنفصلة، وعليه فيأتي عليه إشكاله في كلام الشيخ، وهو: أنّه عليه لا تنطبق الكبرى، على مثل هذا الحكم، فيجب تأويل الفقرة وحملها على معنى آخر، فنحتاج إلى جواب يشرح لنا كيف أنّ كبرى الاستصحاب يمكن تطبيقها بحيث يستنبط منها وجوب ركعة منفصلة، وهذا ما يحاوله الجواب الثاني والثالث على إشكال الشيخ.

الجواب الثاني: للمحقّق الخراساني

 الجواب الثاني هو ما أشار إليه المحقّق الخراساني في (الكفاية) وحاصله: هو أنّنا نفرض أنّ “لا ينقض اليقين بالشكّ” محمولٌ على الاستصحاب، وإنّ الأمر بركعة أُريد به الركعة المنفصلة، ومع هذا يمكن تخريج هذا الحكم على أساس الكبرى.

وتوضيحه: أنّ عدم الإتيان بالرابعة، قبل طروّ الشكّ كان له عدّة آثار: 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() لخّص أولاً إشكال الشيخ، وأشار إلى جواب المحقّق العراقي، وأنّه لا يتمّ وأشار إلى نتيجته قائلاً: وتبين… (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

منها: وجوب الإتيان بركعة.

ومنها: أنّه لا يجوز له بعد رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الثالثة أن يتشهّد، ويسلّم، ثُمَّ يقف ويكبّر تكبيرة الإحرام.

أو بتعبير فقهي: مانعيّة التشهّد، والتسليم، والتكبير، فهذان أثران -مثلاً- لعدم الإتيان بالرابعة.

ونحن نريد باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، أحد الأثرين، وهو وجوب الإتيان بذات الرابعة، ولا نريد أن نثبت به الأثر الثاني، وهو: عدم جواز الإتيان بالتشهّد، والتسليم، والتكبير.

وإثبات أحد الأثرين بالاستصحاب دون الآخر، يُتصوّر على وجهين:

أولهما: أن يكون التفكيك في نفس عالم التعبّد الاستصحابي، بمعنى: أنّ الاستصحاب يقول: إنّي أثبت لك الحالة السابقة، ببعض آثارها، وليس لي اهتمام بالآثار الأخرى، تثبت أو لا؟

فمثلاً، لو كنتم على شكّ في أنّ زيداً هل بقي على اجتهاده أو لا؟ وكان لاجتهاده أثران: نفوذ الإفتاء، ونفوذ القضاء، فإذا جرى استصحاب الاجتهاد لكن بلحاظ أحد الأثرين(1) بدليل تعبدّي خُصّص دليل الاستصحاب، هذا أمر معقول، ويكون هذا في الحقيقة تخصيصاً في نفس دليل الاستصحاب. 

الوجه الثاني: للتفكيك بين الأثرين هو أن يقال: إنّ الأمر الثاني وهو: جواز الإفتاء في المثال، سقط واقعاً ولم يبقَ أثراً للاجتهاد واقعاً، بمعنى: أنّ هذا الاجتهاد 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

() وهو نفوذ القضاء دون جواز الإفتاء. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

حتّى على فرض بقائه، لا يترتب عليه جواز الإفتاء؛ لأنَّ الشارع خصّص دليل افتاء المجتهد بغير هذه الحالة تخصيصاً واقعياً، فباستصحاب بقاء اجتهاد زيد يترتّب نفوذ قضائه دون افتاءه؛ لأنّه خرج عن كونه أثراً واقعياً للاجتهاد بتخصيص في الدليل الاجتهادي الدالّ على نفوذ إفتاء المجتهد. وحينئذٍ، فلا يكون تخصيصاً في دليل الاستصحاب، بل يكون تخصّصاً فيه؛ لأنَّ دليل الاستصحاب يقتضي بقاء الحالة السابقة، بتمام حالها من الآثار الواقعية، والمفروض في المقام أنّ هذا الأثر خرج عن كونه أثر واقعياً بالنسبة إلى الحالة السابقة.

فهذان نحوان من التفكيك متعّقلان في آثار المستصحب. وفي المقام حيث ندّعي أنّ استصحاب عدم الإتيان بالرابعة يتكفّل لنا بإثبات أحد الأثرين دون الآخر، يتكفّل بإثبات وجوب ذات الركعة، دون حرمة التشهّد والتسليم، وتكبيرة الإحرام، أو مانعيتها.

هذا التفكيك، إمّا أن يكون على الوجه الأوّل، فيكون تخصيصاً في دليل الاستصحاب، وإما على الوجه الثاني فيكون تخصصاً.

أمّا الوجه الأوّل، فهو غير معقول، بمعنى: أن عدم الإتيان بالرابعة قد بقيت له نفس أحكامه الواقعية، وهي: وجوب الركعة، ومانعية التشهّد، والتكبير. لكن الاستصحاب لا يحمل علينا إلّا الأثر الأوّل منهما فقط، هذا التفكيك باطل قطعاً:

أمّا أولاً: فلأجل الضرورة الفقهيّة؛ لأنّنا نعلم أنّ الوظيفة قد انقلبت في المقام واقعاً، لا أنّ مانعية التشهّد والتكبير باقية.

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

 وأمّا ثانياً: فلمحذور ثبوتي، فلأن المانعية، لو فُرِض بقاؤها واقعاً، على تقدير عدم الإتيان بالرابعة يلزم لغوية الإتيان بالرابعة، لغوية ما ينجّزه علينا الاستصحاب جزماً؛ لأنَّ هذه الرابعة المأتي بها بعد التشهّد، وتكبيرة الإحرام يعلم ببطلانها(1) وعدم مطابقتها للواقع؛ لأنّني إذا أتيت بأربعة فلا حاجة إلى واحدة أخرى، وأمّا إذا لم آتِ بالرابعة إذن، فالتشهّد والتكبير مانعٌ إذن، فلا يُتصوّر أن يكون الاستصحاب بنفسه مقتضياً للتفكيك، بتخصيص في نفس دليل الاستصحاب بين الأثرين، مع الالتزام ببقاء كلا الأثرين واقعاً.

فلابدَّ إذن، حين نريد أن نتصوّر التفكيك في المقام، أن نتصوّره على الوجه الثاني دون الأوّل، أن نلتزم بالانقلاب في الواقع بلحاظ الأثر الثاني دون الأوّل، بأن نقول: بأنَّ عدم الإتيان بالرابعة، قبل الشكّ كان له حكمان شرعيان: أحدهما: وجوب الإتيان بذات الرابعة. والآخر: حرمة التشهّد والتسليم، والتكبير. والاستصحاب الذي يتعبّدنا ببقاء عدم الرابعة لا يثبت إلّا الأثر الأوّل؛ لأنَّ المولى خصص دليل المانعية الدالّ على مانعيّة التشهّد والتسليم، والتكبير خصّص بغير حالة من يشكّ في أنّه في ثالثة أو رابعة. إذن، فالأثر الثاني، لم يعد أثراً واقعاً لبقاء عدم الرابعة حتّى يمكن إثباته بالاستصحاب. وما بقي أثراً لعدم الإتيان بالرابعة هو الأثر الأوّل وهو وجوب الإتيان بركعة.

فهنا يلتزم بهذا التفكيك ويُقال: أنّ مرجعه إلى تخصيص في دليل المانعية لا إلى تخصيص في دليل الاستصحاب.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() يعني ركعة الاحتياط كما فسّره. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وبذلك يظهر ما في (الكفاية) من التسامح. حيث عبّر أنّنا نلتزم بالتفكيك وتخصيص إطلاق دليل الاستصحاب، وفي الواقع أنّ المخصّص ليس هو دليل الاستصحاب بل لا يُعقل أن يكون التفكيك بهذا التخصيص، فيتعيّن أن يكون التفكيك بلحاظ تخصيص واقعي غير دليل المانعية، وهذا يوجب تخصّصاً في دليل الاستصحاب. هذا حاصل ما يمكن أن ينقّح به هذا الجواب.

اعتراض المحقّق الأصفهاني على جواب الآخوند

هذا الجواب اعترض عليه المحقّق الأصفهاني. فقد ذكر ما توضيحه: أنّنا لو كنّا نبقى نحن وهذين الأثرين في كلامنا، لكان بالإمكان أن نلتزم بسقوط المانعيّة واقعاً وبقاء الأثر الأوّل، وبالاستصحاب نثبت بقاء الأثر الأوّل، لكن في الواقع أن ما هو محلّ الكلام طرأ عليه تغيّر أساسي زائد على ما أُبرز حتّى الآن. وهو: أنّ التشهّد، والتسليم، وتكبيرة الإحرام، ليس فقط أنّها لم تُعد مانعة، بل أصبحت واجباً وجزءاً(1)، فإنَّ الشاك بين الثلاث والأربع لو أتى بركعة من دون تكبيرة الإحرام، يحكم ببطلان صلاته.

وهذا لا يستلزم لا محالة تغيّر تمام الأوامر الضمنيّة الأخرى؛ لأنّ زيادة أمر ضمني إلّا بتبدّل الأمر النفسي الاستقلالي، إلى أمر نفسي استقلالي آخر أوسع من الأوّل.

ولا يكون بإضافة وجوب ضمني إلى وجوبات ضمنية أخرى، وذلك: لأنّ تلك الوجوبات التسعة -مثلاً- أصبحت جزءاً بعد أن كانت كُلّاً، وهذا 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() وواجباً ضمنيّاً. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الجزء تابع في وجوده للكل، فبخلق وجوب جديد على العشرة، يخلق ضمناً وجوب جديد على التسعة لا محالة، فالوجوب الاستقلالي الذي كان على التسعة يسقط لا محالة، ويتبدّل إلى ذلك.

إذن، فالأثر الأوّل أيضاً يكون زائلاً ومرتفعاً وهو وجوب ركعة، ويكون متبدّلاً إلى وجوبٍ جديد؛ لأنَّ إضافة جزء جديد إلى الصلاة يستلزم تغيّر تمام الوجوبات الضمنية.

إلَّا أنّ هذا الذي أفاده غير تامّ، أمّا من حيث تفكيكه بين المانعية والجزئية، فهو مبنيٌ على مبناه في باب المانعية، وهو المبنى الذي نختلف به عنه، فإنَّ المانعية تتصوّر على نحوين: تارةً تتصوّر المانعية بمعنى أنّ الأمر بالمركّب يكون أمراً بالمقيّد بعدم المانع، يعني يؤخذ عدم المانع قيداً في متعلّق الأمر، إذا تصوّرنا المانعية هكذا. 

إذن فإشكاله يأتي من ناحية نفس سقوط المانعية؛ لأنّ المانعية مرجعها بناءً على هذا إلى جزء تحليلي، فإنَّ مرجعها إلى شرطيّة العدم ومرجع الشرطية إلى الجزئية التحليلية يعني بنحو دخول التقيّد وخروج القيد، فإذا تغيّر الجزء فلا محالة يتغيّر الكلّ -الوجوب النفسي المتعلّق- ولا يبقى فرقٌ بين سقوط المانعية، وبين إضافة أجزاء جديدة.

يعني إشكال حاج شيخ لا يكون مختصّاً بخصوص فرض جزئية التشهّد، والتسليم، والتكبير، بل حتّى لو فرضنا أنّها ليست أجزاء، لكن المفروض أن مانعيّتها سقطت، فيرجع الإشكال مرةً أخرى.

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وأمّا إذا تصوّرنا المانعيّة، بالنحو الذي يتصوّره الشيخ الاصفهاني وهو: أنّ النهي عن المانع نهي استقلالي بحسب عالم الجعل والخطاب، وليس مرجعه إلى أمرٍ ضمني داخل الأمر بالمركّب، على تفصيل ليس هنا محلّه. بناءً عليه يكون هناك فرق بين باب المانعيّة وباب الأجزاء، فسقوط المانعية لا يوجب تغيّراً لأصل الأمر بالمركّب، وأما إضافة جزء جديد إلى المركّب، فإنّه يوجب ذلك لا محالة بقانون ضمنيّة هذه الوجوبات.

فعلى أي حال، هذا إشكال في نفسه، إمّا يأتي فقط بلحاظ الجزئية على مبنى الشيخ الاصفهاني في المانعية، وإمّا أن يأتي بلحاظ المانعية أيضاً على المبنى الآخر، الذي نقول به نحن.

إلَّا أنّ هذا الإشكال غير صحيح؛ وذلك: لأنَّ بالإمكان أن نتصوّر -كما تصوّرنا ذلك في باب الاضطرار، ونسيان بعض أجزاء المركّب في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين-: أنّ الأمر الذي كان متعلّقاً بالركعة، كان متعلّقاً بها بنحو لا يزال حتّى الآن موجوداً ولم ينقلب؛ وذلك: أنّ الركعة الرابعة قبل أن يطرأ الشكّ على الإنسان كانت مأخوذة بشرط لا، من حيث التشهّد والتسليم، وتكبيرة الإحرام قبلها. وبعد الشكّ أصبحت -ليس أنّها مأخوذة لا بشرط فقط، الذي هو معنى سقوط المانعية- بل مأخوذة بشرط شيء من حيث هذه الأجزاء، الذي هو جزئية هذه الأمور. إذن، فليكن هذا الأمر الذي كان أثراً من آثار عدم الإتيان بالرابعة، فليكن من أوّل الأمر متعلّقاً بالجامع بين الركعة بشرط لا، والركعة بشرط شيء.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فإن قيل: هل معنى هذا أنّ المكلّف حين ينتهي من الثالثة، فهو مأمور بالجامع بين الركعة بشرط لا، والركعة بشرط شيء. ولم يكن هذا المكلّف شاكّاً هل يجوز له أن يطبّق هذا الجامع على الركعة بشرط شيء، بأن يتشهّد، ويسلّم ويكبر. نقول: لا؛ لأنّ هذا الجامع جامع بين فردين أُخذ في كلّ منهما خصوصية خاصّة(1). إذن، فهناك أمرٌ ضمني واحد كان ولا يزال، وهو أمر بالجامع بين ركعة بشرط شيء من حيث التشهّد، والتسليم، والتكبيرة والشك، وركعة بشرط لا من حيث هذه الأجزاء والشك، والمكلّف مخيرٌ ما بينهما، لكن المكلّف الذي لم يشكّ لا يمكنه أن يأتي بالفرد الثاني، فيتعيّن عليه الإتيان بالفرد الأوّل، كما أنّ الفرد الذي يشكّ يتعيّن أن يأتي بالفرد الثاني.

وبناءً على هذا نشخص ذاك الأمر الضمني، الذي كان ثابتاً قبل الشكّ يمكن افتراض بقائه حتّى الآن، إذا فُرِض مساعدة الأدلة في الفقه على تصوير مثل هذا الأمر على ما ذكرنا في بحث تعذّر بعض أجزاء المركّب في الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

وعليه، فلا برهان على لزوم ارتفاع الأثر الأوّل؛ باعتبار قانون الضمنية في الوجوب. فعلى هذا يُعقل بقاء نفس ذلك الوجوب الضمني، والالتزام به بالاستصحاب.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

() فأخذ في أحد الفردين وهو أن يكون بشرط لا أن يكون مقارناً مع اللاشك وفي الركعة التي أخذت بشرط شيء أن تكون بشرط شيء من حيث الشك أيضاً. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لكن في الواقع هناك عنصر آخر من عناصر التغيّر لم يبرز حتّى الآن، وهو: أنّ هذه الركعة كانت قياميّة قبل الشك، وأمّا الآن فهو مخيّر -بحسب ما هو الثابت فقهيّاً- بين أن يأتي بركعة واحدة قياميّة، أو ركعتين جلوسيّة، وهذا عاملٌ في التغيّر، لا بُدّ من إدخاله في الفرضية، ومعناه: أنّ القيام الذي كان مأخوذاً بشرط شيء قد زال ذلك بمعنىً من معاني الزوال، حيث أصبح المولى الآن يكتفي بركعة إمّا مع قيام، وإمّا مع جلوس وإضافة ركعة أخرى جلوسيّة. وحينئذٍ، لا بُدّ من تصوير الجامع بهذا النحو، ويكون مناسباً مع هذه الفرضية.

وبإبراز كلّ عناصر التغيّر هذه وصياغة فرضية بحيث يصحّ معها شخص ذلك الأمر باقياً حتّى الآن، بأن يقال: بأنَّ الأمر متعلّق بالجامع بين ركعة أخذت بشرط لا من حيث التشهّد والتسليم وتكبيرة الإحرام، وبشرط شيء من حيث القيام وهي ركعة الإنسان الملتفت، وركعة أُخِذَت بشرطِ شيءٍ من حيث التشهّد والتسليم والتكبير وأُخِذَت بشرط شيء من حيث الجامع بين القيام في ركعة واحدة أو الجلوس في ركعتين.

هذا الجامع يكون الأمر به ثابتاً من الأوّل باقياً على الآن.

ولكن يمكن أن يُدّعى بعد إبراز كلّ عناصر التغيّر، بأنّ هذا الأمر، وإن كان محفوظاً في الحالتين دقةً، إلّا أنّه غير محفوظ في الحالتين عرفاً. فلو فُرِض أنّ دليل الاستصحاب كان يتكفّل إبقاء الأثر إبقاءً عرفياً، بحيث إنّ العرف حين يلتفت بقوله: هذا هو الذي كان. فإنّ العرف هنا، حين يلتفت إلى هذا الأثر، الذي وقع عليه هذا النحو من التغيّرات، لا يصدق أنّ هذا هو الذي كان.

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

صحيح، أنّه بالدّقة لم يطرأ أي تغيّر على الوجوب الظنّي المتعلّق بالجامع، لكن العرف يقمّص الوجوب في كلّ حالة ثوب الفرد، الذي يمكن الإتيان به في تالك الحالة، فهو لا يضيف هذا الوجوب إلى ذاك الجامع الدّقي، بل يضيفه في الأوّل إلى الركعة المتّصلة، ويضيفه في الثاني إلى ركعة منفصلة، ويرى أنّ هذا الأثر غير ذاك الأثر.

وبذلك بالإمكان أن يُقال: بأنّ هذا الجوب أيضاً لا يمكن الاعتماد عليه(1).

الجواب الثاني على إشكال الشيخ كان قائماً على الأخذ بالشق الثاني من الإشكال، وهو أنّ الركعة منفصلة. لكنّنا لا نريد أن نُثبت به الركعة المنفصلة ما هي منفصلة، بل نُثبت به أصل الركعة، وانفصالها كان بلحاظ تخصيص في دليل المانعية.

الجواب الثالث: المتحصّل من كلمات النائيني 

الجواب الآخر على إشكال الشيخ هو المتحصّل من كلمات المحقّق النائيني، وحاصله: أنّنا نختار الشق الثاني، هو: أنّ الركعة منفصلة ونختار بأنّ وجوب الركعة المنفصلة بما هي منفصلة يثبت بالاستصحاب. 

وتوضيح ذلك: أنّنا في مقام إجراء الاستصحاب وإثبات أثر شرعي له، لا 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

() وقال بعد البحث ما محصّله: إنّه يرد عليه ثانياً: أنّ المستظهر من صحيحة زرارة، هو أنّ الحكم الواقعي مفروض الوجود، ومعروفاً في ذهن الراوي، وأنّ الاستصحاب يجري لإثبات ذلك الحكم المفروض الوجود. وفي المقام لا يكون هذا الحكم الواقعي معروفاً للمخاطب، ولا مفروض الوجود، فأنّه يحتاج إلى تفكير نصف ساعة في كلام الإمام لفهمه. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

نحتاج إلى أن يكون هذا الأثر الشرعي موجوداً، ومترتّباً فيما سبق، بل يمكن أن يفرض أنّ هذا الأثر من آثار بقاء الشيء، لا من آثار حدوثه، بحيث أنّ المستصحب لم يكن لحدوثه ذلك الأثر، لكنّه يكون لبقائه. هذا أمرٌ ممكن، وتمام ما هو المعتبر في الاستصحاب هو: أن يكون للمستصحب في ظرف البقاء، الذي هو ظرف التعبّد الاستصحابي، أن يكون له أثر، ولا يلزم أن يكون هذا الأثر بقاءٌ للأثر، الذي كان في مرحلة الحدوث، بل يمكن أن يُفرَض أنّه غيره بالمّرة، ومع هذا يثبت بالتعبّد الاستصحابي.

افرضوا: أن وجود زيد في الساعة الأولى ليس له أثرٌ شرعي، لكن بقاءه إلى الساعة الثانية يترتّب عليه أثر شرعي، ونحن كنّا على يقين من وجوده في الساعة الأولى، وشككنا في بقائه إلى الساعة الثانية، فهنا يجري استصحاب بقاء إلى الساعة الثانية، ويترتّب عليه ذلك الأثر الشرعي، المترتّب على وجود زيد في الساعة الثانية.

وقد يفرض أنّ حدوث زيد في المسجد له أثر آخر، وهو وجوب التصدّق وبقاءه له أثرٌ، وهو وجوب الصلاة ركعتين، فباستصحاب بقاء زيد في المسجد في الساعة الثانية نرتّب أثر البقاء، وهو وجوب صلاة ركعتين، والاستصحاب يتكفّل الأثر المترتّب على مرحلة البقاء، وهذا الأثر قد يكون مترتّباً من أوّل الأمر، وقد يكون مترتّباً في مرحلة البقاء فقط، فهذه هي مقدّمة الجواب.

فإذا اتضح ذلك يقال في المقام: إنّ عدم الإتيان بالرابعة له مرحلة حدوث(1) 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

() يعني بالحدوث، الحالة السابقة للمستصحب، التي تعلّق بها اليقين كما شرحه السيّد.(المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ومرحلة بقاء، فمرحلة حدوثه هو ما قبل طروّ الشكّ على المكلّف والتردّد بين الثالثة والرابعة، ومرحلة بقائه هو ما بعد طرأ عليه هذا الشكّ، ففي مرحلة الحدوث وقبل طروّ الشك كان عدم الإتيان بالرابعة، موضوع لوجوب ركعة متّصلة. ولكن نفس عدم الإتيان هذا إذا استمر بقاءً إلى أن اقترن بالشكّ في نفس المكلّف، في أنّه أتى بالرابعة أو لا، فذاك عدم الإتيان بوجوده البقائي المقترن بالشكّ يكون موضوعاً لأثر جديد، وهو وجوب ركعة منفصلة، فيتبدّل حكمه الشرعي الواقعي، من وجوب ركعة متّصلة إلى وجوب المنفصلة.

ومعنى هذا أنّه عندنا حكمان واقعيان مترتبان على عدم الإتيان بالرابعة، حكم بلحاظ مرحلة الحدوث، وهو وجوب الإتيان بركعة متّصلة، وموضوعه: عدم الإتيان بالرابعة مع العلم بعدم الإتيان. وحكم واقعي بلحاظ مرحلة البقاء وهو وجوب الإتيان بركعةٍ منفصلة، وموضوعه: مركّب من جزأين، هو عدم الإتيان بقاءً مع الشكّ في عدم الإتيان.

أحد هذين الجزأين وهو الشكّ في عدم الإتيان محرزٌ بالوجدان فإنّه يجوز بالوجدان أنّه شاك، وأمّا الجزء الآخر، وهو بقاء عدم الإتيان واقعاً، فهذا يحتاج إلى الاستصحاب، فيستصحب عدم الإتيان واقعاً، وبضمّ هذا الاستصحاب إلى الشكّ المحرَّز وجداناً، يتمّ الموضوع المركّب من الجزأين، ويتنجّز عليه حكمه، وهو وجوب ركعة منفصلة.

فالإشكال كلّه كان قائماً على فرضية خاطئة، وهو أنّنا نثبت بالاستصحاب أثراً كان له تاريخ سابق كان موجوداً من الأوّل وهذا غير لازم في باب 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاستصحاب، بل المطلوب فيه أن يكون لمرحلة البقاء أثر؛ لأنّ هذه المرحلة هي ظرف التعبد الاستصحابي. هذا حاصل توضيح مقصود الميرزا.

قد يناقش في هذا الكلام ويقال: بأنَّ الاستصحاب الذي تريدون أن تجروه لإثبات أحد جزأي الموضوع وهو عدم الإتيان سوف يهدم لنا الجزء الآخر وهو الشك، فإنَّ الاستصحاب حيث إنّه يقوم مقام القطع الموضوعي، فهو سوف يلغي الشكّ في عدم الإتيان فينهدم بذلك الجزء الآخر من الموضوع، وبذلك لم يتنقّح موضوع وجوب ركعة منفصلة؛ لأنّ هذا الموضوع لا يكون متنقّحاً إلّا إذا أحرزنا كلا الجزأين في عرض واحد، ولكنّكم إذا أجريتم استصحاب عدم الإتيان فبقيامه مقام القطع الموضوعي فكأنّه علم بعدم الإتيان. إذن، فلا يبقى عندنا شكٌ بعدم الإتيان، فيزول الجزء الآخر(1).

ولو أشكل على الميرزا بمثل هذا الإشكال لأجاب عليه بهذا الجواب:

وهو أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق طبع المطلب، وإن كان هو قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي، يعني مقتضى حكومة دليل الاستصحاب على الأدلة التي أُخذ في موضوعها عنوان العلم وعدم العلم، هو قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي، لكن في خصوص المقام نلتزم بعدم الحكومة، وبأن الاستصحاب ليس حاكماً على ذلك الدليل الذي أُخذ في 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنّ مبنى هذا التقريب وهو أن الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي غير تام، ولكنّنا افترضنا هذا الكلام؛ لأنَّ الميرزا يقول بهذا المبنى، ولذا يمكن أن يكون هذا الكلام متوجّهاً إلى الميرزا. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

موضوعه الشكّ، والذي نسميّه بقاعدة البناء على الأكثر، إذ لو فرض حكومته عليها لم يبقَ لها مورد. إذ أنّ الاستصحاب يلغي الشكّ دائماً، وحاكمية دليل على دليل إنَّما تجوز إذا لم يلزم من الحاكمية إلغاء المحكوم رأساً، وإلَّا لكان المحكوم أخص مطلقاً من الحاكم ومخصّصاً له. ومن هنا يلتزم بأنَّ قاعدة البناء على الأكثر التي، موضوعها مركّب من جزأين: 

أحدهما: الشكّ في الإتيان، والآخر: واقع عدم الإتيان، يثبت الاستصحاب لنا أحد جزأيه وهو واقع عدم الإتيان، بمقتضى طريقيّته ولا يهدم الجزء الآخر؛ لأنَّ هدمه يلازم إلغاء القاعدة رأساً، فهذا ما يجيبه الميرزا لو أُشكل عليه.

هذا حاصل توضيح كلام الميرزا.

اعتراض الشيخ الاصفهاني على الميرزا في المقام

حاج شيخ تعرّض إلى هذا الكلام للميرزا في حاشيته على (الكفاية)، قال: فإنَّ قيل: وذكر كلام الميرزا، ثمَّ اعترض على هذا الجواب، وحاصله: أن جعل حكم واقعي من هذا القبيل غير معقول، على حدّ زعمه؛ لأنَّ مثل هذا الحكم لا يعقل وصوله إلى المكلّف، والحكم الذي لا يُعقل وصوله لا يُعقل جعله.

أمّا الكبرى فواضحة، وأمّا الصغرى وهي: أنّ هذا الحكم لا يُعقل وصوله(1)؛ فلأنّ جزأيه متنافران، إذ لو وصل عدم الإتيان يزول الشك لا محالة ولو بقي الشك فلم يصل عدم الإتيان، ففرض وجود الشك -الذي هو أحد 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

() يعني لا يُعقل العلم الوجداني به. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الجزأين- هو فرض عدم وصول الجزء الآخر، وفرض وصول الجزء الآخر هو: فرض ارتفاع الشكّ. إذن، فيستحيل وصول هذا الحكم الواقعي.

هذا الإشكال من الشيخ الاصفهاني مربوط بمبانٍ وتصورات له في باب الأحكام؛ لأنّه يرى أنّ الحكم لا يكون حكماً حقيقة، إلّا مع فرض الوصول الوجداني، يعني: إذا كان محرّكاً بوصوله الوجداني يصدق عليه أنّه حكم، وأمّا إذا لم يكن كذلك، فلا يصدق عليه أنّه حكم، وواقع تعليقنا على المطلب يرجع إلى اختلاف أساسي في التصوّرات الأساسية.

ولهذا يقال في المقام -بقطع النظر عن الاختلاف في التصوّرات الأساسيّة- أن جعل حكم لا يقبل التنجّز غير معقول، لا أنّ جعل حكم لا يقبل الوصول الوجداني غير معقول، فكلّ حكم لا بُدّ وأن يقبل التنجّز سواءٌ قبله بالعلم أو بغير العلم، أمّا إذا لم يقبل المنجزيّة بوجه يكون جعله غير معقول، إمّا عقلاً وإمّا عقلائياً. وأمّا إذا فُرِض أنّه كان قابلاً للمنجّزية، فجعله يكون عقلياً وعقلائياً(1)

وفي المقام: هذا الوجوب وإن كان غير قابل للتنجّز بالعلم الوجداني، كما ذكر، ولكنّه قابل له بغير العلم كالاستصحاب أو بنفس الاحتمال؛ لأنَّ الاحتمال هنا منجّز بعد فرض: أنّ ذمة المكلّف مشغولة بأربع ركعات، وأنّ الشكّ شكّ في مقام الامتثال للتكليف المعلوم إجمالاً، فيكون هذا التكليف قابلاً للمنجزيّة، فيكون منجّزاً وقابلاً للجعل من قبل المولى، وإن لم يكن قابلاً للعلم الوجداني بالخصوص.

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() يقصد بحكم العقل العملي. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فمن هذه الناحية أيضاً لا يأتي إشكال على الميرزا(1).

تعليق على جواب الميرزا

نحن لنا تعليق واحد على هذا الجواب من قبل الميرزا وحاصله: أن (لا ينقض اليقين بالشكّ) مفاده تنزيل الشكّ منزلة اليقين في الاقتضاء، فيقال لا تهدم اقتضاء اليقين بالشكّ، بل ابقِ اقتضاء اليقين، وأضفه إلى الشكّ. وأجعل للشك واحتمال البقاء ما كان لليقين من اقتضاء الجري على طبقه، خذوا هذا كمصادرة، نفس ذلك الجري الذي كنت تصنعه، لو كنت متيقّناً من البقاء اصنعه وأنت شاكٌ في البقاء.

إذا كان مفاد دليل الاستصحاب هو هذا، يعني: أنّ احتمال البقاء يكون خليفة لليقين، وقائماً مقامه فيما له من الحركة والاقتضاء والجري، والخليفة لا يزيد على سلفه، فلنرَ أنّنا لو كنّا لا نزال على يقين بعدم الإتيان بالرابعة، ماذا كان يقتضي هذا اليقين من الجري، هل كان يقتضي الإتيان بركعة منفصلة؟ لا. إذن، فكيف نضيف لخلفه شيئاً لم يكن ثابتاً لسلفه.

هذا الكلام لو قيل للميرزا فبإمكان الميرزا أن يجيب عليه

وذلك بأن يقول: بأنَّ سلَفه وهو اليقين له حيثيتان: فإنَّ اليقين بعدم الإتيان بالرابعة لو كان باقياً إلى حدّ الآن لكان له حيثيتان، فمن حيث إنّه يقين 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنّه بعد تسليم مبنى الشيخ الاصفهاني لا إشكال عليه، وإنّما هذا يرجع إلى اختلاف في تصوّرات أساسية، كمعنى الحكم، ومعنى جعل الداعي ومعنى البعث. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وعلم بجزء الموضوع لوجوب الركعة المنفصلة، فهو له اقتضاء للجري بمقدار ما يستحقّه جزء الموضوع، ومن حيث إنّه يهدم الجزء الآخر، من الموضوع. ولهذا يهدم ما له من اقتضاء باعتبار الحيثية الأولى. واحتمال البقاء نُزّل منزلته في الحيثية الأولى دون الثانية، وبهذا الاعتبار لم يزد الخلف عن السلف.

فإن فُرِض أنّ هذا التفكيك في اليقين كان عرفيّاً، بحيث ينسجم مع فهم العرف من دليل الاستصحاب خليفة احتمال البقاء لليقين به، يعني: أنّ مفهوم الخليفة يبقى واضحاً عند العرف بلحاظ هذا التفكيك. فحينئذٍ، يتمّ هذا الوجه، وأمّا إذا فُرِض أنّ هذا التفكيك لم يكن عرفياً، بحيث أثّر على مفهوم الخلفيّة المستظهر من دليل الاستصحاب بالنظر العرفي، فيشكل في المقام حمل الرواية على هذا المعنى.

تقدّم إشكال الشيخ على الاستدلال بالرواية على الاستصحاب، مع أجوبته الثلاثة، وتحصّل من ذلك: أنّ هذه الأجوبة لا تنتج جواباً تاماً يركن إليه على إشكال الشيخ.

الإشكال الثاني للمحقق العراقي

الآن ننتقل إلى إشكالٍ آخر على الاستدلال بالرواية، وهو للمحقّق العراقي، وهذا الإشكال يقوم على أساس اختيار الشق الأوّل من إشكال الشيخ الأنصاري، فإنّه متفق في إشكاله وقال: أنه هل يراد من الركعة: المتصلة أو المنفصلة؟ فإنَّ كان يراد المتصلة فتطبيق الاستصحاب عليه معقول ولكنّه تقية. وإن كان يراد المنفصلة فتطبيق الاستصحاب عليه غير معقول.

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ففي هذا الإشكال يفرض الشق الأوّل أصلاً موضوعياً. وهو أنّ المراد من الركعة: المتصلة، ويبطل هذا الشق لا بالتقية.

بل نغض النظر عنها ونفرض أن وجوب ركعة متصلة أمرٌ يمكن إثباته ولا ضرورة في مقابله.

ويتصدى لإبطال الشق الأوّل بمحذور آخر.

وحاصله: أنّ كبرى الاستصحاب أيضاً، لا تنطبق في المقام كما لا تنطبق على الشق الثاني، يعني كما لا تنطبق على تصحيح الصلاة بالركعة المنفصلة، كذلك لا تنطبق على تصحيحها بالمتصلّة؛ وذلك لأنَّ الاستصحاب لا يمكن أن يصحّح به الصلاة، إلّا بناءً على الأصل المثبت. وحيث إنّ كبرى الاستصحاب غير ناهضة بإثبات اللوازم العقلية؛ ولهذا لا تنفع كبرى الاستصحاب في مقام تصحيح الصلاة(1).

أمّا توضيح أنه كيف يكون إجراء الاستصحاب لتصحيح الصلاة بناءً على الركعة المتصلة، يكون من باب الأصل المثبت، فهو: أن المستفاد من أدلة وجوب التشهد والتسليم، هو وجوب إيقاع التشهد والتسليم في الركعة الرابعة. بحيث يجبان في ظرف خاص مقيداً به وهو الركعة الرابعة، فتقيده بالرابعة تحت الأمر. وهذه دعوى فقهيّة عهدة إثباتها على الاستظهار من تلك الأدلة.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنَّ تمسّك الإمام به الرواية دليل على حجيّته. 

فقال: هذا يتعرّض له آغا ضياء مع محاولة الجواب عليه.

 ولكن السيّد قال: بأنّي عازم على عدم ذكره في البحث لكونه بالغ الدقّة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لو أخذت هذه الدعوى الفقهيّة أصلاً موضوعياً، فيقال: إنّ استصحاب عدم الإتيان بالرابعة وإن كان يترتب عليه وجوب الإتيان بالرابعة، ولكن لا يترتب عليه كون المأتي به رابعة، لأنَّ هذا بالملازمة العقلية، فإن لازم أنه لم يأت بالرابعة أن الوجود الأوّل الذي سوف يأتي به هو رابعة. فباستصحاب عدم الإتيان بالرابعة لا يثبت كون هذه رابعة، وإذا لم يثبت ذلك فلا يمكنه ان يحرز أنه أوقع التشهد والتسليم في الرابعة، لأنه أوقع التشهد في الركعة التي أتى بها بعد إجراء الاستصحاب، والتي هي في علم الله: إمّا رابعة أو خامسة. وهذا الاستصحاب لا يحرز لنا أنّه في الرابعة.

فتقيّد التشهّد والتسليم بأن يكون واقعاً في الرابعة، لا يمكن أن يحرز باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة. وما لم يحرز به ذلك، لا يمكن تصحيح الصلاة؛ لأنَّ تصحيحها فرع إحراز تمام قيودها وشرائطها، هذا حاصل الإشكال.

ولأجل هذا يقول: بأنَّ عدم جريان الاستصحاب في باب ركعات الصلاة على القاعدة؛ لأنّه مثبت بالنسبة إلى تصحيح الصلاة. ولا نحتاج في عدم جريانه إلى روايات أخرى تدلّ على عدم جريانه. فمثلاً: إذا شكّ بين الواحدة والاثنتين، لا يجري استصحاب عدم الإتيان بالثانية، لماذا لا يجري؟ الفقهاء يقولون: للأدلة الدالة على أن هذا الشك موجب لإبطال الصلاة. هو يقول: هذا صحيح، ولكن لو قطعنا النظر عن هذه الأدلة أيضاً نقول بأنَّ الاستصحاب لا يجري؛ لأنّه لا يصحّح الصلاة؛ لأنه مثبت.

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

جواب السيّد الأستاذ عن الإشكال

هذا الإشكال تصدّى السيّد الأستاذ للجواب عليه، فذكر: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، وإن كان غير كافٍ لإثبات وقوع التشهد والتسليم في الرابعة. ويكون من هذه الناحية مثبتاً؛ لأنَّ الملازمة ما بينهما ملازمة عقلية، ولكن يكفينا من استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، أنّه يوجب علينا الإتيان بركعة أخرى، وأمّا إحراز أنّ التشهّد والتسليم وقع في الكون الرابعي، فهذا نتمسّك له باستصحاب آخر، ويكون محرزاً لذلك بلا شبهة المثبتية.

وهذا الاستصحاب هو: أنّ هذا المؤمن إذ يُشكّ في أنّه في الثالثة، أو في الرابعة، يجري استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، فيجب عليه الإتيان بركعة أخرى متّصلة، فيقوم ويأتي بها، حتّى إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من هذه الركعة. يقول: عندي يقين وشك: يقين أني كنت في الرابعة إمّا الآن وإمّا حين حدث عندي الشك في أحد الحالين كوني كوناً رابعياً؛ لأنّي إن كنت حين شككت في الثالثة واقعاً، فأنا الآن في الرابعة، ولا أزال فيها وإن كنت حينئذٍ، في الرابعة، إذن فأنا في ذلك الحين في الرابعة. فلي علم إجمالي بكوني في الرابعة في أحد الزمانين، والشكّ في فعلية كوني في الرابعة، وعدم فعلية كوني فيها، فاليقين في الشيء والشكّ فيه كلاهما موجود فيجري استصحاب كوني في الرابعة.

وبذلك نحرز أنّ المصلّي في الرابعة وهو المطلوب، فيوقع التشهّد والتسليم، بالنحو الذي كان لا بُدّ له من إيقاعه.

فهذا التقيّد لا يكون باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، الذي أجراه الإمام 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

-مثلاً في الصحيحة- بل ذاك الاستصحاب فقط يحمل علينا أن نأتي بركعة أخرى، وإنما يحرز هذا التقيد فيكون باستصحاب آخر تتوّلد أركانه بعد أن يعمل على طبق الاستصحاب الأوّل.

مناقشة ما أفاده السيّد الأستاذ

وهذا لا يمكن المساعدة عليه لأمرين:

الأمر الأوّل: أنّ هذا الاستصحاب لو فُرِض تماميّته، وجريانه ولم يكن معارضا باستصحاب آخر، فلا ينتج المقصود أيضاً؛ لأنَّ غاية ما ينقحّه هذا الاستصحاب هو كون المصلّي في الرابعة لا كون هذه رابعة، والمحقّق العراقي لا يقول: إنّه يجب أن يوقع التشهّد والتسليم في كون المصلّي في الرابعة، بل يجب ايقاعهما في ركعة هي رابعة، يعني أنّ التقيّد المأخوذ تحت الأمر -بحسب استظهار المحقّق العراقي من أدلّة التشهد والتسليم- أحد طرفيه: التشهّد والتسليم وطرفه الآخر: هو الركعة الرابعة، لا كون المصلّي في الركعة الرابعة. إذن، فلا بُدّ من إثبات رابعية هذه الركعة لا رابعية هذا الكون وكون المصلّي في رابعة. والاستصحاب المدّعى في تقريبه يثبت كون المصلّي في رابعة، وهو ملازم عقلاً مع رابعية هذه الركعة، وحينئذٍ، ينتهي بالآخرة إلى إثبات التقيّد بتوسط اللازم العقلي فيكون مثبتاً.

وأمّا ثانياً: فلأنّ هذا الاستصحاب مُعارض باستصحاب آخر. وذلك؛ لأنَّ هذا المؤمن له علمان إجماليان: علم إجمالي بأنّه في أحد هذين الزمانين هو في الرابعة: إمّا في زمان حدوث شكّه، حين أجرى الاستصحاب، أو الآن حين 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

دخل في الركعة المشكوكة؛ لأنّه إنَّ كانت تلك ثالثة فهو الآن في رابعة، وإن كانت تلك رابعة فهو وقتئذٍ في رابعة، لكنّه يعلم إجمالاً أيضاً بأنّه في أحد الوقتين ليس في رابعة؛ لأنّه إن كانت تلك ثالثة إذن، فهو ذاك الوقت لم يكن في رابعة، وقد ارتفع هذا العدم وتبدّل إلى الكون في الرابعة. وإذا كانت تلك رابعة إذن، فهو الآن ليس في رابعة؛ لأنَّ ذاك الكون ارتفع وتبدّل إلى اللارابعة.

إذن، عنده علم إجمالي أنّه في أحد الكونين هو في رابعة وعلم إجمالي بأنّه في أحد الكونين هو لا في رابعة، وجرّ -يعني استصحاب- أحدهما ليس بأولى من جرّ الآخر. فكما يمكن استصحاب كونه في رابعة كذلك يمكن استصحاب عدم كونه في رابعة(1).

ولأجل أن يتضح هذا البيان اتّضاحاً كاملاً، أذكر شبهة عليه ثمَّ أردّها: فإنّه قد يُتخّيل أن استصحاب العدم لا يجري في المقام؛ وذلك لأنَّ هذا العدم نحلّله إلى عدمين: عدم قبل حدوث الرابعة المردّدة عندي، المعلومة عند الله تعالى، وعدم بعد حدوث الرابعة وانتهائها، فإنّه لا شكّ أنّ هذا المؤمن أتى 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

() قلت له: أنّ استصحاب كونه في رابعة له أثر.

قال: والآخر أيضاً له أثر؛ لأنَّ نفي الأثر أثرٌ، وأفاد في وجه ذلك: أنّ الاستصحابين إذا كانا جاريين في النقيضين، وكان الأثر مترتّباً على أحدهما كان مترتّباً على الآخر لا محالة، وإن كانا جاريين في ضدّين، كما لو شككت بأنَّ هذا السائل الأحمر هل هو دم أو حبر، فاستصحاب عدم كونه دم له أثر فيكون جارياً، واستصحاب عدم كونه حبراً لا يكون له أثر، فلا يكون جارياً. والمقام من قبيل الأوّل، فإنَّ الكون في الرابعة وعدم كونه في الرابعة من قبيل النقيضين. انتهى. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

برابعة معيّنة عند الله، وإن لم تكن معيّنة عنده، وهي كأي كائن آخر يُتصوّر له
-على خلاف رغبة الفلاسفة- نحوان من العدم: عدم قبل وجوده، وعدم بعد وفاته.

أمّا العدم قبل أن توجد هذه الركعة، فهو معلوم الانتقاض، فإنَّ هذا المؤمن يعلم إجمالاً بأنَّ الرابعة قد وجدت فهذا العدم لا يمكن استصحابه للعلم وجداناً بانتقاضه.

وأما العدم الحادث بعد وفات الركعة الرابعة، فهذا غير متيقّن أصلاً، فإنّي لا أدري أنَّ الركعة الرابعة توفيت أو لا؟ لأنّي لعلّي الآن في الرابعة، فهذا العدم غير محرز حتّى أستصحبه، فكلا العدمين لا يمكن استصحابهما؛ لأنَّ أحدهما معلوم الانتقاض، والآخر غير معلوم الحدوث.

ويقاس المقام – مثلاً- بما إذا فُرِض أنّ الإنسان كان محدثاً فتوضأ، ثُمَّ علم إجمالاً أنّه أحدث إمّا قبل وضوئه، وإمّا بعده، فهنا لا يجري استصحاب بقاء الحدث؛ وذلك لأنَّ حدثه قبل وضوئه معلوم الارتفاع، وحدثه بعد وضوئه مشكوك الحدوث(1).

هذه الشبهة غير تامّة؛ لأنّي وإن كنت أعلم تفصيلاً بانتقاض أحد فردي 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: أنّ هذه الشبهة ترد في ذاك الجانب أيضاً، في استصحاب الكون في الرابعة إذ يقال: كوني في الرابعة -في حال الشك- مقطوع الارتفاع وكوني في الرابعة -بعد الشك- مشكوك الحدوث.

 فأجاب دام ظله: بلي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا العدم على تقدير وجوده، إلّا أنّ هذا لا يوجب انحلال العلم الإجمالي بأحد العدمين، فعلمي الإجمالي بالعدم المردّد بين العدم في لحظة الشك والعدم في لحظة التشهد والتسليم. لا ينحل بذلك العلم التفصيلي، لأنَّ ذلك العلم ليس علماً بأحد طرفي هذا العلم الإجمالي، وإنّما هو بحسب الحقيقة علم بارتفاع أحد الطرفين على تقدير حدوثه، وهذا لا ينافي تشكّل العلم الإجمالي؛ لأنَّ كلّ علم إجمالي لا ينحلّ إلّا بعلم تفصيلي متعلّق بأحد طرفيه، وهنا لم يتعلق علم تفصيلي بأحد طرفيه.

إذن، فاستصحاب كوني في الرابعة مع استصحاب عدم كوني في الرابعة كلاهما على حدٍ واحد، أمّا أن يكون كلا منهما جارياً فيتعارضان ويتساقطان لا محالة(1)

هذا لو جرى هذان الاستصحابان في أنفسهما، وجريان أمثال هذه الاستصحابات مبني على بحث أصولي لا بُدّ من التعرّض له في تنبيه اتصال زمان الشك بزمان اليقين. والعنوان العام لأمثال هذه الاستصحابات: أنّ الشك في فعلية المستصحب هنا ينشأ من ناحية التردّد في نقطة ابتداء وجود المستصحب، لا في التردّد في نقطة انتهائه.

فإنّه تارةً، يكون التردّد في نقطة الانتهاء، بمعنى أنّي لا أدري أنّ هذا الموجود هل استمر إلى حين الآن أو لا.

ــــــــــ[61]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: لم يكن العلم الإجمالي بعنوان العدم قبل وجود الرابعة وعدم بعد وجودها. وإنّما كان علماً إجمالياً بالعدم في لحظة الشكّ، أو لحظة ما بعد الانتهاء من الركعة المشكوكة، فألحظ اللحظتين بعنوانهما وأعلم إجمالاً بأنّي في إحدى اللحظتين لم أكن في رابعة. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وأخرى يُفرّض أنّ الشكّ في نقطة الابتداء، بحيث لا يوجد عندي الآن شك في البقاء بل شك في الحدوث بحسب الحقيقة، وهو مردد بين حدوثين: حدوث قد ارتفع وحدوث لم ترتفع. وتفصيل الكلام في كلّ ما كان من هذا القبيل يأتي في ذلك التنبيه.

في أنّه هل يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون المشكوك بقاءً للمتيقّن على كل تقدير أو لا يشترط ذلك. فإن كان يشترط ذلك فمشكوكي هنا ليس بقاءً للمتيقن على كل تقدير، فإنّي أشكّ في كوني في الرابعة فعلاً، وأنا متيقّن من كوني في الرابعة، ولكن تيقّني هذا، إمّا نفس مشكوكي ذاتاً وزماناً، وإمّا شيء آخر منقطع الصلّة عنه. هل يجري الاستصحاب في مثل ذلك، أو لا يجري؟ لا بُدّ من التعرّض له في ذلك المبحث.

وعليه فيبقى إشكال المثبتية في المقام مربوطاً، بالأصل الموضوعي الذي ذكره المحقّق العراقي(1)، إن كان تامّاً فلهذه الشبهة صورة في المقام ولا تندفع بمثل هذا الاستصحاب.

تصوير الأصل المثبت في المقام

إلا(2) أنه قد يُقال أيضاً في مقام دفع هذا الكلام: فليلتزم بحجيّة الأصل 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

() وهو أخذ التقيّد. (المقرّر).

(2) لخّص أولاً بعض ما سبق إلى أن قال: فبقي كلام المحقّق العراقي على حاله على فرض تسليم أصله الموضوعي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المثبت تصحيحاً للاستصحاب. فنقول: بأنّ المثبتات في باب الاستصحاب تكون ثابتة، ولا بأس بذلك، إذا اقتضى ظهور كلام الإمام ذلك. إذ لم يكن قد قام برهان عقلي على استحالة حجيّة الأصل المثبت، غاية الأمر نقول: بأنّ دليل الأصول لا يساعد على استفادة ذلك، فإذا ساعد في مورد على ذلك فيمكن القول بالأصل المثبت.

فلا يكون هذا في الحقيقة إشكالاً على الاستدلال بالرواية، بل يكون بياناً لواقع ما هو مقتضى القواعد في باب الصلاة لو قطع النظر عن هذه الرواية، يعني: لو بقينا نحن والاستصحاب المستفاد من الأولى والثانية، لكان هذا بياناً في محلّه، ولكن بعد فرض أنّ الإمام بنفسه طبّق كبرى الاستصحاب على موارد الركعات، فلا بُدّ من الالتزام بحجيّة الأصل المثبت؛ لكي يكون هذا التطبيق صحيحاً.

وهذا الإشكال ذكره المحقّق العراقي، ثُمَّ أجاب عنه، غير أنّ الجواب الذي ذكره(1) لا يخلو من غموض وتعقيد، بمعنى التشويش وعدم فنيّة العبارة، ونحن في مقام إعطاء صورة صناعية عن الجواب مطابقاً لما أفيد، نفترض أن لهذا الجواب أصلاً موضوعياً مفروغاً عنه.

وحاصله: أنّ الاستصحاب يتكفّل بتنزيل المشكوك منزلة المتيقّن في حكمه الشرعي، فلا بُدّ وأن يُفرَض أنّ للمتيقّن حكماً شرعياً، حتّى يستطيع تنزيله منزلته في الحكم الشرعي، وأمّا إذا لم يكن للمتيقّن حكمٌ شرعي فالتنزيل هنا غير معقول. 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() ذكره في التقريرات لا في المقالات. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ففي المثال التقليدي لمسألة الأصل المثبت، وهو ما إذا كنّا على علم بحياة زيد قبل بلوغه، ثُمَّ استصحبنا حياته وكان من اللوازم الخارجيّة لذلك أن يكون ملتحياً فعلاً، وفرضنا أنّ أثراً شرعياً مترتّباً على هذا الوصف، وهو الالتحاء دون نفس الحياة، فهنا يقال: بأنَّه لا يعقل جريان استصحاب الحياة لإثبات الحكم الشرعي المترتّب على الوصف؛ باعتبار أنّ مفاد دليل تنزيل المشكوك منزلة المتيقن، فلا بُدّ أن يكون للمتيقن وهو حياة زيد حكم شرعي، حتّى أثبته في حالة الشك في حياته، وإنّما الأثر الشرعي مترتّب على وصف مترتّب على حياته وهو الالتحاء.

ففي سبيل تصوير الأصل المثبت وجعله معقولاً، لا بُدّ وأن يقال: إنّنا نلتزم -لأجل أن نصحّح استصحاب الحياة، بحيث يترتّب عليه الأثر الشرعي المترتّب على الالتحاء-: أنّه في المرتبة السابقة على حكم المولى بهذا الاستصحاب يحكم المولى بحكم آخر، وهو أنه يتعبّدنا بالتحاء هذا الشخص على تقدير حياته، يعني ينزّل التحاءه المشكوك على تقدير حياته بمنزلة المعلوم. وهذا الحكم التقديري معقول. وبناءً عليه يصبح لحياته أثرٌ شرعي وهو الالتحاء التعبّدي الذي هو حكم شرعي وليس أمراً تكوينياً، فيترتّب على استصحاب الحياة الالتحاء التعبّدي. ويترتّب على الالتحاء التعبّدي أثره، وهو وجوب الصدقة -مثلاً-.

إذن، فجريان الاستصحاب في كلّ ما كان من هذا القبيل من الموضوعات التي لها لازم عقلي، واللازم له حكم شرعي، لا بُدّ من الالتزام بتنزيل اللازم 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

أولاً، ثُمَّ تنزيل الملزوم ثانياً؛ لأنَّ تنزيل اللازم هو الذي سوف يحقّق لنا أثراً شرعيّاً للملزوم، فيجري الاستصحاب في الملزوم. هذا هو الأصل الموضوعي الذي نفترضه.

فإذا أردنا أن نطبّق نفس هذا على محلّ الكلام فنقول: إنّنا نلتزم هنا بالأصل المثبت بنفس تلك الصناعة، فكما هناك نلتزم بحكم تعبّدي بالتحاء هذا الشخص وبعده نجري استصحاب الحياة، لا بُدّ من الالتزام بتعبد وتنزيل بلحاظ الواسطة في المرتبة السابقة على جريان الاستصحاب، فما هي الواسطة هنا؟

في المقام نريد أن نجري استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، والمفروض أنّ عدم الإتيان بها ليس له أثر شرعي، وإنّما الأثر الشرعي مترتّب على كونه في الرابعة، وكون هذه رابعة لازماً عقلياً، وليس حكماً شرعياً، فلا بُدّ في المرتبة السابقة من تعبّد بكون هذه رابعة -كالتعبّد بالالتحاء- ثُمَّ بعد هذا نجري استصحاب عدم الرابعة.

وهذه الصناعة هنا غير صحيحة، وإن كانت في باب الحياة صحيحة؛ لأنّه هناك كان بالإمكان أن نتعبّد في المرتبة السابقة بالالتحاء، وبعد هذا تصل النوبة إلى التعبد بالحياة، لأنَّ التعبد بالالتحاء لا يرفع شكنا في الحياة، بل يبقى على حاله وأركان الاستصحاب على حالها. وأمّا هنا، فإذا تعبّدنا في المرتبة السابقة الواسطة يعني: تعبّدنا بكون هذه رابعة، إذن، فقد ارتفع شكّنا في الرابعة، فليس هنا شكّ في الإتيان بالرابعة، لنصل في المرتبة المتأخّرة إلى استصحاب 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

عدم الرابعة، فالتعبّد بالواسطة يعني برابعية الركعة التي لم آتِ بها يلغي الشكّ في الإتيان برابعة، وهو مساوقٌ للجز بعدم الإتيان بالرابعة، ولا ينتهي إلى استصحاب عدم الإتيان بالرابعة.

فمن هنا، يمكن أن يُصاغ الإشكال هكذا: أنكم تستصحبون عدم الإتيان بالرابعة بعد التعبّد بالواسطة، أو بقطع النظر عنها، فعلى الثاني فهو خلاف الأصل الموضوعي الذي بيّناه، وعلى الثاني في طول التعبّد بالواسطة لم يبقَ شكّ في الإتيان بالرابعة، حتّى تجروا عدم الإتيان بالرابعة، بخلافه في باب الحياة، فإنّه بعد التعبّد بنبات اللحية في أنه حيٌ أو ليس بحي(1).

هذا غاية ما يمكن أن يقال في صياغة المطلب في صورة: إلّا أنّها غير صحيحة، إذ مضافاً إلى أن تصوير الأصل المثبت لا يتوقّف على ما ذكر في الأصل الموضوعي على ما يأتي في محلّه. مضافاً إليه: أنّه قد أغفل عن طبع الأصل الموضوعي، حينما أُريد اقتناص الإشكال، فإنّه قيل في الأصل الموضوعي: إنّه لا بُدّ من التعبّد بالواسطة في المرتّبة السابقة، لكن تعبّداً مشروطاً ومعلّقاً على ثبوت ذي الواسطة، ففي المثال: التعبّد بنبات اللحية على تقدير حياته، وإلَّا لو كان تعبّداً مطلقاً لا نحتاج بعد هذا إلى استصحاب الحياة، إذ معناه أنّه ثبت موضوع الحكم الشرعي.

وحينئذٍ، ففي المقام يكون التعبّد برابعية هذه الركعة على تقدير عدم 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال لي: هذا حينئذٍ يكون قرينة على أن المراد معنىً آخر غير الاستصحاب. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الإتيان بالرابعة، فلا يُعقل أن يكون هذا ملغيّاً للشك في الإتيان بالرابعة، هذا تمام الكلام في إشكال المحقّق العراقي.

الاشكال الثالث: وهو أيضاً للمحقّق العراقي 

إنّ الاستصحاب يجري في المقام وتطبيق كبراه في المقام خطأ، فينكشف من ذلك أنّ المراد من العبارة غير الاستصحاب.

وتوضيح ذلك: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالرابعة يتوقّف على أن يكون هناك يقين بعدم الرابعة وشكّ به، مع أنّه في الواقع ليس عندنا شكّ في وجود الرابعة.

وذلك؛ لأنَّ الرابعة التي هي موضوع للحكم الشرعي تارةً يراد بها الرابعة بعنوان كونها رابعة، وأخرى يراد بها ذات الرابعة، أي: منشأ انتزاع رابعة، لا هذا المنشأ بما أنّه معنّون بعنوان رابعة، فمثلاً هذا المصلّي كان يصلّي وشخص آخر كان يلاحظه، فصلّى ركعة وركعتين وثلاث وأربع، ثُمَّ لما انتهى من الرابعة، شكّ المصلّي أنّه أتى بالرابعة أو لا؟ ذاك الشخص الملاحظ يعلم أنّ المصلّي أتى بالرابعة، والمصلّي أيضاً يعلم بأنّه أتى بهذه الركعة وانتهى منها، الآن وهي التي في الواقع وفي نظر الآخر رابعة، غاية الأمر لا يدري أنّ اسمها رابعة فمعنى هذا أنّ هذا المؤمن يعلم أنّه أتى برابعة، ولا يعلم أنّه أتى برابعة. يعني يعلم إنّه أتى بذات الرابعة، ولا يعلم أنّ اسمها وعنوانها رابعة، بينما الشخص الآخر يعلم بالعنوان والمعنّون معاً.

فبناءً على هذا، إن كان موضوع الأثر الشرعي هو عنوان الرابعة، فهذا 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المصلّي يجهل عنوان الرابعة، فيمكن استصحاب عدم هذا العنوان(1).

وأمّا إذا كان موضوع الأثر الشرعي ذات الرابعة، فالمصلّي يعلم بها؛ لأنّه يعلم إنّه أتى بالركعة التي فرغ منها الآن، وهي ذات الرابعة، وإن لم يكن يعلم باسمها. إذن، فكيف يمكن أن يجري استصحاب عدم ذات الرابعة مع أنه يحتمل أنّه عالم بذات الرابعة، أو بالتدقيق حتماً لا يكون شاكّاً.

ويكفي في مقام المناقشة، حتّى لو فرضنا أنّ الأثر الشرعي مترتّب على ذات الرابعة لا على عنوانها، أن يقال: إنّنا نجري استصحاب عدم ذوات الأربع -لا عدم ذات الأربع – الذي هو بحسب الحقيقة محطّ الأثر الشرعي؛ لأنَّ الأمر النفسي متعلّق بذوات الأربع. وهذا الاستصحاب لا يرد عليه ذلك الإشكال؛ لأنَّ ذوات الركعات الأربع غير معلومة بالنسبة إلى هذا الشخص، فإنّه لا يمكن أن يشير أربع إشارات ويقول: أعلم بهذه وهذه وهذه وهذه، فذوات الأربع غير معلوم له، وكان معلوم العدم في زمان، ويُشك في بقائه. يعني: إنَّ هذا الإشكال وقع من استصحاب عدم منشأ انتزاع عنوان رابع، ونحن نبدّله ونستصحب عدم منشأ انتزاع عنوان أربعة، وهو لا يعلم به بلا إشكال وتتمّ بالنسبة إليه أركان الاستصحاب. مع مناقشات أخرى. إذن فهذا الكلام أيضاً لا يتمّ.

ــــــــــ[68]ــــــــــ

() لكن عنوان الرابعة ليس له أثر شرعي. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 




فائدة

 

بمناسبة(1) هذين الإشكالين نعقد بحثاً في مقامين: 

المقام الأوّل: في تحقيق ما هو مقتضى القواعد في باب الصلاة، في الشكّ في الركعات، هل يمكن تصحيح الصلاة على القاعدة، بقطع النظر عن قاعدة البناء على الأكثر، باستصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة، كما ذكر المشهور، أو لا يمكن كما ذكر المحقّق العراقي؟

 ونتكلّم هنا أيضاً بقطع النظر عن دعوى أنّ الإمام صحّح الصلاة بالاستصحاب. وإلَّا لو تمّ شيء من هذين، لا موضوع لمثل هذا الكلام.

المقام الثاني: بقطع النظر عن أنّ الإمام في الصحيحة الثالثة طبّق الاستصحاب على عدم الإتيان بالرابعة، وفرضنا – كما هو الصحيح، أنّ 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

() أشار أولاً: إلى الإشكال الأوّل للمحقّق العراقي، وهو: إشكال المثبتية وذكر أنّه صحيح على أصله الموضوعي. وقال: غير أنّه لا بأس من الالتزام بالأصل المثبت؛ باعتبار ظهور كلام الإمام بتطبيق الاستصحاب على محلّ الكلام، وتصحيح الصلاة بذلك، فيلتزم بالأصل المثبت؛ لأجل دلالة الدليل عليه، ثُمَّ أشار إلى إشكاله الآخر، وأنّه يرجع إلى منع جريان الاستصحاب؛ لأنّه يرجع إلى استصحاب الفرد المردّد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

صحيحة زرارة الثالثة، لم يتم دلالتها على الاستصحاب وبقينا نحن والأدلّة الأخرى الدالة عليه. حينئذٍ، كيف نخرّج استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، ونقول بأنّه هل يجري في نفسه أو لا؟

المقام الأوّل: في موارد الشكّ في الركعات

أمّا المقام الأوّل وهو البحث عمّا تقتضيه القواعد في موارد الشك في الركعات، كالشك في الثالثة والرابعة، وقطعنا النظر عن قاعدة البناء على الأكثر وعن تصدي الإمام لتصحيح الصلاة بالاستصحاب.

هنا لنا كلام على مرحلتين:

المرحلة الأولى: أن نحاول تصحيح الصلاة على مقتضى القواعد بقطع النظر عن الاستصحاب رأساً، بحسب القواعد الأخرى الموجودة عندنا.

المرحلة الثانية: أن نحاول تصحيحها بعد ضمّ الاستصحاب إلى قواعدنا أيضاً.

المرحلة الأولى: محاولة تصحيح الصلاة على مقتضى القواعد بقطع النظر عن كبرى الاستصحاب

أمّا المرحلة الأولى من البحث: فقد يمكن أن يقال: بأنَّ هذه الصلاة يمكن تصحيحها على القاعدة، لو لم تكن كبرى الاستصحاب مجعولة في الشريعة الإسلاميّة.

وذلك: أنّ هذا المؤمن حينما يشكّ بين الثالثة والرابعة، يقوم ويأتي بركعة أخرى ثمَّ يتشهّد ويسلّم، ويقول: بأنّ صلاتي ليس فيها نقيصة بالوجدان؛ لأنّها 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

صلاة مشتملة على أربع ركعات، وتشهّد وتسليم، ولا نقبل هنا الأصل الموضوعي للمحقّق العراقي، وهو أنّ التشهّد والتسليم قيّد أن يقع في الرابعة فالصلاة، إمّا أربعة وإما خمس ركعات. إذن، فلا يحتمل النقص فيها، فمن ناحية النقص لا يحتمل البطلان.

يبقى احتمال البطلان من ناحية الزيادة، والزيادة مانعة للصلاة، وهذه تكون شبهة موضوعية للمانع؛ لأنَّ المانعية جُعلت لعنوان الزيادة، وهذه الركعة شبهة مصداقيّة لعنوان الزيادة؛ لأن هذه الركعة إنَّ كان قبلها ثلاث ركعات، إذن وقعت في محلّها ولا ينتزع منها العنوان البسيط -عنوان الزيادة- وإن كان وقع قبلها أربع ركعات ينتزع منها ذلك. إذن، فهي شبهة مصداقية لموضوع المانعية، من قبيل أن يقع عند الإنسان شيء يشكّ -بنحو الشبهة المصداقية- هل هو قهقهة أو لا؟ وهنا تجري أصالة البراءة عن المانعية على تفصيل تقدم في محلّه.

إذن، يقول المكلّف: إنّه من ناحية النقيصة لا يحتملها بالوجدان، ومن ناحية وجود المانع، فهو وإن كان محتملاً إلّا أنّه مؤمّن عنه بالبراءة(1).

قد يقال في مقام الجواب على هذا: إنّ أصالة البراءة هنا عند مانعية الزيادة لا تجري لأنها مبتلاة بالمعارض، لأننا إذا شرّحنا حال هذا المؤمن الآن نرى 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: الأمر دائر بين المانعية والجزئية.

 قال: فليكن بالآخرة من ناحية المانعية يجري أصالة البراءة عنها، ومن ناحية الجزئية يأتي به. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

عنده علمين إجماليين: علم إجمالي بأنَّ الركعة الآن إمّا واجبة وإما حرام، لأنها إنَّ فرض أنه قد اتى بثلاث ركعات فهذه الركعة واجبة، وإن كان قد أتى بأربع ركعات فهذه الركعة حرام لأنها زيادة، وله علم إجمالي إمّا بحرمة القيام لهذه الركعة لأنه زيادة أو حرمة أن يتشهد ويسلم الآن لأنه زيادة، لأنه إنَّ كان الآن هو في الرابعة فيجب عليه أن يتشهّد ويسلّم، فيكون قيامه لركعة جديدة زيادة فيكون حراماً وإذا فرض أنه الآن في ثالثة. إذن، فحق المطلب أن يقوم ويستأنف ركعة أخرى، فتشهّده وتسليمه قبل القيام زيادة حراماً.

وكلّ من هذين العلمين الإجمالي منجزٌ، ولا يتوهّم كون العلم الإجمالي الأوّل غير منجز؛ لأنَّ أمره دائر بين الوجوب والحرمة، إذ يعلم إجمالاً بوجوب الركعة أو حرمتها، وقد قرأنا إنّه في موارد دوران الأمر بين المحذورين لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، فإنّه يقال: إنَّ هذا العلم الإجمالي يختلف عن العلم الإجمالي الدائر أمره بين المحذورين في سائر الموارد؛ لأنَّ الموافقة القطعية لهذا العلم الإجمالي ممكنة، وتحصل بالموافقة القطعية للتكليف المتعلّق بالطبيعة؛ وذلك بأنَّ يتخلص من هذا الفرد، ويأتي بفرد آخر يحرز فيه عدم الزيادة. إذن، فيكون هذا العلم الإجمالي منجزٌ.

إذن، فيكون عندنا علمان إجماليان منجّزان، وتكون زيادة هذه الركعة مانعيّتها طرفاً لكلا هذين العلمين: للعلم الإجمالي بمانعيّتها، أو وجوبها والعلم الإجمالي بمانعيتها أو مانعية التشهّد والتسليم، فتكون مانعيّتها منجّزة بعلمين، فلا تجري أصالة البراءة عن المانعية، فلا تصحّ الصلاة على القاعدة.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لكنّنا نعلّق على هذا الكلام ونقول: إنّه بالإمكان التخلّص من محذور كلا هذين العلمين الإجماليين، أمّا العلم الأوّل: بوجوب الركعة أو حرمتها، فهو ليس منجّزاً لطرف الزيادة، وليس مانعاً عن جريان البراءة عن مانعيّتها؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي أحد طرفيه موردٌ في نفسه لأصالة الاشتغال دون البراءة وهو كون هذه الركعة واجبة، فإنَّ احتمال النقيصة مورد لأصالة الاشتغال لا محالة -نعم، في باب المانعية والزيادة يدخل في باب الشك في التكليف الزائد، بناءً على ما بُيّن في محلّه من أنّه في موارد الشك في المانعية يرجع إلى الشك في التكليف الزائد- إذن، فلا يوجد معارضٌ لأصالة البراءة عن مانعية هذه الركعة، ولا يعارضها أصالة البراءة عن وجوب الركعة؛ لأنَّ وجوب الركعة مجرى الأصالة الاشتغال في نفسه، فمن ناحية هذا العلم الإجمالي لا يكون هناك إشكالٌ.

أمّا العلم الإجمالي الآخر، وهو العلم إجمالاً بإحدى الزيادتين: القيام إلى الركعة أو التشهّد، فهو يعلم بأنَّ أحدها زيادة، فأصالة البراءة عن مانعيّة هذا يعارض بمثلها عن مانعية ذاك، وبعد التعارض والتساقط تكون المانعية منجّزة، وهذه المعارضة تكون حسابية – يعني صحيحة- إذا لم نستعن بقاعدة من قواعد تنجيز العلم الإجمالي المقرّرة في مدرسة المحقّق النائيني، والتي لم نقبلها، وهي: أنّ الأصول في أطراف العلم الإجمالي لا تتعارض، إلّا إذا أدى اجتماعها إلى الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي، وحينئذٍ، لا تجري الأصول وتتعارض. 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ولو فرضنا أنّ هذه القاعدة كانت أصلاً موضوعياً لنا، حينئذ، نقول: بأنَّ أصالة البراءة عن مانعية القيام ومثلها عن التشهّد كلاهما يجريان، ولا محذور في ذلك، إذ لا يلزم من جريانهما معاً الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي، إذ بمَ يلزم هذه المخالفة. إذ لو قام ولم يتشهّد إلى أنّ أنهى الركعة فلم يخالف، ولو تشهّد، وسلم ولم يأتِ بركعة لم يخالف، وإنّما تكون المخالفة فيما لو قام، وقبل أن يكمل الركعة تشهّد وسلم أو تشهّد، وقبل أن يسلّم قام فتتحقّق المخالفة القطعية، فيتولّد من علمه الإجمالي بمخالفة أحد الواجبين الضمنيين علم تفصيلي ببطلان شخص صلاته، وهذا العلم التفصيلي لا يمكن أن تؤمّن من ناحيته الأصول حتّى لو جرت، فإنّها تؤمّن من ناحية العلم الإجمالي لا من ناحية العلم التفصيلي، ففي مثل ذلك لا يكون إجراء الأصول في تمام الأطراف موجباً للترخيص في تلك المخالفة.

فإذا لاحظنا حرمة القيام وحرمة التشهّد بما هما حرمتان غيريتان فالعلم إجمالي بالنسبة إليهما، لكن حينما يجمع المكلّف بينهما يتولّد له علم تفصيلي بمخالفة الواجب النفسي الاستقلالي. وهذه المخالفة المعلومة تفصيلاً لا يمكن أن تكون مؤمّناً عنها، ولو جرت الأصول في تمام الأطراف؛ لأنَّ المخالفة القطعية للعلم الإجمالي هنا تولّد مخالفة قطعية لعلم تفصيلي، وهي لا يمكن التأمين عنها.

إلَّا أنّ هذه القاعدة الميرزائية غير مقبولة؛ لأنَّ القواعد التي مشى عليها في تنجيز العلم الإجمالي، لم ترتضِ هذا الأصل الموضوعي، ومن هنا يكون هذا 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

العلم الإجمالي منجّزاً، فيكون جريان أصالة البراءة عن مانعيّة الركعة المشكوكة ساقطاً بالمعارضة.

إذن، فلو قطعنا النظر عن الاستصحاب بناءً على مبانينا في تنجيز العلم الإجمالي، لا يمكن تصحيح الصلاة.

وهذا هو الكلام في المرحلة الأولى.

المرحلة الثانية: تصحيح الصلاة بمقتضى القواعد التي فيها الاستصحاب

المرحلة الثانية: يعني لو لاحظنا الاستصحاب أيضاً في قواعدنا، فهل يمكن تصحيح الصلاة أو لا يمكن؟ يمكن تصحيحها أيضاً.

وذلك؛ لأنَّ هذا المؤمن إذا أتى بالركعة المشكوكة وتشهّد وسلّم، ما هو العيب في صلاته؟ أمّا من ناحية النقيصة فلا يحتمل، وأمّا من ناحية الزيادة فهي محتملة، وبالاستصحاب ننفي وقوع الزيادة، لا باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، هذا الذي كان محلّ الكلام، فإنَّ استصحاب عدم الإتيان بالرابعة لا ينفي عنوان الزيادة، إلّا بناءً على الأصل المثبت، فإن نعنون القيام بالزيادة لازم عقلي للإتيان بالرابعة، فنفي عنوان الزيادة عن القيام ليس باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، بل باستصحاب آخر، وهو أنّه بعد أن يصلّي ويأتي بالركعة المشكوكة ويتشهّد ويسلّم، يقول: صلاتي ليس فيها نقيصة وجداناً، وأشكّ أنّه فيها زيادة أو لا؟ فاستصحب عدم وقوع الزيادة فيها. فبضم هذا الاستصحاب إلى وجدانية عدم النقيصة تصح هذه الصلاة.

وبهذا يظهر، أنّ تصحيح الصلاة ليس لاستصحاب عدم الإتيان بالرابعة 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

دخل فيه، بل تصحيحها يكون بضم تعبّد إلى وجدان، وجدان عدم النقيصة واستصحاب عدم الزيادة.

هذا تمام الكلام في المرحلة الثانية، في تصحيح الصلاة بمقتضى القواعد التي فيها الاستصحاب، وبذلك ظهر أنّ هذه الصلاة يمكن تصحيحها بالاستصحاب على مقتضى القواعد، كما ذكر المشهور خلافاً للمحقّق العراقي، لكن لا بذاك الاستصحاب، الذي هو نظر المشهور إليه، وهو استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، فإنّه لا ينفي النقيصة؛ لأنّها منفية وجداناً ولا يؤمّن من ناحية الزيادة؛ لأنَّ نفيه لها بالملازمة العقلية، ونحن لا نقول بالأصل المثبت، وإنّما يكون تصحيحه باستصحاب آخر لا بذاك الاستصحاب(1).

هذا تمام توضيح المقام في كيفية حال الصلاة على مقتضى القواعد الأولية لو قطع النظر عن قاعدة البناء على الأكثر، وعن تصدي الإمام في خصوص المقام(2).

هذا هو الكلام في المقام الأوّل.

*****

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() سأله أحد الإخوان: عن الوجه، الذي يأتي به المكلّف بالركعة الرابعة المشكوكة.

 فأجاب: أنّه يأتي بها رجاءً، وهو يعلم أنّه متى انتهى منها، يحكم الشارع بصحّتها. (المقرّر).

(2) فقال أحد الإخوان: هذا كله بناءً على عدم قبول الأصل الموضوعي؟

فقال: نعم.

فقال الأخ: هذا صحيح أو لا؟

فقال: ذاك محلّه في الفقه ومربوط بالاستظهار من الروايات. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وهذا(1) بنفسه نقوله في سائر موارد الشك في الإتيان بالأجزاء الركنيّة، في الصلاة، كما لو شكّ أنّه أتى بالركوع أو لا.

 هنا، تصحّح الصلاة بأن يقال: بأنَّ هذا المؤمن يأتي بالركوع، ثمَّ يقول: صلاتي لا يحتمل بطلانها من ناحية نقص الركوع جزماً، وإنمّا يُحتمل بطلانها من ناحية احتمال زيادة الركوع، فيجري استصحاب عدم زيادته، وأمّا استصحاب عدم الإتيان بالركوع، فهو وحده لا يكفي لتصحيح الصلاة؛ لأنّه لا ينفي عنوان الزيادة عن الركعة التي سوف يؤتى بها إلّا بالملازمة العقلية، فما أفاده المشهور، ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

نعم، يمكن تصحيح ما أفاده المشهور من كون استصحاب عدم الإتيان بالرابعة مصحّحاً للصلاة، ونافياً للمحاذير، ويمكن ذلك لو اعترف بأمرين منضمين: 

الأمر الأوّل: أن يقال: أن موضوع المانعية في باب الزيادة ليس عنوان الزيادة بما هو عنوان بسيط منتزع عن الفعل الخارجي، بل واقع منشأ الانتزاع لهذا العنوان، أي: الفعل الذي لا يكون مأموراً به هذا هو موضوع المانعية، كالركوع الذي لا يكون مأموراً به أو الركعة التي لا يكون مأموراً بها.

الأمر الثاني: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة، يتكفّل التعبّد 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() لخّص أولاً جملة ممّا سبق، وذكر وجه تصحيح الصلاة بالاستصحاب الذي ذكره في المرحلة الثانية، ثُمَّ ذكر عدم إمكان تصحيحها باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة؛ لكونه مثبتاً. وأوضح وجه الملازمة العقلية. ثُمَّ قال: (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بالأمر بالركعة، يعني: أنّه يجري بلحاظ أنه يستوجب إثبات الأمر بالركعة التي تريد الإتيان بها.

وحينئذٍ، إذا كان موضوع المانعية هو الركعة، التي لا يكون مأموراً بها، وكان استصحاب عدم الإتيان بالرابعة يستوجب التعبّد بهذه الركعة، بهذا تنتفي المانعية عن هذه الركعة التي سوف نأتي بها الآن؛ لأنَّ هذه الركعة مأمور بها بمقتضى التعبد الاستصحابي – على ما فُرِض في الأمر الثاني- إذن، فلا تكون مشمولة لموضوع المانعية؛ لأنَّ موضوعها ليس هو عنوان الزيادة – الذي هو عنوان بسيط لازم عقلي لعدم الأمر- بل هو كون الركعة غير مأمور بها، وهذه الركعة أصبحت مأموراً بها، فتخرج الركعة عن موضوع المانعيّة تعبّداً، فتصحّ الصلاة حينئذٍ، ببركة استصحاب عدم الإتيان بالرابعة؛ لأنّه ببركته ينتفي النقص والزيادة معاً عن هذه الصلاة.

إلَّا أنّ كلا هذين الأمرين غير تامّ:

أمّا الأوّل، وهو: أنّ المانعية يكون موضوعها منشأ انتزاع عنوان الزيادة، لا نفسه فهذه دعوى فقهية عهدتها على البحث الفقهي، ولكنّنا في المقام نقول بنحوٍ عام: أنّ ظاهر أخذ عنوان بسيط في موضوع الدليل، كون هذا العنوان بعنوانيته موضوعاً للحكم، لا كون منشأ انتزاعه موضوعاً له.

وأمّا من ناحية الأمر الثاني، وهو: أنّ الاستصحاب هل يثبت لنا أمراً بالركعة التي سوف تأتي بها أو لا؟ فهذا بحثه في المقام الثاني الذي نعقده بعد هذا المقام. وسوف يتبيّن في المقام الثاني، أنّ الاستصحاب لا يثبت هذا الأمر.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا هو تمام الكلام في المقام الأوّل. وتلخّص منه أنّ تصحيح الصلاة على مقتضى القواعد بقطع النظر عن الاستصحاب غير ممكن، وبلحاظ الاستصحاب ممكن، لكن لا باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، بل استصحاب عدم الزيادة الجاري بعد التدارك.

المقام الثاني: في جريان استصحاب عدم الإتيان بالرابعة

المقام الثاني في استصحاب عدم الإتيان بالرابعة هل يجري في نفسه بمقتضى صناعة الاستصحاب المستفادة من سائر الروايات أو لا يجري؟

والكلام هنا أيضاً نقسّمه إلى قسمين:

تارةً: نتكلّم عن استصحاب جريان عدم الإتيان بالرابعة بروح (الكفاية)، يعني: نتمسّك بهذا الاستصحاب لإثبات وجوب ركعة متّصلة بقطع النظر عن قاعدة البناء على الأكثر.

وأخرى: نتمسّك بهذا الاستصحاب، بروح الميرزا لإثبات وجوب ركعة منفصلة.

الكلام الأول: التمسّك بالاستصحاب لإثبات وجوب ركعة متّصلة

أمّا الكلام على الأوّل: هل يجري الاستصحاب هنا، لو قطعنا النظر عن قاعدة البناء على الأكثر، وفرضنا أنّنا نسير وفق الفقه العامّي الذي يقول إنّ من شكّ في الثلاثة والرابعة. يجب عليه الإتيان برابعة متّصلة، فهل يجري استصحاب عدم الإتيان بالرابعة أو لا؟

عدم الإتيان معناه عدم الإتيان بالمأمور به؛ لأنَّ الركعة الرابعة مأمور بها، 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فيدخل هذا الاستصحاب تحت كبرى استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به فيما إذا شكّ أنه أوتي به أو لم يؤتَ به.

فلو علم المكلّف أنّه مأمور بالتصدّق على فقير، وشكّ أنّه هل أتى بالصدقة أو لا، هذا لا شكّ أنّه مورد لأصالة الاشتغال؛ لأنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، إلّا أنّه قد يقال في المقام إنّنا نجري استصحاب عدم الإتيان بالصدقة، يعني: المأمور به تأكيداً لمفعول أصالة الاشتغال.

وسوف نعقد تنبيهاً مستقّلاً من تنبيهات الاستصحاب، في تحقيق جريان الاستصحاب في هذه الموارد -استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به-. وسوف نعرف هناك: أنّ هناك اتجاهين في تفسير هذه الاستصحابات، وهو في المثال استصحاب عدم التصدّق.

الاتجاه الأوّل: في استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به

الاتجاه الأوّل يقول: إنّنا نستصحب عدم التصدّق؛ لأنَّ عدم التصدّق موضوع لحكم شرعي، وهذا الاستصحاب يكون جارياً بلحاظ حكم شرعي مترتّب على عدم التصدّق، والحكم الشرعي الذي يكون مترتّباً عليه هو وجوب التصدّق. فإنَّ عدم وقوع التصدّق خارجاً موضوع لوجوب التصدّق؛ وذلك أنّ هذا الاتجاه يفترض: أن وجوب كلّ فعل بأنَّ لا يقع هذا الفعل في الخارج، فوجوب التصدّق ثابت حدوثاً وبقاء، حتّى تقع الصدقة في الخارج، فإذا وقعت لا يبقى الوجوب؛ لأنّه تحصيل للحاصل. فكل وجوب مقيّد لبّاً عقلاً، في مرحلة البقاء بعدم الإتيان بالمأمور به. 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إذن فعدم الإتيان به قيد لبقاء الوجوب. فإذا شكّ في أنّه هل أوتي بالمأمور به أو لا، كان معناه في أنّ قيد الوجوب هل هو باقٍ أو لا. فنستصحب عدم الإتيان بالصدقة، والأثر الشرعي؛ لعدم الإتيان بها هو بقاء وجوبها فيتنجّز عليه أن يتصدق.

الاتجاه الثاني: في مقتضى التحقيق

الاتجاه الثاني: وهو مقتضى التحقيق على ما يأتي في محلّه: حيث إنّنا لا نقبل دعوى الاتجاه الأوّل، وهي: أنّ كلّ تكليف مقيّد – بقاءً- بأنَّ لا يمتثل، فإن أوتي بمتعلّقه سقط، بل نحن نقول بفعلية الوجوب باقية بعد الامتثال، كما هي قبله، لم يختلف حال الوجوب من حيث هو وجوب، قبل الامتثال عن حاله بعده؛ لأنَّ روح الوجوب إنَّما الحب ومبادئ الإرادة في نفس المولى، ومن المعلوم إنّ الامتثال معناه وقوع المحبوب، ووقوع المحبوب لا يخرجه عن كونه محبوباً، فبالنتيجة الحب بتمام مبادئه(1) -التي تشكّل الوجوب- ثابتة بعد الامتثال كما 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

() هذا محال، فإنَّ مبادئ الإرادة إنَّما توجد لأجل إيجاد ما ليس بموجود كما هو واضح، وأمّا ما هو متحقّق فعلاً فيستحيل أن تتعلّق به الإرادة؛ لأنّه من تحصيل الحاصل، مضافاً إلى أنها لغوٌ من الملتفت فضلاً عن الحكيم. نعم، بعد وجوده لا يخرج عن كونه محبوباً بمعنى: أنّ الفاعل المختار أو المولى أنّ هذا الفعل وِجِدَ ذا مصلحة ومحبوباً في محلّه، وهذا أجنبيٌ عن معنى الإرادة بالكليّة. وكان الأنسب أن يدعم السيّد دعواه بأن يقول: إنّ التشريع لا يسقط كبروياً عند امتثاله أو عصيانه، بل تبقى الصلاة واجبة بين الحدّين سواءٌ صلّى أو عصى. نعم، هذا مبني على إنكار الانحلال، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هي ثابتة بعد الامتثال. فأنت حينما تحبّ أن يكون عندك كتاب (الرسائل) فتفحص عنه حتّى تجده، ليس معناه خروج الكتاب عن كونه محبوباً لك، غاية الأمر تسقط فاعلية الوجوب لا فعليته، يعني محرّكيته وداعويته العقلية؛ لأنَّ المولى كان يجب أن يكون عنده كتاب (الرسائل) فجئته به، فبعد هذا حبه لهذا الكتاب لا يحركّني نحو شيء؛ لأنّه غير فاقد له.

وحيث إنّنا نبني على هذا فلا نستطيع أن نخرّج هذه الاستصحابات، كما خرجت على الاتجاه الأوّل. بأن يقال: بأنَّ استصحاب عدم الإتيان بالصدقة، من باب أنّ بقاء الوجوب مشروط بعدم الامتثال، فباستصحاب عدم الإتيان بالصدقة يترتّب بقاء وجوبها. هذا لا نقول به؛ لأنّنا لا نرى أنّ وجوب الصدقة مقيّد بعدم وقوع الصدقة خارجاً، حتّى يكون عدم وقوعها من قيود موضوع بقاء وجوب الصدقة. فالوجوب فعلي حتّى بعد الامتثال. إذن، استصحب عدم الإتيان بالصدقة بلحاظ ماذا؟

سوف نقول في محلّه: أنّه في عالم الشكّ في الامتثال أيضاً يُتصوّر براءة واشتغال، كما يتصوّر براءة واشتغال، في عالم الشك في التكليف، ففي موارد الشك في الامتثال التي هي موارد أصالة الاشتغال عقلاً، قد يحكم الشارع بالبراءة على خلاف أصالة البراءة العقلية، كما حكم في موارد قاعدة الفراغ، فإنّها روحها بأنّها براءة في موارد الشك في الامتثال، وقد يحكم عليه بما يؤكد عليه أصالة الاشتغال العقلية، بلزوم الحركة على طبق التكليف الواقعي، الذي يُشكّ في امتثاله. 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وحينئذٍ، فاستصحاب عدم الإتيان بالصدقة، مرجعه إلى أنّ المولى يحكم على العبد بوجوب التحرّك، كما لو كان عالماً بعدم الامتثال، لو كان عالماً بعدم الصدقة لكان يتصدّق، وهذا روحه تأكيد لأصالة الاشتغال ونفي للبراءة، وسوف يأتي توضيحه في محلّه.

وإنّما اضطررت إلى تعريف هذين الاتجاهين؛ لأجل أن نرى كيفية تطبيقهما في محلّ الكلام.

تطبيق الاتّجاهين في محلّ الكلام

أمّا على الاتجاه الأوّل، الذي يستصحب بقاء عدم التصدّق؛ لكي يثبت بقاء وجوب الصدقة، فنجري عدم الإتيان بالرابعة، لكي يثبت بذلك وجوب الرابعة.

من المعلوم إنّ وجوب الرابعة ليس استقلالياً، بل هو وجوب ضمني، وليس حاله حال وجوب الصدقة، بحيث يكون له وجوب له جعل مستقلّ وموضوع مستقل، بل كلّ ما يكون دخيلاً في وجوب الرابعة فلا بُدّ أن يكون دخيلاً في وجوب الأربع أي المجموع؛ لأنَّ الوجوب الضمني ليس له جعلٌ مستقلٌّ ولا موضوعٌ مستقلّ، ففي الحقيقة عندنا هنا وجوب نفسي استقلالي متعلق بالأربع -لا بالرابعة- وهذا الوجوب إذا كنتم تريدون أن تثبتوا باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة بقاءه فهو مقطوع البقاء، حتّى لو فُرِض الإتيان بالرابعة؛ لأنَّ هذا الوجوب لا يسقط على مبناكم، إلّا بالإتيان بمتعلّقه بما فيه التشهّد والتسليم لا محالة. فالآن حين التردّد بين الثالثة والرابعة، يعلم 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بأنَّ الوجوب النفسي الاستقلالي موجود بالفعل بتمام قطعاته؛ لأنَّ هذه الوجوبات الضمنية لا تسقط بالتدريج(1)، فإنَّ سقوطها هكذا خُلف ضمنيتها، بل لا تسقط إلّا بسقوط الوجوب النفسي الاستقلالي، وهو لا يسقط إلّا بالانتهاء بتمامه. فإذا شكّ في وسط المركب بشيء فهو لا يحتمل سقوط شيء من الوجوبات الضمنية. إذن، فوجوب الأربع ضمني، وهو باقٍ سواءٌ كان أتى بالثلاث أو بالأربع، فلا يمكن إجراء الاستصحاب فيه (2)، ولا يمكن أن نقيس الوجوب الضمني بالوجوب النفسي الاستقلالي كوجوب الصدقة، فإنَّ الوجوب الاستقلالي إذا شكّ في متعلّقه يشكّ في بقاءه بناءً على هذا المبنى، لكن الوجوب الضمني إذا شكّ في متعلّقه لا يحتمل سقوطه، ما لم يتستوفِ تمام المركب.

ــــــــــ[84]ــــــــــ

() للخصم أن يوافق على السقوط التدريجي، لكن بشكل مراعى بمعنى السقوط الاقتضائي نتيجة لأهليّة الجزء أن يكون جزءاً، وكونه جامعاً للشرائط فاقداً للموانع. لكن يبقى شرط واحد غير متحقّق هو كونه ملحوقاً بباقي الأجزاء تامّة، فيبقى مراعى على ذلك وبانتهاء الصلاة يثبت صحّة الجميع أو المجموع. وعلى هذا يمكن إجراء الاستصحاب على أحد وجهين: إمّا أن أشكّ أن وجوب الرابعة قد سقط سقوطاً اقتضائياً مراعى أي هل وجدت الرابعة وجوداً تامّاً أم لا؟ فاستصحاب عدمها. وإمّا بأن أشكّ أنّ الأجزاء السابقة أو الركعات الثلاث هل أصبحت جامعة للشرائط بما فيها الشرط المراعى في حينها، وهو تعقبها بالركعة الرابعة أو لا؟ وقد كان هذا الشرط غير متحقّق فاستصحب عدمه. (المقرّر).

(2) لكي يثبت بالتعبّد بوجوب الإتيان بالرابعة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا إشكال استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، بناءً على الاتجاه الأوّل.

وهناك إشكال آخر يمكن إيراده مع دفعه بناء على نفس المبنى، وحاصله: أنّنا لو قطعنا النظر عن الفرق بين الوجوبات الضمنية والوجوبات الاستقلالية، وفرضنا أنّنا نشكّ في بقاء وجوب الرابعة، فاستصحبنا عدم الإتيان بالرابعة للتعبّد ببقاء وجوبها، فنثبت به وجوب الرابعة، ونحن نشكّ أنّ الركعة التي سنأتي بها رابعة أم لا؟ 

 فالوجوب الذي أثبتناه بالاستصحاب هو وجوب فعل مردّد بين أن يكون مقدوراً لنا أو غير مقدور؛ لأنّه إن كان قد أتى بأربع فإيجاد رابعة بعد الرابعة مستحيل، وإن كان قد أتى بثلاث فإيجاد الرابعة مقدور، فبالاستصحاب نثبت وجوب الرابعة، ونحن نشكّ في قدرتنا على امتثاله وعدمها.

إذن، فبالآخرة يجب أن نرجع إلى أصالة الاشتغال، ونقول: عسى أن نكون قادرين، ونأتي بركعة من باب عسى أن تكون رابعة، فإذا انتهينا إلى أصالة الاشتغال فلنرجع إليها من الأوّل، بلا حاجة إلى توسيط استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، فإنّه من أوّل الأمر نقول: بأنَّ ذمتنا مشغولة بالركعة الرابعة، ولا ندري أنّها فرغت.

هذا الإشكال إنَّما يتجه لو كان الوجوب الضمني المتعلّق بالرابعة، متعلقاً بعنوان الرابعة. أمّا لو كانت هذه الوجوبات الضمنية متعلّقة بذوات الركعات، لا بعنوان الأولى والثانية الخ، بل كانت هكذا: ائت بركعة وركعة وركعة وركعة، ففي مثل ذلك باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، نثبت وجوب ركعة، 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وهذا أمرٌ قابل للامتثال بحسب الخارج، فإنّنا قادرون على الإتيان بالركعة، يكون حاله حال استصحاب عدم الإتيان بالصدقة، إذ نثبت به وجوب صدقة، ونحن قادرون على الصدقة في الخارج.

نعم، لو بنى على أنّ الوجوبات الضمنيّة متعلّقة بالركعات بعناوينها العددية، فيأتي هذا الإشكال الثاني أيضاً.

هذا هو تمام الكلام بناءً على الاتجاه الأوّل.

ومنه يظهر الكلام بناءً على الاتجاه الثاني، وليس فيه مزيد كلام، إذ يكون هذا الاستصحاب صحيحاً، ولا يرد عليه إلّا هذا الإشكال الأخير مع جوابه.

صيغة وروده أن يقال: أن دليل الاستصحاب بقوله: تحرّك كما لو كنت قاطعاً بعدم الإتيان بالرابعة، والقاطع بعدمها يأتي بالرابعة لا محالة، وأنّا أشكّ أني قادر على الإتيان بالرابعة أو لا؟ فمثل هذا الوجوب الاستصحابي يكون مشكوك القدرة بالنسبة إليَّ فتنتهي النوبة إلى أصالة الاشتغال.

والجواب عليه ما سبق، وهو أنّ الحركة هو ذات ركعة لا عنوان الركعة الرابعة بما هي رابعة. هذا تمام البحث بناءً على هذين الاتجاهين.

[خلاصة المطلب]

استخلصنا من المقام الأوّل: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لا يصحّح الصلاة، وإنّما بملاك آخر لا يختلف في حاله جريان هذا الاستصحاب وعدمه، وهو: أنّه حينما يُشكّ في الثالثة والرابعة، تجري في حقّه من ناحية النقيصة أصالة الاشتغال، فيأتي بالركعة؛ لأجل تحصيل الجزم بعدم النقيصة، 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ثُمَّ يُشكّ في أنّه هل وقعت منه زيادة أو لا؟ فيستصحب عدم وقوعها.

ثُمَّ انتقلنا إلى المقام الثاني، وهو: أنّه بعد الفراغ عن تصحيح الصلاة بقاعدةٍ أخرى غير هذا الاستصحاب، هل يمكن إجراءه لا لأجل تصحيح الصلاة، بل لأجل تأكيد أصالة الاشتغال التي تقتضي وجوب الإتيان بالركعة الرابعة.

من المعلوم كما قلنا إنّ هذا الاستصحاب استصحاب عدم الإتيان بالرابعة يدخل في موارد عدم الإتيان بالمأمور به في موارد الشك، في الامتثال من قبيل استصحاب عدم التصدّق عند الشكّ به. وحينئذ، يقال: إنّه لو بنى على كبرى جريان استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به عند الشكّ في الإتيان به، فلا إشكال هنا في إجراء استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة، ولكن بعد انتهاء الصلاة يعني أنّ الشاك في الثالثة والرابعة، إذا أجرى أصالة الاشتغال وأتى بالرابعة، فإنّه يقطع أنّه أتى بالرابعة، لكن لو لم يعمل بأصالة الاشتغال، ولم يأتِ بالركعة المشكوكة، بل بمجرّد أن شكّ تشهّد وسلّم، حينئذٍ، يكون شاكّاً في أصل الإتيان بالركعات الأربع، يعني: يشكّ أنّه أتى بالواجب النفسي الاستقلالي المتعلّق بالأربع أو لا؟ فيكون حاله حال من يشكّ أنّه تصدّق أو لم يتصدّق، فإذا قلنا بجريان استصحاب عدم التصدّق فيما إذا وجب عليه التصدّق نفسيّاً، وشكّ في امتثاله، نقول هنا أيضاً بجريان استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة، أو بتعبيرٍ آخر استصحاب عدم الإتيان بالصلاة التامّة ذات الركعات الأربع(1)

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() فالاستصحاب هنا يجري بلا إشكال من دون تلك المحاذير التي بينت قبل يومين في إجراء الاستصحاب في ظرف العمل (منه). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

غير أنّ هذا الاستصحاب، وإن كان يؤثّر نفس أثر أصالة الاشتغال، وهو أنّه لا يسمح له أن يتشهّد ويسلّم على الشكّ، ولكنّه ليس هو المبحوث عنه أولاً وبالذات. فإنَّ المبحوث عنه هو الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة، وهذا استصحاب يتمّ أركانه بعد الانتهاء من الصلاة، فإنَّ مؤداه استصحاب عدم الإتيان بالواجب النفسي بعد الانتهاء من الصلاة. وأمّا الاستصحاب الذي نتكلّم في تحقيق أنّه هل يجري لكي يؤكّد مفاد أصالة الاشتغال أو لا يجري، مرادنا منه الاستصحاب الجاري في أثناء العمل، الذي هو محلّ ادعاء المشهور للجريان، وهو ظرف الجريان بحسب ظاهر الصحيحة الثالثة، لو حملناها على الاستصحاب. وأنّ الإمام أجراه حال الشك، وفرع عليه وجوب القيام للركعة المتصلة.

استصحاب الواجب الضمني

فمن هنا ننتقل إلى الشق الثاني من الاستصحاب، وهو إجراؤه في ظرف العمل، هل يمكن إجراؤه لا لأجل تصحيح الصلاة، بل لأجل تأكيد أصالة الاشتغال وتحميل الركعة المشكوكة على المكلّف؟

وهذا الاستصحاب يصير -بحسب الحقيقة- من استصحاب الواجب الضمني، قبل الفراغ من الواجب الاستقلالي النفسي. فإنّه في أثناء الصلاة يستصحب عدم الإتيان بالرابعة، وهي واجب ضمني.

فيجب أن يرى أنّنا إذا قلنا بجريان استصحاب عدم الإتيان بالواجب النفسي الاستقلالي، فهل يجري في الواجب الضمني أو لا؟

ومن هنا، قلنا إنّ تقريب استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في الواجبات 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاستقلالية له اتجاهان في تقريبه، يجب التأمّل في كلّ منهما ليُرى أنّه هل ينطبق على باب الواجبات الضمنية، أو أنّ هناك فرقاً بالدقّة بين الواجب الضمني والواجب الاستقلالي، فيجري استصحاب عدم الواجب الاستقلالي دون الضمني(1).

المبنى الأول: أن الوجوبات الضمنية لا تسقط إلى أن ينتهي من تمام الإتيان بالمركّب

وحينئذٍ، نقول: إنّ الواجبات الضمنية فيها مؤونة زائدة؛ لأجل أن يرى أنّها كالواجبات الاستقلالية من حيث جريان هذا البيان فيها أو لا. وهذه المؤونة هي: أن نرى: أنّ الواجب الضمني كالأمر النفسي الاستقلالي مقيّد بعدم الإتيان به -بناءً على هذا الاتجاه- بحيث إنّه بمجرّد الإتيان به يسقط حتّى قبل الانتهاء من المركّب، أو لا يسقط حتّى بعد الإتيان بمتعلّقه ما لم ينته من المركّب، وتسقط الواجبات الضمنية دفعةً واحدة بعد الانتهاء من المركّب.

فإن بنينا -كما هو الصحيح- على أنّ حال الوجوبات الضمنية ليس حالها حال الوجوبات النفسية لا تسقط بالتدريج، وإنّما تسقط دفعةً بالانتهاء من المركّب(2) وبناءً على هذا المبنى يتسجّل هذا الإشكال، ولا تصل النوبة إلى الإشكال الثاني، الذي ذكرناه على تقدير التنزّل عن هذا الإشكال الأوّل، وعن مبناه، وهو 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() ثمَّ ذكر الاتجاه الأوّل في تخريج الاستصحاب الجاري لعدم الإتيان بالمأمور به في الواجبات النفسية كما سبق. (المقرّر).

(2) ثُمَّ قرّر عدم ورود ذاك التقريب كما سبق – قبل 6 صفحات-. (المقرّر ). [ص83 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إشكال: أنّ وجوب الرابعة الذي يثبت بالاستصحاب يكون تكليفاً بغير المقدور لا تصل النوبة إليه؛ لأنّه لا يثبت بالاستصحاب شيء؛ لأنّه لا يوجد عندنا وجوب مشكوك حتّى نحاول إثباته بالاستصحاب. هذا كلّه على المبنى الأوّل.

المبنى الثاني: أن الوجوبات الضمنية تسقط بالتدريج

وأمّا إذا اخترنا مبنى ثانياً، وهو أنّ الواجبات الضمنية تسقط وتموت بالتدريج، ويستحيل أن يبقى وجوب ضمني بعد الإتيان بمتعلّقه، كما يُتخيّل في أصل المسألة، أنّه يستحيل بقاء الوجوب النفسي الاستقلالي للصدقة، بعد وقوعها خارجاً؛ لأنّه تحصيل للحاصل، فالوجوبات الضمنية تسقط بالتدريج، سقوطاً منجّزاً فعلياً حتمياً، غاية الأمر أنّ هذا المؤمن لو قطع صلاته تعود إلى الحياة من جديد بعد الموت، وتستأنف أرادة جديدة للمولى.

ولازم هذا المبنى: أن يُفرَض أنّ هذ المؤمن إذا صلّى ثلاث ركعات، يكون الوجوب الضمني المتعلّق بها قد سقط، وبقى وجوب ضمني واحد هو وجوب الرابعة، لازم هذا المبنى أن يكون هذا الوجوب الضمني للرابعة، أن يكون متعلّقاً بالرابعة في شخص هذا الفرد، لا بالرابعة في طبيعي الصلاة، وإلَّا لو كان متعلّقاً بالرابعة في طبيعي الصلاة القابل الانطباق على صلاة أخرى(1)، لكان معناه أنّ المولى يطلب أربع ركعات ولو في مجموع صلاتين مع أنّ هذا خلاف الضمنية، فبعد سقوط الوجوبات الضمنية للركعات الثلاث الأولى 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() للزم أن يكون مطلوب المولى أربع ركعات في فردين، مع أن هذا ليس مصداقاً لمطلوب المولى (محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وتشخصّه بالركعة الأولى والثانية والثالثة من شخص هذا الفرد، فيستحيل أن يكون الوجوب الباقي متعلّقاً بطبيعي الرابعة ولو في فردٍ آخر، بل يتشخص الوجوب الباقي الذي، لم يمتثّل بعد بوجوب إكمال هذا الفرد.

وبناءً على هذا المعنى هل يمكننا أن نستصحب عدم الإتيان بالركعة الرابعة أو لا يمكن؟ الإشكال الذي كان مسجّلاً على المبنى السابق لا يأتي هنا؛ وذلك لأنّه من الواضح أنّنا نشكّ ببقاء هذا الوجوب الضمني المتعلّق بالركعة الرابعة؛ لأنَّ المفروض إنَّ كلّ وجوب ضمني له سقوط مستقلّ، فيقول المصلّي: إنّ كنت أتيت بالرابعة، فوجوبها الضمني قد سقط، وإن كنت لم آتِ بها فهو موجودٌ لم يسقط، فإمّا أشكّ أنّ هذا الوجوب الضمني للرابعة موجود في حقّي أو غير موجود، فاستصحب عدم الإتيان بالرابعة، لأجل التعبّد بهذا الوجوب، فالإشكال على المبنى السابق لا يرد هنا.

ولكن هنا يرد إشكال آخر على بعض التقدير كما أشرنا إليه(1):

حاصله: أنّ وجوب الرابعة، الذي تريدون أن تثبّتوه بالاستصحاب، لا بُدّ أن يكون متعلّقه مقدوراً، ومتعلّقه هو الإتيان بالرابعة في هذا الفرد، على هذا المبنى، وحينئذٍ، فيكون الأمر الضمني، الذي نريد أن نثبته بالاستصحاب مشكوك القدرة عليه؛ لأنّي إذا لم أكن قد أتيت بالرابعة، فأنا قادر على الإتيان بها، وإن كنت أتيت بها، فأنّا غير قادر على الإتيان بها في شخص هذا الفرد؛ لأنَّ الرابعة لا تتكرّر مرّتين.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

() ص 3/5. (المقرّر). [ص379 وص381، ج22 من هذه التقريرات].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فينتج أنّ هذا الوجوب التعبّدي، الذي يثبت بالاستصحاب شرط بأنّي لم آت بالرابعة؛ لأنَّ فرض القدرة على الرابعة هو فرض أنّي لم أكن أتيت بها وفرض ذلك هو فرض مطابقة الاستصحاب للواقع. أي مشروط بمطابقة الاستصحاب للواقع، ومثل هذا الوجوب لا يكون منجّزاً للواقع، فإن جعل حكم ظاهري مشروط بمطابقته للواقع، في مثل المقام غير معقول.

هذا الإشكال يكون مسجّلاً على هذا المبنى في باب الواجبات الضمنية، إلّا أنّ لهذا الإشكال أصلان موضوعيان: أحدهما فقهي والآخر أصولي.

فالأصل الموضوعي الفقهي هو أن نقول: أنّ الواجب عنوان الرابعة لا ذات ركعة وركعة وركعة وركعة، وإلَّا لو فُرِض أنّ الواجب هو ذوات الركعات، فباستصحاب وجوب ركعة -لا عنوان الرابعة-.

وهو تحت القدرة بالنسبة إلى هذا المكلّف بلا إشكال.

والأصل الموضوعي الأصولي هو أن نقول: إنّ مفاد دليل الاستصحاب حكم تكليفي حتّى نقول: إنّه يشترط فيه القدرة، وإلَّا لو كان مفاد دليل الاستصحاب ليس حكماً تكليفياً، كجعل الطريقية وهو من الأحكام الوضعية، فلا يشترط فيه القدرة، حتّى يلزم تخصيصه بخصوص فرض القدرة المساوق لفرض مطابقته للواقع. فحينما يتمّ هذان الأصلان الموضوعيّان يتمّ الإشكال، وحينما ينتفيان ينتفي الإشكال.

هذا بناءً على المبنى الثاني وهو السقوط التدريجي للواجبات الضمني.

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المبنى الثالث: أن الوجوبات الضمنية تسقط حينما يؤتى بمتعلّقه مشروطاً بشرط متأخّر

وهناك مبنىً ثالث في الواجبات الضمنية متوّسط بين المبنيين السابقين، وهو أن يقال: أنّ الوجوب الضمني يسقط حينما يؤتى بمتعلّقه، لكن مشروطاً بشرط متأخّر، وهو أن يؤتى بسائر الأجزاء، والشرائط وتترك سائر الموانع والقواطع إلى آخر الصلاة.

فكلّ وجوب ضمني، يكون سقوطه مشروطاً بشرطين، شرط مقارن مع السقوط، وهو الإتيان بمتعلّقه، وشرطٌ متأخّر عنه، وهو استمرار الصلاة بالنحو الكامل الصحيح إلى آخرها. فلو أنّ مصليّاً كبّر تكبيرة الإحرام، وأنهى صلاته ينكشف أنّ خطاب (كبّر) كان قد سقط منذ كبّر؛ لأنَّ الشرط المقارن والمتأخّر موجود. وإذا فرضنا أنّه قطع صلاته فينكشف أنّه من أوّل الأمر لم يسقط خطاب (كبّر). هذا هو المبنى الثالث. 

تحقيق في ورود الإشكالين على المباني الثلاثة

وصرنا(1) في مقام فحص هذين الإشكالين على المباني الثلاثة في سقوط الوجوبات الضمنية.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً الإشكالين الواردين على استصحاب عدم الإتيان بالرابعة في ظرف العمل.

أولهما: إشكال أنّ وجوب الرابعة ليس مشكوك السقوط، بل هو معلوم البقاء، بناءً على المبنى المختار من أنّ الواجبات الضمنية لا تسقط إلَّا بعد الانتهاء من العمل.

ثانيهما: إشكال أنّ متعلّق الاستصحاب مشكوك القدرة عليه، كما سبق تقريره. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المبنى الأوّل: أن الوجوبات الضمنية لا تسقط إلى أن ينتهي من تمام الإتيان بالمركب.

وبناء عليه يرد الإشكال الأوّل، إذ بناءً عليه يكون الوجوب الضمني معلوم البقاء على كلّ حال سواء أتى بالرابعة أو لا. فاستصحاب عدم الإتيان بالرابعة لأجل التعبد ببقاء وجوبها الضمني ممّا لا معنى له.

وأما الإشكال الثاني فلا موضوع له في المقام، لأجل الوجوب الضمني للرابعة ليس مشكوكاً حتّى يقال: أنه هل يمكن إثباته بالاستصحاب. فهذا الإشكال لا تنتهي النوبة إليه.

المبنى الثاني الذي يقول: أن الوجوبات الضمنية تسقط بالتدريج سقوطاً حتمياً منجّزاً، فكما أتى بجزء سقط الوجوب الضمني المتعلّق به.

وبناءً عليه فالإشكال الأوّل غير تامّ؛ إذ بناءً عليه، نكون الآن شاكّين في بقاء الوجوب الضمني للرابعة؛ لأنَّ هذا المؤمن يشكّ أنّه هل أتى بالرابعة أو لا. إذن، فهو يشكّ في الوجوب الضمني هل سقط أو لا؟ فاستصحاب عدم الإتيان بالرابعة؛ لأجل التعبّد ببقاء الوجوب الضمني لها يكون أمراً معقولاً.

وأمّا الإشكال الثاني، فيكون وارداً في المقام، بناء على أن يكون الواجب هو عنوان الرابعة، إذ يقال في المقام: إنّ هذا المكلّف غير قادر على إيجاد الرابعة، إلّا على تقدير أنّه لم يأتِ بالرابعة؛ لأنَّ الرابعة لا تتكرر.

وهنا لا يمكن أن يقال: في مقام تقريب قدرته على الإتيان بالرابعة: بأنّه قادر على الإتيان بها، ولو في ضمن فرد آخر. نعم، هو غير قادر على الإتيان 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بالرابعة في شخص هذا الفرد، ولكنّه قادرٌ على الإتيان بطبيعي الرابعة، ولو في ضمن فرد آخر، وهذا يكفي في مقام القدرة(1)

لكن إنَّما لا يأتي الإشكال، لو قطعنا النظر عن مسألة مانعية الزيادة، وإلَّا فالإشكال مستحكم، حتّى على هذا التقدير.

توضيح ذلك: أنّنا بعد أن برهنّا على أنّ هذا المبنى، حيث إنّه يقتضي سقوط الأمر الضمني الذي، امتثل متعلّقه، وأنّ تمام الأوامر الأخرى، التي لم تمتّثل بعد منصبة على هذا الفرد، ومقيّدة به ولا تبقى على طبيعتها وكليّتها. فحينئذٍ، يقال في المقام: إنّ استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، إنّ لوحظ أثره وهو وجوب ذات الركعة فقط، فهذا الوجوب الضمني يكون مقدوراً، بناءً على أن متعلّقه 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

() وهنا ناقشه بما سبق من أنّه بناءً على هذا المبنى يتشخص الأمر الضمني الباقي وينحصر مصداقه في هذا الفرد … 

قال: وبتعبيرٍ آخر: إنّ الأمر الضمني بالرابعة؛ باعتبار كونه أمراً ضمنياً يكون متعلّقاً دائماً برابعة الثلاثة التي هي محصلة للأوامر الضمنية الأخرى، فإذا فرضنا أنّ الثلاثة المحصلة للأوامر الضمنية الأخرى تشخّصت في شخص هذا الفرد بسقوط أوامرها الضمنية، وخرجت عن كونها كليّة، فلا محالة ينحصر مصداق الأمر الضمني بالرابعة، في خصوص الرابعة بهذه الثلاثة، لا بأيّ ثلاث أخرى؛ لأنَّ ثلاث أخرى لا تكون مصداقاً للأمر الضمني للمولى، بعد أنّ تعيّن بهذه الثلاث، فالأمر بالرابعة يكون أمراً برابعة مقيّدة بهذه الثلاثة، وفي ضمن هذا الفرد. ومن المعلوم إنّ هذا غير مقدور إلَّا على تقدير ألّا يكون قد أتى بالرابعة فيأتي الإشكال إلَّا أنّنا قلنا إنّ هذا الإشكال إنَّما يتسجّل إذا كان الوجوب متعلّقاً بعنوان الرابعة، لا بذات ركعة وركعة … إلخ كما سبق. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ذات الركعة، لا عنوان الرابعة، لكن نحن لا ينبغي أن نلحظ هنا الوجوب الضمني فقط، وإنّما نلحظ تمام الوجوبات الضمنية، التي بعدُ لم تمتثل ليُرى أنّ الجمع بين متعلّقاتها بتمامها مقدور أو غير مقدور؛ لأنَّ مرجع الوجوبات الضمنية إلى وجوب واحد للمجموع، وحينئذٍ يشكّ في القدرة على الجمع بين متعلقاتها؛ لأنَّ تمام الأوامر الضمنية التي بقيت ولم تمتثل منصبّة على هذا الفرد، يعني الأمر بطبيعي ركعة أصبح أمراً بركعة في هذا الأمر، والأمر بعدم الزيادة أصبح أمراً بها في هذا الفرد وجميع الأوامر الضمنية المتعلّق بالأجزاء والشرائط والقواطع والموانع أصبحت بلحاظ هذا الفرد -بناء على ما برهنّا عليه-(1)

وفي المقام عندنا أمران ضمنيان: أمرٌ ضمني بركعة، وهو الذي نريد أن نثبته بالاستصحاب، وأمرٌ ضمني بعدم الزيادة باعتبار مانعيتها عن الصلاة، ونحتمل عدم القدرة على الجمع بين امتثالي هذين الأمرين (2)؛ إذ نحتمل أن يكون إيجاد ركعة الآن مساوق مع الزيادة، فإنّ القدرة على الجمع بين هذين الأمرين فرع أن لم آتِ بالرابعة. فبالآخرة يرجع إلى أنّ القدرة على امتثال هذه الأوامر الضمنية فرع عدم الإتيان بالرابعة.

يعني فرع مطابقة الاستصحاب للواقع. فيعود الإشكال مرةً أخرى بلحاظ مانعية الزيادة.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

() من تخصيص تمام ما بقي من الأوامر الضمنية بلحاظ هذا الفرد. (منه). (المقرِّر).

(2) لاحتمال التنافي الذاتي بين الركعة وعدم الزيادة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فبناءً على هذا يمكننا أنّ نعوّض عن الأصل الموضوعي الفقهي بالالتفات إلى مانعيّة الزيادة. 

المبنى الثالث(1): وإن شئتم قُلتم: إنّ الفرد التام، الصحيح الواجد لتمام الأجزاء والشرائط علّة لسقوط تمام الوجبات الضمنية.

لكن على مبنانا الأوّل يكون علّة حين نهايته، وبناءً على هذا المبنى يكون علّة لسقوطات مؤقّتة حسب عمود الزمان، يكون علّة لسقوط وجوب التكبير في اللحظة الأولى، ووجوب القراءة في اللحظة الثانية.. وهكذا.

وفرقه عن المبنى الثاني أيضاً واضح؛ لأنّه بناءً على هذا المبنى سقوط الوجوب الضمني مشروط بأن يكمل هذا الفرد، أمّا إذا فُرِض أنّه لم يكمل فينكشف أنّه في أوّل الأمر لم يكن هناك سقوط، وأمّا على المبنى الثاني فالسقوط حتمي منجّز أكملنا الفرد الأول أم لا.

غاية الأمر إذا قطعت صلاتي يعود وجوب التكبير بعد الموت.

بناءً على هذا المبنى الثالث، لا يأتي الإشكال الأوّل؛ لأن هذا المؤمن حينما يشكّ في الإتيان بالرابعة، يشكّ في أنّه هل سقط عنه وجوب الإتيان بالرابعة فعلاً – على تقدير أنّه سوف يتشهّد ويسلّم – فإنّه إذا كان قد أتى بها فوجوبها قد سقط، وإلَّا فهو لم يسقط. فوجوب الإتيان بالرابعة ليس محرزاً على كلّ تقدير، فيكون هناك حاجة إلى إحرازه بإجراء الاستصحاب.

وكذلك أيضاً لا يرد الإشكال الثاني بناءً على هذا المبنى أيضاً؛ لأنّه بناءً 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

() وهنا، قرّره كما سبق ثمَّ قال. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

عليه استصحاب عدم الإتيان بالرابعة بنفسه يكون موجباً لبيان أنّ الأمر بالركعة الأولى والثانية والثالثة لا يسقط ما لم يأتِ بالرابعة فعلاً، ومعنى هذا: أنّ المكلّف إذا عصى وخالف بالاستصحاب، وأصالة الاشتغال وصار بناءه على التشهّد والتسليم. في مثل ذلك يكون الثابت عليه هو الأمر بطبيعي الركعة الرابعة، لا الأمر بها في شخص هذا الفرد لكي يلزم الإشكال.

توضيحه: أنّ تحول الأمر بركعة الرابعة من الطبيعي إلى شخص هذا الفرد بحسب النتيجة، فرع سقوط الأوامر الضمنية السابقة، والأوامر السابقة لم تسقط سقوطاً فعليّاً منجّزاً على كلّ حال، كما هو الحال على المبنى السابق، وإنّما تسقط لو فُرِض أنّه أتى بالرابعة؛ لأنّ سقوط كلّ أمر مشروط بالإتيان بتمام الأجزاء إلى آخر الفرد. وهذا الاستصحاب بنفسه يقول: إنّه لم يأتِ بالركعة الرابعة. إذن، فهو ينفي شرط سقوط الأمر الضمني السابق، وبنفيه له ينفي تشخّص الأمر الضمني اللاحق بخصوص هذا الفرد، فيبقى الأمر اللاحق متعلّقاً بطبيعي الركعة الرابعة، لا بالرابعة في هذا الفرد، ومثل هذا يكون مقدوراً لا محالة.

ففرق بين المبنى الثاني والثالث، فإنّه بناءً على الثاني كان الأمر الضمني بالركعات الثلاث الأولى ساقطاً حتماً منجّزاً، واستصحاب عدم الإتيان بالرابعة لا يكشف عن عدم سقوطه؛ لأنّ سقوطه ليس مشروطاً بأن يؤتى بالرابعة، وأمّا بناءً على هذا المبنى فالأمر الضمني للركعات السابقة لا يسقط إلّا مشروطاً، بأن يُؤتى بالرابعة في ظرفها، فباستصحاب عدم الإتيان بالرابعة يثبت 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

أنّ الأمر الضمني بالركعات الأولى لا يسقط إلّا بالإتيان بركعة. وحينئذٍ، فيبقى الأمر الضمني متعلّقاً بالطبيعي ولا يتخصّص في ضمن الفرد.

وبتعبير آخر: إنّ هذا المؤمن لو تشهّد وسلّم بلا أن يأتي بركعة رابعة، يُعلًم أنّه عصى خطاباً استصحابياً مقدوراً له جزماً حينما كان يشكّ، فبناءً على هذا المبنى كلا الإشكالين غير وارد.

وبذلك اتضح أنّ المسألة مربوطة بهذه المباني الثلاثة. فعلى المبنى الأوّل يرد الإشكال الأوّل ولا موضوع للإشكال الثاني، وعلى المبنى الثاني يرد الثاني ولا محل للأول، وعلى المبنى الثالث لا يرد كلا الإشكالين.

بيان ما هو الحقّ من هذه المباني الثلاثة

تكميلاً(1) لهذه المسألة يبيّن ما هو الحق من هذه المباني الثلاثة، حتّى تكون مسألة أصولية قائمة بذاتها.

وحينئذٍ، يقال: إنّ الحق من هذه المباني الثلاثة هو المبنى الثالث، وهو أنّ الوجوب الضمني لا يسقط بالإتيان بمتعلّقه خارجاً.

وهذا بناءً على ما هو الصحيح عندنا من إنكار سقوط الوجوبات النفسية الاستقلالية أيضاً بالامتثال في غاية الوضوح. فإنّ أصل وجوب الصلاة بعد الانتهاء من الصلاة لا يسقط فضلاً عن الوجوبات الضمنية؛ لأنّنا نميّز بين الفعلية والفاعلية، ونقول: بأنّ الامتثال مُسقِط لفاعلية الوجوب لا لفعليته، بناءً عليه يكون دعوى ذلك في الواجبات الضمنية في غاية الوضوح.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً نتائج المحاضرة السابقة:( المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وأمّا بناءً على التقدير الآخر، وهو أنّ الوجوبات النفسية الاستقلالية تسقط بالامتثال، بدعوى أنّ بقاءها بعد الامتثال يلزم منه تحصيل الحاصل والبعث نحوه وهو غير معقول. بناءً على هذا يتطرّق البحث في أنّ حال الوجوب الضمني لعلّه حال الاستقلالي، بمعنى: أنّ نفس البرهان الذي اقتضى في الاستقلالي السقوط بالامتثال يأتي بلحاظ البعث الضمني، ومن هنا يمكن الالتزام بالسقوط الذي هو المبنى الثاني بصيغته أو صيغة المبنى الثالث.

وجوه للبرهنة على عدم سقوط الواجبات الضمنية

إلَّا أنّ الصحيح في المقام عدم السقوط وعدم صحّة هذا التخيّل، وأنّ برهان تحصيل الحاصل يقتضي السقوط، وذلك لوجوه: بعضها تُبرهن على عدم السقوط، وتحلّ مغالطة تحصيل الحاصل، وبعضها تُبرهن على عدم السقوط فقط.

الوجه الأوّل: يبرهن على عدم سقوط الوجوبات الضمنية ويحلّ شبهة تحصيل الحاصل

هو أن تخيّل مجيء شبهة تحصيل الحاصل في المقام مبنيٌ على تصوّر خاطئ للوجوبات الضمنية، فإنّنا اعتدنا استعمال هذه الكلمة الموجبة بأنّ هناك وجوبات متعدّدة حقيقة، غاية الأمر أنّها مترابطة فيما بينها في عالم الجعل ومجعولة بجعل واحد. وحينئذٍ، بناءً على هذا التعدّد الواقعي تتطرّق شبهة تحصيل الحاصل، وأنّ الإتيان بالتكبير يوجب كون بقاء هذه الحصة من البعث التي كانت متعلّقة بالتكبير تحصيلاً للحاصل.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ولكنّنا حققنا في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين، وفي بحث التعبّدي والتوصّلي أنّ الوجوب والبعث الواحد يستحيل أنّ يتعلّق بأشياء كثيرة بما هي كثيرة؛ لأنّ وجوب البعث والطلب موجود بعين وجود البعث والطلب لا يوجد زائد عليه، فكما أنّ المعلوم بالذات موجود بعين وجود العلم، وهكذا تمام الصفات النفسية ذات الإضافة، كذلك متعلق الطلب موجود بعين وجود الطلب، فيستحيل وحدة البعث مع كون المتعلّق كثير بما هو كثير؛ لأنّ الكثير بما هو كثير يستحيل أن يكون واحداً بما هو واحد. فالبعث الواحد حينما يتعلّق بأمور كثيرة بما هي كثيرة، يجب أن تتخّلى هذه الأمور عن كثرتها وعن حدودها الذاتية، فهذا المركّب لا بُدّ في مقام أن يلبس بعثاً واحداً، أن يلبس نوعاً من الوحدة التي قد تسمّى بالوحدة الاعتبارية.

وحينئذٍ(1) ففي أفق نفس المولى الذي هو أفق البعث والطلب، يكون المتعلق واحداً، وفي هذا الأفق يستحيل أن يوجد بما هو كثير، بل بما هو واحد، فليس في هذا الأفق إلّا بعث واحد حقيقة ومتعلّق له واحد حقيقة. نعم، هذا البعث والتعلّق يمكننا أن ننقله من عالم وجوده الحقيقي إلى عالم ذهننا وتصوّرنا، فنحلله ونقشّره عن ثوب الوحدة، فتبدو لنا كثرة كثيرة وكلّ واحد منها متعلّقاً لبعث قائم بذاته حتّى همزة (الله أكبر)، فضلاً عن كلّ الكلمة.

ــــــــــ[101]ــــــــــ

() وبعد فرض أنّ البعث المتعلّق بالكل بعث واحد، كما هو معنى الوجوبات الضمنية. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إلَّا أنّ هذه البعوث الكثيرة في الواقع ليس لها أي وجود في عالم البعث، وهو العالم الحقيقي للبعث، تماماً من قبيل الأجزاء التي تقع في الحد كالفصل والجنس العالي والسافل، فإنّها ليست موجودة في عالم خارجية الإنسان، وإنّما هناك شيء واحد حقيقة، غاية الأمر أنّ هذا الشيء الواحد يأتي إلى أفق الذهن فيحلّله وينزع عنه ثوب الوحدة فيرى أموراً كثيرة، فهي أمور كثيرة في لوح التحليل لا في لوح الواقع، وهو نفس المولى(1)، بل هناك بعثٌ واحد نحو مبعوث إليه واحد، وبهذا لا يتحدّد البعث ولا يتحصّص، فيكون هناك بعث نحو هذا الجزء وبعث نحو ذاك الجزء، ليقال أنّه إذا أتى بأحد هذه الأجزاء يكون بقاء الأمر المتعلّق به تحصيلاً للحاصل.

فهذا كلامٌ غير فنّي مبني على عدم تعقّل الواجبات الارتباطية(2).

بناءً على هذا البيان عدم السقوط لا محالة، وتنحلّ شبهة تحصيل الحاصل(3)؛ لأنَّه بعث واحد ومتعلّقه واحد، وهذا الأمر الواحد لم يتحقّق حتّى 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() وليست هناك وجوبات ضمنية في لوح الطلب والبعث بها. (منه). (المقرِّر).

(2) وهنا قلت له: طبعاً المولى تصوّر الأجزاء الكثيرة، ثُمَّ انتزع منها عنواناً واحداً فأمر به، فمن المناسب أن هذا الأمر يسري إلى تلك الأجزاء، التي تصوّرها.

فقال: صحيح أوّل الأمر تصوّر أموراً كثيرة، رأى أن المصلحة تترتّب على وجودها، ثُمَّ ألبسها ثوب الوحدة في تصوّره، تصوّرها بما هي فوج أو جيش أو مجموع، وطلبها، وهذا التصوّر ماعت الأفراد وذابت الوحدات. (المقرّر).

(3) وليس هناك وجوبات ضمنية كثيرة في عالم نفس المولى، حتّى يقال بأنَّ بقاءه بعد الإتيان بالتكبير تحصيل للحاصل. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الآن، فإنَّ أمره دائرٌ بين الوجود والعدم، وهو حتّى الآن معدوم ولم يتحقق، ولا بُدّ للوجوب من أن ينتظر حتّى يتمّ تمام هذا الأمر الواحد. 

الوجه الثاني: يبرهن على عدم السقوط ويحلّ شبهة تحصيل الحاصل

بعد فرض التنزّل عن الوجه الأوّل والغفلة عن برهان استحالة تعلّق البعث الواحد بالأشياء الكثيرة بما هي كثيرة، ويفرض إمكان ذلك، وفي هذا البيان نستعين بأصل (1) موضوعي لا نتكلّم عن صحّته، ونوكله إلى بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

وحاصل الأصل الموضوعي: أنّ كلّ وجوب ضمني متعلّق بالجزء المقيّد بالانضمام إلى سائر الأجزاء، بحيث إنّ التقيّد بسائر الأجزاء مأخوذٌ في متعلّق الأمر الضمني، فالتقيّد يكون مأخوذاً في كلّ جزءٍ جزء، ومتعلّق الأمر الضمني هو الحصّة الخاصّة، يعني بعد التنزل عن الوجه الأوّل، وفرض أنّ الكثير بما هو الكثير يدخل عالم البعث، فكلّ واحد من هذه الكثرة نال حصّة من هذا البعث. فنفترض هنا، بأنّ كلّ واحد من الوجوبات والبعوث الضمنية، ليس متعلّقاً بذات الجزء على الإطلاق، بل الجزء المقيّد بأن يكون مع سائر الأجزاء، أي بالحصّة الخاصّة.

على هذا الضوء لا بُدّ أن نرى أنّه هل تأتي شبهة تحصيل الحاصل أو لا تأتي؟ إذا لاحظنا الأمر الضمني المتعلّق بالحصّة الخاصة بما هي خاصّة، فلا يلزم 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

() فيكون هذا برهان عند من يسلّم بالأصل الموضوعي. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

تحصيل الحاصل، فإنَّ الحصّة الخاصّة بعدُ لم توجد، فإنّها(1) دخل فيها التقيّد بنحو المعنى الحرفي، والتقيّد فعليّته بفعلية الطرفين لا محالة، فما لم يكن الطرفان فعليين لا يكون التقيّد فعلياً، لا تكون الحصّة الخاصّة فعلية(2).

نعم يضطر صاحب هذا المبنى إلى الالتزام بالتجزؤ هنا أيضاً، فيقول: الأمر بالحصّة الخاصّة هو في الواقع أمرين ضمنيين: أمرٌ بذات الشيء وأمرٌ بالتقيّد، ومن المعلوم إنّ مثل هذه التجزئة أوضح بطلاناً من تلك التجزئة، وأوضح تحليلية منها؛ لأنَّ التقيّد بها هو معنى حرفي، له وجود وليس للمولى له التفات إلّا بنحو الاندكاك في ذات المقيّد، والمولى حينما يطلب المقيّد بما هو مقيّد لا يرى شيئين، بل شيئاً واحداً، وإنّما نجزّئه إلى شيئين في عالم التحليل الذهني.

البيان الثالث(3): يبرهن على عدم السقوط دون أن يحل شبهة تحصيل الحاصل

وحاصله: أنّ سقوط الوجوب له معنيان:

 أحدهما: سقوط الجعل ويراد به النسخ. وأخرى: سقوط المجعول ويراد به انتفاء بعض قيوده؛ لأنَّ المجعول لا ينتفي إلّا بانتفاء بعض قيوده، فهنا حينما 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() لأنَّ الوجوب الضمني للتكبير لم يتعلّق بذات التكبير، حتّى يقال أنّ متعلّقه تحقّق في الخارج إلخ. (منه). (المقرِّر).

(2) فتقيد الوجوب الضمني أمرٌ معقول، ولا بدَّ منه؛ لأنّه لا يمتثل إلَّا بانتهاء المركّب. (المقرّر).

(3) الوجه الثالث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

يُقال: أنّ وجوب التكبير يسقط بالإتيان به لا يراد به نسخه، بل لا بُدّ أن يُراد به سقوط المجعول، ومن المعلوم إنّ المجعول يستحيل أن يسقط إلّا باختلال بعض قيود موضوعه. 

إذن، فسقوط الوجوب الضمني المتعلّق بالتكبير معناه: أنّ بعض قيوده قد اختلّت فما هو هذا القيد؟ هو عدم الإتيان بأن يُفرض أنّ عدم الإتيان بالتكبير قيدٌ من قيود الموضوع، وقد اختلّ بالإتيان بالتكبير؛ ولهذا سقط وجوب التكبير.

فهنا نسأل: أنّ عدم التكبير هل يُؤخذ قيداً في موضوع الوجوب الضمني أو في موضوع الوجوب النفسي الاستقلالي المتعلّق بالمركّب كلّه؟ 

إن اخترتم الأوّل: وإن عدم التكبير مأخوذٌ في موضوع الوجوب الضمني للتكبير، وعدم القراءة في موضوع الوجوب الضمني لها وهكذا كلّ وجوب ضمني يُؤخذ فيه عدم الإتيان بمتعلّقه. إنَّ قلتم هكذا فمعناه أنّكم فرضتم للوجوبات الضمنية استقلالية؛ لأنَّ كلّ وجوب ضمني أصبح له موضوع مقدر الوجود مباين مع الموضوع المقدّر الوجود بالنسبة إلى الوجوب الضمني الآخر، ومن المعلوم إنّ القضية الحقيقية متقوّمة بموضوعها المقدّر الوجود فتتعدّد القضية الحقيقية، بتعدّد موضوعها المقدّر الوجود، وإذا تعدّدت القضية الحقيقية، فمعناه تعدّد الجعل؛ لأنّنا لا نريد من الجعل إلّا القضية الحقيقية. إذن، فهناك جعل متعدّد، غاية الأمر أنّها جمعت في مقام الخطاب أو الإنشاء، وهذا يخرجه عن كونه وجوباً ضمنياً، ويصيّرها واجبات استقلالية.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فلم يبقَ أمامكم إلّا اختيار الشق الثاني: وهو أنّ عدم التكبير يُؤخذ قيداً في أصل الوجوب النفسي الاستقلالي، فيؤخذ في موضوع هذا الوجوب، عدم القراءة وعدم الركوع وعدم السجود، فبمجرّد أن يكبّر يسقط الوجوب النفسي الاستقلالي، وهو خُلف؛ لأنَّ المفروض أنّ الساقط هو الوجوب الضمني (1)، وأما وجوب باقي الأجزاء فيبقى على حاله لا محالة، فيستحيل تصوّر القيديّة هنا، وتصور السقوط(2).

الوجه الرابع: في مقام البرهنة على إبطال السقوط

وهنا نلحظ المبنى الثاني وهو السقوط المحتم المنجّز، بأنَّ يقال في المقام: إنّ المولى حين أمر بركعات أربعة، وهذا المؤمن صلّى ثلاث ركعات، فقد سقط الأمر بالركعات الثلاث، وأمّا الأمر بالركعة الرابعة فقد بقي على حاله، نحن نسألكم أنّ الأمر بالركعة الرابعة يتعلّق بماذا؟ عقلاً لا يخلو أمر هذا الأمر الضمني من أمورٍ ثلاثة: إمّا أن يكون متعلّقاً بطبيعي الركعة الرابعة، وإمّا أن يكون متعلّقاً بها في شخص هذا الفرد، وإمّا أن يكون ساقطاً مواساةً لسقوط 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

() لأنكم تقولون بالسقوط التدريجي وليس الدفعي بمجرد التكبير. (منه). (المقرِّر).

(2) وهنا قلت: إنَّ هذا الإشكال لا يرد؛ لأنَّ الواجب هو الحصّة، بقيد أنّه يأتي بعده سائر الأجزاء، فحين ينتهي من صلاته يبدو أنّه سقطت جميع الأجزاء؟

فقال أحد الإخوان مجيباً: يعني بعد أن انتهى ينكشف أنه كان ساقطاً من أوّل الأمر.

قلت: نعم لا بأس. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الأوامر السابقة عليه، فيسقط قبل أن يمتثل. واثنان من هذه الصوّر الثلاث غير معقول، وواحد منها خلاف الوجدان.

وذلك: وهو أن يكون الأمر بالرابعة يكون متعلّقاً بطبيعي الركعة الرابعة، الجامع بين رابعة هذا الفرد ورابعة فردٍ آخر، فهذا غير معقول.

وذلك؛ لأنَّ الأمر بالرابعة حيث إنّه ضمني فهو أمرٌ برابعة لثلاث محقّقة للأوامر الضمنية السابقة وامتثالاً لها لا برابعة لا تكون امتثالاً لها، وحينئذٍ، فقبل أن يبدأ بالعمل، فحيث إنّ محقّق الأوامر الضمنية السابقة كلّي في نفسه، إذن، فالرابعة أيضاً كليّة، بتبع كليّة الركعات الثلاث المحقّقة للأمر الضمني السابق. ولكن: بعد أن يأتي بركعات ثلاث فالمفروض أنّ محقّق الأوامر الضمنية قد تحقّق وتعيّن؛ لأنكم تلتزمون بسقوط الأوامر السابقة، ومعنى سقوطها: أنّ المولى لم يبقَ له أمرٌ بجامع الثلاث الأولى، بل تعيّنت عنده بهذه الركعات التي أوتي بها. إذن، فرابعتها أيضاً تكون متعيّنة لا محالة، بتبع تعيّن محقّق الأوامر الضمنية الأولى وهو الركعات الثلاث السابقة.

إذن، فيستحيل أن يكون الأمر بالرابعة متعلّقاً، بطبيعي قابل للامتثال في ضمن رابعة فرد آخر، إذ تلك تكون رابعة غير الثلاث المأخوذ بها بالأوامر الضمنية السابقة، وهذا خلاف الضمنية.

إذن، فبقاء الأمر بالرابعة متعلّقاً بالطبيعي مع تشخص الأوامر الضمنية الأولى أمرٌ غير معقول.

يبقى أن نقول: إنّه -من باب المواساة- معه قبل أن يؤتى بالرابعة، هذا أيضاً غير معقول؛ لأنّه يلزم أن يكون الأمر بالرابعة غير قابل للمحرّكية والبعث؛ لأنّه 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

سوف يسقط قبل أن يمتثل، وجعل أمراً غير قابل للمحركيّة غير معقول.

يبقى شقٌ واحد معقول، وهو أن يتشخص الأمر بالرابعة -برابعة هذا الفرد-، ولهذا قلنا فيما سبق: هو إنّ لازم مبنى السقوط، هو أن يتشخّص الأمر بالرابعة في هذا الفرد، ومعناه: أنّ الأمر بالرابعة يكون عند المولى متعلّقاً بهذا الفرد، وهذا خلاف الوجدان -وإن كان معقولاً- فإنَّ الوجدان(1) قاضٍ بأنَّ المكلّف بعد أن يبدأ بالواجب الارتباطي تبقى المولى نسبته إلى هذا الفرد وإلى غيره على حدٍ سواء، ولا يتخصّص محبوبه في خصوص رابعة هذا الفرد، بل يبقى محبوبة على كليّته وطبيعيّته.

ولا يمكن بقاء محبوبه على كليّته، إلّا بأنَّ يلتزم بأنّه لم يسقط شيء منه أصلاً، وأنّ تمام الوجوبات الضمنية لم تسقط والتشخّص في عالم الامتثال، ولا تتعيّن إلى آخر الامتثال.

هذا هو الوجه الرابع في مقام البرهنة على إبطال السقوط.

تلخيص وتحصيل

كان الكلام في إجراء استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة في أثناء العمل، وقلنا إنّ تقريب هذا الاستصحاب يكون على أساس أحد اتجاهين:

الاتجاه الأوّل: هو الذي يفلسف كلّ استصحاب عدم للمأمور به بأنّه 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() لأنَّ كلّ إنسان يرجع إلى وجدانه في مطلوباته الارتباطية، فإنَّه يرى أنه بشروع صديقه أو جاره أو عبده في الواجب الارتباطي لا يتشخص طلبه في خصوص إكمال هذا الفرد، بل تكون نسبته إلى هذا الفرد وإلى بقية الأفراد على حدٍ واحد. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

يجري بلحاظ إثبات أثر شرعي مترتّب على عدم الإتيان، وهو، بناء الوجوب. وقد تمّ الكلام على هذا المبنى.

الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه القائل بتقريب استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به، لا بلحاظ أنّ عدم الإتيان بالمأمور به يكون موضوعاً لحكم شرعي، بل من دون حاجة إلى إرجاع للمتعلّقات إلى الموضوعات يجري الاستصحاب في المتعلّق.

توضيح الحال في هذا الاتجاه، هو أنّنا إذا شككنا أنّنا هل تصدقنا أم لا؟ صاحب هذا الاتجاه يقول -خلافاً للمبنى الأوّل الذي يرجع استصحاب عدم الصحّة إلى ترتيب أثر عليه، وهو بناء الوجوب-: أنّني لا أرجع عدم الصدقة إلى موضوع لحكم شرعي؛ لأنّي لا أرى كون عدم الصدقة موضوعاً لحكم شرعي، فإنَّ الصدقة متعلّق لحكم شرعي هو الوجوب، وتكون الصدقة امتثالاً لا موضوعاً يترتّب عليه الوجوب. وأمّا عدم الإتيان بالصدقة فهو ليس قيداً مأخوذاً في موضوع الوجوب لا في مرحلة الحدوث، ولا في مرحلة البقاء؛ لما أشرنا إليه من أنّ الصحيح أنّ الحكم لا يسقط بامتثاله، وإنّما الذي يسقط بالامتثال فاعلية الوجوب لا فعليته. إذن، فالصدقة وجوداً وعدماً لا يتصوّر أن يكون موضوعاً لحكم شرعي، بل هي متعلّق للحكم الشرعي.

فإذا أردنا أن نستصحب عدم الإتيان بالصدقة، لا يلزم على أساس الاتجاه الثاني أن نحوّل المتعلّق إلى موضوع.

 فنقول: بأنَّ عدم الصدقة موضوع لبقاء وجوب الصدقة، كما كان على 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاتجاه الأوّل -لكن نصحح إجراء استصحابها- فنجري هذا الاستصحاب من دون أن نفترض كونه موضوعاً لحكم شرعي اسمه بقاء وجوب الصدقة.

والوجه في إجراء مثل هذا الاستصحاب هو: أنّ المولى كما أنّ له سلطان في دائرة موضوعات الأحكام الشرعية، فيمكن في حالة الشكّ في وجود الموضوع أن يتعبّد بوجوده أو بعدمه، كذلك أيضاً له سلطان في عالم امتثال الأحكام الشرعية، فيمكن له في حال الشكّ به أن يجعل البراءة بمعنى التعبّد أنّه قد امتثل أو بأيّ لسان من الألسنة، ويمكنه أن يحكم بوجوب الاحتياط بأي لسان من الألسنة. فإذا حكم بالبراءة كما هو الحال في قاعدة الفراغ، فيكون حكمه حاكماً على أصالة الاشتغال الجارية لولا حكم الشارع بالبراءة؛ لأنَّ العقل يحكم في موارد الشكّ في الامتثال بوجوب الاحتياط، ما لم يحكم الشارع بالبراءة. وإذا حكم الشارع بالاحتياط فيكون هذا مؤكّداً لأصالة الاشتغال الثابتة بحكم العقل.

إذن، فعالم الشكّ في الامتثال بحدّ ذاته عالم يمكن أن يُجعل فيه البراءة والاحتياط قبل الشارع، تبعاً لأغراضه الواقعية من دون حاجة إلى إرجاع باب الشكّ في الامتثال إلى باب الشك في الموضوعات، وسوف يأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء الله تعالى في تنبيه مستقلّ إذا وفقنا لعقده.

بناءً على هذا يقال: أن استصحاب عدم الإتيان بالصدقة يكون جارياً لا بلحاظ إثبات فعلية الوجوب، فإنّها لا يحتمل سقوطها بالامتثال، بل باعتبار أن هذا الاستصحاب مرجعه إلى أن المولى يوجب على المكلّف أن يتحرّك كما لو 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

كان متيقّناً من عدم الامتثال، فيكون إيجابه للحركة هنا مؤكّداً لأصالة الاشتغال لا محالة، ولحكم العقل بوجوب الاحتياط، بلا حاجة إلى تعسّف في مقام إرجاع المتعلّقات وأعدامها، إلى الموضوعات وأعدامه.

هذا هو الاتجاه الثاني. نتكلّم أنّه بناءً عليه هل يجري استصحاب عدم الإتيان بالرابعة أو لا؟

كان عندنا -بناءً على الاتجاه الأوّل- إشكالان على هذا الاستصحاب:

الإشكال الأوّل: هو أنّ الوجوب الضمني ليس كالاستقلالي بحيث يسقط بامتثاله، بل الضمني لا يحتمل سقوطه إلى حين الانتهاء من العمل. هذا الإشكال لا يأتي في المقام كما هو واضح (1). إذ في المقام لا نريد أن نستصحب عدم الإتيان بالرابعة؛ لأجل أن نتعبّد ببقاء الوجوب الضمني، بل استصحابها باعتبار كون الإتيان بالرابعة متعلّقاً للوجوب، لا بلحاظ كونه موضوعاً لبقاء الوجوب. فليكن الوجوب معلوم البقاء، حتّى بعد الإتيان بالرابعة، فإنّنا لا نستصحب عدم الإتيان بالرابعة؛ لأجل أن نثبت بقاء وجوبها، بل لأجل أن ننجز مفاد أصالة الاشتغال من قبل الشارع على المكلّف، فيكون مرجع هذا الاستصحاب إلى أن المولى يحكم على العبد بوجوب أن يتحرّك كما لو كان علماً بعدم الامتثال، وهذا معناه تأكيد أصالة الاشتغال من دون نظر للاستصحاب إلى إبقاء الوجوب وعدم إبقاءه، حتّى يشكل أنه غير محتمل السقوط. فالإشكال 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

() حتّى لو اخترنا المبنى الأوّل الصحيح، وهو أنّ الوجوب الضمني لا يسقط بالامتثال، بل يبقى إلى نهاية العمل. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الأوّل لا يرد بناء على هذا الاتجاه على جميع المباني السابقة حتّى على المبنى المختار.

وأما الإشكال الثاني، وهو: ان استصحاب عدم الإتيان بالرابعة ينتج التعبد بوجوب يشك في القدرة عليه، وهو وجوب الرابعة، فإنَّ المكلف لا يقدر على الإتيان بها إلّا إذا لم يكن قد أتى بها، وهو شاك أنه أتى بها أو لا؟ هذا الإشكال أيضاً لا يأتي.

وتوضيح ذلك: تارةً نقول: أن الوجوب الضمني المتعلق بالرابعة لا يتشخص بخصوص هذا الفرد كما هو كذلك بناءً على المبنى الأوّل، وعلى بعض تقديرات السقوط أيضاً بل يبقى الأمر الضمني متعلّقاً بطبيعي الرابعة بناء على هذا فهذا الإشكال لا يأتي في المقام كما هو واضح؛ لأنَّ طبيعي الرابعة مقدور للمكلّف ولو في ضمن فردٍ آخر، كما لم يكن هذا الإشكال بناءً على عدم التشخّص وارداً على الاتجاه الأوّل أيضاً.

وأما إذا قلنا إنّ الأمر الضمني بالرابعة هنا يتشخّص بخصوص هذا الفرد تبعاً لسقوط الأوامر الضمنية الأولى على ما بينّا من الملازمة بين دعوى السقوط والتعيين، هنا إن فرض أنّ صاحب هذا المبنى يلتزم أنّ هذا الأمر الضمني الذي انحصر امتثاله في خصوص هذا الفرد يكون قابلاً للتنجيز في نفسه وللمعاقبة عليه، بحيث لو أنّ المكلّف – بقطع النظر عن حرمة قطع الصلاة- أراد أن يقطع صلاته ويأتي بفرد آخر، مع هذا يعاقب؛ لأنّه كان مأموراً بالرابعة في شخص ذلك الفرد ولم يأتِ بها. فحينئذٍ، تأتي شبهة الإشكال الثاني حيث يقال: إنّ استصحاب عدم الإتيان بالرابعة يقول للمكلّف: اعمل ما كان يتنجّز عليك 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لو كنت على يقين من عدم الإتيان بالرابعة، واليقين كان يقتضي منه الإتيان بالرابعة في شخص هذا الفرد، والمفروض أنّه يشكّ بقدرته على الإتيان بالرابعة في تشخّص هذا الفرد.

وأمّا إذا فُرِض أنّ صاحب مبنى السقوط التزم بباطل مع باطل وقال: بأنَّ هذا الأمر الذي تشخّص وتعيّن في هذا الفرد، إنَّما تعيّن من باب اضطرار المولى، فإنَّ المولى بعد أن سقطت أوامره الضمنية الثلاثة الأولى، لا بُدّ وأن يتشخّص أمره في هذا الفرد- وإلَّا فهو ليس أمراً قابلاً للتنجيز. وأمّا المنجّز عليه فهو الجامع الذي يقوم به الملاك، وإن كان المولى -مثلاً- يكون مضطّراً إلى تشخيص الأمر وتعيينه.

إذا قيل هكذا فنتيجته نتيجة عدم التشخيص بحسب الحقيقة، ويصير جريان استصحاب عدم الإتيان بالرابعة معقولاً.

هذا هو حاصل الكلام بناءً على الاتجاه الثاني. وحيث إنّ هذا الاتجاه الثاني هو الصحيح وحيث أنّ الصحيح هو عدم تشخّص الأمر الضمني المتعلّق بالرابعة، ولهذا فالإشكالان كلاهما غير واردين، واستصحاب عدم الإتيان بالرابعة صحيح، ويمكن إجراؤه تأكيداً لمفاد أصالة الاشتغال(1).

هذا كلّه في الكلام بناءً على روح (الكفاية).

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: العمدة هو أنّ المبنى الثاني هو الصحيح، وأمّا أنّ الصحيح هو الاتجاه الثاني فليس له أثر. 

فقال: نعم. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الكلام الثاني: التمسّك بالاستصحاب لإثبات وجوب ركعة منفصلة

حيث إنّنا قلنا في بداية الأمر: إنّنا تارةً نتكلّم في إجراء استصحاب عدم الإتيان بالرابعة؛ لأجل إثبات ركعة متّصلة، بقطع النظر عن قاعدة البناء على الأكثر، وأخرى، نتكلّم بروح الركعة المنفصلة، وأنّنا نجري استصحاب عدم الإتيان بالرابعة؛ لأجل أن يترتّب عليه وجوب ركعة منفصلة، وهذا هو مبنى الميرزا، الذي قرأناه سابقاً في تنقيح إشكالات الرواية.

فإنّه ذكر في مقام تصحيح استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، أنّ هذا الاستصحاب يجري؛ لأجل تنقيح موضوع وجوب الركعة المنفصلة، بدعوى: أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ وجوب الركعة المنفصلة أُخذ في موضوعه مركب جزئين(1): الأوّل، عدم الإتيان بالرابعة، والآخر، أن يكون هذا العدم مع الشكّ في أنّه أتى بها أو لا؟ فكلّ من لم يأتِ بالرابعة، وهو شاك أنّه أتى به فيجب عليه ركعة منفصلة.

وحينئذٍ، فيقال: إنّ هذا المؤمن أحد جزأي الموضوع ثابت عنده بالوجدان، وهو الشكّ في أنّه أتى أو لم يأتِ، وأمّا الجزء الآخر، وهو أنّه أتى واقعاً أو لم يأتِ، فهو يستصحب عدم الإتيان واقعاً، وبضمّ هذا الاستصحاب إلى ذاك الوجدان يتنقح موضوع وجوب الركعة المنفصلة، فيترتّب على ذلك وجوبها.

هذا الاستصحاب يشبه الاستصحاب، الذي كنّا نبحثه بناءً على الاتجاه الأوّل، من حيث إنّه استصحاب لعدم الإتيان بالركعة الرابعة من باب كونه 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() مركّب. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

موضوعاً لحكم شرعي، لكن يختلف عن ذاك من ناحية: وهي أنّ ذاك الاستصحاب الذي كنّا نبحثه على الاتجاه الأوّل، كان مبنياً على أنّ عدم الركعة الرابعة مأخوذ في وجوب الركعة بقاء على القاعدة، من باب أنّ كلّ وجوب أُخذ في بقائه عدم امتثاله قيداً. فتلك القيديّة المدّعاة على الاتجاه(1) الأوّل كانت على القاعدة، وليست من باب دليل خاص، فإذا شككنا في الإتيان بالمتعلّق يجري استصحاب عدم الإتيان بمتعلّقه، لإثبات بقاء الوجوب، فتلك القيدية على القاعدة وقد ناقشنا تلك القاعدة. 

وأمّا هنا، فقيديّة عدم الإتيان بالرابعة وأخذها في الموضوع، لا يدّعي الميرزا أنّه على القاعدة، بل باعتبار دليل خاص دلّ على أنّ من لم يأتِ بالرابعة وكان شاكّاً انقلبت وظيفته من ركعة متّصلة إلى منفصلة، فعدم الإتيان بركعة متصلة يكون موضوعاً لوجوب ركعة منفصلة، وبهذا اختلف هذا عن ذاك الاتجاه وإبطال ذاك الاتجاه، لا يوجب إبطال هذا الكلام، فيحتاج إلى استئناف حديث فيه.

وهنا(2) لابدَّ أن نبحث عن أن هذا الكلام -بقطع النظر عن كونه توجيهاً للصحيحة الثالثة، بحيث يعتبر نفس الصحيحة دليلاً عليه- صحيح أو ليس بصحيح.

الفرضية الأولى: بناءً على تصوّر ملاك واحد للأمر بالصلاة

وتحقيق الحال في ذلك: أنّه تارةً يُفرّض أنّ هناك ملاكاً واحداً لزومياً، هو 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() في روح الكفاية. (منه). (المقرِّر).

(2) لخّص أوّلاً: ما كان قد ذكر بناءً على روح الميرزا. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ملاك الصلاة، ويحصل تارةً بأربع ركعات متّصلة، ويحصل أخرى بأربع ركعات رابعتها منفصلة، مثل أن يكون هناك ملاكاً لزومياً واحداً تارةً يحصل بصلاة القصر، وأخرى بصلاة التمام، فتكون الأربع ركعات ذات الرابعة المنفصلة محصّلاً لذلك الملاك، لكن في حالة: أن يطرأ على المكلّف بعد الانتهاء من الثالثة، وقبل الإتيان بالرابعة في أنّه هل أتى بالرابعة أو لا؟ وأمّا في غير هذه الحالة فيكون المحصّل للملاك أربع ركعات كلّها متّصلة.

إذ تصورنا الأمر هكذا، فلا بُدّ أن يتعلّق الأمر من أوّل الأمر بالجامع بين الفردين، بين أربع ركعات رابعتها متّصلة وأربع رابعتها منفصلة، غاية الأمر إنَّ كلّ من هاتين الأربعتين تقيّد بأنَّ تكون في حال مخصوص، فالأربع التي رابعتها منفصلة تقيّد في حال الشك، والأربع التي تكون رابعتها متّصلة تقيّد بأن لا تكون في حال الشكّ. فالشك وعدم الشك يؤخذ قيداً في مصاديق الواجب، ويكون هناك وجوب واحد متعلّق بالجامع بين الأربعتين متوّجه إلى طبيعي المكلّف.

والوجه في ذلك واضح، حيث إنّ هذا الوجوب ليس إلّا بلحاظ الملاك، والمفروض أنّ نسبة الملاك إلى كلّ من الأربعتين بقيودهما على حدٍّ واحد. إذن، فمثل هذا الملاك لا يستدعي من المولى إلّا إيجاباً يكون نسبته إلى كلتا الأربعتين على حدٍّ واحد.

وحينئذٍ، بناءً على هذا لا يعقل فرضية الميرزا، وهو أن تكون عدم الإتيان بالركعة الرابعة مأخوذاً في موضوع أمر من الأوامر، حيث إنّه لا يوجد إلّا وجوب واحد ثابتٌ من أوّل الأمر، وهو متعلّق بالجامع بين الصلاة الانفصالية 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

والاتصالية، وموضوع هذا الوجوب الواحد ليس هو من شكّ أو لم يشك، بل موضوعه هو طبيعي المكلّف البالغ العاقل الجامع للشرائط العامّة. وحينئذٍ، فلا يُتصوّر كون عدم الركعة الرابعة موضوعاً لوجوب آخر وراء هذا الوجوب. إلّا بأن يلتزم بوجوب نفسي استقلالي له ملاك آخر استقلالي للركعة الرابعة المنفصلة، وهذا خلاف المفروض، فإنَّ المفروض أنّنا نتكلّم بلحاظ الوجوب النفسي الصلاتي، لا بلحاظ وجوب استقلالي آخر لا يدّعيه الميرزا.

فبناءً على هذا لا يصحّ لنا إجراء استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة بلحاظ كون عدم الإتيان بها موضوعاً لوجوب، بل لا بُدّ وأن نجري هذا الاستصحاب بنفس روح الاتجاه الثاني. يعني: نجريه من باب استصحاب عدم الإتيان بالمتعلق لا من باب أنه موضوع لوجوب الركعة المنفصلة – لأنَّ هذا المؤمن يشكّ أنّه هل أتى برابعة اتصالية أو لا، الذي هو أحد فردي الجامع- فيستصحب عدم الإتيان بالرابعة الاتصالية، فيكون جريان الاستصحاب من باب أنّه لم يأتِ بالمتعلّق؛ لأنّه من باب أنّه تنقيح لموضوع وجوب مترتّب عليه شرعاً؛ لأنَّ الوجوب تعلّق بالجامع من أوّل الأمر.

هذا كلّه بناءً على أن نتصوّر ملاكاً واحداً للأمر بالصلاة، وهو نسبته إلى الركعة الاتصالية والانفصالية على حدٍ واحد.

الفرضية الثانية: بناءً على تصوّر ملاكين في باب الصلاة

وأخرى نتصوّر فرضاً آخر، وهو أنّ المولى له ملاكين في باب الصلاة، أحدهما: لا يحصل إلّا بالوجود الأوّل من أربع ركعات اتصالية، وأمّا الأربع 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الانفصالية فهي غير محصّلة لهذا الملاك أصلاً، غاية الأمر أنّ من ابتلي بالشكّ في الإتيان بالرابعة. هذا الشك يوجب تعجيزه تكويناً عن تلك المرتبة من الملاك، بحيث لا يتمكّن مع الشكّ من تحصيل ذاك الملاك لا بإتيان ركعة متصلة ولا بإتيان ركعة منفصلة، ولا بأنَّ يقطع صلاته ويأتي بصلاة أخرى اتصالية. فمجرّد حدوث الشك عنده يوجب عجزه عن تحصيل ذلك الملاك.

فلا محالة يكون هناك أمرٌ(1) متعلّق بأربع ركعات اتصالية، وموضوع هذا الأمر هو من لم يشكّ؛ لأنَّ من شكّ غير قادر على استيفائه، فهذا أمرٌ ينشأ من هذا الملاك الذي نفرض كون الشك معجزاً عنه ومفوّتاً له لا محالة.

ونفرض أنّ هناك ملاكاً آخر ناقصاً مبايناً مع الأوّل إمّا ذاتاً وإمّا مرتّبةً، وهذا الملاك يمكن أن يحصل من هذا الشاك، فهو وإن كان يعجز عن استيفاء الملاك الأوّل ولكنّه يمكنه استيفاء الملاك الثاني بأحد وجهين: إمّا بأنَّ يتمّ صلاته بركعة رابعة انفصالية، وإمّا أن يقطع صلاته ويأتي بأربع اتصالية.

وهذا الملاك الثاني يستدعي من المولى لا محالة الأمر بمحصّله، ومحصّله هو الجامع بين تتميم تلك الصلاة بالركعة الانفصالية، وبين أن يؤتى بصلاة أخرى اتصالية، وهذا الأمر موضوعه: من يشكّ ولم يأتِ بالرابعة، وهو الموضوع الذي تصوّره الميرزا موضوعاً، هنا يصير موضوعاً، لكن لا لوجوب الركعة الرابعة الانفصالية بعنوانها كما ذكر الميرزا، بل موضوعاً لوجوب الجامع بين الركعة الرابعة الانفصالية، أو إيجاد أربعة اتصالية مع قطع هذا الفرد، ويكون هذا 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() لتحصيل متعلق هذا الملاك (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الوجوب مترتّباً على عدم الإتيان بالركعة الرابعة حين الشكّ، وباستصحاب عدم الإتيان بالرابعة يتنقح موضوع هذا الوجوب المتعلّق بالجامع.

في حاقّ الصيغة التي ذكرها الميرزا

وبذلك يتّضح أنّ تصوير كون استصحاب عدم الإتيان بالرابعة منقّحاً لموضوع الوجوب، يُعقل على الفرضية الثانية، ولا يُعقل على الفرضية الأولى.

وأمّا حاقّ الصيغة التي ذكرها الميرزا، وهو أن استصحاب عدم الإتيان بالرابعة ينقح موضوع وجوب الركعة المنفصلة بالخصوص، فهذا ممّا لا يصحّ على كلتا الصيغتين؛ لأنَّ الركعة المنفصلة بعنوانها ليس لها وجوب تعييني على كلتا الفرضيتين.

إذن، فنحن أمام فرضيتين ثبوتاً، ولا إشكال ولا ريب أنّ المتعيّن بحسب مقام الإثبات هو الفرضية الأوّلى، دون الثانية؛ لأنَّ المستفاد من روايات قاعدة البناء على الأكثر، أنّ الصلاة إذا بُني فيها على الأكثر وأتى فيها بركعة الاحتياط، لا يبقى فيها أي نقصان، ويكون حالها على كلا التقديرين حال سائر الصلوات التامّة، لا أنّها تكون مستوفية لملاك ناقص، ويفوّت ذاك الملاك التام، (أأعلمك شيئاً لا يضرّك أن تزيد أو تنقص). مثل هذا اللسان يأبى عن الحمل على الفرضية الثانية ويعيّن الأولى.

وهي: أن يكون عندنا من أوّل الأمر أمرٌ بالجامع بين أربع ركعات اتصالية وأربع انفصالية، غاية الأمر أنّ الاتصالية مفيدة بعدم الشكّ والانفصالية مقيّدة بحال الشك.

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

نعم، لا نضايق بأنَّ يكون هذا الأمر بالجامع – بحسب النظر العرفي- كأنّه أمر بأربع ركعات اتصالية قبل الشك وأمر بأربع ركعات انفصالية حينما يشكّ.

هذا تمام الكلام بناءً على روح الميرزا.

بقي عندنا استدراكٌ من حيث مباني السقوط نؤجّله إلى غد.

استدراك من حيث مباني السقوط

بقيت هناك تتمّة في باب سقوط الواجبات الضمنية بلا إشكال، حيث استعرضنا له مباني ثلاثة: 

الأوّل: أنّ الواجب الضمني لو أُتى به لا يسقط وجوبه، بل يبقى إلى حين انتهاء العمل، فتسقط حينئذٍ، الواجبات الضمنية كلّها.

الثاني: يلتزم بالسقوط التدريجي أنّ كلّ وجوب ضمني يسقط بعد الفراغ من متعلّقه لاستحالة بقائه؛ لأنّه تحصيل للحاصل، ويكون سقوطه منجّزاً حتمياً، غاية الأمر لو قطع صلاته رجع الأمر مرة أخرى.

الثالث: أيضاً يلتزم بالسقوط التدريجي، لكنّه لا يسقط سقوطاً منجّزاً كما في الثاني، بل يلتزم بالسقوط مراعى بإكمال الفرد وللإتيان بباقي الأجزاء والشرائط، بحيث يكون تتميم الفرد شرطاً متأخّراً لسقوطه.

وقلنا: إنّ المتعيّن منها هو الأوّل، وأبطلنا المبنى الثاني بوجوهٍ أربعة. وبقي علينا أن نطبّق تلك الوجوه على المبنى الثالث، لنرى أنّ أيّاً منها يبطله وأيّاً منها لا يبطله(1).

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() (لاحظ هذه الوجوه في محاضرة يوم الأربعاء 30/7/1388) [ص100 من هذا الكتاب]، ونحن الآن نثبت ما هو زائد على تلك المحاضرة في عرض الوجوه أو في تطبيقها على المبنى الثالث. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

في إبطال المبنى الثالث

هذا(1) البرهان لا يفرّق فيه بين المبنى الثاني والثالث، فهو كما يبرهن على إبطال المبنى الثاني كذلك يبرهن على ابطال المبنى الثالث، وهو السقوط التدريجي المراعى فإنَّ هذا أيضاً خُلف إنكار الوجوبات الضمنية، ونحن في هذا الوجه ننكر أصل الوجوبات الضمنية، ونرجعها إلى تحليلات عقلية خارج لوح البعث والطلب.

هذا(2) الوجه هل يبطل المبنى الثالث أو لا؟

هنا يمكن أن يقال: بوجود فرق بين المبنيين من هذه الناحية؛ لأنَّ هذا الأصل الموضوعي الذي اقتبسناه من بعض مباني الأقلّ والأكثر، إنَّما قال به صاحبه لتخيّل أنّه لو لم يحصّص متعلّق الوجوب الضمني بالحصّة الخاصّة، وكان متعلّقاً بذات التكبير، للزم من ذلك أن يسري الوجوب الضمني إلى التكبيرة الفاقدة للأجزاء والشرائط، مع أنّه ليس مصداقاً للواجب الضمني. إذن، فلا بُدّ أن يتحصّص بانضمام باقي الأجزاء والشرائط، وقد علقنا على ذلك في بحث الأقلّ والأكثر تفصيلاً.

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() ثُمَّ لخّص الوجه الأوّل، المتضمن لبرهنة على وحدة الأمر بالمركّب كما سبق، ثُمَّ قال. (المقرّر).

(2) ثُمَّ لخّص الوجه الثاني كما سبق ثُمَّ قال. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فإذا كان هذا هو مدرك تحصيص الواجب الضمني، فلا بُدّ وأن يُرى أنّ هذا المدرك يقتضي أي مقدار من التحصيص؛ لأنَّ تحصيص التكبير يُتصوّر على نحوين:

تارةً: نقيّد التكبير بأنَّ ينضمّ إليه فعلاً باقي الأجزاء والشرائط، وحينئذٍ، فمثل هذا التحصيص لا يكون فعلياً إلّا بانضمام سائرها إليه، وأمّا لو لم ينضم إليه بالفعل سائر الأجزاء والشرائط، فلا يكون الواجب الضمني فعلياً، ويمكن أن نحصص الواجب الضمني بكونه بحيث سوف ينضم إليه باقي الأجزاء والشرائط، أي: وقوعه في زمان يقع في الزمان التالي له باقي الأجزاء والشرائط بالنحو المطلوب شرعاً(1). فإذا فُرِض أنّ التكبير وقع الآن وكان في علم الله أنّه سوف تقع باقي الأجزاء والشرائط في الزمان الثاني، وسوف يستمر المكلّف في إيجاد هذا الفرد إلى حين الانتهاء منه. إذن، فالآن حينما وقع التكبير تم الواجب الضمني(2)؛ لأنّه شرط سقوطه متحقّق فعلاً، وحينئذٍ، فلا يرد على هذا المبنى الوجه الثاني.

وبهذا يظهر أنّ الوجه الثاني، لا يمكن أن يجعل برهاناً على إبطال المبنى الثالث، بينما يمكن أن يجعل برهاناً على إبطال المبنى الثاني؛ لأنَّ المبنى الثاني يقول: بأنَّ الوجوب الضمني يسقط بمجرّد الإتيان بالتكبير سقوطاً فعلياً منجّزاً، وهذا 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() وهذا يحصل به غرض إخراج ذات الجزء من الوجوب الضمني ومنعه عن الانطباق على التكبيرة المجرّدة. (المقرّر).

(2) إذا كان سوف يأتي بالأجزاء فيما بعد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

خلاف التحصيص بكلا وجهيه، فيمكننا أن نبرهن عليه بالوجه الثاني.

هذا(1) البيان بعينه يأتي أيضاً بناءً على المبنى الثالث للسقوط؛ لأنّه بناءً عليه لا بُدّ -أيضاً- من أُخذ قيد مقدّر الوجود في الوجوب الضمني، وهو: أن لا يؤتى بالتكبير الآن، ويؤتى بعد هذا بباقي الأجزاء والشرائط؛ لأنّه إذا أُوتي بالتكبير الآن بنحو الشرط المقارن وأتى بباقي الأجزاء والشرائط بعد ذلك بنحو الشرط المتأخر، يلزم سقوط الوجوب الضمني للتكبير. فالوجوب الضمني للتكبير بناءً على المبنى الثالث يكون مقيّداً بأن لا يجمع المكلّف بين إيجاد التكبير فعلاً، وبين سائر الأجزاء والشرائط فيما بعد. 

حينئذٍ نسأل: أنّ هذا القيد هل هو قيدٌ في موضوع الوجوب الضمني، أو قيدٌ في موضوع الوجوب الضمني الاستقلالي.

إنَّ قلتم: إنّه قيدٌ في موضوع الوجوب الضمني. إذن، فقد أصبح لكلّ وجوب ضمني موضوع مقدّر الوجود وهو خُلف وحدة البعث؛ لأنَّ القضية الحقيقية تتعدّد بتعدّد الموضوعات المقدّرة الوجود؛ لأنَّ كلّ موضوع مقدّر الوجود لا بُدّ له من محمول مقدّر الوجود، فتتعدّد الأحكام لا محالة.

وإن قلتم: إنّ هذا القيد يؤخذ في الموضوع المقدّر الوجود للوجوب النفسي الاستقلالي المتعلّق بالمجموع، فمعنى هذا أنّ وجوب الصلاة مشروط بأن لا يجمع التكبير الآن، وبين الإتيان بباقي الأجزاء والشرائط فيما بعد.

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() ثُمَّ قرّر السيّد الوجه الثالث كما سبق ثُمَّ قال. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فلازم هذا: أنّ المكلّف بمجرّد أن يشرع في التكبير، ويعلم الله أنّه سوف يكمل هذا الفرد، فمن الآن يسقط عنه الوجوب وهذا أيضاً خُلف؛ لأنَّ الكلام في السقوط التدريجي دون الدفعي، فهذا الوجه الثالث، يأتي على المبنى الثاني والثالث معاً.

وهذا(1) الوجه يختلف فيه المبنى الثاني عن الثالث، فإنّه مسجل على الوجه الثاني، الذي يقول: بأنَّ الأمر الضمني بالركعات الثلاث التي أتى بها المكلّف سقط سقوطاً حتميّاً منجّزاً، فكان لا بُدّ أن يلتزم بأنَّ الأمر بالرابعة ينحصر امتثاله بخصوص هذا الفرد.

وأمّا صاحب هذا المبنى فهو لا يقول بأنَّ الامر الضمني بالركعات الثلاث التي أوتي بها يتشخّص ويسقط إلّا بناءً على الإتيان بالرابعة بعد هذا؛ لأنَّ السقوط عنده مراعى ومشروطاً بنحو الشرط المتأخّر بأنَّ يؤتى بالرابعة بعد هذا. إذن فتشخّص الأوامر الضمنية الأولى وسقوطها، فرع أن يؤتى بالرابعة في هذا الفرد. فلا يكون مثل هذا موجباً لانحصار امتثال الأمر الضمني بالرابعة في هذا الفرد؛ لأنَّ هذا الانحصار فرع تشخّص وسقوط الأوامر الضمنية الأولى. وسقوطه إنَّما يكون لو أُتِيَ بالرابعة في هذا الفرد.

 إذن، فمثل هذا الانحصار الذي هو في طول امتثال الأمر بالرابعة في هذا الفرد لا يكون مانعاً عن امتثال الأمر بالرابعة في ضمن فردٍ آخر؛ لأنَّ امتثاله في 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

() ثُمَّ قرّر الوجه الرابع كما سبق ثُمَّ قال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ضمن فردٍ آخر مساوق مع عدم تشخّص الأمر الضمني وعدم سقوط الأوامر الضمنية السابقة(1).

هذا تمام ما أردت أن أقوله بالنسبة إلى تحقيق حال المبنى الثاني والثالث. 

وبهذا يتم الحديث في الصحيحة الثالثة(2)

ــــــــــ[125]ــــــــــ

() وهنا قال بعض الإخوان: صار المبنى الثالث أحسن حالاً من الثاني.

فأجاب: كلا، فإني حذفت بعض الأشياء*(المقرّر).

* يعني: كان عنده أمور لم يقرّرها، متعلقة برد المبنى الثالث. (المقرّر ).

(2) قلت له: لم يتمّ الاستدلال بالرواية، قال: نعم، لأنَّ إشكال الشيخ لم يتمّ عليه جواب صحيح فأصبح محكّما. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 







الرواية الرابعة: رواية إسحاق بن عمّار

 

الرواية الرابعة: من الروايات التي يمكن أن يُستدّل بها على الاستصحاب هي رواية إسحاق بن عمار(1)قال -يعني الصادق-: “إِذَا شَكَكْتَ‏ فَابْنِ‏ عَلَى‏ الْيَقِين. قُلْتُ: هَذَا أَصْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ“.

وهذه الرواية هي نفس الرواية التي فرض الشيخ أنّ كونها أجنبيّة عن باب الاستصحاب مفروغاً عنه، وأنّ اليقين فيها بمعنى اليقين بالبراءة المجعول في الشك في الركعات، وأراد أن يقيس الصحيحة الثالثة بها فحملها أيضاً على اليقين بالفراغ والبراءة، بينما هذه الرواية بنفسها استدلّ بها الأعلام كالسيّد الأستاذ -مثلاً- إذ قال بعد تتميمه للاستدلال بالصحيحة الثالثة: بل أنّ هذه الرواية أيضاً تكون دالّة على الاستصحاب. 

والكلام في هذه الرواية يقع تارةً: من حيث السند، وأخرى: من حيث الدلالة:

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() في الرسائل عبّر عنها: بموثقّة عمّار عن أبي الحسن. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23

 

سند الرواية

 

أمّا من حيث السند، فهذه الرواية يعبّر عنها الأعلام، كالسيّد الأستاذ وغيره بالموثّقة، وهذا التعبير نشأ -كما ينشأ جملة من التعبيرات- من التعويل على صاحب (الوسائل)، وحينما يقع صاحب (الوسائل) في خطأ، يتوّرط الفقهاء اللذين يقتصرون على مراجعة (الوسائل) بنفس الأخطاء؛ وذلك أنّ صاحب (الوسائل) وقع هنا في اشتباه، فإنّه نقل هذه الرواية في أحكام الخلل في الصلاة، وقال: الصدوق بإسناده إلى إسحاق بن عمار، وإسناد الصدوق إلى إسحاق بن عمار صحيح بلا إشكال، ولهذا تكون الرواية معتبرة. ولكن بعد مراجعتنا لـ(من لا يحضره الفقيه)، تبيّن أنّ الصدوق يقول: وروي عن إسحاق بن عمّار.

فإنَّ الصدوق أحياناً يبدأ بنفس صاحب الكتاب ويقول: (إسحاق بن عمّار قال) فهذا معناه أنّ هذا النقل معوّل فيه على الإسناد، الذي يذكره في المشيخة إلى الراوي، أمّا إذا قال: (وروي عن إسحاق بن عمار) فهذه مرسلة لا محالة(1)، فهي ساقطة عن الحجّيّة. والتعبير عنها بالموثّقة كان تعويلاً على كتاب صاحب (الوسائل)، هذا من حيث السند.

****

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() ولم يُعلم من هو الواسطة. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الرواية التي تكلّمنا فيها وقع فيها من حيث السند سهوان في كلماتهم: 

السهو الأوّل: ما أشرنا إليه من أنّ هذه الرواية ليست موثقّة، بل هي مرسلة.

السهو الثاني: أنّه عبّر عن هذه الرواية بموثقة عمّار، حتّى في (الرسائل) للشيخ الأنصاري. وكأنّه هو أصبح منشأ الاشتباه، فعبّر الأعلام عنها بذلك، بينما هي رواية إسحاق بن عمّار، وإسحاق هنا ليس ابن ذاك الـ(عمار)، حتّى يغتفر -مثلاً- مثل هذا الاشتباه، بل هو راوٍ آخر اسمه إسحاق بن عمّار، وفي الاشتباه الأوّل صاحب (الوسائل)، يتحمل المسؤولية. وفي هذا الاشتباه صاحب (الرسائل) يتحمّل المسؤولية.

وفي النسخة الموجودة عندي من (الوسائل) يوجد منشأ لهذا الاشتباه، ولا أدري أن هذه النسخة مطابقة للنسخة الموجودة عند الشيخ. فإنَّ الباب يبدأ بموثقّة عمّار، ثُمَّ يسقط من متنها نصفه ويسقط النصف الأوّل من رواية إسحاق بن عمّار، ويلحق نصف رواية إسحاق برواية عمّار، بحيث حينما يقرأ الإنسان يتخيّل أنّ متن رواية إسحاق بن عمّار هو تتميم لرواية عمّار. ثُمَّ يشار في الهامش إلى وجود السقط، فكأنّه قال هكذا: (محمّد بن علي بن الحسين بإسناده، عن عمّار عن أبي عبد الله، أنّه قال له: يا عمّار أجمع لك السهو كلّه في كلمتين، إذا شككت فابنِ على اليقين. قال: هذا أصلٌ؟ قال: نعم). 

بينما وقع بين هاتين العبارتين سقطٌ هو تتمة رواية عمّار وابتداءً رواية 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إسحاق بن عمّار(1).

فقد وقع الاشتباه في النسبة، كالاشتباه في التوثيق والتصحيح، أنّها رواية إسحاق بن عمّار لا رواية عمّار، ومرسلة الصدوق لا موثّقته.

هذا هو حال السند.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() أقول: هو موجود في النسخة التي لدينا من الوسائل ونصّه: “في كلمتين متى شككت فخذ بالأكثر، فإذا سلمت فأتم ما ظننت أنك نقصت”، وبإسناده عن إسحاق بن عمّار “قال: قال لي أبو الحسن الأوّل: إذا شككت فابن على اليقين…“. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 






دلالة الرواية 

 

وأمّا من حيث الدلالة:

فهذه الرواية فيها محتملات ثلاثة بدواً:

الاحتمال الأوّل: أن تُحمل على القاعدة التي أشار إليها الشيخ في باب الشك في الركعات، حيث ذكر: إنّ المستفاد من الروايات أنّ هناك قاعدة اسمها اليقين، ويراد بها لزوم العمل على طبق اليقين بالفراغ، يعني: العمل على تحصيله وعدم جواز الاكتفاء بالشكوك والتخمينات في مقام تفريغ الذمة.

وهذا المعنى أراد الشيخ أن يحمل عليه الصحيحة الثالثة.

وقرّبه: بأنّ هذا المعنى موجودٌ في جملة من الروايات، وذكر في مقام المثال هذه الرواية الرابعة. فكأنّ هذا المعنى متيقنٌ عنده في هذه الرواية، وهو لزوم تحصيل اليقين بالفراغ.

الاحتمال الثاني: أنّ الرواية تحمل على الاستصحاب، فيحمل اليقين فيها على اليقين في الحدوث، والشكّ على الشكّ في البقاء، فكأنّه يقول: إذا شككت في شيء بعد أن كنت على يقينٍ منه ثبوتاً فابنِ على ذلك اليقين.

الاحتمال الثالث: أن تطبّق الرواية على قاعدة اليقين المعروفة في علم الأصول. وذلك: بأن يُراد من اليقين هنا اليقين بالشيء، ومن الشكّ: الشك في 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

نفس ذاك الشيء في نفس ذاك الزمان كأن يكون على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة، ثُمَّ يشك في وجودها يوم الجمعة. 

وهو الذي يُسمّى في كلمات الأصوليين بقاعدة اليقين، أو بالشكّ الساري.

أمّا المحتمل الأوّل: فهو بالرغم من أنّه عُدّ مفروغاً عنه في كلام الشيخ، إلّا أنّ الإنصاف أنّه لا ينبغي أن يفرغ عنه، بل ينبغي أن يفرغ منه، يعني ينبغي أن يقال: أنّ هذا الاحتمال ساقط إذ أنّه على خلاف ظاهر الرواية:

أمّا أولاً: فلأن الرواية ليس فيها أدنى إشارة إلى مقام الامتثال، وليس حالها حال الصحيحة الثالثة، فإنَّ تلك الصحيحة وردت في مورد الشك في الركعات الذي هو مورد الشك في الامتثال وتفريغ الذمة، ففي مثل هذا المورد يمكن أن يقال للمكلف: تمسّك باليقين بالفراغ، ولا تعوّل على احتماله.

إلَّا أنّ القاعدة ليس فيها أي إشارة إلى أنّها واردة مورد الشكّ في الامتثال. وإنما هي هكذا: “إِذَا شَكَكْتَ‏ فَابْنِ‏ عَلَى‏ الْيَقِين. قُلْتُ: هَذَا أَصْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ“، وهذه القاعدة بحسب إطلاقها كما تجري في موارد الشك في الفراغ، تجري في غير ذلك من الموارد كالشكّ في أصل التكليف، فهو ليس مخصوصاً بخصوص اليقين بالفراغ، حتّى يحمل على مثل هذا اليقين بالمعنى الذي يذكره الشيخ.

بلى، الصدوق ذكر هذه الرواية في أحكام الخلل في باب الصلاة، ولكن ذكره لها هناك لعلّه بمناسبة أنّها تنقّح قاعدة كليّة يمكن أن يستفاد من أحكام الخلل، ولا يكون هذا شاهداً على أنّ الرواية تحتوي على ما يقتضي صرفها إلى مثل هذا المقام. هذا أولاً.

ــــــــــ[134]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وأمّا ثانياً: فلأن حمل قوله: “فَابْنِ‏ عَلَى‏ الْيَقِين” على هذا المعنى خلاف الظاهر في نفسه. فإنّه لو قال: إذا شككت فاطلب اليقين، يمكن أن تُحمل على لزوم تحصيل اليقين بالفراغ، ولكنّه قال: “فَابْنِ‏ عَلَى‏ الْيَقِين“، والبناء على اليقين ظاهر في أنّ اليقين قد وجد وتحقّق، وأنّ هذا اليقين الذي تحقّق يجب البناء عليه، لا أنك أطلب يقيناً ليس موجوداً بالفعل، إذا كنت شاكّاً بالفراغ.

ونكتة الفرق بين العبارتين، وهي: (ابنِ على اليقين) و(اطلب اليقين) واضحة، فإنّه في (ابنِ على اليقين)، متعلّق الأمر هو البناء، واليقين هو متعلّق المتعلّق، وهو الذي يُسمّى في أصول الميرزا بالموضوع. وظاهر متعلّقات المتعلّق أنّها مأخوذة مفروضة الوجود، ما لم تقم قرينة على الخلاف، كما هو طبعه، فإذا قال: (أكرم العالم) ظاهره: إذا وجد عالم فأكرمه، والشيء الذي يطلب تحقيقه هو المتعلّق. ففي العبارة حيث إنّ اليقين صار متعلّق المتعلّق فظاهره العرفي هو أنّه مفروغ عن وجوده وتحقّقه، لا أنّه يطلب إيجاده بمثل هذا البيان. بخلاف ما لو قال: (اطلب اليقين)، فإنّه يكون نفس اليقين متعلّقاً، فلا يكون له ظهور في وجود اليقين والمفروغيّة عن ثبوته، فهذا الاحتمال ساقطٌ لهذين الوجهين.

فنبقى نحن والاحتمالين الأخيرين، وهو أن يحمل قوله: “إِذَا شَكَكْتَ‏ فَابْنِ‏ عَلَى‏ الْيَقِين“، أو أن يُحمل على قاعدة اليقين، فإنّه إذا كان المراد: إذا كنت على يقين من شيء وشككت في بقائه فهو استصحاب، وإذا كان المراد: إذا كنت على يقين من شيء وشككت من نفس الشيء بلحاظ نفس الزمان الذي كنت على يقين منه، فهو قاعدة اليقين، فأيّهما يمكن تعيينه في المقام؟

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هنا أيضاً نقول: إنّه بالإمكان تعيين الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين، يعني استظهار الاستصحاب من الرواية.

ونكتة استظهار الاستصحاب هي: أنّ قوله: “إِذَا شَكَكْتَ‏ فَابْنِ‏ عَلَى‏ الْيَقِين” قضية شرطية، شرطها: “إذا شككت“، وجزاؤها: “فابنِ على اليقين“. حينئذ، يقال: إنّ هذا اليقين الذي أمر في الجزاء بالبناء عليه:

إمّا أن يُفرَض أنّه مستفادٌ من الشرط ومستبطن فيه، يعني فرض وجود يقين في الشرط، فكأنّه قال: إذا شككت وكنت على يقين فابنِ على اليقين. وأخرى يقال: إنّ الشرط هو الشكّ فقط، ولم يُفرَض إلى جانبه يقين. 

الثاني: خلاف طبع القضية، وهو أن يكون اليقين زيادة تبرّعية، ليست مستبطنة في الشرط؛ وذلك لأنّه يلزم من هذا أن يكون الجزاء بنفسه تعليقاً وقضية شرطية في نفسه، فكأنّه يقول: إذا شككت فابن على اليقين، إنَّ كان هناك يقين.

وهذا خلاف طبع القضية بحسب المتفاهم العرفي.

ولهذا؛ يقتضي المتفاهم العرفي كون اليقين المأخوذ في الجزاء مستفاداً ومفروغاً عنه في جانب الشرط. والجزاء متمحّض لبيان حكم الشرط لا لبيان شرطية جديدة.

وقوله: “إذا شككت” هل يفهم منه اليقين الذي هو أحد أركان الاستصحاب ضمناً، أو الذي هو أحد أركان قاعدة اليقين ضمناً؟ طبعاً، بالصراحة لا يفهم منه لا هذا ولا هذا، فإنّه لا يبيّن إلّا الشك، فتبقى الاستفادة العرفيّة الضمنيّة، فهل يمكن أن يستفاد منه اليقين بالحدوث الذي هو أحد أركان 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاستصحاب، أو اليقين بنفس المشكوك الذي هو أحد أركان قاعدة اليقين؟

أمّا اليقين الذي هو أحد أركان الاستصحاب، فيمكن أن يقال: بأنّه مستفاد من باب الملازمة الغالبية، حيث إنّ الغالب في المشكوك أن يكون مسبوقاً بحالة سابقة لا أقل من العدم، إلّا في موارد نادرة من قبيل توارد الحالتين. فطبع الشكّ أن يكون مسبوقاً باليقين.

نفرض الشكّ هو فرض أنّ هناك حالة سابقة متيقّنة للشاك، لا أقل من العدم الذي هو الأصل في الأشياء. فلا يحتاج اليقين بالحدوث إلى مؤونة زائدة باعتبار هذه الملازمة الغالبية(1).

وأمّا اليقين الذي هو مقوّم قاعدة اليقين فالغالب عدم وجوده؛ لأنَّ الغالب فيما يُلتفت إليه المكلّف ويشكّ في حياته المتجدّدة يوماً بعد يوم، أن لا يكون على يقين منه ثُمَّ يشك. غالب مشكوكات الإنسان أنّها ليست متيقّنات له بالأمس، لكن غالبها لها حالات سابقة، ولو اعدامها الثابتة قبل الالتفات إلى هذه الحالات. فيتعيّن أن يكون المراد من اليقين هو اليقين المقوّم لقاعدة الاستصحاب دون اليقين المقوّم لقاعدة اليقين.

فينعقد حينئذٍ، بهذه النكتة ظهور للعبارة في الاستصحاب. ولعلّ هذا هو المنشأ في أن جملة من الأعلام ادّعى من دون تعليل، أنّه لا ينبغي الشكّ في ظهور هذه الرواية، في الاستصحاب في مقابل قاعدة اليقين.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() هذه الغلبة تجعل قوله: “إذا شككت” يدلّ بالصراحة على الشكّ بالدلالة التبعيّة على وجود اليقين الذي هو أحد أركان الاستصحاب (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وبذلك يظهر أنّ الاستصحاب هو أقرب المحتملات الثلاثة لهذه الرواية. وتتمّ دلالتها على الاستصحاب.

وحينئذٍ، لو فُرِض أنّ هذه الرواية لم يكن لها تطبيق على مورد خاص، كما هو كذلك، فيؤخذ بها وتكون أحسن من الروايات السابقة جداً؛ لأنَّ إسحاق بن عمّار قال له: “أهذا أصل؟ قال: نعم“.

فهو يؤكّد قانونية هذا الحكم، وكونه أصلاً وقاعدة، ومعه لا نحتاج في مقام التعميم إلى تحايل ودعوى ارتكاز ونحوها، بل هو الإمام بنفسه يعطي هذا القانون ويصرح بعموميّته، فهو من هذه الناحية أحسن من سائر روايات الباب.

وإذا فُرِض أنّه استظهر من هذه الرواية، لذكر الصدوق لها في أحكام الخلل، أنّها قد طُبّقت على باب الشك في الركعات بالخصوص، فإذا فُرِض أنّه أمكن العمل بهذا التطبيق فليعمل به، وإذا لم يكن العمل به من باب مخالفته للمذهب، فليحمل التطبيق على التقيّة وتبقى الكبرى على حالها(1).

وعلى أي حال لا بأس بدلالة هذه الرواية على الاستصحاب بنحو القاعدة الكليّة.

نعم، نقطة الضعف فيها هو السند؛ لأنّها مرسلة، وليست موثّقة كما ذكر الأعلام.

هذا هو تمام الكلام في هذه الرواية.

ــــــــــ[138]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: يعني يحمل التطبيق على التقية، ببيان المحقّق العراقي.

قال: نعم، وهو صحيح هنا؛ لأنّنا هناك إنَّما ناقشنا فيه من باب استظهار الركعة المنفصلة في الرواية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 




الرواية الخامسة

رواية (الخصال) الواردة في حديث الأربعمائة

 

  • سند الرواية 
  • دلالة الرواية

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 









الرواية الخامسة: رواية (الخصال)                                        الواردة في حديث الأربعمائة

 

روى في الخصال بسنده إلى محمد بن مسلم وأبي بصير، عن الإمام الصادق، يرويه عن آبائه عن أمير المؤمنين أنّه تحدّث إلى أصحابه في مجلس واحد بأربعمائة معرفة من المعارف الدينية. وقد جاء واحد من هذه الأحكام هكذا: (إذا كنت على يقين، فشككت فامض على اليقين؛ لأنَّ الشك لا ينقض اليقين). 

 هذا(1) مضافاً إلى أنّه لو فُرِض التردّد بين الاستصحاب وقاعدة اليقين، فيتعيّن في المقام الحمل على الاستصحاب؛ باعتبار ما أُشير إليه في الروايات السابقة. من أنّ الاستصحاب قاعدة عقلائية ارتكازية، بينما قاعدة اليقين ليست عقلائية ولا ارتكازية، فإذا دار أمر مضمون خطاب بين أن يكون المراد به تلك القاعدة المركوزة أو القاعدة الأخرى فلا محالة يكون الارتكاز موجباً لظهور الخطاب في الانصراف إلى ذلك المعنى المركوز في الأذهان العقلائية على ما تقدّم تفصيله في الصحيحتين الأوليين.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

() لخصّ أولاً: جملة ممّا سبق، وذكر ترجيح استفادة الاستصحاب على قاعدة اليقين من رواية إسحاق بن عمار بما سبق ثُمّ قال: هذا… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ومما يؤيد ذلك بل يدل عليه: أنّ إسحاق بن عمار في هذه الرواية فهم المقصود ولم يستشكل فيه، ولهذا صار في مقام السؤال عن تحديده، (قال: هذا أصل؟ قال نعم)، إذن فقد كان لهذه العبارة ظهور عرفي فهمه إسحاق بن عمار، ولم يسأل الإمام عن مراده، إذن فماذا فهم إسحاق؟ فُرِض أنّه فهم من هذه العبارة قاعدة اليقين.

 وذلك؛ لأنّنا لو لم ندع ظهور الرواية في الاستصحاب، فلا أقل من أنّ نقول: إنّها مجملة ويتساوى فيها الاحتمالان: وأمّا احتمال أن تكون ظاهرة عرفاً في قاعدة اليقين، بحيث ينتقل ذهن العرفي إليها مع أنّ العبارة ليس فيها أدنى إشعار بقاعدة اليقين وبالرغم من وجود إشعار فيها بالاستصحاب. وبالرغم من ارتكازية الاستصحاب وعدم ارتكازية تلك القاعدة وبالرغم من فقهائية الاستصحاب وعدم فقهائية قاعدة اليقين، يعني: أنّ الاستصحاب من المسائل المتداولة في علم الأصول منذ وجد هذا العلم، حتّى عند فقهاء السنة، بينما قاعدة اليقين كلام استحدث في الأيام الأخيرة، بالرغم من هذا لا نحتمل احتمالاً معتّداً به. أن يتبادر إلى ذهن إسحاق بن عمار، إذا كان تبادره سوياً طبيعياً من هذه العبارة قاعدة اليقين. وحيث إنّنا نعلم أنّ مقتضى ظاهر سوق العبارة أنّه تبادر إلى ذهنه معنى محدّد، فإذا لم يكن هو قاعدة اليقين فيستأنس بأنّ ذلك المعنى المحدد هو الاستصحاب فهذا يكون مؤيداً شاهداً لظهور الرواية في الاستصحاب(1).

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هذا لا يرجع إلى الظهور اللفظي.

 قال: نعم هذا يرجع إلى قرينة بحسب حساب الاحتمالات. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الرواية الخامسة: “من كان(1) على يقين فأصابه شك فليمضِ على يقينه فإنّ الشك لا ينقض اليقين“.

ويقع الكلام في هذه الرواية من حيث السند تارةً، ومن حيث الدلالة أخرى.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

() وذكر نصّها هكذا: “من… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 








سند الرواية 

 

أما من حيث السند فهي ساقطة باعتبار أنّها يتفرّد بروايتها الصدوق في (الخصال)، بسند متّصل بمحمد بن مسلم وأبي بصير، وسنده إلى محمد بن مسلم، وقع فيه شخص غير موثّق وهو قاسم بن يحي، فتسقط هذه الرواية عن الحجيّة. وبذلك يسقط تمام حديث الأربعمائة.

ــــــــــ[144]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 











دلالة الرواية

 

وأمّا من حيث الدلالة فهو يقول: “من كان على يقين فأصابه شكّ فليمضِ على يقينه“. 

الآغايون: أبرزوا ظهورات ثلاثة في هذه العبارة في مقام تحديد معناها على ضوئها، فإنّه قد يبدو للذهن أولاً: أنّها مردّدة بين الاستصحاب وقاعدة اليقين، فتعيين أحد الاحتمالين في مقابل الآخر، يجب أن يكون بصناعة الظهور الموجود في هذه الرواية. والمتحصّل من مجموع كلماتهم إبراز ظهورات ثلاثة، فبعضهم نظر إلى بعضها فادّعى الظهور في قاعدة اليقين. وبعضهم نظر إلى البعض الآخر فادّعى الظهور في الاستصحاب. وبعض نظر إلى البعض الآخر فادعى الإجمال. ومَن ثَمَّ اختلفت كلماتهم فلا بُدّ أن نمحّص هذه الظهورات الثلاثة. وننظر ماذا تقتضي، وهل يوجد ظهور رابع أو لا، حتّى نحكم بلحاظ تمام ما في العبارة من ظهورات أنها تحمل على الاستصحاب أو على قاعدة اليقين.

الظهور الأول: في قاعدة اليقين

الظهور الأوّل الذي أبرزوه هو ظهور العبارة في اختلاف زمان الوصفين حيث قال: “من كان على يقين فأصابه شك” فهو ظاهر بأنّ اليقين سابق على الشك”، وهذا الظهور استخدم في كلام الشيخ الأنصاري، وجملة من الأعلام 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لصالح قاعدة اليقين. فإنّها هي التي يختلف فيها زمان الوصفين، ويتحدّ فيها زمان الموصوفين، فالمشكوك والمتيقّن هو عدالة زيد يوم الجمعة، ولكن اليقين بها كان يوم الجمعة والشك بها كان يوم السبت، فاختلاف زمان الوصفين يناسب مع قاعدة اليقين.

وتوضيح ذلك: أنّ قوله: “من كان على يقين فأصابه شكّ” إمّا أن تستظهر من العبارة: الترتّب في الحدوث فقط، يعني حدث يقين ثُمَّ حدث شكّ. وأخرى نستظهر منها: الترتّب في الوجود بمعنى أنّه حدث يقين ثمَّ زال وحدث شكّ. وعلى الأوّل يصير المعنى أنّ ولادة الشكّ بعد ولادة اليقين، وعلى الثاني: أنّ ولادة الشك بعد وفاة اليقين.

فإن ادّعى أنّ (الفاء) في (فأصابه) يكون دالّاً على الترتّب في الولادة فقط، فهذا يعني كون ولادة الشكّ بعد ولادة اليقين، يتّفق في باب الاستصحاب أيضاً، إذ يتفق أنّ الإنسان يتيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة، ثُمَّ بعد هذا الزمان يشكّ في بقاء تلك العدالة وعدمها. فيكون ولادة الشكّ في البقاء بعد ولادة اليقين بالحدوث. 

نعم، ليس هذا لازمياً في باب الاستصحاب المبحوث عنه في علم الأصول، بل يمكن أن يولد الشكّ واليقين في وقت واحد، أو يحصل الشكّ قبل اليقين، يشكّ في عدالة يوم السبت ثُمَّ يتيقّن بعدالته يوم الجمعة، فهذا المطلب ليس لازمياً لباب الاستصحاب، لا أنّه يأباه هذا الباب.

ومن هنا فاستخدام هذا الظهور؛ لأجل تعيين قاعدة اليقين لا بُدّ وأن يكون بأحد بيانين:

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إما بأن يقال: أنّنا نعلم من الخارج بأنّ الاستصحاب لو جُعل في الشريعة فلا يفرق الحال فيه بين أن يكون اليقين سابقاً أو معاصراً أو متأخّراً، وحيث إنّ هذه الرواية بظاهرها أُخذت فيه سبق ولادة اليقين على ولادة الشكّ، والظاهر من كلّ قيد يُؤخذ في موضوع الحكم في لسان الخطاب، أنّه دخيل في موضوع الحكم ثبوتاً. فيُحمل حينئذٍ، هذا على قاعدة اليقين.

وإما أن لا يُدّعى بأنّ لنا من الخارج علماً بذلك، بل نحتمل أن الاستصحاب يجعل في الشريعة، ويؤخذ فيه هذا القيد لنكتة لا نعرفها، ولكن هذا يجعل حينئذٍ، نقضاً على القائلين بالاستصحاب، ويقال لهم: إنّكم لا يمكنكم التمسّك بهذه الرواية؛ لأنكم تقولون بالاستصحاب مطلقاً، فيصير نقضاً على من يتمسّك بهذه الرواية لإثبات الاستصحاب مطلقاً.

وأما إذا استظهرنا من كلمة (الفاء) أنّ ولادة الشكّ بعد وفاة اليقين “من كان على يقين فأصابه شكّ” يعني: فزال يقينه وأصابه شكّ. فحينئذٍ، يمكن أن يستخدم هذا الظهور كقرينة مستقلّة على نفي الاستصحاب، وتعيّن قاعدة اليقين، بلا حاجة إلى قطع خارجي، أو إلزام للخصم -مثلاً-؛ لأنّه في الاستصحاب دائماً اليقين بالحدوث معاصر مع الشكّ في البقاء، ففرض وفاته ثُمَّ حدوث الشكّ فرض ينافي طبيعة الاستصحاب، ويلائم مع طبيعة قاعدة اليقين، فيصير قرينة في نفسه على صرف الرواية من الاستصحاب إلى قاعدة اليقين.

إذن، فالتفريع المستفاد من (الفاء) إن كان بمقدار تفرّع الولادة على الولادة، فيحتاج قرينيته إلى ضمّ ضميمة من الخارج، وإذا فرض أنّه كان بنحو تفرّع الولادة على الوفاة، فيكون بنفسه قرينة مستقلّة.

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وجوه للجواب

وقد أجيب عن قرينية هذا الظهور بعدة وجوه:

الوجه الأوّل: القيد وارد مورد الغالب

أن يقال: إنّ هذا القيد إنّما ذكر هنا، من باب أنّها هي القيد الغالبي في موارد الاستصحاب، فإن الغالب في موارده هو أن يحصل اليقين بالحدوث قبل الشك في البقاء، فلا يراد به القيدية الحقيقية، بل هو وارد مورد الغالب كقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم‏(1).

هذا الكلام -طبعاً- إنما يمكن توجيهه إلى التوجيه الأوّل دون الثاني، يعني لو كان المدّعى في المقام هو استفادة كون الولادة بعد الولادة فيقال: بأنّ هذا أمرٌ غالبي في باب الاستصحاب. أمّا إذا كان المدّعى استفادة أنّ ولادة الشكّ بعد وفاة اليقين، فهذا ليس أمراً غالبياً، بل هو أمر تأباه طبيعة الاستصحاب -مثلاً-.

الوجه الثاني: ما ذكر في تقريرات المحقّق العراقي

الوجه الثاني ما ذكره في تقريرات المحقّق العراقي وحاصله: أنّ التقدّم والسبق قد يراد به السبق الزماني، وقد يراد به السبق الرتبي، من قبيل السبق الذي يدلّ عليه (الفاء) في قولنا تحرّكت يدي فتحرّك المفتاح. وهذا الظهور هنا إنّما يكون قرينة على نفي الاستصحاب، وتعيّن قاعدة اليقين، لو أُريد بالسبق 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) النساء: 23.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

السبق الزماني، وأمّا إذا أُريد به السبق الرتبي، فلا بأس به وهو أمرٌ مطابق مع الاستعمالات العرفية أيضاً.

هذا الجواب أيضاً ممّا لا محصلّ له؛ ذلك لأنّه إن أُريد السبق الرتبي لليقين على الشكّ، فمن الواضح أنّه لا يوجد هناك أي سبق رتبي هنا، فإن اليقين والشكّ هنا حالتان عرضيتان بحسب عالم الرتب، وليس أحدهما سابقاً على الآخر، وليس من قبيل تحرّكت يدي فتحرّك المفتاح.

وإن أُريد السبق الرتبي لليقين على الحكم الاستصحابي -كما هو ظاهر عبارته- حيث قال الإمام: “حيث كان على يقين فأصابه شكّ فليمض..” فكأنّه ينظر إلى (الفاء)الثانية دون الأولى. فلا إشكال أنّ اليقين له سبق رتبي على خطاب (فليمضِ)؛ لأنّه موضوع له. ولكن الإشكال ليس في (الفاء) الثانية في (فليمض)، بل (فاء) (فأصابه شك) فالسبق الرتبي الموجود في (الفاء) الثانية لا ينفع في توجيه (الفاء) الأولى، ومحطّ القرينية إنّما هو (الفاء) الأولى، الدالّة على سبق اليقين على الشكّ، وهناك لا يوجد سبق رتبي، بل السبق هناك سبق زماني.

الجواب الثالث: ما ذكره في (الكفاية)

وحاصله: أنّه في باب الاستصحاب وإن لم يكن اليقين سابقاً زماناً على الشك، لكن أليس المتيقّن سابقاً زماناً على المشكوكّ، فإنّ المتيقّن هو الحدوث والمشكوك هو البقاء. فاليقين والشك يكتسب صفة متيقّنة ومشكوكة، وتسري إليه بالعناية هذه الصفة، فينسب سبق المتيقن على المشكوك إلى اليقين والشك، 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

من باب أنّ اليقين والشك متّحد مع المتيقن والمشكوك بنحو من الاتحاد أو حاكٍ عنه أو مرآة له أو فانٍ فيه، بنحو من الفناء والمرآتية. فتكتسب المرآة صفة المرئي.

هذا الكلام أيضاً غير صحيح فنيّاً، والوجه في ذلك: أنّ الفاني والمرآة، وإن كان يكتسب بالنظر المرآتي والفنائي صفة ذي المرآة والمنفي فيه، ولكن نحن حلّلنا هذه العبائر في مبحث المعاني الحرفية، وقلنا هناك ما خلاصته: إنّ فناء عنوان في المعنون أو صورة في ذي الصورة، ليس معناها أنّ شيئاً يستهلك -كما هو المعنى اللغوي لهذه العبارة- بل معناه: أن يكون هناك شيئان هما بالحمل الشايع متغايران ولكن -بالحمل الأولي-، أحدهما غير الآخر. فهذا الذي هو عين الآخر بالحمل الأولي يصلح أن يكون فانياً فيه، بمعنى أنه يُرى به الآخر لأنه عين الآخر بالحمل الأولي وان كان بالحمل الشايع لا يمكن أن يُرى به.

ففي باب الصور العلمية، إذا حصل للإنسان صورة علمية كاشفة عن الخارج فهذه الصورة بالحمل الأولي صورة خارجية، يعني أنّك تعتقد بوجود زيد في الخارج وبأنّ النار حارة، ولكنّها بالحمل الشايع صورة ذهنية في الكيف النفساني القائم في النفس. إذن، فمعنى فناء الصورة العلمية في الخارج هو أنّ تكون الصورة بالحمل الأولي عين الخارج وبالحمل الشايع مبايناً معه، فبلحاظ العينية بالحمل الأولي يمكن أن تكون فانية فيه.

وأما الشيئان المتباينان بالحمل الأولي والشايع معاً فهذا يستحيل أن يكون أحدهما فانياً في الآخر، ولا يُتصوّر مرآتية أحدهما للآخر في عالم الذهن، لأجل تباينهما بكلا الحملين، ومرآتية كلّ عنوان لمعنونه إنّما هو باعتبار أنّ العنوان 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

نفس المعنون بالحمل الأولي، وإن كان غيره بالحمل الشايع.

إذا اتّضحت هذه المقدّمة فنقول: إنّنا تارةً نلتفت إلى واقع اليقين: يعني واقع الصورة العلمية القائمة في نفس المكلّف، الذي يعتقد بعدالة زيد يوم الجمعة، هذه الصورة العلمية إذا نظر إليها بالحمل الأولي فهذه الصورة قابلة للفناء في المتيقن، وينسب إليها ما ينسب إلى المتيقن من أحكام باعتبار أنّها عينه بالحمل الأولي.

وأمّا مفهوم اليقين -لا المصداق المنظور إليه من قبل القاطع، بل المنظور إليه من قبل الإمام في قوله: “من كان على يقين فأصابه شك“- ليس هو عين عدالة زيد لا بالحمل الأولي ولا بالحمل الشايع. نعم هو عين مصاديق اليقين وحقيقته بالحمل الأولي، وإن كان بالحمل الشايع ليس هذا المفهوم يقيناً، وإنما هو صورة ذهنية وليس كشفاً وحكاية ومرآة، إذن فمفهوم اليقين(1) يكون حاكياً عن حقيقة اليقين القائمة في نفس المتيقن، ولا يكون كاشفاً ومرآة وفانياً في عدالة زيد المتيقنة؛ لأن مرآتية شيء لشيء فرع أن يكون عينه بأحد الحملين. وفي المقام مفهوم اليقين ليس عدالة زيد بأيٍّ من الحملين.

نعم، الصورة العلمية القائمة في نفس زيد عين عدالة زيد بالحمل الأولي، لكن الكلام في مرآتية وإفناء مفهوم اليقين، لا في مرآتية هذه الحقيقة، فهناك خلط في كلام صاحب (الكفاية) بين المفهوم والحقيقة، فحقيقة اليقين وإن كان مرآة للمتيقن، إلّا أنّ مفهوم اليقين القائم في نفس الجاعل والحاكم فهو ليس 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

() (الذي تصوّره الإمام). (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

عين متيقّن زيد لا بالحمل الأولي ولا الشايع، حتّى يكتسب صفة السبق والتقدّم والتأخّر من هذه الناحية بالنظرة المرآتية. فهذا الجواب أيضاً من صاحب (الكفاية) لا يتم.

الصحيح في المقام(1)

أن يقال: في مقام إبطال هذه القرينة: أنّنا لو سلّمنا بأشدّ تقريبي هذه القرينة؛ وذلك بأنّ قلنا بأنّ ظاهر الترتيب كون ولادة الشك بعد وفاة اليقين كما لعلّه هو الظاهر في أمثال المقام، وإن لم يكن هو الظاهر في تمام موارد الترتيب بـ(الفاء)، ولكن لعلّه هو الظاهر في أمثال المقام، ممّا كان المترتبان بـ(الفاء) عنوانين فالمركوز في الأذهان التضاد بينهما، فإذا قيل وجد هذا فوجد ذاك فبقرينية ارتكاز التضاد بين العنوانين، يُفهم أنّ وجود الثاني بعد وفاة الأوّل. والمقام من هذا القبيل، فإنّ اليقين والشك من العناوين المركوز التضاد بينهما. فإذا قيل: (من كان على يقين فأصابه شك) ينصرف بقرينية هذه الارتكاز أنّ الترتّب بالنحو الثاني، لا الأوّل يعني أنّ الشكّ وجد بعد وفاة اليقين، لا بعد مجرّد ولادته. لعلّ هذا هو الظاهر.

وبناءً عليه يقال(2): بأنّ وفاة اليقين في حالة الشكّ أمر تأباه طبيعة الاستصحاب؛ لأنّه في موارده: اليقين بالحدوث معاصر زماناً مع الشك في البقاء، مع هذا كلّه نقول: بأنّ هذه القرينة غير تامّة؛ وذلك لأنّ اليقين بالحدوث 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة وأشار إلى وجوه الجواب عن قرينية هذا الظهور. (المقرّر).

(2) بتخيّل ذلك. (منه). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

والشك في البقاء، حيث إنّ متعلّق أحدهما مباين بالدّقة مع متعلّق الآخر؛ لأنّ احدهما متعلّق بحدوث الشيء والآخر ببقائه، فمن هنا يكون إسناد نقض هذا الشك إلى هذا اليقين يحتاج إلى نحو من الملاحظة إلى تصحيح في مرحلة الاسناد الكلامي، بأحد وجوه، منها: الوجه المتعارف المشهور، وهو ما يقال: من أنّ اليقين، والشك يلغى عن متعلقهما خصوصيتا الزمان، فلا يلاحظ المتيقن بحده الزماني الحدوثي، ولا المشكوك بحده البقائي، فيضاف اليقين والشك إلى ذات ذلك الشيء. وحينئذٍ، يصحّ أن يسند نقض هذا الشك إلى هذا اليقين؛ باعتبار وحدة المتعلّقين بعد تجريدهما عن الزمان، هذا مطلب سوف يأتي حينما نبحث عن أنّ الاستصحاب هل يجري في موارد الشك في المقتضى أو لا يجري.

وهذه النكتة تستدعي أن نلحظ الشكّ واليقين مضافين إلى ذات الشيء، بقطع النظر عن تقيده بالزمان الخاص. وحينئذٍ، يقال: بأنّ لازم هذه النكتة
-بعد فرض إعمالها في مرحلة الإسناد الكلامي- أنّ اليقين الذي هو مقدم الاستصحاب -أي اليقين بالحدوث- لا يكون له بقاء بهذا النظر، في مرحلة البقاء، وإن كان له بقاء بنظر آخر.

يعني: أنّ اليقين بالحدوث تارةً يُنظر إليه بما هو يقين بالحدوث، ومضاف إلى هذه الحصّة الزمانية. فحينئذٍ، يكون مثل هذا اليقين باقياً إلى مرحلة الشك ولا يعقل ارتفاعه في موارد الاستصحاب (1). وأخرى يُنظر إليه بما هو يقين 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

() وحيث إنّ الرواية ظاهرة بأنّ الشكّ، ولد بعد موت اليقين فيكون هذا الظهور منافياً مع إرادة الاستصحاب على هذا التقدير. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بذات الشيء مجرّداً عن الزمان، فمثل هذا اليقين لا يبقى بعد انتهاء زمان المتيقّن، فإنّه يتحدّد بنفس زمان المتيقّن، فحينما ينتهي زمانه ينتهي اليقين المنظور إليه بهذا النحو من النظرة(1).

فيقال: كان لي يقين بعدالة زيد، أمّا اليوم فلا يقين لي بعدالته، وهذا تعبير عرفي متعارف في موارد الاستصحاب نفسها. فهذا اليقين ممتد بامتداد زمان المتيقّن، وينتهي بانتهائه، لكن الذي ينتهي ويموت هو اليقين المنظور إليه بهذه النظرة، لا اليقين المنظور إليه بنظرة أخرى.

فإذا اتّضح هذا يقال في المقام: إنّه في قوله: (من كان على يقين فشكّ) لعلّ فرض موت اليقين في مرحلة الشكّ لم يكن من باب أنّ الكلام عن قاعدة اليقين، بل عن قاعدة الاستصحاب. ولكن مع هذا فرض موت اليقين في مرحلة قبل الشكّ؛ لأنّ اليقين لوحظ بما هو مضاف إلى ذات الشيء، لا بما هو مضاف إلى المرحلة الزمنية الخاصّة له المسمّاة بالحدوث، فقيل بأنّ اليقين انتهى بانتهاء زمان المتيقّن، فيكون التعبير صحيحاً عرفاً ومنطبقاً على الاستصحاب(2)

ــــــــــ[154]ــــــــــ

() فهذا غير موجود في موارد الشكّ في البقاء، بل يكون قد توفي قبل ولادة الشكّ في البقاء؛ لأنّه يقين أضيف إلى ذات الشيء وذات الشيء ليس متيقناً فعلاً، وإنّما هو مشكوك؛ ومن هنا متى ما لاحظنا اليقين والشكّ باللحاظ الثاني، يصحّ أن نجعل ترتّباً زمانياً بينهما، بالرغم من أنّهما مجتمعان باللحاظ الأوّل فيقال: إلخ. (المقرّر).

(2) مضافاً إلى إمكان دعوى تعين ذلك بناء على أن تصحيح كلمة النقض في موارد الاستصحاب يتوقف على هذا التجريد، يعني: تجريده عن الزمان، على ما يأتي من أن الآغايون قالوا بذلك. فتنزيله على هذا المعنى هو المتعين ومعه لا يبقى إشكال من هذه الناحية في انسجامه مع الاستصحاب كانسجامه مع قاعدة اليقين. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فمثل هذا لا يصح أن يستخدم قرينة على نفي الاستصحاب، وأنّ المضمون آبٍ عنه، ومتعيّن في قاعدة اليقين.

وهذا من قبيل ما تقدّم في الصحيحة الثانية -على ما أظن- حيث قال: (لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت)، فإن هذا التفريع بمرتبة ما موجود هناك، وهو أيضاً لعلّه بهذا اللحاظ، وهو كون اليقين والشك ملحوظين مضافين إلى ذات الشيء مع التجرّد عن الزمان. غايته أنّ مثل هذا الكلام حينئذٍ، يجعل هذه الرواية دالّة على الاستصحاب، لكنّها تكون قاصرة عن شمول موارد كون اليقين بالحدوث، حادثاً مع الشكّ في البقاء، وحادثاً بعده؛ إذ هذه الموارد إذا نظرنا إلى اليقين بالحدوث، بما هو كذلك فلا يصحّ إضافة النقض إليه؛ لأنّ المفروض أنّ مصحّح إضافة النقض في مرحلة الإسناد الكلامي، إنّما هو تجريد المتعلّق من الزمان، وإن لوحظ لا بما هو يقين بالحدوث وجُرّد متعلّقه عن الزمان، فهو غير موجود أصلاً، بل هذ المؤمن لا يقين له بعدالة زيد، وإن فُرِض أنّ له يقين بالحدوث الذي انصرم وانقضى، فلا يمكنه أن يطبق مفاد الاستصحاب في مثل هذه الموارد.

ولكن لا بأس بذلك حينئذٍ، فإنّ التعميم حينئذٍ، يكون بأحد وسائل التعميم المتبعة في أمثال المقام من قبيل إلغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي، فإنّه 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

من المعلوم إنّ العرف لا يرى خصوصية لكون اليقين سابقاً، أو مقارناً أو متأخّراً، فإذا كانت هذه الرؤية العرفية ناشئة عن ارتكاز فهذا الارتكاز بنفسه يلغي الخصوصية.

ولا يقال: بأنّه كيف تلغى الخصوصية مع أنّ خصوصية النقض لعلّها دخيلة في المطلب، ولا يصدق النقض في المقام؛ لأنّه لا يصدق إلّا إذا جُرّد المتعلّق عن الزمان، وهنا إذا جُرّد متعلّق اليقين عن الزمان، لا يبقى له وجود أصلاً، فكيف يمكن أن نسرّي دليل الاستصحاب من موارد النقض إلى غير موارده؟

لأنه يقال: إنّ النقض خصوصية مأخوذة في مرحلة الإسناد الكلامي، لا أكثر من هذا المقدار. أمّا واقع ميزان المطلب بحسب الارتكاز العرفي ليس لكلمة النقض دخل فيه، وإنّما هذه الكلمة مربوطة بمرحلة الإسناد الكلامي لا أكثر.

وعلى أي حال فهذا يكون تقريباً -إشكالاً عامّاً- على إطلاق أدلّة الاستصحاب بناءً على تصحيحها بهذه النظرة، وهي تجريد متعلّق اليقين والشك عن الزمان، وسوف يأتي مزيد بحث عن هذا الإشكال حينما نتكلّم عن الشك في المقتضى، وعن دلالة المادة والهيئة في هذه الروايات.

فبالنسبة إلى ما هو مربوط بمحلّ الكلام نقول: إنّ هذا الظهور لا يمكن أن يستخدم قرينة ضد الاستصحاب ومعيّناً لقاعدة اليقين. هذا هو الظهور الأوّل.

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الظهور الثاني في الاستصحاب

الظهور الثاني هو ما ذكره الميرزا وتّبعه عليه السيّد الأستاذ، وحاصله: ظهور يراد إبرازه لصالح الاستصحاب وضد قاعدة اليقين وهو ظهور قوله: “فليمضٍ على يقينه” في فعلية اليقين في أنّ اليقين موجود بالفعل، لا أنّه كان يقين وزال.

وهذا الظهور قرّبه الميرزا(1) ومن تابعه بتقريب عجيب، حيث أفاد في ذلك: أنّ كلّ مفهوم لا يصحّ إطلاقه على الذات التي انقضى عنها المبدأ، وهذا واضح في باب المشتقّات؛ لأنّنا نقول بوضع المشتقّ لخصوص المتلبّس، وكذلك الحال في غير المشتقّات، كالمصادر فإنّه فيها أوضح كما في نفس العلم والإنسانية والحجرية، فإنّه في بحث المشتقّ قرأنا أنّه يوجد في المشتقّ من يقول بالوضع الأعمّ من المتلبّس وغيره، لكن لا يوجد في المصادر من يقول في المصادر بالوضع للأعمّ(2).

ومبنياً على هذه المقدّمة يقال: بأنّ قوله: “فليمضِ على يقينه” لا بُدّ وأن يُفرَض كون اليقين فعلياً؛ وذلك لأنّنا لو حملناه على قاعدة اليقين، وفرضنا أنّ المراد هو اليقين الذي انقضى، فمعناه: أنّه قد أُريد باليقين الحالة التي كانت في 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

() في التقريرات. (منه). (المقرِّر).

(2) وهنا سأل أحد الإخوان وقال: المصدر لا يطلق لا على المتلبّس، ولا على غيره.

 قال: المتلبّس يعني في مرحلة ذاته، فإنّ العلم متلبّس بالعلمية في مرحلة ذاته. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

يوم ما يقيناً وأصبحت شكّاً(1)، وهذا أعجب من أن يُراد بالعالم من كان عالماً؛ لأنّ استعمال المصدر فيما انقضى عنه المبدأ أعجب من استعمال المشتقّ فيه، فلا بُدّ أن يكون كلمة اليقين قد اسُتعمِلت فيما هو بالفعل علم، لا حالة كانت في وقتٍ مّا علماً؛ لأنّه استعمال في المنقضي عنه.

إبطال قرينية الظهور الثاني على الاستصحاب

هذا البيان من العجائب؛ لأنّ القائل بحمل هذه الرواية على قاعدة اليقين، لا يقول بأنّ كلمة اليقين في قوله: “فليمضِ على يقينه” يُستعمل في حالة موجودة بالفعل حين المضي بلحاظ أنّ هذه الحالة – في حركتها الذاتية- كانت يقيناً ثُمَّ أصبحت شكّاً(2)، فإنّ مثل هذه الحالة غير موجودة أصلاً، أن تكون حالة واحدة كانت يقيناً، ثُمَّ صار شكّاً، كما لو كان جسماً كان خشباً ثُمَّ صار رماداً، لا يوجد ذلك ولا يُدّعى هذا المطلب.

وإنّما الذي يدّعيه صاحب قاعدة اليقين، أنّ كلمة اليقين قد طُبّقت على تلك الحالة الجزمية الكاشفة، التي انصرمت في ظرف وجودها(3). وتلك الحالة هي يقين ولم تخرج عن كونها يقيناً بانعدامها، فإنّ الفرد بعدم وجوده لا يخرج 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

() فكأنّه قد استُعمِل اللفظ في المنقضي عنه المبدأ، واستعمال اللفظ في ذلك مسامحة في باب المشتقّات، وبشع في باب المصادر. ومقامنا من باب المصادر لا من باب المشتقّات. (منه). (المقرِّر).

(2) حتّى يقال: إنّ هذا من استعمال المصدر فيما انقضى منه المبدأ. (منه). (المقرِّر).

(3) وهي الفرد الحقيقي لليقين. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

عن كونه مصداقاً لكلّية، فعلى كلا التقديرين لم يرد منه الحالة التي كانت في وقتٍ مّا يقيناً، بل أُريد به ما هو يقين بالفعل في ظرف وجودها التطبيق، لا أنّ كلمة اليقين طُبّقت على حالة موجودة الآن وكانت في وقتٍ مّا يقيناً، هذا لا يريد أن يدّعيه من يحمل الرواية على قاعدة اليقين، فاللفظ مستعمل في مفهومه وأُريد به خصوص المتلبّس، ولم يرد به من انقضى عنه المبدأ.

فظهور المفهوم الاشتقاقي أو المصدري في المتلبّس في مقابل المنقضي أجنبي عمّا هو محلّ الكلام بالمرّة.

نعم، يبقى هناك كلام آخر، وهو أنّه هل هناك ظهور من أنّه هذا الفرد الذي طبّق عليه -مفهوم اليقين- هذا العنوان، هل هو موجود بالفعل أو لا؟ يعني: هل أنّ ظرف التطبيق هو نفس ظرف الكلام، يعني: نفس ظرف متعلّق الأمر وهو المعنى والبناء. نفس زمان المضي هو ظرف تطبيق اليقين على فرده، فلا بُدّ أن يكون الفرد موجوداً حين المضي. وأمّا إذا اختلف الزمانان فلا بأس(1)، فلا بُدّ أن تعنون المسألة هكذا: أنّ ظرف التطبيق هل هو نفس ظرف المضي المأمور به بقوله: “فليمضِ على يقينه” أو لا؟ فقد يقال هنا إنّه هو نفسه، بحسب الظهور العرفي.

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() هذا ظهور ابتدائي يدّعى، غير مربوط بمسألة استعمال اللفظ في المنقضي عنه المبدأ يعني: يفرقه بأنَّ لفظة اليقين استُعملت في المتلبس غاية الأمر يقال: إنّ هناك ظهوراً عندنا في أنّ تلك الذات التي طبّق عليها عنوان اليقين، الذي أُخذ موضوعاً في الخطاب، تلك الذات ظاهرة في فعلية الوجود حين المضي. (منه). (المقرّر).

 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فإنّه في مثل قولنا (أكرم العالم)، الظاهر عرفاً منه: أنّ ظرف تطبيق مفهوم العالم على الذات هو نفس ظرف الإكرام(1)، ولهذا لا بُدّ وأن نكرم شخصاً هو عالم حين الإكرام، ولو قال المولى: أُريد بقولي أكرم العالم أنّي طبّقت مفهوم العالم على الذات، بلحاظ ما قبل الإكرام بساعة، فهذا يحتاج بنفسه إلى قرينة وهو خلاف الظاهر، فكذلك هناك ظاهر الخطاب هو ظرف المتعلّق.

هذا كلام يمكن أن يقال، ولكن جوابه: أنه لا يوجد منشأ لمثل هذا الظهور في الخطابات العرفيّة، إلّا حيث تكون المادة بنفسها مقتضية لذلك، كالإكرام فإنّه يستدعي بنفسه وجود الذات المكرمة بالفعل، ففي مثل هذا يقال: إنّ ظاهر الخطاب أن يكون زمان التطبيق هو زمان الإكرام؛ لأنّ الإكرام يستدعي وجود الذات حال الإكرام. فظرف التطبيق هو ظرف وجود الذات، فلا بُدّ أن تكون متلبسة بالعام في زمان الإكرام، وأمّا في مثل قولنا: (امض على يقينك ترحّم على عالمك)، ونحوها من الأفعال التي تناسب مع معدومية هذا الموضوع، وعدم وجوده بالفعل.

 حينئذٍ، لا يوجد ظهور في أنّ اليقين قد طُبّق على فرد موجود بالفعل في ظرف الإتيان بالمضي أو بالترحّم. 

وعليه فهذا الظهور الذي استخدم لصالح الاستصحاب ممّا لا أساس له.

وبتعبير آخر: إنّ مقتضى طبيعة التطبيق أن يكون الفرد مصداقاً للعنوان المطبّق في ظرف وجوده، ولكن ما هو ظرف وجوده؟ قد يكون في بعض الموارد 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

() بحيث يكون الإكرام إكراماً للذات التي طبق عليها عنوان العالم. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

متعلّق الأمر يقتضي أن يكون ظرف وجوده هو ظرف إيجاد المتعلّق فينعقد له هذا الظهور، وفي بعض الموارد لا يكون هكذا، ومقامنا من هذا القبيل. هذا هو إبطال قرينية الظهور الثاني على الاستصحاب.

الظهور الثالث: في الإجمال

الظهور الثالث الذي أبرز في المقام: هو الظهور في وحدة المتعلّقين، يعني ظهور هذا الخطاب في أنّ متعلّق اليقين والشك واحد حقيقة لا واحد مسامحة وعناية، وهذا الظهور استُعمل في صالح قاعدة القين؛ لأن(1) متعلّق اليقين والشك في هذه القاعدة واحد حقيقية. وأمّا في باب الاستصحاب فهو ليس واحداً حقيقة.

وهذا الظهور يستشكل فيه كما أستشكل فيه أيضاً: بأنّه لا منشأ لهذا الظهور؛ لأنَّ هذا الظهور إنَّما يمكن أن يُدّعى لو كان في الكلام كلمة (شيء واحد) فقال: (كان على يقين وشك من شيء واحد)، فقد يقال: إنّ ظاهرها الواحد من جميع الجهات(2).

ولكن هذا غير موجود في العبارة، غاية الأمر أنّ حذف المتعلّق: متعلق 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() لأنَّ العينية بالنحو الكامل الأعلائي لا يكون أُخذ في موارد قاعدة اليقين، وأمّا في موارد الاستصحاب فلا يكون عينه، بل يكون هناك حدوث وبقاء والحدوث غير البقاء. (منه). (المقرِّر).

(2) حتّى من حيث الزمان، فيتمسّك بإطلاق الوجود لإثبات العينية المطلقة. (منه). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

اليقين والشك(1)، هو وجود تقديري للمتعلّق في مرحلة الكلام، وفي هذه المرحلة يتساوى عند العرف أن يكون المستعمل ناظراً إلى إضافة الشكّ إلى تمام ما تعلّق به اليقين بحده الزماني، أو إضافته إلى ذات ما تعلّق به اليقين بحدّه الذاتي بلا حده الزماني، كِلا الاضافتين عرفيّة للمولى أن يلحظها وأن يستغني عن إبرازها بحذف المتعلّق ودالّ تقديري. فلا يوجد هناك منشأ لاستظهار أحد اللحاظين دون الآخر.

فلا معيّن لان يكون الشكّ قد أُضيف إلى متعلّق اليقين بحدّه الزماني، حتّى يحمل الخطاب على قاعدة اليقين، بل لعلّه أُضيف إليه بحده الذاتي، أي بقطع النظر عن الزمان، فيكون حينئذٍ محمولاً على استصحاب.

ومن هنا قد يُتخيّل: أنّنا نعكس المطلب، ونعيّن عدم أخذ الزماني في المتعلّق من باب الإطلاق ومقدّمات الحكمة؛ لأنّه يقال: بأنَّ أخذ خصوصية الزمان في المتعلّق مؤونة زائدة ولو كان قد أضاف الشك إلى متعلّق اليقين بما هو مقيد بالزمان، لكان عليه أن ينصب قرينة على ذلك، فبمقدّمات الحكمة ينفي ذلك.

[إبطال الظهور الثالث]

هذا الكلام أيضاً ممّا لا معنى له؛ وذلك لأنَّ مقدّمات الحكمة إنَّما تأتي فيما إذا كان الكلام اللفظي بحدّ ذاته لم يؤخذ في مدلوله القيد حتماً، وشككنا أنّ القيد هل أُخذ في عالم الثبوت أو لا، فحينئذٍ يقال: بأصالة المطابقة بين مقام 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

() وحذف المتعلق في قوة إيجاد دال كلامي تقديري يكون دالّاً على أنّ الشك مضاف إلى متعلّق اليقين، أمّا كيف يضاف… الخ. (منه). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الإثبات ومقام الثبوت، أنّ القيد كما أنّه لم يؤخذ في مقام الإثبات، لم يؤخذ أيضاً في مقام الثبوت، وهو معنى الإطلاق.

وأمّا في المقام، فالمدلول اللفظي مردّد بين أن يكون قد أُخذ القيد فيه أو لم يأخذ؛ لأنَّ المدلول اللفظي هنا هو مدلول ذاك الدال التقديري، الذي فرضناه، وهذا الدال التقديري لا يدري أنّه دالّ على إضافة الشك إلى متعلّق اليقين بحده الحدوثي أو لا بحدّه(1). إذن، فعندنا دالّ مجمل مردّد بين أن يكون دالّاً على الذات مع القيد أو عليها بلا قيد. وفي مثل ذلك لا معنى لتعيين الذات بلا قيد بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، فإنّه إنَّما ننفي بها القيد إذا كان الدالّ اللفظي غير دالّ على القيد حتماً، فيقال بأصالة المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، وأمّا في المقام فالدال اللفظي مجمل، فلا يكون من باب الإطلاق ومقدّمات الحكمة.

ومن هنا قد يستخدم هذا الإجمال في نهاية المطاف لإسقاط الاستدلال بالرواية على الاستصحاب، فيقال: بأنّنا بالنتيجة ابتُلينا بالإجمال فلا يُدرى بأنَّ الشكّ أضيف إلى متعلّق اليقين بذاته، حتّى يقبل الانطباق على الاستصحاب، أو إلى متعلّق اليقين بحدّه حتّى لا يقبل الانطباق إلّا على قاعدة اليقين، فلا يمكن التمسّك بالرواية لإثبات الاستصحاب، كما قال المحقّق العراقي في (المقالات).

الظهور الرابع: اختلاف المشكوك والمتيقن من حيث الزمان

لكن نحن نرفع هذا الإجمال بإبراز ظهور رابع: وهو ظهور إسناد اليقين 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() وكلّ من التقديري يصلح أن يكون مدلولاً له ونسبته إلى كليهما على حدّ واحد. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

والشكّ إلى الشخص في زمانٍ. في فعلية المتيقّن والمشكوك في ظرف الإسناد(1)، يعني: أنّ كلّ من قال: (أنا على يقين من عدالة زيد)، فأسند إلى نفسه فعلاً أنّه على يقين من عدالته، لا يُسأل أنّه أنت على يقين من عدالته في هذا الزمان أو في زمان سابق؟ لأنَّ الظاهر عرفاً من إسناده أنّ المتيقّن زمانه هو زمان فعلية إسناد اليقين إلى هذا الشخص.

وحينئذٍ، إذا قيل: (من كان على يقين فأصابه شكّ)، فهو ظاهر بأنّه من كان على يقين من شيء ثابت في ظرف اليقين ثُمَّ أصابه شكّ في شيء مشكوك في ظرف الشك، وهذا معنى الحدوث والبقاء. وهو معنى اختلاف المشكوك والمتيقّن من حيث الزمان، وحيث إنّه فرض زمان الشكّ بعد زمان اليقين، إذن، فيجب أن يكون زمان المشكوك بعد زمان المتيقّن أيضاً، وهذا هو معنى الاستصحاب. فبهذا الظهور يتعيّن حمل الرواية على الاستصحاب.

وإلى هنا(2) يظهر أنّ نتيجة هذه الظهورات الثلاثة هو الابتلاء بالإجمال 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

() فحينما يقول شخص بنحو التقيد: كان لي في يوم السبت يقين بعدالة زيد. لا نسأله بعد هذا هل كان يقينكم الذي كان في يوم السبت هل هو يقين بعدالة زيد يوم السبت أيضاً أو يوم الثلاثاء، بل نفهم من هذا عرفاً أنّ عدالة زيد المتيقّنة هي عدالة يوم السبت، كما إنّه لو أُطلق وقال أنا على يقين من عدالة زيد، نفهم منها أنّ عدالة زيد الآن متيقّنة له. (المقرّر).

(2) أعاد السيّد في هذه المحاضرة الكلام عن الظهورات الثلاثة تفصيلاً حتّى انتهى إلى الإجمال الذي ذهب إليه المحقق العراقي في المقالات، فقال: ولا ينبغي أن يتوهّم في المقام رفع هذا الإجمال بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، بأنَّ يقال – مثلاً-… وهنا قرّر الوجه كما سبق مع جوابه. فقد أخّر السيد هذا المطلب عن دعوى الإجمال وكان قد قدمه في المحاضرة السابقة. ثمَّ قال: إذن فالإجمال لو استقرّ يكون هادماً للاستدلال بالرواية. (المقرّر ).. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وعدم تمامية الاستدلال.

نطبق(1) هذا الظهور في محلّ الكلام:

فإنّه قال: (من كان على يقين فشك) ففرض زمانين: في الزمان الأوّل أسند اليقين إلى المكلّف، وفي الزمان الثاني أُسند الشكّ إليه. وبمقتضى الظهور الذي قلناه: في أنّ زمان متعلّق اليقين والشكّ هو زمان إسنادهما، وبمقتضاه يكون للخطاب ظهور في أنّ متعلّق اليقين الذي أُسند إلى المكلّف في الزمان الأوّل متعلّقه أيضاً هو الزمان الأوّل، وأنّ الشكّ الذي أُسند إلى المكلّف في الزمان الثاني متعلّقه هو الشكّ في الزمان الثاني، أي أنّ اليقين متعلّق بالحدوث، والشكّ متعلق بالبقاء.

 إذن فالرواية ظاهرة في تعدّد المتعلّق من ناحية الحدوث والبقاء، وأنّ أحدهما حدوث والآخر بقاء، وهذا هو الاستصحاب، ولا يمكن تنزيله على قاعدة اليقين، وبذلك تكون الرواية ظاهرة في الاستصحاب، ويبطل احتمال حملها على قاعدة اليقين.

ــــــــــ[165]ــــــــــ

() وهنا ذكر الظهور الرابع الذي يرتفع به الإجمال، وذكر مقدّمته ثُمَّ قال: نطبّق…(المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 





الرواية السادسة

مكاتبة علي بن محمد القاساني

 

  • دلالة الرواية 
  • سند الرواية

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 








الرواية السادسة: مكاتبة علي بن محمد القاساني

 

الرواية السادسة التي استُدل بها على الاستصحاب: مكاتبة علي بن محمد القاساني أو الكاشاني، قال: “كَتَبْتُ إِلَيْهِ وأَنَا بِالمَدِينَةِ عَنِ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ‏ يُصَامُ‏ أَمْ‏ لَا؟ فَكَتَبَ: الْيَقِينُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الشَّكُّ، صُمْ لِلرُّؤْيَةِ وأَفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ“. 

 

دلالة الرواية 

 

والاستدلال بها بحمل اليقين على اليقين بعدم دخول شهر رمضان والشك على الشك بدخوله، بلحاظ يوم الثلاثين من شعبان، فيستصحب عدم دخول شهر رمضان؛ لأنَّ اليقين بعدم دخول شهر رمضان لا يدخله الشك بدخول الشهر، كما أنّه بلحاظ يوم الثلاثين من شهر رمضان يُراد من اليقين: اليقين بالرمضانية وبالشكّ الشك بها، ويقال: إنّ اليقين بالرمضان لا يدخله الشكّ في ارتفاع الرمضانية، فيترتّب على الاستصحاب بلحاظ أوّل الشهر عدم وجوب الصوم، وبلحاظ آخر وجوبه، وهو ممّا ينطبق على قوله – في مقام التفريع على ذلك-: “صم للرؤية وافطر للرؤية“. 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وقد جُعلت هذه الرواية في كلمات بعضهم -كالشيخ على ما هو ظاهر عبارته- أظهر من الروايات السابقة في الدلالة على الاستصحاب. باعتبار أنّها غير مبتلاة باحتمال العهدية، وهو الابتلاء الذي كان موجوداً في جملة من الروايات السابقة(1)؛ لأنَّ الإمام يلقي خطاب: (اليقين لا يدخله الشكّ)، من دون أن يفرض قبل هذا -لا في كلامه ولا في كلام السائل- يقيناً بعدم الرمضانية ويقيناً بها، حتّى يقال: إنّه إشارة إلى ذاك اليقين، فهي أحسن حالاً من الروايات السابقة.

مناقشة في دلالة الرواية على الاستصحاب

إلَّا أنّه مع هذا نُوقش في ظهورها في الاستصحاب(2):

الاحتمال الأول: للمحقّق النائيني

أبداه المحقّق النائيني، وحاصله: حمل اليقين والشك هنا على المتيقّن والمشكوك، ويراد بهما الرمضانية يقيناً وشكّاً. 

توضيح ذلك: أنّ قوله: (اليقين لا يدخله الشك)، مبنى الاستدلال به على أن نحمله على اليقين بعدم دخول شهر رمضان والشك في دخوله، حتّى يتمّ أركان الاستصحاب، ويترتّب عليه عدم وجوب الصوم.

إلَّا أنّه من الممكن أن يكون المراد من اليقين والشك في المقام اليقين بدخول شهر رمضان والشك في دخوله، فاليقين في الرمضانية لا يدخله الشك 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

() وهو الموجب للتشويش في اقتناص الكبرى. (منه). (المقرِّر).

(2) بإبداء احتمالين آخرين. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

في الرمضانية، ويضيف إلى هذا: أنّ اليقين بالرمضانية أُريد به رمضان متيقن، والشك فيها أُريد به رمضان مشكوك. فالمراد: أن ما يُشكّ في كونه من رمضان لا تدخله فيما تتيقّن أنّه من رمضان في مقام الامتثال، فإنّك تشكّ أنّ اليوم الثلاثين من شعبان هل هو من رمضان أو لا، بينما الأيام التي بعده تعلم أنّها منه، فأنت لا تدخل هذا اليوم المشكوك في الأيام المتيقّنة في أنّها من رمضان.

 وحينئذٍ، يكون هذا النهي مساوقاً للنهي الذي ورد في جملة من روايات الباب، في أنّه يُصام يوم الشك بنيّة أنّه من رمضان، فكأنّ صومه بهذه النية إدخال له في رمضان، فهو ينهى عن إدخال الشكّ في اليقين، والمراد بهما: المشكوك الرمضانية والمتيقن الرمضانية.

اعتراض السيد الأستاذ على ما أفاده المحقّق النائيني

هذا الاحتمال اعتًرِض عليه كما في كلمات السيّد الأستاذ بأمرين:

الأوّل: أنّ هذا تأويل لليقين والشك بالمتيقن والمشكوك. وهذا وإن فُرِض كونه صحيحاً مع المسامحة، إلّا أنّه لا إشكال في احتياجه إلى قرينة على ذلك، وإلَّا فطبع اليقين والشك يدلّ على المعنى المصدري، لا على المعنى المفعولي.

الثاني: أنّ هذا الاحتمال لا يناسب ظهور التفريع، فإنَّ ظاهر قوله: “صم للرؤية وافطر للرؤية“، هو تفريع كلا الحكمين: الصوم للرؤية والإفطار للرؤية، على قاعدة أنّ (اليقين لا يدخله الشكّ). وإذا فسّرنا العبارة بهذا المعنى الميرزائي: وهو أنّ اليوم الذي يُشكّ أنّه من رمضان لا تدخله مع الأيام التي تتيقن أنّها من رمضان، فهذا يستنبط منه أنّ يوم الثلاثين من شعبان لا يجوز 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

صومه بعنوان الرمضانية. أمّا كيف يُستنبط من ذلك أنّ يوم الثلاثين من رمضان يجب صومه، ولا يجوز الإفطار إلّا عند رؤية هلال شوال، فظهور العبارة في كونها تفريعاً يكون شاهداً على خلاف هذا الاحتمال.

والاعتراضان واردان على المحقّق النائيني، بمعنى أنّ هذا الاحتمال يحتاج إلى قرينة. صحيح: أنّ هذا المعنى وجد في جملة من الروايات الأخرى، إلّا أنّ مجرّد وجوده فيها لا يكفي قرينة على أن يكون هو المراد من هذه الرواية.

الاحتمال الثاني: لصاحب (الكفاية)

الاحتمال الثاني الذي أُبدي لجعل الرواية مجملة، أو ظاهرة في الخلاف هو ما ادّعاه صاحب (الكفاية)  بأنَّ مطالعة روايات الباب تشرف الفقيه على القطع: أنّ هذه العبارة لم تُسق للاستصحاب وإنّما سيقت لمعنى آخر، وذلك: بأنَّ نحمل اليقين والشك في المقام على اليقين بالرمضانية والشك بها، كما حملها الميرزا، وكأنّ المقصود من أنّ اليقين لا يدخله الشك، هو هذا المعنى المستفاد من سائر روايات، وهو: أنّ اليقين أُخذ على وجه الموضوعية في موضوع وجوب الصيام حدوثاً(1) وموضوع وجوب الإفطار حدوثاً(2)، ولم يؤخذ فيه اليقين بنحو الطريقية (إياك والظن، إياك والتخمين، إنَّما هو بالرؤية، إنَّما هو باليقين). ونحوها من عبائر الروايات، التي يُستفاد منها أنّ الحكم بوجوب الصيام والإفطار، أُخذ في موضوعه اليقين بالرمضانية واليقين بالشواليّة.

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() وهو اليقين بالرمضانيّة. (المقرّر).

(2) وهو اليقين بالشواليّة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وحينئذٍ، يريد أن يقول: (إنّ اليقين لا يدخله الشكّ)، يعني: الشك لا يمكن أن يُقاس على اليقين، فإنَّ اليقين هو الذي يحقّق موضوع وجوب الصيام في بداية شهر رمضان، والموضوع لوجوب الإفطار في بداية شوال. والشك لا يكون بمنزلة اليقين.

وبناءً على هذا يسقط الاستدلال بالرواية على الاستصحاب.

اعتراض السيّد الأستاذ لا يرد على صاحب (الكفاية)

ذكر السيّد الأستاذ بأنَّ هذا الاحتمال يندفع بما ذكرناه في رد الاحتمال الأوّل، مع أنّ تمام تلك النقاط الواردة على الاحتمال الأوّل لا ترد في المقام. 

أمّا الأوّل فواضح، حيث إنّ الآخوند لا يلتزم بحمل اليقين والشك على المتيقن والمشكوك، بل أبقاه بمعناه الحقيقي، وقال بأنَّ اليقين بالرمضانية أُخذ موضوعاً لوجوب الصيام واليقين بالشواليّة أُخذ موضوعاً لوجوب الإفطار، والشك لا يقوم مقام اليقين. فهذا الإشكال الذي كان متجّها على الميرزا لا يرد على صاحب (الكفاية) .

وكذلك الإشكال الثاني فإنَّ الميرزا يريد أن يقول: إنّ المراد من (اليقين لا يدخله الشكّ) هو النهي الوارد في جملة من الروايات عن صوم يوم الشكّ بعنوان الرمضان. وحينئذٍ، يبقى قوله: (وافطر للرؤية) غير مربوط بقاعدة (اليقين لا يدخله الشك). وأمّا الآخوند فيريد أن يقول: بأنَّ اليقين في كلا الحكمين أُخذ بنحو الموضوعية، في الحكم بوجوب الصيام حدوثاً والحكم 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بوجوب الإفطار أيضاً(1). والشكّ لا ينبغي أن يرقى إلى مرتبة اليقين. وحينئذٍ، فيفرّع على هذه القاعدة كلا الأمرين، (صم للرؤية وأفطر للرؤية).

فكِلا هذين الاعتراضين لا يردان على ما ذكره صاحب (الكفاية).

مناقشة الاحتمال الثاني

إلّا أنّ الذي ذكره في نفسه بعيد غايته ولا شاهد عليه أصلاً، وقوله: إنّ الفقيه يشرف على القطع بملاحظة سائر الروايات على هذا المعنى. مَن يلحظ سائر الروايات لعلّه لا يجد رواية دالة على هذا المعنى، فضلاً عن أنّه يشرف على القطع بهذا المعنى، فإنّه لا يوجد في روايات الباب على أخذ القطع بنحو الموضوعية في وجوب الصوم حدوثاً أو وجوب الإفطار. والروايات الدالّة على أنّ المسألة باليقين لا بالتخمين والتظنّي، كلّها في مقام بيان أنّ الامتثال لا بُدّ وأن يؤدي بنحو الجزم واليقين، ولا يجوز أن يعوّل فيه على الاحتمالات والشكوك، فيصام اليوم على أنّه من شهر رمضان لاحتمال أنّه منه، أو يفطر يوم على أنّه من شوال لاحتمال أنّه منه. كلّ ذلك على خلاف القاعدة وليس في تلك الروايات دلالة على أنّ اليقين أُخذ في الموضوع على وجه الموضوعية، بل فيها دلالة على الخلاف؛ لأنّها تفتي بوجوب الصوم للرؤية، وإن لم ترَ فليس عليك أنّ تصوم، ولكن بعد هذا إذا شهد عندك شاهدان على الهلال 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

() فيراد من اليقين هنا: اليقين بالرمضانيّة ابتداء وانتهاء واليقين بالرمضانيّة ابتداء أخذ في موضوع وجوب الصوم واليقين بالرمضانيّة انتهاء أخذ في موضوع الإفطار، وحينئذٍ لا يأتي هذا الإشكال أيضاً. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

في ليلة الشك فاقضه. ووجوب القضاء كاشف عن أنّ اليقين بالرمضانية لم يؤخذ على وجه الموضوعية في وجوب الصوم. وإلَّا لو كان مأخوذاً كذلك إذن، فلا وجوب للصوم واقعاً بلا يقين. فلا منشأ للقضاء، وظاهر القضاء هو فوات الواجب وتداركه. إذن فنفس هذه الروايات دليل على أنّ اليقين لم يؤخذ على وجه الموضوعية؛ لا في وجوب الصوم ولا وجوب الإفطار.

فقرينيّة سائر الروايات على هذا المعنى في هذه الرؤية ساقطة.

هل اليقين أُخذ على وجه الموضوعية أو الطريقية؟

فنبقى نحن وهذه الرواية. هل يمكن أن نبدي فيها هذا الاحتمال؟ وأنّ اليقين حيث إنّه أُخذ على وجه الموضوعية، فالشكّ لا يكون مثل اليقين من هذه الناحية؟ هذا بعيد عن هذه الرواية جداً، وذلك لعدّة وجوه:

منها: أنّ هذه العبارة بيّنت في صدر كلام الإمام بلا سبق كلمة اليقين، أو الشكّ في كلامه وفي كلام السائل، وإن ورد الشك لكن لم يرد اليقين، فاليقين لم يرد في كلام الإمام ولا السائل، فحمل اليقين على اليقين بالرمضانية من دون عهد وذكر سابق يبدي هذا الاحتمال(1)، على خلاف الظاهر جداً، بل مقتضى طبع الطلب أن يُراد باليقين اسم الجنس، وهو المعنى الكلّي الذي يشمل اليقين بالرمضانية واليقين بعدالة زيد -مثلاً- ومعه لا يبقى معنى لهذا الاحتمال.

ومن المبعّدات: أنّه لا معنى للإدخال حينئذٍ في قوله: اليقين لا يدخله الشك.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

() ولا سابق ارتكاز لأخذ اليقين على نحو الموضوعية على هذا النحو. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

 وتوضيح ذلك: أنّ الدخول هنا بمعنى الإفساد باعتبار أنّ شيئين إذا كان التضاد بينهما مركوزاً في الأذهان العرفية، وقيل بأنَّ هذا دخل ذاك، فيكون هذا دالّاً عرفاً على فساد ذاك؛ بسبب هذا واضمحلاله وفنائه، فمعنى قوله: اليقين لا يدخله الشك، يعني: اليقين لا يفسد بالشكّ ولا يضمحل به.

وحينئذٍ، إذا كان اليقين هنا المراد به الملحوظ على وجه الطريقية وهو اليقين الذي يريده القائل بالاستصحاب، أي: اليقين بعدم الرمضانية والشك في بقاء هذا العدم، فهذا الكلام صحيح، بأن يقال: إنَّ اليقين حيث إنّه يقتضي الجري على طبق متيقّنه؛ باعتبار أنّه طريقي وكاشف عن متعلّقه، فإذا تعلّق بعد هذا شكّ في بقاء متعلّقه فهنا مجال لأن يقال: إنّ هذا الشك يبطل ذاك اليقين أو لا يبطله -يعني عملاً- وإن كان يبطله تكويناً وذاتاً، فلو بني أنّ اليقين ينقضي بالشك، فمعناه أنّ الشكّ قد أبطل اليقين.

وأما إذا كان المراد من اليقين هنا: اليقين بالرمضانية المأخوذ على وجه الموضوعية، المأخوذ موضوعاً لوجوب الصيام، فما معنى قوله: اليقين لا يدخله الشك؟ غاية ما يُتصوّر له من معنى أنّ الشك ليس كاليقين في الموضوعية، وهذا أجنبي عن الإفساد والإبطال لليقين بما هو يقين، فإنَّ اليقين حين يلحظ بما هو موضوع يصير كسائر الموضوعات الأخرى، فحين نريد أن نبيّن: أنّ التراب ليس في مطهّريته كالماء، هل من الصحيح أن نعبّر عن ذلك ونقول: إنّ التراب لا يدخل في الماء. فالدخول بالمعنى المساوق للإفساد والإبطال يناسب ملاحظة اليقين الطريقي، دون الموضوعي، فإنَّ اليقين الموضوعي إذا ثبت أنّ شيئاً آخر يقوم مقامه ويسدّ مسدّه ليس إبطالاً له، بل هو إبطال لانحصار 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

موضوعيته بخلاف اليقين الطريقي، فإنّه إذا ثبت أنّ الشكّ يوجب صرف عنان المكلّف عنه يكون نحو إبطال له، فهذا الكلام لا يناسب مع احتمال (الكفاية) بوجه.

ولهذا كلا الاحتمالين ساقط، وظهور العبارة في الاستصحاب ممّا لا ينبغي إنكاره.

بل(1) بحسب الدقّة، التفريع بناءً على فرضية الآخوند أنسب منه على الاستصحاب. إذ لو حملنا عبارة: (اليقين لا يدخله الشكّ) على الاستصحاب وحملنا اليقين على اليقين بعدم الرمضانية، فمن المعلوم إنّ استصحاب عدم الرمضانية، ما يترتّب عليه مباشرة هو عدم وجوب الصوم في يوم الثلاثين من شعبان، لا وجوب الصوم للرؤية، وأمّا وجوب الصوم للرؤية أي: انحصار الوجوب بالرؤية وبالعلم. كأنّه مترتب على ذلك بالعناية وبالواسطة لا مباشرة، وأمّا بناءً على فرضية الآخوند، فيكون تفريع الصوم للرؤية على العبارة تفريعاً بلا ملاحظة واسطة؛ لأنَّ معنى أخذ اليقين بالرمضانية في موضوع وجوب الصوم، هو أنّ الصوم للرؤية، يعني أُخذت الرؤية أي العلم واليقين في موضوع وجوب الصوم، فيكون تفريعاً بلا واسطة، فهذا الإشكال لا يرد على صاحب (الكفاية)، ولكن يرد عليه إشكالان آخران(2).

ــــــــــ[177]ــــــــــ

() أشار أولاً: إلى احتمال الميرزا، الرامي إلى منع ظهور رواية القاساني بالاستصحاب. ثُمَّ ذكر احتمال الآخوند، ثُمَّ ذكر عدم ورود ما ورد على الميرزا عليه، ثُمَّ قال: (المقرّر).

(2) ولخّصهما كما سبق. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

مناقشة المحقّق العراقي في الاستدلال بالرواية

المحقق العراقي أبدى في المقام مناقشة أخرى في الاستدلال بالرواية تشبه بعض مناقشاته للاستدلال بالصحيحة الثالثة.

وحاصل مناقشته هنا: أنّ التمسّك بالاستصحاب في مورد الرواية غير صحيح؛ لأنّه من الأصل المثبت. وحينئذٍ، لا بُدّ من تأويل الرواية وحملها على ما يقول صاحب (الكفاية) -مثلاً-، فكأنّ الفرق بين مرام المحقّق العراقي ومرام المحقّق الخراساني، أنّ المحقّق الخراساني يدّعي من أوّل الأمر أنّ الرؤية ظاهرة في المعنى، الذي يقوله أو مجملة، أمّا المحقّق العراقي فكأنّه يستعين على ذلك بنكتة أنّ الاستصحاب في مورد الرواية مثبت، وحيث إنّ الأصل المثبت ليس بحجّة، فلا بُدّ من صرف العبارة من الاستصحاب إلى مطلب آخر، فليكن هو ما قاله صاحب (الكفاية).

وأمّا توضيح كون الاستصحاب في المقام مثبتاً فحاصله: أنّ وجوب الصوم في أول شهر رمضان ووجوب الإفطار في أوّل شوال، لو كان مترتّباً على ثبوت الرمضانية وثبوت الشوالية بنحو مفاد كان التامّة، بمعنى أنّ المولى بقوله: إذا وجد رمضان في العالم يجب عليك الصوم، وإذا وجد شوال في العالم فيجب عليك الإفطار. إذا كان الأمر هكذا فيمكن باستصحاب عدم كان التامّة أن ننفي وجوب الصيام في الأوّل ووجوب الإفطار في الثاني من دون مثبتية.

ولكن الواقع ليس هكذا، فإنَّ الواقع أنّ وجوب الصيام ليس موضوعه وجود رمضان في العالم، بل رمضانية الزمان الموجود والفرق بين المفهومين 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

كالفرق بين مفهوم وجود الكر وكريّة الماء الموجود. وهنا ما هو موضوع لوجوب الصيام ليس هو أن يوجد رمضان في العالم، بل أن يكون زمانك الفعلي رمضاناً، وكذلك بالنسبة إلى موضوع وجود الإفطار. أن يكون الزمان الفعلي شوالاً، وهذا ليس له حالة سابقة حتّى يستصحب، فلا يمكننا أن نجري الاستصحاب بنفس مفاد كان الناقصة، بل غاية ما يثبت بالاستصحاب هو نفي مفاد كان التامّة، فنقول: لم يوجد رمضان في العالم ولا شوال في العالم، ولازمه أنّ الزمان الزمان الفعلي ليس رمضانياً، أو ليس شوالاً(1). وهذه ملازمة عقلية لا محالة، فما هو موضوع الأثر وهو مفاد كان الناقصة لا يجري في الاستصحاب مباشرة، وما هو مجرى له، وهو مفاد كان التامّة، ليس موضوعاً للأثر الشرعي، إلّا بالملازمة العقلية، فالاستصحاب في المقام مثبت.

ثلاثة تعليقات على ما ذكره المحقّق العراقي

وهذا الذي ذكره لنا ثلاثة تعليقات عليه:

التعليق الأوّل: ما أُشير إليه في الصحيحة الثالثة، من أنّه لو فُرِض أنّ الاستصحاب كان يتوقّف إجراءه هنا على الالتزام بالأصل المثبت، فيلتزم به؛ لأنَّ نفي الأصل المثبت كان باعتبار قصور الدليل، لا باعتبار الدليل على العدم، ويكون هذا بنفسه دليلاً على سعة الجعل في باب الاستصحاب، ولا يكون هذا محذوراً بحيث يوجب تأويل الرواية ورفع اليد عن ظاهرها.

التعليق الثاني: أنّه سوف يأتي في باب استصحاب الزمان والتدريجيات أنّه 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

() فنثبت نقيض مفاد كان الناقصة باستصحاب نقيض كان التامّة (صحّ) (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بالإمكان إثبات نقيض مفاد كان الناقصة، ولا نحتاج إلى أن نثبت ذلك بالملازمة العقلية، فشواليّة هذا الزمان أو رمضانيته، يمكن إثبات عدمه بالاستصحاب مباشرة، إمّا بنحو استصحاب العدم الأزلي أو العدم النعتي، على ما يأتي تحقيقه في محله. وعليه فلا يكون هذا الاستصحاب مثبتاً.

التعليق الثالث: هو أنّنا تارةً نتكلّم في الحكم الأوّل، وهو وجوب الصوم، وأخرى في الحكم الثاني وهو “افطر للرؤية“. 

أمّا بالنسبة إلى الحكم الأوّل: وهو وجوب الصوم، فالأمر وإن كان كما قلتم من حيث إنّ الزمان أُخذ قيداً بنحو مفاد كان الناقصة، يعني يجب على الإنسان أن يصوم في زمان هو رمضان، لا أنّه يصوم مع رمضان من باب المقارنة الاتفاقية، ونحن نلتفت إلى يوم الشكّ ونقول: إنّنا لا ندري أنّه رمضان أو لا، هذا لا ينافي أن يكون قد أُخذ مفاد كان التامّة أيضاً في موضوع الوجوب، مضافاً إلى أخذ مفاد كان الناقصة فيه، بحيث يكون وجوب الصوم مقيداً بأنَّ يوجد الشهر بنحو مفاد كان التامّة، ومفاد كان الناقصة في الواقع مأخوذ قيداً في الواجب، لا في الوجوب، فهناك(1) فرق بين قيد الواجب، وقيد الوجوب، فمفاد كان الناقصة، وإن كان مأخوذاً في باب الصوم بلا إشكال، لكن من قال لكم أنّه مأخوذ في الوجوب لعلّه مأخوذ في الواجب، وأما نفس الوجوب فقد أُخذ في موضوعه مفاد كان التامّة، أي وجود الشهر.

هذه فرضية معقولة، وبناءً عليها يجري استصحاب عدم مفاد كان التامة 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

() مقصودي إبداء فرضية ثمّ تطبيقها على الأدلّة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

من دون محذور المثبتية؛ لأنَّ المفروض أنّ الوجوب أخذ في موضوعه مفاد كان التامّة، وإن أخذ مفاد الناقصة قيداً في الواجب. فنستصحب عدم مفاد كان التامّة. إذن، فلا وجوب في المقام.

وهذا هو المطابق مع ظواهر الأدلة، كقوله: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1)، فإنّه أُخذ في موضوع وجوب الصوم شهود الشهر أي حضوره، وهو مساوق مع وجود الشهر بالنحو الواصل إليه. فهذا ينحل إلى: أنه إذا وجد شهر رمضان فصوموا شهر رمضان. فهنا لم يأخذ في موضوع الوجوب مفاد كان الناقصة ولم يقل: إن كان الزمان شهر رمضان فصوموا بل قال: (إنَّ وجد.. فصوموا). ومفاد كان الناقصة أُخذ قيداً(2) في الواجب لا في الوجوب.

وعليه فباستصحاب عدم مفاد كان التامّة يمكننا أن ننفي وجوب صوم يوم الشك. ففي ناحية الحكم الأوّل المنظور للمحقّق العراقي، لا ينبغي الإشكال في المقام.

وأما من ناحية الحكم الثاني: وهو “افطر للرؤية”، فتارةً يُراد به وجوب الإفطار كما فسّره في تقريرات(3) المحقّق العراقي؛ باعتبار وجوب الإفطار في يوم العيد، فإذا فُسّر بهذا فأيضاً يمكن أن نقول: بأنَّه لا دليل على أنّ مفاد كان الناقصة مأخوذ أصلاً في موضوع وجوب الإفطار، لعلّ موضوعه هو مفاد كان التامّة، يعني إذا وجد نهار يوم العيد فيجب الإفطار، من دون أخذ مفاد كان 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() البقرة: 185.

(2) وهنا قال أحد الإخوان: قيد الواجب يفهم من ضمير (فليصمه).

 فقال نعم، من ضمير (فليصمه). (المقرّر).

(3) حيث ذكر أن الحكم الأوّل وجوب الصوم والثاني وجوب الإفطار. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الناقصة. وهذا هو ظاهر نفس هذه الرواية التي نتكلّم عنها. “صم للرؤية وافطر للرؤية” ظاهره أخذ الرؤية يعني وجود الشيء في نفسه موضوعاً لوجوب الإفطار، كأخذه موضوعاً لوجوب الصيام. فكونه مأخوذاً بنحو مفاد كان الناقصة أوّل الكلام، لم يدلّ عليه دليل.

وإن كان المراد من (افطر) جواز الإفطار، والأمر هنا أمرٌ في مورد توّهم الخطر، يعني: صم للرؤية وارفع يدك عن الصوم للرؤية، بحيث يكون معنى (افطر للرؤية) إيجاب الصوم في يوم الثلاثين من رمضان، ولا ترفع يدك عن الصوم إلّا للرؤية. بحيث نريد باستصحاب بقاء رمضان عدم دخول شوال أن نثبت وجوب صوم يوم الثلاثين من رمضان.

إذا كان هذا هو معنى الحكم الثاني، فيأتي هذا الإشكال وهو المثبتيّة حيث إنّ وجوب الصوم متعلّق بصوم في زمان يكون من شهر رمضان، فإذا عجزنا عن أن نثبت أنّ يوم الثلاثين هو من شهر رمضان، فكيف ينفعنا استصحاب الرمضانية بنحو مفاد كان التامّة؛ لأنَّ الذي يجب هو صوم يوم يكون من شهر رمضان، والمفروض أنّ هذا لا يمكن إثباته بالاستصحاب.

فالإشكال من هذه الناحية يكون وارداً بقطع النظر عمّا قلنا في تعليقنا الأوّل والثاني عليه، هذا تمام الكلام في دلالة هذه الرواية.

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 



سند الرواية 

 

وأما سنداً فهي ضعيفة؛ باعتبار أنّ علي بن محمد القاساني لم يثبت توثيقه، وإلى هنا انتهت عمدة الروايات. بقيت روايات أخرى متفرّقة استشهد بها على إجراء الاستصحاب.

ــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 













طائفتان من الروايات

 

  • الطائفة الأولى: يستأنس بها لقاعدة الاستصحاب
  • الطائفة الثانية: التي استدلّ بها على أصول أخرى تُجعل دليلاً على الاستصحاب

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 







ــــــــــ[186]ــــــــــ



طائفتان من الروايات 

 

قد فرغنا من مهمّ الروايات، التي تدلّ على الاستصحاب بقي هناك نوعان من الروايات:

 

الطائفة الأولى: يستأنس بها لقاعدة الاستصحاب

 

النوع الأوّل روايات متفرّقة واردة في موارد خاصّة يستأنس أو يستدّل بها لقاعدة الاستصحاب. ولعلّ أحسنها وأقربها إلى كونها دليل الاستصحاب هي صحيحة عبد الله بن سنان(1): الواردة فيمن يعير ثوبه الذمي وهو يعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، قال: “فهل عليّ أن أغسله؟ فقال: لا، فَإِنَّكَ أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ وهُوَ طَاهِرٌ ولَمْ تَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ نَجَّس (2).

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() عن الرسائل. (المقرّر).

(2) وقد ذكرها السيّد بالمعنى وقال: حول جواب الإمام: أنّ مجرّد وقوع احتمال النجاسة بلحاظ أماريّة حال الكافر، فإنَّ الكافر بطبعه يتعرّض للنجاسات، هذا لا ينجّز عليك غسل هذا الثوب، ثُمَّ يقول في مقام تعليل هذا المطلب: (وذكر النص) وأظن بعده: (حتّى تستيقن أنه نجس). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فيعلّل نفي البأس بهذين الركنين: وجود الحالة السابقة وهي الطهارة، وعدم العلم بالانتقاض والشك في البقاء، وحيث إنّ هذين الركنين متوفّران، فيبنى على الطهارة، ولا يجب غسل هذا الثوب.

هذه الرواية لا بأس باستظهار ركنيّة هذين الأمرين فيها، وبالتالي كونها متكفّلة للاستصحاب؛ لأنّنا لا نريد به إلّا القاعدة المضروبة للشك الملحوظ فيها هذان الركنان.

إلَّا أنّه يبقى الكلام هنا: أنّه من الناحية اللفظية لا يمكن دعوى كون هذه الرواية متكفّلة للدلالة على قاعدة كلّية؛ لأنَّ التعليل هنا جاء متلبّساً بخصوصيات المورد. (لأنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه). فلا يوجد في عالم اللفظ ما يدلّ على معنى كلّي قابل للتجريد من خصوصيات المورد. ويحمل على قاعدة الاستصحاب التي لا تختص بمقام دون مقام. كما هو الحال في الصحيحتين الأوليتين.

وهنا لا تأتي جملة من وسائل التعميم، التي تقدّمت في بعض الروايات السابقة، باستثناء التعميم بلحاظ الارتكاز، فإنّه يمكن أن يقال في المقام: إنّ قرينية الارتكاز التي جعلنا أحد القرائن على التعميم في الصحيحة الأولى يمكن استخدامها في المقام أيضاً، فإنَّ الإمام بعد أن نفى وجوب غسل الثوب وعلّله(1)، العرف هنا يتبادر إلى ذهنه من هذا التعليل الإشارة إلى تلك القاعدة المركوزة في الذهن العرفي، وهي قاعدة عدم نقض اليقين بالشكّ والجري على 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

() وتلا النص. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

طبق الحالة السابقة، ويلغي خصوصيات المورد.

 صحيح أُخذ في الركن الأوّل قيد الطهارة وفي الثاني قيد النجاسة، لكن هذه الخصوصيّات ككثير من الخصوصيّات التي تؤخذ في لسان الأدلة اللفظية، ثُمَّ يأتي العرف فيجرد موضوع الحكم بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهنه عن هذه الخصوصيّات، والظهور الناشئ من مناسبات الحكم والموضوع ظهور معتبر، وليس من قبيل القياس وإسراء الحكم إلى المماثل للظن بوجود العلّة المشتركة فيهما؛ بل من باب أنّ الدليل يكون دائرة ظهوره أوسع من دائرة لفظه، بعد إعمال مناسبات الحكم والموضوع وتجريده عن هذه الخصوصيّات.

فكأن العرف ينظر إلى الجنبة الصورية في هذا الدليل، لا إلى جنبته المادية، فكأنّ الإمام قال: لأنّه كانت هناك حالة سابقة، ولم تستيقن بانتقاضها فابنِ على الحالة السابقة. وخصوصيّة كون الحالة السابقة هي الطهارة والحالة المشكوك فيها هي النجاسة. وهي التي تمثّل الجنبة المادية في هذا التعليل يلغى بالارتكاز العرفي، ويُلتفت إلى الجانب الصوري في التعليل، وهو عبارة أخرى عن قاعدة الاستصحاب. فيمكن جعل هذه الرواية من أدلّة الاستصحاب أيضاً خصوصاً أنّها من حيث السند تامّة.

وهذه الصحيحة -كدليل على الاستصحاب- سوف يكون لنا فيها مكسبان أذكرهما بنحو الإجمال حتّى تكونوا على ذكر منهما، ليكونا أحد الحلول لبعض المشاكل التي سوف نواجهها في الأبحاث الآتية(1):

ــــــــــ[189]ــــــــــ

() وهنا قال فيما قال -جواباً على سؤال لي-: وهذا الظهور غير قائم على أساس الدلالة اللفظية مباشرة، بل قائم على أساس إعمال مناسبات الحكم والموضوع، وهي تقتضي حمل الموضوع على ذاك الموضوع المركوز في الذهن المناسب لهذا الحكم في النظر العرفي، وحيث إنّ المركوز في الذهن كبرى الحالة السابقة، والشكّ في البقاء، فيحمل هذا الموضوع على ذاك، وحينئذٍ، تُلغى خصوصيّاته. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المكسب الأوّل: أنَّ هذه الرواية تختلف من الروايات التي تقدّمت في أنّه: لم يؤخذ في موضوعها اليقين بالحدوث، بل أُخذ في موضوعها وجود الشيء واقعاً. لم يقل: لأنّك أعرته إياه وأنت تعلم بأنّه طاهر ولم تستيقن بأنّه نجسه، بل قال: (لأنك أعرته إياه وهو طاهر)، فالحالة السابقة هنا أخذت ذات المتيقن لا اليقين.

ومقتضاه كون الدخيل في جريان الاستصحاب هو واقع الحالة السابقة لا اليقين بها. بينما الروايات السابقة أُخذ في موضوعها اليقين، فلم يكن بالإمكان التمسّك بها لإثبات إجراء الاستصحاب بلا يقين بالحالة السابقة.

وهذا سوف يكون نافعاً في بحث جريان استصحاب مؤدّيات الأمارات، كما لو قامت أمارة على نجاسة ثوب، ثُمَّ شككت في أنّه غسل أو لا. فهنا قد يقال: إنّه لا يجري استصحاب النجاسة؛ لعدم تمامية أركانه فيها؛ لأنَّ أحد أركانه هو اليقين بالنجاسة حدوثاً، وهذا غير موجود عندي؛ لأنَّ النجاسة حدوثاً لم تثبت عندي بالعلم بل بالبينة، وهي ليست يقيناً.

هذا إشكال معروف في مؤديات الأمارات، يأتي حلُّهُ في محلّه، لو قطع النظر عن حله الآتي، فهذه الرواية تكون نافعة في محلّه على ما سيأتي أيضاً؛ 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وذلك لأنّها لا تجعل اليقين بالحالة السابقة ركناً في الاستصحاب، بل تجعل واقع الحالة السابقة ركناً. وواقع الحالة السابقة يمكن أن يثبت باليقين، ويمكن أن يثبت بالأمارة وبأيّ مثبت آخر وجداني أو تعبّدي، فمن هذه الناحية سوف ينحلّ ذاك الإشكال العويص بلا حاجة إلى تأويل أو تعسّف. على ما يأتي تفصيله في محلّه.

المكسب الثاني في هذه الرواية: هو أنّها لم يرد فيها كلمة النقض، التي وردت في الصحاح الثلاثة الأولى. وعدم ورودها في المقام يخلصنا من المشاكل التي نشأت من كلمة النقض. فإنّها(1) استخدمت في كلمات الشيخ الأنصاري وجملة ممّن تأخّر عنه، للتدليل على أنّ الاستصحاب لا يجري في موارد الشكّ في المقتضي، وإنّما يختص في خصوص موارد الشك في الرافع، بقرينية كلمة النقض، ونحن في هذه الرواية نستريح من كلمة النقض.

نعم، لا بُدّ لأجل إثبات أنّ هذه الرواية تكون دليلاً على جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي، كما تكون دليلاً في موارد الشكّ في الرافع، لا بُدّ من دعوى: أنّ المركوز في ذهن العرف هو الاستصحاب الأعم ّمن موارد الشك في الرافع، وموارد الشك في المقتضي. كما هو كذلك. وأمّا لو ادّعي أنّ المركوز في الذهن العرفي هو خصوص الاستصحاب في موارد الشك في الرافع كما يدعي الحاج آغا رضا، فبناءً على ذلك أيضاً لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية، لأنَّ إطلاقها نشأ بمناسبات الحكم والموضوع. فإذا لم 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() يعني كلمة النقض. (المقرّر  ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

تكن هذه المناسبات عامّة لموارد الشك في المقتضي، فلا يكون لها إطلاق من هذه الناحية(1).

هذا تمام الكلام في الطائفة الأولى. وقد اتخذنا هذه الرواية لمثال نموذجي من الطائفة الأولى.

ــــــــــ[192]ــــــــــ

() وهنا قلت له: أليس من الممكن أن تكون تلك الروايات قرينة على هذه الرواية، وأنّ الإمام يريد أن يطبّق تلك الكبريات على هذه الصغريات، وتلك فيها كلمة النقض.

فأجاب: تلك ليس فيها مفهوم، بحيث تدلّ على عدم جريان الاستصحاب. وإنّما يدّعون أنّها قاصرة عن إثبات جريانه في موارد الشكّ، في المقتضي، لا أنّها فيها مفهوم، بحيث تدلّ على العدم. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 












الطائفة الثانية: التي استدلّ بها على أصول أخرى تُجعل دليلاً على الاستصحاب

 

الطائفة الثانية: هي الروايات التي يُستدّل بها على أصول أخرى، كأصالة الطهارة والحليّة، نجعلها هنا كأدلّة للاستصحاب ونقول: إنّ قوله: “كلّ شيء طاهر حتّى تعرف أنه قذر“، أو “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام” تدلّ على الاستصحاب. 

هذه الفكرة أوقعت في ذهن علماء الأصول، أن يتأملوا في أنّ هذه الصيغ هل في قدرتها أن تدلّ على أكثر من قاعدة واحدة أو لا.

وهذه الصيغ من حيث السند سوف لن نتكلّم عنها؛ لأنّه قد مرّت أسانيدها.

أمّا دليل أصالة الحل، فقد مرّ بحث سنده في مباحث أصالة البراءة.

 وأمّا دليل أصالة الطهارة، فقد مرّ سنده سابقاً في بحث الفقه.

البحث الدلالي في صيغ الروايات

وأمّا من الجهة الدلالية، فيوجد هناك اتجاهات ثلاثة بالنسبة إلى هذه الصيغ:

الاتجاه الأوّل: يقول: إنّ هذه الصيغ نستفيد منها ثلاثة أمور: وهذا هو 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

غاية التجميع. وهذا هو ما ذهب إليه صاحب (الكفاية) في حاشيته على (الرسائل). حيث ذكر إنّ قوله: “كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر“، نستفيد منه:

أولاً: أنّ كلّ شيء طاهر طهارة واقعية، فلو شككنا أنّ الحديد نجس، أو طاهر، يمكننا أن نتمسّك بهذا العموم؛ لإثبات كونه طاهراً، وهو بهذا اللحاظ يعتبر دليلاً اجتهادياً على الطهارة لا أصلاً عملياً(1)

ثانياً: أن نثبت به قاعدة الطهارة، فإذا شككنا في شيء على أنّه طاهر، أو لا؟ المشكوك الطهارة والبولية بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية، ولم نجد دليلاً أو أمارة على أنّه طاهر أو نجس، نرجع إلى هذا الدليل لإثبات أنّه طاهر ظاهراً.

ثالثاً: استصحاب الطهارة، فيما إذا كنّا على علم بطهارته، وشككنا في بقاء الطهارة، أيضاً نقول “حتّى تعلم أنّه قذر“. 

الاتجاه الثاني: أنّه يُستفاد شيء واحد من هذه الصيغة، وهي غير قابلة لأكثر من ذلك. أمّا ما هو هذا الشيء الواحد. فيه وجهان: أحدهما: أنّه قاعدة الطهارة وهذا هو المشهور. ثانيهما: أنّه الاستصحاب(2).

وهناك وجه ثالث في خصوص أصالة الطهارة -لا في أصالة الحلّ- ذهب 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() لا يرفع اليد عنه، إلَّا بمخصّص اجتهادي، كما إذا دلّ دليل على أنّ الخمر نجس ونحوه. (المقرّر).

(2) وهذا ما مال إليه الشيخ الأنصاري لا في صيغة “كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر“، بل في صيغة “الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر“. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إليه صاحب (الحدائق) وهو: أنّ هذا الشيء الواحد هو الحكم الواقعي.

الاتجاه الثالث: أنّ هذه العبارة في إمكانها الدلالة على أمرين من الأمور الثلاثة: أمّا ما هما هذان الأمران، قد يقال: أنّها الطهارة الواقعية مع الاستصحاب، وهذا ما يذهب إليه صاحب (الكفاية) في (الكفاية)، وقد يقال: إنّهما قاعدة الطهارة مع الاستصحاب، وهذا ما ينسبه الشيخ الأنصاري إلى صاحب (الفصول).

الاتجاه الأول: استفادة ثلاثة أمور من صيغة الرواية

الآن(1) نعالج الاتجاه الأوّل، وهو الذي ذهب إليه المحقّق الخراساني، في حاشيته على (الرسائل). والكلام في هذا الاتجاه يقع في جهتين:

الجهة الأولى: في استفادة الحكم الواقعي، وقاعدة الطهارة من صدر العبارة وهو قوله: “كلّ شيء طاهر” كما هو دعوى صاحب هذا الاتجاه.

الجهة الثانية: في استفادة الاستصحاب من الغاية وهو قوله: “حتّى تعلم أنّه قذر” كما هو يستفيد.

الجهة الأولى: في استفادة الحكم الواقعي وأصالة الطهارة من صدر العبارة

 في استفادة الحكم الواقعي بالطهارة وأصالة الطهارة من صدر العبارة “كلّ شيء طاهر” : هذه الاستفادة قرّبها في حاشيته على الفرائد بتقريبين:

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً: الاتجاهات الثلاثة السابقة. (المقرّر )..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

التقريب الأوّل: أنّ العبارة لها عموم أفرادي وإطلاق أحوالي

أن يقال: بأنَّ هذه العبارة لها عموم أفرادي، ولها إطلاق أحوالي، ومقتضى عمومها الأفراد أنّ هذا الشيء، وذاك وكلّ شيء في العالم نظيف. ومقتضى الإطلاق الأحوالي، أنّ الطهارة الثابتة للأفراد، ثابتة لها في تمام الأحوال، لا في بعضها دون بعض.

وحينئذٍ نقول: إنّ عمومه الأفرادي دليل اجتهادي، على طهارة الأشياء بعناوينها الواقعية. والإطلاق الأحوالي دليل على تعميم هذه الطهارة وسريانها إلى تمام الحالات تعميماً واقعياً، فهذا الجسم طاهر واقعاً، سواءٌ كان حاراً أو بارداً.

إلَّا أنّ هناك حالة واحدة من حالات الإطلاق الأحوالي. لا يناسب التعميم الواقعي بالنسبة إليها، وهي حالة أن يكون مشكوكاً. فإسراء الحكم إلى عنوان كونه حاراً أو بارداً إسراء واقعي، لكن اسراءه إلى كونه مشكوكاً ليس اسراءً واقعياً؛ لأنّه أُخذ في موضوعه المشكوكيّة والحكم، الذي أُخذ في موضوعه المشكوكية يكون حكماً ظاهرياً. إذن، فهذه القطعة من الحكم المجعول حكم ظاهري. وهو عبارة أخرى عن قاعدة الطهارة؛ لأنّنا لا نريد بها إلّا الحكم بطهارة الشيء المشكوك ظاهراً، وهذا هو الحكم هنا. إذن، فقد تكفّل الصدر بإنشاء الحكم الواقعي، والحكم الظاهري معاً.

التقريب الثاني: الاكتفاء بالعموم الأفرادي

كأنّه يُريد أن يستغني عن الإطلاق الأحوالي، ويكتفي بالعموم الأفرادي، 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ويتممّ به المطلب، فيقول: بأنّنا نفترض فرداً ملازماً مع الشك، بحيث لا ينفكّ عن الشكّ في طهارته ونجاسته، كالكبريت -مثلاً- لأنّه لم يدلّ دليل على طهارته ونجاسته في الشريعة!! فنثبت طهارة هذا الفرد الملازم مع الشك بالعموم الأفرادي، بلا حاجة إلى الإطلاق الأحوالي؛ لأنه فرد بالنتيجة، وتمام أحواله هي شكّ.

وحينئذٍ، فنحن نثبت طهارة واقعية على الأفراد الأخرى. ونثبت طهارة ظاهرية على هذا الفرد الملازم مع الشكّ، وحينئذٍ، بالعموم الأفرادي نستطيع أن نثبت الطهارة لهذا المشكوك فقط، لا لكلّ مشكوك؛ لأنَّ الأفراد الأخرى التي يكون الشكّ حالة من حالاتها، لا يكفي العموم الأفرادي لإثبات الطهارة له، فنثبت طهارته حينئذٍ؛ بعدم القول بالفصل -مثلاً-؛ لأنّه صار البناء أن نستغني عن الإطلاق الأحوالي. وبذلك أيضاً نستفيد الحكم الواقعي وقاعدة الطهارة.

مناقشة التقريب الثاني

أمّا التقريب الثاني: فطبعاً كما ترون واضح البطلان؛ وذلك باعتبار أنّ ثبوت الطهارة للفرد الملازم واقعاً مع الشكّ، لا يفترض كون هذه الطهارة طهارة ظاهرية، بل هي واقعية، وتكون هي بنفسها نفياً لهذا الشك؛ باعتبار صيرورتها دليلاً اجتهادياً على عدم هذا الشك.

وميزان كون الحكم ظاهرياً، ليس هو اجتماع موضوعه مع الشك صدفة بحسب الخارج، بل هو كون الشك مأخوذاً في موضوعه في عالم جعله واعتباره، مجرّد كون الكبريت قد اجتمع صدفة مع الشك؛ لأنّه لم يوجد دليل 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

على طهارته ونجاسته. لا يصير الحكم المجعول عليه بما هو كبريت – لا بما هو مشكوك- لا يصيره حكماً ظاهرياً، بل يكون حكماً واقعياً لا محالة، فهذا التقريب ساقط جداً.

مناقشة التقريب الأوّل

وإنّما ينبغي النظر إلى التقريب الأوّل: وقد اعتُرض عليه بعدّة اعتراضات في كلمات المحقّقين المتأخّرين عنه.

الإشكال الأوّل ما ذكره جملة من المحقّقين

أوّلها وأهمّها: ما ذكره جملة من المحقّقين كالمحقّق النائيني، والعراقي والأصفهاني، وحاصله: أنّ هذا الكلام إنَّما يكون له صورة، لو فُرِض أنّ الإطلاق كان من باب الجمع بين القيود، مع أنّ الإطلاق بحسب الحقيقة ليس هو ذلك، بل هو رفض القيود والغاء الخصوصيّات.

توضيح ذلك: أنّه إذا قال المولى: أكرم العالم، ونريد أن نتمسّك بإطلاق كلمة عالم لإسراء الحكم إلى تمام أصناف العلماء فنقول مقتضى الإطلاق هو وجوب إكرام العالم هاشمياً كان أو غير هاشمي فقيهاً أو نحوياً، ليس معنى الإطلاق إثبات وجوب إكرام الهاشمي بما هو هاشمي ووجوب إكرام اللاهاشمي بما هو لا هاشمي، وهذا هو الذي يُسمّى بالجمع بين القيود. ليس معنى الإطلاق إنشاء أحكام متعدّدة على الخصوصيات، بما هي خصوصيّات، بحيث تكون مأخوذة في موضوعات الأحكام على تباينها، ليس الإطلاق هكذا، بل هو – على ما بين في محلّه- رفض القيود وإلغاء الخصوصيّات. 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فمعناه: أنّ العالم الفقيه، والعالم النحوي يجب إكرامه لا بما هو فقيه ونحوي، بل بما هو عالم، فالإطلاق هو رفض القيود، وإلغاء الخصوصيّات وجعل الحكم متعلّقاً بصرف وجود الجامع.

بناءً عليه نقول: أنَّ قوله: “كلّ شيء نظيف” لو كان إطلاقه الأحوالي عبارة عن الجمع بين القيود، فمعنى الإطلاق الأحوالي لطهارة هذا الشيء أنّه طاهر في حالة كونه حاراً بما هو حار، وطاهر في حالة كونه بارداً، بما هو بارد وفي حالة كونه مشكوك ما. يكون طاهراً بما هو مشكوك، إذا كان كذلك فيكون لهذا الكلام صورة؛ لأنَّ الطهارة المنشأة على الحار بما هو حالة طهار واقعية؛ لأنه لا يؤخذ في موضوعها الشكّ. والطهارة المنشأة على المشكوك، بما هو مشكوك فهي طهارة ظاهرية؛ لأنّه أُخذ في موضوعها الشك.

وأما إذا فرضنا أن الإطلاق كان هو إلغاء الخصوصيّات، لا الجمع بينها، فمعنى الإطلاق الطهارة لجميع حالات هذا الموجود، أنّ هذا هو طاهر من دون أن يكون لأي حالة من حالاته دخل في ثبوت الطهارة له، لا لحرارته ولا لبرودته ولا لمشكوكيته دخل، بل بما هو هو يكون طاهراً، فيكون الإسراء إسراء بلحاظ صرف الذات، ولم يؤخذ في موضوع هذه الطهارة عنوان المشكوكية بوجه، بل أُلغيت خصوصيته المشكوكية كسائر الخصوصيّات.

فهذا التوهّم من الآخوند مبني على الخلط بين كون الإطلاق هو الجمع بين الخصوصيّات والقيود، أو هو إلغاؤها. هذا هو أهم الإشكالات المسجّلة في كلماتهم على صاحب (الكفاية).

ــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

تقريب صناعي لتصحيح كلام صاحب (الكفاية)

وإذا تعلّق لشخص نذر في تصحيح كلام صاحب (الكفاية) بتقريب، فيمكن أن يقرّب مدّعاه تقريباً صناعياً، بحيث لا يرد عليه هذا الاعتراض، بالرغم من كونه وارداً على التقريب السابق.

وحاصل هذا التقريب الصناعي يتوقّف على بيان مقدّمة، وحاصلها: أنّ كلّ دليل يكون له إطلاق كـ(أكرم العالم)، الذي يشمل الفقيه والنحوي معاً، لا بما هو فقيه ونحوي، بل بما هو عالم، لكن نريد أن نعرف، أنّ الذي يدّلنا على أنّ وجوب الإكرام ثابت للفقيه، لا بما هو فقيه، بل بما هو عالم، ما هو؟! هل دليلنا على ذلك هو شمول الخطاب للفقيه، أو هو شموله لفاقد الفقه؟

الصحيح هو الثاني، فإنّنا لو خُليّنا وشمول خطاب أكرم العالم للفقيه، لم ندر أنّ شموله له كان بما هو عالم، أو بما هو فقيه، ولا معيّن لأحدهما. لكنّنا حين ننظر إلى الشمول الثاني، يعني شمول الخطاب لفاقد الخصوصية، وهي الفقه، يعني النحوي -مثلاً- فنعرف من هذا أنّ وجوب الإكرام يثبت للفقيه لا بصفته فقيه، بل بما هو عالم على الإطلاق. إذ لو كان ثابتاً له بما هو عالم فقيه، فمعناه أنّ الفقه مأخوذ في موضوع هذا الوجوب، ولازمه ألّا يكون شاملاً لفاقد الخصوصية، وقد فرضناه شاملاً له(1).

ــــــــــ[200]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال – فيما قال: نتكلّم الآن في تصحيح مدّعى صاحب (الكفاية) وهو استفادة الطهارة الواقعية وقاعدة الطهارة من قوله: “كلّ شيء طاهر“، من دون حاجة إلى افتراض أنّ الإطلاق هو الجمع بين القيود. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فخطاب (أكرم العالم) بشموله للنحوي يعرفنا أنّ وجوب الإكرام للفقيه لم يثبت له بما هو فقيه، بل بما هو عالم. فإذا ورد دليل بأنَّ النحوي لا يجب إكرامه فلا محالة لا بُدّ أن يُفرَض أخذ ما يخالف هذه الخصوصية في موضوع العام، ويقال: بأنَّ وجوب الإكرام للعالم الفقيه، لم يثبت له بما هو عالم. إذ لو كان كذلك لسرى وجوب الإكرام إلى النحوي أيضاً، لأنّه أيضاً عالم، مع أنّه لم يسرِ وجوب الإكرام إليه، فخصوصية مّا لا بُدّ أن تكون ملحوظة في الفقيه زائداً على علمه في مقام جعل الوجوب له. وهذا كلّه واضح لا كلام فيه.

بناءً عليه نأتي إلى محلّ الكلام، فنقول: قوله: “كلّ شيء طاهر” يدلّ على طهارة كلّ شيء في تمام الأحوال كما قال الآخوند، ونحن لو خلّينا وهذا الإطلاق، فهو يدلّ على الطهارة بإلغاء الخصوصيّات، لا بما هو حارّ أو مشكوك. ومعنى هذا أنّا لن نستفيد من هذا الدليل إلّا الطهارة الواقعية؛ لأنَّ الطهارة التي تجعل على عنوان ملغى عنه كلّ الخصوصيّات، ولم يؤخذ فيه المشكوكية قيداً هي طهارة واقعية.

إلَّا أنّ هذا العموم لا يمكن إبقاؤه على إطلاقه الأفرادي والأحوالي؛ باعتبار وجود مخصّص منفصل، وهو دليل نجاسة البول والخمر، فلا بُدّ إذن، من رفع اليد عن إطلاقات هذا الدليل بمقدار يحفظ معه المخصص الدال على نجاسة الخمر.

حينئذٍ، يقال: إنّنا نرفع اليد عن هذه الإطلاقات بمقدار يرتفع به التناقض العقلي بين “كلّ شيء نظيف” وبين دليل نجاسة الخمر، لا أكثر من هذا المقدار؛ 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لأنَّ الضرورات تقدّر بقدرها. فحيث إنّ هذين الدليلين لا يمكن صدقهما معاً، لا بُدّ أن نرفع اليد عن أقل حصّة ممكنة من إطلاقات المطلق، بحيث يرتفع معاً التعارض؛ لأنَّ التخصيص بالمنفصل ضرورة، والضرورات تقدّر بقدرها.

وحينئذٍ، فهنا يمكننا أن نرفع اليد بأحد وجهين: إمّا أن نخرج من دليل “كلّ شيء نظيف” نخرج منه الخمر رأساً، فيصير تخصيصاً واقعياً ويبقى حكماً واقعياً وهو الحكم بطهارة غير الخمر ونحوه ممّا خرج بالتخصيص. وأخرى نفرض أنّنا لا نخرج الخمر بتمام أحواله، بل نخرج حالة واحدة من حالات الخمر، وهو الخمر الذي يكون معلوم الخمرية -وهذا الكلام في الشبهة الموضوعية- أمّا الخمر المشكوك الخمرية فلا نخرجه. وهذا الإخراج أقل منه على الفرض الأوّل؛ لأنّنا على الفرض الأوّل، نخرج تمام الخمور المعلومة والمشكوكة، أمّا هنا فنخرج الخمر المعلوم فقط، فهل يرتفع التناقض العقلي بين العموم والمخصّص. نعم، يرتفع؛ لأنّه بعد إخراج الخمر المعلوم وإبقاء الخمر المشكوك تحت دليل الطهارة، يعقل الحكم بطهارة الخمر المشكوك مع الحكم بنجاسة واقع الخمر؛ لأنّنا جمعنا بين الأحكام الواقعية والظاهرية، ودفعنا شبهة ابن قبة بوجهٍ من الوجوه، فلا تعارض بين الدليلين؛ لأنَّ أحدهما أُخذ في موضوعه الشك، وعدم الوصول بالنسبة إلى الآخر. 

ومعنى هذا: أنّ الطريقة الثانية من الإخراج أيضاً تحلّ التعارض العقلي كالأولى، ولكنّها تخرج أقل من الأولى، والإخراج ضرورة والضرورات تقدّر بقدرها. إذن، فيتعيّن الطريقة الثانية من الإخراج.

ــــــــــ[202]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وحينئذٍ، فنخرج هذه الحصّة وهي الخمر المعلوم الخمرية، فيتقيّد موضوع الطهارة، في دليل “كلّ شيء نظيف“: أنّ كلّ شيء نظيف إلّا أنّ يكون خمراً يُعلم بخمريّته، وهذه الطهارة هي واقعية بلحاظ بعض أفرادها، ظاهرية بلحاظ بعضها الآخر؛ لأنَّ هذه الطهارة على غير الخمر أساساً كالسكنجبين طهارة واقعية، فإنّه ليس (خمراً يعلم بخمريّته) وهي واقعية؛ لأنَّ ثبوتها للسكنجبين لا يفترض في المرتبة السابقة، أي شكّ في خصوصيّات السكنجبين، وأمّا بالنسبة إلى مائع خمري مشكوك فطهارته ظاهرية؛ لأنّه طاهر بما هو (ليس بخمر معلوم الخمرية) بهذا القيد، وهذا معناه: أنّ هذه الطهارة تفترض شكّاً في المرتبة السابقة بالنسبة إلى هذا(1).

فبهذا التصوير يمكننا أن نتخلّص من الإشكال، ونفترض طهارة واحدة ظاهرية بالنسبة إلى بعض الأفراد وواقعية بالنسبة إلى الأفراد الأخرى، هذا كلّه في مقام الثبوت.

هذا الإيراد(2) -السابق- يمكن التخلّص منه بتقريب يصحح مدّعى 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: لماذا نقول: إنّ هذا حكم ظاهري، بل نقول حكم واقعي ويقع تعارض.

 فقال: هنا لا دليل على كونه واقعياً، فإنَّ الدليل على واقعية حكم إنَّما هو إطلاقه لفرض العلم، وهذا مقيّد بعدم العلم، ومع عدم الدليل على واقعيّته لا يُعلم بالتعارض، ومعه لا موجب لرفع اليد عن الإطلاق. (المقرّر). 

(2) كرّر السيّد في هذه المحاضرة التقريب الصناعي، الذي تبرّع به للآخوند، ونحن للتوضيح ننسخه باختصار. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المحقّق الخراساني ثبوتاً؛ وذلك بأن يقال: أنّنا لا ندّعي أنّ الإطلاق بنفسه عبارة عن الجمع بين القيود، حتّى يقال: إنّ الإطلاق يستحيل أن يكون كذلك، بل ندّعي استفادة خصوصيّة موضوع الحكم الظاهري، لا من الإطلاق، بل بلحاظ التخصيص والتقييد بالأدلّة المنفصلة.

وتوضيح ذلك: أنّنا لو خُليّنا وقوله: “كلّ شيء نظيف” لقلنا: إنّه يدلّ على طهارة كلّ شيء في تمام الأحوال، وتكون طهارة واقعية ثابتة للموضوعات النفس الأمرية في جميع حالاتها. لكن ورد عليه مخصّص هو دليل النجاسات العشر أو الاثني عشرة، وحيث إنّ هذا مخصّص منفصل، فلا محالة يقع التعارض بين ظهوره وظهور هذا العموم، ويجب أن نرفع اليد عن العموم بمقدار الضرورة، الذي يندفع به المحذور العقلي في مقام الجمع بين الدليلين؛ لأنَّ التخصيص بالمنفصل ضرورة على خلاف الطبع فتقدّر بقدرها لا محالة.

وهنا يمكن أن نرفع اليد عن الإطلاق بأحد وجهين: إمّا أن نخرج الدم على إطلاقه من العموم، وبذلك يرتفع التعارض بين الدليلين، وإمّا أن نخرج من عموم “كلّ شيء نظيف“، حصّة من الدم، وهو الدم المعلوم كونه دماً. أمّا الدم المشكوك الدميّة فتبقيه تحت العموم، فالإخراج هنا أصبح أقل من الأوّل، لبقاء الدم المشكوك تحت العموم في الثاني وخروجه عنه في الأوّل.

فلا بدَّ أن نلاحظ أنّ هذا الإخراج الأقلّ هل يكفي في مقام دفع التعارض أو لا؟ نرى أنّه يكفي؛ لأنه إذا أخرجنا الدم المعلوم يبقى غير الدم، والدم المشكوك، ومن المعلوم إنّ دليل نجاسة الدم لا يعارض مع طهارة غير الدم كما 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هو واضح، ولا مع طهارة الدم المشكوك لنفس براهين الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. إذن، بهذا المقدار من الإخراج يتصالح الدليلان أيضاً.

فإذا كان هذا الإخراج الثاني يرتفع به المحذور هو أقل من الإخراج الأوّل، فيتعيّن في مقام التخصيص لما قلنا: من أنّ التخصيص ضرورة تقدّر بقدرها(1).

فينتج بقانون التخصيص أنّ دليل “كلّ شيء نظيف” قيّد بغير الدم المعلوم كونه دماً، وهذه الطهارة تشمل أمرين: تشمل الخشب؛ لأنّه ليس دماً معلوم الدميّة، ويشمل الدم المشكوك الدميّة(2). وهذا الطهارة بالإضافة إلى الأوّل واقعية، وبالإضافة إلى الثاني تكون ظاهرية لا محالة؛ لأنَّ طهارة الخشب لا يُفرَض فيها أي نحو من الشك فيه، لكن طهارة هذا المائع، الذي لا أدري أُعدّ دم أم لا، إنَّما ثبتت له بلحاظ أنّي لا أدري، وإلَّا بقطع النظر عن ذلك لعلّه يكون محكوماً عليه بالنجاسة.

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا فُرِض أنّ هذه الطهارة طهارة واقعية، لا يتصالح الدليلان.

فأجاب: الذي يعيّن كونها ظاهرية أو واقعية، هو موضوعها ونحن بالتخصيص نحدّد موضوعها.

فقلت له: هذا اجتمع مع الشكّ صدفة، ولم يؤخذ قيداً في الموضوع.

فأجاب: بل أُخذ قيداً بعنوان التخصيص؛ لأنَّ الدليل المخصّص اقتضى أن نأخذ هذا القيد، من باب الجمع لا من باب الصدفة. (المقرّر).

(2) فإنّه أيضاً ليس دماً معلوم الدميّة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فتكون هذه الطهارة واقعية تارةً وظاهرية أخرى، دون أن يلزم الالتزام بكون الإطلاق هو الجمع بين القيود. 

فالقيد يؤخذ في موضوع تمام القضية ويكون هذا القيد موجباً لصيرورة نفس هذه الطهارة ظاهرية حيناً وواقعية حيناً آخر، من دون أن يلزم محذور تحويل الإطلاق إلى الجمع بين القيود(1).

وعين هذا يقال أيضاً في الشبهة الحكمية، فيقال: إذا دلّ الدليل على نجاسة الدم، هل تخرج الدم على إطلاقه من هذا العموم، أو الدم المعلوم الدميّة؟ أجبنا أنّ الثاني هو المتعيّن. 

الآن نضيف قيداً جديداً، وهو: الدم المعلوم الدميّة المعلوم النجاسة، وأمّا الدم غير المعلوم الدمية، أو غير المعلوم النجاسة، لا بأس أن يبقى تحت دليل “كلّ شيء نظيف” ؛ لأنّه لا تعارض بين نجاسته واقعاً، وبين الحكم بطهارته ظاهراً. فالشبهة الحكمية حالها حال الشبهة الموضوعية، من هذه الناحية. 

وحاصل الفرق بين هذا البيان، وبيان صاحب (الكفاية): أنَّ هذا القيد الذي به تصير الطهارة ظاهرية هو أراده أن يستفيد من نفس الإطلاق، 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا كان عالم الجعل بسيطاً موضوعاً وحكماً، فكيف يُلحظ بعض أفراد الموضوع باللحاظ الاستقلالي ويقيّد وهو الدم. يقيّد بالشكّ بصفته دماً.

فأجاب: موضوع الطهارة كلّه يقيّد بأن لا يكون دماً معلوم الدميّة، فكلّ شيء طاهر بشرط أن لا يكون دماً معلوم الدميّة. وهذا الشرط موجود في أمرين: في الخشب، وفي المائع المحتمل الدميّة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فاصطدم بهذا الإشكال، وهو أنّ الإطلاق إلغاء للقيود، فكيف يستفيد من الإطلاق قيداً. وأما نحن فنستفيد هذا القيد -لا من الإطلاق-، بل قانون التخصيص.

وهذا البيان، يدفع المحذور الثبوتي في بيان صاحب (الكفاية)، ولكنّه لا يدفع المحذور الإثباتي، يعني عندنا إشكال إثباتي استظهاري وحاصله: أنّ قانون التخصيص يقتضي إعمال الطريقة الأولى دون الثانية. يعني لو حملنا “كلّ شيء نظيف” على أنّه دليل على الطهارة بعناوينها الأوليّة في تمام حالاتها، فقانون التخصيص يقتضي إخراج تمام الدم سواءٌ كان معلوم الدميّة أو مشكوكها، معلوم النجاسة أو مشكوكها، لا إخراج حصّة واحدة.

والوجه في هذا الاقتضاء دعوى استظهار عرفي، وهو استظهار أنّ الدليل المتكفّل لثبوت حكم على موضوع، لم يُفرَض فيه الشك بحسب لسانه، مثل هذا الدليل ظاهر في الحكم الواقعي، وأنّه في مقام إبراز الملاك الواقعي، لا في مقام إبراز علاج موارد الاشتباه والتزاحم بين الملاكات الواقعية، وحينئذٍ، فينعقد له هذا الظهور ويستقرّ بانتهاء الكلام، ويصبح مفاد الدليل هو الحكم الواقعي ابتداءً، فلو جاء دليل آخر دلّ على نجاسة الدم واقعاً فلا بُدّ من إخراج تمام الدم من هذا الإطلاق، لا خصوص الدم المعلوم الدميّة؛ لأنَّ الدم غير معلوم الدميّة لا يعقل أن يُحكم عليه بالنجاسة واقعاً، وبالطهارة واقعاً أيضاً.

وعلى هذا عمل الآخوند في الفقه وعمل كلّ فقيه، فإنّه في موارد التخصيص لا نخرج خصوص الحصّة المعلومة، كما لو ورد أكرم العالم، وورد 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لا تكرم العالم الهاشمي، فلا يُفرَض في هذا التخصيص أن يخرج خصوص معلوم الهاشمية، بل يخرج واقع الهاشمي سواءٌ كان معلوم الهاشمية أم لم يكن. فالإشكال يبقى إثباتي لا ثبوتي.

الإشكال الثاني على الشيخ الخراساني ومناقشته

الإشكال الثاني من الإشكال على صاحب (الكفاية): هو أنّ الجمع بين الطهارة الواقعية والظاهرية في عموم “كلّ شيء طاهر” غير صحيح؛ وذلك للغوية الطهارة الظاهرية. إذ بعد فرض أنّ المولى حكم واقعاً بطهارة كلّ شيء فأي فائدة في جعل الطهارة الظاهرية، فإنَّ جعلها إنَّما يفيد عند مولى أو دليل يكون قد اعترف أنّ الأشياء قسمين: نجس وطاهر. حينئذٍ، يجعل قاعدة الطهارة إذا اشتبه النجس بالطاهر. أمّا حيث يُفرَض الطهارة الواقعية على تمام العناوين الواقعية المفروضة، بمقتضى العموم الافرادي والإطلاق الأحوالي. إذن لا يبقى معه مجال للشكّ في طهارة شيء، حتّى نحتاج إلى جعل قاعدة الطهارة(1).

وجواب هذا الإشكال واضح؛ وذلك: أمّا بناءً على التقريب الذي قرّبناه في مقام استفادة الحكم الظاهري، فمن المعلوم إنّ إبراز الحكم الظاهري بمثل هذا الخطاب، يكون في طول الاطلاع على المخصّصات، فإنّنا لم نستفد منه الحكم الظاهري، إلّا بلحاظ قانون التخصيص أي في طول الاطلاع عن المخصّصات وفي هذه المرتبة قد انقسمت الأشياء عند المولى إلى طاهر ونجس، 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا الإشكال ينقله الشيخ الاصفهاني عن صاحب الغرر، يعني الشيخ عبد الكريم اليزدي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فنحتاج لا محالة إلى حكم ظاهري، فتكون ظاهرية الطهارة في المقام أمراً مفيداً بالنسبة الينا.

وأما بناءً على تقريب صاحب (الكفاية)، فأيضاً الأمر كذلك:

أمّا أوّلاً: فلأنه بالإمكان أن لا يصل جعل الطهارة الواقعية إلى المكلّف. افرضوا أنّ المولى جعل الطهارة الواقعية في المقام على تمام العناوين الواقعية، ولكن أليس بالإمكان إلّا يصل بأنَّ يبتلي بالمعارض، ويتساقط إطلاق هذا الدليل لجعل الطهارة الواقعية مع معارض آخر، ففي هذه الحالة يصبح جعل الطهارة الظاهرية أمراً معقولاً.

وبتعبير فنّي، أنّ الذي يغني حاجتنا إلى الطهارة الظاهرية ليس هو جعل الطهارة الواقعية على تمام الأشياء في الدنيا، بل وصولها إلينا، وافرضوا أنّ هذا الدليل يشتمل على جعل الطهارة الواقعية لكلّ شيء في الدنيا، لكن مجرّد هذا لا يغنينا عن قاعدة الطهارة، إذ قد لا يصل بعض إطلاقات هذا الدليل إلينا – ولو من ناحية الابتلاء بالمعارض والسقوط- فحينئذٍ، يكون الرجوع إلى قاعدة الطهارة في محلّه(1).

وثانياً: مضافاً إلى أن هذا الكلام إنَّما يتمّ -بقطع النظر عن الجواب الأوّل- 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() أقول: لا يخفى أنّ غاية ما ينتقه هذا الجواب، هو إمكان جعل الطهارة الظاهرية، وهو مسلّم في دليل آخر، أو في نفس الدليل لو كان قوله (كلّ شيء طاهر) حاكياً عن جعول متعدّدة، وأمّا أن يُلحظ المولى في عالم الجعل مرتبة الشكّ في المجعول، ومرتبة تساقط إطلاقات دليل جعله، فهذا غير ممكن كما هو واضح في الدليل الواحد. انتهى. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

لو كان إطلاقات هذا الدليل كلّها مرادة واقعاً. حينئذٍ، يقال: إنّ المولى جعل تمام الأشياء طاهرة، فلماذا يجعل لنا قاعدة الطهارة؟ لكن المفروض أنّ المولى يعلم والناس أيضاً يعلمون، بأنَّ المولى حكم على بعض الأشياء بالنجاسة. وأنّ بعض إطلاقات هذا الدليل غير مرادة حتماً، فيكون جعل قاعدة الطهارة بلحاظ أنّ الطهارة الواقعية المجعولة هنا غير مرادة على الإطلاق، وأنّ أُبرزت بهذا النحو موقتاً. فإشكال الدور لا يرجع إلى معنى صحيح.

الإشكال الثالث: للمحقّق النائيني 

الإشكال الثالث على اتجاه صاحب (الكفاية) القائل بالجمع بين الحكم الواقعي وقاعدة الطهارة في صدر الحديث.

وهو ما أفاده المحقّق النائيني، وهو: أنّ الحكم الواقعي والظاهري ليسا في مرتبة واحدة. إذن، فلا يُعقل جعلهما بجعل واحد. فإنَّ الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي، بلحاظ أخذ الشكّ في الحكم الواقعي، والمفروغية عنه في موضوع الحكم الظاهري. ومعه تأخّره عنه رتبة لو جُمع بينهما في جعل واحد للزم في ذلك التسوية بين المتقدّم والمتأخّر، وهو خُلف.

هذا الإشكال يحتاج إلى تحليل ليُرى أنّه ما هي صياغته الفنيّة، يمكن أن يقرّب هذا الإشكال بثلاثة تقريبات:

التقريب الأوّل للإشكال

وهو ظاهر ما أفادهفي التقريرين: أنّ الحكمين الواقعي والظاهري، حيث إن أحدهما متأخّر رتبة عن الآخر، فلو جعلا في جعل واحد ودليل 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

واحد، للزم مساواة المتقدّم للمتأخّر، يعني: وجوب المتأخّر في رتبة المتأخر وبالعكس، ويلزم من ذلك خُلف فرض التقدّم والتأخر، فجعلهما بجعل ما هو مستلزم لتوحيدهما من حيث الرتبة وهو خُلف، ما قد فرضنا من أنّ أحدهما في طول الآخر.

هذا هو التقريب الأوّل المطابق مع الصيغة الإجمالية، التي ذكرناها أوّلاً.

وهو غير تام بهذا المقدار؛ وذلك: لأنّنا إمّا أن نحسب حساب الحكم الظاهري مع الواقعي بلحاظ الجعل، وإما أن نحسب حسابه بلحاظ المجعول، يعني إمّا أن نحسب النسبة بين جعل الطهارة الظاهرية، وجعل الطهارة الواقعية، أو النسبة بين الطهارة الظاهرية المجعولة على موضوعها المقدّر الوجود والطهارة الواقعية المجعولة على موضوعها كذلك.

فإنَّ ادُّعي الطولية بين الحكم الظاهري والواقعي، بحسب عالم الجعل فيستحيل جعلهما في جعل واحد.

فهذا جوابه:

أولاً: أن جعل الحكم الظاهري ليس في طول جعل الحكم الواقعي بأي وجه من الطولية، أي جعل الطهارة الظاهرية ليس متأخّراً رتبة عن جعل الطهارة الواقعية بالوجود الخارجي، لهذا الجعل. وإنّما جعل الطهارة الظاهرية متأخّر عن عنوان الطهارة الواقعية، لا عن واقع جعلها.

وذلك: لأنَّ جعل الطهارة الظاهرية حكم قائم في نفس المولى -مثلاً- وهو متأخّر عن موضوعه لا محالة، وموضوعه هو عنوان المشكوك -مثلاً- فيكون جعل الطهارة الظاهرية في طول عنوان المشكوك بوجوده الذهني القائم في نفس 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المولى، وعنوان المشكوك حيث إنّه أُضيف إلى الحكم الواقعي فهو في طوله بوجوده العنواني المقدّم للشك في أفق نفس المولى أيضاً، فبالنتيجة جعل الطهارة الظاهرية متأخّر رتبة عن الطهارة الواقعية بوجودها العنواني، أي تصوّرها في نفس المولى، لا عن الطهارة الواقعية بوجودها الحقيقي الذي هو جعلها وانشائها.

فجعل الطهارة الظاهرية وجعل الطهارة الواقعية، بما هما جعلان حقيقيان، لا يوجد بينهما طولية، هذا أولاً.

وأما ثانياً: فلأنّه لو فُرِضت الطولية بين الجعلين، فإنَّ مجرّد التأخّر الرتبي يعني وحدة وجود الجعلين، فيمكن أن يكون الجعلان موجودين بوجود واحد مع أنّ أحدهما متأخّر عن الآخر. فإنّه ليس كلّ أقسام التأخر الرتبي ينافي مع وحدة الوجود. فمثلاً الكل متأخر رتبة عن الجزء مع أن الجزء موجود بعين وجود الكل، وإنما الذي ينافي وحدة الوجود هو بعض أقسام التأخر الرتبي، وهو التأخّر بملاك التأثير كموارد التقدم بالعليّة، حيث يستحيل أن يكون العلّة والمعلول موجودين بوجود واحد، فمجرّد ادعاء التقدّم الرتبي، لا ينافي وحدة الوجود ولا يبرهن على استحالته.

وأمّا إذا لاحظنا المجعول مع المجعول يعني الطهارة الظاهرية المجعولة والطهارة الواقعية المجعولة، فأيضاً نقول:

أولاً: لا تقدّم ولا تأخّر بين هذين المجعولين؛ لأنَّ الطهارة الظاهرية المجعولة فعليّتها فرع فعلية موضوعها فهي متأخّرة رتبة عن ذلك، وموضوعها هو الشك بوجوده الخارجي.

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فهنا نعترف بأنَّ الطهارة الظاهرية المجعولة متأخّرة رتبة عن وجود الشك خارجاً، بينما في الجعل كنّا نقول: إنّ الجعل متأخّر رتبة عن الشك بوجوده العنواني في نفس المولى(1)؛ لأنّه لا يشترط في جعل المولى للطهارة الظاهرية أن يحدث شكّ في نفس المكلّف حتّى يُجعل. أمّا الطهارة الظاهرية المجعولة ففعليتها متأخرة عن وجود الشك خارجاً في نفس المكلف.

لكن الشك في الطهارة الواقعية متقوّم بعنوان الطهارة الواقعية في أفق نفس المكلّف، لا بوجودها خارجاً، ولهذا قد يشكّ في الطهارة الواقعية، وهي غير موجودة، فبالنتيجة رجعنا إلى أنّ الطهارة الظاهرية متأخّرة رتبة عن عنوان الطهارة الواقعية، لا عن الطهارة الواقعية المجعولة حقيقة، من قبل المولى، فليس بين المجعولين تقدّم وتأخّر رتبي.

وثانياً: أنّه لو أنّ بين المجعولين تقدّماً وتأخّراً رتبياً. حينئذٍ، يقال: هذا لا بأس به في المجعولين كما كان لا بأس به في الجعلين، يعني يأتي نفس الجواب الثاني، وهو أنّ اختلاف المرتبة لا ينافي وحدة الوجود، لا في الجعلين ولا في المجعولين.

وثالثاً: لو فُرِض أنّ اختلاف المرتبة ينافي وحدة الوجود، وفرضنا أنّ المجعولين مختلفان مرتبة، فمن قال أنّ بينهما وحدة الوجود؟ كون جعلهما واحد ليس معناه أنّ المجعولين واحد، فإنَّ الجعل للحكم على موضوع كلّي على نهج القضية الحقيقية، ينحلّ إلى مجعولات متعدّدة، وليكن بعضها في طول بعض 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

() لا عن الشكّ بوجوده الخارجي. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

آخر، أي بأس في ذلك؟ فليس المفروض في المجعولين وحدة الوجود، فإنَّ فعلية المجعول تتعدّد بتعدّد فعليات موضوع المقدر الوجود في الخارج. إذن، بعض هذه الفعليات تكون متأخّرة رتبة عن بعض آخر، ومتغيّرة معها وجوداً أيضاً. هذا كلّه بلحاظ التقريب الأوّل.

ومن خلال الكلام، ظهر أنّ هذا التقريب لا يفرّق فيه بين أن نقول: إنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، أو عبارة عن الاعتبار النفساني.

ومنه يظهر أنّ ما في كلام السيّد الأستاذ إذ ذكر هذا التقريب، وظاهر عبارته كان حمل كلام الميرزا على هذا التقريب، ثُمَّ قال: إنّ هذا التقريب وارد ولا جواب عليه، لو بنينا على أنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، وأمّا إذا كان الإنشاء، عبارة عن الاعتبار فهذا الجواب غير وارد؛ لأنّه بناء على مسلك إيجاد المعنى باللفظ، الآن وجد اللفظ فقد وجد الحكم الواقعي والظاهري معاً، والمفروض أنّ أحدهما متأخّر عن الآخر، فكيف وجدا معاً. أمّا إذا قلنا: إنّ الإنشاء عبارة عن الاعتبار، فيمكن للمولى أنّ يعتبر اعتبارين ثُمَّ يبرزهما باللفظ.

هذا التفصيل غير صحيح، فإنّه على كلا التقديرين يأتي هذا الجواب بلحاظ الجعل وبلحاظ المجعول.

التقريب الثاني للإشكال

لهذا الإشكال أنّ يقال: إنّنا نغض النظر عن التقدّم والتأخّر الرتبي، ولكن أليس أنّ الحكم الظاهري أُخذ في موضوعه الشكّ بطبيعيته، والحكم الواقعي 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ما لا يؤخذ في موضوعه الشك. وفي المقام عندنا جعل واحد لمجعول واحد.

وحينئذٍ نسأل: أنّ هذا المجعول الواحد هل أُخذ في موضوعه الشك، أو لا، لاستحالة ارتفاع النقيضين واجتماعهما فإن أُخذ في موضوعه الشكّ فهو ظاهري محض، وإن لم يؤخذ فهو واقعي محض، فكيف يُتصوّر كونه واقعياً وظاهرياً معاً. إلّا أنّ يُفرَض أنّ هناك موضوعين لمجعولين بجعلين وهذا خُلف وحدة الجعل.

الجواب عليه أيضاً واضح: أمّا بناءً على صيغة تقريب المحقّق الخراساني، فهو كأنّه هكذا يفترض ضمناً في تقريبه، أنّ الإطلاق عبارة عن الجمع بين القيود، ومعناه: أنّه هو يتصوّر هذا التهافت، وحدة الحكم مع تعدّد الموضوع. فبعد افتراضه -بقطع النظر عمّا نُوقش به على ما سبق- حينئذٍ، يقال: بأنَّ هذا القيد متقوّم بالشكّ وذلك القيد غير متقوّم بالشك، فالطهارة المجعولة على هذا القيد ظاهرية، والطهارة المجعولة على ذاك واقعية.

فكأنّ هذا التقريب يفترض مسبقاً ما هو المطلب الحقّ، وهو أنّ الإطلاق رفض القيود. وحينئذٍ، يصير له وجاهة كبيرة، بأنَّ يُقال: بأنّه بعد فرض أنّ الإطلاق رفض القيود، وتجريد موضوع وحداني من جميع الأفراد والجزئيات، فهل هذا الموضوع الوحداني المعرّى عن الخصوصيّات هل عُرّي عن الشك أيضاً أم لا. إنَّ عُرّي عن الشكّ فحكمه واقعي، وإن لم يُعرَ فظاهري، ويستحيل أن يُعرّى وأنّ لا يُعرّى، بعد فرضه موضوعاً واحداً.

لكن هذه الوجاهة الكبيرة تزول بعد الالتفات إلى تقريبنا، إذ فرضنا 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

موضوعاً أصبح يناسب مع الحكم الواقعي في بعض موارده ومع الحكم الظاهري في بعض موارده من دون أن يلزم لا اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما، وهو عنوان (كلّ شيء ليس دماً معلوم الدميّة) وهو ينطبق على الخشب وتكون طهارة واقعية، وينطبق على المائع المشكوك وتكون طهارته ظاهرية، فطهارة الخشب واقعية؛ إذ لا يُعقل جعل النجاسة على الخشب بما هو خشب ؛إذ يلزم إيصال حكم بالطهارة وحكم بالنجاسة في وقت واحد، لكن الحكم بطهارة هذا المائع ظاهرية؛ إذ يعقل جعل النجاسة له بعنوان كونه دماً في علم الله تعالى. فالمجعول الواحد هنا لا يصبح واقعياً، وهنا يصبح ظاهرياً. فهذا التقريب مندفع أيضاً.

التقريب الثالث للإشكال

انتهى الكلام إلى التقريب الثالث لجواب المحقّق النائيني على كلام المحقّق الخراساني. 

وحاصله: أنّ هناك لحاظين ونظرين متهافتين، لا يمكن أن ينصبّا على شيء واحد في وقت واحد. وهما اللحاظ بالنظر الإيجادي للشيء أي: أنّه شيء يترّقب إيجاده فعلاً. واللحاظ الآخر نسميّه باللحاظ الحكائي، بمعنى: لحاظ الشيء مفروغاً عنه. وهذان اللحاظان متهافتان بمعنى: أنّه يستحيل أن يكون شيء واحد يُنظر إليه بالنظر الإيجادي وبالنظر الحكائي، بما هو مفروغ عنه.
-وهو اصطلاح لا يمتّ إلى الإخبار بصلة- وهذا واضح.

حينئذٍ، يُقال: في قوله: “كلّ شيء نظيف” لو كان متكفّلاً لجعل الطهارة 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الواقعية والظاهرية معاً؛ فباعتبار أنّ الطهارة الواقعية منشأة بهذا الإنشاء ينظر إليها بالنظر الإيجادي، وبما أنّ هذه الطهارة الواقعية قد أُخذ الشكّ بها في موضوع الطهارة الظاهرية، فبهذا النظر تكون الطهارة الواقعية مفروغ عنها؛ لأنّه يُفرَض الشكّ فيها. ومعنى فرض الشكّ فيها فرض وجودها على تقدير مطابقة أحد طرفي الشك للواقع، أي لو كانت هناك طهارة واقعية فهي مفروضة بافتراض نفس هذا الشك، فيلزم أن يجتمع في الطهارة الواقعية لحاظان: اللحاظ الإيجادي والحكائي، ويستحيل الجمع بين هذين النظرين، ويلزم من الجمع بين الطهارة الواقعية والظاهرية وقوع هذا التهافت في اللحاظ بالنسبة إلى الطهارة الواقعية.

وهذا تقريب فنّي بناءً على صيغة المحقّق الخراساني، وهو أنّ قوله “كلّ شيء نظيف“، ينشأ طهارة واقعية على كلّ شيء، وطهارة ظاهرية في طول الشك في تلك الطهارة الواقعية، فمعنى هذا أنّ “كلّ شيء” قد حُكم عليه بهذا الجعل بطهارتين: واقعية وظاهرية، فمن باب أنّ الطهارة الواقعية سوف توجد بنفس هذا الجعل، ينظر إليها بالنظر الإيجادي، ومن باب أنّ الجاعل في مقام فرض الشكّ في الطهارة الواقعية، لكي يجعل الطهارة الظاهرية، فهو ينظر إلى الواقعية بالنظر الحكائي، فيلزم التهافت في اللحاظ.

وأمّا بناءً على التقريب، الذي سلكناه نحن في توضيح مدّعى المحقّق الخراساني، فلا يأتي هذا الاعتراض؛ وذلك لأنَّه على تقريبنا لا نثبت على كلّ شيء طهارتين: واقعية وظاهرية عند الشك في الواقعية، وإنّما نثبت طهارة على كلّ شيء لا يكون دماً معلوم الدميّة، وهذا ينحل إلى شيئين: الخشب والمائع 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المردّد بين كونه حبراً أحمر أو دم. والطهارة في الخشب واقعية، وفي المائع ظاهرية، فليس هناك على الخشب طهارتان واقعية وظاهرية، ولا على المائع المردّد -وهو في الواقع دمّ- طهارتان، بل هناك طهارة واقعية فقط، وهنا طهارة ظاهرية فقط.

وهذه الطهارة الظاهرية المنشأ على المائع المردّد فُرِض في موضوعها الشك في طهارة هذا المائع المردّد، الذي هو في الواقع دم، ولم يُفرَض في موضوعها الشكّ في الطهارة الواقعية المجعولة في شخص هذا الخطاب كطهارة الخشب، فلا يلزم تهافت في لحاظ طهارة الخشب، بل ننظر إليها بالنظر الإيجادي فقط. وما ننظر إليه بما هو مفروغ عنه، هو طهارة هذا المائع المردّد(1).

 فطهارة الخشب التي جُعلت في هذا الخطاب منظور إليها بالنظر الإيجادي، ولا حاجة إلى أن ينظر إليها بالنظر الحكائي، وأمّا هذا المائع المردّد، فطهارته الواقعية والمشكوكة منظور إليها بالنظر الحكائي؛ لأنّه أُخذ الشكّ بها في موضوع الطهارة الظاهرية. ولا حاجة لأنَّ يُنظر إليها بالنظر الإيجادي؛ لأنّها غير مجعولة بهذا الخطاب. فالطهارة الواقعية المجعولة بهذا الخطاب ليست هي التي يؤخذ الشكّ بها في موضوع الطهارة الظاهرية(2)، فمصبّ النظر الإيجادي، غير مصبّ النظر الحكائي، وعليه فلا يأتي إشكال من هذه الناحية.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

() ثُمّ كرّر المطلب إلى أن قال. (المقرّر).

(2) وما أُخذ الشكّ بها في موضوع الطهارة الظاهرية، هو الطهارة الواقعية الوهمية المشكوكة في المائع المردّد، وهي غير مجعولة بهذا الخطاب. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فهذا التقريب ممّا لا محصلّ له بناءً على الصيغة المختارة، وعليه فتمام الأوجه الثلاثة في تقريب اعتراض المحقّق النائيني لا تتّجه.

الإشكال الرابع للمحقّق النائيني أيضاً

الاعتراض الرابع هو اعتراض المحقّق النائيني أيضاً:

 وحاصله: أنّه يلزم من حمل الصدر على الجامع بين الحكم الواقعي وقاعدة الطهارة، أن يُراد من العلم في الغاية: “حتّى تعلم” أن يُراد حال العلم بلحاظين متباينين! فإنَّ الحكم الظاهري بالطهارة يُغيّى بالعلم بما هو ملحوظ بوجه الموضوعية وبما هو علم، وأمّا الطهارة الواقعية المجعولة في صدر العبارة فهي لا يصلح أن تكون غايتها العلم(1). بل غايتها هو ذات المعلوم يعني ذات وقوع القذر فيه لا العلم به. فيكون منظوراً إلى العلم بما هو طريق ومراد لمعلومه.

فلو أردنا أن نجمع في صدر العبارة بين الطهارة الواقعية والظاهرية، يلزم أن نجمع في ذيل العبارة “حتّى تعلم أنّه قذر” بين لحاظ العلم بوجه الموضوعية ولحاظه بوجه الطريقية، وهذان اللحاظان متهافتان فلا يمكن الجمع بينهما في جانب الغاية.

هذا الإشكال غير وارد على صاحب (الكفاية)، لأنّه لا يرجع الغاية إلى الصدر، بل يرجعها إلى الاستمرار، فلو كانت الغاية غاية المجعول في الصدر وهو الطهارة الجامعة بين الحكم الواقعي والظاهري، لأتى هذا 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

() والعلم بما هو علم يوجب انتهاء قاعدة الطهارة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاشكال ولتعيّن الحمل على أحد الوجهين، أمّا على الحكم الواقعي فيُحمل العلم على الطريقية، أو على الحكم الظاهري، ويحمل على الموضوعية.

وأما إذا فرضنا أنّ صاحب (الكفاية) لا يرى أنّ الغاية غاية للصدر، بل غاية لحكم ثالث، وهو الاستصحاب، ولهذا يستفيد من هذه العبارة أموراً ثلاثة: فيجعل الغاية غاية للاستمرار الاستصحابي المستفاد من كلمة (حتّى)، فلا الحكم الواقعي ولا الظاهري قد ذُكرت له غاية. فقد حكم أولاً: بالحكم الواقعي وقاعدة الطهارة ثُمَّ حكم ثانياً بالاستصحاب، والاستصحاب حكم ظاهري وغاية العلم على وجه الموضوعية. إذن، فلا يأتي إشكال النظر الطريقي والنظر الموضوعي في الغاية.

وبهذا اتّضح أنّ هذه التقريبات الأربعة إمّا غير واردة على كلتا الصيغتين، أو على الصيغة المنقّحة لكلام المحقّق الخراساني.

تعليق على كلام المحقّق الخراساني

والذي ينبغي أن يعلّق به على كلام المحقّق الخراساني أمران:

الأمر الأوّل: أنّه سوف يأتي إن شاء الله أنّ الغاية ليست غاية للاستصحاب، يعني: سوف يأتي في مناقشة الجهة الثانية إبطال ما ذكره من استفادة حكم ثالث وراء الحكم الواقعي وقاعدة الطهارة، بحيث ترجع الغاية إليه. فإذا سقطت استفادة الحكم الثالث على ما يأتي في مناقشة الجهة الثانية، فيتعيّن إرجاع الغاية إلى صدر العبارة. وحينئذ، يتعين جعل الحكم على كونه حكماً ظاهرياً؛ وذلك لأنَّ هذه الغاية لا تناسب الحكم الواقعي، وإنما تناسب 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الحكم الظاهري، أمّا أنّها تناسب الحكم الظاهري فواضح(1)، وأمّا أنّها لا تناسب الحكم الواقعي، فلأنّه إمّا أن يُلحظ العلم على وجه الموضوعية، وإمّا أن يُلحظ على وجه الطريقية، في قوله “حتّى تعلم أنّه قذر” فإنَّ لوحظ على وجه الموضوعية، فعدم المناسبة واضح؛ لأنّ العلم بالقذارة كيف يكون غاية وقيداً للحكم الواقعي فإنَّ هذا الحكم لا يؤخذ في موضوعه عدم العلم.

وأما إذا لوحظ العلم على وجه الطريقية أي: أنّ مرجع قوله:
كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر” يعني: كلّ شيء نظيف حتّى يكون قذراً، فهذا يكون لغواً، لأنّه لا معنى لأخذ عدم أحد الضدّين في موضوع الضدّ الآخر من الأحكام المتضادّة. أن يقال: هذا طاهر ما لم يكن قذراً(2)، وهذا حلال ما لم يكن حراماً، فإنَّ كلّ ما لا يكون قذراً يكون طاهراً لا محالة.

فقوله: “حتّى تعلم أنّه قذر” لا يناسب أن يكون غاية للحكم الواقعي لا على وجه الموضوعية، ولا على وجه الطريقية، بل يتعيّن أن يكون غاية للحكم الظاهري، فيتعيّن حمل الصدر بتمامه على الحكم الظاهري. وبذلك يبطل الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري.

الأمر الثاني: أنّنا لو قطعنا النظر عن كلّ ما تقدّم، فلا بُدّ أن نرى: أنّ 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

() لأنّه جعل العلم بالقذارة غاية للحكم الظاهري بالطهارة. (المقرّر).

(2) أمّا إذا قرأنا العبارة بضم الذال “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنه قذُر ” فيكون غاية الطهارة الواقعية وقوع النجاسة فيه (وتجددها عليه وهذا هو الصحيح وليس فيه لغوية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الطهارة الواقعية والظاهرية من حيث هما كذلك، من سنخ واحد أو بينهما تباين سنخي. وهنا، لا بُدّ من ربط المسألة بالمباني في مسألة الطهارة الواقعية والظاهرية.

فإنّه قد يقال: إنّ الطهارة الواقعية عبارة عن أمر واقعي تكويني، بناءً على ما يذهب إليه جملة من الأعلام، ومنهم المحقّق العراقي في باب الطهارة والنجاسات أنّهما من الأمور التكوينية وكشف عنها الشارع، لا أنّها من الأحكام الوضعية. وأما الطهارة الظاهرية فلا إشكال أنّه حكم إنشائي، جعلي من قبل الشارع فيكون قوله: (هذا طاهر)، إنّ أراد الطهارة الواقعية يكون بحسب الحقيقة إخباراً وإن أراد الطهارة الظاهرية يكون إنشاء، فيلزم من الجمع بين الطهارتين بناءً على هذا المبنى الجمع بين الإخبار والإنشاء.

وأما إذا بنينا على أن الطهارة الواقعية – كالظاهرية- من الأحكام المجعولة فلا بُدّ أن نرى أنّ المعنى المجعول في باب الطهارة الواقعية عين المعنى المجعول في باب الطهارة الظاهرية. أو أنّهما مختلفان، فإنَّ فُرِض أنه عيّنه(1) فلا إشكال زائد على كلام المحقّق الخراساني. وإذا بنيّ على أنّ المجعول في باب الطهارة الواقعية هو اعتبار النظافة -مثلاً- والمجعول في باب الطهارة الظاهرية هو التعبّد بذاك الاعتبار، يعني: التعبّد بوجود اعتبار النظافة.

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() يعني لا فرق بينهما من حيث المجعول. لكن فرقهما من حيث الموضوع، فإنّ الحكم الواقعي منصبّ على الموضوعات الواقعية، والحكم الظاهري منصبّ على عنوان الشكّ. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بناءً عليه أيضاً، لا يصحّ الجمع بين الطهارتين؛ لأنَّ كلمة (طاهر) حملها على اعتبار النظافة، وعلى الوجود التنزيلي لوجود اعتبار النظافة فيه عناية زائدة، لا يمكن إثباتها بالإطلاق.

ففي هذا الأمر الثاني يقال: أنّ كلام صاحب (الكفاية) إنَّما يتّجه -بقطع النظر عن الإشكالات الأخرى- فيما لو فُرِض أنّ الطهارة الواقعية والظاهرية إنشاءان وأنّهما من سنخ واحد. حينئذٍ، لا يبقى في هذا الأمر الثاني مزيد إشكال على ما سبق.

هذا تمام الكلام في مناقشة الجهة الأولى، في كلام المحقّق الخراساني.

مناقشة ما أفاده السيّد الأستاذ في المقام

تلخّص من الكلام في الجهة الأولى أنّ ما أفاده المحقّق الخراساني، من استفادة الحكم الواقعي والظاهري معاً من صدر العبارة ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

ومن مجموع ما ذكرناه ظهر أنّ ما ذكره السيّد الأستاذ من بناء هذه المسألة على كون الإنشاء من باب إيجاد المعنى باللفظ أو إبراز الاعتبار النفساني، ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

فإنّه ذكر أنّ الإنشاء إن كان من باب إيجاد المعنى باللفظ، فلا يمكن استفادة الحكم الواقعي والظاهري معاً من قوله “كلّ شيء نظيف” ؛ لأنَّ أحدهما في طول الآخر، فلا يمكن استفادتهما معاً في عرض واحد. وأمّا إذا كان الإنشاء بابه باب الاعتبار النفساني كما عليه مبناه هو. فبإمكان هذا المعتبر أن يُتصوّر أولاً الطهارة الواقعية ويعتبرها ثُمَّ بعد هذا يُتصوّر الشكّ فيها ويعتبر 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الطهارة الظاهرية، ثُمَّ يُبرز كلّ ذلك بقوله: “كلّ شيء نظيف“. 

انقدح من مجموع ما ذكرناه أنّ هذا الابتناء ليس كما ينبغي؛ وذلك لأنَّ قوله: “كلّ شيء نظيف” إمّا أن نقول: أنّ الإمام قد استعمل الجملة استعمالاً انشائياً(1)، وإمّا أن نقول: إنّه قد استعملها استعمالاً حكائياً، والإخبار عن معانٍ متحصّلة من إنشاءات سابقة.

فإن فرضنا الثاني، إذن، فلا بأس بذلك سواءٌ قلنا: إنّ الإنشاء هو عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ أو إبراز الاعتبار النفساني. فإنّه يفرض للمولى قبل هذه الكلمة إنشاءات متعدّدة، ثُمَّ أراد أن يحكي لنا بالتلخيص المعاني المتحصّلة فلخصها كلّها في قوله: “كلّ شيء نظيف” بناءً على هذا يُعقل الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري في مقام الحكاية؛ لأنّ هذه الجملة ليست إنشاءً لهذه الطهارات الواقعية والظاهرية، لا بمعنى إيجاد المعنى باللفظ ولا بمعنى إبراز الاعتبار النفساني، بل هي حكاية عن معانٍ انشأت سابقاً، وهذا يكون أمراً معقولاً بأيّ نحو من الإنشاء.

وإن فرضنا أنّ قوله: “كلّ شيء نظيف” لا يُحمل على باب الحكاية، بل يحمل على الإنشاء كما هو مفروض الإشكال ما بين الأعلام. فحينئذٍ، يقع الإشكال على كلّ من المبنيين من حيث إنّه كيف يجمع بين الحكم الظاهري والواقعي مع وحدة المرتبة. ويأتي ما قلناه من الكلام نقضاً وإبراماً. 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

() سواءٌ كان الإنشاء من باب إيجاد المعنى باللفظ أو من باب إبراز الاعتبار النفساني. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ولا يفرق في ذلك بين المسلكين أيضاً، بعد فرض أنّ اللفظ قد استعمل في معناه أيضاً.

أمّا إذا قلنا: إنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ فواضح.

وأمّا إذا قلنا: أنّ الإنشاء عبارة عن إبراز الاعتبار النفساني، فهنا نسأل: هل هناك إبراز لاعتبار نفساني واحد أو إبراز لاعتبارين نفسيين لهذه الجملة. 

فإن قلتم: هناك إبراز واحد لاعتبار نفسي واحد، فأيضا يعود الإشكال بأنَّ هذا الاعتبار النفسي الواحد، كيف جمع بين الحكم الواقعي، والظاهري مع كون أحدهما متأخّر رتبة عن الآخر؟

وإن قلتم: إبرازان لاعتبارين نفسيين، فهذا خارج عن محلّ الكلام؛ لأنَّ هذا بناءً على هذا المسلك في الإنشاء يصير على حد استعمال اللفظ في أكثر من معنى؛ لأنَّ المفروض أنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز واقع الاعتبار النفساني، فكل واقع اعتبار نفساني بنفسه مدلول صالح لأن يكون مدلولاً للجملة الإنشائية. فلو استعملناها لإبراز مدلولين إنشائيين واعتبارين نفسيين، فهو على حدّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وهو خارج عن محلّ الكلام، ويكون هذا حاله حال ما إذا استفهمت، وقصدت الاستهزاء والاستعلام.

فبذلك يتّضح: أنّ بناءً هذه المسألة على المسلكين في باب الإنشاء ممّا لا يعرف له وجه، وإنّما لا بُدّ أن تحقّق المسألة بالنحو الذي تقدّم. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى للمحقّق الخراساني(1).

ــــــــــ[225]ــــــــــ

() وقد سألته: أنّه بناءً على تقريبكم لمدّعى المحقّق الخراساني لم يُعلم حال الخشب إذا أصبح متنجّساً هل عليه طهارة واحدة واقعية أو طهارتان واقعية وظاهرية.

فأجاب: طهارة واحدة، وذلك بتقييد: “كلّ شيء طاهر” بما لا يكون دماً معلوم الدميّة ولا متنجس بالدم معلوم التنجّس، ويكون لهذه الطهارة فردان مشكوك التنجّس، مع كونه متنجّس فتكون طهارة ظاهرية وغيره فتكون طهارة واقعية.

فقلت: على هذا يؤخذ في موضوع الأصل الظاهري كونه مخالفاً للواقع.

فقال: نعم، لا محذور في ذلك. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الجهة الثانية: استفادة الاستصحاب من الغاية

وهي أن المحقّق الخراساني بعد أن استفاد الحكم الواقعي والظاهري من الصدر جاء ليستفيد قاعدة ثالثة وهي الاستصحاب من الذيل من قوله: “حتّى تعلم أنه قذر”. 

الكلام هنا يقع في أمرين: 

الأمر الأوّل: في أنّ الغاية وهو العلم بالقذارة، هل يمكن أن يُفرَض كونه غاية للاستصحاب، يعني لمعنى زائد عمّا قرّر في مفاد الصدر. أو لا يمكن(1)؟

الامر الثاني: أنّ الاستصحاب الذي نستفيده من الغاية ما هو معناه حينما نضيفه إلى الحكم الواقعي والظاهري اللذين استفدناهما من صدر العبارة؟

الأمر الأوّل: فرض كون الغاية غايةً للاستصحاب

أمّا الأمر الأوّل، فكان صاحب (الكفاية) يُتصوّر بأنّه حيث إنّ هذه الجملة وردت فيها أداة الغاية “حتّى تعلم” وهي تدّل على الاستمرار، فهذا الاستمرار 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

() مع غض النظر عن مفاد الصدر. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إذن حكم زائد على أصل ثبوت الطهارة التي استفدناها من الصدر. إذن، فنستفيد الاستمرار في المغيّا، فكأنّنا استفدنا شيئين: أصل ثبوت المغيّا من الصدر واستمراره بقرينية وضع غاية له. فإنَّ الغاية مساوقة لفرض نحو استمرار في المغيّا حتّى يجعل له الغاية.

وحينئذٍ، فأصل الطهارة هو الذي تكلّمنا فيه في الجهة الأولى وجمعنا فيه بين الطهارة الواقعية وقاعدة الطهارة. وهذا الاستمرار الذي هو معنى جديد عرفناه بقرينية الغاية، نحمله على الاستصحاب؛ لأنَّ هذا الاستمرار جعل غايته العلم بالقذارة. إذن، فهو حكم ظاهري؛ لأنَّ الحكم الذي يجعل العلم غاية له حكم ظاهري تعبدي لا واقعي. إذن، فهذا استمرار ظاهري تعبّدي ولا نريد بالاستصحاب إلّا ذلك.

الاشكال الثبوتي

إلَّا أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنَّ الاستصحاب وإن كان هو الاستمرار للشيء، ولكنّه ليس كلّ استمرار، بل هو الاستمرار التعبّدي للشيء الذي أخذ ثبوت ذاك الشيء واقعاً أصلاً موضوعياً له ومفروغاً عنه. من باب أخذ الحالة السابقة في موضوع الاستصحاب. ومثل هذا الاستمرار التعبّدي لا يمكن استفادته من هذه العبارة.

لأنَّ قوله: “كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنه قذر” وإن كان يستفاد منه الاستمرار لا محالة؛ لأنَّ الغاية لا يمكن أن ترد إلّا على شيء له قابلية البقاء والاستمرار حتّى نقطع امتداده واستمراره، ولكن استفادة الاستمرار من 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الحديث كاستفادة الابتداء والانتهاء من قولنا: (سرت من البصرة إلى الكوفة)، فإنَّ (حتّى) باعتبارها معنى حرفياً، لا تدلّ على عنوان الاستمرار والبقاء ونحوه من المعاني الاسمية، كما أنّ (من) و(إلى) في المثال لا تدل على معانٍ اسميّة كالابتداء والانتهاء؛ بل تدل على خصوصية ربطية في الأطراف، على نحو تخصيص واقعي في الصورة الملحوظة في جانب أطرافها، وينتزع العقل من هذه الخصوصية الواقعية الربطية مفاهيم اسميّة كمفهوم الابتداء والانتهاء والاستمرار. فهذه المفاهيم ليست مدلولة لهذا الكلام، وإنّما هو منتزع عن خصوصيّات حرفية ملحوظة باللحاظ الآلي.

فالاستمرار بمفهومه الاسمي لا يوجد عليه دالّ أصلاً، أمّا غير (حتّى) فواضح؛ لأنّه لم يقل: (كلّ شيء طاهر وهو مستمر حتّى تعلم)، حتّى يقال: إنّها تدلّ على الاستمرار بالمعنى الاسمي، و(حتّى) نفسها وإن كانت تدلّ على الاستمرار، لكنّها بحسب الحقيقة تدلّ على خصوصية في المغيّا ملحوظة بنحو المعنى الحرفي، يعني فانية في المغيّا بحيث لا يمكن في عالم اللحاظ تفكيكها عنه. وهذه الخصوصية التي هي واقع الامتداد والسعة والشمول، ينتزع منها عنوان الامتداد والشمول ونحوه من المفاهيم الاسمية.

وعليه فيكون عندنا شيء واحد لا شيئان؛ لأنَّ الامتداد لما كان مفاداً بنحو المعنى الحرفي. إذن، فهو خصوصية مندكّة في جانب أصل الحكم(1). لا أنه شيء ملحوظ في مقابل أصل الحكم. بل أفيد شيء واحد وهو حكم خاص ملحوظ 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() على نحو غير قابل للتجزئة والتحليل. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بنهج خاص يُنتزع منه عنوان الاستمرار. وحينئذٍ، فليس عندنا إلّا معنى واحد ملحوظ بلحاظ واحد، وبالتحليل والتجزئة في مرحلة بعد الاستعمال يمكن أن يحلّل إلى معنى اسمي وحرفي، فيقول: ذات الطهارة معنى حرفي واستمرارها معنى حرفي، وأمّا في عالم اللحاظ الاستعمالي فليس إلّا لحاظ واحد لمعنى اسمي واحد، قد فني فيه معنى حرفي اندكاكي.

فإذا فهمنا كيفية استفادة الاستمرار من هذه العبارة، فيتّضح بالشكل الكامل أنّه لا يمكن جعل هذا الاستمرار استصحابياً تعبديّاً ظاهرياً، بالمعنى الذي يريده صاحب (الكفاية)؛ لأنه كيف يمكن أن يُفرَض استمراراً تعبديّاً قد فُرِض في موضوعه الفراغ عن أصل ثبوت الشيء، مع أنّ هذا الاستمرار نفس الشيء، لا أنّه شيء آخر ملحوظ بلحاظ آخر، فليس عندنا في المقام إلّا شيء واحد ملحوظ على نهج السعة وعلى نهج الضيق. 

وحينئذٍ(1)، فيستحيل أن يفاد الاستصحاب بمثل هذا الاستمرار مع فرض 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

() وحينئذٍ، فلا يعقل انشاؤها يعني -النسبة الاستمرارية- مستقلاًّ وإرجاع القيد إليها مستقلاً؛ لأنَّ إرجاع القيد إلى شيء فرع التوجّه إليه وملاحظته والمولى هنا إنَّما يلحظ المعنى الاسمي بنحو وسيع، لا أنّه يلحظ أمرين: ذات المعنى وامتداده حتّى يقال: إنّه يرجع القيد إلى الثاني دون الأوّل. إذن، فلا يمكنه إلَّا أن ينشأ إنشاء واحداً ولا يقيد إلَّا تقييداً واحداً للمعنى الاسمي.

فإذا فُرِض أنّ المولى ينشأ إنشاء واحداً، فلا يعقل أن يكون منشأه بهذا الإنشاء الواحد هو المستصحب والاستصحاب معاً، أي الطهارة الواقعية التي نريد أن نستصحبها مع نفس الاستصحاب. كما أنّه إذا فُرِض أنّ المولى أرجع القيد إلى تمام المعنى الاسمي، فإنّه يكون خلاف مقصود الآخوند؛ لأنَّ معناه أنّ تمام المعنى الاسمي صار مقيّداً بعدم الاسم وصار ظاهرياً، فقد بطل تأسيس قواعد ثلاث من هذه القاعدة (أول محاضرة بعد التعطيل [ص238 من هذا الكتاب]). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وحدة المجعول وعرضية الحدوث والبقاء. فإنَّ حدوث المجعول بقاؤه عرضي باعتبار الوحدة، وليس للمولى لحاظان: الحدوث والبقاء. حتّى يقال: بأنَّ البقاء بقاء استصحابي تعبدي أخذ في موضوعه الحدوث. فهذا الكلام ممّا لا محصل(1).

وعلى(2) هذا فيكون بابه باب جعل حكم وسيع بلحاظ واحد. وهذا ليس بابه باب جعل حكم وجعل استصحاب بقائه، فإنَّ حمل مثل هذا الاستمرار على الاستصحاب، خلاف فرض الوحدة في الملحوظ وخلاف فرض العرضية حين الحدوث والبقاء في مقام الجعل. فالأمر الأوّل، انتهى على خلاف مصالح الآخوند.

هذا(3) غير معقول ثبوتاً؛ وذلك لأنَّ الاستمرار لو كان مفاداً بنحو المعنى الاسمي، لكان أمراً معقولاً أن يقال: إنّه هنا يوجد لحاظان لملحوظين: أحدهما أصل الطهارة والآخر استمرارها، فليكن الأوّل ما قلناه في الجهة الأولى، واستمرارها هو الاستصحاب، ولكن الأمر ليس هكذا فإنَّ الاستمرار مفاد 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال لي: البقاء الواقعي لكلّ حكم ليس استصحاباً لذلك الحكم، وإنّما الاستصحاب للحكم هو عبارة عن البقاء التعبّدي له، الذي يُفرَض فيه الفراغ عن الحالة السابقة، ويقال: له جرّ هذه الحالة تعبّداً. (المقرّر).

(2) وهنا كرّر المطلب إلى أن قال: (المقرّر).

(3) لخّص أوّلاً: اعتراضه على المحقّق الخراساني مختصراً فقال. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بمعنى حرفي لا اسمي، وقلنا: بأنَّ (حتّى) لا تدلّ على عنوان الاستمرار، بل على خصوصية حرفية في المغيّا ينتزع عنه بلحاظ ثانٍ عنوان الاستمرار.

وحينئذٍ، فليس عند المولى إلّا لحاظ واحد متعلّق بمعنى واحد، وهو الطهارة بنحو وسيع. إذن، فالمولى لا يرى شيئين حتّى يُفرَض أحدهما هو جعل الطهارة الواقعية، ويُفرَض الآخر استمراراً تعبديّاً فرغ فيه عن تلك الطهارة الواقعية.

فهذا هو الإشكال الثبوتي على هذه الدعوى. 

إشكالان إثباتيان

يبقى إشكالان آخران اثباتيان على هذه الدعوى: 

أحدهما: هو أنّه لو فرضنا أنّ المولى استطاع بقدرة قادر على أن يُنظر بشخص هذا اللحاظ إلى المعنى الاسمي، وإلى المعنى الحرفي ويميّز أحدهما عن الآخر، دون أن ينقلب المعنى الحرفي معنى اسمياً فاستطاع المولى أنّ يحقّق هذا المعنى المحال، حينئذٍ نقول: بأنَّ هذا المدّعى الخراساني خلاف الظاهر؛ وذلك لأنَّ ظاهر قيد: “حتّى تعلم أنّه قذر”. هو تقيّد تمام ما أنشئ من حكم في هذه الجملة بالعلم بالقذارة، فإنَّ القيد -بحسب عالم الثبوت- يمكن أن نفرضه قيداً لخصوص المعنى الحرفي وهو الاستمرار. ويمكن أن نفرض أنّه قيد للمجموع للطهارة والاستمرار معاً.

وبعبارة أوضح: أنّه بقطع النظر عن إشكال الثبوتي يمكن أن نفرض أن هذا القيد أرجعه المولى إلى الجزء التحليلي من ملحوظه، وهو الاستمرار ويمكن 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

أن نفرض حينئذٍ، أنّه أرجعه إلى تمام ملحوظه، فالأمر يدور بين هذين الأمرين، وبحسب مقام الإثبات يتعيّن إلى تمام هذا المعنى، لا إلى خصوص ذاك الجزء التحليلي. وذلك بمقتضى إطلاق القيد وإطلاق القيد حكم على إطلاق المقيّد، فإنَّ مقتضى قيدية الغاية أنّه قيد لتمام المعنى المنشأ بكلمة (طاهر)، لا أنّه قيد لجزء تحليلي منه. ومقتضى إطلاق المغيّا، وإن كان هو صرف القيد إلى خصوص الجزء، لكن إطلاق القيد دائماً يحكم على إطلاق المقيّد(1).

وحينئذٍ، فينقلب تمام ذلك الحكم ظاهرياً؛ لأنّه جعل العلم بالقذارة قيداً وغاية له.

الإشكال الإثباتي الآخر: أنّ الاستمرار الذي هو بقاء (حتّى) ولو بنحو المعنى الحرفي ظاهر بالاستمرار الحقيقي للمغيا؛ لأنَّ حمله على الاستمرار العنائي التنزيلي خلاف الظاهر.

وحينئذٍ، فإذا حملنا صدر العبارة على الطهارة الواقعية والظاهرية، وحملنا هذا الاستمرار على الاستصحاب، فيلزم من ذلك أن يكون هذا الاستمرار استمرارا تعبديّاً تنزيلياً، إذ من المعلوم لديكم، إذ الاستمرار الاستصحابي للشيء ليس استمراراً حقيقياً لذلك الشيء، وإنّما هو استمرار بالمسامحة، فإذا حملنا الاستمرار 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: لا أقصد من إطلاق القيد الإطلاق بذاك المعنى، بل بالمعنى الواقعي للإطلاق وهو سريان التقييد، يعني يكون تقييداً لتمام المقيد لا لبعضه، فإن مقتضى تعقّب معنى وحداني بقيد أن يكون القيد قيداً لتمامه لا لجزء تحليلي منه، وقصر التقييد على جزء تحليلي منه يحتاج إلى قرينة لا محالة، وهي غير موجودة في المقام. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

على الاستمرار الاستصحابي، فمعناه حمله على الفرد العنائي منه.

وأما إذا حملنا الاستمرار على بقاء ذلك الحكم الذي جُعل حقيقة(1) لا على التعبّد ببقائه استصحاباً. فقد حملناه على الفرد الحقيقي للمفهوم، وهو يكون متعيّناً في مقام دوران الأمر بينهما.

صحيح: أنّنا إذا حملنا هذا الاستمرار على الفرد الحقيقي، فلا بُدّ من جعل الصدر متمحّضاً في الطهارة الظاهرية؛ لأنَّ الصدر لو كان مشتملاً على الطهارة الواقعية، فلا معنى لفرض استمرارها الحقيقي إلى حين العلم؛ لأنَّ استمرار الطهارة الواقعية إلى حين يقع البول في الماء، لا إلى حين العلم بالقذارة، فحمل الاستمرار على الفرد الحقيقي يستوجب تقييداً في إطلاق الصدر.

وهذا أيضاً فيه عناية، ولكن ما هو المرجّح لإحدى العنايتين على الأخرى، لا أقل من عدم المرجّح.

فنحن لا بُدّ من أن نرتكب إحدى عنايتين: إمّا أن نحمل (حتّى) على الاستمرار العنائي المسامحي، ومعه نحافظ على إطلاق الصدر للطهارتين: الواقعية والظاهرية، وإمّا أن نحمل (حتّى) على الاستمرار الحقيقي، وفي مقابله لا بُدّ من تقييد إطلاق الصدر بخصوص الطهارة الظاهرية؛ لأنّها هي
-وحدها- القابلة للاستمرار حقيقة إلى حين العلم بالقذارة، فالأمر دائر بين هذين الأمرين، ولا معيّن لأحدهما في مقابل الآخر على أقل تقدير.

هذا هو الإشكال الإثباتي الثاني.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

() على ما هو عليه من طهارة واقعية أو ظاهرية كلّ بحسبه. (منه). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا هو الأمر الأوّل من الجهة الثانية، من مناقشة كلام صاحب (الكفاية). 

الأمر الثاني: في نسبة الاستصحاب مع صدر الرواية

إنّنا لو أمكننا أن نستفيد الاستصحاب، فكيف تكون نسبته الى الصدر، فإنّنا نستصحب مفاد الصدر وهو الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، فكيف يجري الاستصحاب في هاتين الطهارتين؟

أمّا الطهارة الواقعية فاستصحابها أمر معقول ليس فيه مزيد إشكال من هذه الناحية، إذ يمكن أن يُفرًض أنّ المولى بجعل الطهارة على الأشياء، ويُجعل لها بقاء تعبديّاً استصحابياً؛ باعتبار الشكّ في وجود الغاية وعدمها، ويغيّى هذا الاستصحاب بالعلم بالغاية، بالعلم بالقذارة، فهذا أمرٌ معقول التصوّر.

لكن لا بُدّ لنا أن نتصوّر أيضاً جريان الاستصحاب بلحاظ الطهارة الظاهرية أيضاً، فكيف نتصوّره، فإنَّ الشك في الطهارة الظاهرية يكون على نحوين: 

النحو الأوّل: الشك في بقاء أصل جعل الطهارة الظاهرية، لاحتمال النسخ والحكم بوجوب الاحتياط فيجري حينئذٍ، استصحاب الطهارة الظاهرية، هذا ممكن.

إلَّا أنّ هذا الاستصحاب ليس هو الاستصحاب، الذي تدلّ عليه الغاية جزماً؛ لأنَّ هذا الاستصحاب وإن كان معقولاً إلّا [أنّ] غايته أن يعلم بالنسخ لا أن يعلم بوقوع القذارة، مع أنّ الاستصحاب الموهم في عبارة (حتّى تعلم) غايته هو العلم بالقذارة لا العلم بالنسخ. 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

النحو الثاني: أن نشكّ في بقاء الطهارة الظاهرية، من باب الشك في سعة المجعول وضيقه، بنحو الشبهة الحكمية، بأنَّ نقول: إنّ المولى جعل الطهارة الظاهرية، لكن لا ندري أنّه جعلها في حالة الشك فقط، أو حتّى لو زال الشك وأصبح ظناً، أو حتّى لو شهد شاهد غير ثقة على النجاسة أيضاً جعلها. لا ندري. فبنحو الإجمال نعلم أنّ المولى جعل الطهارة الظاهرية، ولكن بعد أن ينمو هذا الشكّ بمنميّات داخلية وخارجية، هل تبقى الطهارة الظاهرية أو لا؟ فنشكّ في بقائها، ونفرض أنّ دليلها ليس له إطلاق فنستصحب الطهارة الظاهرية، فنقول: بأنَّ المولى حكم بالطهارة الظاهرية قبل أن يتحوّل شكّنا إلى ظن، فنستصحبها عيناً، من قبيل استصحاب وجوب الصوم بعد غروب القرص قبل سقوط الحمرة، أو استصحاب حرمة المقاربة بعد النقاء وقبل الغسل.

فهذا استصحاب معقول في الطهارة الظاهرية، ومثل هذا الاستصحاب يكون غايته العلم بالطهارة، وهو مطابق لما في العبارة؛ لأنّنا مهما شككنا في بقاء الطهارة الظاهرية، واحتملنا بقائها نستصحب إلى أن يحصل لنا العلم بالقذارة، وبعده لا نحتمل بقائها لا محالة، فهذا الاستصحاب ينطبق على الاستصحاب المذكور في العبارة على شرط أن تكون الطهارة الظاهرية المفادة في صدر العبارة قد أُفيدت بنحو القضية المهملة الآنيّة حدوثاً. كأن المولى يبيّن أنّ الاشياء حدوثا ًتتصف في الآن الأوّل بالطهارة الواقعية، والمشكوكات -في الآن الأوّل- طاهر ظاهراً. ثُمَّ إذا شككت في أنّ هذه الطهارة الواقعية أو الظاهرية باقية أو غير باقية، فابنِ على بقائها “حتّى تعلم بالقذارة”. 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فهذا أمرٌ معقول، لكنّه خلاف الظاهر جدّاً، يعني هنا خلاف ظاهر جديد يجب أن يُضاف إلى مخالفات الظواهر السابقة.

إذ أي معنى لأنَّ يقال: إن الإمام حكم بالطهارة الظاهرية، ثُمَّ لاحظ أنّ المكلّف يشكّ في أنها باقية أو لا؟ فحكم ببقائها استصحاباً(1). لماذا لا يبيّن واقع المطلب: أنّها باقية أو غير باقية، إجراء الإمام للاستصحاب في الشبهة الحكمية خلاف الظاهر جدّاً، خلاف ظاهر مقام الإمام ومناسبات البيان منه. وعليه، فهذا إشكال جديد على فرضية صاحب (الكفاية)(2).

هذا هو تمام الكلام في الاتجاه الأوّل(3).

ــــــــــ[236]ــــــــــ

() ولازمه أن يكون الإمام قد أفتى بالاستصحاب في الشبهة الحكمية وهو مما لا ينساق إلى الذهن من خطاب صادر من الإمام. (المقرّر).

() وهنا قلت له: إنّه يتصوّر الشكّ بنحو الشبهة الموضوعية في الطهارة الظاهرية، فإنّنا حيث أُخذ في الموضوع الخارجي أن يكون الأصل مخالفاً للواقع واحتمل أنه أصبح طاهراً الآن، وأصبح الأصل مطابقاً للواقع، فلم يصبح الأصل ظاهرياً.

 فقال: احتمال انتفاء الطهارة الظاهرية إن كان من باب احتمال تبدّلها بالطهارة الواقعية، فهو تبدّل الحسن بالأحسن، وإن كان من باب احتمال انتفائها وتبدّلها إلى وجوب الاحتياط، ووجوب الاجتناب، فهذا لا يُتصوّر له شبهة موضوعية.

ثُمَّ قلت له: إنّه يُتصور الشبهة الموضوعية للطهارة الواقعية بنحو آخر، وهو الشكّ بأنَّ شكّي هل وصل إلى مرتبة العلم أو لم يصل.

فأجاب ما حاصله: بأنّه مع هذا الشكّ، لا يُحرز وجود الغاية، ويكون الاستصحاب قد ابتلى بالشكّ في تحقّق الغاية، كما ابتليت أصالة الطهارة. (المقرّر).

() عطلة رمضان. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

عود إلى الأمر الأول استفادة أصل الاستصحاب من الذيل 

وتحقيق(1) الحال في ذلك: أنّ (حتّى) تارة نفرض أنّها لا تدلّ على الاستمرار أصلاً، وإنّما تدلّ على حديّة مدخولها لما قبله، وكونه حداً ونهاية له، حالها في ذلك حال (إلى)، والاستمرار مدلول التزامي للفظ من باب أنّ النهاية لا تكون إلّا لشيء قابل للاستمرار، وأمّا الشيء الذي لا يقبل الاستمرار والبقاء لا معنى لأنَّ يقال نهايته كذا. وأخرى نقول: بأنَّ (حتّى) تدلّ على الاستمرار، كما فرض ضمناً في التقريب الصوري، الذي ذكرناه للمدّعى. فهي تدلّ على استمرار خاص استمرار يقف عند هذه الغاية.

إنَّ بنينا على المبنى الأوّل، وهو: أنّ (حتّى) لا تدلّ على الاستمرار أصلاً، وإنّما تدلّ على الغائية والحديّة لما قبلها، فبناءً عليه لا يدلّ عندنا دال في العبارة على الاستمرار(2) لا دال اسمي ولا حرفي.

نعم، هناك دلالتان غير لفظيتين على الاستمرار، إحداهما: الدلالة الالتزامية لنفس كلمة (حتّى)، كما قلنا. وثانيهما مقدّمات الحكمة التي تجري في 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

() قرّر السيّد الأستاذ إعادة الجهتين الأخيرتين من البحث لما قبل العطلة: وهي استفادة أصل الاستصحاب من الذيل، واستفادة استصحاب مفاد الصدر نفسه، وقرّر في هذه المحاضرة الجهة الأولى من هاتين الجهتين، وإنّما اعادهما باعتبار أنّ مناقشات الاتجاهات الأخرى تتوقّف على هذه الكلمات.

وبعد أنّ عنون الجهة الأولى، وذكر الوجه الذي يمكن أن يقوله الآخوند في استفادة الاستصحاب من الذيل، وبدأ بالمناقشة فقال. (المقرّر).

(2) وهي قولنا: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم انه قذر“. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

نفس كلمة (طاهر)، فإنَّ إطلاقها الأزماني يقتضي استمرار الطهارة في الزمان الأوّل والثاني وما بعده، وكل من هذين الاستمرارين لا يمكن دعوى إنشائه وجعله جعلاً استصحابياً، حتّى يُجعل بذلك الاستصحاب ويرجع القيد(1).

أمّا الاستمرار الذي هو مدلول التزامي لـ(حتّى) فواضح؛ لأنّه مدلول التزامي وليس مدلولاً مطابقياً، حتّى ينشأ بهذا اللفظ ويرجع إليه القيد. فإنَّ مقتضى طبيعة العبارة أن القيد قيد لشيء مذكور في الكلام لا لشيء غير مذكور فيه مدلول عليه بالإشارة والملازمة.

وأمّا الاستمرار، الذي استفيد من مقدّمات الحكمة في قولنا (طاهر)، فإنّه يدلّ على المعنى الاسمي للطهارة، وهذا المعنى لم يؤخذ فيه خصوصية الحدوث، ولا البقاء فيثبت إطلاقه لكلا المرحلتين. فمقدّمات الحكمة تدلّ على الاستمرار هنا، إلّا أنّ هذا الاستمرار أيضاً لا يمكن فرض انشائه وارجاع القيد إليه، لنقول: إذن، قد حصلنا على الاستصحاب؛ لأنَّ الاستصحاب هو استمرار مقيّد بالعلم بالقذارة، وهذا كذلك. لا يمكن أن نقول هذا: وذلك لما بيّناه أكثر من مرة من أنّ الإطلاق ليس جمعاً بين الحصص وإراءةً لها بما هي، وإنّما معناه عدم دخل القيود وإلغاؤها. فصحيح أنّ كلمة (طاهر) مطلقة شاملة لمرحلة الحدوث والبقاء، ولكن ليس معناه أنّ المولى يرى بهذا اللفظ الحدوث والبقاء، حتّى يستطيع أن ينشئ الحدوث وينشئ البقاء معاً، حتّى يكون إنشاؤه للبقاء والاستمرار هو الاستصحاب.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

() إليه بالعلم بالقذارة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

بل المطلق لا يرى إلّا ذات الطبيعة عارية عن القيود والخصوصيّات، فهو يرى شيئاً واحداً، وينشأ هذا الشيء الواحد بإنشاء واحد لا محالة، فلا يتصوّر إلّا الإنشاء المتعلّق بذات الطبيعة، ولا يتصوّر إنشاء متعلّق بالاستمرار؛ لأنَّ الاستمرار ليس مرئياً بأي وجهٍ من الوجوه للمولى. هذا كلّه بناءً على أنّ (حتّى) لا تدلّ على الاستمرار.

وأمّا بناءً على أنّ (حتّى) تدلّ على الاستمرار، فهنا كأن الشبهة تتقوى في بادئ الأمر، فيُتخيّل حينئذٍ وجود دال على الاستمرار. فقد حصل عندنا دالان ومدلولان: دالّ على أصل الطهارة وهو كلمة (طاهر)، ودالّ على استمرارها وهو (حتّى)، فيمكن للمولى بالدال الأوّل أن ينشأ مدلولاً هو الطهارة الواقعية وقاعدة الطهارة، وبالدال على الاستمرار ينشأ الاستمرار ويريد بذلك جعل الاستصحاب؛ لأنّه يوجد عندنا دال لفظي على الاستمرار.

إلَّا أنّ هذا غير صحيح ثبوتاً وإثباتاً(1).

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() وهنا، ذكر المحذور الثبوتي كما سبق في المحاضرة قبل الأخيرة، وفكرته على أنّ الاستمرار مفاد بنحو المعنى الحرفي وهو ممّا لا يمكن لحاظه وجعله مستقلاًّ. 

وبعد أن انتهى من بيانه قلت له: هذا الإشكال قد لا يرد على الآخوند باعتبار مبناه في المعنى الحرفي، وأن المعاني الحرفية من قبيل المعاني الاسمية.

فأجاب: نحن نتكلّم بناءً على ما هو الصحيح، لا نتكلّم بناءً على تصوّراته.

ثُمَّ قال: فبناءً على هذا يكون تصوّر استفادة الاستصحاب هنا أمر غير معقول لمحاذير ثبوتية هذا الذي ذكرناه هو أهمها.

ثُمَّ بدأ بذكر الإشكالات الإثباتية وذكر الأوّل منهما كما سبق. وذكر إشكالاً ثانياً على نحو يختلف عن الثاني السابق، وذلك أنّه قال. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وثانياً: افرضوا أنّ المولى استطاع أن يرجع القيد إلى المعنى الحرفي، فمن قال أنّه صار استصحاباً، غايته أنّه جعل استمرار مغيّا بالعلم، لكن ليس كلّ استمرار كذلك يكون استصحاباً، بل الاستصحاب -كما بيّنا في أوّل بحث الاستصحاب- هو الاستمرار الذي يكون بلحاظ الحالة السابقة ومن أجلها وهو مرجعية الحالة السابقة. وأما الحكم بالاستمرار بلا لحاظ الحالة السابقة كحيثية لهذا الحكم بالاستمرار، فمثل هذا لا يكون استصحاباً. إذن، فجعله استصحاباً يتوقّف على مؤونة زائدة، لا دلالة في العبارة عليها. وهو كون الحكم بالاستمرار بلحاظ الحالة السابقة.

وبتعبير آخر(1): أنّ الأمر يدور بين أن نحمل الاستمرار على أنّه استمرار استصحابي، ونبني على أنّ الصدر عبارة عن الطهارة الواقعية، والاستمرار هو بقاؤها الاستصحابي، وهذا معناه: حمل كلمة (حتّى) على الاستعمال في نسبة استمرارية عنائية.

وأخرى نفرض بأنَّ الصدر نحمله من أوّل الأمر على الطهارة الظاهرية. وحينئذٍ، يكون بقاء الطهارة الظاهرية إلى حين العلم بالقذارة أمراً واقعياً لا أمراً ظاهرياً، فتكون كلمة (حتّى) مستعملة في نسبة استمرارية حقيقية، فظهور 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

() ثُمَّ قرّر وجهاً ثالثاً هو عين الوجه الثاني السابق، لكنه قال فيه: وبتعبير آخر. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

كلمة (حتّى) في النسبة الاستمرارية الحقيقية يكون معيّناً لخلاف مقصود الآخوند.

فهذه الوجوه الثلاثة بعض وجوه المحاذير الاثباتية، فبلحاظ تمام هذه المحاذير، لا بُدّ لنا من القول بعدم إمكان استفادة الاستصحاب من ذيل العبارة.

هذا هو تمام الكلام في الجهة الأولى(1).

عود إلى الأمر الثاني استفادة استصحاب مفاد الصدر نفسه

انتهى الكلام إلى الجهة الثانية(2): وحاصلها: هي أنّه لو بنينا في الجهة الأولى(3) على أنّه يمكن استفادة الاستصحاب من الذيل فهو استصحاب ماذا؟ فإنَّ المحقّق الخراساني يرى أنّ صدر العبارة يفي بمطلبين: أحدهما الحكم الواقعي، والآخر أصالة الطهارة، فالاستصحاب الذي يستفيده من ذيل العبارة هل استصحاب كلا هذين المطلبين، أو أنّه بنحو آخر غير ذلك؟

وهنا يمكن أن نفترض عدّة افتراضات:

الافتراض الأوّل: الاستصحاب في الذيل هو استصحاب للطهارة الواقعية فقط

الافتراض الأوّل: أنّ هذا الاستصحاب في الذيل هو استصحاب للطهارة الواقعية فقط، فهو يفيد الاستمرار التعبّدي لها دون الطهارة الظاهرية، وهذا 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() أي الأمر الأول من الجهة الثانية.

(2) هذا هو الأمر الثاني من الجهة الثانية.

(3) المراد بها الأمر الأوّل من الجهة الثانية.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

معناه الالتزام بإجراء الاستصحاب في الطهارة الواقعية وعدم الالتزام بإجرائه في نفس الطهارة الظاهرية.

وهنا الافتراض ليس فيه استحالة ثبوتية، ولكنه خلاف الظاهر بحسب مقام الإثبات، فإنَّ معناه أنّ (حتّى) التي حُملت على الاستصحاب تكون غاية وقيداً لجزء من مدلول الصدر لا لتمامه؛ لأنَّ المفروض أنّ صدر العبارة تكفّل لإفادة مطلبين: الطهارة الواقعية، والظاهرية، فحمل الذيل على أنّه في مقام إثبات الاستمرار الاستصحابي للطهارة الواقعية فقط، دون أصالة الطهارة، هذا تبعيض وتقييد خلاف الظاهرية.

الافتراض الثاني: الاستصحاب في الذيل هو استصحاب للطهارة الظاهرية فقط

الافتراض الثاني عكس الأوّل؛ وذلك بأنّ يدّعى أنّ هذا الاستمرار يرجع فقط إلى الطهارة الظاهرية دون الواقعية، ويُحمل على أنّه استمرار واقعي، لا استمرار واقعي لا ظاهري. بحيث تلغى دلالة الرواية على الاستصحاب. وذلك لأنّه من الواضح أنّ الطهارة الواقعية، التي استفيدت من صدر العبارة لا يعقل استمرارها الواقعي، مُغيَّ إلى حين العلم بالقذارة فهو استمرار ظاهري لا محالة، بقرينة الغاية فيه -وهو العلم- والاستمرارات الواقعية لا تغيّى بالعلم والشك، فهذا الاستمرار إذا أضيف إلى الطهارة الواقعية -كما هو الحال في الافتراض الأوّل- فيتعيّن أن يكون استمراراً ظاهرياً تعبديّاً، فيّحمل على الاستصحاب، وأمّا إذا أُضيف إلى الطهارة الظاهرية، فلا يلزم حمله على أنّه 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

استمرار تعبّدي استصحابي؛ لأنَّ الطهارة الظاهرية قابلة للاستمرار حقيقة إلى حين العلم بالقذارة؛ لأنّها بطبيعتها حكم ظاهري، فبقاؤها إلى حين العلم بالقذارة قابل لأنَّ يُحمل على أنّه بقاء حقيقي، من باب سعة دائرة المجعول في اصالة الطهارة وامتداده إلى حين العلم بالقذارة، فيُحمل الدليل على الاستمرار الواقعي للطهارة الظاهرية، من باب سعة مجعولها.

وهذا الافتراض معقول ثبوتاً، إلّا أنّه من ناحية هو خلاف فرض صاحب (الكفاية)؛ لأنّه لا يبقى هناك استصحاباً في الرواية؛ لأنَّ الصدر استفيد منه الطهارة الواقعية وأصالة الطهارة، والذيل فُرِض كونه بياناً لاستمرار واقعي للطهارة الظاهرية، غايته الاستصحاب.

وثانياً أنّه يأتي فيه المخالفة للظهور بحسب مقام الإثبات؛ لأنّه إرجاع للغاية إلى جزء من مدلول الصدر، بينما ظاهر التقييد إرجاع الغاية إلى تمام مدلول الصدر لا إلى جزء منه.

الافتراض الثالث: رجوع الغاية إلى الطهارة الواقعية والظاهرية باستمرارٍ تعبّدي واستمرارٍ حقيقي

الافتراض الثالث هو أن يٌقال: بأنَّ الغاية ترجع إلى كلّ من الطهارة الواقعية والظاهرية، إلّا أنها في كلّ من الحالتين تلبس ثوباً غير الثوب الذي تلبسه حين ترجع إلى الآخر، فهي نسبة إلى الطهارة الواقعية تكون متكفّلة لاستمرار تعبّدي ظاهري استصحابي؛ لوضوح أنّ الطهارة الواقعية لا تقبل الاستمرار الحقيقي إلى حين العلم بالقذارة، فإنَّ استمرارها الواقعي إلى حين 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وقوع القذارة واقعاً لا إلى حين العلم بها.

فلو جُعل العلم بالقذارة استمراراً للطهارة الواقعية، فلا محالة يجب أن يكون هنا الاستمرار ظاهرياً تعبّداً استصحابياً -مثلاً- وبلحاظ رجوع الغاية إلى الطهارة الظاهرية تكون استمراراً حقيقياً؛ لأنّنا أشرنا قبل قليل أنّ الطهارة الظاهرية قابلة للسعة والامتداد حقيقة إلى حين العلم بالقذارة.

وهذا الافتراض لا ينافي مع فرض الآخوند، كالافتراض الثاني؛ لأنّه يحفظ معه طريق لإفادة الاستصحاب؛ لأنَّ الغاية بلحاظ جزء من مدلول الصدر، وهو الطهارة الواقعية تدلّ على الاستمرار التعبّدي، وهذا الاستمرار التعبّدي هو الاستصحاب -مثلاً-.

كما أنّ هذا الافتراض لا يُمنى بمخالفة الظهور، الذي قلنا في الافتراضين الأولين، من حيث إنّ الغاية لم ترجع إلى تمام مدلول الصدر، فإنّها هنا رجعت إلى تمام مدلول الصدر.

لكن هذا الافتراض غير معقول من ناحية أخرى؛ وذلك لأنَّ حتّى- بعد فرض عدم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى- لا بُدّ أن تكون مستعملة في نسبة استمرارية واحدة لا أكثر. وهذه النسبة إمّا أن تكون غائية وإمّا أن تكون حقيقية، فإن كان شخص هذه النسبة الواحدة قد طعّم بالغاية إذن لا يمكن أن تشمل وتنطبق على الاستمرار الواقعي، الذي فرض بالنسبة إلى جزء من المدلول، بل تختصّ بخصوص الاستمرارات الغائية، ولو فُرِض أنّ هذه النسبة لم تطعّم بالغاية، وكانت نسبة حقيقية فيستحيل أن تشمل بالاستمرارات 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

التعبديّة الظاهرية الثابتة بالنسبة إلى الجزء الآخر من المدلول.

فحيث إنّ النسبة في المقام واحدة، فلا يمكن فرض إرجاعها إلى تمام مدلول الصدر مع افتراض أنّها بالنسبة إلى جزء من مدلوله تكون غائية، وبالنسبة إلى جزء آخر منه لا تكون غائية، إذ في مرحلة لحاظ هذا المدلول الوحداني إمّا أن يُلحظ بنحو غائي أو لا يلحظ، ولا يمكن وجود كلا اللحاظين والجمع بين هاتين الخصوصيتين في استعمال واحد.

الافتراض الرابع: رجوع الغاية إلى الطهارة الواقعية والظاهرية باستمرار تعبّدي فيهما

الافتراض الرابع هو أن يُفرَض: أنّ كلمة (حتّى) ترجع كغاية إلى تمام مدلول الصدر -الطهارة الواقعية وأصالة الطهارة-، ويُراد بالغاية الاستمرار التعبّدي الظاهري بالنسبة إلى كلّ منهما. فمعنى استصحاب الطهارة الواقعية استصحابها حين يُشكّ فيها إلى أن يحصل العلم بالقذارة، ومعنى استمرار الطهارة الظاهرية أيضاً استصحابها إلى حين العلم بالقذارة.

وهذا يصبح من عدة نواحٍ أسلم ممّا سبق: لأنّه لا يبتلي بما ابتلى به الوجهان الأولان من حيث التفكيك وارجاع الغاية إلى بعض مدلول الصدر، فإنّه قد أرجع إلى تمام مدلوله.

ولا يكون الافتراض الثاني على خلاف غرض الآخوند، بل هو على وفق غرضه؛ لأنّه قد استفيد فيه الاستصحاب.

ولا يكون فيه محذور الافتراض الثالث. وهو الجمع بين الغاية واللاغاية 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

في شخص نسبة واحدة؛ لأنّنا فرضنا هنا أنّ الاستمرار غائي في كلّ منهما، فلتكن هذه النسبة الواحدة قد طعّمت بالغاية في عالم اللحاظ. وحينئذٍ، لا تنطبق إلّا على الاستمرارات الغائية، وهو المقصود في هذا الافتراض.

لكن هذا الافتراض بحدّ ذاته محتاج إلى درس مستقلّ؛ وذلك لأنّه يتطلّب منّا أن نتصوّر استصحاباً للطهارة الواقعية، واستصحاباً للطهارة الظاهرية، وأنّ هذين الاستصحابين استفيدا من الذيل.

أمّا استصحاب الطهارة الواقعية إلى حين العلم بالقذارة فهذا أمرٌ مفهوم معقول، لكن الكلام في تعقّل الاستصحاب الآخر، في استصحاب الطهارة الظاهرية بنحو ينطبق على العبارة.

تصوير استصحاب الطهارة الظاهرية

وإذا فحصنا الطهارة الظاهرية في نفسها فنرى أنّه يُتصوّر فيها ثلاثة أنحاء من الشكّ، يمكن أن يجري بلحاظها الاستصحاب، فأي واحد من هذه الاستصحابات يمكن أن يُستفاد من هذه العبارة.

الاستصحاب الأوّل: هو أن يُشكّ في بقاء جعل الطهارة الظاهرية ونسخها(1).

إذن فهذا الاستصحاب لا يمكن أن يكون مستفاداً من هذه العبارة.

الاستصحاب الثاني: هو فيما إذا فرضنا -مثلاً- أنّ المولى جعل الطهارة الظاهرية مقيّدة بعدم إخبار الثقة أو بغروب الشمس، ونحن قد نشكّ أنّ 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

() وهذا كان قد قرّره السيّد في آخر محاضرة قبل التعطيل فراجع. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الشمس هل غربت أو لم تغرب، بنحو الشبهة الموضوعية. فهذا شكّ في موضوع أصالة الطهارة، فنجري استصحاب عدم غروب الشمس، أو عدم إخبار الثقة، بالخلاف وهذا استصحاب موضوعي لأصالة الطهارة.

وكذلك يجري -بقطع النظر عن حكومة الاستصحاب الموضوعي على الاستصحاب الحكمي- استصحاب نفس الطهارة الظاهرية، بأن يقال: إنّها كانت ثابتة قبل ساعة؛ لأنّها حينئذٍ، لم تكن الشمس قد غربت، فيجري استصحابها إلى أن يُعلم بالغروب.

هذا الاستصحاب، طبعاً لا يمكن أن يكون هو المراد من العبارة لعلّه لأكثر من اعتبار واحد، وأهم اعتبار في المقام: هو أنّ غاية هذا الاستصحاب هي العلم بأنَّ الشمس قد غربت، أو الثقة قد أخبر بالخلاف، يعني إلى حين نعلم بأنَّ القيد قد انتفى لا إلى حين العلم بالقذارة. فقبل العلم بالقذارة لعلّه ينقطع هذا الاستصحاب، فيما إذا أخبر الثقة، ولم يحصل لنا العلم بالقذارة.

فلو كان هذا الاستصحاب هو المراد بالرواية، وهو استصحاب الطهارة الظاهرية عند الشكّ في بقائها، لأجل الشكّ في قيد مستتر لم يصرح به في هذا الكلام ولم يشر إليه بأي نحو. لكان ينبغي أن تُجعل الغاية له العلم بانتفاء ذاك القيد، لا العلم بالقذارة.

الاستصحاب الثالث: الاستصحاب في الشبهة الحكمية وذلك كما إذا فرضنا أنّ المولى جعل الطهارة الظاهرية، ولكن لا ندري أنّ هذه الطهارة هل هي مطلقة من حيث عمود الزمان أو هي مجعولة في الساعة الأولى فقط من 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

ساعات الشك دون ما بعدها(1). فهذا شكّ في سعة المجعول وضيقه، وهنا يُتصوّر جريان الاستصحاب في الطهارة الظاهرية من قبيل الاستصحاب في سائر الشبهات الحكمية كاستصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من نفسه.

فهل يمكن أن نقول: إنّ هذه الرواية ناظرة إلى هذا الاستصحاب؟ بدعوى: أنّها تبيّن في صدرها طهارة ظاهرية بنحو القضية المهملة، من حيث عمود الزمان -يعني نفرض أنّه لا إطلاق أزماني لها- وإنّما تدلّ على أصل طهارة ظاهرية. حينئذٍ، بعد أن يبيّن المولى ذلك يمكنه أن يقوم بأحد تصرفين: إمّا أن يوضّح لنا الحكم الواقعي بأنَّ هذه الطهارة باقية واقعاً أو غير باقية، وإمّا لا يبيّن لنا، ذلك فإذا شككتم ببقاء هذه الطهارة فأجروا استصحابها.

الظاهر أنّه لا يمكن أن نحمل هذه الرواية على مثل هذا الاستصحاب.

أمّا أولاً: فلأنّ هذا معناه أنّ الإمام يتصدّى في الشبهة الحكمية لإجراء الأصل العملي، ولِتعليمنا حكم المسألة على هذا الأساس لا على أساس الحكم الواقعي، مع أنّ هذا خلاف الطبع الأولي، وخلاف المنصرف من كلام الإمام في كلّ شبهة حكمية؛ لأنَّ الإمام يعرف الحكم الواقعي قلّما يغض النظر عن بيانه ثُمَّ يجعلنا نتمسّك بأصل عملي، وهذا بخلاف الشبهة الموضوعية حيث إنّ الإمام كغيره فيها، فيكون بيانه للقواعد والأصول في محلّه.

إذن فحمل الإمام على أنّه في مقام بيان قاعدة ظاهرية لشبهة حكمية مع أنّ 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

() باعتبار، أنّ تراكم الزمان يوجب قوّة ظن النجاسة. (المقرّر).

 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

إمكانه دفع الإهمال، وتوضيح بقاء هذه الطهارة الظاهرية مخالف للظهور جدّاً. هذا أولاً.

وأمّا ثانياً: فلأنّنا لو أردنا أن نستعمل الدقّة في المقام. لكان ينبغي أن نقول: إنّ استصحاب بقاء الطهارة المجعولة، ليست غايته هي العلم بالقذارة بل هي العلم بعدم جعل الطهارة الظاهرية؛ لأنّنا نستصحب الطهارة الظاهرية عند الشك فيها، فينقطع هذا الاستصحاب إذا زال الشكّ في الطهارة الظاهرية، أي إذا علمنا بارتفاعها لا إذا علمنا بالقذارة الواقعية هذا إذا أردنا الدقة.

نعم، بالإمكان أن يقال: إنّ العلم بارتفاع الطهارة الظاهرية لا يحصل إلّا مع العلم بالقذارة الواقعية، إذ قبل العلم بالقذارة يُحتمل بقاء الطهارة الظاهرية إذ هذه الطهارة يمكن امتدادها في جميع أزمنة الشكّ، فلا يحصل العلم بارتفاعها إلّا حين العلم بالقذارة الواقعية.

فقد يقال: بأنَّ العلم بالقذارة الواقعية، وإن لم يكن غاية بذاته، ولكنّه ملازم مع ما هو الغاية؛ لأنَّ الغاية هو العلم بارتفاع الطهارة الظاهرية، وهو لا يتحقّق إلّا إذا حصل العلم بالقذارة الواقعية فهو ملازم للغاية. وبهذا الاعتبار جُعل غاية في هذا الاستصحاب.

لكن هذه الملازمة متى تكون؟ تكون فيما إذا كان الإمام يعلم بينه وبين ربّه بأنَّ الطهارة الظاهرية مستمرة في الواقع إلى حين العلم بالقذارة، أو لو فُرِض أنّه هكذا يعلم، بأنَّ الطهارة الظاهرية مقيّد بالساعة الأولى فقط، وفي الثانية لا توجد. إذن، فلعلّ هذا المكلّف يحصل له العلم بارتفاع الطهارة الظاهرية، لعلّ هذا المطلب الواقعي الذي يعلم به الإمام يصل إلى المكلّف ويعلم به.

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فاستبعاد حصول العلم بارتفاع الطهارة الظاهرية، إلّا حين العلم بالقذارة الواقعية، لا يكون إلّا مبنياً على فرض استمرار واقعي للطهارة الظاهرية إلى حين العلم بالقذارة. وحينئذٍ، فهذه الغاية لا تناسب عرفاً أن تكون غاية للاستصحاب، إلّا إذا التفت العرف إلى هذه الملازمة، ومع التفاته إلى هذه الملازمة يعلم أنّ الطهارة الظاهرية باقية إلى حين العلم بالقذارة، فلا يبقى مجال لإجراء الاستصحاب.

هذا هو الكلام في الجهة الثانية التي نريد أن نبحثها.

وبذلك تمّ الحديث عن الاتجاه الأوّل (1).

الاتجاه الثاني: استفادة معنيين من صيغة الرواية

الاتجاه الثاني أخفّ وطأة على الصيغة من الاتجاه الأوّل؛ لأنّه يحملها معنيين لا ثلاثة معانٍ، وتحت هذا الاتجاه وجهان:

الوجه الأوّل: أن يكون هذان المعنيان هما: الطهارة الواقعية والاستصحاب. كما ذهب إليه صاحب (الكفاية) في كفايته، أن يكون الصدر بياناً للطهارة الواقعية، والذيل بياناً للاستصحاب.

الوجه الثاني: أن يكون الصدر بياناً للطهارة الظاهرية، وأن يكون الذيل بياناً للاستصحاب، كما نسب إلى صاحب (الفصول) والعهدة على الناسب.

[الوجه الأوّل: أن يكون المعنيان هما الطهارة الواقعية والاستصحاب]

أمّا الوجه الأوّل من هذين الوجهين وهو أن يُقال: أنّ صدر العبارة 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

() وهو اتجاه صاحب (الكفاية) في حاشيته على الرسائل، كما سبق. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

يتمحّض في الطهارة الواقعية المنشأة على عنوان الشيء في نفسه، بقطع النظر عن مشكوكيته ومعلوميّته، وأنّ الذيل جُعل غاية للاستمرار ظاهري لتلك الطهارة الواقعية، وهذا الاستمرار الظاهري هو الاستصحاب.

منشأ استفادة الاستصحاب

هنا نتساءل عن أنّه من أي شيء يُستفاد الاستصحاب في هذه الصيغة؟ هناك لهذا ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يكون الاستصحاب مستفاداً من الاستمرار المفاد لـ(حتّى) بنحو المعنى الحرفي على ما تقدّم توضيحه في مناقشة الاتجاه الأوّل، ويكون هذا الاستمرار حكماً ظاهرياً باعتبار محدوديّته بالقذارة. وهذا يأتي فيه الكلام السابق في الجهة الأولى من المقام الثاني، من الاتجاه السابق. وهو المحذور الثبوتي والإثباتي السابق.

الاحتمال الثاني(1): هو أن يُقال: بأنَّ الاستمرار الظاهري الذي يحمل على الاستصحاب مستفاد من كلمة (طاهر)، فهي تدلّ على أمرين: على الطهارة الواقعية، وعلى الاستمرار الظاهري لها، المحمول على الاستصحاب.

ونحن في مقابل هذا الاحتمال نسأل: بأنَّ استفادة كلا الأمرين من كلمة (طاهر) قد يكون بلحاظ التمسّك بإطلاق كلمة (طاهر)، على ما تقدّم البحث فيه أيضاً، بأن يقال: بأنَّ الكلمة في نفسها مطلقة تشمل الحدوث والبقاء، 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() هذا الاحتمال غير مراد للكفاية جزماً، كما هو معلوم لمن راجع عبارته. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

فتكون مشتملة ببركة الإطلاق ومقدّمات الحكمة على الاستمرار، فليعمل هذا الاستمرار على الاستصحاب والبقاء التعبّدي.

إلَّا أنّ هذا يرد عليه:

أولاً: ما تقدّم من أنّ الإطلاق لا يرى الحصص، وإنّما معنى الإطلاق قصر النظر على الطبيعة، فكلمة (طاهر)، وإن كانت مطلقة من حيث الحدوث والبقاء إلّا أنّها ليست معناه أنّها ترى الحدوث والبقاء للمولى حتّى يكون قادراً على إنشاء البقاء ظاهراً وإنشاء الحدوث واقعاً.

 إذن فلا يمكن تصوير استمرار من هذا الخطاب، حتّى ينشأ هذا الاستمرار بعنوان جعل الاستصحاب.

وثانياً: أنّ الاستمرار الذي يُستفاد من الإطلاق ومقدّمات الحكمة، لا يُعقل أن يكون استمراراً عنائياً، بل لا بُدّ أن يكون استمراراً حقيقياً، يعني أنّ السعة التي تثبتها مقدّمات الحكمة -سواءٌ كانت بنحو الجمع بين القيود، أو بنحو إلغائها- لا يتوهّم أحد في أنّها قابلة لأن تكون سعة ظاهرية(1)، فإنّها سعة لواقع هذه الطبيعة، ومثله لا يمكن أن يكون بقاءً ظاهرياً، ومنشأ بعنوان الاستصحاب.

وقد يكون الاستمرار مفاداً من كلمة (طاهر) كما لو استعملها المتكلّم في الحدوث والبقاء ابتداءً، فهذه الكلمة استعملت ابتداءً في أمرين: الطهارة الواقعية الحدوثية وقد أنشئت بهذه الكلمة، وفي استمرار ظاهري لتلك الطهارة الواقعية. 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

() فإنَّ السعة العنائية لا يمكن أن يتكفّلها مجرّد عدم ذكر القيد. وإنّما عدم ذكر القيد يتكفل السعة الحقيقية للطبيعة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا وإن كان لا يرد عليه ما تقدّم، حيث إن الاستمرار هنا المفروض أنّه استعمل فيه اللفظ، لا أنّه رأي بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، لكن فيه محاذير أخرى أوضحها مسألة استعمال اللفظ في أكثر من معنى، إذ يلزم منه ذلك فالأمر دائر عند هذا الشخص الذي يريد أن يستفيد الاستصحاب من كلمة (طاهر)، إمّا أن يقول إنّها مستعملة في معنى واحد وهو ذات الطهارة، وهذا المعنى نجري فيه الإطلاق فنثبت الاستمرار، وإمّا أنّه يقول أنّه مستعمل في معنيين: في الطهارة الحدوثية واقعاً، وفي الاستمرار ظاهراً.

فإن قال الأوّل: يرد عليه بأنَّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة، لا يمكن أن ترى الحصص(1).

وإن قال الثاني: فيكون من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فهذا الاحتمال أيضاً ساقط.

الاحتمال الثالث: وقد أسقطناه من مناقشة الاتجاه الأوّل. وهو أن يكون الاستمرار مستفاداً من كلمة مقدّرة، وهي كلمة (مستمرّة)، وهذا هو الوجه الذي ذكر في كلمات جملة من الآغايون، ويكون التقدير: (كلّ شيء طاهر، وهذه الطهارة مستمرّة حتّى تعلم أنّه قذر). فيكون هناك كلام مقدّر يدلّ على الاستمرار، وتكون الغاية غاية له.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

() مضافاً إلى ما سيقوله السيّد من أنّ الاستمرار المدلول عليه بالإطلاق عبارة عن سعة المجعول لا عن الاستصحاب. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا وإن كان معقولاً ثبوتاً، إلّا أنّه في غاية الغرابة إثباتاً، فإنَّ تقدير كلام في نفسه غريب، ثُمَّ إرجاع القيد إلى ما هو المقدّر وعدم الالتفات إلى ما هو مصرّح به في الكلام -وهو كلمة (طاهر)- أغرب وأعجب. وعليه فيكون هذا ساقط بحسب القواعد المحرّرة.

وعليه، فلا يمكن أن يقال في المقام أنّنا نستفيد من الرواية الطهارة الواقعية والاستصحاب معاً(1).

[الوجه الثاني: أن يكون المعنيان هما الطهارة الظاهرية والاستصحاب]

الوجه الثاني في هذا الاتجاه، وهو: أن يُستفاد من الصدر الطهارة الظاهرية، ويستفاد من العبارة الاستصحاب، أي استصحاب الطهارة الظاهرية، وهذا لعلّه اسوأ الوجوه أو من أسوئِها. 

هنا أيضاً نتساءل:

أولاً: في أنّ الاستصحاب الذي يُراد إجراؤه في المقام للطهارة الظاهرية، ما هو وأيّ صيغة معقولة له، كما تساءلنا سابقاً حين ناقشنا صاحب (الكفاية)، فما ذكرناه في الجهة الثانية من المقام الثاني يأتي في المقام أيضاً لإبطال هذا الوجه، حيث إنّنا لم نتعقّل استصحاباً للطهارة الظاهرية تكون غايته العلم بالقذارة الواقعية.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنّ الأعلام لا يذكرون هذا الوجه في مقام اختياره، بل باعتبار أنّهم لم يتصوروا منشأ للاستصحاب غير هذا، ونحن تصوّرنا وجوها أخرى له، وهذا أسهل الفرضيات في مقام تصوير المطلب وهو ادعاء التقدير. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

منشأ استفادة الاستصحاب

وثانياً: نتساءل عن منشأ استفادة الاستصحاب، أيضاً له أحد تلك المناشئ الثلاثة:

إمّا الاستمرار المفاد لـ(حتّى) بنحو المعنى الحرفي.

وإمّا أن يكون الاستمرار في كلمة (طاهر)، وإمّا أن يكون هناك تقدير في الكلام يدل هذا التقدير:

أمّا الثالث(1): وهو أن يُفرَض أنّ هناك كلاماً مقدّراً، يدلّ على الاستمرار ونرجع الغاية إليه، ويكون هذا الاستمرار هو الدال على الاستصحاب.

هذا يرد عليه:

أولاً: المحاذير الإثباتية التي قلناها، فإنّ فرض كلام مقدّر وفرض إرجاع القيد إلى كلام مقدّر، خلاف الظاهر.

وثانياً: أنّنا نتساءل في أن القيد وهو العلم بالقذارة، هل يرجع إلى هذا الكلام المقدّر فقط، وهو الاستمرار، أو يرجع أيضاً إلى صدر العبارة أي إلى الطهارة الظاهرية، التي استفيدت منه بحسب الفرض؟

إذا فُرِض أنّ القيد يرجع إلى المقدّر فقط. إذن، فكلمة (طاهر) لم يرجع إليها قيد. إذن، فما هو الموجب لحملها على الطهارة الظاهرية. فإن فهم كون هذه الطهارة ظاهرية، إنَّما هو بلحاظ إرجاع القيد إليها، فإذا فرضنا أنّ القيد له 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

(1) الاحتمال الأوّل.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

يرجع إلى أصل الطهارة المستفادة من الصدر، وإنّما رجع إلى استمرارها المقدّر إذن، فكيف عرفنا أنّها ظاهرية فلتكن واقعية.

وإذا ارجعت هذه الغاية إلى كلا الأمرين: إلى الاستمرار وإلى أصل الطهارة فكانت غاية لهما معاً. 

فيرد عليه حينئذٍ: أنّ هذا الاستمرار حيث إنّه بحسب الحقيقة محمول لأصل الطهارة الظاهرية؛ لأنّه استمرار لها. فأحد هذين الحكمين يحكم بأصل الطهارة والحكم باستمرارها. أحدهما موضوع للآخر.

فإذا فرض إرجاع الغاية إلى الحكم الواقع موضوعاً والحكم الواقع محمولاً:

فإمّا أن يكون إرجاعها إلى ذلك، بمعنى: ملاحظة كلا الحكمين بما هما حكمان واستعمال (حتّى) في نسبتين: نسبة مع الحكم الأوّل، ونسبة أخرى مع الثاني، فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وإن فُرِض نسبة واحدة قائمة في المقام، ويكون لفظ (حتّى) مستعملاً فيها. إذن، فالنسبة الواحدة لا بُدّ لها من طرف واحد، فلا بُدّ وأن يُفرَض مجموع الحكمين شيئاً واحداً، حتّى يكون طرفاً لهذه النسبة الواحدة، فيلزم التهافت في مرتبة هذه النسبة؛ لأنّ هذه النسبة بما هي حدّ للحكم الأوّل الواقع موضوعاً تكون أسبق رتبة من الحكم الثاني، وبما هي حدّ للحكم الثاني تكون متأخّرة بحسب الرتبة، وشخص نسبة واحدة يستحيل أن تكون متقدّمة ومتأخّرة بحسب الرتبة. وهذا هو الذي عبّر عنه 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الشيخ في (الرسائل) -على ما أتذكّر- من أنه يلزم تقدّم الشيء على نفسه(1)

إذن فاحتمال أن يكون الاستصحاب مستفاداً من كلمة الاستمرار المقدّرة ساقط.

الاحتمال الثاني: أن يكون الاستصحاب مستفاداً من كلمة (طاهر)، فهي تدلّ على الطهارة الظاهرية، وتدلّ على استصحابها، هذا يرد عليه ما تقدّم من الكلام.

الاحتمال الثالث: أن يكون الدال على الاستمرار هو (حتّى) نفسها بنحو المعنى الحرفي. وهذا الاستمرار هو الذي ينشأ به الاستصحاب. ويكون استمراراً ظاهرياً باعتبار تقيّده وحديته بالعلم بالقذارة.

وهذا يرد عليه تمام ما أوردناه على صاحب (الكفاية) في الجهة الأولى من المقام الثاني في مناقشة الاتجاه السابق. 

حيث قلنا له: إنّه الاستمرار المفاد بنحو المعنى الحرفي لـ(حتّى) لا يمكن أن ينشأ به الاستصحاب لا ثبوتاً ولا إثباتاً.

مضافاً: إلى أنّ هذا الاستمرار الذي يكون مفاداً لـ(حتى) بنحو المعنى الحرفي ويكون حده العلم بالقذارة، هل هو استمرار واقعي للمغيّا للطهارة 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

() فقال له بعض الإخوان بما حاصله: أنه يستحيل أن يُتصوّر بين هذين الحكمين الطوليين جامع ترجع إليه النسبة، ولكن على تقدير إمكان تصوّر الجامع، فيمكن أن ترجع إليه النسبة ولا يلزم التهافت.

 فأجاب سلّمه الله بما حاصله: أنّ الجامع قد يُتصوّر بينهما، ولكن بما أنّه جامع بين حكمين طوليين، فيستحيل تعلّق النسبة الواحدة به. (المقرّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

المجعولة في الصدر، أو هو استمرار غائي مسامحي لها؟

فإن اخترتم أنّه استمرار واقعي للطهارة المجعولة في الصدر، التي هي بحسب دعواكم طهارة ظاهرية. إذن، فيكون حده حداً لتلك الطهارة؛ لأنّه هو بقاؤها الواقعي، وبذلك يثبت أنّ الطهارة المجعولة في صدر العبارة ظاهرية؛ لأنَّ حدّ بقائها الواقعي هو العلم بالقذارة، وهذا معناه تقوّمها بالشك. ولكن من أين بعد هذا تستفيدون الاستصحاب؟ لأنَّ المفروض أنّنا حملنا الاستمرار على الاستمرار الواقعي للطهارة المجعولة في الصدر، ولا يوجد هناك استمرار آخر، و(حتّى) لا تدل إلّا على استمرار واحد.

وإن حملتم الاستمرار المفاد بنحو المعنى الحرفي، على الاستمرار العنائي. إذن فقد استفيد هذا الاستصحاب من هذا الاستمرار؛ لأنّه استمرار عنائي، ولكن حده لا يكون حدّاً لأصل الطهارة؛ لأنَّ الحدّ أصبح حداً للاستمرار العنائي للطهارة وحدّ الاستمرار العنائي للشيء، ليس حدّاً لنفس ذلك الشيء. إذن، فلم يبقَ هناك دليل على أنّ أصل الطهارة المجعولة في الصدر قد حُدّدت بالعلم بالقذارة. إذن، فمن أين عرفتم أنّها طهارة ظاهرية؟ فإنَّ معرفة كونها ظاهرية فرع أن تكون محدودة بالعلم بالقذارة، والمفروض أنّ الحد راجع للاستمرار العنائي، فتبقى الطهارة المجعولة في الصدر بلا قرينة على أنّها طهارة ظاهرية، فعلى كلّ حال لا يمكن أن يثبت مطلوبكم(1).

إذن فقد بطل هذا الوجه الثاني وبذلك تمّ الكلام في الاتجاه الرئيسي الثاني.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

() وهنا قلت له: هذا بناءً على دلالة (حتّى) على الاستمرار العنائي لفظياً.

فقال: نعم. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاتجاه الثالث: استفادة معنى واحد من صيغة الرواية

الاتجاه الثالث تحميل العبارة معنى واحداً فقط لا اثنين ولا ثلاثة. وتحت هذا الاتجاه وجوه ثلاثة:

أحدهما: أن يكون هذا المعنى الواحد هو حكم الله الواقعي بالطهارة.

الثاني: أن يكون هذا المعنى هو الاستصحاب.

الثالث: أن يكون هو قاعدة الطهارة.

[الوجه الأوّل: أن يكون هذا المعنى الواحد هو الطهارة الواقعية]

أمّا الوجه الأوّل: وهو أن يكون هذا المعنى الواحد هو الطهارة الواقعية. ولعله هو ظاهر كتاب (الحدائق) في مقدّمة كتاب (الحدائق).

وهذا المدّعى يمكن تقريبه بأحد تقريبين:

التقريب الأوّل: بأنَّ تُحمل الغاية وهي العلم بالقذارة على أنّها طريق، لا على أنّها موضوع. 

وتوضيحه أن يقال: إنّ الحكم الواقعي بالطهارة لا يناسب أن يجعل غايته العلم بالقذارة بما هو علم، لأنَّ العلم والشك من مقوّمات الأحكام الظاهرية دون الواقعية، فإذا أردنا أن نحمل الطهارة هنا (1) على الطهارة الواقعية، فلا بُدّ أن نقول إنّ الغاية هنا هو العلم بالقذارة، بما هو طريق إلى القذارة ومعرّف لها، وبحسب الحقيقة تكون الغاية هو نفس القذارة لا العلم بها. وعبّر بالعلم باعتبار المرآتية وكناية عن ذات المعلوم، وكثيراً ما يُكنّى عن المعلوم بالعلم.

ــــــــــ[259]ــــــــــ

() يعني: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنه قذر“. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

هذا التقريب غير صحيح، كما أشرنا إليه في بعض الأبحاث السابقة؛ وذلك لأنَّ مرجع هذا التقريب بلا تأويل إلى أن الطهارة مقيّدة بعدم القذارة “كلّ شيء نظيف ما لم يكن قذراً” وكذلك في باب الحلية “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام“، يعني: كلّ شيء حلال ما لم يكن حراماً، فيكون أحد الضدّين مقيّداً بعدم ضدّه الآخر وهذا غير معقول. فإنَّ أحد الضدّين لا يقيد بعدم ضدّه الآخر، ولا يكون عدم أحدهما من مبادئ وجود الآخر.

فحمل العلم على الطريقية الصرفة، وفرض أنّ القيد هو عدم القذارة لا عدم العلم بها، مرجعه إلى أخذ عدم أحد الضدّين في موضوع الضدّ الآخر. وقد برّهنا على بطلانه في مباحث الضدّ. 

[التقريب] الثاني: لتصوير استفادة الطهارة الواقعية من هذه العبارة، وهو التقريب الظاهر من عبائر صاحب (الحدائق)، فإنّه كأنه يتحفّظ على ظهور العلم هنا في الموضوعية، وأنّ القيد هو عدم العلم بالقذارة لا عدم واقع القذارة، ومع هذا يحمل الطهارة على الطهارة الواقعية، بمعنى: أنّ كلّ شيء طاهر واقعاً، حتّى يُعلم بنجاسته، ومرجع ذلك إلى أنّ النجاسة أُخذ في موضوعها العلم بها، فما لم يعلم بالنجاسة لا يكون قذراً واقعاً.

وهذا بحسب الحقيقة يدخل في أخذ العلم بالشيء في موضوع شخص ذلك الشيء، فإنّنا إذا بنينا على أنّ الطهارة الواقعية ثابتة ما لم يعلم بالقذارة، فمعناه أنّ القذارة توجد إذا علم بها، يعني وجود القذارة موقوف على العلم بها، وهذا معناه أخذ العلم بالشيء في موضوع شخص ذلك الشيء.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وحينئذٍ، فإنَّ فرضنا أنّ الطهارة والقذارة أو النجاسة أنّهما من الأمور التكوينية الواقعية، التي كشف عنها الشارع، فإنَّ العرف بما أنّه قصير النظر لا يدرك بعض القذارات الواقعية، ويعرفها الشارع فيكشف عنها، والمبنى الآخر الصحيح هو أنّ الطهارة والنجاسة أمران شرعيان لا أمران واقعيان، بل حكمان شرعيان مجعولان من قبل الشارع.

فإذا بنينا على المبنى الأوّل وهو أنّ النظافة والقذارة، أو بتعبير آخر الطهارة والنجاسة، أمران واقعيان، فحينئذٍ بلا إشكال أنّ يؤخذ العلم بأمر واقعي في موضوع ذلك الأمر الواقعي، بحيث يكون العلم به سبباً في وجوده، لا يمكن أن يصبح هذا الماء حاراً إلّا إذا علم بحرارته، هذا غير معقول، كما بيّن في بحث أخذ القطع بشيء في موضوع شخص ذلك الشيء.

ما لم يرتكب تأويل في المقام، وذلك بأنّ يقال: أخذ العلم بالقذارة في موضوعها مع اختلاف الرتبة؛ وذلك بأن يكون العلم بالقذارة بمعنى العلم بما يقتضي التنفّر في نفسه، أخذ في موضوع التنفّر بالفعل، حيث إنّ التنفّر بالفعل ليس تابعاً لواقع وجود الوسخ هنا. وإنّما هو تابع للعلم بالوسخ، فيؤخذ العلم بمقتضى التنفّر في موضوع فعلية التنفّر. هذا أمر معقول لكنّه تأويل في العبارة بلا إشكال. فإنَّ ظاهرها أنّ القذر الذي أخذ العلم به غاية هو في مرتبته نظيف، الذي جعل في صدر العبارة لا أنّه نحمل الطاهر على عدم القذارة الفعلية، وقذر على القذارة الاقتضائية.

وأما لو حملنا الطهارة والنجاسة على أنّهما أمران اعتباريان وحكمان شرعيان كما هو الصحيح، فهل يُعقل أن يؤخذ القطع بحكم شرعي في موضوع 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

شخص ذلك الحكم، هذا مربوط بكلام حقّقناه في ذلك البحث، وقلنا: إنّ الحكم ينحلّ إلى جعل ومجعول فأخذ العلم بالمجعول في موضوع شخص ذلك المجعول غير معقول، ولكن أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول أمرٌ معقول؛ لأنَّ الجعل غير المجعول، وتوضيحه موكول إلى محلّه.

وهنا ظاهر العبارة بلا تأويل، هو أنّ العلم بالمجعول أخذ في موضوع المجعول؛ لأنّه قال: “كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنه قذر” ولم يقل: حتّى تعلم جعل القذارة في الشريعة الإسلامية، فقد أُخذ العلم بالقذارة الفعلية موضوعاً للقذارة الفعلية وهو غير معقول. إذن، فيستحيل مع التحفّظ على ظهور العبارة حملها على الحكم الواقعي، ويتعيّن حملها على الحكم الظاهري.

[الوجه الثاني: أن يكون هذا المعنى الواحد هو الاستصحاب]

يبقى الوجه الثاني، وهو: أن نحمل العبارة على الاستصحاب، وأنّه لا يستفاد من الرواية إلّا الاستصحاب؛ وذلك بأن نحمل الطهارة هنا على استمرار الطهارة، أنّ كلّ شيء مستمّر الطهارة بعد الفراغ عن أصل ثبوتها له، فيعتبر أنّ أصل ثبوت الطهارة مفروغ عنه، وأنّ كلمة (طاهر) بيان لمرحلة البقاء والاستمرار، فيكون بياناً للاستصحاب -مثلاً-، وترجع الغاية إلى هذا الاستمرار الذي بُيّن بكلمة (طاهر).

وهذا يرد عليه:

أولاً: أنّه عناية زائدة تحتاج إلى قرينة، فإن فرض المفروغية عن أصل ثبوت الشيء وكون التوجّه إلى مرحلة بقاءه واستمراره، عناية زائدة تحتاج إلى قرينة، 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

وإلَّا فطبع كلمة (طاهر) لا يدلّ على أنّه قد فرغ عن أصل الثبوت، وأن النظر إلى مرحلة البقاء. ولعلّه لهذا فصل الشيخ بين قوله: “كلّ شيء طاهر” وبين قوله: “الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر”، فإنَّ قوله: “الماء…”، ناظر إلى الاستصحاب؛ باعتبار أنّ ثبوت الطهارة للماء أمر واضح ارتكازي، فيكون ذلك قرينة على أنّ البيان لا يستهدفه، وإنّما يستهدف أمراً آخر غيره، وهو البقاء لا أصل الثبوت. على أي حال هذا عناية زائدة تحتاج إلى قرينة. هذا أولاً.

وثانياً: لو سُلّم وجود القرينة على هذه العناية الزائدة، وأنّ الكلام في مرحلة البقاء والاستمرار، وأنّ الشيء الطاهر تبقى طهارته، فأيضاّ لا يثبت بالاستصحاب؛ إذ غايته إثبات مرحلة البقاء للطهارة، وليس كلّ بقاء يكون استصحاباً، وإنّما الاستصحاب هو البقاء المبني على الحالة السابقة.

وهنا غاية ما نقوله في مثل رواية “الماء كلّه طاهر… ” أن وضوح ثبوت الحالة السابقة يجعل المتكلّم ليس ناظراً إلى أصل الحالة السابقة، لكن هذا ليس معناه دخل الحالة السابقة في إثبات البقاء والاستمرار فلا يكون هذا استصحاباً أيضاً.

[الوجه الثالث: حمل الرواية على قاعدة الطهارة]

وبذلك يتعيّن الوجه الثالث من الاتجاه الثالث، وهو أن نحمل الرواية على قاعدة الطهارة؛ لأنَّ تمام الوجوه الأخرى غير صحيحة. وهذا الوجه صحيح ثبوتاً وإثباتاً، ولا يتوقّف هذا الوجه على أن نحمل الغاية على أنّها غاية للموضوع، كما ورد في كلام جملة من الأعلام، ومنهم السيّد الأستاذ، كأنّهم 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

يتصورون أنّ أصالة الطهارة لا بُدّ وأن يُفرَض الشكّ مأخوذاً في موضوعها لا قيداً في محمولها، بينما الاستصحاب لا بأس بأن يقال: بأنَّ الشكّ مأخوذ قيداً في المحمول لا في الموضوع.

هذه كلّها اصطلاحات أصولية لا دخل لها في واقع المطلب. فإنَّ قاعدة الطهارة عبارة عن حكم ظاهري في الطهارة، وهذا الحكم كما يلائم مع أخذ العلم بالقذارة غاية للموضوع، الملازم مع أخذ الشكّ في الموضوع، كذلك يناسب مع أخذه غاية للمحمول، أي لنفس كلمة (طاهر)، وهذا هو المطابق للمتفاهم العرفي فهذه الرواية تدلّ على أصالة الطهارة فقط. 

هذا تمام الكلام في روايات الاستصحاب.

وبذلك ظهر أنّ الاستصحاب حجّة باعتبار دلالة أكثر من رواية عليه، ونحن إلى هنا استطعنا أن نثبت حجيّة الاستصحاب بنحو القضية المهملة، وفيما يلي سوف نبدأ بالتعرّض إلى التفصيلات في حجيّة الاستصحاب، وسوف نقتصر منها على ثلاثة:

أوّلها: تفصيل السيّد الأستاذ بين الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية، فيجري في الموضوعية دون الحكمية.

ثانيها: التفصيل بين موارد الشكّ في المقتضى وموارد الشك في الرافع، وهو الذي ذهب إليه الشيخ الأعظم وتّبعه المحقّق النائيني. فقد ذهبا إلى أنّه لا يجري الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي.

 ثالثها: التفصيل بين حكم شرعي يكون دليله العقل وحكم شرعي يكون 

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

دليله غير العقل، فالأوّل لا يجري فيه الاستصحاب، والثاني يجري فيه، وهذا ما اختصّ به -من الآغايون المتعارفين (1)– الشيخ الأنصاري.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

() يقصد من يتعرّض لأقوالهم عادة، وهم: الأنصاري والخراساني والنائيني والاصفهاني والعراقي والخوئي وقليلاً غيرهم. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 










الفهرس

 

[الرواية الثالثة: صحيحة زرارة الثالثة] 13

[المقام الأوّل: ظهور الرواية في طبعها] 15

المحتملات في عبارة الاستدلال وهي: “لا ينقض اليقين بالشكّ” 16

المقام الثاني: في محذور الأخذ بالظهور في الرواية 24

الإشكال الأوّل للشيخ الأنصاري 24

عدّة أجوبة عن الإشكال 25

الجواب الأوّل للمحقّق العراقي وغيره 25

إشكال المحقّق العراقي على جوابه 26

مناقشة ما أفاده المحقّق العراقي 27

الكلام الأوّل: فرضية التقيّة في التطبيق دون أصل الكبرى 27

قرائن ثلاث على عدم كون الرواية في مورد التقية 28

القرينة الأولى 28

القرينة الثانية 32

القرينة الثالثة 33

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الكلام الثاني في اعتراض المحقق العراقي على نفسه 34

الجواب الثاني: للمحقّق الخراساني 38

اعتراض المحقّق الأصفهاني على جواب الآخوند 42

الجواب الثالث: المتحصّل من كلمات النائيني 47

اعتراض الشيخ الاصفهاني على الميرزا في المقام 51

تعليق على جواب الميرزا 53

الإشكال الثاني للمحقق العراقي 54

جواب السيّد الأستاذ عن الإشكال 57

مناقشة ما أفاده السيّد الأستاذ 58

تصوير الأصل المثبت في المقام 62

الاشكال الثالث: وهو أيضاً للمحقّق العراقي 67

فائدة 69

المقام الأوّل: في موارد الشكّ في الركعات 70

المرحلة الأولى: محاولة تصحيح الصلاة على مقتضى القواعد بقطع النظر عن كبرى الاستصحاب 70

المرحلة الثانية: تصحيح الصلاة بمقتضى القواعد التي فيها الاستصحاب 75

المقام الثاني: في جريان استصحاب عدم الإتيان بالرابعة 79

الكلام الأول: التمسّك بالاستصحاب لإثبات وجوب ركعة متّصلة 79

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الاتجاه الأوّل: في استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به 80

الاتجاه الثاني: في مقتضى التحقيق 81

تطبيق الاتّجاهين في محلّ الكلام 83

[خلاصة المطلب] 86

استصحاب الواجب الضمني 88

المبنى الأول: أن الوجوبات الضمنية لا تسقط إلى أن ينتهي من تمام الإتيان بالمركّب 89

المبنى الثاني: أن الوجوبات الضمنية تسقط بالتدريج 90

المبنى الثالث: أن الوجوبات الضمنية تسقط حينما يؤتى بمتعلّقه مشروطاً بشرط متأخّر 93

تحقيق في ورود الإشكالين على المباني الثلاثة 93

بيان ما هو الحقّ من هذه المباني الثلاثة 99

وجوه للبرهنة على عدم سقوط الواجبات الضمنية 100

الوجه الأوّل: يبرهن على عدم سقوط الوجوبات الضمنية ويحلّ شبهة تحصيل الحاصل 100

الوجه الثاني: يبرهن على عدم السقوط ويحلّ شبهة تحصيل الحاصل 103

البيان الثالث: يبرهن على عدم السقوط دون أن يحل شبهة تحصيل الحاصل 104

ــــــــــ[269]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الوجه الرابع: في مقام البرهنة على إبطال السقوط 106

تلخيص وتحصيل 108

الكـلام الثاني: التـمسّك بالاستصحاب لإثـبات وجوب ركعة منفصلة 114

الفرضية الأولى: بناءً على تصوّر ملاك واحد للأمر بالصلاة 115

الفرضية الثانية: بناءً على تصوّر ملاكين في باب الصلاة 117

في حاقّ الصيغة التي ذكرها الميرزا 119

استدراك من حيث مباني السقوط 120

في إبطال المبنى الثالث 121

الرواية الرابعة: رواية إسحاق بن عمّار 129

سند الرواية 130

دلالة الرواية 133

الرواية الخامسة: رواية (الخصال) الواردة في حديث الأربعمائة 141

سند الرواية 144

دلالة الرواية 145

الظهور الأول: في قاعدة اليقين 145

وجوه للجواب 148

الوجه الأوّل: القيد وارد مورد الغالب 148

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

الوجه الثاني: ما ذكر في تقريرات المحقّق العراقي 148

الجواب الثالث: ما ذكره في (الكفاية) 149

الصحيح في المقام 152

الظهور الثاني في الاستصحاب 157

إبطال قرينية الظهور الثاني على الاستصحاب 158

الظهور الثالث: في الإجمال 161

[إبطال الظهور الثالث] 162

الظهور الرابع: اختلاف المشكوك والمتيقن من حيث الزمان 163

الرواية السادسة: مكاتبة علي بن محمد القاساني 169

دلالة الرواية 169

مناقشة في دلالة الرواية على الاستصحاب 170

الاحتمال الأول: للمحقّق النائيني 170

اعتراض السيد الأستاذ على ما أفاده المحقّق النائيني 171

الاحتمال الثاني: لصاحب (الكفاية) 172

اعتراض السيّد الأستاذ لا يرد على صاحب (الكفاية) 173

مناقشة الاحتمال الثاني 174

هل اليقين أُخذ على وجه الموضوعية أو الطريقية 175

مناقشة المحقّق العراقي في الاستدلال بالرواية 178

ثلاثة تعليقات على ما ذكره المحقّق العراقي 179

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

سند الرواية 183

طائفتان من الروايات 187

الطائفة الأولى: يستأنس بها لقاعدة الاستصحاب 187

الـطائفة الثانية: التي استدلّ بها على أصول أخرى تُـجعل دليلاً على الاستصحاب 193

البحث الدلالي في صيغ الروايات 193

الاتجاه الأول: استفادة ثلاثة أمور من صيغة الرواية 195

الجهة الأولى: في استفادة الحكم الواقعي وأصالة الطهارة من صدر العبارة 195

التقريب الأوّل: أنّ العبارة لها عموم أفرادي وإطلاق أحوالي 196

التقريب الثاني: الاكتفاء بالعموم الأفرادي 196

مناقشة التقريب الثاني 197

مناقشة التقريب الأوّل 198

الإشكال الأوّل ما ذكره جملة من المحقّقين 198

تقريب صناعي لتصحيح كلام صاحب (الكفاية) 200

الإشكال الثاني على الشيخ الخراساني ومناقشته 208

الإشكال الثالث: للمحقّق النائيني 210

التقريب الأوّل للإشكال 210

التقريب الثاني للإشكال 214

ــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

التقريب الثالث للإشكال 216

الإشكال الرابع للمحقّق النائيني أيضاً 219

تعليق على كلام المحقّق الخراساني 220

مناقشة ما أفاده السيّد الأستاذ في المقام 223

الجهة الثانية: استفادة الاستصحاب من الغاية 226

الأمر الأوّل: فرض كون الغاية غايةً للاستصحاب 226

الاشكال الثبوتي 227

إشكالان إثباتيان 231

الأمر الثاني: في نسبة الاستصحاب مع صدر الرواية 234

عود إلى الأمر الأول استفادة أصل الاستصحاب من الذيل 237

عود إلى الأمر الثاني استفادة استصحاب مفاد الصدر نفسه 241

الافتراض الأوّل: الاستصحاب في الذيل هو استصحاب للطهارة الواقعية فقط 241

الافتراض الثاني: الاستصحاب في الذيل هو استصحاب للطهارة الظاهرية فقط 242

الافتراض الثالث: رجوع الغاية إلى الطهارة الواقعية والظاهرية باستمرارٍ تعبّدي واستمرارٍ حقيقي 243

الافتراض الرابع: رجوع الغاية إلى الطهارة الواقعية والظاهرية باستمرار تعبّدي فيهما 245

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج23 

تصوير استصحاب الطهارة الظاهرية 246

الاتجاه الثاني: استفادة معنيين من صيغة الرواية 250

[الـوجه الأوّل: أن يكون المعنيان هما الـطهارة الـواقعية والاستصحاب] 250

منشأ استفادة الاستصحاب 251

[الـوجه الثاني: أن يكون الـمعنيان هما الـطهارة الـظاهرية والاستصحاب] 254

منشأ استفادة الاستصحاب 255

الاتجاه الثالث: استفادة معنى واحد من صيغة الرواية 259

[الوجه الأوّل: أن يكون هذا المعنى الواحد هو الطهارة الواقعية] 259

[الوجه الثاني: أن يكون هذا المعنى الواحد هو الاستصحاب] 262

[الوجه الثالث: حمل الرواية على قاعدة الطهارة] 263

الفهرس 267