الجزء الرابع والعشرون
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج24 (240ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1728/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1728) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
1-46-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الرابع والعشرون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[4]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التفصيلات في حجّية الاستصحاب
ويحتوي على:
ــــــــــ[7]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[التفصيلات في حجّية الاستصحاب]
بعد تماميّة الروايات السابقة في حجية الاستصحاب، يُتكلّم في هذه التفصيلات الثلاثة(1)؛ ليُرى أنّه هل بالإمكان الالتزام بجريان الاستصحاب في بعض الموارد دون بعض، أو أنّ مقتضى إطلاقات تلك الروايات الدالة على الاستصحاب إجراء الاستصحاب مطلقاً.
ــــــــــ[9]ــــــــــ
() أوّلها: تفصيل السيّد الأستاذ بين الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية، فيجري في الموضوعية دون الحكمية.
ثانيها: التفصيل بين موارد الشكّ في المقتضى وموارد الشك في الرافع، وهو الذي ذهب إليه الشيخ الأعظم وتّبعه المحقّق النائيني. فقد ذهبا إلى أنّه لا يجري الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي.
ثالثها: التفصيل بين حكم شرعي يكون دليله العقل وحكم شرعي يكون دليله غير العقل، فالأوّل لا يجري فيه الاستصحاب، والثاني يجري فيه، وهذا ما اختصّ به -من الآغايون المتعارفين*- الشيخ الأنصاري.
* يقصد من يتعرّض لأقوالهم عادة، وهم: الأنصاري والخراساني والنائيني والاصفهاني والعراقي والخوئي وقليلاً غيرهم (المقرّر). الجزء السابق الصفحة الأخيرة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التفصيل الأوّل
التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التفصيل الأوّل: هو التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية، فيجري الاستصحاب في الشبهات الموضوعية دون الحكمية، وهذا ما اختاره السيّد الأستاذ.
وقد طرأ على هذا التفصيل عدّة تطوّرات، وتقيّدات في نظر السيّد الأستاذ. فإنَّ الصيغة الأوليّة للتفصيل -كما تُلقِّيت- كما مرجعها إلى التفصيل بين الحكم والموضوع لا بين الشبهة الحكمية والموضوعية، بمعنى: أنّ الاستصحاب في الحكم لا يجري سواءٌ كانت الشبهة موضوعية أو حكمية.
مثال استصحاب الحكم في الشبهة الحكمية، استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من نفسه.
مثال استصحاب الحكم في الشبهة الموضوعية استصحاب حجيّة رأي شخص؛ لأجل الشكّ في بقائه على الأعلمية.
فاستصحاب الحكم لا يجري لا الحكم الكلّي في الشبهة الحكمية ولا الحكم الجزئي في الشبهة الموضوعية. غاية الأمر أنّ إنكار استصحاب الحكم الجزئي لم
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
يكن له مزيد خطر؛ وذلك لأنّه يغني عنه الاستصحاب الموضوعي الحاكم وهو استصحاب بقاء الأعلمية، وهو يكفي في حصول المقصود، وأمّا الاستصحاب في الشبهة الحكمية، فإنّه كان لإنكاره أثر واضح، وهو إبطال كلّ حكم استنبط على أساس الاستصحاب.
ثُمَّ بعد (إن قلتَ قلتُ)، عُدِّلت هذه الصيغة، وفُرضت أنّها تفصيل بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية، فاستصحاب الحكم في الشبهة الحكمية لا يجري، وأمّا في الشبهة الموضوعية فيجري استصحاب الموضوع والحكم معاً، لولا حكومة أحدهما على الآخر، فقد اعترف هنا بجريان استصحاب الحكم في الشبهة الموضوعية، وخصص الانكار في الشبهة الحكمية، بالنسبة إلى استصحاب الأحكام الكليّة.
ثُمَّ بعد إشكالات حدّد هذا التفصيل أكثر فالتزم من قبل السيّد الأستاذ بالتفصيل في نفس هذه الأحكام الكليّة، بمعنى أنّه اعترف أنّ بعض الأحكام الكليّة يجري استصحابها وبعضها لا يجري.
والميزان الذي اقتضى هذا التخصيص الجديد عنواناً: أنّ الأحكام الكليّة التي تكون ترخيصية، أو كالترخيصية يجري استصحابها، وأمّا الأحكام التي لا تكون كذلك كالأحكام الالزامية لا يجري استصحابها، فتضيّقت صيغة التفصيل أكثر، وانحصر الانكار بقسم من الأحكام في الشبهات الحكمية.
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فهذا هو التفصيل، ومنشَؤُه في الواقع هو كلام للمحقّق النراقي ذكره الآغايون في الكتب الرسمية كـ(الكفاية) و(الرسائل) وغيرها، وأجابوا عنها كلّ واحد بجواب، وقد عُمّق كلام النراقي في كلام السيّد الأستاذ، فصار تفصيلاً بين الشبهة الحكمية والموضوعية بأحد الأشكال التي استعرضناها.
وحاصل كلام المحقّق النراقي: إنّه ذكر في مقام الإشكال على استصحاب الحكم فيما إذا عُلم بوجوب الجلوس في المسجد من طلوع الشمس إلى الزوال، وشكّ في أنّه هل يجب الجلوس بعد الزوال أيضاً أو لا؟ فهذه شبهة حكمية، ومقتضى الطبع أن يقال: إنّه يجري استصحاب بقاء وجوب الجلوس؛ لأنَّ أركان الاستصحاب تامّة؛ لأنّنا كنّا على يقين من الوجوب قبل الزوال، وشككنا في بقائه، فيجري استصحاب بقائه.
النراقي يقول: بأنَّ هذا الاستصحاب معارض باستصحاب العدم الأزلي لوجوب جلوس ما بعد الزوال، فإنّه في مدّة من الزمن لم يكن هناك وجوب جلوس لا قبل الزوال ولا بعده، ثُمَّ عُلم إنّ أحد هذين العدمين انتقض بالوجود وهو وجوب جلوس ما قبل الزوال. أمّا وجوب جلوس ما بعد الزوال، فلم يعلم انتقاض عدمه بالوجود فيستصحب عدمه؛ لأنَّ أركانه تامّة،
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فإنّني كنت على يقين من عدم وجوب جلوس ما بعد الزوال، والآن شاكّ في ذلك فيجري استصحاب عدمه، ويُعارض مع استصحاب وجوده، فهو يعبّر هكذا: أنّ استصحاب الوجود واستصحاب العدم يتعارضان في الشبهة الحكمية، فهذه شبهة النراقي.
وحاصل ما اعترض به الشيخ الأعظم على هذه الشبهة، أنّ تحصيص الجلوس إلى ما قبل الزوال وإلى ما بعد الزوال هل يوجب تباين الجلوسين عرفاً، يعني قيد ما بعد الزوال، وما قبله أُخذ بنحو الحيثية التقييدية الموجبة لتغاير الجلوسين عرفاً وتعدّد الموضوع. أو أُخذ ظرفاً وحيثية تعليلية بحيث ذات الجلوس واحد، وإن تعلّق به الوجوب تارةً بلحاظ ما قبل الزوال وأخرى بلحاظ ما بعده.
فإن كان القيد قد أُخذ بنحو معدِّد للموضوع عرفاً(1)، إذن، فاستصحاب الوجوب لا يجري، بل يجري فقط استصحاب العدم؛ لأنَّ استصحاب الوجوب فرع وحدة الموضوع والمفروض تعدّده عرفاً، فيكون ما يعلم بوجوبه غير ما يُشكّ فيه، ويشترط في جريان الاستصحاب بقاء الموضوع فيختص بالجريان استصحاب العدم، الذي أبرزه المحقّق النراقي، ولا معارضة.
وإذا فُرِض أنّ الزمان لم يؤخذ حيثية تقييدية، ومعدّدة للموضوع، بل أُخذت حيثية تعليلية، والجلوس باقٍ على وحدته في نظر العرف، وهو الذي
ــــــــــ[16]ــــــــــ
() وموجب لتباين الجلوسين. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
يعبّر عنه الشيخ بالظرفية. فحينئذٍ، يجري استصحاب وجوب الجلوس؛ لأنَّ أركانه تامّة؛ لأنّه يقال: هذا الجلوس الواحد كان واجباً قبل الزوال ويشك في بقاء وجوبه بعده فيُستَصحب، ولا يجري استصحاب العدم الأزلي لوجوب جلوس ما بعد الزوال؛ لأنَّ هذا الوجوب -بناءً على هذا الافتراض- هو بقاء لوجوب جلوس ما قبل الزوال، والمفروض العلم بوجوب ما قبل الزوال. إذن، فهو مسبوق بحدوثه لا مسبوق بعدمه، فكيف يجري استصحاب عدمه، بل يجري استصحاب الوجود.
إذن، فلا معنى للمعارضة على كلّ من التقديرين، فإنّه إمّا أن يجري استصحاب الوجود فقط، وإمّا أن يجري استصحاب العدم فقط، فلا يوجد فرض يقتضي فيه دليل الاستصحاب جريان كلا الاستصحابين، لكي يحصل بينهما تعارض ويتساقطان.
وإنّما ذكرت الشبهة وجوابها؛ لأجل أن يساعد في فهم ما به الامتياز لكلام السيّد الأستاذ على كلام النراقي، وكيف أنّ كلام السيّد الأستاذ صيغ بشكل لا يرد عليه هذا الجواب من قبل الشيخ الأنصاري.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هو أن يقال: إنّ الشكّ في الحكم يُتصوّر على أنحاء ثلاثة:
تارةً: يُشكّ في الحكم من ناحية الأمور الخارجية، كما إذا شكّ في وجوب اتباع شخص نشكّ في بقاء اجتهاده،
وأخرى: يكون الشكّ في بقاء الحكم من ناحية احتمال النسخ بعد العلم بوجوده، فيجري استصحابه.
وثالثاً: أن يكون الشكّ في الحكم لا بنحو من النحوين السابقين، بل من ناحية الشك في سعة المجعول وضيقه. كما هو الحال فيما نصطلح عليه متعارفاً باسم الشبهة الحكمية، -مثلاً- إذا شككنا في أنّ نجاسة الماء المتغيّر هل تبقى بعد زوال التغيّر إذا زال من نفسه. هذا الشكّ ليس من القسم الأوّل بلحاظ الأمور الخارجية، فإنّنا هنا لا نشكّ في الأمور الخارجية فإنّنا نعلم أنّ هذا ماء كان متغيّراً، والآن زال تغيّره كما أنّه ليس شكّاً في النسخ، وإنّما نشكّ في حدود نجاسة الماء المتغيّر، ومقدار جعل الشارع لها، هل جعل النجاسة بنحو طولاني، بحيث تبقى حتّى بعد زوال التغيّر، أو جعلها في زمن قصير وهو زمن فعلية وجود التغيّر، فالتردّد بين ضيق المجعول وسعته.
ونحن نقصر الكلام فعلاً على هذا القسم الثالث في مقام تجسيد هذا
ــــــــــ[18]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التفصيل ومناقشته، موقّتاً، ثُمَّ في تنبيهات هذا التفصيل نأتي إلى الشقين الآخرين.
وفي هذا القسم الثالث يُقال: بأنَّ الشكّ بحسب الحقيقة في سعة المجعول وضيقه، ومثل هذا الشك دائماً يكون مساوقاً مع الشكّ في زيادة الجعل وقلّته، لأنّه كلّما كان المجعول أوسع كان الجعل أزيد لا محالة، فيُشكّ في زيادة الجعل وقلّته، فيدور أمر الجعل بين الأقلّ والأكثر لا محالة، إذا دار أمر المجعول بين أن يكون قصيراً أو طويلاً؛ لأنَّ المجعول إنَّما يكتسب طوله زماناً من انبساط الجعل.
فيدور أمر الجعل بالدّقة بين الأقلّ والأكثر، والأقلّ هو القدر المتيقّن ويُشكّ في الزائد، والأقلّ هو الجعل لما قبل ارتفاع التغيّر. وهو معلوم وأمّا جعل لأزيد من هذا المقدار، فإنّه يُشكّ به من أوّل الأمر.
حينئذٍ، هنا يقال: بأنّه يتعارض عندنا استصحابان لكنّنا لا نسميهما استصحاب الوجود والعدم، كما سماهما النراقي لتخيّل أنّ مرادنا منهما استصحاب الوجود والعدم في المجعول، بل نسميهما استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل.
فنقول: إنّنا إذ نشكّ في أنّ المجعول قصير أو طويل فأركان الاستصحاب فيه تامّة؛ لأنّه سواءٌ كان قصيراً أو طويلاً، فقد حدث على أي حال. والشك في قصره وطوله يوجب الشك في بقائه فيجري استصحاب المجعول، هذا من طرف.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ومن طرف آخر: عندنا شكّ آخر من ناحية الجعل في أنّه هل هو قليل أو كثير. فيدور أمره بين الأقلّ والأكثر، والأقلّ متيقّن والزائد مشكوك. فيقال: إنّه قبل أن يجعل المولى شيئاً في باب النجاسة، نعلم أنّ هذا الحكم لم يكن موجوداً لا طويلاً ولا قصيراً، ثُمَّ بعد أنّ صدر منه جعل لنجاسة الماء المتغيّر، نقول: إنّ القدر المتيقّن أنّه جعل نجاسة ما قبل التغيّر، وأمّا جعل نجاسة ما بعد التغيّر فهو مشكوك، فنجري استصحاب عدم الجعل الزائد.
فيتعارض استصحاب وجود المجعول واستصحاب آخر، ليس هو استصحاب عدم المجعول كما كان يتراءى من كلام المحقّق النراقي، بل استصحاب عدم الجعل، ولعلّه هو حاقّ مراد النراقي.
هذا هو تفصيل برهان المدّعى في هذا التفصيل قبل أن يطرأ عليه التعديل بأي نحو من التعديلات السابقة.
ثُمَّ بعد أن بيّن السيّد الأستاذ هذا المدّعى، ذكر عدة إشكالات هي الإشكالات التي أُوردت على كلام النراقي، استعرضها وأجاب عليها موضّحاً أنّ تلك الإشكالات لا ترد كلّها على هذا التقريب.
فلا بُدّ لنا من أن نستعرض الإشكالات التي ذكرها ثمَّ نُبيّن ما هو الحق في المقام.
والجعل(1) مسبوق بالعدم لا محالة؛ لأنَّ جعل الأحكام الإلهية ليس قديماً،
ــــــــــ[20]ــــــــــ
() كرّر السيّد تقريب كلام السيّد الأستاذ في تعارض استصحاب عدم الجعل واستصحاب المجعول، وقال فيما قال: والجعل… (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وقد انتقض بمقدار القدر المتيقّن وهو جعل الأقلّ، أمّا جعل الزائد، فلا يُعلم بأنَّ عدمه الأزلي تبدّل إلى الوجود، فيستصحب عدم جعل الزائد(1).
ثُمَّ صرنا في مقام بيان الإشكالات، التي ذكرها السيّد الأستاذ، وأوضح أنها لا ترد على المعارضة بالصيغة التي أفادها.
ما ذكره الشيخ اعتراضاً على شبهة النراقي، الذي قال بأنّه يتعارض استصحاب الوجود مع استصحاب العدم. ذكر الشيخ أنّ هذه المعارضة غير معقولة؛ لأنَّ الجلوس في المسجد، إمّا أن يؤخذ الزمان فيه بنحو الظرفية أو بنحو القيدية. فإن أُخذ بنحو الظرفية، فلا يجري إلّا استصحاب بقاء وجوب الجلوس؛ لاتّحاد الجلوس ذاتاً وعدم تكثّره، وإن أُخذ الزمان بنحو القيدية المكثرّة للموضوع، فيجري استصحاب عدم وجوب جلوس ما بعد الزوال، ولا يعارضه استصحاب بقاء الوجوب؛ لعدم جريانه مع تعدّد الموضوع. إذن، ففي كلّ من الحالتين لا يجري إلّا استصحاب واحد فقط، ولا يعارضه استصحاب آخر.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
() وهنا قلت له: كيف يُتصوّر في الجعل الأقلّ والأكثر، مع أنّ الجعل بسيط؟
فقال: أقلّ وأكثر باعتبار الحدود، مرّة يكون محدوداً بحدّ أضيق، ومرّة محدود بحدّ أوسع، فذات المحدود بالحدّ الأضيق متيقّن، وأمّا العملية بالمقدار الزائد على هذا الحدّ، مشكوك. (المقرّر ).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هنا ذكر السيد الأستاذ: أنّ هذا إنَّما يرد على الصيغة النراقية، يعني: أنّنا إذا نظرنا إلى المجعول في كلا الاستصحابين، فأردنا استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدمه.
حينئذٍ، يرد هذا الكلام؛ وذلك بأنَّ يقال: إنّ هذا المجعول هل هو بلحاظ ما قبل الزوال وما بعده شيء واحد أو شيئين. فإن كان شيئين، فلا يجري استصحاب بقاء المجعول، وإن كان شيئاً واحد، فلا يجري استصحاب عدم وجوب جلوس ما بعد الزوال؛ لأنَّ هذا الوجوب -على هذا التقدير- هو عين وجوب ما قبل الزوال، والمفروض أنّه قد ثبت وحدث فكيف استصحب عدمه.
وأما إذ نعارض مع استصحاب بقاء المجعول باستصحاب عدم الجعل، ففي مثله لا يأتي هذا الإشكال؛ لأنّنا نختار الظرفية، وأنّ الزمان ظرف لا قيد ومحصّص ومكثّر، فجلوس ما قبل الزوال وما بعده شيء واحد، ووجوب ما بعد الزوال بقاء لوجوب الجلوس قبل الزوال. ومن هنا يجري جري استصحاب بقاء المجعول.
ولكن مع هذا يجري استصحاب العدم، لا عدم المجعول ليقال إنّ المجعول انتقض عدمه بالوجود، لعلمنا بوجوب جلوس ما قبل الزوال، بل استصحاب عدم الجعل. فإنَّ الجعل الإلهي في صدر الشريعة الإسلامية مسبوق بالعدم ويًشك في أنّه هل تحقّق جعل للوجوب على امتداده، حتّى لما بعد الزوال، أو تحقّق جعل لوجوب ما قبل الزوال. إذن، فجعل وجوب ما قبل
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الزوال متيقّن وجعل وجوب ما بعد الزوال يُشكّ فيه فيُستَصحب عدمه.
فالعدم الذي نريد أن نستصحبه، ليس هو نقيض الوجود الذي نستصحبه، حتّى يقال إنّه يستحيل أن يتعارض هذان الاستصحابان، وأن يكون كُلٌّ منهما تامّاً في نفسه، بل نستصحب وجود المجعول وعدم الجعل. وبناء عليه لا يأتي هذا الجواب.
الاعتراض الثاني دعوى أنّ الاستصحاب يشترط فيه اتصال زمان الشك بزمان اليقين، يعني: اتصال زمان المشكوك بزمان المتيقّن، كما لو كان اجتهاد زيد يوم السبت متيقّناً وفي يوم الأحد مشكوكاً، فيجري استصحاب بقاء اجتهاده، وأمّا لو فُرِض أنّ اجتهاده يوم السبت متيقّن واجتهاده يوم الأحد متيقن العدم، وفي يوم الاثنين مشكوك نحتمل رجوعه إليه، فهنا لا يجري استصحاب بقاء الاجتهاد؛ لأنَّ زمان المتيقّن غير متّصل مع زمان المشكوك، بل يجري بحسب الحقيقة استصحاب عدم الاجتهاد؛ لأنَّ عدم الاجتهاد قد اتصل متيقّنه بمشكوكه.
هذا المطلب جعل حجّة ضدّ النراقي حيث قيل له بأنَّ زمان المشكوك غير متّصل مع زمان المتيقّن؛ لأنّك حين تريد أن تستصحب عدم جلوس ما بعد الزوال نسألك: أنّ هذا العدم متى كان متيقّناً ومتى يكون مشكوكاً؟ ظرف المشكوك فيه هو الزوال، وأمّا ظرف المتيقّن فهو قبل طلوع الشمس، يعني قبل أن يحدث هذا الوجوب، والمفروض أنّ هذا الوجوب ابتدأ من حين طلوع
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الشمس واستمر إلى الزوال، وشككنا في بقائه بعده، فزمان المشكوك منفصل عن زمان المتيقّن.
وهذا الإشكال بحسب الحقيقة تعبير آخر عن الإشكال الأوّل بعد اختيار الظرفية، فإنّه في الإشكال الأوّل كان يشقّق بأنّه تارةً يكون الزمان بنحو الظرفية، وأخرى بنحو القيدية، وأمّا هنا فبعد أن فُرِضت الظرفية قيل بأنّه لا يمكن أن يجري استصحاب عدم المجعول؛ لانفصال زمان المشكوك عن زمان المتيقّن.
هذا جوابه: -بناءً على صيغة السيّد الأستاذ للمعارضة- واضح؛ وذلك لأنَّ المتيقّن في هذه الصيغة ليس هو عدم الوجوب المجعول، والمشكوك ليس هو الوجوب المجعول، حتّى يقال: إنّه انفصل أحدهما عن الآخر، بل المشكوك هو جعل الزائد والمتيقّن هو عدم جعل الزائد، وهذان الزمانان متّصلان بلحاظ عصر التشريع، فإنّنا نشير إلى زمان من أزمنة التشريع، ونقول في هذا الزمان لم يكن جعل لنجاسة الماء المتغيّر لما بعد زوال تغيّره، إذ لم يكن هناك جعل أصلاً، ثُمَّ بعد هذا نشكّ أنّه هل تحقّق جعل الزائد أو لا؟ فنستصحب عدم جعل الزائد، فقد اتصل زمان المشكوك مع زمان المتيقّن فهذا الإشكال لا يرد.
الاعتراض الثالث: إشكال أورده المحقّق النائيني فإنّه التفت أيضاً إلى نكتة أنّ بالإمكان تطوير استصحاب العدم من عدم المجعول إلى عدم الجعل مع معارضته باستصحاب وجود المجعول. وأشكل على ذلك بالمثبتية.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وحاصله: أنّ استصحاب عدم الجعل لا يجري؛ لأنّه ليس له أثر لا شرعي ولا عقلي، فإنّ الآثار الشرعية والعقلية مترتّبة على المجعول، دون الجعل؛ ولهذا لو فُرِض محالاً بأنّه وجد مجعول بلا جعل، فإنّه مترتّب عليه تمام الآثار، ولو فُرِض وجود جعل بقي معطلاً بلا مجعول، ولم يصبح فعلياً لا يكون له أثر، فتمام الآثار مترتّبة على المجعول لا على الجعل.
فإن كنتم باستصحاب عدم الجعل تريدون أن ترتبوا أثراً مباشراً على ذلك، فلا يوجد أثر مباشر على وجود الجعل وعدمه، وإن كنتم تريدون بذلك أن تنفوا المجعول وتقولون: حيث لا جعل إذن فلا مجعول، حتّى ترتبوا على ذلك الآثار فهذا مثبت؛ لأنَّ وجود المجعول من اللوازم التكوينية لوجود الجعل، وليست من الأحكام الشرعية لوجود الجعل فهو أمرٌ واقعي تكويني، ويستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر، وليس ترتّبه محتاجاً إلى جعل شرعي كترتّب الحجيّة على قول الأعلم، وعليه لا يمكننا باستصحاب عدم الجعل أنّ ننفي المجعول وبذلك يبقى استصحاب عدم الجعل بلا فائدة.
هذا الإشكال تعرّض له السيّد الأستاذ، وكانت عبائره تتأرجح بين عدّة صيغ في مقام الجواب عليه، والصيغة المدرسية التي ذكرها للجواب حاصلها: أنّ استصحاب عدم الجعل له أثر وأثره هو حكم العقل وهو الأثر العقلي المطلوب من كلّ استصحاب، وهو الأحكام العقلية التنجيزية والتعذيرية، فإنّها تترتّب على استصحاب الجعل إثباتاً ونفياً.
وذلك؛ لأنَّ العقل يحكم بالتنجّز ولابديّة الامتثال، فيما إذا وجد أمران
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
أحدهما: جعل الحكم على موضوع كلّي، ثانيهما: أن يكون هذا الموضوع الكلّي في الخارج، فإذا وجد هذان الأمران يحكم العقل بوجوب الطاعة ولزوم الامتثال، وهذا الحكم العقلي حيث إنّه مرتّب على وجود هذين الأمرين الأعمّ من الواقعي والظاهري؛ ولهذا فأي منهما: الحكم الواقعي أو الظاهري فيترتّب عليه أثره العقلي، وهو المنجزّية والمعذّرية. فكما أنّ وجود الموضوع في الخارج كالاستطاعة يتنجّز وجودها بالعلم وبالاستصحاب، كذلك وجود الجعل وعدمه أيضاً يتنجّز بالعلم وبالاستصحاب.
وحينئذٍ، فكلّ استصحاب يثبت الجعل فهو ينجّز على تقدير وجود الموضوع في الخارج، وكلّ استصحاب ينفي جعلاً الزامياً، فهو يعذّر على تقدير وجود الموضوع في الخارج. إذن، فاستصحاب عدم الجعل بنفسه يكون له أثر ولا يكون مثبتاً.
وكان هناك إشكال رابع يتعرّض له من الإشكالات التي كنّا نوردها عليه في المباحثة:
وحاصله: أنّ استصحاب عدم جعل الوجوب أو النجاسة أو الحرمة، معارض باستصحاب عدم جعل الإباحة والرخصة والطهارة، فإنّنا نعلم بأنَّ المولى قد جعل حكماً مّا بلحاظ ما بعد زوال التغيّر: إمّا النجاسة، وإمّا الطهارة، وأنّه جعل حكماً بلحاظ ما بعد نقاء الحائض، وقبل الغسل: إمّا حرمة المقاربة
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وإمّا إباحتها. وحينئذٍ، فكما تستصحبون عدم جعل الحرمة أو عدم جعل النجاسة، وتجعلون هذا معارضاً لاستصحاب المجعول، نحن نعارض استصحاب عدم جعل الحرمة والنجاسة، باستصحاب من سنخه وهو استصحاب عدم جعل الإباحة أو الطهارة. مع أنّنا نعلم وجداناً أنّ أحدهما مجعول وصادر من قبل الشارع، إمّا الإباحة أو الحرمة، إمّا الطهارة أو النجاسة.
هذا الإشكال كان السيّد الأستاذ يجيب عليه بوجوه ثلاثة:
أولاً: افرضوا سلّمنا أنّ هذا الاستصحاب تامّ الأركان في نفسه، فإنكم ما صنعتم شيئاً إلّا أنكم أضفتم استصحاباً جديداً، يكون الكلّ متعارضة ويسقط الجميع في المعارضة، وهي استصحاب المجعول مع استصحاب عدم جعل الحرمة أو النجاسة -وهما الاستصحابان اللذان كنّا نقول إنّهما يتعارضان- واستصحاب عدم جعل الإباحة الذي تقولون أنّه يعارض عدم جعل الحرمة، فليكن وليسقط الجميع بالمعارضة.
ومعنى هذا، أنّ استصحاب عدم جعل الحرمة يكون مبتلى بمعارضين عن يمينه استصحاب المجعول، وعن يساره استصحاب عدم جعل الإباحة، وإذا تعارض أصل مع أصلين سقط الجميع بالمعارضة.
وثانياً: ذكر أنّ استصحاب عدم جعل الحرمة، أو النجاسة، واستصحاب عدم جعل الإباحة غير متعارضين فليجريا معاً.
فإنّ التعارض بين الاستصحابين إنَّما يكون فيما إذا فُرِض أنّ جريانهما معاً أدّى إلى مخالفة عملية لعلم إجمالي لتكليف منجّز، وفي المقام إذا جرى هذان
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الاستصحابان معاً لا يوجب ذلك مخالفة قطعية عملية لتكليف معلوم بعلم إجمالي منجّز، فإنّنا وإن كنّا نعلم إجمالاً أنّ المولى إمّا جعل الإباحة، وإمّا جعل الحرمة، لكن العلم الإجمالي بالإباحة أو الحرمة، ليس منجّزاً، حتّى يستحيل جريان الأصول النافية في طرفيه؛ فلهذا لا باس بإجراء استصحاب العدم في كلا طرفيه إنَّ أدّى للمخالفة العملية، فإنّها مخالفة قطعية التزامية وليست مخالفة قطعية علمية.
وثالثاً: نحن ننكر إمكان استصحاب عدم جعل الإباحة؛ وذلك لأنّنا نقول بأنَّ المولى قد جعل الإباحة يقيناً والطهارة على هذه الحصة، فإنَّ الشارع في بداية أمره لم يُحرّم شيئاً ولم ينجّس. إذن، فقد كان يحلّل كلّ شيء ويطهّر كلّ شيء، فطهارة الماء المتغيّر بعد زوال التغيّر قد جُعلت يقينا في اليوم الأوّل من البعثة، وكذلك إباحة مقاربة ما بعد النقاء، وإنّما يُشكّ بعد هذا في نسخها وعدمه، لا أن الشكّ في أصل جعل الإباحة.
إذن لا يجري استصحاب عدم جعل الإباحة، ليكون معارضاً لاستصحاب عدم جعل الحرمة. هذا ما ذكره السيّد الأستاذ في توضيح مرامه.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
والمختار عدم صحّة هذا التفصيل، وجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما يجري في الموضوعية ومنطقة الفراغ في كلام السيّد الأستاذ في تحقيق أنّه كيف يجري استصحاب بقاء المجعول، وهو الذي أخذه السيّد مفروغاً عنه، وجعله معارضاً لاستصحاب عدم الجعل، وهذه المنطقة من الفراغ إذا مُلِئت ينكشف أنّ هذه المعارضة ليست صحيحة، بل إمّا أنّ استصحاب بقاء المجعول لا يجري أصلاً في نفسه، وإمّا أن كلا الاستصحابين يجريان ولا معارضة بينهما أصلاً، وإمّا أنّ استصحاب بقاء المجعول يجري واستصحاب عدم الجعل لا يجري وهو الصحيح. وأمّا الشق الرابع وهو فرض المعارضة بين الاستصحابين سيظهر من تحقيق منطقة الفراغ أنَّ فرضية المعارضة باطلة بالصناعة.
قبل(1) أن نبدأ بملأ منطقة الفراغ كما سمينّاها، لا بُدّ من التنبيه على عدة نكات في توضيح مقصود السيّد الأستاذ لتندفع عنه بعض الشبهات:
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() قال أحد الإخوان: إنّ هناك إشكال آخر، وهو أنّ استصحاب عدم الجعل سببي بالنسبة إلى استصحاب المجعول.
فقال: مع جوابه بأنَّ السببية تكوينية وليست شرعية. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
إنّنا حين نعبّر أنّ استصحاب المجعول يعارض مع استصحاب العدم في عالم الجعل، بتقريب: أنّ دوران المجعول بين السعة والضيق يساوق مع دوران عالم الجعل بين القلّة والكثرة، فكما يجري استصحاب بقاء المجعول، يجري استصحاب عدم الزائد أو المؤونة الزائدة في عالم الجعل.
ليس المراد من هذه المؤونة الزائدة في عالم الجعل، التي نريد أن ننفيها باستصحاب العدم، ليس المراد منها المؤونة اللّحاظية، بتخيّل: أنّ الوجوب أو النجاسة أو الحرمة إذا كانت وسيعة وممتدّة إلى ما بعد الزوال، فهذا يساوق في عالم الجعل مع مؤونة لحاظية، وهي لحاظ السريان والشمول، فهذه المؤونة تكون مشكوكة الوجود، فيُستَصحب عدم اللحاظ الزائد، لوجوب ما بعد الزوال.
ليس مراد السيّد الأستاذ من المعارضة بين الاستصحابين استصحاب عدم اللحاظ الإطلاقي؛ باعتبار أنّه مؤونة تُنفى بالاستصحاب، فإنَّ هذا التقريب واضح البطلان:
أمّا أولاً: فلأن اللحاظ الإطلاقي للسريان وللشمول ليس له أثر شرعي ولا عقلي، وإنّما هو شرط تكويني في إنشاء الحكم وجعله؛ لأنَّ جعل الحكم عمل اختياري للحاكم فيُشتَرط فيه اللحاظ والتصوّر، فيكون شرطاً تكوينياً في جعل الحكم كحياة نفس الحاكم.
فيكون ترتّب الجعل على اللحاظ وعدمه -على عدم اللّحاظ- ترتّباً عقلياً
ــــــــــ[30]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
تكوينياً، لا ترتّباً شرعياً، فإجراء الاستصحاب في نفس اللّحاظات الإطلاقية أو التقيدية ممّا لا معنى له؛ لأنَّ اللحاظ بما هو لا أثر له واستتباعه لجعل الحكم عقلي لا شرعي، حتّى يثبت باستصحاب اللحاظ الزائد عدم الجعل الزائد.
وثانياً: إنَّ هذا التصوّر إنَّما ينسجم مع افتراض كون الإطلاق مساوقاً مع مؤونة لحاظية، فإنّه إذا كان الإطلاق متقوّماً بلحاظ السريان والشمول، فقد يتوهّم جريان استصحاب عدم السريان. وتحقيق هذا المطلب مبني على المسالك في باب الإطلاق والتقييد، وأنّهما في عالم اللحاظ متقابلان بأي نحو من التقابل، هل بنحو تقابل التضاد كما عليه السيّد الأستاذ، يعني: أنّ التقييد هو لحاظ أخذ القيد والإطلاق هو لحاظ الغاء القيد، فكلّ منهما لحاظه زائد في نفسه، وإمّا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة كما عليه المحقّق النائيني، يعني: أن التقييد عبارة عن لحاظ أخذ القيد، والإطلاق عبارة عن عدم لحاظه في الموضع القابل له، وإمّا أنّ التقابل بينهما تقابل التناقض في السلب والإيجاب، فالتقييد هو لحاظ أخذ القيد والإطلاق مجرّد عدم لحاظ أخذه.
ومن الواضح، أنّ استصحاب عدم اللحاظ الإطلاقي إنَّما يُتصوّر على المبنى الأوّل، وأما إذا بنينا على أنّ الإطلاق عبارة عن أمر عدمي، وليس فيه مؤونة لحاظية، كما هو على المبنى الثاني والثالث، فلا معنى لاستصحاب عدم اللحاظ الإطلاقي؛ لأنَّ الإطلاق غير مساوق مع لحاظ زائد، حتّى يستصحب عدمه، كما هو مقتضى الوجه المختار(1).
ــــــــــ[31]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على كلام لأحد الإخوان: بناء على مبنى السيد الأستاذ يرد الأوّل.
وقال أيضاً جواباً على كلام آخر: أنا أُريد أن أوضح في أذهان الرفقاء حاق المقصود، على ضوء كلام آغاي السيد محمد حسين قال بأنَّ السيد الخوئي عدل عن هذا، فأريد ألّا تختلط المطالب، فمسألة اللحاظ غير هذه المسألة.
أقول وقد كنت قُلتُ له: إشكال على جريان استصحاب عدم الجعل، بناء على أنّ سعة الجعل عبارة عن إطلاقه، بأنَّ السيد الخوئي بانٍ على معارضة استصحاب الإطلاق باستصحاب التقييد، فإنّه كما أن لحاظ البشرط شيء أمر حادث مسبوق بالعدم كذلك لحاظ عدم القيد واللابشرط فيتعارض استصحابهما فكانت هذه النكتة جواباً على هذا الإشكال. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
لتوضيح المقصود هي أنّه قد يُتخيّل أنّ كلام السيّد الأستاذ بعد صرفه عن اللحاظ إلى نفس الجعل، نقول: نستصحب عدم الجعل الزائد. فيقال: بأنَّ هذا الكلام مبنيٌ على أنّ الإطلاق هو الجمع بين القيود لا إلغاؤها.
فإنَّ السيّد الأستاذ يقول (في مثال النراقي) إنّ بقاء الوجوب وسعة المجعول مساوق مع زيادة الجعل، فاستصحاب بقاء الوجوب يُعارض باستصحاب عدم زيادة الجعل، فلو جمد على هذه العبارة يتراءى منها: أنّنا في مقام المعارضة أنّ وجوب الجلوس (المجعول) لو كان مطلقاً لما بعد الزوال فهناك زيادة في الجعل؛ وذلك بأنَّ يُفرَض بأنَّ المولى بجعل الحصص بعناوينها التفصيلية، فإنّه كلما صار المجعول مطلقاً أكثر دخلت فيه حصص أكثر، فحيث إنّ الإطلاق عبارة عن الجمع بين الحصص ولحاظ المقيّدات، بما هي مقيّدات، فالمولى كأنّه يجعل وجوباً على جلوس ما قبل الزوال، ووجوباً على جلوس ما بعد الزوال.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وحينئذٍ، يقال: بأنَّ استصحاب بقاء المجعول إلى ما بعد الزوال يُعارض باستصحاب عدم جعل الوجوب للحصّة الثانية، وهي وجوب ما بعد الزوال.
فبناءً على أنّ الإطلاق هو الجمع بين القيود، يقال بأنَّ المولى هل جعل على حصّة واحدة متيقّن أو على حصّتين؟
الجعل على حصّة واحدة متيقّن، والجعل على الحصّة الأخرى مشكوك فيجري فيه استصحاب العدم.
وأمّا بناءً على ما هو الصحيح، من أنّ الإطلاق عبارة عن رفض القيود وقطع النظر عن الحصص، وقصره على ذات الطبيعة، بناءً عليه لا يُتصوّر في الإطلاق زيادة في الجعل؛ لأنَّ جلوس ما بعد الزوال لم يجعل الوجوب له بعنوانه، كما يجعل الوجوب لجلوس ما قبل الزوال بعنوانه، حتّى يقال: إنّ ذاك متيقّن وهذا مشكوك، بل هو جعل واحد في الحقيقة للوجوب على عنوان صرف الجلوس وطبيعيه. إذن، فكيف يُتصوّر الأقلّ والأكثر في الجعل، فليس الجعل الزائد ممتدّاً منفياً باستصحاب العدم، وإنّما يُتصوّر ذلك إذا كان الإطلاق بمعنى الجمع بين الحصص والقيود.
هذا إشكال قد يُتخيّل وروده على كلام السيد الأستاذ، ومنشأ التخيّل صيغة العبارة، حيث يقال إنّ سعة المجعول وضيقه مساوق مع زيادة الجعل وقلّته، فتخيُل أنّه أريد أن الجعل أمره دائر بين الأقلّ والأكثر حقيقة، فيقال: بأنَّ هذا لا يناسب مع كون الإطلاق بمعنى رفض الحصص.
إلَّا أنّ حاقّ المراد من استصحاب عدم الجعل، الذي نريد أن نجعله معارضاً
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
لاستصحاب بقاء المجعول، لا يتوقّف على صيغة تقول: بأنَّ الجعل مردّد بين الأقلّ والأكثر، فنجري استصحاب عدم الزائد، بل افرضوا أنّ الإطلاق عبارة عن إلغاء الحصص، مع ذلك نقول: بأنّ وجوب الجلوس لما بعد الزوال يُشكّ في أنّه جعل في الشريعة أو لا. وجعله يكون بأحد نحوين: إمّا أن يتعلّق الوجوب بهذه الحصّة بعنوانها، وإمّا بأنَّ يتعلّق الجعل بعنوان منطبق عليها بأنَّ يتعلّق الوجوب بطبيعة ملغى عنها الخصوصيّات قابلة للانطباق على جلوس ما بعد الزوال. وكلا هذين النحوين من جعل وجوب جلوس ما بعد الزوال مشكوك الثبوت في الشريعة؛ لأنّنا نحتمل أن يكون الجعل الذي ثبت في الشريعة هو جعل جلوس مقيّد بما قبل الزوال، وإذ يكون جُعل وجوب ما بعد الزوال مشكوكاً بكلا نحويه، فنجري استصحاب عدمه. فمن باب التعبير المدرسي بأنَّ الجعل يدور أمره بين الأقلّ والأكثر، وإلَّا فيمكن -في واقعه- أن نجري الاستصحاب بهذه الصيغة فلا تأتي هذه الشبهة، بل يناسب مع كون الإطلاق هو إلغاء الحصص، فنقول: إنّنا نجري استصحاب عدم جعل وجوب ما بعد الزوال لا بعنوانه ولا بكلّيه؛ لأنَّ كلّ ذلك مشكوك فيستصحب عدمه(1).
ولا يُتوّهم: أنّنا كما نستصحب عدم جعل الوجوب على طبيعة الجلوس
ــــــــــ[34]ــــــــــ
() وهنا قلت له: أفهم أن سعة الجعل وضيقه بسعة متعلّقه وضيقه؛ باعتبار أنّ الطبيعة إذا كانت واسعة مجرّدة عن الخصوصيات، يكون الجعل واسعاً، وإذا كانت مقيّدة يكون الجعل ضيقاً.
فقال: نعم. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
المطلقة، نستصحب عدم جعله على طبيعة الجلوس المقيّدة؛ لأنّنا نعلم إجمالاً بأنّه صدر من المولى وجوب جلوسٍ، ولا ندري أنّه جعل على الطبيعي على إطلاقه أو على الجلوس المقيّد بما قبل الزوال، فكما تجرون عدم جعل الوجوب على المطلق نجري استصحاب عدم جعل الوجوب على المقيّد.
فإنّه يقال: إنّ استصحاب عدم جعل الوجوب على المقيّد ليس له أثر(1)، فإنكم ماذا تريدون أن تستنتجوا منه، هل تريدون أن تستنتجوا من ذلك رخصة في ترك الجلوس قبل الزوال وتأميناً منه، فهذا غير معقول، للعلم بوجوب الجلوس، إمّا بجعل مطلق أو بجعل مقيّد، فلا يمكن التأمين منه، وإن كنتم تريدون أن تثبتوا أنّ الجعل كان مطلقاً، ولم يكن مقيّداً فهذا مثبت لأنّه من إثبات أحد الضدّين(2) بنفي ضدّه الآخر.
إذن، فالمراد من استصحاب العدم هو استصحاب عدم جعل الوجوب على جلوس ما بعد الزوال ولو بكليّه المنطبق عليه. وبذلك يندفع هذا الإشكال في النكتة الثانية.
إنّه اعترض بعض الأعلام على معارضة استصحاب بقاء المجعول باستصحاب عدم الجعل، الذي نقّحه السيّد الأستاذ. اعترض عليه بدعوى: أنّه لا معارضة بينهما كلاهما يجري.
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() استصحاب عدم جعل الوجوب على الجلوس لما قبل الزوال (إيضاح). (المقرّر).
(2) وهما الإطلاق أو التقييد في الجعل (إيضاح). (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وذلك؛ لأنَّ هذا الوجوب وجوب الجلوس المجعول، أمره دائر بين السعة والضيق، بين الإطلاق والتقييد، ونحن نريد باستصحاب بقاء المجعول أن نثبت سعته وإطلاقه، فإن كان ما يثبته استصحاب بقاء المجعول عين ما ينفيه استصحاب عدم الجعل تعارضا، وإن كان ما يثبته أحدهما غير ما ينفيه الآخر فلا تعارض، أمّا استصحاب بقاء المجعول فنريد أن نثبت به سعة المجعول وإطلاقه، والإطلاق عبارة عن إلغاء القيود، لا الجمع بينها، فمعنى أنّ الوجوب مطلق حتّى لما بعد الزوال أنّ الوجوب ثابت لطبيعي الجلوس الملغى عنه خصوصية ما قبل الزوال وما بعده، فيثبت وجوبه لا بعنوان أنّه جلوس ما بعد الزوال، بل بوصفه جلوساً كما هو الحال في سائر المطلقات، فيثبت وجوبه (باستصحاب المجعول) بما هو مصداق من المطلق لا بما هو مقيّد.
وأما ما يمكن أن يُنفى باستصحاب عدم الجعل، فهو أنّنا نستصحب عدم جعل وجوب لجلوس ما بعد الزوال، أي نستصحب عدم جعل وجوب هذه الحصّة، أي عدم ثبوت الوجوب للمقيد.
إذن، فلم ننفِ ما أثبتناه أولاً، فإنَّ ما أثبتناه أولاً: هو وجوب جلوس ما بعد الزوال بوصفه مصداقاً لطبيعي الجلوس وما نفيناه هنا هو وجوب الجلوس المقيّد، ولا تنافي ما بينهما وكلاهما صادق. كما في مثال الشيخ المفيد إذ يأمرنا الشارع بإكرام العالم، فالشيخ المفيد يجب إكرامه بما هو مصداق لطبيعي العالم ولا يجب إكرامه بما هو عالم عراقي، وكلاهما صحيح. فهنا يقال: بأنَّ جلوس ما بعد الزوال بما هو جلوس يثبت باستصحاب المجعول، ولكن بما هو مقيّد بما
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بعد الزوال وهذا يثبت باستصحاب عدم الجعل.
هذا الكلام أيضاً واضح البطلان؛ وذلك لأنّه لا استصحاب عدم الجعل ينفي ما قيل أنّه ينفيه، ولا استصحاب بقاء المجعول يثبت ما قيل أنّه يثبته، وصار هنا خلط بين باب الإطلاق وباب البقاء.
وتوضيح ذلك: أنّ استصحاب عدم الجعل بناءً على ما ذكرناه في النكتة الثانية لا نجريه على جلوس ما بعد الزوال بعنوانه، وإلَّا لقيل أنّ هذا غاية ما ينفيه هو وجوب جلوس ما بعد الزوال بعنوانه، دون وجوبه بما هو مصداق من طبيعي الجلوس، لكنّنا حقّقنا في النكتة الثانية، أنّ المراد من استصحاب عدم الجعل، استصحاب عدم جعل وجوب ما بعد الزوال بكلا نحويه، لا بعنوانه ولا بكليّه المنطبق عليه فإنَّ كُلّاً منها مشكوك بحسب الفرض، فنحن لا نستصحب وجوب جلوس ما بعد الزوال بعنوانه، بل نستصحب أي وجوب ينشأ منه وجوب جلوس ما بعد الزوال، سواءٌ بعنوانه أو بكليّه.
وحينئذٍ، فينفى بذلك وجوب ما بعد الزوال. هذا في استصحاب بقاء الجعل.
وأمّا استصحاب بقاء المجعول، فإنّه لا يثبت الإطلاق أيضاً. فلو استصحبنا بقاء وجوب الجلوس إلى ما بعد الزوال لا يثبت بذلك أنّ الوجوب مطلق، بل نستصحب جامع الوجوب المردّد بين المطلق والمقيّد، ونتعبّد ببقائه. نعم، بقاؤه ملازم عقلاً مع إطلاقه، لأنّه لو كان مقيّداً يستحيل بقاؤه، ولكن هذه الملازمة لا يتكفلّها دليل الاستصحاب. إذن، فالشيء الذي يثبت
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
باستصحاب المجعول ليس هو وجوب جلوس ما بعد الزوال بوصف الإطلاق، بل وجوب مردّد بين أن يكون بلفظ الإطلاق، أو لا يكون. فمدلول الدليل عنوان البقاء وهو ملازم مع الإطلاق ولا يثبت الإطلاق.
وبذلك يتضح، أنّ استصحاب المجعول يثبت بقاء الوجوب، بنحو مهمل من حيث الإطلاق والتقييد، واستصحاب عدم الجعل ينفي تمام ما يتصور من أنحاء جعل وجوب ما بعد الزوال فيتعارضان لا محالة.
أوضحنا بما لا مزيد عليه، فكرة المعارضة بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل في الشبهات الحكمية الذي نقّحه السيّد الأستاذ.
وقلنا إنّ هذا التحقيق لإثبات المعارضة بينهما فيه (منطقة فراغ) وهي أنّه لم تُصرف عناية خاصّة لتصوير استصحاب المجعول في نفسه، قبل أن تصل النوبة إلى معارضة مع استصحاب عدم الجعل، وتعقّله بنحو سليم عن الشبهة لا في كلام السيّد الأستاذ فقط، بل في أي كلام آخر متقدّم عليه، بل تلقّى الفقهاء هذا الاستصحاب -استصحاب المجعول- جيلاً بعد جيل بلا شبهة، ولا محذور، حتّى أن من لم يجره كالسيّد الأستاذ والمحقّق النراقي تمسّك بالمعارضة؛ لأجل عدم إجرائه من دون تصوّر نقص ذاتي في مقوّماته وشروطه العامّة.
وحينما أقول هذا، لا أريد أن أسجّل مطلباً تاريخياً، وإنّما أُريد أن أستعين بذلك على دفع الشبهة، التي أثرناها لأوّل مرة في الفكر الأصولي الاستصحابي. نفس كونها مثارة لأوّل مرّة هو نقطة الضعف التي سوف يبتني على أساسها
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
جوابها، على ما سنذكر. فهل يجري استصحاب المجعول في نفسه أو لا؟
هذا سؤال طرحه المحقّق العراقي في المقالات، ولم أجد من طرحه غيره، إلّا أنّه لم يطرحه بالحيثية التي صارت منشأ للشبهة في أبحاثنا، فلأذكر أولاً أُطروحة المحقّق العراقي لهذا السؤال إجمالاً استطراقاً لتوضيح أطروحتنا لهذا السؤال.
ذكر: إنّ الاستصحاب يُشترط فيه الوحدة بين المتيقّن والمشكوك، وإلَّا فلا يجري الاستصحاب. وهذه الوحدة إمّا وحدة ماهوية ذاتية أو وحدة خارجية وجودية، فالوحدة الماهوية من قبيل الوحدة بين زيد وعمرو، فإنّهما واحد بالماهية، وإن كانا اثنين في الوجود، وشرط جريان الاستصحاب إن كان هو الوحدة الماهوية الذاتية، فمعنى هذا إذا علمت بحياة زيد وشككت بحياة عمرو، يجري الاستصحاب لوحدة المتيقّن والمشكوك ماهيةً، بينما لا يقال بهذا الاستصحاب. إذن، فيتعيّن أن يكون الشرط هو الوحدة في الوجود الخارجي، لا الوحدة في الماهية، وبهذا يتنقّح هذا الأصل الموضوعي، وهو وحدة المشكوك والمتيقّن في الوجود الخارجي.
إذن، فلا بُدّ أن يكون المتيقّن والمشكوك من موجودات عالم الخارج حتّى يجري فيه الاستصحاب، أمّا إذا لم يكن كذلك فلا يجري الاستصحاب ولا تكون هناك وحدة خارجية.
إذن، بناءً يشكل استصحاب المجعول للأحكام؛ لأنَّ قضايا الأحكام
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ليست قضايا خارجية، بل قضايا ذهنية، فإنَّ قضايا: (الخمر نجس) و(الماء طاهر) قضايا قائمة في نفس الحكم، وليست قضايا خارجية، فليس بين مشكوكها ومتيقّنها وحدة خارجية؛ لأنَّ هذه الوحدة فرع الوجود الخارجي، وإنّما بينهما وحدة ماهوية ذهنية، وقد فرضنا أنّه لا يكفي لإجراء الاستصحاب.
هذه هي صيغة المحقّق العراقي، وسوف نتعرّض إلى تحقيقها في بحث اشتراط بقاء الموضوع في آخر الاستصحاب إن شاء الله تعالى.
وأما الصيغة التي طرقناها فهي تنطلق من أصل موضوعي في فقه الاستصحاب، وهو: أن الاستصحاب يتعبّد بالبقاء لا أنه يتعبّد بالحدوث، لأنه ناظر إلى مرحلة البقاء، فلا بُدّ أن يكون الشيء الذي يراد إثباته بالاستصحاب بقاءً للمتيقّن للحالة السابقة، ولازم ذلك أنه يستحيل أن يكون هذا الشيء الذي يراد إثباته بالاستصحاب معاصراً مع الحالة السابقة، وموجوداً في عرض الحالة السابقة؛ إذ لو كان موجوداً في عرضها، إذاً لا يكون بقاءً لها؛ لأن البقاء لا يمكن أن يعاصر الحدوث. وهو أصل موضوعي واضح في فقه الاستصحاب.
حينئذٍ نأتي إلى محلّ الكلام من استصحاب الأحكام فنقول:
يبدو لأوّل مرّة هذا الإشكال: وهو أن الشيء الذي نريد أن نثبته بالاستصحاب ليس بقاءً للحالة السابقة، بل هو أمر لو كان موجوداً فهو معاصر للحالة السابقة، وموجود معها من حيث حدوثها؛ لأننا نريد أن نثبت
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بالاستصحاب أن الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من نفسه يبقى محكوماً بالنجاسة. فيمكن أن يقال -بتدقيق هذه الشبهة-: إن نجاسة ما بعد التغيّر ليست بقاءً لنجاسة ما قبل التغيّر، بدليل أن النجاستين متعاصرتان معاً؛ لأن النجاستين وُجِدتا بجعل شرعي واحد في عرض واحد. فإن نجاسة ما بعد التغيّر لو فرض أنها مجعولة شرعاً فهي مجعولة بنفس جعل نجاسة ما قبل التغيّر، فهما متعاصران وليس أحدهما بقاءً للآخر، إذن فكيف يمكن إثبات أحد المتعاصرين بالاستصحاب؟
هذه هي الصيغة البدائية لهذه الشبهة، وسوف أعمّقها في ردّ الجواب الأوّل عليها.
والآن نذكر أجوبة هذه الشبهة، وهي الأجوبة التي تملأ منطقة الفراغ، وتصوّر كيف يجري استصحاب المجعول والحكم، وكيف نتصوّر أن نجاسة ما بعد التغير تكون بقاءً لنجاسة ما قبل التغيّر وليست في عرضها، حتّى يمكن إثباتها بالاستصحاب. وهنا عندنا عدّة تقريبات، بعضها صحيحة وبعضها غير صحيحة لإثبات هذا المطلب.
هو التقريب الساذج الذي يتبادر إلى الذهن عمومياً حينما نلقي عليه هذه الشبهة.
وحاصله: أن يقال: إن الأحكام مجعولة على نهج القضايا الحقيقية،
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
والقضيّة الحقيقية قائمة في نفس الحاكم، والحاكم حين يريد أن يعقد قضيّة حقيقية يقدّر وجود موضوعها، فيحكم على ذلك الموضوع بمحمولها، فيقول: (النار حارّة)، فبهذا العقد النفساني للقضيّة تحقّق وجود تقديري للحرارة تابع لوجود تقديري للموضوع، فهنا وجود تقديري للموضوع ووجود تقديري للمحمول. ثُمّ في عالم خارج عالم عقد القضية، قد يصير الموضوعُ المقدّر الوجود محقّقَ الوجود، فتوجد النار حقيقة في الخارج، فيصير المحمولُ المقدّر أيضاً محقّقَ الوجود، فتصير الحرارة فعليّة. هذا في القضيّة الحقيقية التي من قبيل قولنا (النار حارّة).
ونفس هذا الكلام نقوله في قضيّة حقيقية من قبيل قولنا: (الماء المتغيّر نجس) أو (الخمر حرام)، فهنا عندنا عالمان أيضاً، عالم عقد القضيّة على نهج القضيّة الحقيقية، وفي هذا العالم يقدّر المولى وجود الخمر؛ فيقدّر وجود الحرمة، فيوجد الموضوع والمحمول الشرعي بوجود تقديري. ثُمّ في عالم آخر سوف يصبح الموضوع محقّقاً بالفعل، فيخرج المحمول بتبعه من التقديرية إلى تحقيقية الوجود، فيصبح الحكم فعليّاً لا محالة، فيكون للمحمول الشرعي نشأتان ووجودان: وجود تقديري في عالم عقد القضيّة، ووجود تحقيق في عالم فعليّة موضوعها، تماماً كقضية (النار حارّة).
لكنّ الفرق بينهما: أن هذه قضيّة إنشائية وتلك قضيّة إخبارية. يعني: هناك عالم عقد القضيّة يحكي عن العالم الآخر، وأما هنا فعالم عقد القضيّة يوجد في العالم الآخر.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بناءً على هذا النحو من التفلسف يقال: بأن عالم عقد القضيّة هو الذي نسمّيه بالجعل، وعالم فعليّة المحمول تبعاً لفعليّة موضوعه نسمّيه بالمجعول. فعندنا وجودان للحكم: وجود تقديري في عالم عقد القضيّة في نفس الحاكم، ووجود فعلي في عالم وجود الموضوع فعلاً. بناءً على هذا تندفع هذه الشبهة، ويمكننا أن نتصوّر استصحاب بقاء المجعول.
وذلك بأن نقول: إن المولى إذا فرض أنه حكم بنجاسة الماء المتغيّر مطلقاً، حتّى بعد زوال تغيّره، فأنا لا أنظر إلى عالم عقد القضية، عالم الجعل، حتّى يقال: إنه في هذا العالم وجدت كلّ النجاسات بجعل واحد، وليس بين قطع النجاسات بلحاظ هذا العالم تقدّم وتأخّر، فالوجودات التقديرية كلّها متعاصرة، وأنا لا أنظر إليها، وإنما أنظر إلى الوجودات الفعليّة، يعني: إلى المجعول، والمجعول إنما يصبح موجوداً بالفعل حين يوجد موضوعه، أي: حينما يوجد هناك ماء متغيّر في الخارج، وتستمرّ فعليّة المجعول ما دام موضوعه موجوداً لا محالة. إذن ففي عالم المجعول يُتصوّر حدوث وبقاء. ونجاسة ما بعد التغيّر بوجودها الفعلي، هي في طول ما قبل التغيّر بوجودها الفعلي. فإنه بحسب الخارج أوّلاً صارت نجاسة ما قبل التغيّر فعليّة، ثُمّ نجاسة ما بعد التغيّر صارت فعليّة، ولا يعقل أن يقال: إن نجاسة ما بعد التغيّر وجدت قبل نجاسة ما قبل التغيّر(1)، وليست النجاستان متعاصرتين. إذن فأنا أثبت هذه النجاسة -يعني لِما بعد التغيّر- بالتعبّد الاستصحابي.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
() لأن القبل دائماً يكون سابقاً على البعد. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وحاصل هذا التقريب: أن مجرى الاستصحاب ليس هو الوجودات التقديرية حتّى يقال إنها متعاصرة، بل الوجودات الفعليّة، وهي غير متعاصرة، بل لا محالة يأتي بعضها بعد بعض. فيكون عندنا بلحاظ عالم المجعول حدوث وبقاء، فيجري استصحاب بقاء المجعول بلا إشكال. هذا هو التقريب الأوّل.
[مناقشة التقريب الأول]
إلّا أن هذا التقريب غير صحيح، وتفصيل الكلام في عدم صحّته يكون في بحث الواجب المطلق والمشروط.
وإجماله: إن الأحكام لو فرض أنها مجعولة على نهج القضيّة الحقيقية، كما هو كذلك، فهذه القضيّة تختلف عن سائر القضايا الحقيقية الواقعيّة، من قبيل قولنا: (النار حارّة)، فإن مثل هذه القضايا الواقعيّة لها عالمان: عالم عقد القضية، وفيها الوجود تقديري، وعالم فعليّة الموضوع، وفيها وجود المحمول فعلي. وأما بالنسبة إلى قضايا الأحكام فحتّى على فرض كونها معقودة على نحو القضيّة الحقيقية، أي: إن المولى يقدّر وجود الموضوع وهو الخمر، ويحكم عليه بالحرمة، مع هذا ليس للمحمول إلّا نحو واحد من الوجود، وهو هذا الوجود التقديري الذي تحقّق في عالم الجعل الذي ارتبط بتقديرية الموضوع.
أما عالم فعليّة الموضوع، يعني: بعد أن يوجد خمر في الخارج، فسوف لن يتحقّق وجود آخر للحرمة غير ذلك الوجود، ولا يعقل ذلك؛ لأن هذا الوجود الآخر للحرمة إن أريد به الوجود التكويني فهو واضح البطلان؛ لأن الحرمة ليست من موجودات عالم التكوين. وإن أريد به موجود مولوي تشريعي من قبل المولى، فهو أوضح بطلاناً؛ لأن المولى قد لا يكون وقتئذٍ إلى هذا الموضوع
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بأي شكلٍ من الأشكال، ولا يحدث في نفس المولى شيء حينما يوجد الخمر في الخارج، ولا يتبدّل ما في نفسه عمّا قبل ذلك(1).
إذن فالحرمة أو النجاسة التي هي المحمول في القضيّة الشرعية، ليس لها إلّا نحو واحد من الوجود، وهو الوجود التقديري الثابت في عالم عقد القضية، الذي هو عبارة أخرى عن الجعل، وليس لها وجود آخر في عالم فعليّة الموضوع.
[تعميق للشبهة]
وبناءً على هذا فنعود إلى الشبهة مرّة أخرى، وهذا هو الذي قلت أنه تعميق للشبهة، أن يقال: إنكم تُجرون استصحاب ماذا؟ استصحاب الوجود الفعلي للنجاسة أو الوجود التقديري لها؟ فالأوّل قد عرفنا أن المحمولات الشرعية ليس لها وجودات فعليّة في عالم فعليّة الموضوع، وينحصر وجودها بالبرهان بالوجود التقديري في عالم عقد القضية. وأما الوجود التقديري، فنثبت بالاستصحاب نجاسة الماء بعد زوال تغيّره بنحو التقدير، فالوجودات الفعليّة كلّها متعاصرة؛ لأنها كلّها وجدت بجعل واحد. وإذا كانت متعاصرة فيستحيل أن يكون بعضها بقاءً وبعضها حدوثاً؛ لأن الحدوث والبقاء يستحيل تعاصرهما، إذن فكيف يمكن إثباته بالاستصحاب، مع أن الاستصحاب لا يثبت إلّا البقاء.
هذا هو الجواب الأوّل عن الشبهة مع دفعه.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() كيف يعقل أن يكون الوجود الخارجي للخمر مؤثّراً في نفس المولى، وموجباً لتحقيق شيء جديد في نفسه؟! مضافاً إلى شهادة الوجدان بأن نفس المولى بعد وجود الخمر هي نفسه قبل وجود الخمر. (المحاضرة الآتية). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[الالتفات إلى نكتة في المقام]
ولا بُدّ هنا(1) من الالتفات إلى نكتة أخرى في مقام المقارنة بين الوجوه الآتية؛ لتصحيح جريان الاستصحاب في المجعول.
وحاصل النكتة: أن هذا الوجه لو فرض تماميّته، فهو يصحّح جريان الاستصحاب في الحكم بعد فرض فعليّة الموضوع خارجاً لا قبل فعليّته. فإن الإنسان إذا أراد أن يصحّح الحدوث والبقاء بهذا الوجه، فلا يكون ذلك إلّا بعد وجود الماء وتغيّره، ثُمّ يزول التغيّر من نفسه. ثُمّ يقول الآن تمّت أركان الاستصحاب وهو الحالة السابقة والشكّ اللاحق؛ لأنه يريد أن يستصحب الوجود التحقيقي للمجعول لا الوجود التقديري له، والوجود التحقيقي ظرفه ظرف تحقّق الموضوع وفعليّته، فلا بُدّ أن يتحقّق ذلك ليمكن الاستصحاب.
أما قبل هذا حينما يجلس المجتهد في غرفة، ويريد أن يستنبط حكم الماء المتغيّر بعد زوال التغيّر. فهنا لا يجوز له أن يجري الاستصحاب؛ لأنه لا يوجد هناك مجعول فعلي حتّى يستصحبه، فإنه هنا ماذا يستصحب: هل يستصحب الوجود التقديري؟ فيأتي الإشكال السابق، فإن الوجود التقديري ليس فيه حدوث وبقاء. أو يستصحب الوجود التحقيقي؟ فإن هذا الوجود بعدُ لم يتحقّق -حتّى الآن- حتّى يستصحبه. فلا بُدّ أن ينتظر في إجراء الاستصحاب عالم فعليّة الموضوع بأن يوجد ماء متغيّر ثُمّ يجري الاستصحاب.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
() لخّص أوّلاً بشيء من التفصيل الجواب الأوّل عن الشبهة مع جوابه. ثُمّ قال:
ولا بُدّ هنا.. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذا على خلاف الارتكاز الفقهي حتماً، فإنه يقتضي إجراء الاستصحاب حينما يراد تحرير المسألة واستخراج حكمها، دون إناطة ذلك بأن يوجد ماء متغيّر في الخارج.
وما يقال في بعض الكلمات المفادة من قبل المحقّق النائيني والسيد الأستاذ والمحقّق العراقي، في مواضع متناثرة في مقام تقريب إجراء المجتهد للاستصحاب وهو جالس في غرفته، يقال: إنه يكفي للمجتهد أن يقدّر وجود الموضوع، يعني: لو كان هناك ماء متغيّر بالنجاسة وزال تغيّره من نفسه، فهو يشكّ في بقاء نجاسته، وهذا التقدير في إمكان المجتهد، ويكون كافياً له في إجزاء الاستصحاب. وذلك: لأن دليل الاستصحاب -كأيّ دليل آخر من أدلّة المحمولات الشرعية- يتكفّل جعل الحكم على نهج القضيّة الحقيقية، وهذه القضيّة تشمل الأفراد المحقّقة الوجود والمقدّرة الوجود. فلو قدّرنا وجود (نار) فهو أيضاً محكوم عليها بالحرارة. فالاستصحاب يشمل الماء المتغيّر المحقّق الوجود، والماء المتغيّر المقدّر الوجود.
هذا الكلام ليس موضوعاً في محلّه؛ لأن ما يقال: بأن القضيّة الحقيقية تشمل الأفراد المحقّقة الوجود والمقدّرة. لا يراد من ذلك أنها تشمل كِلا القسمين على نهج واحد، وإنما تشمل الأفراد المحقّقة الوجود حقيقة، وتشمل الأفراد المقدّرة الوجود تقديراً، كُلّاً بحسبه. فليس شمولنا قولنا: (النار حارّة) للنار الموجودة في الموقد وللنار المقدّرة على نهج واحد، وليس معناه أن المحمول وهو (حارة) قد وصل بالفعل لكِلا الفردين: المقدّر الوجود والمحقّق الوجود.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وإنما معنى شمول هذه القضيّة للنار المقدّرة: أن هناك حرارة مقدّرة الوجود وبتبعها. يعني أن محمول هذه القضيّة لا يقتصر على خصوص ما هو الواقع من الأفراد الخارجية للموضوع، بل يشمل أيّ فرد آخر لو أنه أصبح فرداً حقيقية وفعليّاً، لا أنه يشمله مع كونه مجرّد فرض وتقدير. فهذا معنى شمول القضيّة الحقيقية لأفرادها بخلاف القضيّة الخارجية، التي لو قدّر أن تزيد الأفراد الخارجية زيادة غير واقعة في الخارج فعلاً، فلعلّ الحكم لا يشملها.
إذا فهمنا ذلك نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: إن معنى أن دليل الاستصحاب يشمل الأفراد المقدّرة الوجود والمحقّقة، يعني أن مقدّر الوجود لو أصبح محقّق الوجود لكان الاستصحاب جارياً في حقّه أيضاً. والاستصحاب أُخذ في موضوعه (الحالة السابقة)، فلا بُدّ من فعليّتها. فأيّ حالة سابقة فعليّة أو مقدّرة يشملها الاستصحاب، فإن كانت فعليّة كان الاستصحاب فعليّاً، وإن كانت مقدّرة فهو مقدّر بتبعه، ويصبح فعليّاً إذا أصبح الموضوع فعليّاً.
فإذا أردنا أن نستصحب المجعول فلا بُدّ من فعليّة الحالة السابقة للمجعول، وحيث إن ظرف فعليّة المجعول هو ظرف فعليّة وجود الموضوع، إذن فلا بُدّ أن ننتظر إلى أن يتحقّق ماء متغيّر، ثُمّ يزول تغيّره من نفسه، حتّى يتمّ موضوع دليل الاستصحاب، وهو الحدوث بالفعل والشكّ في البقاء بالفعل. وهذا على خلاف الارتكاز الفقهي حتماً، الذي يقتضي إجراء الاستصحاب في ظرف استنباط الحكم.
بل إن هذا يولّد بعض المشاكل والصعوبات في مقام الاستنباط. وفي
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
تصوير هذه المشاكل يجب أن نعرف أن هناك اتّجاهين في مسألة أن الاستصحاب في الشبهة الحكمية هل يختصّ جريانه بالمجتهد فقط، أو يشمل العامي أيضاً؟ ومدرسة المحقّق النائيني تقول: إنه يختصّ بالمجتهد، ولا يجري في حقّ العامي، فالعامي لا يجري في حقّه استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، وإنما يجري في حقّ المجتهد خاصّة، وإذا كان الاستصحاب مختصّاً بالمجتهد فكيف يستطيع أن يفتي العامي؟ تقول هذه المدرسة: إنه يستطيع أن يفتي؛ لأنه بجريان الاستصحاب يصبح عالماً بالتعبّد بهذا الحكم الشرعي، ويترتّب على هذا جواز الإفتاء؛ لأن كلّ من علم بحكم يجوز له أن يفتي بذلك الحكم. وتفصيل ذلك موكول إلى أوّل مباحث القطع، حيث تعرّضنا لذلك مفصّلاً.
فإذا اخترنا اتّجاه مدرسة النائيني، وقلنا بأن الاستصحاب يختصّ جريانه بالمجتهد، فهو يلحظ يقينه هو وشكّه، ويجري الاستصحاب، فيصبح ببركته عالماً فيفتي به، وتكون هذه الفتوى حجّة على العامي، حينئذٍ نقول للمجتهد: إنك تجري استصحاب ماذا؟ استصحاب الوجود التقديري للنجاسة، الذي هو عبارة أخرى عن عالم الجعل، أو الوجود التحقيقي لها، الذي هو عبارة أخرى عن عالم فعليّة وجود الموضوع؟
أما الأوّل فقد وجدت شبهة في جريان الاستصحاب فيه، وهي أنه بلحاظ الوجود التقديري لا يُتصوّر حدوث وبقاء. وإذا أردت الاستصحاب في عالم فعليّة المجعول، فلا بُدّ أن يأخذك العامي إلى كلّ ماء متغيّر لأجل أن يحصل لك
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
علم بتغيّره ونجاسته، ثُمّ تشكّ في بقائه فتجري الاستصحاب وتفتيه بالنجاسة.
إذن إذا وجد عند العامي ماء متغيّر، وزال تغيّره من نفسه، وشكّ في بقاء نجاسته، فهنا يجري الاستصحاب في حقّ من؟ في حقّ العامي الذي عنده فعلاً يقين وشكّ، المفروض أنه لا يجري إلّا في حقّ المجتهد. أم يجري في حقّ المجتهد؟ فهو أصلاً ليس عنده خبر عن هذا الماء. نعم، المجتهد له خبر عن الوجودات ذات التقديرية، يعني: عالم الجعل، ولكن المفروض أن الاستصحاب لا يجري بلحاظ عالم الجعل، بل بلحاظ عالم المجعول الذي هو عالم فعليّة الموضوع خارجاً. إذن فكيف يجري الاستصحاب؟
بل هناك شيء من التعقّد أيضاً، حتّى لو فرض أننا بنينا على أن الاستصحاب يجري في حقّ العامي أيضاً، فالتعقّد بهذا النحو الشديد يزول؛ لأن المجتهد يفتي العامي بالاستصحاب، ويقول له: أنه متى ما وجد ماء متغيّر عندك، وزال تغيّره من نفسه، فيجري في حقّك استصحاب النجاسة. فيأخذ العامي هذه الفتوى ويطبّقها في مواردها، فتنحلّ العقد الرئيسية.
لكن مع هذا تصير هذه الفتوى بأحكام جزئية، يعني لا يستطيع أن يفتيه بنجاسة طبيعي الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، وإنما يفتيه في كلّ ماء يقع بحسب الخارج بهذا الترتيب: بأنه حينما يقع سوف يحكم عليك الشارع بنجاسته ظاهراً. مع أن الصياغة المتعارفة للفتوى، المطابقة مع الارتكاز الذي أشرنا إليه، ليست هي هذه، وإنما هي أن يفتي من الآن بنجاسة طبيعي الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، كما لو كان الإطلاق دالّاً عليه.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فصياغات الفتاوى في كلمات الفقهاء مما يعوز أن الارتكاز الفقهي قاضٍ بجريان الاستصحاب قبل عالم فعليّة الموضوع خارجاً، وأن المجتهد يستصحب ويفتي، لا أنه يفتي بمثل هذه الاستصحابات.
هذا تمام الكلام في التقريب الأوّل.
وقد تحصّل لنا منه نكتتان يجب أن نقارنهما بالتقريبات الأخرى:
الأولى: أن هذا التقريب في نفسه غير معقول؛ لأن الحدود والبقاء قد تصوّره صاحب هذا التقريب بناءً على تخيّل أن المجعول له وجود تحقيقي في عالم فعليّة الموضوع، وراء وجوده التقديري في عالم تقديرية الموضوع. وهذا باطل.
الثانية: أن هذا التقريب لو تمّ فهو يوجب إجراء الاستصحاب، لا بمجرّد تصدّي المجتهد لاستنباط حكم المسألة، بل في ظرف وجود الموضوع؛ لأنه هو ظرف الحالة السابقة، وقبلها لا يمكن إجراؤه. وهذا على خلاف الارتكاز الفقهي لا محالة.
نحن نحتاج إلى مشكوك يكون بقاء للمتيقن، فما هو؟
أننا وإن كنّا لا نفترض(1) أن يكون للمحمول في القضيّة الشرعية وجودان وعروضان: وجود وعروض في عالم الجعل، ووجود وعروض في عالم فعليّة الموضوع. بل نقول: إن المحمول في القضيّة الشرطية له وجود وعروض واحد،
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() كما افترضنا في التقريب السابق. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهو ذاك الوجود التقديري في عالم الجعل، أي: في عالم عقد القضيّة. ولكن له نحو علاقة مع الخارج، وهذه العلاقة يُتصوّر فيها حدوث وبقاء، فيجري استصحاب تلك العلاقة.
وتوضيح ذلك يتوقّف على استذكار مقدّمة:
وحاصلها: أنه يذكر في كلماتهم عادة أن العوارض على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يكون ظرف العروض وظرف الاتّصاف خارجياً، كالبياض والحرارة، فظرف عروض البياض على الجسم ووجوده هو الخارج؛ لأنه عرض خارجي وليس ذهنياً، كما أن ظرف الاتّصاف هو الخارج، فإن الجسم يوصف في الخارج أنه أبيض لا في الذهن.
القسم الثاني: ظـرف العروض والاتّصاف كِلاهما ذهني، من قبيل المعقولات الثانوية في المنطق كـ(الإنسان نوع). فإن اتّصاف الإنسان بالنوعية هو في الذهن؛ لأن الإنسان في الذهن هو الذي يوصف بأنه نوع لا في الخارج. كما أن ظرف العروض هو الذهن؛ لأن (النوعية) من موجودات عالم الذهن لا الخارج.
القسم الثالث: ما يكون فيه ظرف العروض هو الذهن وظرف الاتّصاف هو الخارج، كالإمكان مثلاً، مما يسمّى المعقول الثاني في الفلسفة. فإن عروض الإمكان على الإنسان ليس هو الخارج، لوضوح أن الإمكان يسبق وجود الإنسان، لا أنه يعرض عليه في الخارج، إلى محاذير أخرى كثيرة. فظرف العروض هو الذهن، ولكن ظرف الاتّصاف والنسبة هو الخارج، فإني حين أقول: (الإنسان
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ممكن) أريد أنه كذلك في الخارج، لا أنه ممكن في ذهني. هذه هي المقدّمة.
بناءً عليها يُقال في المقام: إن المحمولات الشرعية، كقولنا: (نجس) (حرام) (واجب) عوارض من القسم الثالث، لا من القسم الأوّل كالبياض؛ لبداهة أن المجعولات الشرعية لا يعقل أنه تكون أعراض خارجية، ولا من القسم الثاني كالنوعية؛ لأنه من الواضح أن الصلاة في الخارج واجبة لا في الذهن، والماء المتغيّر في الخارج نجس، إذن فلا بُدّ من الالتزام بأنه من القسم الثالث، يعني ظرف العروض للمحمول الشرعي هو ذهن الحاكم، وظرف الاتّصاف به هو الخارج، اتّصاف العين بالنجاسة أو الطهارة أو الفعل بالوجوب أو الحرمة هو الخارج.
وبناءً عليه نواجه هنا ظرفين: ظرف العروض، وظرف الاتّصاف. وبلحاظ ظرف العروض لا يوجد حدوث وبقاء. والشبهة مستعصية على الحلّ؛ لأن العروض دفعي لا تدريجي ولكن ظرف اتّصاف هذا الماء الخارجي بأنه نجس، أو هذا الجلوس الخارجي بأنه واجب، هذا الظرف حيث يتوقف فيه الاتّصاف على فعليّة المتّصف خارجاً، فإن اتّصاف الشيء الخارجي بشيء فرع وجوده نفسه، وحيث إن الشيء الخارجي له حدوث وبقاء، فبتبعه يكون للاتّصاف حدوث وبقاء لا محالة. فكما أن الماء المتغيّر بعد زوال التغيّر، هو بقاء للماء المتغيّر قبل زواله، كذلك اتّصافه بالنجاسة بعداً يكون بقاءً لاتّصافه بالنجاسة قبلاً. فقد وجد هناك حدوث وبقاء بلحاظ ظرف الاتّصاف بلحاظ عالم الخارج؛ بهذا التقريب.
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذا الكلام هو الذي ذكره المحقّق العراقي جواباً عن شبهته هو التي أشرنا إليها قبل بضعة أيام، من حيث إنه ليس للمحمولات الشرعية وحدة خارجية، مع أن الوحدة الخارجية شرط في جريان الاستصحاب. فتصوّر الوحدة الخارجية بلحاظ ظرف الاتّصاف.
ونفس هذا الكلام يقال في تصوير الحدوث والبقاء أيضاً، فيقال: إنه في ظرف الاتّصاف يتصوّر حدوث وبقاء، ويجري الاستصحاب.
وهذا الكلام بهذه الصيغة طبعاً غير معقول؛ وذلك: لأننا أساساً لا نقبل ما جاء في المقدّمة من تقسيم العوارض إلى ثلاثة أقسام؛ لأن ظرف الاتّصاف حتماً لا بُدّ أن يكون هو ظرف العروض، فإنه إنما يتّصف شيء بشيء باعتبار عروض ذلك الشيء له. أما بلحاظ يكون عارض وبلحاظ آخر يكون صفة، ليس هذا كلاماً عقلائياً.
وإنما تورّط الفلاسفة في مثل هذا الكلام مبنيّ على قصر نطاق الظروف بالوجود الذهني والوجود الخارجي. ورأوا أن الإمكان لا يمكن أن يلتزم أنه موجود في الخارج للزوم محاذير كثيرة، فالتزموا بأنه موجود في الذهن. ثُمّ رأوا أن الإنسان -بالآخرة- ممكن في الخارج، لا في الذهن. ففكّكوا بين ظرف العروض وظرف الاتّصاف، وقالوا: بأن ظرف العروض هو الذهن، وظرف الاتّصاف هو الخارج. إلى تعسّفات أخرى في كلامهم لا مجال للتعرّض لها في المقام(1).
ــــــــــ[54]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: الاتّصاف عبارة أخرى عن الحمل والحمل هو الهوهوية، وبالآخرة ظرف الهوهوية هو ظرف العروض، فإنها إنما تكون باعتبار العروض، فإذا كان أحد الظرفين هو ظرف العروض كيف يصير الظرف الآخر هو ظرف الهوهوية؟! فهو يعرض عليه في عالم، ونحمله عليه في عالم آخر، مع أن الهوهوية منتزعة عن العروض. وهذا التورّط ناشئ من حصر الظروف لذينك الظرفين. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ونحن بيّنا في مباحث الوضع أن هناك ظرفاً أوسع من ظرف الوجود الذهني والوجود الخارجي، سمّوه بلوح الواقع، وهو وعاء العروض والاتّصاف معاً للإمكان، فهو واقعي عروضاً واتّصافاً، ولا يمكن أن نميّز بين عروضه واتّصافه.
فالقسمة ينبغي أن تكون هكذا: أن الأعراض على قسمين: أعراض واقعيّة من دون أن تلبس ثوب الوجود كالإمكان. وبهذا اللحاظ يكون ظرف العروض والاتّصاف معاً. وهناك أعراض أخرى لا تكون واقعيّة إلّا إذا لبست ثوب الوجود كالحرارة بالنسبة إلى الجسم، فإن الجسم لا يكون حارّاً إلّا إذا لبست الحرارة ثوب الوجود إما الذهني وإما الخارجي، وأيّ ثوب تلبس فإنه يكون ظرف عروضها واتّصافها هو ظرف ذلك الثوب الذي تلبسه. على تفصيل لا يسعه المجال موكول إلى مباحث الوضع.
[صياغة التقريب بوجه آخر ]
إذن فهذا التقريب بهذه الصيغة لا يتمّ، فإن التفكيك بين ظرف العروض وظرف الاتّصاف لا نتعقّله في الإمكان فضلاً عن المحمولات الشرعية.
لكن بالإمكان التنازل عن هذه الصياغة الفنّية وهذا التعبير الفلسفي الذي ذكره المحقّق العراقي، ونصوغ عبارة أخرى بحيث لا تأتي عليها استحالة ذاتية.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فيقال في المقام: بأن ظرف العروض وظرف الاتّصاف ظرف واحد لا يمكن أن نفكّك بينهما، لكنّ هناك عروضاً حقيقياً واتّصافاً حقيقياً وهناك عروضاً مجازياً واتّصافاً مجازياً، مجازاً في عالم الكلمة وعالم اللّحاظ.
فنقول: إن المحمولات الشرعية مثل (نجس) (واجب) (حرام) ظرف عروضه واتّصافه الحقيقي كِلاهما هو الذهن؛ لأنه من مجعولات نفس الحكم. لكنّ هناك فرقاً بين هذه المحمولات الشرعية، وبين مثل قولنا: (الإنسان نوع) الذي يكون ظرف العروض وظرف الاتّصاف -مثلاً- هو الذهن. وهو: أن النوعية عرض يعرض في الذهن للإنسان، لا بما هو فانٍ في أفراده الخارجية، بل بما هو ماهيّة قائمة في نفسها، بينما (واجب) و(حرام) و(نجس) يعرض في ذهن الحاكم للوجودات الذهنية -للجلوس والماء المتغيّر-، لا بما هي صور ذهنية، بل بما هي فانية في أفرادها الخارجية.
صحيح أن هذا الإفتاء لا يصحّح سريان العرض إلى الخارج؛ لأننا برهنّا في إبطال التقريب الأوّل على أن المجعول الشرعي لا يمكن أن يكون خارجياً، لكن يصحّح نحو إضافة ونسبة عروضاً واتّصافاً مجازاً إلى الخارج. حيث إن المحمول الشرعي عرض للموضوع، لا بما هو موجود في ذهن الحاكم، بل بما هو حال ومشير إلى الأفراد الخارجية، فبهذا الاعتبار ينسب أوّلاً وبالذات عروضاً واتّصافاً إلى نفس الصورة، وينسب ثانياً وبالعرض على نحو المجاز عروضاً واتّصافاً إلى مطابق الصورة في الخارج.
وهذا هو ما يقال من المجعول بالذات والمجعول بالعرض، والمعلوم بالذات والمعلوم بالعرض.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فيكون عندنا عروضان أو نسبتان، طوليتان أحدهما حقيقية والثانية مجازية في طولها وناشئة منها. والنسبة الأولى تربط العرض بالصورة الذهنية، والثانية تربط العرض بالخارج.
هذه الصيغة معقولة، لا يرد عليها إشكال؛ لأنها ليست مطلباً فلسفياً، وإنما هي مطلب يرجع إلى باب المجازات والاستعلامات، وهي استعارة موجودة نعيشها دائماً في استعمالاتنا وكلماتنا.
إلّا أن هذه الصيغة وحدها غير كافية لتصوير الحدوث، والبقاء، الذي هو المشكلة التي نحاول حلّها في المقام.
*****
وذلك بأن يقال(1): إن هذا المحمول الذي هو عارض للموضوع في عالم الذهن هو بالدقّة عرض للصورة الذهنية للماء المتغيّر وبالحقيقة وبلا تجوّز، ولكن حيث إن تلك الصورة إنما حكم المولى عليها بالنجاسة لا بما هي جزء من ذهنه، بل بما هي حاكية ومرآة للخارج. وبهذا الاعتبار تتولّد هناك إضافة ونسبة أخرى عروضاً واتّصافاً، لكن على سبيل المسامحة -لا الدقّة والحقيقة- لهذا المحمول الشرعي إلى الخارج. وحينئذٍ يقال: بأن هذه النجاسة هو الذي عرضت له النجاسة أو الحرمة والوجوب، على نحو المسامحة والإضافة إلى المحكي للصورة.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
() أشار أوّلاً إلى تقريب المحقّق العراقي، وذكر عدم صحّته.
نعم، بالإمكان تبديل هذه الصيغة الفلسفية بصيغة أخرى، وذكر التقريب الأخير بعرض جديد، فقال: وذلك بأن يقال:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هذا أمر معقول في المقام، إلّا أنه لا يحقّق المقصود في المقام، وهو تصوّر الحدوث والبقاء. بينما تلك الصيغة العراقية كانت تحقّق هذا المقصود؛ لأنها كانت تقول: إن ظرف الاتّصاف هو الخارج، وهذا الاتّصاف خارجي لا محالة، فهو اتّصاف حقيقي خارجي، غاية الأمر أن عروض الصفة التي هي طرف هذا الاتّصاف ذهني. والاتّصاف الخارجي لا محالة تابع لوجود المتّصف؛ لأنه يستدعي لا محالة وجود المتّصف في الخارج. وحينئذٍ فيقال: إن المتصف الخارجي وهو الماء المتغيّر في الخارج حيث إن له حدوثاً وبقاءً، فيكون بتبع ذلك لاتّصافه ولتمام أعراضه حدوثاً وبقاءً أيضاً.
وأما بناءً على هذه الصيغة المعقولة، فيضاف المحمول في القضيّة الشرعية إلى الواقع الخارجي بالمجاز والعرض، فهذه الإضافة حيث إنها إضافة مسامحية مجازية فهي لا تتطلّب وجود المضاف إليه والمتّصف حقيقية، بل يكفي أيضاً وجوده المسامحي، يكفي إعمال المسامحة في وجوده ولو بعناية أن الصورة الذهنية هي نفس الخارج، باعتبار كونها حاكيةً عنه، فإن الفرق بين الحاكي والمحكي هو ملاك هذه الإضافة المسامحية. وحينئذٍ فمثل هذه الإضافة المسامحية لا تكون مساوقة مع وجود الشيء خارجاً حتّى يكون لها حدوث وبقاء، بتبع ما يكون للشيء خارجاً من حدوث وبقاء.
بل بحسب الحقيقة، هذه الإضافة المسامحية موجودة، قبل أن يوجد الماء المتغيّر في الخارج، والنجاسة مضافة حينئذٍ بالذات إلى الماء المتغيّر الذهني، ومضافة بالعرض إلى ما يطابقها في الخارج، سواء كان موجوداً فعلاً أو مستقبلاً.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فبذلك يتّضح أن الصيغة التي يمكن أن يصحّح بها الحدوث والبقاء، وهي أن نعتقد بأن ظرف العروض للحكم غير ظرف الاتّصاف الحقيقي بالحكم أمر خارجي لا ذهني، لكن هذا أمر غير معقول، إذ كيف يكون الاتّصاف الحقيقي خارجياً، ويكون العروض الحقيقي ذهنياً، مع أن الاتّصاف الحقيقي ذهنياً، مع أن الاتّصاف الحقيقي مع العروض الحقيقي وعاؤهما واحد. وأما الصيغة المعقولة فلا يتُصوّر معها الحدوث والبقاء. إذن فهذا التقريب لا يمكن تصحيحه لتصوير جريان استصحاب المجعول(1).
ثُمّ إنه لو سلّمت هذه الصيغة العراقية، وعلى أساسها تصوّرنا الحدوث والبقاء، وعلى أساسه أجرينا استصحاب بقاء الحكم. فإن هذا الوجه كالتقريب السابق، يؤدّي إلى أن الاستصحاب لا يجري إلّا في ظروف فعليّة الموضوع خارجاً، ولا يمكن أن يجريه المجتهد حال استنباط الحكم بمجرّد تقدير المسألة؛ لأن الاستصحاب فرع وجود الحالة السابقة التي يراد استصحابها، والحالة السابقة بناءً على هذا التقريب ليس هو الحكم بلحاظ ظرف العروض، بل
ــــــــــ[59]ــــــــــ
() وهنا قلت له: إن ما بإزاء الصورة الذهنية لِما قبل التغيّر قبل ما بإزاء الصورة الذهنية لِما بعد التغيّر.
فقال: لكنّ الإضافة العرضية للمحمول في القضيّة الشرعية إليهما على حدّ واحد؛ لأنها ليست تابعة لوجوده خارجاً، إذن فهي مسجّلة من أوّل الأمر؛ لأن مناط هذه الإضافة هو الخلط بين الحاكي والمحكي، يعني نتسامح ونقول: بأنه ثبت هذا المحمول للماء المتغيّر، مع أنه لم يثبت له، بل للصورة الذهنية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بلحاظ ظرف الاتّصاف، وقد قلنا بأن الاتّصاف الخارجي تابع لوجود المتّصف خارجاً، فقبل أن يوجد ماء متغيّر في الخارج لا يوجد هناك اتّصاف خارجي بالنجاسة حتّى يجري استصحابه. وهذا يصطدم مع الارتكاز كما قلنا، ويولّد بعض الصعوبات على بعض الاتّجاهات والمباني.
هذا هو التقريب الثاني.
لا يعترف هذا التقريب بكِلتا الثنائيتين اللّتين بنى على أساسهما التقريبين الأوّلين، لا الثنائية بين الجعل والمجعول الذي على أساسها بنى عليها التقريب الأوّل. ولا بالثنائية بين ظرف العروض والاتّصاف التي بنى عليها التقريب الثاني. بل يعترف في هذا التقريب بالوحدة، وأنه ليس عندنا إلّا شيء واحد، وهو عبارة عن الجعل، عن هذه القضيّة الحقيقة التي جعل بها الحكم. ليس عندنا إلّا هذا الأمر الواحد الذي بتمامه في عالم الجعل.
لكن هنا ننطلق من نكتة أخرى، وهي: أن هذا الشيء الواحد، الذي لم ندّعِ الثنائية فيه، قابل لنحوين من اللحاظ يتناقضان فيما بينهما، يعني كلّاً منهما يبرز غير ما يبرزه الآخر، وإن كانا معاً صادقين. فإننا تارةً نلحظ هذا الشيء الواحد بما هو هو بالحمل الأولي، وأخرى نلحظ هذا الشي بما هو هو بالحمل الشايع.
الآن اعتبروا وأنتم في يوم الاثنين نزول المطر في يوم الجمعة الآتية، ثُمّ انظروا إلى اعتباركم، فإنكم يمكنكم أن تنظروا إليه بما هو بالحمل الشايع، فتقولون: إن هذا الاعتبار عبارة عن صورة ذهنية، وهو وجود ثابت فعلاً،
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وتتحقّق قبل يوم الجمعة بل قبل يوم الخميس والأربعاء أيضاً، وليس له حالة منتظرة أصلاً. وإذا نظرتم إلى ما هو معتبركم بالحمل الأولي رأيتم أنه هو نزول المطر يوم الجمعة، وهو غير موجود فعلاً ومتأخّر عن يوم الخميس، فضلاً عن الثلاثاء والأربعاء، فتحكمون عليه باللحاظ الأوّل بأحكام، وباللحاظ الآخر بأحكام أخرى.
وهذا يعني: أن كلّ قضيّة شرعية مجعولة في عالم الاعتبار، يمكن أن تلحظ بلحاظين، يمكن أن تلحظ بما هي هي بالحمل الشايع، ويمكن أن تلحظ بما هي هي بالحمل الأولي.
وإذا أردنا أن نطبّق ذلك على مشكلتنا -مشكلة الحدوث والبقاء للحكم-، فنقول: إن هذا الجعل الذي هو شيء واحد لا اثنينية فيه، إن لحظناه بالحمل الشايع، يعني حقيقته وواقعه، إذن فلا حدوث ولا بقاء؛ لأنه بهذا اللحاظ شيء موجود بتمام قطعاته فعلاً، لأنه عبارة عن وجود ذهني لا أكثر. وهذا الوجود سواء كان يشمل ما قبل التغيّر أو لا يشمل، فهو موجود فعلاً بنحو متعاصر في زمن واحد، وليس بينهما تقدّم وتأخّر ليتصوّر حدوث وبقاء.
وبهذا اللحاظ لا تكون أركان استصحاب إلّا استصحاب عدم الجعل فقط، بأن يقال: هل وجد في عالم الجعل وجود ذهني يشمل ما بعد التغيّر أو لا، فتستصحب عدمه؛ لأن عدم هذا الوجود كان محرزاً ويشكّ في بقائه فيستصحب عدمه. وبهذا اللحاظ لا معنى لإجراء استصحاب الحكم، لأنه ليس عندنا حدوث وبقاء في طرف الحكم حتّى نجري استصحابه.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وإذا بدّلنا اللحاظ، فلاحظنا نفس ما كنّا نلاحظه، لكن بمنظار الحمل الأولي، فإننا سوف لن نرى أن المعتبر صورة ذهنية موجودة بالفعل ليس لها حالة منتظرة، بل سوف نرى وجوباً فرض حين الزوال، أو نجاسته فرضت حين وجود الماء المتغيّر خارجاً، سنرى شيئاً في وعاء معيّن وله شروط معيّنة ويترتّب وجود هذا الشيء.
وبهذا اللحاظ نحن متيقّنون من حدوث هذا الحكم، وشاكّون في بقاءه. فإننا إذا نظرنا إلى الجعل بما هو نجاسة للماء المتغيّر ولو عنواناً، فهو بهذا اللحاظ يُتصوّر له الحدوث والبقاء؛ لأننا حين نلحظه بهذا العنوان فسنرى شيئاً ممتداً بامتداد الماء المتغيّر، شيئاً يكون صفة للماء المتغيّر لا صفة لذهن الحاكم، كما كان عليه باللحاظ الأوّل، فبهذا اللحاظ نرى أن للصفة حدوثاً وبقاءً تبعاً لحدوث وبقاء الماء المتغيّر.
وليس معنى هذا أن ما له حدوث وبقاء شيء وما ليس له حدوث وبقاء شيء آخر، كما كان يتخيّل على التقريبين الأوّلين، حيث قيل إن الجعل شيء ليس فيه حدوث وبقاء، والمجعول شيء فيه ذلك، وأحدهما غير الآخر، أو ظرف العروض وظرف الاتّصاف. وهنا ما يكون له حدوث وبقاء عين ما لا يكون له حدوث وبقاء، باختلاف طبيعة النظرة واللحاظ إليه، فإن لاحظناه بما هو بالحمل الشايع، أي: بما هو صفة في ذهن الحاكم فليس له حدوث وبقاء. أو بالحمل الأولي، أي: بما هو عنوان وصفة للماء المتغيّر، نرى بهذا اللحاظ أن له حدوثاً وبقاءً.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وحينئذٍ فإن فرض أن دليل الاستصحاب كان مسوقاً باللحاظ الأوّل، يعني حين نطبّقه على الشبهة الحكمية، فلا بُدّ أن نجد ما الذي حدث، ونشكّ في بقائه حتّى نستصحبه. ما هو الميزان في معرفة ذلك؟ إن كان الميزان هو اللحاظ الأوّل، يعني: لحاظ الحكم بما هو صفة في الحاكم بالحكم الشايع، إذن فما هو مشكوك البقاء عندنا هو عدم الجعل فقط، أما المجعول فليس مشكوك البقاء عندنا؛ لأننا بهذا اللحاظ لا نرى للمجعول حدوثاً وبقاءً، وإنما نرى أن الجعل أمر آني(1)، قد يوجد وقد لا يوجد، فنشكّ في وجوده فنستصحب عدمه. وإن كان الميزان هو اللحاظ الثاني، يعني: الحكم بما هو هو بالحكم الأولي، أي: بما هو صفة للماء المتغيّر، فبهذا اللحاظ لا نرى وجوداً وبقاءً إلّا للمجعول. نرى أن النجاسة أمر قابل للبقاء بتبع قابلية نفس الماء المتغيّر للبقاء؛ لأننا نراها صفة له، فتكون تلك الصفة قابلة للبقاء، ويجري فيها استصحاب الحكم، ولا يجري فيها استصحاب عدم الجعل -يعني: عدم الحكم-؛ لأن حدوثه بهذا اللحاظ معلوم، ونشكّ في بقائه. فإنه بهذه الرؤية لا يكون عندنا شكّ في الحدوث أصلاً، بل شكّنا متمحّض في البقاء، وبالرؤية الأولى لا يكون عندنا شكّ في البقاء أصلاً، بل شكّنا متمحّض في الحدوث.
ومن هنا لو كان اللحاظ الأوّل هو الميزان، فدليل الاستصحاب لا ينطبق إلّا
ــــــــــ[63]ــــــــــ
() ونشكّ أنه كيف حدث، هل حدث بنحو وسيع أو ضيق، إذن فشكّنا في أصل حدوث الوسيع، فنجري استصحاب عدم الجعل، ولا يجري استصحاب المجعول. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
على استصحاب عدم الجعل، ولو كان اللحاظ الثاني هو الميزان، فدليل الاستصحاب لا ينطبق إلّا على استصحاب المجعول(1).
*****
وليس معنى(2) هذا الذي أقول هو: أن حقيقة هذا الشيء الموجود في نفس الحاكم يتغيّر من لحاظ إلى لحاظ، لكن ما هو ملحوظنا في الأوّل غير ما هو ملحوظنا في الثاني، ما هو ملحوظنا في الأوّل: هو حقيقة الصورة الذهنية بما هي كذلك. وملحوظنا في الثاني: هو عنوان تلك الحقيقة، وعنوان الحقيقة قد يغاير الحقيقة ويباينها، بل يكون ضدّاً لها. فإن هذه الصورة إذا لاحظناها باللّحاظ الشايع نجد أنها جزء من الحاكم ودفعية الوجود وعرضية الوجود. وإذا لاحظناها بالحمل الأولي نجدها عبارة عن شيء عمودي الوجود تدريجي،
ــــــــــ[64]ــــــــــ
() وهنا قلت له: ما هو الفرق بين هذا التقريب والتعليق الذي ذكرتموه على كلام آغا ضياء: مخالف المعلوم بالعرض ليس حدوثاً وبقاءً؟
فقال: الفرق في أننا هناك لم نكن نلتفت إلى تعدّد اللحاظ، ونقول بأن هذا المحمول في القضيّة الشرعية ملحوظ بما هو بالحمل الشايع، وبما هو صورة ذهنية على أيّ حال. لكن نقول: إن هذه الصورة الذهنية مضافة بالذات إلى صورة ذهنية مثلها، ومضافة بالعرض إلى مطابقها. وأما هنا فنقول: إن هذه الصورة الذهنية نلحظها بنحوين: تارةً بما هي صورة ذهنية وصفة للحاكم، وأخرى بما هي صفة للماء المتغيّر.
وقال جواباً على سؤال: هناك وجه رابع، وكِلاهما -هذا والرابع- وجه صحيح مختار. (المُقرِّر).
(2) لخّص أوّلاً التقريب الثالث كما سبق، إلى أن قال: وليس معنى… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
يتصوّر فيه الحدوث والبقاء، فبتبع ما يتصوّر له حدوث وبقاء، يتصوّر لمحموله الشرعي ووصفه حدوث وبقاء أيضاً.
وحينئذٍ فنجاسة ماء ما قبل التغيّر تصبح حدوثاً، ونجاسة ما بعده تصبح بقاءً، فيجري استصحاب المجعول دون استصحاب عدم الجعل؛ لأن نجاسة ما بعد زوال التغيّر قد حدثت بلحاظ ما قبل زوال التغيّر، فبهذا اللحاظ لا شكّ في الحدوث أصلاً حتّى يجري استصحابه. على أنه باللحاظ الأوّل يكون الشكّ متمحّضاً في الحدوث، ولا شكّ في البقاء حتّى يجري استصحابه.
وهذا التقريب، كما يصحّح إجراء استصحاب المجعول، ويدفع الشبهة التي نحن بصدد دفعها، فهو مطابق مع الارتكاز الذي ادّعيناه وهو: الارتكاز الفقهي بإجراء الاستصحاب قبل وجود الموضوع؛ إذ بناءً على هذا التقريب نحن نجري استصحاب المجعول بلحاظ الحدوث والبقاء العنواني المصحّح بلحاظ الحمل الأولي، وهذا الحدوث والبقاء -بما هو عنواني- متحقّق من أوّل الأمر بلا حاجة إلى انتظار فعليّة الماء المتغيّر في الخارج. فإننا لا نريد حدوثاً وبقاءً حقيقياً، بل حدوثاً وبقاءً بلحاظ الحمل الأولّي، وبهذا اللحاظ نرى حدوثاً وبقاءً، وإن كان هذا الحدوث والبقاء عنوانياً تبعاً لعنوانية نفس هذا اللحاظ وصوريته، وهو يكفي لجريان استصحاب المجعول بلا حاجة إلى انتظار فعليّة الموضوع بحسب الخارج.
هذا هو التقريب الثالث لدفع الشبهة، وهو كافٍ لدفعها، وكان هناك تقريب رابع نؤجلّه فعلاً.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فننظر الآن إلى هذه التقريبات الثلاثة، وعلى ضوء هذا الكلام الذي قلناه نستطيع أن نقول: إن منطقة الفراغ في باب المعارضة بين استصحاب عدم الجعل واستصحاب المجعول قد ملئت، فإنها كانت في: أنه كيف يجري استصحاب المجعول في نفسه؟ والى الآن استطعنا إلى قدر يصحّ السكوت عليه أن نعرف أنه يجري استصحاب المجعول في نفسه.
بعد هذا نأتي لنناقش دعوة المعارضة بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل التي أفادها السيّد الأستاذ أوّلاً.
انقدح مما حقّقناه أن هذه المعارضة مما لا أساس لها؛ لأننا نسأل ممن يدعي هذه المعارضة: أنك كيف صحّحت استصحاب بقاء المجعول؟ وكيف تصوّرت في جانبه الحدوث والبقاء؟ وكيف تغلّبت على الشبهة التي ذكرناها، وهي أن الشكّ في المجعول ليس شكّاً في البقاء؟ تغلّبت عليها بأيّ تقريب من هذه التقريبات الثلاثة.
فإن كان التغلّب عليها، وتصوير تماميّة أركان استصحاب المجعول وتصوير الحدوث والبقاء فيه، إن كان بالتقريب الثالث الذي ارتضيناه فبناءً عليه لا بُدّ من المصير إلى عدم تعقّل المعارضة بين استصحاب عدم الجعل واستصحاب بقاء المجعول؛ لأننا بيّنا في التقريب الثالث أن هناك لحاظين:
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
لحاظ الحمل الأوّلي، ولحاظ الحمل الشايع، فإما أن يكون الميزان هو لحاظ الحمل الأوّلي، وإما أن يكون هو لحاظ الحمل الشايع. فإن كان الأوّل فبهذا الميزان لا يرى إلّا الشكّ في البقاء، ولا يرى الشكّ في الحدوث، فيجري استصحاب بقاء المجعول، ولا يعارض باستصحاب عدم الجعل. وإن كان الميزان اللحاظ الشايع، فبهذا اللحاظ لا يرى إلّا الشكّ في الحدوث، فيجري استصحاب عدم الحدوث، ولا يعارض باستصحاب بقاء المجعول.
توضيح ذلك: أننا في دليل الاستصحاب إن خلّينا في تطبيقه على مصاديقه نحن والحقيقة والواقع بلا عنايات ارتكازية عرفية، إذن فيتعيّن لحاظ الحمل الشايع؛ لأنه واقع المطلب. فإن الواقع هو أن الشيء الذي حدث في المقام هو حكم قائم بصورة ذهنية في ذهن الحاكم، وهذه الصورة الذهنية لا أدري أنها حدثت بنحو وسيع أو بنحو ضيق. إذن يكون شكّي شكّاً في الحدوث وليس شكّاً في البقاء أصلاً، ولهذا فالمصداق التكويني الواقعي لدليل الاستصحاب عبارة عن الشكّ في الحدوث هنا، ويجري بلحاظه استصحاب عدم الحدوث، ولا يجري استصحاب بقاء المجعول أصلاً. وبناءً على هذا لا تكون المعارضة معقولة؛ لأن أركان الاستصحاب غير تامّة إلّا في جانب الحدوث.
وهذا -يعني تطبيق دليل الاستصحاب على مصداقه الواقعي- هو المتعيّن، ما لم يثبت بارتكاز عرفي إعمال عناية، بحيث توجب هذه العناية تحوّل فرد موضوع الدليل، وتجعل مصداق موضوع الدليل في نظر العرف مصداقاً آخر غير مصداقه الواقعي، فتسلخ هذه العناية الفردية عن الفرد الواقعي،
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وتعطيها لفرد آخر ليس هو الفرد الواقعي لموضوع الدليل.
إذا قام دليل على مثل هذه العناية يتغيّر الموقف. إذا قام عندنا دليل على أن عناية لحاظ الحمل الأوّلي مركوزة في الذهن العرفي، وهي أنه لحاظ للعنوان لا للواقع، وأنه على خلاف الواقع، بحيث إن العرف حين يُسألون أنه ما هو مصداق موضوع دليل الاستصحاب؟ يقولون: إن مصداقه هو الشكّ في البقاء؛ لأنهم ينظرون بنظّارة الحمل الأوّلي. فلا محالة هذه العناية الارتكازية توجب القرينية على كون دليل الاستصحاب جارياً بلحاظ هذه العناية الارتكازية؛ لما حقّقناه في بحث قاعدة (لا ضرر) من أن النظر العرفي هو المتّبع في أمثال هذه المقامات. فهذا الفرد يكون مشمولاً لإطلاق الدليل، ويكون الدليل الشرعي منزّلاً على العنايات العرفية، باعتبار كونه خطاباً عرضياً صادراً على طريقة أهل العرف والمحاورة، فهو منزّل على منزله على مجموع العنايات المركوزة في أذهانهم. فإذا كان من جملة هذه العنايات هو أن ينظروا بالحمل الأوّلي هنا في مقام تشخيص الشكّ، فيرونا بهذا اللحاظ أن الشكّ في البقاء لا في الحدوث، إذن فمثل هذه العناية ينزّل عليها دليل الاستصحاب.
فبناءً على هذه العناية يتغيّر الموقف، ويتعيّن إجراء استصحاب المجعول؛ لأنه يكون شكّاً في البقاء، ولا يبقى مجال لإجراء استصحاب عدم الجعل أصلاً؛ لأن استصحاب عدم الجعل فرع أن يكون لنا شكّ في الحدوث، وبهذه العناية لم يبقَ لها شكّ في الحدوث أصلاً، والمفروض تحكيم هذه العناية.
فعلى كلٍّ من الحالين يستحيل فرض المعارضة بين استصحاب عدم الجعل
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
واستصحاب المجعول، فإنه إن لم تثبت هذه العناية العرفية جرى استصحاب عدم الجعل، وإن ثبتت جرى استصحاب المجعول بلا معارض.
أما الصحيح من هذين، فلا ينبغي الإشكال أن الصحيح هو ثبوت هذه العناية بحسب الارتكاز العرفي، فإن عناية الحكم الأولّي مركوزة في أذهان أهل العرف، فإنهم لا يتعاملون مع الأحكام الشرعية بحسب ارتكازياتهم العرفية بما هي صفات للحاكم ومحمولات قائمة في ذهنه وأوصاف له، وإنما يتعاملون معها بما هي أوصاف للماء المتغيّر، وهذا معناه ارتكاز أن يكون الملحوظ ملحوظاً على نهج الحمل الأوّلي، لا على نهج الحمل الشايع.
والذي يشهد لذلك بل يدلّ عليه هو أن الفقهاء جيلاً بعد جيل من أيام العضدي والحاجبي إلى هذه الأيام لم يشكّ أحد منهم في تطبيق دليل الاستصحاب على استصحاب الحكم في الشبهة الحكمية، حتّى من استشكل فيه كالمحقّق العراقي والسيد الأستاذ لأجل المعارضة أيضاً بإرتكازه ووجدانه العرفي، لم يشكّ في تماميّة أركان استصحاب المجعول، ولكن حيث لم يحلّل هذا الارتكاز تحليلاً واضحاً، فاعتقد أن استصحاب المجعول يعارض باستصحاب عدم الجعل.
فنفس هذا البناء من الفقهاء بتمامهم وبعرفيتهم على هذا المطلب، بنفسه من أكبر الشواهد على ارتكازية لحاظ الحمل الأوّلي في الأذهان العرفية؛ لأن الاستصحاب ليس قاعدة عقليّة ليقال: إن تمام هؤلاء العلماء أخطئوا في مقام تطبيقها، بل هو دليل عرفي. فإذا فرض أن هؤلاء العلماء لم يشكّ أحد منهم في
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
صدق الشكّ في البقاء في موارد الشبهة الحكمية، حتّى من ادّعى منهم المعارضة، فهذا من أكبر الشواهد على عرفية هذه النظرة، وعليه يجري استصحاب المجعول، ولا يجري استصحاب عدم الجعل أصلاً.
هذا كلّه إذا كان المبرّر لاستصحاب المجعول هو التقريب الثالث والذي حقّقناه.
وأما إذا كان المبرّر له هو أحد التقريبين الأوليّن، فيرد على كلام السيّد الأستاذ:
بطلان المبرّر في نفسه؛ لأننا بيّنا أن هذين المبرّرين غير صحيحين، لا في أنفسهما ولا منطبقين على الارتكاز الفقهي أيضاً.
أما في أنفسهما: لمِا أوضحناه من استحالة تصوّر الثنائية بين الجعل والمجعول، كما هو الحال في التقريب الأوّل، والثنائية بين ظرف الاتّصاف وظرف الوجود، كما هو الحال في التقريب الثاني.
وأما مخالفتها للارتكاز الفقهي؛ لأنهما لو أنتجا فإنهما إنما ينتجان جريان استصحاب المجعول في ظرف فعليّة الموضوع.
فلو قطعنا النظر عن التقريب الثالث لكان اللازم الالتزام بجريان استصحاب عدم الجعل، ولا يجري استصحاب بقاء المجعول. هذا أولاً.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فلأن هذا الجعل مع المجعول الذي فرض في مقام تصوير استصحاب المجعول، ماذا يقال فيهما؟ هل يقال: إن بينهما سببية شرعية أو إن السببية تكوينية كما هو الصحيح. فإن ادّعي أن ترتّب المجعول على الجعل ترتّب شرعي، فيلزم من ذلك بطلان المعارضة لحكومة استصحاب عدم الجعل على استصحاب بقاء المجعول؛ لأننا إذا فرضنا أن بقاء المجعول مسبّب عن زيادة الجعل، فباستصحاب عدم الجعل الزائد ينتفي بذلك بقاء المجعول، وإذا نُفي ذلك بالأصل السببي فلا تصل النوبة إلى إجراء الاستصحاب في مرحلة الشكّ المسبّبي.
وأما إذا كانت السببية ليست شرعية، كما هو حقّ المطلب، لو بنينا على تصوّر الثنائية بين الجعل والمجعول، فالمجعول مسبّب تكويني عن الجعل، فالسببية الشرعية غير موجودة، وما دامت غير موجودة فلا حكومة للأصل
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() أعاد فكرةً عمّا سبق أشار إلى التقريبات الثلاثة التي ذكرها، وقال: إنها أهمّ التقريبات، وأسقطنا بعض التقريبات التي يمكن إرجاعها ببعض البيانات إلى ما ذكرناه. ثُمّ قرّر عدم معقولية المعارضة بناءً على التقريب الثالث المختار، ثُمّ قال: وحيث إن الصحيح هو أن نلبس نظّارة الحمل الأوّلي بقرينة الارتكاز العرفي والفقهي، يتعيّن جريان استصحاب المجعول ولا يعارض باستصحاب عدم الجعل.
ثم إنه لو بنى على جريان استصحاب المجعول بالتقريب الأول وعورض باستصحاب عدم الجعل، فهو في نفسه غير صحيح كما بيّنا. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الجاري في الشكّ السببي على الأصل الجاري في الشكّ المسبّبي؛ لِما يأتي في محلّه من أن شرط هذه الحكومة هو أن يكون التسبّب والترتّب شرعياً لا عقلياً تكوينياً.
وعلى هذا فنسأل من جديد: أن الآثار العقليّة من التنجيز والتعذير التي يراد تحميلها على المكلّف بإجراء الاستصحاب ما هو مناطها؟ هل مناطها المجعول فقط، أو الجعل فقط، أو لها مناطان: الجعل والمجعول، فكما يمكن التحميل بصيغة الجعل، يمكن التحميل بصيغة المجعول؟ والواقع لا يخلو
-مثلاً- من أمر هذه الاحتمالات(1).
[الفرضية الأولى:] فإن كان مناط التحميل عقلاً هو المجعول، كما ذكر المرزا، حيث ذكر في تضاعيف كلامه التي سبق أن أشرنا إليها، وقال: إنه لهذا لو فرض أنه وجد مجعول بلا جعل يترتّب عليه المنجّزية والمعذّرية. أما الجعل فهو منشأ للتحميل العقلي بلحاظ توليده للمجعول.
بناءً على هذه الفرضية لا يجري إلّا استصحاب المجعول دون استصحاب عدم الجعل، وأيضاً لا يبقى مجال للمعارضة؛ لأن استصحاب بقاء المجعول له أثر تحميلي على المكلّف، فيجري، وأما استصحاب عدم الجعل فليس له ذاك الأثر؛ لأنكم باستصحاب عدم الجعل إن أردتم الوصول إلى التنجيز والتعذير ابتداءً، فهو خُلف المبنى، وإن أردتم الوصول إليه بتوسّط إثبات المجعول، فهو
ــــــــــ[72]ــــــــــ
() أو المجموع المركّب منهما. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
مثبت؛ لأننا فرضنا أن السببية بين الجعل والمجعول تكوينية لا شرعية. فكيف يمكن أن نثبت باستصحاب عدم الجعل عدم المجعول؟ و-بلغة التقريب الثاني- أنه باستصحاب عدم العروض نثبت عدم الاتّصاف. فلتسقط هذه الفرضية.
الفرضية الأخرى: التي هي ظاهر كلام السيّد الأستاذ، وهي واقع المطلب، وهي أن منشأ التحميل العقلي نفس الجعل، وإنما قلت هو الواقع؛ لأننا لا نقرّ بوجود مجعول وراء الجعل، وليس هناك إلّا الجعل(1)، إذن فهو منشأ التحميل لا محالة.
بناءً عليه أيضاً لا معارضة لأجل أنه لا يجري إلّا استصحاب عدم الجعل دون استصحاب بقاء المجعول؛ لأن المجعول لا ينجّز ولا يعذّر على الفرض، والأصل العملي إنما يجري فيما إذا وقع عن صراط التنجيز والتعذير، وحيث انتفى ذلك لا يمكن جريانه، فأيضاً لا معارضة بين الاستصحابين، بل يجري أحدهما دون الآخر. فلتسقط هذه الفرضية أيضاً.
الفرضية الثالثة: أن يكون كلّ من الجعل والمجعول مناطاً في نفسه للتحميل، بناءً عليه يجري كِلا الاستصحابين، ولا معارضة بينهما أصلاً؛ لأن استصحاب عدم جعل النجاسة مؤمّن، وهو يؤمّن بمقدار ما ينفي لا أكثر، يعني يقول: من ناحية الجعل لا تنجيز، والمفروض أن مثبتاته ليست بحجّة، فهو لا ينفي المجعول، بل ينفي الجعل فقط ويقف عنده، فهو يؤمّن من ناحية ما
ــــــــــ[73]ــــــــــ
() مع تحقّق موضوعه خارجاً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ينفيه. فإذا لم يكن الجعل موجوداً فلعلّ المجعول موجود، والانفكاك بين الجعل والمجعول في عالم الواقع وإن كان مستحيلاً، ولكنّه في عالم التنجيز والتعبّد أمر ممكن، فإنه في مقام التعبّد قد يفكّك بين التلازمين.
واستصحاب المجعول ينجّزه ولا ينجّز الجعل.
فما ينجزه استصحاب المجعول لايؤمّن عنده استصحاب عدم الجعل، وما يؤمّن عند استصحاب عدم الجعل لا ينجّزه المجعول، فأيضاً لا تعارض.
فعلى جميع التقادير نحن لا نتصوّر المعارضة، بل إما أن يجري أحدهما فقط، أو كِلاهما يجري ولا معارضة في تمام الصور الأربعة التي قلناها(1).
هذا ما يرد ثانياً لو كان المبنى هو التقريب الأوّل ونحوه.
أن استصحاب بقاء المجعول بناءً على التقريب الأوّل والثاني لا يجري إلّا حين فعليّة الموضوع خارجاً(2)، كما قلنا. وبناءً عليه يمكن أن يسجّل الإشكال الأخير من الإشكالات التي نقلناها عن مجلس بحث السيّد الأستاذ عليه.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
() وهنا قلت له ما محصله: أنه فيما إذا كان مناط التنجيز والتعذير هو المجموع المركّب من الجعل والمجعول، فكيف يكون؟
قال: يؤخذ* حكمه مما قلناه.
* وهو أن استصحاب الجعل يجري؛ لأنه يكون نافياً لجزء الموضوع المركّب. وأما استصحاب المجعول فلا يجري، لأنه يكون مثبتاً لأحد الجزأين، وأما في أحد الجزأين له أثر. وأما المثبت لأحدهما فليس له أثر. (المُقرِّر).
(2) لا حين الاستنباط. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فإننا ذكرنا أن السيّد الأستاذ تعرّض لعدّة إشكالات على المعارضة ودفعها، وكان آخرها ما ذكرناه من أن استصحاب عدم جعل الحرمة لِما بعد زوال التغيّر يعارَض باستصحاب عدم جعل الإباحة لِما بعد زواله، لأننا نعلم إجمالاً، بأنه في الشريعة الإسلامية إما جعلت الحرمة لِما بعد زوال التغيّر، أو جعلت الإباحة له. فاستصحاب عدم جعل الحرمة يعارَض باستصحاب عدم جعل الإباحة، وبعد هذا يبقى استصحاب المجعول بلا معارض؛ لأن معارضه قد سقط بالمعارضة مع معارض آخر.
وذكرنا أن السيّد الأستاذ أفاد ثلاثة أجوبة على هذا الإشكال. وسنستعرض هذه الأجوبة، ونرى أنها هل هي تامّة أو لا، فإذا لم يكن شيء منها تامّاً ولو على مباني السيّد الأستاذ، يصبح هذا الإشكال أيضاً وارداً.
[الجواب الأول: سقوط الأصول الثلاثة ومناقشته]
الجواب الأوّل الذي أفاده السيّد الأستاذ: أنكم لم تصنعوا شيئاً غير أنكم أدخلتم إلى ميدان المعارضة عضواً جديداً، وهو يوجب سقوط الأصول الثلاثة جميعاً -استصحاب عدم جعل الحرمة لِما بعد زوال التغيّر، واستصحاب عدم جعل الإباحة له، واستصحاب بقاء المجعول الذي كان قبل التغيّر-، وليس أن اثنين من هذه الأصول يسقطان ويبقى الثالث بلا معارض، بل في الحقيقة كلّها تسقط بالمعارضة؛ لأن واحداً منها يعارض اثنين: فإن استصحاب عدم جعل
ــــــــــ[75]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الحرمة لِما بعد زوال التغيّر، يعارض من جانب استصحاب بقاء الحرمة المجعولة، ويعارض من جانب آخر استصحاب عدم جعل الإباحة. وكلّما تعارض الأصل الواحد مع أصلين سقط الجميع بالمعارضة، لا أنه هو يسقط مع أحد معارضيه، ويبقى المعارض الآخر سليماً(1).
*****
قلنا: إنه يمكن الجواب عليه وحاصل ما قلناه يرجع إلى أمرين:
الأمر الأول: هو التنبيه على أن زمان جريان استصحاب المجعول متأخّر في جملة من الأوقات عن زمان جريان استصحاب عدم الجعل؛ لِما أوضحناه سابقاً من أن فعليّة كلّ استصحاب وظرف جريانه هو ظرف فعليّة الحالة السابقة وفعليّة الشكّ في بقائها. وحينئذٍ فاستصحاب عدم الجعل تكون أركانه تامّة من حين التفات المجتهد إلى المطلب، وقبل أن يوجد ماء متغيّر خارجاً. وأما استصحاب بقاء المجعول فهو فرع فعليّة مجعول يشكّ في بقائه، وفعليّة المجعول فرع فعليّة الموضوع خارجاً. فالظرفان مترتّبان زماناً وليسا في عرض واحد.
الأمر الثاني: هو الالتفات إلى مبنى للسيد الأستاذ في مبحث العلم الإجمالي وتعارض الأصول.
وحاصله: أنه إذا تعارض أصلان في زمان، ثُمّ في الزمان الثاني وجد أصل آخر يعارض أحد ذينك الأصلين المتعارضين في الزمان السابق. يبني السيّد
ــــــــــ[76]ــــــــــ
() وهنا بدأ السيّد بمناقشة السيّد الأستاذ في جوابه هذا، وقد كرّر الجواب في المحاضرة الآتية، ومن هنا ننقلها منها؛ لأنه أكثر اختصاراً وأحسن ترتيباً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الأستاذ هنا على أن الأصلين يتعارضان ويتساقطان في الدرجة السابقة، ثُمّ تنتهي النوبة إلى الأصل اللّاحق بلا معارضة. ومثاله في ذلك البحث هو مسألة ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة، فيما لو علم إجمالاً حين الزوال بنجاسة أحد الماءين، تتعارض أصالة الطهارة في أحدهما بمثله في الآخر، ويتساقطان، ثُمّ حين الغروب لاقى ثوبه مع أحد الماءين، فهنا وُجد أصل جديد للطهارة في الثوب الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة.
هنا يقول: بأن الأصل يجري في الثوب بلا معارض؛ لأن الأصلين في الطرفين للعلم الإجمالي تعارضا في الزمان السابق وتساقطا، وحين ذاك لم تكن قد تمّت أركان أصالة الطهارة في الثوب، وحينما تمّت أركانها فيه لا يوجد معارض.
إذا التفتنا إلى مجموع هذين الأمرين فيمكن الجواب على إشكال المعارضة بين الاستصحابات الثلاثة.
وذلك بأن يقال: إنه ثبت في الأمر الأوّل أن ظرف استصحاب عدم جعل الحرمة مع ظرف استصحاب عدم جعل الإباحة، هو أوّل أزمنة التفات(1) المجتهد، وظرف جريان استصحاب المجعول هو ظرف متأخّر عن ذلك وبعد أن يوجد ماء متغيّر في الخارج. ويفرض أن المجتهد لم يكن يعلم من أوّل الأمر أصلاً بأن الموضوع المجعول سوف يتحقّق(2) ويدخل في محلّ ابتلائه. وحينئذٍ
ــــــــــ[77]ــــــــــ
() لأنهما استصحابان ناظران إلى عالم الجعل. (المُقرِّر).
(2) افرضوا أن المجتهد لا يعلم بأن الماء المتغيّر سوف يوجد أصلاً، وإلّا لو كان يعلم لكان من العلم الإجمالي التدريجي حينئذٍ. وهذا وإن كان في الماء المتغيّر غير متصوّر، ولكنّه متصوّر بالنسبة إلى موضوع بعيد التحقّق في محلّ الابتلاء. (المحاضرة السابقة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فنطبّق عليه المبنى الذي ذكرناه في الأمر الثاني، وذلك أنه يتعارض الاستصحابان الراجعان إلى عالم الجعل في الزمان الأوّل، ولا يسقط معهما استصحاب المجعول بالمعارضة؛ لأن هذا الاستصحاب حينما تعارض الاستصحابان لم تكن قد تمّت أركانه، وحينما تمّت أركانه كان قد تساقط الاستصحابان بالمعارضة. -عين ما يقال في الملاقى- إذن فينبغي أن يقال بجريان استصحاب المجعول بلا معارض. وبذلك يصبح الجواب الأوّل عن الإشكال غير تامّ.
الجواب الثاني: [إنكار المعارضة]
الذي أفاده السيّد الأستاذ: حاصله إنكار المعارضة بين استصحاب عدم جعل الحرمة واستصحاب عدم جعل الإباحة، فليجريا معاً بلا لزوم محذور.
وكان يقول في توضيح ذلك: إن المعارضة بين أصلين تقوّم على أساس أحد ملاكين:
أحدهما: أن يكون أحد الأصلين منجّزاً لشيء، والآخر معذّراً في نفس محطّ التنجيز، فتقع المعارضة بينهما؛ لاستحالة التنجيز والتعذير معاً. كما في الاستصحاب في مورد توارد الحالتين، فيستحيل جريان الاستصحابين.
ثانيهما: أن يكون جريانهما معاً مؤدّياً للمخالفة العمليّة القطعيّة لتكليف
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
معلوم بالإجمال، من قبيل أن تجري البراءة عن وجوب صلاة الجمعة وعن وجوب صلاة الظهر، مع العلم الإجمالي بأن أحدهما واجب.
وكِلا الملاكين غير موجود في المقام:
أما الملاك الأول: فهو غير موجود؛ لأن استصحاب عدم جعل الحرمة معذّر عن الحرمة، ولكن استصحاب عدم جعل الإباحة -الذي تجعلونه معارض- ليس منجّزاً حتّى يصادق في التنجيز والتعذير. فإن مجرّد نفي الإباحة لا ينجّز شيئاً، فإن ما ينجّز يثبت الحرمة، فإن العقل لا يحكم علينا باجتناب كلّ ما لا يكون محكوماً عليه بالإباحة، وإنما يحكم علينا باجتناب ما يكون حراماً، فاستصحاب عدم جعل الإباحة لا يكون منجّزاً؛ لأنه لا يثبت الحرمة إلّا بناءً على الأصل المثبت، ونفي الإباحة لا يكون منجّزاً حتّى يلزم التعارض بين الاستصحابين في التنجيز والتعذير.
وأما الملاك الثاني: وهو أن يكون جريان الاستصحابين معاً مؤدّياً إلى المخالفة القطعيّة لعلم إجمالي بالتكليف. فأيضاً غير موجود، فإن جريانهما وإن كان يؤدّي إلى مخالفة العلم الإجمالي، فإن الشارع إما أنه جعل الحرمة أو جعل الإباحة؛ لأن الوقائع لا تخلو من حكم. لكنّ هذا العلم ليس علماً بالتكليف على كلّ تقدير، فإنه علم إما بالحرمة أو بالإباحة، يعني علماً بالحكم المردّد بين الإلزام والرخصة، ومثله لا يكون قابلاً للمنجّزية، فلا بأس بجريان الأصول في أطرافه وإن أدّى إلى مخالفته، فإنها مجرّد مخالفة التزامية، وهي لا بأس بها.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[مناقشة الجواب الثاني]
هذا الجواب أيضاً يمكن الدغدغة فيه، بعد استذكار مبنىً للسيد الأستاذ أيضاً.
وحاصله: أن السيّد الأستاذ يقول بأن المجعول في دليل الاستصحاب هو الطريقية والعلمية، كما هو المجعول في أدلّة الأمارات عند المرزا. ويقول: بأن أدلّة الحجّية التي يكون لسانها جعل الطريقية توجب تنزيل الحجّة الأمارية أو الاستصحابية منزلة القطع الطريقي والموضوعي معاً، فيترتّب على الاستصحاب تمام آثار القطع الطريقي وتمام آثار القطع الموضوعي.
وبناءً على ذلك يقول: إن الاستصحاب والأمارة يوجب جواز الإفتاء بمضمونها، بمعنى جواز نسبة مضمونها الواقعي إلى الله تعالى، فلو دلّت صحيحة زرارة على وجوب صلاة الجمعة، أو جرى استصحاب وجوبها، يجوز للمجتهد أن يفتى بالوجوب الواقعي لصلاة الجمعة؛ لأنه هو -بالتعبّد- عالم بوجوب صلاة الجمعة. وبذلك صحّح إجراء المجتهد للاستصحاب في أحكام لا ترتبط به، كأحكام الحائض والمستحاضة؛ لأن أثره العملي بالنسبة إليه جواز الإفتاء. هذا هو المبنى.
فإذا استذكرنا هذا المبنى يمكن أن نقول: بأن استصحاب عدم جعل الحرمة مع استصحاب عدم جعل الإباحة يتعارضان؛ لأنهما باجتماعهما يؤدّيان إلى جواز الإفتاء بكِلا المضمونين، يعني يؤدّيان إلى جواز نسبة عدم الحرمة واقعاً، ونسبة عدم الإباحة إليه واقعاً، يعني لم تصدر حرمة في الواقع ولا إباحة
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
كذلك. وهذا يخالف مع العلم الإجمالي بحرمة الإفتاء بأحد الحدّين؛ لأن أحدهما على خلاف الواقع، فيكون جريان الاستصحابين يؤدّي إلى مخالفة قطعيّة عمليّة، لا لذاك العلم الإجمالي بالحرمة أو الإباحة، بل للعلم الإجمالي بحرمة الإفتاء لأحدهما، وجريانهما يؤدّي بجواز الإفتاء بكِلا الحدّين. فيكون هذا منافياً لعلم إجمالي بحرمته وإلزامه على كلّ تقدير، ومثل هذا العلم الإجمالي تتوفّر فيه شرائط التنجيز.
هذا الجواب يمكن أن يعترض عليه باعتراضين: أحدهما أتذكر أن السيّد الأستاذ هو الذي تفضّل به حينما عرضت هذا الجواب عليه، والآخر أنا الآن شاكّ هل كان منه أو لا؟
[الإعتراض الأول]
أحدهما: وهو الجواب الذي أنا شاكّ أنه منه أو لا.
هو أن يقال في المقام: إن هذا العلم الإجمالي لا يوجب تساقط هذين الأصلين بالترتيب المطلوب، وذلك لأن استصحاب عدم جعل الإباحة أثره جواز الإفتاء. واستصحاب عدم جعل الحرمة له أثران: جواز الإفتاء -عين الأثر الأوّل-، والآخر نفي الحرمة وإطلاق العنان في المشكوك الحرمة. فجواز الإفتاء أثر مشترك بين الاستصحابين، ونفي الحرمة أثر خاصّ باستصحاب عدم الحرمة، فيدور الأمر بين الأقلّ والأكثر، فالأثر المشترك معلوم السقوط على كلّ حال، والأثر الزائد غير معلوم السقوط. فيمكننا أن نقول: بأن التعارض يكون بين الاستصحابين بلحاظ الأثر المشترك، فيسقط كِلاهما
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بلحاظ الأثر المشترك. وأما الأثر الزائد لاستصحاب عدم جعل الحرمة فيجري بلا معارضة.
وهذا بحسب الحقيقة تطبيق لقاعدة من قواعد العلم الإجمالي عند المرزا تقول: متى ما كان هناك علم إجمالي، وكان هناك أثر مشترك بين الطرفين، وكان أحد الطرفين يختصّ بأثر زائد، فالعلم الإجمالي ينجّز من ناحية الأثر المشترك، وينفي الأثر الزائد بالأصول المؤمّنة(1).
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: إن الاستصحاب يمكن أن يُبعّض فيه، يعني يكون جارياً بلحاظ هذا الأثر دون ذاك.
حينئذٍ نقول: بأن الاستصحابين يتعارضان بلحاظ الأثر المشترك ويتساقطان بمقداره، ويبقى استصحاب عدم جعل الحرمة بلحاظ الأثر الزائد الذي يثبت له بلا معارض، فيجري هذا الاستصحاب بلحاظ ذاك الأثر، ويمكن التفكيك بين الآثار في جريان الاستصحاب.
إلّا أن هذه القاعدة المرزائية سبقت في بحث العلم الإجمالي، وقد برهنّا هناك على بطلانها. وإن المقام ليس من موارد الانحلال، فإن الأثر الزائد هنا بحسب الحقيقة هو أيضاً طرف للعلم الإجمالي، وليس المقام من قبيل الأقلّ والأكثر، بل هو من قبيل المتباينين؛ لأن قولنا هنا: إن جواز الإفتاء أثر مشترك، هذا اشتراك لفظي أو عنواني لا اشتراك حقيقي، وإلّا بحسب الحقيقة توجد عندنا ثلاثة آثار:
وهذا الواحد يعارض مع كلّ واحد من هذين الاثنين، وتفصيل الكلام في إبطال هذه القاعدة المرزائية في محلّه.
وقد قلت له بلحاظ ما قاله في المقام ما حاصله: أن استصحاب عدم جعل الحرمة حينئذٍ لا يكون معارضاً مع استصحاب بقاء المجعول إلّا أحياناً. وذلك: أنه بعد معارضته مع استصحاب عدم جعل الإباحة بلحاظ الأثر المشترك، أنتج حكماً لا تجوز الفتوى به، فغاية ما يمكن أن يقال في وقوعه طرفاً للمعارضة مع استصحاب المجعول هو ما إذا دخل المجعول في ابتلاء نفس المجتهد، دونما إذا دخل تحت ابتلاء مقلّديه.
فقال (سلّمه الله): نعم، كذلك.
أقول: ومن هنا يجري استصحاب المجعول للمقلّدين بلا معارض، مع غضّ النظر عن الإشكالات الأخرى. انتهى. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[الإعتراض الثاني: إشكال نقضي]
الإشكال الآخر: الذي أتذكر أن السيّد الأستاذ ذكره.
وحاصله: أنه نقض وليس حلّاً، وهو: أن مثل هذه المخالفات لا بأس بها، ولا تكون مانعة عن جريان الأصول، وإلّا(1) للزم سدّ باب الاجتهاد رأساً على كلّ فقيه ومجتهد، وذلك لأنه لا يوجد هناك -بحسب ما قال- فقيه ومجتهد بعد أن يستنبط تمام الأحكام من أوّل الطهارة إلى آخر رسالته العمليّة، ثُمّ يلتفت إلى استنباطاته، إلّا ويحصل له علم إجمالي قطعي، ولا أقلّ الاطمئنان بأن بعض هذه النسب وهذه الافتاءات غير مطابقة للواقع(2).
ــــــــــ[83]ــــــــــ
() لو كانت حرمة الإفتاء أثراً إلزامياً صالحاً لأن تتعارض الأصول من أجله، لوقع الإشكال بالنسبة إلى كلّ فقيه حينما يلاحظ مجموع فتاواه. (المُقرِّر).
(2) وينتج لو كانت حرمة الفتوى أثراً صالحاً للتنجيز: أنه يحرّم عليه الإفتاء بشيء من فتاواه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
لا أنه يحصل له علم إجمالي بأن هناك خللاً في عمليّة الاستنباط نفسها: بأن بعض ما تخيّله ظهورا ليس بظهور وبعض ما تخيّله أصلاً ليس بأصل. بل هو يعلم في كلّ مورد أنه مشى حسب الصناعة الحقّة، ولكنّه يعلم أن هذه الصناعة في بعض الموارد كانت على خلاف الواقع، ولا يحتمل أنه في تمام هذه الرسالة العمليّة كان مطابقاً للواقع، مع أنه يفتي بالواقع بلا إشكال بذلك. هذا هو الجواب الثاني(1).
[مناقشة الإعتراض الثاني]
فحاصل هذا الإشكال(2) النقضي للسيد الأستاذ هو أن حرمة الإفتاء إن قلتم: إنها أثر إلزامي صالح لأن يتنجّز العلم الإجمالي بلحاظه، وتتساقط الأصول بلحاظها، إذن فيجب أن تلتزموا بأن كلّ فقيه سوف يبتلى في نهاية استنباطاته بعلم إجمالي منجّز، وتتعارض الأصول في الأطراف بلحاظه. وإن التزمت بأن العلم الإجمالي لا يتنجّز بلحاظ حرمة الإفتاء فقط، وإنما يتنجّز بلحاظ الآثار العمليّة دون حرمة الإفتاء، فإنها لا تصلح أن تكون سبباً لتنجّز العلم الإجمالي. إذن فيبطل كلامكم هنا حينما أردتم أن تشكّلوا علماً إجمالياً منجّزاً بلحاظ حرمة الإفتاء، وتوقعوا المعارضة بين الاستصحابين بلحاظها.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
() أقول: وقد أجاب السيّد عن هذا الإشكال في المحاضرة التالية، فننقله منها ونطبّقه على كلام هذه المحاضرة. (المُقرِّر).
(2) لخصّ أولاً جملة مما سبق، إلى أن ذكر الإشكال الأخير وقال: فحاصل هذا الإشكال. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
والتحقيق في جواب ذلك: هو أن المراد من العلم حين يقال: إن كلّ فقيه يحصل له في نهاية استنباطاته العلم بأن بعض فتاواه مخالف للواقع. ما المراد بالعلم هنا؟ هل المراد به العلم العادي الذي يسمّى بالاصطلاح بالاطمئنان، أو العلم الدقّي العقلي الذي ليس معه احتمال أصلاً؟ والسيد الأستاذ في تعبيراته كان يقول: العلم على الأقلّ الاطمئنان، فنحن نشقّق بهذا اللحاظ.
فإن أردتم العلم العادي فيرد على النقض:
أولاً: أن هذا العلم العادي لو انحصر أثره الإلزامي في حرمة الإفتاء فقط، ولم يكن له أثر آخر، فنلتزم بأنه منجّز على كلّ فقيه لو وجد له، ولا يلزم منه محذور. فإن غاية ما يلزم منه أنه يتنجّز على كلّ فقيه حرمة نسبة مضمون الفتوى إلى الشارع واقعاً، وأن يقولوا: إن الشارع حكم واقعاً بمؤدّى الأمارة أو الأصل؛ لأنه يعلم أن بعض مضامين الحج ليست واقعيّة. ولكن هذا لا يعني سدّ باب الإفتاء، فإنه يفتي بنفس الحجّية والحكم الظاهري. وهو لا بأس(1) به؛ لأن المفروض أنه لا يحتمل اشتباهه في عمليّة الاستنباط، يعني اشتباهه في الحكم الظاهري أو يطمئن بأن الحكم الواقعي ليس على طبق ما استنبطه من أحكام ظاهرية، فهو يسدّ عليه الإفتاء بعنوان الواقع، وهو لا بأس به.
وأما ثانياً: فلأن هذا العلم العادي الموجود عند كلّ فقيه بأن بعض مضامين فتاواه على خلاف الواقع، لا ينحصر أثره اللزومي في حرمة الإفتاء،
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() كما هو الواقع، فإننا نعتقد بأن المجتهد لا يفتي بالحكم الواقعي، بل بالحكم الظاهري، فهذا ليس محذوراً وتالياً باطلاً كما قال: (المحاضرة السابقة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
حتّى تأتوا به على نقض علينا، وتقولوا: إن حرمة الإفتاء لو كانت تصلح للتنجيز لنجّزت هذا العلم. بل إن هذا العلم له آثار لزومية عمليّة أيضاً، وحينئذٍ فيكون منجّزاً لا محالة، باعتبار الآثار الأخرى، فلا بُدّ من الاعتراف أنه في نفس العلم خصوصية ذاتية تمنع عن التنجيز بأن حرمة الإفتاء لا تصلح للتنجّز، فلو لم يكن في نفس العلم قصور عن المنجّزية لكان من اللازم الالتزام بمنجّزيته، وحينئذٍ ينسدّ على كلّ فقيه باب الاستنباط.
وأما هذه الآثار الأخرى فهي ما قلنا سابقاً.
وحاصله: أن هذا العلم العادي الذي يُدّعي في المقام بأن بعض مضامين الفتاوى على خلاف الواقع، هل دائرته في خصوص فتاوى الإلزام، أو في خصوص فتاوى الترخيص، أو في الجامع بينهما؟
فإن كانت دائرته في خصوص فتاوى الإلزام، يعني يعلم علماً عادياً بأن بعض فتاوى الإلزام على خلاف الواقع، ومستند فتاوى الإلزام بعد إسقاط الاستصحاب في الشبهة الحكمية -لأننا نتكلّم في فقيه لا يجريه-: إما الروايات الخاصّة، أو الإطلاقات، أو العمومات يعني الأدلّة الاجتهادية، وحينئذٍ فمعنى هذا العلم هو العلم الإجمالي بأن بعض الأدلّة الاجتهادية كاذبة، فيحصل التكاذب بين نفس هذه الأمارات، وكلّ واحد يدلّ بالالتزام على الكذب في الباقي فتتساقط بالتعارض، وبذلك يمتنع على الفقيه أن يفتى بمضامين العمومات والمطلقات والأخبار الخاصّة، بل لا بُدّ له أن يطبّق قواعد باب التعارض حينئذٍ.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ولو كانت دائرته في الأحكام الترخيصية فقط، يعني يعلم علماً عادياً بحكم إلزامية في دائرة الأحكام الترخيصية، فهذا علم إجمالي بالتكليف الإلزامي في بعض الشبهات البدوية. فأيضاً تتعارض الأصول العمليّة المؤمّنة في أطراف هذا العلم الإجمالي وتتساقط(1)، وبعد هذا يمتنع على الفقيه الإفتاء بالرخصة والإباحة في هذه الموارد. ولو فرض أن دائرة العلم الإجمالي تشمل الأحكام الإلزامية والترخيصية معاً، وأن بعض الفتاوى على خلاف الواقع إما في باب الالتزامات أو الترخيصات، حينئذٍ: تدلّ الأدلّة الاجتهادية الدالّة على الأحكام الإلزامية -بنفسها تدلّ- بالالتزام على أن الخطأ ليس فيها، بل هو في دائرة الترخيصات الظاهرية، فأيضاً نعود إلى علم إجمالي -ولو تعبّدياً- بأن هناك حكماً إلزامياً في دائرة الترخيصات الظاهرية(2)، فيكون منجّزاً لا محالة.
فلو حسبنا علم هذا العلم العادي بالدقّة لا ينحصر أثره إلزامياً فقط في حرمة الإفتاء، بل له آثار أخرى لزومية عمليّة، ولو كان ينجّز بلحاظها لانسدّ باب الاستنباط. فلا بُدّ أن نعرف إجمالاً أن هذا العلم العادي فيه عيب وقصور في عالم التنجيز.
وأما ثالثاً: فبإبراز هذا العيب المستتر، الذي قلنا: إنه في نفس هذا العلم الذي يجعله غير صالح للتنجيز.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
() ولا بُدّ من إعمال قواعد باب التعارض (المحاضرة السابقة). (المُقرِّر).
(2) فتتعارض الأصول المؤمّنة وتتساقط. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذا العيب هو: أن هذا العلم كما قلنا هو العلم العادي، الذي هو عبارة أخرى عن الاطمئنان، وهذا الاطمئنان وإن كان موجوداً بالنسبة إلى كثير من الموارد، إلّا أنه إنما يحصل بسبب تجمّع الاحتمالات وتراكمهما، من باب أن الفقيه يحتمل في كلّ مسألة يفتى بها بالمائة عشرين أنه على خطأ في الواقع، فيكون احتمال الخطأ في واحد منها فقط أكبر بكثير من عشرين بالمائة؛ لأنه يكون بجمع هذه الاحتمالات. فحينما يفتى الفقيه في ثلاثة آلاف مسألة، ويحصل عنده ثلاثة آلاف احتمال خطأ، ثُمّ يلتفت ويقول: احتمال أن يكون واحد منها على الأقلّ مخالف للواقع، احتمال كبير جداً قد يكون مظنوناً وقد يكون مطمأناً به، في بعض الأحيان.
إلّا أن هذا الاطمئنان من حيث إنه اطمئنان من تجمّع الاحتمالات، فهو لا يكون حجّة؛ لأن حجّية الاطمئنان إنما هي بالسيرة العقلائية، وهي إنما انعقدت على حجّية اطمئنانات تفصيلية أو شبه التفصيلية. أما مثل هذه الاطمئنانات التي تحصل من تجمّع الاحتمالات ليست حجّة بحسب السيرة العقلائية والارتكاز العقلائي، فدليل حجّية الاطمئنانات في نفسه قاصر عن الشمول لمثل هذه الاطمئنانات التي تنشأ من تجمّع الاحتمالات. ومعه لا يكون هذا حجّة، فإن العقلاء يعملون بأخبار الثقات جميعاً، حتّى لو تولّد عندهم ظنّ اطمئناني من باب تجميع القيم الاحتمالية الكثيرة. فإن أيّ واحد لو نظر إلى حياته الاعتيادية يقول: أنا في طيلة حياتي أسمع كثيراً من أخبار الثقات، واحتمال أن يكون خبر واحد منهم كذب احتمالاً مظنوناً بظنّ معتبر، ولكن مع
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هذا لا يتوقّف بحسب الخارج عن تصديق أيّ خبر ثقة يسمعه، ولا يوجب ذلك الاطمئنان تحرّجه عن تصديقها جميعاً.
فهذا كاشف عن أن حجّية الاطمئنان في المقام غير موجودة؛ لأن مدرك حجيّته هو السيرة العقلائية، وهي غير موجودة في أمثال المقام. هذا لو كان المراد العلم العادي.
وأما لو كان المراد من العلم الحدّي العقلي الذي لا يحتمل معه الخلاف:
فيأتي هنا الجواب الأوّل من الثلاثة التي تقدّمت، وهو أن هذا العلم الذي تدّعون حصوله لكلّ فقيه لو انحصر أثره الإلزامي في خصوص حرمة الإفتاء، فنلتزم بأنه منجّز، ويكون موجباً لامتناع الفقيه عن نسبة المضمون بصفته هو الواقع إلى المولى في تمام الأطراف. وهذا لا محذور فيه؛ لأنه لا يوجب سدّ باب رجوع الجاهل إلى العالم، لأن العالم يكفيه أن يفتي بالحكم الظاهري، ولا يلزم أن يفتي بعنوان الواقع، إذن فالنقض الذي أوردتموه علينا لا نعترف به. هذا أوّلاً.
وثانياً: يرد عليه إنكار الصغرى وأن هذا العلم غير موجود: أن يكون عند الشخص علم بأن بعض فتاواه على خلاف الواقع، مثل هذا العلم الإجمالي -في كثير من الموارد- لا يكون موجوداً؛ لأن منشأ هذا العلم -كما قلنا- ليس إلّا مسألة تجميع الاحتمالات، احتمال الخطأ في كلّ فتوى، حتّى يقوى احتمال الخطأ ولو في واحد، ولكن لا يحصل في جملة من الموارد العلم بذلك، لكن يبقى مظنوناً ولو بظنّ اطمئناني، ولا يكون معلوماً.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وذلك لأن هذا الفقيه لو فرض أنه كان معلوماً له وقوع الخطأ في بعض هذه الفتاوى، وكان العلم قد نشأ من تجميع الاحتمالات. وحيث إنه في كلّ مسألة يمكن أن يفتي بوجهين أو أكثر، فنفرض رسائل عمليّة كثيرة بعدد الصور الممكنة لحساب التبادل بين الفتاوى، بنحو بحيث يفرض أن أيّ تشكيلة محتملة للأحكام الشرعية موجودة في هذه الرسائل، فيعلم إجمالاً بأن حكم الله أو الشريعة الإسلامية هي واحد من هذه الرسائل، إما هي رسالته أو أيّ واحدة من الرسائل الأخرى، فلو فرضنا أن الفقيه يعلم بأن رسالته ليست هي حكم الله مائة بالمائة من باب تجميع الاحتمالات، فينبغي أن يعلم أن رسالة الآخر ليست هي حكم الله مائة بالمائة أيضاً؛ لأنها مثل رسالته، وهكذا الثالثة والرابعة إلى آخرها، مع أنه يعلم إجمالاً بأن واحداً من هذه الرسائل هي مطابقة مع الشريعة الإسلامية.
نعم، يمكن أن يفرض أن هناك أولوية لبعض الرسائل على بعض، بأن يفرض أن مدارك بعض الرسائل العمليّة موهومة وبعضها مداركها أقوى، لكنّنا نتكلّم في فقيه لا تكون مداركه من القسم الموهوم، فهذا الفقيه لا يمكن أن يحصل له العلم بأن رسالته ليست هي الشريعة الإسلامية، وإلّا فينبغي أن يحصل له العلم بأن أيّ رسالة أخرى -يعني أيّ صورة من الصور المتبادلة للفتاوى على كثرتها تصوّراً- ليست هي الشريعة الإسلامية. وهذا خلاف (نقيض) علمه بأن أحدها هو الشريعة، إذن فيستحيل أن يحصل عنده هذا
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
العلم الإجمالي -عند الفقيه- بأن رسالته غير مطابقة للشريعة مائة بالمئة(1)(2)، ولو يحتمله بشكل ضعيف.
*****
والذي ينبغي أن يقال في المقام(3): إن حرمة إسناد ما ليس للمولى إلى المولى يمكن تصويرها على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون موضوعها هو ما لا يكون للمولى واقعاً، فكلّ ما لا يكون له واقعاً يحرّم إسناده إليه. كما لعلّه هو الظاهر من بعض الروايات الدالّة على حرمة إدخال ما ليس من الدين في الدين. فكلّ ما يكون مخالفاً واقعاً مع الشريعة يحرّم إسناده إلى المولى، سواء كان المسند عالماً بهذه المخالفة أو لم يكن،
ــــــــــ[91]ــــــــــ
() وهنا قال في جواب على سؤال: أنا لم أنكر هذا العلم الإجمالي أصلاً، وإنما أنكرته بنحو الموجبة الجزئية، في فقيه يمارس عمليّة الاستنباط بنحو لا يبتلى في كثير من الأحيان بالفتوى على خلاف ظنّه.
(2) قلت له: فيما يخصّ ما قاله بأن الاطمئنان الإجمالي الناشئ من تجمع الاحتمالات ليس بحجّة السيرة العقلائية -قلت-: لو كان مناط حجّية الاطمئنان هو السيرة العقلائية فما قلتموه صحيح، ولكن لو كان مناط حجيّته هو العقل العملي، فهو لا يفرّق فيه بين موارد الاطمئنان بين أن يكون إجمالياً أو تفصيلياً.
فقال: لا يوجد عندنا هذا العقل العملي.
يقصد بأن العقل لا يحكم بذلك والله العالم، فتأمّل. (المُقرِّر).
(3) لخّص أولاً جملة مما سبق، وذكر: أننا تعرّضنا إلى ما ذكره السيّد الأستاذ مع مناقشاته، ثُمّ قال: والذي ينبغي أن يقال في المقام… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
أو كان عالماً بعدمها، غايته في ما إذا كان عالماً بعدمها يكون معذوراً، وإن كان حراماً.
النحو الثاني: أن يقال إن الحرمة متعلقّة لا بواقع ما ليس من الدين، بل بما يعلم أنه ليس من الدين. فلو فرض أن المكلّف كان يتخيّل أنه دين فأسنده إلى المولى وفي الواقع ليس ديناً، فلم يرتكب حراماً واقعياً أصلاً، بناءً على هذه الصيغة الثانية.
فإن استظهرنا من الأدلّة في الفقه الصيغة الأولى، فحينئذٍ يتمّ هذا الكلام الذي أجبنا به على إشكال السيّد الأستاذ.
وذلك: بأن يقال بأننا نعلم إجمالاً بأن أحد العدمين ليس من الدين: إما عدم الإباحة وإما عدم الحرمة، وحينئذٍ فيتشكّل علم إجمالي، بأنه: إما إسناد عدم الإباحة إلى المولى حرام، أو إسناد عدم جعل الحرمة إليه حرام؛ لأنه ليس من الدين، وهو علم إجمالي منجّز.
ويتشكّل عندنا علم إجمالي آخر إلى جانبه: بأنه إما إسناد عدم الإباحة حرام، وإما أن ذلك الفعل الذي نستصحب عدم جعل الحرمة له -كشرب الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره- حرام. فإن استصحاب عدم جعل الإباحة له أثر واحد وهو جواز الإسناد، وأما استصحاب عدم جعل الحرمة فله أثران: جواز الإسناد، وجواز شرب الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، وبلحاظ كلٍّ من الأمرين عندنا علم إجمالي، أحد العلمين: أنه إما يحرّم إسناد عدم الإباحة إلى المولى، أو يحرّم إسناد عدم الحرمة إليه؛ لأن أحدهما ليس من الدين. ثاني العلمين: أنه إما يحرّم عدم
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الإباحة إلى المولى، وإما يحرّم شرب الماء المتغيّر. فاستصحاب عدم جعل الحرمة للماء المتغيّر يكون معارضاً مع استصحاب عدم جعل الإباحة لا محالة.
وبتعبير آخر: إن الشارع إما أن يحكم بالإباحة أو بالحرمة، فإن الواقع لا يخلو من أحد هذين الأمرين، فإن كان قد حكم بالإباحة، إذن يحرّم إسناد عدم الإباحة إلى المولى. وإن كان قد حكم بالحرمة، فيحرّم إسناد عدم الحرمة إلى المولى، ويحرّم شرب الماء المتغيّر. فإما حرمة أو حرمتان، وهذا معنى أنه يتشكّل علمان إجماليان. وكِلا العلمين منجّز، فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان.
هذا إذا كان موضوع الحرمة هو إسناد ما ليس من الدين واقعاً إلى الدين، يكون كِلا العلمين الإجماليين منجّزاً.
وأما إذا كان موضوع الحرمة هو عبارة عن إسناد ما يعلم إنه ليس من الدين إلى الله، لا واقعه. فهنا لا يتشكّل عندنا علم إجمالي بأنه إما يحرم إسناد عدم الإباحة أو إسناد عدم الحرمة إلى المولى؛ لأنه لا عدم الإباحة يعلم أنه ليس من الدين ولا عدم الحرمة. نعم، يعلم أن مجموع العدمين ليس من الدين، ولكن لا أحدهما بخصوصه. فلا يوجد علم إجمالي بحرمة إسناد إما عدم الإباحة أو عدم الحرمة إلى المولى، ولا علم إجمالي بأنه إما إسناد عن الإباحة حرام أو شرب الماء المتغيّر حرام. وهما العلمان اللذان كانا موجودين بناءً على الصيغة الأولى لموضوع الحرمة؛ لأن إسناد عدم الإباحة إلى المولى لا يعقل أن يقع طرفاً لعلمين إجماليين -كما كان بناءً على الصيغة الأولى- إذ لا يحتمل أنه حرام؛ لأن الحرام هو ما يعلم أنه ليس من الدين، وعدم الإباحة لا يعلم أنه ليس منه. نعم، يعلم أن مجموع العدمين ليس من الدين، فيعلم بحرمة إسناد المجموع.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وحينئذٍ فيتعارض استصحاب عدم جعل الحرمة مع استصحاب عدم جعل الإباحة بلحاظ جواز الإسناد؛ لأن كُلّاً منهما لو جرى مع الآخر بهذا اللحاظ، للزم جواز كِلا الإسنادين، مع أن مجموع الإسنادين حرام بلا إشكال؛ لأنه يعلم أنه ليس من الدين. ولكن يبقى هناك كلام واحد، وهو أن استصحاب عدم جعل الحرمة وإن تعارض مع استصحاب عدم جعل الإباحة بلحاظ جواز الإسناد، ولكن لماذا لا يجري بلحاظ أثر آخر وهو جواز شرب الماء المتغيّر، فإنه بهذا اللحاظ لا معارض له؛ لأنه لم يتشكّل على هذه الصيغة علمان إجماليان، كما كان يتشكّل على الصيغة الأولى؟
فلو بنى على أن جريان الأصل بلحاظ أثر دون أثر. والتفكيك من حيث الآثار، إذا كان أمراً عدمياً ومفهوماً من الأدلّة بنظر عرفي، لا بنظر لا يعتبر في باب الأدلّة فيمكن من أن يقال في المقام: بأن استصحاب عدم جعل الحرمة يسقط بلحاظ جواز الإسناد بالمعارضة مع استصحاب عدم جعل الإباحة. وأما بلحاظ الأثر الآخر وهو جواز شرب الماء المتغيّر فلا يتعارض مع شيء(1).
هذا حاصل الكلام في الجواب الثاني.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: حتى لو بنينا على أن التفكيك بين الأطراف ليس عرفياً، ففي مثل المورد وهو وجود أثرين أحدهما للعلم الموضوعي والآخر للعلم الطريقي. هنا لا ندري…
فأجاب: هذا كلام آخر. (المُقرِّر).
فصحّة هذا الاعتراض مبنية على تحقيق المسألة الفقهية لمعرفة أنه هل عندنا حرمة متعلّقة بواقع إسناد ما ليس من الدين أو لا؟
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الجواب الثالث: [استصحاب عدم جعل الإباحة غير جارٍ في نفسه]
الذي ذكر السيّد الأستاذ عن الإشكال: أنه قال: إن استصحاب عدم جعل الإباحة لا يجري في نفسه، حتّى تعارضوا به استصحاب عدم جعل الحرمة. وذلك: لأننا نعلم بأن المولى جعل الإباحة وذلك في صدر الشريعة الإسلامية، فإن النبي في أوّل نزول الوحي، كان قد أمضى ما عليه العقلاء، وأقرّهم على ما هم عليه ومن جملة ذلك: إباحة الأشياء، فإباحة شرب الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره جعلها الشارع يقيناً في اليوم الأوّل من البعثة؛ لأننا نعلم أنه لم يحرّمه منذ ذلك اليوم، وبعد هذا يشكّ في بقاء هذا الجعل وعدم بقائه، فكيف تجرون استصحاب عدم جعل الإباحة لشرب الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، مع العلم بهذا الجعل(1)؟
ــــــــــ[95]ــــــــــ
() وهنا قلت له: نحتمل وجوده في الشرائع السابقة.
فقال: الشرائع السابقة كلّها نسخت بمجرد نزول الوحي على رسول الله. ونحن لا نقول باستصحاب أحكام الشرائع السابقة.
وقد أشكلنا على السيّد الأستاذ حينما ذكر هذا: بأن هذا مرجعه بحسب الحقيقة إلى أننا نعلم بأن الشارع جعل الإباحة، ونشكّ في نسخها. وأنتم تقولون: بأنه في موارد الشكّ في النسخ يرجع بحسب الحقيقة إلى الشكّ في الجعل الزائد أيضاً -يعني يرجع إلى أنه هل جعل هذا الحكم في الزمان المتأخّر أو لا؟- ولهذا تقولون في موارد الشكّ في النسخ باستصحاب عدم الجعل الزائد. وحينئذٍ فيدور أمر الإباحة المجعولة بين أن تكون مجعولة في خصوص السنة الأولى أو في تمام الأزمنة وهذا مرجعه إلى الشكّ في الجعل الزائد.
فنحن حينما نريد أن نستصحب عدم جعل الإباحة لا نريد أن نستصحب أصل عدم=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ــــــــــ[96]ــــــــــ
=جعلها، بل نريد أن نستصحب عدم الجعل الزائد من الإباحة، يعني عدمها بلحاظ السنة الثانية، وهذا أمر مشكوك، وأنتم تستصحبون دائماً عدم الجعل في موارد الشكّ في النسخ، فلماذا لا يستصحب هنا عدم الجعل الزائد؛ لأن الشكّ في النسخ شكّ في الجعل الزائد دائماً؟
فأجاب السيّد الأستاذ: بأن استصحاب عدم جعل الحرمة هنا حاكم على استصحاب عدم جعل الإباحة -الذي تقولونه-، وليسا متعارضين.
وتقريب الحكومة: أن الشارع في صدر الشريعة حين جعل إباحة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، وجعلها مغيّاة بالنجاسة والحرمة، بمعنى أنه قال: “كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي“*، “اسكتوا عمّا سكت الله عنه“*، يعني جعل إباحة حتى تأتي الحرمة.
ونحن نشكّ في بقاء الإباحة للشكّ في أن الحرمة هل أتت أو لا. فيكون استصحاب عدم الحرمة حاكماً على استصحاب عدم جعل الإباحة؛ لأن الحرمة جعلت غاية لجعل الإباحة، ومن المعلوم ان استصحاب عدم الغاية حاكم على استصحاب المغيّ. لأن الشكّ في بقاء المغيّ وهو الإباحة مسبب عن الشكّ في تحقّق الغاية وعدمها وهي أن يرد نهي فباستصحاب عدم جعل الحرمة يتنقح موضوع الإباحة، فلا يبقى معه مجال لاستصحاب عدم جعل الإباحة.
حينئذٍ اشكلنا عليه: بأنه يستحيل أن يفرض أن تكون الحرمة غاية للحليّة. فإن الحلّية والحرمة ضدّان، وقد برهن في بحث الضدّ تبعاً للسيد الأستاذ نفسه، على أن عدم أحد الضدّين لا يعقل أن يؤخذ في موضوع الضدّ الآخر، بلا فرق بين التشريعات والتكوينات. فكيف يعقل أن تكون الحرمة غاية للحليّة بأن يقول النبي: هذا حلال حتى يحرم أو طاهر حتى ينجس.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ــــــــــ[97]ــــــــــ
فأجاب: بأن الغاية هنا ليست هي الحرمة، بل هي إبراز الحرمة؛ لأن التعبير يقول: (حتى يرد فيه نهي) لا انه يقول: (حتى أحرمه)، والنهي عبارة أخرى عن الإبراز باللفظ، ولا مانع من أن يجعل إبراز أحد الضدّين غاية للضدّ الآخر وقيداً فيه. وبذلك تتمّ الحكومة.
وهذا هو الكلام النهائي للسيد الاستاذ، ويرد عليه أمور ثلاثة أوردناها عليه.
أحدها: إن هذا التحقيق معناه انه يجب على السيّد الأستاذ أن يرفع يده عن المعارضة في تمام الأحكام المطابقة مع الارتكازات العقلائية. ولا بُدّ أن يجري الاستصحاب في الشبهة الحكمية ولا يقول بالمعارضة. فلو أردنا أن نستصحب طهارة الماء حتى بعد ملاقان يد الكافر، لا يمكن أن يقال بأنه معارض مع استصحاب عدم جعل الطهارة، لأننا سلّمنا بأن الطهارة والأحكام الترخيصية كانت ثابتة في صدر الشريعة بنحو إمضائي مطابق مع الارتكازات العقلائية. فلا يمكن أن نجعل عدم الجعل الزائد لاستصحاب بقاء المجعول إلّا في أحكام على خلاف الطبع العقلائي. وأما في أحكام على طبق طبعهم، فلا يمكن أن نقول: إن استصحاب المجعول فيها يعارض باستصحاب عدم الجعل الزائد؛ لأن الجعل الزائد معلوم من أوّل الأمر.
فلو شككنا في معاملة عقلائية لازمة في نظرهم، في أنها هل تنفسخ بالفسخ شرعاً أو لا. فهنا يستصحب الآغايون بقاء الملكيّة إلى ما بعد الفسخ، وهذا استصحاب في الشبهة الحكمية. وشبهة المعارضة بينه وبين استصحاب بقاء المجعول، تقول: ان هذا الاستصحاب يعارض باستصحاب عدم جعل الملكيّة الزائدة لما بعد الفسخ.
وحينئذٍ نقول في مقام الجواب: بأنه لا يعارض؛ لأن الملكيّة حيث إنها كانت على طبق الارتكاز العقلائي، فالشارع -حدوثاً- قد جعل الملكيّة البيعية قبل الفسخ وبعده، إمضاء لما عليه الارتكاز العقلائي حتى يرد النسخ، فنستصحب عدم النسخ في المقام تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ــــــــــ[98]ــــــــــ
ويكون حاكماً على استصحاب عدم جعل الملكيّة الزائدة ولازم هذا إجراء الاستصحاب في تمام الأحكام الترخيصية والأحكام التي هي على طبق الارتكازات العقليّة. وانه لا معارضة فيها.
وقد عرضنا هذا على السيّد الأستاذ فأقرّه وأجرى تعديلاً في تفصيله وهو التفصيل بين الشبهات الحكمية وغيرها يقول مطلق، وأصبح تفصيلاً في نفس الشبهات الحكمية بين ما كان من قبيل الالزام والحرمة والنجاسة والوجوب، وبين ما كان من قبيل الترخيص والطهارة والملكيّة والزوجية فما كان من القسم الثاني اعترف بأن استصحاب المجعول يجري فيه بلا معارض.
قلت له: بخصوص ما ذكره من إقرار السيرة العقلائية في صدر الإسلام، نقاشاً لأصل الفكرة، وإذا تمّ الإيراد تقود شبهة المعارضة على حالها.
–قلت له*(1)-: إن عدم التشريع الذي كان في صدر الشريعة كان من باب اللااقتضاء، لأجل تعويد الناس على التشريع تدريجاً وعدم مجابهتهم بمجموع التشريعات دفعة واحدة. ولم يكن من باب الاقتضاء وإقرار السيرة العقلائية، فإن التشريع في ذلك الحين لم يكن كاملاً، ليقال بأن الشارع إذا سكت عن مورد من موارد السيرة فإنه يكون قد أقرّه. وإنما يصحّ لنا هذا القول بعد نهاية التشريع مع سكوت الشارع عمّا سكت عنه من موارد السيرة.
ونحن نشعر بالوجدان الفرق بين نسخ الحكم بعد تشريعه وجعله، وبين رفع الإباحة الأصلية بصدور التشريع أوّل الأمر، والقول بأن صدور الحكم نسخ للإباحة الأصلية السابقة عليه، يحتوي على كثير من التجوّز والمجاز.
فأجاب السيّد -ما حاصله-: الإصرار على الفكرة، وأن الصحابة كانوا يرتكبون كلّ شي=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ــــــــــ[99]ــــــــــ
=حتى يرد فيه نهي، فإذا نهاهم الرسول تركوه. فيأتي الإعرابي فيسأل النبي عن أحكامه التي يطلبها النبي منه، فيذكر له عدداً من الأحكام ويقول له: لا تسرف لا تزني لا تكذب ونحو ذلك، ويسكت عن باقي المحرمات، وهذا معناه حلّية الأمور الأخرى التي لم يذكرها.
أقول: ما ذكره السيّد وإن كان صحيحاً إلّا أنه لا يقوّم منه ما ذكرناه. فإن الأمور التي لم تكن قد شرّعت حرمتها بعدُ، كانت مباحة لا محالة، لا يعاقب مرتكبها، فلو شرب الفرد خمراً قبل تحريمها لم يكن عاصياً كما هو واضح، ولكنّها إباحة لا اقتضائية من باب أن الحكم لم يرد فيها وأن الشريعة لم تبلّغ إلّا من باب إقرار حليّتها الواقعية، ليكون تحريمها نسخاً لهذه الحلّية.
والأساس في ذلك هو ديدن النبي في كونه في مقام التشريع التدريجي، الأمر الذي كان واضحاً لدى الصحابة، وأن هناك أحكاماً لم تبلّغ بعدُ، وأن اللااقتضاء يتحوّل إلى الاقتضاء بالتدريج وبحسب المصلحة في التبليغ. وإنما يكون الحكم الإقراري للسيرة اقتضائياً عند تماميّة الشريعة، وانقطاع الوحي، أو بعبارة أخرى بعد انتهاء أمل هذا الديدن من النبي وانقضاء زمنه؛ لكي يكون السكوت إقراراً لا سكوتاً لا اقتضائياً.
ومن هنا لا ينعقد للأدلّة الواردة في ذلك الحين إطلاق بهذا الصدد، من قبيل الرواية التي ذكرها السيد في ذكر النبي المحرمات للإعرابي، ونحوها قوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ (الأنعام:145)، لا ينعقد لها إطلاق على حلّية ما لم يذكر فيها من المحرمات؛ لأن مثل هذه الأدلّة غاية ما تدلّ على أن الجعل كان في ذلك الحين مقتصراً على هذا المقدار، وهذا لا ينافي ورود التشريع المتجدّد بعد ذلك= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ــــــــــ[100]ــــــــــ
=على ما هو الواضح من ديدن النبي، وهذا الديدن يمنع عن أن تكون هذه الأدلّة في مقام بيان الحصر المطلق الشامل لجميع تشريعات الشريعة الإسلامية. ومعه لا تكون مقدّمات الحكمة تامّة؛ لكي ينعقد الإطلاق*(2) لمثل هذه الأدلّة.
نعم، لو كان النبي في مقام بيان مجموع الشريعة من أوّل الأمر، لا نعقد الإطلاقات لهذه الأدلّة من ناحية؛ باعتبارها في مقام البيان من هذه الناحية. ولاستفدنا إقرار السيرة العقلائية؛ باعتباره في مقام بيان التشريع الاقتضائي الكامل. إلّا أن هذا فرض لا واقع له، وإنما الواقع هو ديدن النبي على التشريع التدريجي كما قلنا.
فإن قيل: إن هذا يلزم منه بقاء المسلمون دون شريعة أو بتشريعات قليلة، حتى كمل التشريع الإسلامي، وهذا مما لا يمكن الالتزام به؛ لأنه على خلاف المقطوع به من كون الإسلام شريعة عادلة كاملة. على حين لو قلنا بإقرار السيرة العقلائية من أوّل الشريعة واقعاً، فتكون هناك أحكام إسلامية مستقاة من السيرة، فلا تعدم الملّة من الشريعة.
أقول: معنى كون الشريعة عادلة كاملة هو كونها وافية بحاجات البشرية كما يقتضيه العدل الصحيح، حسب ما تقتضيه المصلحة، فإذا اقتضت المصلحة خلاف ذلك لم يكن ذلك مخلّاً بالعدل ولا بالكمال، وذلك لعدة أمور:
أوّلاً: أن التشريع التدريجي كان ضرورياً في نصر الإسلام وتقدّمه، فإن النبي لو كان قد قدّم للناس تشريعات ضخمة كاملة لاستعظموها ولنفروا عن الدخول في الإسلام.
ثانياً: أن الشريعة الإسلامية كانت سادّة للحاجة من أوّل أمرها، فإن النبي بمجرّد استيلائه على الدولة كان يسدّ سائر الحاجات، ويجيب على سائر الأسئلة، مما لا تبقى معه ثغرة ناقصة، على أن مجتمع المدينة وما حوله كان مجتمعاً بدائياً يكفيه من التشريعات ما يبلّغه النبي تدريجاً. وأما المجتمعات الحضارية المعقّدة التي تحتاج إلى تشريعات= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ــــــــــ[101]ــــــــــ
=تفصيلية، فلم يصل إليها الإسلام إلّا بعد تماميّة الشريعة وانقطاع الوحي.
ثالثاً: أننا يمكن أن نزعم أن الشريعة كانت كاملة من أوّل الأمر لا بصفتها واصلة ومبلّغة، بل في علم الله تعالى، أو بتعبير آخر: إن ما يجب أن يتوفّر في الشريعة هو الكمال الاقتضائي وأقصد به قابليتها لحلّ أيّ مشكلة بشرية، وهذا ما كان متوفّراً فيها من أوّل الأمر. وهذا التعبير الثاني صحيح.
على أن الملّة إنما تبقى بلا شريعة على تقدير القول بنسخ الشريعة السماوية السابقة بمجرّد البعثة -على ما قاله السيد- وأما إذا قلنا بأن أحكامها تبقى سارية المفعول حتى يرد نسخها بالحكم الإسلامي، فإن الأمّة تكون لها الأحكام الكافية ويرتفع الإشكال موضوعاً.
أقول: وإذا لم تكن الإباحة الأصلية في صور الشريعة إقراراً لسيرة العقلاء، لم يجرِ استصحاب عدم جعل الحرمة أو استصحاب الإباحة أو الملكية ونحوه؛ لكونه مثبتاً، فإن مجرى الاستصحاب هو الإباحة الأصلية اللااقتضائية، فإثبات الحلّية المجعولة به لا يكون إلّا بالملازمة العقليّة. ومعه لا يكون هذا الاستصحاب معارضاً لاستصحاب عدم الجعل الزائد، فيجري هذا الاستصحاب في نفسه ويكون معارضاً لاستصحاب بقاء المجعول، كما قيل في أصل الشبهة، مع غض النظر عن أجوبة أخرى قيلت أو تقال. ومعه، لا يمكن جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، ولا يبقى وجه لرفع السيّد الأستاذ يده عن تفصيله الى تفصيل آخر، كما هو واضح للمتأمّل.
*(1) هذا كلّه نقل بالمضمون (المقرِّر).
*(2) وكيف يبني الصحابة على الإباحة الواقعة لكلّ ما لم يبلّغ مع أنهم يعلمون إجمالاً بأنه سوف ينزّل الالتزام في بعض موارده لا محالة؟! فتأمّل. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
كان حاصل الجواب الثالث للسيد الأستاذ على إشكال المعارضة، هو أن استصحاب عدم جعل الحرمة حاكم على استصحاب عدم جعل الإباحة(1).
وقلنا بالأمس: إن هذا الكلام إذا التزمنا به وقلنا إن تمام المرتكزات العقلائية أمضيت من قبل الشارع في صدر الإسلام بجعل مغيّ بثبوت النقيض(2) فتمام الملكيّات والزوجيّات والإباحات والطهارات جعلها ما لم ينسخ. فإذا قلنا بذلك فلا بُدّ في تمام موارد الشبهات الحكمية التي يكون المجعول فيها المشكوك بقاؤه من قبيل هذه المجعولات العقلائية، ينبغي أن يقال هنا بأن الاستصحاب يجري ولا معارضة؛ لأننا نستصحب عدم النسخ بعد معلومية جعل الملكيّة العقلائية في أوّل الأمر، ولا تكون هنا معارضة بالصيغة التي ذكرها بين استصحاب عدم الجعل واستصحاب بقاء المجعول، بل يجري بقاء المجعول بلا معارض فيما إذا كان المجعول من سنخ المجعولات العقلائية الإمضائية.
[مناقشة الجواب الثالث]
هذا ما قلناه آنفاً، والآن نضيف شيئاً جديداً، وحاصله: أننا لا نسلّم أن الشارع جعل الإباحة في صدر الإسلام بالنحو الذي قيل، فإننا وإن كنّا نسلّم أنه جعل الإباحة في صدر الإسلام إمضاء للمرتكزات العقلائية، لكن من قال بأن الإباحة المجعولة مجعولة بنحو يغيّا بورود الحرمة وجعلها، حتّى يصبح
ــــــــــ[102]ــــــــــ
() وهنا لخّصه كما سبق. (المُقرِّر).
(2) وهو النسخ وبيان الخلاف. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
استصحاب عدم جعلها حاكماً على استصحاب عدم جعل الإباحة. لعلّ الإباحة جعلت مغيّاة بلحظة زمنية، كما لو جعل الإباحة إلى السنة السابعة للهجرة أو إلى فتح مكّة، فلو كانت الإباحة المجعولة في صدر الإسلام مغيّاة بجعل الحرمة، لكان استصحاب عدم الحرمة حاكماً على استصحاب عدم جعل الإباحة؛ لأن الشكّ في إباحته يصير مسبّباً عن الشكّ في جعل الحرمة له، ولا تكون هناك معارضة بين الاستصحابين، وأما لو كانت الإباحة مغيّاة بغاية زمنية تكوينية، فحينئذٍ لا يكون الشكّ في بقاء الإباحة مسبّباً عن الشكّ في جعل الحرمة؛ لأن جعل الحرمة لا يكون بعنوانه غايةً للإباحة المجعولة حتّى يدّعى حكومة استصحاب عدم جعل الحرمة على استصحاب عدم جعل الإباحة، بل هنا لا يكون هناك حكومة لأحد الطرفين على الآخر، بل يتعارضان ويتساقطان؛ لأن الشكّ في أحدهما لم يكن سبباً عن الشكّ في الآخر.
فإذا عرفنا أن الإباحة إذا كانت مجعولة بالصيغة الأولى، يعني مغيّاة بالحرمة، فالحكومة التي ادّعاها السيّد الأستاذ تامّة، وإن كانت مجعولة بغاية زمنية فالحكومة غير تامّة، هذا بحسب مقام الثبوت. أما بحسب مقام الإثبات فهل هناك دليل على أن الإباحة مجعولة بالصيغة الأولى التي تتوقّف على إثباتها الحكومة؟ لا؛ لأن مدرك هذه الإباحة إن كان هو السيرة العقلائية وظهور حال الشارع في إمضائها، أو -بتعبير آخر- المدرك هو السكوت وعدم ردع الشارع للعقلاء، فهذا المدرك مجمل الوجه، فإنه غاية ما يدلّ عليه أن المولى أباح هذا المطلب ولو من باب الضرورة، وأما أن هذه الإباحة مغياة بجعل الحرمة أو بمجيء الزمان المعيّن عند الله، فهذا لا يمكن تعيينه من ناحية السكوت.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وإن كان المدرك لدعوى الإباحة في السيرة الأولى هو قوله: “كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه النهي” كما وقع في لسان السيّد الأستاذ ضمناً. فيرد عليه:
أوّلاً: أن الرواية ضعيفة السند، فإنها مرسلة (الفقيه) عن الإمام الصادق، فهي من أضعف أنحاء الروايات، ولا يمكن الاعتماد عليها في مقام إثبات المطلب.
ثانياً: أنه تقدّم في بحث البراءة بأن الإطلاق في قوله: “كلّ شيء مطلق…“، أريد به الإباحة والحلّية الظاهرية لا الواقعيّة، بمعنى أن الشارع جعل كلّ شيء حلالاً واقعاً حتّى تجيء الحرمة، بل جعل كلّ شيء حلالاً ظاهراً ما لم يعلم بالحرمة، فهي حلّية ظاهرية على مستوى أصالة البراءة وأصالة الحلّ، وليست حلّية واقعيّة على ما هو محلّ الكلام في المقام.
وقد ذكرنا لإثبات هذا: أننا استظهرنا من الورود الوصول والعلم لا الصدور، يعني (كلّ شيء مطلق حتّى يصل فيه نهي)، فكأنّه أخذ في موضوع هذه الإباحة عدم الوصول لا عدم الصدور، والإباحة التي يؤخذ في موضوعها عدم الوصول هي إباحة ظاهرية؛ لأن موضوعها الشكّ.
ثالثاً: أن هذا النصّ مرسل عن الإمام الصادق لا عن رسول الله، ولا يحتمل أن يكون نظر الإمام الصادق في هذه الرواية إلى تلك الحلّيات التي هي في أوّل أزمنة التشريع، لأنه في زمان هذا الإمام كان قد تمّ التشريع من جميع الجهات، ومثل هذه الحلّية التي يدّعيها السيّد الأستاذ ينبغي أن تكون مجعولة في خطاب نبوي لا في خطاب للإمام الصادق. فصدوره منه قرينة
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
على أن المجعول فيها ليست هي الحلّية التي هي محلّ الكلام بيننا وبين السيّد الأستاذ، وإنما هي عليّة ظاهرية.
وإن كان المدرك في هذه الحلّية: هو حديث: “اسكتوا عمّا سكت الله عنه… إن الله سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسايناً فلا تتكلّفوها“، فهذا يرد عليه:
أوّلاً: أنها ضعيفة السند، فإنها مرسلة (الفقيه) عن أمير المؤمنين، وموجودة أيضاً -بوجود مرسل- في (نهج البلاغة). إذن فهي ساقطة عن الحجّية.
وثانياً: أيّ ربط لهذا العبارة بالحليّة، فإنها تريد أن تقول: (لا تكونوا فضوليين، ولا تسألوا عن أشياء لم تقتضِ المصلحة أن تبيّن لكم). فهي نهي عن السؤال، وأي ربط لهذا بالحلّية وعدمها؟ لا تسألوا بل ارجعوا إلى القواعد التي بأيديكم، وأما أن هذه القواعد ماذا تقتضي؟ هل تقتضي الحلّية أو لا؟ فهذا لا بُدّ في فهمه من الرجوع إلى هذه القواعد.
إذن فهذه الصيغة التي هي أساس الحكومة، مما لا دليل عليها أصلاً، يعني أن يفرض إباحة مجعولة حتّى تجعل الحرمة حتّى تتمّ الحكومة، فلا حكومة. وإذا لم يكن هناك حكومة فسوف يعود التعارض على حاله بين استصحاب عدم جعل الحرمة واستصحاب عدم جعل الإباحة.
هذا تمام الكلام في مناقشة أطروحة المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب بقاء الجعل.
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذه الكلمات الأخيرة التي اشتغلنا بها كلّها كانت مبنيّة على المباني غير المقبولة عندنا، يعني على التقريب الأوّل والثاني. ومهمّ الكلام -الصحيح مبنىً وبناءً عندنا- هو كلامنا الأوّل الذي قلناه في أوّل مناقشة المعارضة، من أن استصحاب المجعول لا يمكن تصويره إلّا بالتقريب الثالث الذي تقدّم، بأن يقال: بأن الجعل ينظر إليه بلحاظ الحمل الأوّلي لا بلحاظ الحمل الشايع، ومعه لا يرى إلّا الحدوث والبقاء، ويكون الشكّ متمحّضاً في البقاء ولا شكّ في الحدوث. وحينئذٍ فيجري استصحاب بقاء المجعول، ولا يجري استصحاب عدم الجعل.
وقد قلنا إن الإنسان إما أن يلبس نظّارة الحمل الأوّلي، فلا يكون لديه شكّ في الحدوث أصلاً، بل لديه شكّ في البقاء فلا يجري إلّا استصحاب المجعول. وإن لبس نظارة الحمل الشايع، فليس أمامه إلّا الشكّ في الحدوث دون الشكّ في البقاء، فلا يجري إلّا استصحاب عدم الجعل الزائد، وفرض المعارضة بين الاستصحابين هو فرض استعمال كِلتا النظّارتين، وهذا غير معقول، هذا هو جوهر مناقشة المعارضة. وأما بقية المناقشات فأكثرها كانت مبنائية.
وإلى هنا اتّضح أن الاستصحاب يجري في الشبهات الحكمية. بقي علينا في خاتمة هذا التفصيل أن نتعرّض لعدّة نكات نجعلها تنبيهات لهذا التفصيل.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
إننا ذكرنا أن هذا التفصيل الذي صدر من السيّد الأستاذ مرّ بعدّة تطورات؛ لأنه أوّلاً صدر بصيغة التفصيل بين الحكم والموضوع، وأن الاستصحاب في الحكم لا يجري سواء كان حكماً كلّياً أو جزئياً -كما في استصحاب الحكم في الشبهات الموضوعية- وإنما يجري فقط استصحاب الموضوع، كاستصحاب عدم ملاقاة النجاسة أو استصحاب عدم الغسل بالماء.
هكذا كان يقول، بدعوى: أن المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد، كما يمكن تصويرها في باب الأحكام الكلّية، يمكن تصويرها في باب الأحكام الجزئية. فإن هذا الثوب النجس الذي نشكّ أنه غسل بالماء أو لا، نشكّ في أن نجاسته باقية أو لا، ومعناه الشكّ في سعة دائرة الجعل؛ لأن نجاسته لو كانت باقية، فهي مسببة عن زيادة مجعول المولى، إذن فنحن نشكّ في زيادة مجعول المولى وقلّته، وهذا مرجعه إلى الشكّ في زيادة الجعل وقلّته، فيجري -معارضاً لاستصحاب بقاء النجاسة –استصحاب عدم النجاسة الزائدة.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
نعم، هذه المعارضة في الشبهات الموضوعية، غير مهمّة؛ لأننا هنا لا نجري استصحاب الحكم، بل دائماً أو غالباً يوجد استصحاب حاكم عليه وهو استصحاب الموضوع، وهو استصحاب عدم غسله بالماء في المثال. فمن هنا لا يبدوا لإشكال المعارضة أثر مهمّ في موارد الشبهات الموضوعية، ولكنّ المعارضة على أيّ حال موجودة من الناحية النظرية.
وكنّا نورد عليه: بأن هذا خلاف مورد روايات الاستصحاب؛ لأن الإمام لم يعترف بهذه المعارضة حينما أجرى استصحاب الطهارة في صحيحة زرارة الأولى وصحيحته الثانية، وقال: “لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت، وليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ” ولو كان الإمام يريد أن يجري على طبق قانون المعارضة لكان ينبغي أن يتمسّك بالاستصحاب الموضوعي، وهو استصحاب عدم النوم وعدم الملاقاة مع الدم، مع أن ظاهر الدليل أنه أجرى الاستصحاب الحكمي لا الموضوعي. فقد طبّق الاستصحاب من نفس مشرعّه على الحكم في هاتين الروايتين، وهذا شاهد على عدم المعارضة.
ولا يقال: بأن الطهارة من الأحكام التي قبلنا أخيراً أنه لا معارضة فيها؛ لأننا قلنا إنها من الأحكام الترخيصية، وهذه الأحكام قد قبل السيّد الأستاذ أخيراً أن استصحاب المجعول فيها لا يعارض باستصحاب عدم الجعل.
لأنه يُقال: إن هذا لو تمّ في الطهارة الخبثية، باعتبارها من الأمور المركوزة في الأذهان العقلائية فإنه لا يتمّ في الطهارة الحدثية؛ لأنها ليست من الاعتبارت العقلائية أصلاً، فهي ليست من المجعولات الإمضائية حتّى يدخل في باب
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الاستثناء. إذن فيكون تطبيق الإمام شاهداً على أنه لا معارضة إما مطلقاً أو على الأقلّ في الشبهات الموضوعية بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل.
*****
وكان يجاب على هذا الإشكال(1): بأن هذا التطبيق من قبل الإمام لا بُدّ من تأويله بشكل من الإشكال، بناءً على المباني المشهورة التي تلتزم بأن الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي، وأن الاستصحاب الموضوعي يرفع موضوع الاستصحاب الحكمي. فتطبيق الإمام دليل الاستصحاب على الاستصحاب الحكمي مبني على نوع من المسامحة، سواء قلنا بالمعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل، أو لم نقل. فلا بُدّ أن نؤوّله ونرجعه إلى الاستصحاب الموضوعي الحاكم؛ لكي لا يكون مطبّقاً على الأصل المحكوم، ومع تأويله لا يبقى هناك شهادة في مثل هذا التطبيق.
إلّا أن هذا الكلام مبني على المباني المشهورة التي لا نقبلها في باب تعارض الأصول، فإننا لا نقبل مباني الحكومة المشهورة في باب تعارض الأصول. ونقول: بأن ما يسمّونه بالأصل السببي مقدّم على الأصل المسبّبي فيما إذا كانا متعارضين، بمعنى أن دليل الاستصحاب ينطبق على السببي فقط دون المسبّبي، وأما إذا كان الاستصحاب السببي والمسبّبي متوافقين متلائمين، فكِلاهما يجريان ولا حكومة لأحدهما على الآخر. فبإمكان الإمام أن يطبّق دليل
ــــــــــ[109]ــــــــــ
() لخّص الإيراد الأخير، ثُمّ قال: وكان يجاب على هذا الإشكال:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الاستصحاب على الشكّ السببي أو على المسبّبي، كِلاهما ممكن؛ لأن كلّاً منهما فرد من دليل الاستصحاب. وعليه فالتطبيق في محلّه، فيمكننا أن نجعل ظهور هذا التصديق على عدم صحّة المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول وعدم بقاء المجعول.
إلّا أن الذي ينبغي أن يقال: هو أن المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد، لو قيل بها في الشبهات الحكمية الكلّية، فلا ينبغي أن يقال بها في الشبهات الحكمية الجزئية، بمعنى أن المعارضة المتصوّرة هناك لو تمّت -هناك- فإنها لا تتمّ هنا.
ومن هنا استقرّ بناء السيّد الأستاذ -في بعض مراحل تطبيقاته لهذا الكلام- على عدم إجراء المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب بقاء الجعل في الشبهات الحكمية الجزئية.
ونكتة ما ندّعيه من عدم جريان شبهة المعارضة هنا: هو أنه لا يتصوّر في المقام أيّ شكّ في الجعل الزائد، حتّى يجري استصحاب عدم الجعل الزائد، ويتّخذ منه معارضاً لاستصحاب المجعول.
وتوضيح ذلك: أنه في الشبهات الحكمية الكلّية كان يتوهّم وجود جعل زائد من قبل المولى مشكوك الحدوث من أوّل الأمر، ولو ببيان: أن المولى إما لاحظ الماء المتغيّر في تمام عمود الزمان، أو لاحظه في قطعة من الزمان وهو قطعة ما قبل زوال التغيّر. ومن المعلوم أن دائرة لحاظه على الأوّل أوسع من دائرته على الثاني، فيكون من باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر. فالأقلّ
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
متيقّن والزائد مشكوك، فينفي الزائد باستصحاب عدم الجعل. هذا في الشبهات الحكمية الكلّية.
وأما في الشبهات الموضوعية إذا علمنا أن المولى جعل نجاسة الماء المتغيّر على قطعة خاصّة من عمود الزمان، وهي قطعة ما قبل زمان التغيّر، لكن نشكّ في أن هذا الماء المتغيّر هل زال عنه التغيّر أو لا؟ ونشكّ في بقاء نجاسته لأجل ذلك. هنا لا يوجد عندنا أيّ شكّ في عالم لحاظ المولى وجعله، فإن جعله بتمامه حدود معلوم وبيّن عندنا، فإنه سواء زال التغيّر عن هذا الماء أو لم يزل فإن حدود الجعل محفوظة. وكون هذا نجس ولم يزل عنه التغيّر لا يعطي اتّساعاً جديداً بعالم الجعل وعالم لحاظ المولى، فإن دائرته محددة ومعلومة بما قبل زوال التغيّر، وإنما الشكّ فقط في أن هذا مصداق لتلك الدائرة أو لا.
كثرة المصاديق للدائرة الذهنية وقلّتها أمر غير سعة نفس الدائرة الذهنية وضيقها. وهذا بابه باب كثرة المصاديق وقلّتها للدائرة الذهنية لعالم الجعل واللحاظ.
كلامنا(1) في أن شبهة المعارضة بين استصحاب عدم الجعل الزائد واستصحاب بقاء المجعول هل يمكن أن يجري هنا بتخيّل أن سعة دائرة هذه النجاسة ملازم مع سعة دائرة الجعل؟ لا تأتي؛ لأن بقاء النجاسة في هذا الماء معناه اتّساع دائرة المصداق، لا يكون مساوقاً لاتساع الدائرة الذهنية لعامّ الجعل واللّحاظ، فإنها معيّنة الحدود سواء كان هذا الماء المتغيّر مصداقاً لها أو لم يكن.
ــــــــــ[111]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال فيما قال: كلامنا… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
نعم، هنا تقريب مغالطي واحد بالإمكان أن يقرّب به عدم استصحاب الجعل الزائد، ينبغي ذكره مع كشف المغالطة فيه.
وحاصله أن يقال: بأننا وإن كنّا لو قطعنا النظر عن هذا الماء المتغيّر الذي نشكّ في بقاء تغيّره، ولاحظنا ذهن المولى فقط، فلا شكّ عندنا في أن المولى قد لاحظ دائرة معيّنة وهي دائرة ما قبل زوال التغيّر، وليست دائرة الجعل مردّدة بين الواسع والضيق، ولكن يتولّد عندنا الشكّ في مقام ملاحظة هذه الدائرة بالنسبة إلى الخارج.
فإننا لو سألَنا سائلٌ أنه هل زال التغيّر عن هذا الماء؟ نقول لا ندري. فلو سُئلنا: أن المولى هل حكم بالنجاسة على ما يشمل هذا الماء فعلاً؟ نقول: لا نعلم. نعم، نحن نعلم أن المولى جعل حكماً بالنجاسة على ماء متغيّر ما دام متغيراً، ونعلم أنه جعل حكماً بالطهارة على ماء متغيّر زال عنه تغيّره، لكنّنا لا نعلم أنه جعل حكماً بالنجاسة على ما يشمل هذا الماء؛ لأن هذا الماء إن كان لا يزال متغيّراً فالمولى قد جعل حكماً يشمله، وإن كان قد زال عنه التغيّر فالمولى لم يجعل حكماً يشمله.
فيقال: قد حصّلنا استصحاباً معارَضاً بالاستصحاب المجعول، وهو استصحاب عدم جعل النجاسة على موضوع كلّي يشمل هذا. فإن هذا مشكوك فيه، ولا إشكال في أنه في أوّل يوم من البعثة لم يكن قد جعل حكم بالنجاسة على ما يشمل هذا، فنستصحب عدم جعل شامل لهذه، وبه نعارض استصحاب بقاء المجعول.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
إلّا أن هذه الشبهة المغالطية غير صحيحة؛ لأنه إن أريد من استصحاب عدم جعل شامل لهذا عدم الجعل الشامل بما هو شامل، فهذا لا أثر له؛ لأن عنوان الشمولي ليس له أثر، بل هو عنوان انتزاعي، وإن أريد استصحاب واقع الجعل الشامل، فهذا من استصحاب الفرد المردّد.
مثال استصحاب الفرد المردّد: لو علمنا بدخول شخص إلى المسجد مردّد بين زيد وعمرو، وعلى فرض أنه زيد فقد خرج، وإن فرض أنه عمرو فهو باقٍ. فهنا عندنا شيئان:
أحدهما: عنوان الداخل بلا أن نضيفه إلى زيد وعمرو، نعلم بوجوده ونشكّ في بقائه فنستصحبه. وهذا يكون من القسم الثاني من استصحاب الكلّي، من قبيل مثال البقّة والفيل الذي يذكره الشيخ. وهذا الاستصحاب إنما يجري إذا كان هناك أثر شرعي مترتّب على هذا الكلّي، كما لو ترتّب أثر على عنوان الداخل، فيستصحب.
وأما إذا لم يكن لعنوان الداخل أثر شرعي، بل كان مجرّد عنوان انتزاعي، لم يقع موضوعاً لحكم شرعي، إذن فلا يجري استصحاب عنوان الداخل.
وأما واقع الداخل فلا يمكن إجراء استصحابه فيما إذا كان هناك أثر مترتّب عليه، يعني مترتّباً على زيد وعمرو، بما هو لا على عنوان الداخل. فهنا لا نجري استصحاب واقع الداخل؛ لأنه إما زيد وإما عمرو، وزيد معلوم الخروج، فزيد ليس مشكوك البقاء على كلّ تقدير، بل هو معلوم الارتفاع على بعض التقادير، فلا تتمّ أركان الاستصحاب فيه، وهذا هو الذي نسمّيه
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
باستصحاب الفرد المردّد. ومحلّ توضيحه مبحث استصحاب الكلّي وسيأتي.
فهنا أيضاً نقول: إنكم حين تريدون أن تستصحبوا عدم الجعل الشامل لهذا الفرد، هل تستصحبون عنوان الشامل -كعنوان الداخل هناك-، فهذا الاستصحاب لا يجري؛ لأن عنوان الشامل عنوان انتزاعي ليس له أثر شرعي ولا عقلي، وإنما الأثر مترتّب على واقع الجعل الشامل؟ أم تستصحبون عدم واقع الجعل الشامل، يعني واقع الجعل(1) الذي هو في علم الله شامل لهذا الماء، فهذا لا يجري، لأنه لعلّ واقع ذاك الجعل هو عبارة عن جعل النجاسة للماء المتغيّر، إذ لعلّ هذا الماء هو متغيّر بالفعل، وهذا الجعل معلوم وليس مشكوكاً حتّى نجري استصحاب عدمه، فيكون من قبيل الاستصحاب في الفرد المردّد.
إذن فلا يمكن فرض صيغة لاستصحاب عدم الجعل حتّى نعارض بها استصحاب بقاء المجعول. وعليه فشبهة المعارضة لو تمّت تختصّ بخصوص الأحكام الكلّية، ولا تجري في الأحكام الجزئية.
وهنا قال جواباً على سؤال: هذا الماء الخارجي المشكوك بقاء تغيّره، مردّد، فإنه إما أنه لا يزال متغيراً في الواقع أو لا. فعلى الفرض الأوّل يقطع بوجود وجعل النجاسة له(1)، والماء الذي يرتفع تغيّره فيقطع بعدم جعل النجاسة له، إذن فالشكّ فقط في عنوان الشمول لا في واقع الجعل.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() هذا لا يجري؛ لأن واقع الجعل الشامل على بعض التقادير مقطوع الارتفاع. (المُقرِّر).
() يعني: واقع الجعل الشامل له. (المُقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
نحن أثرنا –في تحقيق إبطال المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل- مشكلة وهي أننا كيف نتصوّر الحدوث والبقاء في المجعول، حتّى نجري استصحاب بقائه؟ بناءً على ما هو الصحيح من أنه ليس عندنا عالمان: عالم جعل وعالم مجعول. وفي عالم الجعل كلّ شيء يتمّ دفعة واحدة سواء كان وسيعاً أو ضيقاً على طبيعي الماء المتغيّر، أو على ما قبل زوال التغيّر. فالشكّ يكون شكّاً في الحدوث لا في البقاء، فكيف يجري استصحاب المجعول في نفسه قبل أن تصل النوبة إلى معارضته باستصحاب عدم الجعل؟
وفي مقام الجواب عن ذلك اخترنا التقريب الثالث، وكان حاصله: أن النجاسة المجعولة تارةً ينظر إليها بما هي صفة للماء المتغيّر الذهني، أي: بما هي صفة لذهن المولى، وهي نظرة الحمل الشايع، فلا يكون بهذه النظرة إلّا الحدوث؛ لأن هذه النجاسة بتمام قطعاتها تحدث دفعة واحدة وليس فيها حدوث وبقاء. وأخرى ينظر إليها بما هي صفة لطبيعة الماء المتغيّر، وهو ما سمّيناه بنظرة الحمل الأوّلي، فهنا يتصوّر حدوث وبقاء عنواني؛ لأن طبيعة الماء المتغيّر يتصوّر فيها حدوث وبقاء، وبتبع ذلك يتصوّر الحدوث والبقاء في نفس النجاسة أيضاً. فكما يرى -بهذا المنظار- أن ما بعد زوال التغيّر بقاءٌ لِما قبله في طبيعة الماء المتغيّر، كذلك يرى أن نجاسة ما بعد الزوال هي بقاء لنجاسة ما قبل زواله. وبذلك تتمّ أركان الاستصحاب(1).
ــــــــــ[115]ــــــــــ
() ودليل الاستصحاب إما أن يكون مطبّق بهذا اللحاظ، أو بذاك اللحاظ، ويستحيل تطبيقه بكِلا اللحاظين كما بيّن برهانه في ما سبق، وعليه فلا أساس لشبهة المعارضة. (محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذا الكلام يحتاج إلى متمّم وهو عبارة عن التقريب الرابع، الذي أسقطناه هناك وعقدنا له تنبيهاً مستقلّاً.
*****
ودليل الاستصحاب(1) إما أن يكون مطبّقاً بهذا اللحاظ أو ذاك، ويستحيل تطبيقه بكِلا اللحاظين، كما بيّنا برهانه فيما سبق. وعليه فلا أساس لشبهة المعارضة، بل أحدهما يجري إما استصحاب عدم الجعل وحده، وإما استصحاب المجعول وحده. وحيث إن المحكم هو اللحاظ الثاني، يعني لحاظ الحمل الأوّلي، إذن فيجري استصحاب المجعول وحده.
هذا خلاصة ما استقرّ عليه بناؤنا في تقييد شبهة المعارضة بين هذين الاستصحابين.
وفي هذا التنبيه نقول: إننا نحتاج إلى إضافة نكتة جديدة؛ لكي يكون المقصود مستوعباً لتمام فروض المسألة.
وهي أن لحاظ الحمل الأوّلي وحده لا يكفي لتصوير الحدوث والبقاء في تمام الموارد، بل بعض الموارد يبقى تصوير الحدوث والبقاء فيه مشكّكاً حتّى بنظّارة الحمل الأوّلي.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
() لخّص أوّلاً ما كان قاله في أوّل التنبيه الثاني من الفكرة المختارة في مناقشة المعارضة بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل. إلى أن قال: ودليل الاستصحاب… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
توضيحه: أننا إذا نظرنا إلى المحمول في القضيّة الشرعية بما هو صفة للصورة الذهنية فإنه لا يتصوّر حدوثاً وبقاءً لا محالة؛ لأنها توجد دفعة واحدة، فالشكّ دائماً يكون شكّاً في الحدوث.
وأما لو لاحظنا المحمول بما هو وصف للزمان والمكان الخارجي، فهنا يكون المحمول على قسمين:
أحدهما: أن يكون عمود الزمان قد أُخذ ظرفاً لنفس المحمول، كقوله (الماء إذا تغيّر ينجس حتّى يزول تغيّره أو حتّى يتصل بالمادّة)، فقد جعلت نجاسة وأخذ الزمان قيداً في نفس النجاسة. وكذلك الحال في ملكية الأعيان؛ إذ يقال إنها ملك لهذا الشخص حتّى يبيعها أو يموت عنها.
ففي مثل هذه المحمولات التي يؤخذ الزمان قيداً لها، لو لبسنا نظّارة الحمل الأوّلي نرى أن لهذا المحمول حدوثاً وبقاءً عنوانياً، -لأن المفروض أن المولى جعل النجاسة في تمام عمود الزمان إلى نقطة معيّنة، هي: إما زوال التغيّر، أو زواله مع الاتّصال بالمادّة-، فحين ينظر إلى هذه النجاسة بما هي وصف لطبيعة الماء المتغيّر في الزمان والمكان الخارجي فيرى أن عمود الزمان عمود تدريجي له حدوث وبقاء، والنجاسة توأم مع عمود الزمان، فهي أيضاً لها حدوث وبقاء تبعاً له، فيجري فيها استصحاب المجعول لتماميّة أركانه فيه.
وأخرى لا يؤخذ الزمان قيداً في نفس المجعول، بل في متعلّق المجعول، كما في الوجوب والحرمة، كوجوب الجلوس في المسجد، فإن عمود الزمان مأخوذ في متعلّقه وهو الجلوس.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
أو بتعبير آخر: يمكن أن يكون مأخوذاً فيه لا في نفس التكليف، فمثلاً حرمة الملامسة في العادة لم تؤخذ نفس الحرمة مقيّدة بالزمان، بحيث تكون حرمة ملامسة الزمان الأوّل ثابتة في الزمان الأوّل، وحرمة ملامسة الزمان الثاني ثابتة في الزمان الثاني. بل يمكن أن يفرض أن الحرمة بتمام حصصها موجودة من أوّل الأمر، فمن بدء العادة تحرّم تمام الحصص. نعم، الحصص بنفسها تدريجية، وأما نفس الحرمة فليست تدريجية، بل هي واقعيّة. وكذلك في وجوب الجلوس في المسجد، يمكن أن يفرض الزمان قيداً في نفس الجلوس، فيقال: في الساعة الأولى يجب الجلوس وفي الساعة الثانية يجب الجلوس، بحيث إن وجوب الجلوس في الساعة الثانية لا يوجد إلّا في الساعة الثانية. ويمكن أن يفرض أن الوجوبات كلّها فعليّة من أوّل النهار، والتدريجية في المتعلّق لا في نفس الوجوب.
فهنا يمكن أن يقال: بأن المشكوك ليس بقاءً للمتيقّن، وليس عندنا حدوث متيقّن وبقاء مشكوك ولو بنظّارة الحمل الأوّلي. فإن متيقّننا هو حرمة الفعل من الساعة الأولى، ومشكوكنا هو حرمة الفعل في الساعة الثانية، وهاتان الحرمتان مجتمعتان من أوّل الأمر منذ طلوع الشمس أو منذ بدء العادة، غاية الأمر أن متعلّقهما تدريجي؛ لأننا قرأنا في الكفاية أنه يمكن أن يكون زمان التكليف قبل زمان المتعلّق.
فحرمة الحصّة الثانية من الجلوس ليست بقاءً لحرمة الحصّة الأولى منه حتّى بنظارة الحمل الأوّلي، فإنهما موجودان من أوّل الأمر، ومن هنا لا تكفي
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
نظارة الحمل الأوّلي وحدها لتصوير الحدوث والبقاء بالنسبة إلى المحمولات الشرعية التي لم يؤخذ الزمان قيداً لها، وإنما أُخذ قيداً في متعلّقاتها، وكان المحمول بتمام قطعاته ظرف فعليّة من أوّل الأمر(1).
ومن هنا(2)لا بُدّ من إعمال عناية جديدة، وهي أن يقال -كما يقول(3)-: بأن الصفة التي هي صفة لموضوع تكتسب بالنظر العرفي الحدوث والبقاء من ذلك الموضوع. وإن كان حين تلحظ الصفة مستقلّة لا يرى لها حدوث وبقاء، ولكن
ــــــــــ[119]ــــــــــ
() وهنا قلت له: تفضلتم سابقاً بأن الحكم يعتبر صفة لموضوعه أو لمتعلّقه، وبهذا الاعتبار يرى له امتداد بامتداد المتعلّق، وبما أن موضوعه أو متعلّقه تدريجي، فهو أيضاً يعتبر تدريجياً له حدوث وبقاء.
فأجاب: إنما يكون هكذا فيما إذا لوحظت الصفة صفة للمتعلّق في عمود الزمان، يعني لوحظت النجاسة صفة للماء المتغيّر في عمود الزمان، فيكون لهذه الصفة بنظّارة الحمل الأوّلي حدوث وبقاء لا محالة. وأما إذا فرضنا أن هذه الصفة كانت فعليّتها بتمام قطعاتها موجودة من أوّل الأمر، يعني تمام الحرمات المجعولة للملامسة فعليّة من أوّل العادة، وتمام وجوبات للجلوس في المسجد مجعولة من أوّل النهار، فهي مجتمعة حتى في ظرف الفعليّة ليس في عالم الجعل فقط. وبنظّارة الحمل الأوّلي نحن نرى عالم الفعليّة، وفيه تكون هذه الحصص مجتمعة.
فقلت له: ما يفهمه العرف هو الأوّل.
فأجاب: صحيح، وهذا الذي تقوله هو الذي سأقوله بعد قليل. (المُقرِّر).
(2) وهنا لخّص المطلب مرّة أخرى، ثُمّ قال: ومن هنا… (المُقرِّر).
(3) يعني: كاتب هذه السطور. (المُقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بما هي صفة لموضوع له حدوث وبقاء فيكون حدوثها وبقاؤها مكتسباً بتبع حدوث الموضوع وبقائه.
فنحن حين ننظر إلى حرمة الملامسة أو إلى وجوب الجلوس في المسجد، فهناك نظرتان تارةً ننظر إلى الحرمة والوجوب، بقطع النظر عن كونها صفة للموضوع، فنرى أنه لا حدوث ولا بقاء، بل كلّه حدوث؛ لأن تمام الحرمات والوجوبات تصبح فعليّة من حين بدء العادة، أو من حين طلوع الشمس. لكن هذه التكاليف بالرغم من أنها كلّها حدوث، بما أن بعضها مضاف إلى ما هو أسبق من بعض وبقاء له، بعض الوجوبات هو وجوب جلوس يكون بقاء للجلوس الواجب بالوجوبات الأخرى. فبهذا الاعتبار تنسحب صفة الحدوث والبقاء من المتعلّق عن الحكم نفسه، وهذا الانسحاب انسحاب عرفي لا انسحاب حقيقي، يعني انسحاب في مقام تصحيح عنوان الحدوث والبقاء، وتصحيح خطاب (لا تنقض). يعني في عالم هذه الألفاظ لا يطلب العرف حدوثاً وبقاًء أكثر من هذا المقدار.
وبذلك يتمّ تصوير جريان الحكم المجعول في تمام الشبهات الحكمية.
فإذا كانت(1) كلّ الحرمات متعاصرة فعليّة وجعلاً، فإنه ينسحب عليها حكم الحدوث والبقاء بارتكازية تبعية الصفة للموضوع. وهذا الارتكاز إن قبلناه يكون استصحاب المجعول جارياً بلا إشكال، وإن لم نقبله فمعناه إنكار استصحاب المجعول في نفسه، لا إيقاع المعارضة بينه وبين استصحاب عدم الجعل، كما ذكر السيّد الأستاذ. هذا هو التنبيه الثاني.
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() وهنا أعاد المطلب إلى أن قال: فإذا كانت… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
إن للسيد الأستاذ كلامين في الشبهة الحكمية:
أحدهما: هذا الذي سبق وهو أن الاستصحاب في الشبهات الحكمية لا يجري للمعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل.
الكلام الآخر. وقد وقع تحت الشعاع لهذا الكلام الأوّل، ولعلّ واقعه أنه أوجد من الناحية الفنّية من الكلام الأوّل.
وحاصل هذا الكلام الثاني: أن السيّد الأستاذ يفصّل في الشبهات الحكمية، ففي بعضها يقول: بأن استصحاب المجعول لا يجري في نفسه لا أنه يسقط بالمعارضة، وفي بعضها يقول بالجريان والسقوط بالمعارضة.
والمورد الذي ينكر فيه جريان الاستصحاب المجعول في نفسه، هل مورد الأحكام الانحلالية إلى الأفراد على الأفراد التدريجية؟
يقول: تارةً يكون للحكم المشكوك فيه بقاء واستمرار ضمن فرد واحد، كما إذا شكّ في بقاء وجود الجلوس. فهذا حكم له نحو بقاء واستمرار، وليس متكثّر الأفراد بحسب الخارج. فهنا يجري استصحاب بقاء وجوب الجلوس، ويعارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.
وأخرى: يفرض أن الحكم يكون انحلالياً على أفراد تدريجية في عمود الزمان كحرمة المقاربة أو حرمة شرب الماء المتغيّر. فإن متعلّقها ليس سنخ وجود واحد محفوظ من أوّل الأمر إلى آخره. بل هي حرمة انحلالية بعدد أفراد
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الشرب بحسب الخارج. فالشرب في الآن الأوّل حرام والشرب في الآن الثاني حرام، فكلّ شرب من هذه (الشروب) ليس بقاءً للآخر، وإنما هو فرد مباين وجوداً مع الآخر، فما نحن على يقين منه هو أن الشرب في الآن الأوّل حرام الذي هو آناً قبل زوال التغيّر. ونشكّ في حرمة فرد آخر من الشرب وهو الواقع بعد زوال التغيّر فموضوع القضيّة المتيقّنة عندي -بحسب الدقّة- هو الشرب الأوّل، والقضيّة المشكوكة هو الشرب(1) الثاني الواقع بعد زوال التغيّر.
فموضوع القضيّة المشكوكة مغاير ومباين لموضوع القضيّة المتيقّنة. نعم، هما فردان من كلّي واحد، وهو الشرب فيكون الاستصحاب في المقام من قبيل استصحاب القسم الثالث من الكلّي.
كما لو علمنا بوجود الإنسان في المسجد في ضمن زيد، وعلمنا بأن زيداً خرج، ولكن احتملنا أن الإنسان بقي في المسجد في ضمن عمرو. فهنا نقول: بأن طبيعي الإنسان معلوم الحدوث ومشكوك البقاء، فنجري استصحاب بقاء طبيعي الإنسان.
وهذا الاستصحاب لا يجري؛ لأن موضوع القضيّة المتيقّنة غير موضوع القضيّة المشكوكة. فإن موضوع المتيقّنة هو الإنسان الخاصّ وهو (زيد)، وموضوع المشكوكة هو الإنسان الخاصّ وهو (عمرو) وأحدهما غير الآخر. ومجرّد وجود جامع ما بينهما لا يصحّح جريان الاستصحاب، على ما سيأتي تفصيله في بحث استصحاب الكلّي.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
() وهذا الشرب غير ذاك الشرب ذاتاً ووجوداً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ومن هنا اختار السيّد الأستاذ -فيما نحن فيه- أن استصحاب حرمة الشرب وحرمة الملامسة ونحوها من الأحكام الانحلالية على الأفراد التدريجية، لا يجري في نفسه، لا أنه يجري ويسقط بالمعارضة.
نعم، فيما إذا لم يكن هناك حكم إلزامي على الأفراد التدريجية، بل كان هناك فرد طولاني واحد محفوظ من الأوّل إلى الآخر، كما هو الحال في باب النجاسة والملكيّة ووجوب الجلوس، فلا بأس بجريان الاستصحاب حينئذٍ والصحيح عدم تماميّة هذا الكلام أيضاً، وجريان استصحاب المجعول أيضاً، وعدم إمكان مقايسة المقام باستصحاب القسم الثالث من الكلّي.
*****
وذلك بأن يقال –مثلاً–(1): إننا وإن كنّا نتيقّن حرمة فرد ونشكّك في حرمة فرد آخر، لكن ننتزع من الفردين جامعاً وهو جامع الشرب. فنقول: جامع الشرب كان حراماً في ضمن ذاك الفرد ونشكّ في حرمته في ضمن هذا الفرد، فنستصحب بقائه.
وهذا من استصحاب القسم الثالث من الكلّي المحقّق عدم جريانه لعين هذا البيان، وهو تغاير القضيّة المتيقّنة غير المشكوكة.
والتحقيق هو جريان الاستصحاب في هذا المقام وأركانه تامّة، ولا يقاس حرمة الشرب أو الملامسة باستصحاب القسم الثالث من الكلّي، كاستصحاب القسم الثالث من الكلّي.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
() لخّص أوّلاً جملة مما سبق، إلى أن وصل إلى تطبيق استصحاب القسم الثالث من الكلّي، على ما هو محلّ الكلام فقال: وذلك بأن يقال –مثلاً-:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وذلك يكون ببيان أمرين واضحين:
الأمر الأوّل: أن فرض كون الأفراد أفراد جامع واحد، هو إننا إذا قشّرنا كلّ فرد من الأفراد من مميزاته واختصاصاته، -مثلاً زيد وعمرو إذا قشّرناهما واستثنينا تمام ما به الامتياز أحدهما عن الآخر. وحتّى من خصوصية الوجه والذاتية، بمعنى فلسفي. ثُمّ ننظر فإننا سوف نرى في زيد نفس ما نرى في عمرو، يعني سوف لن تبقى إلّا الحيثية المشتركة التي هي شيء واحد في زيد وعمرو معاً؛ لأن هذه الحيثية لم تصر شيئين إلّا بضمّ القشور، فإذا عرّيناها عن القشور كلّها لم يعد عندنا إلّا شيء واحد، وهو الحيثية المشتركة المحفوظة في زيد وعمرو. وهذا هو معنى كون أفراد ما أفراد الجامع.
الأمر الثاني: هو أن الأوصاف التي تعرض للجامع في ضمن فرد. فجامع الإنسان المحفوظ في ضمن زيد عرضت له صفة وهو أنه دخل المسجد، أو عرضت صفة الحرمة على جامع الشرب المحفوظ في ضمن الفرد الأوّل.
تارةً تكون هذه الصفات والأعراض، بحسب النظر العرفي، محفوظة وثابتة لهذا الفرد مهما قشّرناه، حتّى لو أقررنا منه تمام اعتباراته الفردية، مع هذا يرى أن هذا العرض بقي محفوظاً في هذا الفرد. وأخرى يفرض أن هذه الصفة ليست محفوظة مع التقشير، فلو قشّرت لا يرى العرف بأن هذه الصفة محفوظة في ضمن هذا الفرد. بل الفرد يفقد الصفة لو فرض أنه قشّر الفرد تقشيراً كاملاً.
أما مثاله الثاني: هو قضيّة (زيد دخل المسجد). وبما أن جامع الإنسان
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
محفوظ ضمن زيد، فإذا دخل زيد المسجد فجامع الإنسان دخل المسجد(1)، ولكن إذا قشّرنا وجدنا أن العرف الذي يصدّق تصديقاً واقعياً بأن الإنسان دخل المسجد حينما رأى زيداً دخل المسجد، لو قشّر زيداً عن تمام امتيازاته الشخصية، بحيث لم يبق أمامه إلا حيثية الإنسانية، حينئذٍ لا يحكم العرف بأن هذه الحيثية داخلة إلى المسجد.
وذلك: لأن دخول هذه الحيثية إلى المسجد كان في ضمن الخصوصيات الأخرى، لا أن هذه الحيثية بنفسها كانت تقتضي الدخول إلى المسجد. إلّا إذا فرض أن الدخول إليه من ذاتيات كلّ إنسان كاقتضاء الأربعة للزوجية أو النار للحرارة، أو لو(2) شككنا بأن الأربعة في هذا الزمان متّصفة بالزوجية أو لا، فإن العرف يرى اتّصاف الأربعة بالزوجية بعد تقشيرها عن خصوصياتها الفردية، ومن ثُمّ يمكن استصحابها!!
فلو أقررنا الخصوصيات وما به الامتياز ولاحظنا حيثية الإنسانية، فهل
-أيضاً- تدخل المسجد؟ لا نعلم بذلك؛ لأن الدخول إلى المسجد ليس من ذاتيات حيثية الإنسانية حتّى يبقى علمنا بثبوتها لها. وإنما كان عروض هذه الصفة لحيثية الإنسانية في ضمن الخصوصيات المنضمّة التي قشّرناها وألغيناها.
وهذا معناه أن هذه الصفة، بالنظر العرفي، ليست صفة للحيثية المشتركة بذاتها، بل هي صفة للفرد، والحصّة الخاصّة، وإنما تضاف إلى الحيثية المشتركة
ــــــــــ[125]ــــــــــ
() فإن الكلّي جزء من الفرد وإذا دخل المركّب دخل الجزء. (المُقرِّر)..
(2) هذه الأسطر الثلاثة كلام مستفاد منه وليس نصاً له. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
إضافة ضمنية في ضمن إضافتها إلى الحصّة، ولكنّها بحسب الحقيقة صفة للحصّة لا للحيثية المشتركة.
وهذا بخلاف مثال آخر كمثال حرمة الشرب: فإن الفرد الأوّل من الشرب حرام. فإذا قشّرنا عن تمام خصوصياته التي يتميّز بها عن الفرد الثاني من الشرب، وحتّى خصوصية الوجود الذاتية للفرد، فإنه أيضاً يبقى على الحرمة. فإنه حينئذٍ لا يبقى أمامنا إلّا الحيثية المشتركة، ومع هذا نبقى نقول بأن هذا حرام؛ لأن الحيثية المشتركة هي التي تقتضي الحرمة، وليس لأيّ قشر من تلك القشور التي نزعناها دخل في الحرمة.
وهذا يعني أن الحرمة هنا صفة للحيثية المشتركة في نظر العرف. نعم، هذا التقشير خيالي وليس واقعياً؛ لأن الفرد في الخارج لا يتقشّر بهذا النحو، إلّا أن العرف حين يقشّر ويرى بأن الصفة باقية، يستعين بهذه النكتة على تعيين مركز الصفة، وأنها صفة للحيثية المشتركة.
فاذا تمّ هذان الأمران، يتّضح الجواب عن هذه المغالطة:
وذلك بأن يقال: صحيح نحن على علم بحرمة الفرد الأوّل والثاني من الشرب، ولا علم لنا بحرمة الفرد الثالث منه، فما هو الحرام فردوياً هو مشكوك الحرمة فرد آخر. لكن هذه الحرمة حيث إنها صفة للحيثية المشتركة لا صفة للحصّة، باعتبار انحفاظها مع تمام التقشيرات التي يمكن أن تفرض على الفرد.
إذن فهذه الأفراد الثلاثة للشرب، لو قشّرناها عن تمام الخصوصيات التي بها امتياز بعضها عن بعض، ولم نبقِ إلّا الحيثية المشتركة، حينئذٍ تكون الحرمة بهذه
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الحيثية المشتركة محفوظة حدوثاً ومشكوكة بقاءً. وذلك: لأننا بيّنا في الأمر الأوّل أن الحيثية المشتركة بعد التقشير شيء واحد ليس بينها تغاير أصلاً. فإنها إنما تتعدّد وتتغاير بلحاظ القشور، وإلّا بقطع النظر عنها ليس هناك إلّا شيء واحد، ولهذا يقال بأن صرف الوجود لا يتعدّد ولا يتثنّى.
إذن فليس بعد إلغاء القشور إلّا شيء واحد، وهو المفروض أنه متّصف بالحرمة بمقتضى الأمر الثاني، وهذا الشيء الواحد له حدوث وبقاء، فإنه في الزمان الأوّل اتّصف بالحرمة وفي الزمان الثاني يشكّ في اتّصافه بها. فلم يبق فرق بين القضيّة المتيقّنة والمشكوكة إلّا من حيث زمان الحدوث والبقاء، الذي هو فرق محفوظ بين تمام موارد الاستصحاب(1).
وهذا بخلاف مسألة دخول الإنسان إلى المسجد، فإن الدخول لم يكن من صفات الحيثية المشتركة، حتّى يقال: بأن الحيثية المشتركة واحدة، وقد كانت موصوفة حدوثاً ويشكّ في بقاء الصفة لها. بل الدخول إلى المسجد كان من صفات الحصّة أو من صفات الحيثية المشتركة بما هي متحصّصة لا بما هي حيثية، ومن هنا لا يجري استصحاب هذه الصفة؛ لأنك تستصحب الصفة على أيّ موضوع؟ هل على الحيثية المشتركة؟ المفروض أنها ليست صفة للحيثية المشتركة من أوّل الأمر، ولا يقين بذلك أصلاً. أو تستصحب الصفة على الحصّة؟ إذن فقد جئت إلى عالم التغاير؛ لأن الحصّة الأولى غير الثانية، ولا يمكن استصحاب حكم حصّة إلى حصّة أخرى. نعم، لو فرض أن الدخول إلى
ــــــــــ[127]ــــــــــ
() وبذلك انحلّت الشبهة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
المسجد كان في زمان من ذاتيات الحيثية المشتركة، يعني: زيد دخل المسجد بإنسانيته؛ لأن الإنسانية كانت تقتضي الدخول إلى المسجد، وبعد هذا شكّ أن هذا الذاتي بقى للإنسان أو لا -لو تُعُقِّل هذا الشكّ- فهنا لا بأس بأن نستصحب هذا الذاتي. كما إذا شكّ أن النار ارتفعت حرارتها أو لا، فنستصحب بقاءها.
هذا تمام الكلام في التنبيه الثالث.
في جريان استصحاب عدم النسخ فإن هذا نوع من الشبهات الحكمية، وإن كان قسيماً لها بحسب الاصطلاح.
فان الشكّ تارةً يكون في سعة دائرة المجعول وضيقه، وهو الشبهة الحكمية بالمعنى المصطلح. وأخرى يفرض أن الشكّ في بقاء نفس الجعل ونسخه. يعلم بأن الشارع جعل نجاسة الماء المتغيّر، ويشكّ أنه نسخه بعد ذلك.
والشكّ في النسخ مرجعه بحسب الحقيقة أيضاً إلى الشكّ في سعة دائرة المجعول وضيقه، باعتبار أن الزمان بوصفه أحد القيود الدخيلة في الموضوع المجعول، فلو فرض أن المولى رأى من المصلحة أن يجعل الماء المتغيّر إلى السنة السابعة من الهجرة، فهذا أيضاً معناه نحو ضيق في دائرة المجعول من أوّل الأمر، لاستحالة البدا والنسخ بمعناه الحقيقي في الشارع، فيكون مرجعه إلى أن المولى من أوّل الأمر جعل نجاسة ماء متغيّر مشروط أن يكون تغيّره واقعاً قبل السنة السابعة للهجرة، فالسنة السابعة تجعل غاية وحدّا للمجعول. فالشكّ في
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
النسخ يرجع إلى الشكّ في سعة المجعول وضيقه من حيث عمود الزمان.
وفي هذا المورد كان يجري في كلمات الفقهاء استصحاب بقاء الحكم بأن يقال: إن نجاسة الماء المتغيّر قبل السنة السابعة من الهجرة -مثلاً- متيقّنة، ويشكّ في بقائها فيستصحب، بلحاظ تماميّة الأركان. وكذلك الحال في الأحكام التكليفية، كما لو وجب على المكلّفين صلاة الجمعة في أيام النبي، ونشكّ في أنه نسخ هذا الوجوب بعد ذلك وسقط عن المكلّفين المتأخّرين زماناً أو لا، فهنا يجري استصحاب بقاء وجوب الجمعة على طبيعي المكلّف.
وكلمات السيّد الأستاذ -كما قلنا- تنحلّ إلى إشكالين:
أحدهما: هو الإشكال في أصل جريان استصحاب المجعول في بعض موارد الشبهة الحكمية كما أوضحنا.
ثانيهما: إجراء المعارضة بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل في البعض الأخر للشبهات الحكمية كما بيّنا.
وكِلا هذين الإشكالين يمكن تصويرهما في استصحاب عدم النسخ.
أما تقريب جريان الإشكال الأول: وهو الإشكال الذي يقتضي أن استصحاب المجعول لا يجري في نفسه. هو: أن الشكّ في بقاء وجوب صلاة الجمعة هنا من قبيل الشكّ في بقاء حرمة الملامسة بعد النقاء، فنفس النكتة التي أوجبت هناك عدم جريان الاستصحاب بنفسها تجري في المقام مع تغيير المتعلّق بالموضوع فيقال: بأن وجوب صلاة الجمعة ينحلّ بلحاظ أفراد المكلّفين إلى وجوب المكلّفين، وجملة من أفراد المكلّفين. نعلم بثبوت الوجوب لهم وهم
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الذين عاشوا في عصر النبوة، وجملة منهم وهم المتأخّرون عن ذلك العصر، نشكّ في أصل وجوب صلاة الجمعة عليهم، إذن فالقضيّة المتيقّنة غير القضيّة المشكوكة. فإن القضيّة المتيقّنة هو الوجوب على (زيد)، والمشكوكة هو الوجوب على (عمرو). وإسراء الوجوب من زيد إلى عمرو قياس لا استصحاب، إلّا بصيغة القسم الثالث من استصحاب الكلّي.
فهذا الإشكال يأتي في المقام بهذا التقريب وبتقريبات أخرى أيضاً بلحاظ المتعلّق.
وجوابه نفس الجواب الذي ذكرناه بالأمس في التنبيه الثالث.
وحاصله: أن القضيّة المتيقّنة مع المشكوكة واحدة موضوعاً ومحمولاً، ولا تغاير بينهما؛ لأن حرمة شرب الماء المتغيّر أو وجوب صلاة الجمعة، هذا الحكم ثابت للحيثية المشتركة بين أفراد الشرب أو بين أفراد المكلّفين، بحيث لو قشّر كلّ فرد وأفرز عنه تمام ما به الامتياز بالذات أو بالعرض، بحيث لم يبقَ بعد التقشير في عالم الذهن إلّا الحيثية المشتركة لرُئِيَ أن الحرمة أو الوجود لا يزال باقياً على هذه الحيثية المشتركة. وهذا معناه أن الحكم وصف للحيثية المشتركة لا للحصص بما هي حصص في نظر العرف. وحينئذٍ فالحيثية المشتركة واحدة حقيقة ولا يعقل التعدّد والتغاير فيها إلّا بلحاظ ما به الامتياز، والمفروض في المقام أن هذه الصفة مضافة إلى الحيثية المشتركة لا إلى ما به الامتياز، وحينئذٍ فما هو موضوع القضيّة المتيقّنة عين موضوع القضيّة المشكوكة، وعلى هذا الأساس تتمّ أركان الاستصحاب على النحو الذي أوضحناه.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فيقال: بأننا لا نريد أن نثبت وجوباً على (عمرو) بلحاظ ثبوت الوجوب على (زيد) الصحابي، حتّى يقال بأن هذا قياس، بل أريد أن أثبت بقاء الوجوب المضاف إلى الحيثية المشتركة المحفوظة حتّى بعد التقشير وهي واحدة ذاتاً ولا يعقل تعدّدها تشقيقها. وعليه فأركان الاستصحاب تامّة، وبه يثبت أن الحيثية المشتركة للبالغ الرشيد كانت مخاطبة بالوجوب ويشكّ في بقاء مخاطبتها بالوجوب فيستصحب.
الإشكال الثاني: الذي أفيد وهو إشكال المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب بقاء الجعل، أيضاً يجري في المقام بنفس الصيغة السابقة إشكالاً وجواباً.
أما صيغة الإشكال فتطبيقها هكذا: أن الشكّ في نسخ وجوب صلاة الجمعة مرجعه إلى الشكّ في سعة دائرة المجعول وضيقه؛ لأن النسخ -كما قلناه- مرجعه إلى تقييد زماني للمجعول، والشكّ في سعة دائرة المجعول وضيقه مساوق للشكّ في زيادة الجعل وقلّته. فحين نلاحظ المجعول يجري استصحاب بقاء المجعول المثبت لسعته واستمراره، كذلك يجري استصحاب عدم الجعل الزائد. ففي مثل وجوب صلاة الجمعة نجري من ناحية استصحاب بقاء الوجوب على طبيعي المكلّف بعد السنة السابعة من الهجرة، ونجري -من ناحية أخرى- استصحاب عدم جعل الوجوب لِما بعد السنة السابعة من الهجرة؛ لأن هذا الجعل جعل زائد لم يعلم صدوره من أوّل الأمر فيتعارض هذان الاستصحابان.
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ويأتي الجواب الذي أتى في صدر المسألة، وذلك كما أوضحنا في التقريب الثالث من التقريبات التي تقدّمت هناك.
وخلاصة الكلام في ذلك: أن استصحاب المجعول إنما يجري -على ما قلناه- بلحاظ الحيثية المشتركة، فإنها كانت مخاطبة بالوجوب ولا زالت. فإن صحّ إجراء الاستصحاب بهذا النحو فلا بُدّ من الالتزام بأنه غير معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.
لأن وجوب الجمعة إما أن يلحظ بلحاظ الحمل الأوّلي وإما بلحاظ الحمل الشايع. يعني أن هذا المحمول الشرعي إما أن يكون النظر إليه يقتضي ملاحظته بما هو صفة للوجود الذهني للمكلّف، الذي هو موجود في ذهن الحاكم، أو بما هو وجود لطبيعي المكلّف في الخارج.
وواقع المطلب هو أن وجوب صلاة الجمعة قد تعلّق في الصورة الذهنية في نفس المولى، لا أنه تعلّق بالمكلّف خارجاً حقيقة لأن الوجوب ليس من عوارض الخارج. ولكن هذه الصورة الذهنية حين ينظر إليها بالحمل الأوّلي وبالنظرة العنوانية هي عين المكلّف الخارجي.
فإن نظرنا إلى الحكم بما هو صفة للصورة الذهنية للمكلّف، الموجودة في ذهن المولى، فبهذه النظّارة لا نرى الإشكال في الحدوث؛ لأننا لا ندري أن هذه الصورة هل تشمل مكلّف ما بعد السنة السابعة أو لا؟ فإن هذه الصورة قد وجدت دفعة واحدة لا نعلم أنها وجدت واسعة أو ضيقة. فهنا لا يجري إلّا استصحاب عدم الجعل الزائد.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وإذا لبسنا نظّارة الحمل الأوّلي ولاحظنا الحكم بما هو صفة الطبيعي المكلّف في الخارج -لا بما هو صفة للصورة الذهنية في ذهن المولى-، وطبيعي المكلّف يعني: هذه الحيثية المشتركة في الخارج يتصوّر لها حدوث وبقاء عنواني بحسب الخارج، وبتبع ذلك يتصوّر لنفس الوجوب حدوث وبقاء. وبهذه النظّارة لا نرى إلّا شكّاً في البقاء، ولا نرى شكّاً في الحدوث، فإنما نرى حيثية مشتركة قد صبغت بالوجوب في زمان، ويشكّ بأن هذا الصبغ قد بقي عليها الزمان الثاني أو لا.
فبكلّ النظّارتين لا يمكننا إلّا أن نجري استصحاباً واحداً، وحيث إن النظّارة الثانية هي المعتبرة دون الأولى، فلهذا يجري استصحاب المجعول هنا على طبيعي المكلّف، ولا يعارض باستصحاب عدم الجعل.
نعم، هنا إشكال آخر: وهو معارضة استصحاب بقاء المجعول باستصحاب بقاء مجعول آخر، لا باستصحاب عدم الجعل:
أحدهما: استصحاب بقاء وجوب صلاة الجمعة على طبيعي المكلّف،
والآخر: استصحاب عدم وجوبها الثابت قبل الزوال من يوم الجمعة في مثل هذا الزمان، يعني: في زمان يشكّ فيه في النسخ.
وكِلا هذين الاستصحابين استصحاب مجعول، يعني مبنياً على نظّارة الحمل الأوّلي لا على نظّارة الحمل الشايع.
فإن هذا المكلّف من حيث إنه معبّر عن الحيثية المشتركة لطبيعي المكلّف، يقال إن هذه الحيثية كان يجب عليها صلاة الجمعة عند الزوال والآن كذلك. من حيث إنه فرد لم يكن يجب عليه صلاة الجمعة قبل الزوال حتماً، ويشكّ في
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بقاء هذا العدم، فيجري استصحاب العدم بالنسبة إليه -مثلاً- ويتعارض الاستصحابان.
وكذلك الحال بالنسبة إلى الماء المتغيّر، فإننا إذا شككنا أن نجاسته هل نُسخت في الشريعة أوّلاً ووجد بعد السنة السابعة ماء متغيّر، فيتعارض فيه استصحابان:
أحدهما: استصحاب المجعول الذي سبق أن تكلّمنا عنه، وهو أن طبيعي الماء المتغيّر كان محكوماً عليه بالنجاسة حدوثاً، ويشكّ في بقائه، فيستصحب.
ثانيهما: أن نلتفت إلى هذا الماء قبل أن يتغيّر بلون الدم لم يكن محكوماً بالنجاسة حتماً(1)، فنستصحب بقاء طهارته المجعولة عليه قبل أن يتغيّر.
فهل يتعارض هذان الاستصحابان أو لا؟
*****
إشكال المعارضة بين استصحاب المجعولين(2):
أحدهما: استصحاب عدم النسخ، أي: استصحاب الحرمة الثابتة لطبيعي
ــــــــــ[134]ــــــــــ
() لا يخفى أن هذا مبني على الشكّ في أن الماء المتغيّر نجس أو لا، وهو غير الفرض السابق من الشكّ ببقاء نجاسته بعد زوال التغيّر من نفسه، فإن ذلك كان مبنياً على العلم بنجاسته قبل زوال التغيّر، وهذا مبني على الشكّ في ذلك أساساً، وإلّا لَما صحّ الاستصحاب لانتقاضه بالعلم بالنجاسة كما هو واضح. (المُقرِّر)..
(2) لم أوفّق في هذه المحاضرة إلى تسجيلها ومن ثُمّ أكتبها عن ذاكرتي، ولعلّي أوفّق إلى تطبيقها على تسجيل آخر.
لخّص أوّلاً إشكال المعارضة بين استصحاب المجعولين:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الماء المتغيّر قبل السنة السابعة من الهجرة في المثال. إذ يقال إن هذه الحرمة كانت ثابتة حتّى ذلك الحين ويشكّ في ارتفاعها بالنسخ فيستصحب.
ثانيهما: استصحاب الحلّية الثابتة في هذا الفرد من الماء قبل تغيّره بالنجاسة، فإنه كان طاهراً حتماً ويشكّ في ارتفاع طهارته بالتغيّر فيستصحب.
وهذه المعارضة لا مناص منها، إلّا بالنكتة التي سبق أن قلناها، من أن العرف يرى الحكم صفة للحيثية المشتركة بين الأفراد، إلّا أنه ثابت للأفراد باعتبار خصوصياتها. فإذا أخذنا هذه النكتة بنظر الاعتبار كان استصحاب عدم النسخ جارياً دون الاستصحاب الآخر.
وذلك لأن الفرد بعد تجريده عن الخصوصيات الفردية لا يبقى إلّا الحيثية المشتركة، وهي واحدة غير متعدّدة بين سائر الأفراد سواء في ما قبل السنة السابعة أو بعدها، وهذه الحيثية كانت متّصفة بالحكم ويشكّ بارتفاع حكمها فيستصحب، والحكم الذي كان ثابتاً لها هو النجاسة عند التغيّر. وأما هذا الفرد الذي نريد إجراء الاستصحاب فيه فماذا نستصحب؟ هل نستصحب حكم الطهارة الثابت لهذا الفرد بخصوصه؟ هذا خلاف النكتة العرفية التي قلناها، من أن الفرد بخصوصه غير متّصف بالحكم ليستصحب. أو نستصحب الطهارة الثابتة الطبيعي التحقّق في ضمن هذا الفرد قبل التغيّر؟ فهذا الطبيعي معلوم الحكم باعتبار الاستصحاب السابق، فإننا إذ ننظر إلى الطبيعي تكون تمام خصوصيات الأفراد قد ألغيت، ولا يبقى إلّا تلك الحيثية الواحدة التي كانت متّصفة بالحكم قبل السنة السابعة، وجرى فيها استصحاب عدم النسخ، وكان
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
حكمه هو النجاسة عند التغيّر، إذ فهذه الحصّة من الطبيعي تتنجّس عند التغيّر، ولا يمكن استصحاب طهارتها مع العلم بالانتقاض.
هذا تمام الكلام في التنبيه الرابع(1).
إننا سبق أن قلنا حين ناقشنا معارضة استصحاب عدم الجعل باستصحاب بقاء المجعول في الشبهات الحكمية الجزئية، وسبق أن قلنا استصحاب بقاء المجعول يكون جارياً ولا يعارض باستصحاب بقاء الجعل على مباني السيّد الأستاذ.
ولكن قد ترد هناك شبهة بناءً على مبنانا من عدم تصوّر مرحلة المجعول، فإننا قلنا: إنه ليس هناك إلّا الجعل وهو مرحلة بمقدار القضيّة مع تحقّق موضوعه في الخارج. فبناءً على هذا يقال: بأن استصحاب المجعول إنما يكون جارياً على مبنى من يتصوّر مرحلة المجعول؛ إذ يقال: بأننا كنا على علم عند تغيّر الماء بالنجاسة المجعولة، ونشكّ بارتفاعها بعد زوال التغيّر من نفسه، فيستصحب.
وأما بناءً على إنكار عالم المجعول، فماذا تستصحبون؟ هل تستصحبون المجعول؟ هذا خلاف فرض إنكاره، أو تستصحبون الجعل؟ فالجعل لا شكّ
ــــــــــ[136]ــــــــــ
() إذن فاستصحاب عدم النسخ يجري بلا معارض، وهذا هو المطابق للارتكاز العرفي والفقهي من جريان استصحاب عدم النسخ، فإن الفقهاء جيلاً بعد جيل يجرونه بِلا نكير من أحدهم، بل قيل: إنه مجمع ومتسالم عليه، ولا شكّ في جريانه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فيه حتّى يستصحب، فإنه باقٍ ولم ينسخ.
والجواب عن ذلك: هو أننا نستصحب الجعل في المقام أيضاً، فإنه يكفينا في تتميم المسألة، وذلك بعد الالتفات إلى النكتة التي قلناها من أن الحكم في الحقيقة صفة للصورة الذهنية الموجودة في ذهن المولى، ولكن إذا نظرنا إلى هذه الصورة بنظّارة الحمل الأوّلي، رأيناها عبارة عن طبيعة الماء المتغيّر الخارجية؛ لأننا نرى بهذا المنظار الخارج. فكما يكون للطبيعة الخارجية حدوث وبقاء يكون للحكم الذي تتّصف به حدوث وبقاء، ويكون للصورة الذهنية بالحمل الأوّلي حدوث وبقاء عنواني.
وحيث إن الطبيعة أخذت عنواناً للأفراد، فنحن بنكتة الخلط بين العنوان والمعنون نرى بها الأفراد. فنحن بنظارة الحمل الأوّلي نرى الطبيعة التي أخذت فانية عن الأفراد وعنواناً لها، وحيث كان للطبيعة الخارجية حدوث وبقاء كان للأفراد حدوث وبقاء أيضاً، وبذلك يمكن إجراء استصحاب الحكم الجزئي وتتمّ أركانه. هذا هو الكلام في التنبيه الخامس.
وبهذا ينتهي الكلام عن التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشبهات الموضوعية والشبهات الحكمية. وقد ثبت جريانه في كِلا هذين الموردين.
ويقع الكلام في التفصيل الذي ذكره شيخنا الأنصاري في الاستصحاب بين ما إذا كان الدليل الدالّ على الحكم لبياً فلا يجري الاستصحاب وبين كونه لفظياً فيجري.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[التفصيل الثاني: في الاستصحاب بين الحكم الثابت بالدليل الشرعي أو الثابت بحكم العقل]
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
قد يخطر في بعض أذهان الإخوان الأعزاء بقطع النظر عمّا قلناه في بحث حجّية الظواهر، أننا نقصد من هذه الأبحاث إتمام الظهور اللفظي لدليل الاستصحاب بمثل هذه الصناعات، وهذه الدقّة والالتفات للحمل الأوّلي والشايع وغيرها مما هو -على حدّ تعبير بعض الرفقاء- لا يلتفت إليها أكثر العلماء فضلاً عن العوام. فإذا أردنا أن نستدلّ على الظهور بمثل هذه العنايات. يعترض على ذلك: أن الظهور لا يمكن استنباطه من مثل هذه العنايات، وإنما الظهور أمر وجداني يعيشه الفرد طبقاً للقواعد التي تبانى عليها العرف في مقام التعبير والتفهيم والتقويم. ومثل هذا الوجدان لا معنى للاستطراق إلى إثباته بمثل هذه العنايات، فهناك خطأ في منهج البحث، ولم يكن غرضنا في يوم من الأيام إثباته بمثل هذه العنايات، وإن كان قد يتّفق من بعض الأشخاص بعض تعقيدات العلم.
وإنما نستهدف من هذه الأبحاث غرضاً آخر، وأشرح الفكرة بنحو الإجمال، والتفصيل موكول إلى بحث الظواهر، فقد بيّنا هناك أن هناك نحوين من الظهور: ظهور شخصي ذاتي وظهور موضوعي اجتماعي. فالظهور
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الشخصي هو الظهور بالنسبة إليك وفي ذهنك من معنى العبارة، وهو ذهن ناتج من التربية الاجتماعية العرفية العامة زائدة كثيراً من المؤثّرات النفسية والتأريخية التي أثرت في تكوين ذهني. والظهور الاجتماعي الموضوعي هو الظهور العرفي العام، الذي تعيشه الذهنية العامة لأبناء اللغة، تلك الذهنية المبنية على قواعد اللغة -الأعمّ من اللغة الأوّلية والثانوية- يعني لغة القواميس والعرف، وهو ظهور موضوعي؛ لأنه لم يتأثّر بالعوامل الشخصية.
لكن أين نحصّل هذا الظهور؟ وأين نحصّل هذا الشخص ابن اللغة الحقانّي المجرّد عن العوامل الشخصية؟ يمكن أن تحصّله في مجموع الأشخاص، فلو كان مجموع الأشخاص كان يتبادر إلى ذهنهم معنى واحد حينئذٍ، يستكشف من ذلك حقّانية هذا الظهور. وأنه ظهور موضوعي ينشأ من القواعد المشتركة التي بني عليها التفهيم والتفهم.
وقلنا إن الظهور الأوّل قد يطابق الظهور الثاني وقد يخالفه. فإن الفرد قد يعيش نفس ما يعيشه العرف فيطابق ظهوره له، وقد يخالفه؛ لأن له ظروفاً خاصةً قد تؤثّر في انحراف فهمه اللغوي وتبادره. فالظهور الشخصي غير مضمون المطابقة مع الظهور الموضوعي.
وقلنا في بحث حجّية الظواهر: إن حجّيتها على نحوين:
حجّية أولى: وهي حجّية الظهور الموضوعي الاجتماعي، في الكشف عن مراد المتكلّم والإمام، فإن ثبت هذا الظهور في كلامه يكون حجّة في إثبات مراده.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
أما طريقتنا إلى هذا الظهور فهو:
الحجيّة الثانية: وهي حجّية الظهور الشخصي الذاتي -على شرط أن يكون ظهور مستقلّاً ثابتاً غير بدوي متزلزل-، حجّية هذا الظهور في كونه أمارة على ذاك الظهور الموضوعي الاجتماعي.
فإن حصل في ذهني ظهور مستقرّ للعبارة في الوجوب، يكون هذا أمارة على أن الظهور الموضوعي العرفي أيضاً في الوجوب، فيدخل تحت موضوع الحجّية الأولى، فيثبت بذلك مراد الإمام. وهذا كلّه مفروغ عنه وموكول إلى محلّه. فالفقيه بعد التأمّل في اللفظ إما أن تنقش في ذهنه نقشاً واضحاً غير متزلزل معنى من المعاني، وإما أن لا ينتقش في ذهنه شيء وكلّما فكّر واستقرأ وجد انه لم ينسبق أحد المعنيين إلى وجدانه أسبقيةً مستقرّةً، فهاتان حالتان:
أما في الحالة الأولى: وهو ما إذا فرض أنه انسبق إلى ذهن هذا الشخص أن هذا اللفظ معناه كذا. فهذا يكون حجّة على وجود الظهور الاجتماعي، ولا يلزمه أن يبحث عن نكتة هذا الظهور وفلسفته، فلو ظهر لي بوجداني أن دليل الاستصحاب شامل لموارد الشبهة الحكمية، يكون لي أن اعتمد على هذا الظهور بلا حاجة إلى التفتيش عن المناشئ.
ولكن إذا وجد شخص آخر أنكر هذا الظهور وقال: بأني كلّما رجعت إلى وجداني أرى هذا الدليل قاصراً عن الشمول للشبهات الحكمية. فهنا تارةً تكون مهمّتي تشخيص الوظيفة العلمية لنفسي أو لغيري، فليس لي لزوم بهذا الشخص فإني جازم بهذا الظهور وأبني عليه.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وأما إذا أردت أن أقنع هذا الشخص أو من يتأثّر به بوجهة نظري، يعني أجعله يصل إلى نفس المدرك الذي وصلت إليه. فهنا لا أكتفي بمجرّد دعوى الظهور، وإنما لا بُدّ لي أن أفكر في أن أقضي على الأسباب التي دعت إلى خفاء هذا الظهور على ذهن ذاك الشخص الآخر.
ويمكن أن يتصوّر لذلك سببان:
السبب الأول: أن يكون الشخص الآخر وإن كان يعيش نفس الجذور الارتكازية التي أعيشها، لكن هذا الارتكاز وقع تحت الشعاع بحيث لم يؤثّر بوجوده الارتكازي لضعفه وخموله، فهي أثّرت في نفسي ولم تؤثّر في نفسه. فهنا لو استطعت أن أحوّل هذا الارتكاز إلى شعور تفصيلي، يعني أفتش عن الأسباب التي أوجدت عندي هذا الظهور، ثُمّ أشرحها له، فينظر في نفسه، وفي كثير من الحالات يفرض أنه بالتفاته إلى النكتة يتقبّل الظهور، يعني أن الارتكاز المغمور في نفسه يصبح التفاتاً تفصيلياً، فيحصل عنده نفس الظهور الذي كان يحصل عندي.
السبب الثاني: أن يفرض أن الارتكاز عنده ليس بأضعف من الارتكاز عندي، لكن هذا الارتكاز مُنِيَ بشبهة فتخيّل هو أن هذا الإيماء الذي يفرضه ارتكازه ليس على مقتضى قواعد اللغة العربية التي يعرفها هو. فإن دليل الاستصحاب يوحي له بجريانه في الشبهة الحكمية، لكن وقع في شبهة وهي أن الاستصحاب يتوقّف على الحدوث والبقاء والشكّ في الأحكام الكلّية دائماً شكّ في الحدوث، فلا يجري الاستصحاب، فلأجل هذه الشبهة لا يستلزم للارتكاز.
فاذا أمكن بالرجوع إلى مناشئ الارتكاز، بحيث يظهر كيفية التوفيق بين
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هذا الظهور وبين القواعد المتّفق عليها في اللغة، فلعلّ الشبهة تنزاح ويؤثّر الارتكاز أثره. فأقوله له: لعلّ هذا الظهور في دليل الاستصحاب للشبهة الحكمية هو بلحاظ أن المركوز في نظر العرف هو لحاظ الحمل الأوّلي دون الحمل الشايع، فهم يرون حدوثاً وبقاءً لا أنهم يرون محض الحدوث. فيؤثّر هذا الارتكاز أثره.
ونحن ما بيّناه في كيفية شمول دليل الاستصحاب للشبهات الحكمية الكلّية والجزئية، لم يكن مقصودنا من ذلك البرهنة على ظهور الدليل في شموله لها يمثل هذه العنايات، وإنما توصّلنا إلى هذا الظهور ابتداء بلا حاجة إلى هذه العنايات، إما نعيشه بأذهاننا الصافية أو نعرفه من تطابق العلماء عليه، وفيهم مَن هو مِن أصفى الناس ذهناً وأحسنهم ذوقاً. وهذا يكفي في ترتيب الأثر العملي.
وأما في مسألة إقناع من ينكر ذلك، فهو يكون بإبراز النكات الارتكازية التحليلية، حتّى يتنبه الارتكاز أو ترتفع شبهته، فهذا هو الهدف التربوي من هذه البحوث. وليس الهدف فيها البرهنة على الظهورات بمثل هذه العنايات، وإنما على أن ندافع عن هذه الظهورات بمثل هذه العنايات(1).
ــــــــــ[145]ــــــــــ
() وهنا قلت له: فهمت أن الارتكاز العرفي في النتيجة قائم على التدقيقات، وإن كان الظهور قد قام عليها.
فقال: نعم.
فقلت: مع أن هذه التدقيقات مما لا يفهمه العرف أصلاً.
فقال: الجواب أن العرف فهمه بالآخرة الفرق الدقيق ما بين الحرف والاسم، وما بين المفردات اللغوية الدقيقة: كـ(ستخرج، وأخرج، وخارج)، فإن هذه فروق يعيشها كلّ شخص من أبناء اللغة العربية السليمين، مع أن واقع هذه الفروق من أدقّ الفروق، فاللغة العربية وكلّ لغة في العالم مبنية على الدقّة. أما أن هذه الارتكازات كيف تسرّبت فهذا بحث آخر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هذا كلّه فيما إذا فرض أن حالتنا الوجدانية كانت هي الظهور.
وأما الحالة الثانية: وهي أنني قرأت العبارة فلم أجد لها ظهوراً. فهل أغلق البحث نهائياً، أو أرجع إلى التحليلي أيضاً؟ أيضاً ارجع إليه بمقدار ما. بمعنى أنني أرجع إلى العبارة لأجل أن أفكّر في نكتة فنية قد تكون منشأ للدلالة على الظهور. كظهور القضيّة الشرطية على المفهوم، فلعلي بالتفاتي إلى هذه النكتة يتكوّن الظهور في نفسي منسوباً إلى هذه النكتة، وتكون هذه النكتة حيثية تعليلية في إيجاد هذا الظهور في ذهني.
وهذا معناه أني ابتليت بالسبب الأوّل الذي ابتلى به خصمي في الصورة السابقة: أن ارتكازي كان ضعيفاً جداً فأنشطه بالاطّلاع على النكتة الفنية، فيتولّد الظهور في ذهني.
وقد يفرض في المقام السبب الثاني، وهو أني وقعت في شبهة وبالالتفات إلى النكتة تنحلّ هذه الشبهة.
وأما إذا فرض أنني كلّما قرأت أرى أن ارتكازي لا يزال ميتاً، كلّما اقرأ لا أجد أن القضيّة الشرطية تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء. وحينئذٍ فأما أني أستطيع أن أحصّل بتراكم القرائن الاطمئنان بأن النكتة الدالّة على ثبوت
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
المفهوم للقضيّة الشرطية -وهي الإطلاق ومقدّمات الحكمة-، بأن هذه النكتة نكتة كلّية في نظر العرف، يعني لا فرق بين هذا المورد وغيره من موارد ثبوت الإطلاق في هذه النكتة. فإنه لا إشكال أن الإطلاق يجري في: وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1)، إذن فلماذا صرت أشكّ في جريانه هنا؟ فإذا فرض أني كلّما فتّشت لم أرَ فارقاً من ناحية اللغة، وبين الموارد الأخرى التي أجد فيها النكتة واضحة، فليست هناك خصوصية توجب المنع عن تأثير هذه النكتة هنا دونه هناك. فلو حصل لي الاطمئنان بعدم الفارق، فحيث إن التمييز بين مورد ومورد في اللغة ليس تعبّدياً، فلذا قد يحصل لي الاطمئنان بأن هذا الكلام يدلّ على المفهوم، غاية الأمر ذهني مشوب لا يفهمه، فأعمل على هذا الاطمئنان.
أما إذا احتملت أن نكتة الإطلاق فيها فرق بين هذا المورد وغيره، إما الفرق في أصل اقتضائها أو من حيث اقترانها بالمانع، ولم أستطع بالشواهد والالتفات إلى القرائن والنظائر أن أرفع هذا المطلب. فحينئذٍ كلّ الصناعات في العالم لو اجتمعت لا تفيد شيئاً؛ لأنها لا تؤدّي إلى الجزم بالظهور.
هذه طريقتنا في علاج الدليل اللفظي.
ومن هنا يتّضح أن الأبحاث السابقة في الاستصحاب كان المراد منها الدفاع عن الظهور، لا البرهنة عليه. وينبغي أن يكون هذا دائماً منهجنا في علاج الأدلّة اللفظية.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
في جريان الاستصحاب، وهو التفصيل بين الحكم الشرعي الثابت بملاك حكم العقل، والحكم الشرعي الثابت بغيره من الأدلّة. فالأوّل لا يجري فيه الاستصحاب والثاني يجري.
المستخلص من مجموع الكلمات هو تقريبات ثلاثة لعدم جريان الاستصحاب للحكم الذي يكون ثابتاً بملاك حكم العقل.
أحدها: أن حكم العقل لا يتصوّر الشكّ في بقائه، بل هو إما مقطوع البقاء وإما مقطوع الارتفاع. وإذا لم نتصور الشكّ في بقاء حكم العقل، فلا يتصوّر أيضاً الشكّ في بقاء الحكم الشرعي، فإنه ثبت بملاك حكم العقل، وحيث يقطع بارتفاعه حكم الشرع لمكان الملازمة بينهما، فلا يمكن جريان الاستصحاب فيه.
وهذا الكلام على إجماله ينبغي أن يراد منه أحكام العقل العملي، لا أحكام العقل النظري وإدراكات العقل للمصالح والمفاسد والملازمات الواقعيّة. فما يدّعى من أن العقل لا يتصوّر أن يشكّ في بقاء حكمه، واضح الاندفاع بالنسبة إلى مدركات العقل النظري، فإنه قد يدرك وجود شيء أو عدم شيء ثُمّ يشكّ في بقاء.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ومن هنا إذا أدرك العقل النظري وجود مصلحة تامّة الشرائط فاقدة الموانع بالغة الى درجة عالية في فعل من الأفعال، فلا محالة يستكشف الحكم الشرعي؛ لأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا استكشفت المصلحة التامّة يستكشف معلولها وهو الحكم الشرعي. فإذا شكّ بعد هذا أن المصلحة هل بقيت أو لم تبقَ؟ فمثل هذا أمر معقول في باب إدراكات العقل النظري.
ومن هنا لا يمكن ادّعاء هذا التقريب في الأحكام الشرعية التي تكون ثابتة بمدركات العقل النظري.
وإنما يمكن تطرق هذا التقريب وهو بدواً في مدركات العقل العملي، أي: باب الحسن والقبح العقليين. وذلك بأن يقال: بأن الحسن والقبح العقليين لا يتصوّر فيهما الشكّ في أن الشيء هل بقي على حسنه أو على قبحه أو لا؟ إذن فهو إما مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع، وحيث إن الحكم الشرعي ثبت بملاك الحسن والقبح فإذا قطع بارتفاعه أو ببقائه قطع بارتفاع الحكم الشرعي أو ببقائه، فلا يتصوّر شكّ فيه.
وإنما كان هناك مجال لتوهّم هذا التقريب في مدركات العقل العملي دون النظري، باعتبار تضارب المباني في هوية العقل العملي مع اتّفاقها على هوية العقل النظري. فمدركات العقل النظري لا إشكال في كونها صوراً واقعيّة وموضوعية، يعني لها واقع بنحو موضوعي مستقلّ عن إدراك العقل(1)؛ لأن إدراك العقل هو الذي يخلق هذه الأشياء، كما يقول السفسطائيون والمثاليون.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
() حينما يكون الإدراك صادقاً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فمع التسليم بهذا، لا محالة حيث إن العقل ليس محيطاً بكلّ الأشياء فهو يدرك بمقدارٍ ما، فلا يدري أن هذا الشيء الذي أدركه هل ارتفع أو لا زال موجوداً فيتصور الشكّ في مدركات العقل النظري؟
وأما مدركات العقل العملي، فمثل هذا التسالم ليس موجوداً فيها؛ باعتبار تضارب المباني في تصوير هوية الحسن والقبح العقليين -مدركات العقل العملي-، فهل الحسن والقبح أمران جعليان أو أمران واقعيان؟ وعلى الثاني هل هما أمران واقعيان ذاتيان، يعني لا واقعيّة لهما إلّا في أفق إدراك العقل، أو هما أمران واقعيان موضوعيان، لهما واقع محفوظ سواء أدركه العقل أو لم يدركه؟
فلو اختيرت آخر هذه الاحتمالات، تصبح مدركات العقل العملي كمدركات العقل النظري، فيكون لمدركات العقل العملي واقع محفوظ بقطع النظر عن إدراك العقل، يكون حالها حال إدراكات العقل النظري.
لكن حيث إن هذا المطلب ليس مفروغاً عنه، ومحلّ التضارب بين المباني، لهذا أمكن تسليط هذا التقريب على مدركات العقل العملي، بأن يقال: إن الحسن والقبح لا يتصوّر الشكّ في بقائها؛ لأنهما ليس لهما واقع محفوظ بقطع النظر عن إدراك العقل حتّى يتصوّر الشكّ في بقائهما، بل هو إما مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع، إذن فالحكم الثابت بقانون التبعية لهما إما مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع، فلا يجري فيهما الاستصحاب.
وهناك عدّة مباني في هوية مدركات العقل العملي يدّعى على أساسها أن الأحكام العقليّة هذه ليست قابلة للشكّ في بقائها.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
المبنى الأول: هو المبنى الذي أصرّ عليه المحقّق الأصفهاني في أصوله، حيث ذكر عشرات المرات في حاشيته على (الكفاية): أن الحسن والقبح العقليين ليسا أمرين واقعيين، وليست قضايا: (العدل حسن) و(الظلم قبيح) معتقد بها بلحاظ مطابقتها للواقع، إذ لا واقع لها. وإنما هي قضايا واقعها تطابق أراء العقلاء عليها، ومعناه بناؤهم -حفظاً للمصالح العمومية- على أن يمدحوا من يعدل ويذمّوا من يظلم.
المبنى الثاني: وهو مبنى الآخوند في حاشيته على (الرسائل)، وهو أن يقال: إن الحسن والقبح أمران واقعيان، -لا أمران عقلائيان- لكنّهما واقعيان ذاتيان لا واقع لهما إلّا في أفق إدراك العقل. بتوضيح: أن العقل باعتباره قوّة من قوى النفس فهو كسائر قوى النفس الدرّاكة كحواس الإنسان المختلفة، وهذه القوى الدرّاكة تارةً تدرك ما يلائمها فتنبسط، وأخرى تدرك ما ينافرها فتنقبض وتشمئز. يقول الآخوند: لو أن إنساناً أكل الحلو فحاسّة الذوق عنده تنبسط، ولو أكل المرّ فحاسّة الذوق عنده تشمئز. هذا بعينه موجود في العقل، فهو حين يدرك الظلم يشمئز وحينما يدرك العدل ينبسط.
فيكون الحسن والقبح العقليين عبارة عن ملائمة القوّة العاقلة مع إدراك هذه الصورة وعدم ملائمتها معها، فإذا انبسط مدح وحسّن وإذا اشمئزّ ذم وقبّح.
فالحسن والقبح العقليان أمران واقعيان، لكنّهما واقعيان على حدّ واقعيّة الاشمئزاز من المرّ والانبساط للحلو، وهو واقع ذاتي لا واقع موضوعي.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فليس(1) هناك عالم جعل وإنشاء وسلوك خارجي من العقلاء -كما هو الحال على الوجه الأوّل- وإنما هذه خاصّية تكوينية في هذه القوّة الدرّاكة، فإن من خواصها التكوينية أنه يلائمها بعض الأشياء وينافرها بعض الأشياء.
المبنى الثالث: أن يكون الحسن والقبح أمرين واقعيين يدركهما العقل، وهذا الأمر الواقعي محفوظ بقطع النظر عن إدراكه، وله وجود موضوعي وحقّانية موضوعية، سواء تحقّق هذا الإدراك أو لم يتحقّق. يعني أنه في موارد العقل العملي هناك واقع لا جعل -خلافاً للمبنى الأوّل-، وهو واقع موضوعي لا ذاتي خلافاً للتقريب الثاني.
*****
المبنى الثالث(2): أن يقال: بأن الحسن والقبح أمران واقعيان موضوعيان، موجودان في لوح الواقع. فبعض الأفعال متّصفة بالحسن ذاتاً وبعضها متّصفة بالقبح ذاتاً، سنخ الزوجية والفردية -للأعداد- اللذان هما أمران واقعيان موضوعيان. فالحسن والقبح من الأمور التي يدركها العقل ويضيفها إلى لوح
ــــــــــ[152]ــــــــــ
() وهنا أشار إلى الفرق بين هذا الوجه والوجه الأوّل؛ جواباً على سؤال لي: فليس… (المُقرِّر).
(2) ثُمّ إن السيّد قسّم المبنى إلى قسمين، بحيث تكون المسالك أربعة، ولكنّه عرض هذه المسالك في المحاضرة الآتية بشكل أفضل، فننقله منها مع تطبيقه على هذه المحاضرة. (المُقرِّر).
عنون السيّد الأستاذ في هذه المحاضرة مبانياً أربعة لتصوير الحسن والقبح العقليين، وبعد أن عدَّ اثنين منها كما سبق قال: المبنى الثالث:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الواقع، فإننا نقول: بأن لوح الواقع أوسع من لوح الوجود، فهما من قبيل إمكان الإنسان وامتناع اجتماع النقيضين، فكما أن الإمكان والاستحالة أمران واقعيان ثابتان بقطع النظر عن إدراك العقل النظري، كذلك حسن بعض الأفعال وقبحها أمران واقعيان ثابتان بقطع النظر عن إدراك العقل.
المبنى الرابع: يبرز هذا المبنى مفهومين:
أحدهما: الحسن والقبح.
والآخر: مفهوم قبلهما وهو وقوع الشيء في موقعه ووقوعه في غير موقعه. ويقول إن الحسن والقبح غير المفهوم الآخر.
فإن الحسن عبارة عن استحقاق المدح والقبح عبارة عن استحقاق الذمّ، فالوفاء للصديق واقع في موقعه فيستحقّ المدح والخيانة له لم تقع في موقعها فتستحقّ الذمّ. فالحسن والقبح أمران مترتّبان على كون الشيء واقعاً في موقعه أو في غير موقعه.
وكون الشي واقعاً في موقعه أو في غير موقعه أمر واقعي موضوعي(1)، وليس للإدراك دخل في إيجاده أصلاً، سواء أدرك الفاعل -الذي يريد الوفاء أو الخيانة- أنه واقع في موقعه أو ليس بواقع، أو أنه لم يدرك ذلك.
لكنّ الحسن والقبح الذي هو عبارة عن استحقاق المدح واستحقاق الذمّ،
ــــــــــ[153]ــــــــــ
() وهذا الواقع الموضوعي ليس هو الحسن والقبح، وإنما يتولّد الحسن والقبح من إدراكه، يعني أنهما فرع الوجود الواصل لذلك الأمر الواقعي. (المحاضرة السابقة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
واستحقاق الثواب والعقاب، فرع أن يعلم الفاعل بأن فعله واقع(1) في موقعه أو واقع في غير موقعه، فهما أيضاً أمران واقعيان(2)، لكن أُخذ في موضوعهما العلم بأن الشيء واقع في موقعه أو غير واقع.
فهذا المبنى الرابع يقول: بأن الحسن والقبح أمران واقعيان موضوعيان، كما كان يقول صاحب المبنى الثالث، لكنّ فرقه عنه بأن هذا يقول: أنه أُخذ في موضوعهما العلم، لا العلم بالحسن والقبح -وإلّا يلزم الدور–، بل العلم بكون الشيء واقعاً في موقعه، أو لا واقعاً في موقعه. بينما صاحب المبنى الثالث يقول: بأن الحسن والقبح أمران واقعيان لم يؤخذ في موضوعهما العلم. فهذه هي المباني الأربعة.
وتحقيق هذه المباني وما المختار منها سوف لن نبحثه؛ لأنه تقدّم في بحث الدليل العقلي ومناقشة كلمات علمائنا الإخباريين، وإنما نتكلّم هنا بمقدار تأثيرها في محلّ الكلام في جريان الاستصحاب وعدم جريانه.
فنأخذ المبنى الأوّل، لـ(حاج شيخ) الذي هو أغرب هذه المباني وأبعدها عن الواقع، قد يتخيّل أنه بناءً على هذا المبنى لا يتصوّر شكّ في بقاء الحكم العقلي؛ لأننا حوّلناه إلى حكم عقلائي، يعني إلى جعل صادر من العقلاء بما هم عقلاء، وحينئذٍ فكلّ شخص من العقلاء لا يتصوّر أن يشكّ في بقاء الحكم
ــــــــــ[154]ــــــــــ
() كما كان يعبّر السيّد الأستاذ. (المحاضرة السابقة). (المُقرِّر).
(2) فالحسن والقبح في طول إدراك ذاك الأمر الواقعي. (المحاضرة السابقة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
العقلي؛ لأنه مساهم في عمليّة جعله، يعني هو الجاعل لهذا الحكم، والحاكم لا يشكّ في حدود دائرة حكمه من حيث السعة والضيق. فلا يتصوّر في العقلاء أن يشكّوا في حكمهم بنحو الشبهة الحكمية، بمعنى أنهم لا يدرون أن حكمهم يستمرّ إلى ما بعد هذه الحالة أو لا. وعليه فلا يتصوّر شكّ في بقاء الحكم العقلي، وبالتالي لا يتصوّر شكّ في بقاء الحكم الشرعي الثابت بتبعية حكم العقل، فلا يجري استصحابه.
أوّلاً: أن هذا الحسن والقبح بعد أن حوّلناه إلى جعل العقلاء بما هم عقلاء ومدركون للمصالح العمومية للعباد، فيجعلون جعلاً تنحفظ به هذه المصالح. فلماذا لا يتصوّر شكّ أحد هؤلاء العقلاء في حدود هذا الجعل وفي سعته وضيقه؟ وذلك: لأن إدراك المصالح العمومية بنفسه مقول بالتشكيك، فإن بعض هذه المصالح قد تكون مدركة لجماعة من العقلاء، وبعض تلك المصالح لا تكون مدركة لجماعة أخرى منهم. فإن عمومية المصلحة لا تكفي لكي يكون إدراكها أيضاً عمومياً، حتّى يصبح الجعل على طبقها أيضاً عمومياً.
إذن فشكّ بعض العقلاء في ذلك من جهة غموض مراتب إدراك المصلحة العمومية أمر معقول، على حدّ شكّ العقلاء في الوضع اللغوي، مع أن الوضع جعل من قبل العقلاء والعرف وأبناء اللغة، ومع هذا يشكّ بعض أبناء اللغة في أن لفظة (ماء) هل تطلق على الماء الذي خلط بالتراب أو لا؟ باعتبار أن الذوق اللغوي والنكات الطبعية اللغوية موجودة بشكل مشكّك في أبناء اللغة، وليست موجودة بنحو التساوي بينهم.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فكما يتصوّر أن يشكّ بعض أبناء اللغة في الوضع سعةً وضيقاً، كذلك يتصوّر أن يشكّ بعض أبناء العقلاء في حدود جعل الحسن والقبح سعة وضيقاً؛ باعتبار التشكيكية في إدراك المصالح العمومية، يعني(1) يشكّ في إدراك الآخرين للمصلحة وعدمه.
هذا إلّا إذا فرضنا إننا أخذنا قيداً اصطلاحياً في الحسن والقبح العقلائيين، وقلنا إنهم يجعلون الحسن والقبح وفق إدراك موجود في تمام العقلاء إلى يوم القيامة. فمثل هذا مجرّد افتراض لا مبرّر له في المقام؛ إذ لا مبرّر لفرض أن كلّ إدراك للمصلحة العمومية لا بُدّ وأن يشترك به جميع العقلاء، فإن ما يشترك به الجميع إنما هو الإدراكات البديهية الفطرية، لا المصالح العمومية. فجعل الحسن والقبح لا محالة بعدُ كونه حكماً للعقلاء، فهو في كلّ عصر يتبع إدراكهم الفعلي للمصالح العمومية، ولا يوجد هناك ما يبرهن على أن هذا الإدراك يطابق إدراك الآخرين تماماً، فلعلّه يختلف عنه من باب التشكيك في المرتبة.
وأمّا ثانياً: فلأننا لو سلّمنا أن الشكّ في بقاء الحكم العقلي غير متصوّر على هذا الأساس، فلا نسلّم عدم تصوّر الشكّ في الحكم الشرعي؛ لأن هذا الحكم وإن كان ثابتاً بقانون الملازمة بين حكم العقلاء وحكم الشارع، إلّا أن هذه الملازمة لا تقتضي الملازمة بينهما إثباتاً ونفياً وضعاً ورفعاً. فإن غاية تقريب الملازمة الذي يذكرونه بناءً على هذا المبنى هو أن يقال: بأن العقلاء بما هم عقلاء حيث إنهم يجعلون حسن الأشياء وقبحها، والله سبحانه هو رئيس
ــــــــــ[156]ــــــــــ
() جواباً عن سؤال. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
العقلاء وأعقلهم؛ إذن فهو أيضاً يجعل كما يجعلون ويقرّر كما يقررون، فيمدح حيث يمدحون ويذمّ حيث يذمّون، ومدحه هو ثوابه وذمّه هو عقابه -هكذا يقول (حاج شيخ)-.
وهذه الملازمة لو تمّت، فغاية ما تثبت: أن الشارع لا يتخلف عن جعل العقلاء، لا أنه لا يجعل جعلاً أوسع منهم؛ باعتباره أكثر إدراكاً للمصالح والمفاسد ولمراتبها. فما يدركونه يدركه ولكن قد يدرك أزيد منهم، فيمكن أن يجعل من أوّل الأمر في دائرة أوسع مما يجعلونه. فالقطع بأن الجعل العقلائي مرتفع لا يلازم القطع بأن الحكم الشرعي مرتفع، ومع احتمال ذلك(1) يكون الشكّ في بقاء الحكم الشرعي معقولاً. والكلام إنما هو في استصحاب الحكم الشرعي دون العقلي.
وهناك إشكال ثالث بلحاظ الشبهة الموضوعية، فإن ما تقدّم كان بلحاظ الشبهة الحكمية. و(حاج شيخ) ادّعى أنه بلحاظ الشبهة الموضوعية أيضاً لا يتصوّر شكّ بلحاظ الحكم العقلي، كما كان في الحكمية. فمثلاً العقلاء حكموا بقبح الكذب المضرّ، ثُمّ بعد هذا شكّ في أن هذا الكذب هل زالت عنه هذه الصفة أو لا؟ أما أنه لا يعقل الشكّ فيه بنحو الشبهة الحكمية؛ فكما تقدّم من أن الحاكم لا يشكّ في حكمه. وأما أنه لا يعقل الشكّ في بقائه بنحو الشبهة الموضوعية؛ فلانه يقول: بأن الحسن والقبح والمدح والذمّ من شؤون الأفعال الاختيارية، ويستحيل أن يتعلّق بغيرها. الفعل لا يكون اختيارياً إلّا مع فرض
ــــــــــ[157]ــــــــــ
() يعني: سعة الجعل الشرعي عن دائرة الجعل العقلائي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وصوله، وأما مع عدم العلم به وعدم الالتفات إليه لا يكون اختيارياً، فالمدح والذمّ لا يعقل أن يكون موضوعه واقع الكذب المضرّ سواء وصل أم لا، فإنه يلزم تعلّقه بالكذب المضرّ في الواقع ولو لم يصدر عن التفات وقصد وعلم، وهذا مستحيل كما أسلفنا.
إذن فلا محيص عن الالتزام بأن موضوع الحكم العقلي هو الكذب المضرّ بوجوده الواصل لا بوجوده الواقعي، وعليه فتمتنع الشبهة الموضوعية؛ لأنه بمجرّد أنّا نشكّ في إضراره وعدمه ينتفي الموضوع؛ لأن الموضوع هو الكذب المضرّ بوجوده الواصل.
هذا الكلام غير صحيح: وذلك:
أما أوّلاً: فلِما تقدّم في بحث التجرّي من أن الاختيارية لا تتقوّم بالوصول والعلم بوصول العنوان والجزم به، على بحث تقدّم هناك.
وثانياً: بقطع النظر عن الإشكال المتقدّم: من قال له بأن الحسن والقبح يستحيل أن يتعلّق بالكذب المضرّ بوجوده الواقعي؟ يقول: بأن الحسن والقبح عبارة عن المدح والذمّ وهما من شؤون الأفعال الاختيارية، وسلّمنا بأن الفعل الاختياري تكون اختياريته بالوصول، ولكن من قال له بأنه لا يمكن أن يتعلّق المدح والذمّ بغير الأفعال الاختيارية؟
هذا ليس إلّا من باب قبح الذمّ للفعل غير الاختياري. ومن الواضح أن الحسن والقبح بعد إرجاعهما إلى جعلين عقلائيين، فيصير حالهما حال سائر الأحكام المجعولة من قبل الموالي. فكما أن سائر الأحكام يتصوّر فيها أن تتعلّق
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بموضوعات واقعيّة محفوظة من حال الشكّ والعلم، كذلك يتصوّر ذلك في الأحكام العقلائية.
هذا كلّه بناءً على المبنى الأوّل.
واتّضح أنه على المبنى الأوّل: لا ينبغي الإشكال في إجراء استصحاب الحكم الشرعي الثابت بقانون الملازمة بين حكم الشرع والعقل.
وأما بناءً على المبنى الثاني: وهو أن الحسن والقبح أمران واقعيان ذاتيان، أي: عبارة عن اشمئزاز العقل وانبساطه. بناءً عليه لو اقتصرنا على هذا بمجرّده، فلا إشكال ولا ريب أن الشكّ في الحكم العقلي غير معقول حينئذٍ؛ لأن هذه حالة وجدانية لا يتصوّر -مثلاً- الشكّ فيها بالنسبة إلى شخص إلّا من باب الوسواس أو ما هو بحكم(1) الوسواس.
ولكنّنا لو اقتصرنا على هذا المطلب فإننا ننكر الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع أساساً؛ لأن مجرّد أن هذه القوّة الدرّاكة تشمئز من شيء وتنبسط من شيء آخر، ولوحظ ذلك من حيث هو هو، لا يكفي ملاكاً لحكم الشارع بالوجوب أو بالحرمة. بل حال هذه القوّة الدرّاكة حال القوة الحسّاسة التي تشمئز من المُرّ وتنبسط للحلو، فهل يكفي هذا في استكشاف أن الشارع يحرّم المُرّ ويوجب أكل الحلو؟ والقوة العاقلة كسائر القوى الدرّاكة من هذه الناحية.
فلا بُدّ وأن يضمّ إلى هذه الدعوى شيء آخر، وهو أن يقال: بأن العقل النظري يدرك أن هذا الاشمئزاز خلقه الله في القوّة العاقلة نتيجة لمفسدة ثابتة في
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() من قبيل الظنّ الضعيف. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ذات هذا الفعل، وأن هذا الانبساط خلقه الله في القوّة العاقلة نتيجة لمصلحة موجودة في ذات الفعل. فبعد ضمّ هذا الإدراك من العقل النظري يمكن استكشاف الحكم الشرعي.
وحينئذٍ يكون الحكم الشرعي تابعاً لتلك المفسدة والمصلحة التي معرّفها وكاشفها هو هذا الاشمئزاز والانبساط، وحينئذٍ فيتصوّر الشكّ في بقاء الحكم الشرعي؛ لأن تلك المصلحة والمفسدة لعلّها ذات مراتب، بعض مراتبها مؤثّرة في الانبساط والاشمئزاز، وبعض مراتبها غير مؤثّرة فيه، والحكم الشرعي تابع لواقع تلك المصلحة والمفسدة. فلا يلزم من عدم الاشمئزاز والانبساط ارتفاع المصلحة والمفسدة بتمام مراتبها، بل لعلّ(1) بعض مراتبها لا تزال باقية، فيكون الحكم الشرعي باقياً بتبعها، وعليه فالشكّ في الحكم الشرعي يكون متصوّراً.
وأما على المبنى الثالث وهو أن الحسن والقبح أمران واقعيان موضوعيان لم يؤخذ في موضوعهما العلم. إذا كان هكذا فلا محالة يتصوّر الشكّ في بقاء الحكم العقلي وتتصوّر الشبهة الحكمية، فإنه يمكن للعقل أن يدرك بثبوت هذا القبح في الزمان الأوّل، ثُمّ يشكّ في بقائه في الزمان الثاني؛ لأنه بعد الاعتراف بكونه أمراً واقعياً موضوعياً لا دخل للعلم فيه، يصبح حاله حال مدركات العقل النظري، فكما يتصوّر فيها الشكّ في البقاء كذلك مدركات العقل العملي.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
() إلّا أن يقال: بأن الله تعالى جعل المرتبة المساوقة لجعل الحكم دائماً مساوقة للاشمئزاز والانبساط، فما لم يوجد الانبساط والاشمئزاز يقطع بعدم الحكم، إلّا أن هذا مما لا يدركه العقل فتأمّل. ومعه ينسدّ الشكّ في الحكم وباب الاستصحاب. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وأما على المبنى الرابع: وهو أنه يتصوّر شيئين واقعيين موضوعيين:
أحدهما: كون الفعل واقعاً في موقعه وكونه واقعاً في غير موقعه، وهو أمر واقعي موضوعي لم يؤخذ في موضوعه العلم.
الآخر: أمر موضوعي آخر أخذ في موضوعه العلم بالأمر الأوّل، وهو استحقاق الثواب أو المدح، استحقاق العقاب أو الذمّ.
فإذا لم يكن لدى الفاعل علم بالأول لا يكون الأمر الثاني فعلياً في حقّه. وكِلا الأمرين واقعي موضوعي.
بناءً على هذا المبنى الرابع، طبعاً الشكّ في الأمر الأوّل يكون معقولاً، الشكّ في كون الشي واقعاً في موقعه أو غير واقع أمر معقول؛ لأنه أمر واقعي موضوعي ثابت بقطع النظر عن إدراك العقل، فالشكّ في بقائه أمر معقول كالشكّ في سائر الأمور الواقعيّة الموضوعية. وأما الشكّ في بقاء الحكم الثاني وهو استحقاق المدح والذمّ، فهو غير معقول؛ لأن استحقاقه أُخذ في موضوعه العلم بكون الشيء واقعاً في موقعه، فبمجرّد الشكّ في كونه واقعاً في موقعه أو غير واقع، يحصل العلم بعدم استحقاق الثواب والعقاب.
وأما الحكم الشرعي المستكشف بالملازمة: فتارةً يدّعى أن برهان الملازمة يقتضي التلازم بين الحكم الشرعي والأمر الأوّل، وأخرى يدّعى أن البرهان يقتضي التلازم بين الحكم الشرعي والأمر الثاني.
فإن فرض أن التلازم كان بين الحكم الشرعي والأمر الأوّل، فيتصوّر فيه
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الشكّ في البقاء بتبع الشكّ في بقاء الحكم العقلي نفسه. وإذا فرضنا أن الملازمة كانت بين الحكم العقلي بلحاظ الحكم الثاني والحكم الشرعي، فلا يتصوّر شكّ في بقاء الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي ملاكه هو الأمر العقلي الثاني، فهو مجعول على محصّل ذاك الملاك، ومحصّله هو عبارة عن الصدق الذي يدرك كونه واقعاً في موقعه، أو الكذب الذي يدرك أنه غير واقع كذلك. وإذا كان هكذا فيعلم أن هذا الموضوع لهذا الحكم الشرعي قد انتفى يقيناً. غاية الأمر أنه يشكّ -شكّاً بدوياً- في أنه هل هناك حكم شرعي متعلّق بموضوع آخر أوسع من هذا الموضوع أو لا، وهو شكّ بدوي في حكم آخر؟ وإلّا فشخص الحكم الثابت ببرهان الملازمة لا يتصوّر فيه الشكّ في حكم آخر.
إلّا أنه -على ما أتذكّر- تقدّم في بحث الملازمة أن ما هو مناط الملازمة إنما هو الأمر الأوّل دون الثاني، يعني لو قيل بالملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل، فإنه إنما يقال بها بينه وبين حكم العقل بلحاظ الأمر الأوّل دون الثاني، وتفصيل الكلام في محلّه.
وقد عرفنا إلى الآن أن هذا التقريب للمنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية لا يتمّ لا على المبنى الأوّل ولا الثاني ولا المبنى الثالث. وأما على المبنى الرابع ففيه كلام مبنيّ على أن الملازمة هل تتصوّر بلحاظ الأمر الأوّل أو بلحاظ الأمر الثاني؟
هذا تمام الكلام في التقريب الأوّل.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
للمنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية المستكشفة بطريق التبعية لحكم العقل.
هذا التقريب يحتاج إلى مقدّمة.
وحاصلها: أنه استشكل في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية رأساً، من ناحية أن الشبهة الحكمية مساوقة دائماً مع الشكّ في بقاء الموضوع، ويشترط في جريان الاستصحاب إحراز بقاء الموضوع، ومع الشكّ في بقاءه لا يمكن إجراء الاستصحاب.
وبيان ذلك: أن الفعل الذي كان يعلم بوجوبه -مثلاً- ما لم يتغيّر شيء من خصوصياته لا يتصوّر الشكّ في بقاء الحكم عليه؛ لأن الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. وإنما يتصوّر الشكّ في ذلك بلحاظ تغيّر بعض الخصوصيات واحتمال أن تكون الخصوصية المتغيّرة قيداً من قيود هذا الفعل، في مرحلة اتّصافه بالوجوب، وحينئذٍ يكون هذا شكّاً في بقاء الموضوع ولم تتّحد القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة.
ويجاب عن ذلك عادة بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الكلام يناسب مع مبنى شخص كصاحب تقريرات الشيخ الأنصاري، حيث أرجع تمام القيود إلى المادّة، ولم يتصوّر إرجاعها إلى الهيئة وهو الوجوب. فإنه بناءً عليه يمكن أن يقال: بأن معروض
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الوجوب حدوثاً غير معروضه بقاء؛ لأن معروضه حدوثاً هو الجلوس إلى قبل الزوالي، وما هو معروض الوجوب بقاءً هو الجلوس إلى بعد الزوالي، وأحدهما غير الآخر، فلا محالة لا يجري الاستصحاب.
وأما على مبنى من قبيل صاحب (الكفاية)، الذي يقول بتعقّل الوجوب المشروط، وأن القيود يمكن أن ترجع إلى مفاد الهيئة بنحو الحيثية التعليلية في متعلّق الجعل، بناءً على هذا نكون في فسحة هنا؛ لأن هذه الخصوصية التي زالت وبزوالها نشكّ في بقاء الوجوب، لعلّها أُخذت قيداً في الوجوب لا في الواجب. إذن فذات الواجب هو الجلوس من دون أن يقيّد بالزمان، ونحتمل أن الوجوب مقيّد بالزمان، إذن فموضوع القضيّة المتيقّنة وموضوع القضيّة المشكوكة واحد. فإننا نشير إلى ذات الجلوس، أو نقول: إنه كان واجباً قبل الزوال ونشكّ في بقاء وجوبه بعده.
فحاصل هذا الجواب: ابداء إمكان أن تكون بعض القيود راجعة إلى الهيئة، فإذا نشأت الشبهة الحكمية من اختلال بعض الخصوصيات المحتمل كونها دخيلة في الهيئة، فلا بأس بجريان الاستصحاب، فإنه يكون المعروض والموضوع بشخصه باقياً.
فهذا أحد الجوابين الذي يذكر عن ذاك الإشكال العامّ.
لكن هذا الجواب في الإمكان أن يقبل في باب الأحكام الشرعية كلّية، لكن يقال: بأن هذا الجواب غير سارٍ إلى الأحكام الشرعية المستكشفة بدليل العقل، وحينئذٍ فيصبح الإشكال وارداً في هذا الخصوص.
وذلك بضمّ دعوى في المقام وحاصلها: أن الحيثيات التعليلية في الأحكام
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
العقليّة كلّها راجعة إلى الحيثيات التعليلية، يعني لا يتصوّر في الحكم العقلي شرط الوجوب، بل كلّ الشروط شروط الواجب، يعني ما ادّعاه صاحب التقريرات في الأحكام الشرعية نحن ندّعيه في الأحكام العقليّة، وأن جميع القيود فيها تكون حيثيات تقييدية في المادّة، ولا يتصوّر الحيثية التعليلية وشرط الوجوب. يعني لا يتصوّر كون الشرط شرطاً للحسن والقبح، بل هو قيد في متعلّقها لا محالة.
إذا ادّعيت هذه الدعوى لا يكون هذا الجواب جارياً في المقام -وقد حقّقنا هذه الدعوى مفصّلاً في بحث الواجب المطلق والمشروط-، بحيث لو لم يكن هناك جواب آخر غير هذا الجواب لكان الإشكال تامّاً في نفسه(1).
وهناك جواب آخر عن أصل الشبهة يتمّ في أصل الشبهة وهنا أيضاً.
وحاصله: أننا سلّمنا حتّى في الأحكام الشرعية، أن الحيثيات كلّها تقييدية في المادّة، وهذا معناه أن الشارع في عالم الجعل لا يتصوّر عنده حيثية تعليلية. افرضوا أننا نقطع بأن الشارع أيّ حيثية يأخذها فهي تقييدية، يعني يأخذ قيداً في المادّة لا في مفاد الهيئة.
ــــــــــ[165]ــــــــــ
() وهنا قلت له: نحن لا نريد أن نستصحب الحكم العقلي، بل نريد أن نستصحب الحكم الشرعي.
فقال: فإذا فرضنا أن الحيثيات التعليلية غير معقولة في الحكم العقلي، وأن تمام الحيثيات الدخيلة فيه هي تقييدية ملاكاً، إذن فيجب أن تكون تقييدية في الحكم الشرعي أيضاً. فهذا الجواب لا يكون آتياً في المقام. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ولكن مع هذا نقول: إن هذه القيود التي أخذها الشارع جميعاً في الفعل، هي في نظر العرف على قسمين، بعضها تكون حيثيات تعليلية في نظره، وبعضها حيثيات تقييد على ما يأتي تحقيقه في بحث اشتراط بقاء الموضوع، حيث نقول: إن الحكم في بقاء الموضوع هو نظر العرف المخالف للواقع، فإن الواقع هو أن تمام الحيثيات تقييدية، لكنّ العرف بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهنه يصنّف القيود إلى قسمين، ويعتبر بعضها تعليلية وبعضها تقييدية. وهذا التصرّف الطرفي يكون هو الميزان في تطبيق دليل الاستصحاب، كما يأتي توضيحه في محلّه.
وهذا الجواب كما يأتي في باب الأحكام المستفادة من الأدلّة اللفظية، كذلك يأتي في باب الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلّة العقليّة.
ولا يتوهّم: أن هناك فرقاً بين الحكم الشرعي المستفاد من الدليل اللفظي، والحكم الشرعي المستفاد من الدليل العقلي. بدعوى أن الحكم إن كان مستفاداً من الدليل اللفظي فلا بأس بتحكيم العرف في مقام بيان خصوصياته وقيوده؛ لأنه هو المتّبع في فهم الأدلّة، ولكن إذا كان الحكم الشرعي مستفاداً من الدليل العقلي، والدليل العقلي ليس بابه باب اللفظ، فلا معنى لتحكيم النظر العرفي في المقام. فهذا الجواب لو تمّ، فإنه إنما يتمّ في الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلّة اللفظية، لا في الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلّة العقليّة.
فإنه يقال: إن مقصودنا من النظر العرفي الذي نحكّمه في تشخيص بقاء الموضوع ليس هو نظره في فهم الدليل، حتّى يقال إنه إنما يحكّم في فهم الأدلّة
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
اللفظية لا في فهم الأدلّة العقليّة. بل مقصودنا نظر ذاتي للعرف، بقطع النظر عن فهم الدليل. ولهذا قد يكون نظر العرف على خلاف ظاهر الدليل، فيكون ظاهر الدليل كون الحيثية تقييدية، والعرف يفهم من الدليل التقييدية أيضاً، ولكن مع هذا هو اجتهاداً وتشريعاً -في مقابل الدليل الشرعي- يقول بأن الحيثية تعليلية لا تقييدية.
ولهذا قالوا -كما قرأنا في (الكفاية)- إن المسألة ذات وجوه ثلاثة، في أن الميزان في بقاء الموضوع هل هو العقل أو لسان الدليل أو العرف، فجعل العرف في مقابل لسان الدليل؟
وهذا النظر الذاتي التشريعي للعرف، لا يفرّق فيه بين موارد الأحكام الشرعية المستكشفة من أدلّة العقل ومن غيرها. وأما لماذا يكون هذا هو الحكم؟ فهذا يأتي في محلّه في مسألة اشتراط بقاء الموضوع.
وبهذا يتّضح أن التقريب الثاني غير تامّ أيضاً.
الذي يمكن أن يستدلّ به على عدم جريان استصحاب الحكم الشرعي، المستفاد من حكم العقل. وهذا التقريب يختصّ بالأحكام المستكشفة عن طريق الحسن والقبح العقليين، ويكون مبنياً على مقدّمة:
حاصلها: -ما هو المعروف في موارد الحسن والقبح وتصوير تنظيم أحكام العقل العملي- أن العقل حين يحكم بالحسن والقبح للأشياء، تارةً يكون
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الحسن والقبح ثابتاً بالعرض، والأخرى يكون ثابتاً بالذات. فهو يثبت أوّلاً وبالذات لعنوانين رئيسيين فقط -وهما عنوان الظلم وعنوان العدل- ثبوتاً ذاتياً حقيقياً، بحيث قد يعبّر ويقال: بأن الظلم والعدل علّة تامّة للحسن والقبح. أو يعبّر ويقال: إنه الموضوع الحقيقي للحسن والقبح.
ثُمّ بتطبيقات الظلم والعدل على أفعال المكلّف بحسب الخارج، يثبت ذلك للحصص التي تدخل تحت عنوان الظلم وعنوان العدل، فالخيانة قبيحة لانطباق عنوان الظلم عليها، وإنجاء المؤمّن حسن لانطباق عنوان العدل عليه، وهكذا. وما بالعرض فينتهي إلى ما بالذات.
فإذا تقرّرت هذه المقدّمة يقال: إننا في الشبهة الحكمية إذا ثبت حكم شرعي بقانون التبعية لأحكام العقل العملي، وشكّ في بقاء الحكم الشرعي وعدم بقائه، فنقول: إن هذا الحكم الشرعي كحرمة الخيانة، لا بُدّ أن يكون بلحاظ حكم العقل قبح الظلم الذي تنتهي إليه الأحكام العقليّة. وعليه فإذا شكّ في بقاء حرمة الخيانة وعدمها، هل يحرز بقاء عنوان الظلم أو لا يحرز؟ فإن فرض أن عنوان الظلم كان محرزاً بقاءً، إذن فلا شكّ في بقاء الحكم؛ لأننا بيّنا أن القبح ذاتي للظلم والحسن ذاتي للعدل، والذاتي يستحيل أن يتخلّف، فلا يمكن أن يفرض ظلمٌ ويشكّ في أنه قبيح أو لا، بل فرض الظلم مساوق للقطع بقبحه بقاءً، ومعه يقطع بثبوت الحكم الشرعي على طبقه بعد أن سلّمنا بالملازمة على الفرض.
وأما إذا فرضنا أننا شاكّون في صدق عنوان الظلم في المقام، فمع الشكّ في
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
صدقه يشكّ -مثلاً- في القبح ويشكّ في بقاء الحرمة الشرعية. وبحسب الحقيقة يكون شبهة موضوعية لا حكمية؛ لأن الظلم لا شكّ في قبحه وحرمته وإنما الشكّ في أن الظلم هل ينطبق على هذا أو لا؟ لأننا فرضنا أن هناك قبيحاً واحداً وهو الظلم، وتمام العناوين الأخرى يعود قبحها إليه، فإذا شكّ في بقاء الظلم تكون الشبهة موضوعية لا حكمية، وحينئذٍ فلا يجري في المقام استصحاب الحكم الشرعي. وذلك:
أما أوّلاً: فلوجود الاستصحاب الموضوعي؛ لأن الشبهة أصبحت موضوعية، يعني استصحاب واقع انطباق عنوان الظلم على هذه الحصّة. اللهم إلّا أن يقال: بأن الظلم إنما يحكم بقبحه عقلاً فيما إذا كان ظلماً معلوم الظلمية، لا ما إذا كان مشكوكاً، فمعنى هذا أنه بمجرّد أن يشكّ في أن هذا ظلم أو لا، يقطع بعدم القبح عقلاً وبعدم الحرمة شرعاً.
وأما ثانياً: فلو قُطع النظر عن حكومة الاستصحاب الموضوعي على الحكمي، مع هذا لا يجري الاستصحاب الحكمي لتغيّر الموضوع؛ إذ يشترط في جريان الاستصحاب إحراز بقاء الموضوع عرفاً ـ لا بالنظر العقلي الدقّي-، لكنّ الظلم في نظر العرف حيثية تقييدية في الموضوع لا حيثية تعليلية، فالخيانة إنما تكون قبيحة وحراماً بما هي ظلم، فأنا إلى أيّ شيء أشير وأقول هذا كان قبيحاً؟ إلى الخيانة بما هي؟ فهي لا قبح لها. أو إلى الخيانة بما هي ظلم؟ فهي وإن كانت قبيحة لكنّها لا يحرز بقاؤها، فبقاء الموضوع بالنظر العرفي غير محرز، فلا يجري الاستصحاب.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذه الشبهة مبنيّة على المقدّمة التي ذكرتها في المقدّمة، وهي إرجاع أحكام العقل العملي بالحسن والقبح إلى حكمين هما: حسن العدل وقبح الظلم.
وهذه المقدّمة غير صحيحة في نفسها، وقد أوضحنا عدم صحّتها في بعض الأبحاث المتقدّمة، وأظنّ أنه في أوّل مباحث القطع. وبيّنا هناك: أننا لا نقبل مرجعية قبح الظلم وحسن العدل لتمام أحكام العقل العملي، فإن جامعية حسن العدل وقبح الظلم لتمام أحكام العقل العملي إن صحّت فهي جامعية عنوانية انتزاعية وليست جامعية حقيقية.
وتوضيح ذلك بنحو التفصيل موكول إلى تلك المسألة، لكن أشير إليه بنحو الاختصار:
نحن نرى أن حسن العدل وقبح الظلم ليس هو الحكم الحقيقي الصادر عن العقل، بل هو في الواقع في طول أحكام عقليّة عمليّة في المرتبة السابقة، فإن الظلم الذي يدّعى أنه الأساس في قبح كلّ قبيح ما هو؟ الظلم هو الاعتداء والتعدّي على حقّ الغير. فيكون(1) قتلك لشخص آخر أو أخذك ماله أو عدم احترامه -من دون اعتداء منه- ظلماً له. وهذا المفهوم للظلم بنفسه يستبطن حكماً عقلياً عملياً في المرتبة السابقة وهو الحق(2)، فإنه عبارة أخرى عن أنه تجاوز
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() باعتبار أن للشخص الآخر حقّ المحافظة على حياته، وهو من الحقوق التي يدركها العقل كحقّ الطاعة لله وحقّ البرّ بالوالدين، ويكون غمطها ظلماً واعتداءً. (المُقرِّر).
(2) لأن كلّ الحقوق تدرك بالعقل العملي لا محالة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
على الشخص الآخر واعتدى على حقّه. فقبل أن نصل إلى مسألة قبح الظلم، وفي مقام تقرير نفس عنوان الظلم لا بُدّ أن نفرض حقّاً لشخص على آخر، ونقول: بأن التجاوز عليه اعتداء فيكون قبيحاً. وهذا الحقّ يصير حينئذٍ منشأ لانتزاع عنوان الظلم، فالظلم بحسب الحقيقة هو عنوان منتزع في طول الأحكام العقليّة، ولهذا سمّيناه بالجامع الانتزاعي.
صحيح: أن بإمكانك أن تصطلح وتقول: إني أعبر عن تمام القبائح العقليّة بعبارة واحدة وهو الظلم. لا بأس به، إلّا أنه يكون تعبيراً إجمالياً عن تمام الحقوق العقليّة الثابتة في المرتبة السابقة، فكلّ من تجاوز عن حقّه يكون ظالماً، لا أن الظلم هو الموضوع الحقيقي للقبح.
وبناءً على هذا يبطل هذا التقريب؛ لأنه كان مبنيّاً على أن يكون حكم العقل العملي قد انصبّ ابتداءً على عنوان العدل والظلم، فحينئذٍ يقال: إنك إذا كنت قاطعاً ببقاء الظلم فلا شكّ في بقاء الحكم الشرعي، وإن كنت شاكّاً صار من الشبهة الموضوعية، فلم يحرز بقاء الموضوع حتّى يجري الاستصحاب.
نقول: لا هذا ولا ذاك، فإن موضوع الحكم العقلي ابتداءً ليس هو عنوان الظلم، بل هو عنوان متنزع عن حقّ عقلي في المرتبة السابقة، يعني فرض في المرتبة السابقة عليه حكم عقلي، فيستحيل أن يكون هو موضوعاً لأوّل حكم عقلي يصدر من العقل.
وحينئذٍ(1) نحن نتكلّم في تلك الأحكام العقليّة التي هي واقعة في المرتبة
ــــــــــ[171]ــــــــــ
() وقال -فيما قال- جواباً على سؤال: ليس مقصودي أن الظلم بما هو عنوان انتزاعي لا يكون موضوعاً لحكم شرعي، فإنه ما أكثر العناوين الانتزاعية. بل مرادي أنه عنوان انتزاعي يوجد في المرتبة السابقة عليه حكم عقلي، فلا يعقل أن يكون هو بالذات موضوعاً لحكم عقلي.
وهنا أعاد المطلب إلى أن قال: وحينئذٍ… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
السابقة على قبح الظلم، ونقول: بأنه يعقل الشكّ في بقائها ولو بلحاظ الحكم الشرعي فيجري استصحاب بقاء الحكم الشرعي في المقام.
*****
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التفصيل الثالث
[بين الشك في المقتضي والشك في الرافع]
ــــــــــ[173]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
في حجّية الاستصحاب وهو التفصيل الذي اختاره الشيخ في (الرسائل) وتابعه عليه جملة من الآغايون كالمحقّق النائيني وهو التفصيل بين موارد الشكّ في المقتضي وموارد الشكّ في الرافع، بمعنى أن الشكّ في بقاء الحالة السابقة تارةً يكون بلحاظ الشكّ في المقتضي فلا يجري استصحابها، وأخرى يكون المقتضي محرزاً وشكّ في وجود المانع، وحينئذٍ فيجري الاستصحاب.
وقد ذكر الشيخ: أن أوّل من تنبّه إلى هذا التفصيل هو المحقّق الخوانساري ولعلّ مقصود الشيخ أنه أوّل من تنبّه إلى هذا التفصيل من روايات الاستصحاب -وإلّا فأصل هذا التفصيل مدّعى في الكتب الأصولية قبل المحقّق الخوانساري بمئات السنين. وأتذكّر -إن لم تخنّي الذاكرة– أن المحقّق في (المعارج)، وهو كتابه في الأصول، يستدلّ على حجّية الاستصحاب فيقول: بأن العقل يحكم ببقاء الحالة السابقة، وذلك: لأن انتفاء الحالة السابقة إما من ناحية عدم المقتضي وإما من ناحية وجود المانع. أما عدم المقتضي فغير محتمل؛ لأننا نفرض الكلام في موارد إحراز المقتضي، وأما المانع فاحتمال عدمه يعارَض باحتمال وجوده، ونبقى على مقتضى حكم العقل ببقاء الحالة السابقة. فأصل هذه الدعوى قديمة.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وقد وقع بحث تمهيدي مفصّل حول تحقيق مراد الشيخ من المقتضي والرافع. ولا حاجة إلى الدخول في مثل هذا البحث بعد فرض بطلان أصل التفصيل على ما يظهر، لا حاجة إلى صرف الوقت في تسجيل محتملات المقتضي والرافع وأنه ما المراد منها، ويكفي في مقام تصوير صورة إجمالية عن ذلك مقدّمة للدخول في البحث عن الأدلّة ما ذكره المرزا في مقام توضيح مراد الشيخ من المقتضي والرافع.
وحاصله: أن الشيء سواء كان حكماً شرعياً أو أمراً تكوينياً على قسمين:
تارةً: يفرض أنه لو خلّي وطبعه مع عمود الزمان لبقى واستمرّ، وعمود الزمان بنفسه لا يفنيه، وإنما يحتاج إفناؤه إلى أن يتغيّر شيء في عالم الزمان. مثاله في الأحكام: الطهارة الخبثية والحدثية، فإنها حكم شرعي فيه قابلية البقاء، واقتضاء الاستمرار مهما طال الزمان، ونفس حركة الزمان لا تفنيه، وإنما فناء هذه الطهارة يكون بالملاقاة مع النجس. ومثال ذلك في الأمور التكوينية، الإنسان الشاب الصحيح المزاج لو ترك سنة لَما فني لمجرّد مرور الزمان، وإنما يفنى للعوارض الخارجية.
القسم الثاني: ما يكون بحيث لو ترك مع عمود الزمان لفنى وانتهى،
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فنفس عمود الزمان يكفي لإفنائه، بلا حاجة لأن يحدث شي يفنيه في عالم الزمان. مثاله في الشرعيات: خيار الغبن بناءً على فوريّته. ومثاله في الأمور التكوينية هو الموجودات التكوينية التي انتهت آماد قابليتها للبقاء أو أوشكت على الانتهاء بحسب الخارج، كإنسان أو شجرة شارفت على نهاية عمرها الطبيعي، بحيث لو تركت مع الزمان بلا فرض حدوث أمر خارجي لماتت.
فهذا البيان يكفي لتكوين فكرة إجمالية عن الشكّ في المقتضي والرافع؛ للدخول في البحث، في أنه هل هناك وجه لدعوى اختصاص روايات الاستصحاب بخصوص موارد الشكّ في الرافع، أو كما تشمل موارد الشكّ في الرافع تشمل موارد الشكّ في المقتضي(1)؟
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() وهنا قلت له: المقتضي هنا ما هو؟
فقال: تريدون أن ندخل في عالم الفلسفة؟
فقلت: نعم.
فقال: لا داعي لذلك. هذا المقدار من الفهم العرفي الارتكازي كافٍ في الفرق بين المطلبين. وأما البحث عن عالم المقتضي والرافع فلسفياً فهذا ليس عملنا!!. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هذا التفصيل بين موارد الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع يمكن تقريبه بعدّة تقريبات، أهمّها لعلّها يمكن تلخيصها في ثلاثة أوجه:
الوجه الأوّل: للاستدلال على أن روايات الاستصحاب تختصّ بخصوص الشكّ في الرافع مع إحراز المقتضي، ولا تجري في موارد الشكّ في أصل المقتضي.
إن روايات الاستصحاب يستفاد منها وحدة متعلّق اليقين والشكّ. ومن الواضح أننا إذا لاحظنا اليقين والشكّ في موارد الاستصحاب ولم نعمل عناية ومؤونة، فهذا الشرط غير موجود؛ لأن اليقين في موارد الاستصحاب متعلّق بالحدوث، والشكّ متعلّق بالبقاء، والبقاء غير الحدوث، فإن قطعه من الوجود غيره، فالاتّحاد المستظهر من روايات الاستصحاب غير موجود.
وحيث إننا نقطع أن المراد من هذه الروايات هو الاستصحاب لا شيء آخر، فلا بُدّ من استكشاف أن المولى أعمل عناية في إيجاد هذا الاتّحاد بين متعلّق اليقين ومتعلّق الشكّ في موارد الاستصحاب. وهذه(1) العناية التي بذلها الشارع
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() يعني إذا كانت الحالة السابقة مما أحرز وجود المقتضى لبقائها واستمرارها، يمكن هنا بالعناية إنشاء علم خيالي بالبقاء، فيتّحد متعلّق الشكّ مع متعلّق هذا العلم الخيالي العنائي، وقلنا إن إنشاء هذا العلم الخيالي بالبقاء يكون بأحد تقريبين… إلخ. (محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
يمكن تصويرها بأحد تقريبين، كِلاهما يثبت المقصود وهو التفصيل المدّعى.
الأوّل: أن يقال إن هذه العناية هي: أن المولى خصّص نظره بخصوص الشكّ في الرافع مع إحراز المقتضي، يعني فرض الكلام في ما إذا كان المقتضي محرزاً. فكان المكلّف في موارد الاستصحاب له علم بالحدوث، وله علم بالبقاء، لا البقاء الفعلي، بل البقاء الاقتضائي، يعني له علم بمقتضى البقاء، وبالمسامحة يفرض أن العلم بمقتضى البقاء علم بالبقاء(1)؛ لأن مقتضيه نحو وجود له. وبذلك يصبح الشكّ بالبقاء منصبّاً على نفس ما انصبّ عليه العلم، فيتّحدّ متعلّق العلم والشكّ.
وهذه العناية تكلّف المولى -حتماً- تخصيص نظرة بخصوص موارد إحراز المقتضي؛ لأن هذه العناية جاءت ببركات هذا التخصيص، في غير موارد إحراز المقتضي لا يوجد عندنا علم بمقتضى البقاء حتّى يقال: بأن العلم به علم بالبقاء بالعناية، حتّى يتّحد متعلّق العلم والشكّ.
التقريب الثاني للعناية: أن يقال: إن ما هو علم بالبقاء بالعناية ليس هو العلم بمقتضى البقاء كما قلنا في التقريب الأوّل. بل نقول: إن العلم بالحدوث هو بالعناية علم بالبقاء. وذلك: لأن هذا الحدوث هو سنخ حدوث لو خلّي
ــــــــــ[179]ــــــــــ
() وأن المولى فرض العلم بالمقتضي علم بالمقتضى وهو البقاء. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وطبعه لكان يبقى، وهذا معنى إحراز المقتضي، إذن فالعلم به كأنّه علم بخيط مستمرّ وكأنّه علم بالبقاء بالعناية. وحينئذٍ يتّحد متعلّق الشكّ مع متعلّق العلم. ومن المعلوم أن هذه العناية أيضاً تكلّفنا أن نخصّص الكلام بخصوص موارد إحراز المقتضي؛ إذ في هذه الموارد يمكن أن يقال: إن العلم بالحدوث علم بالبقاء، وأما في غير هذه الموارد فيما إذا كان الحدوث في نفسه لعلّه يفنى كيف يقال: بأن العلم بالحدوث علم بالبقاء؟! لا مناسبة لمثل هذه العناية.
فعلى كِلا العنايتين يختصّ الكلام بخصوص موارد إحراز المقتضي والشكّ في الرافع. هذا هو الوجه الأوّل.
وقد ورد في كلمات المحقّق الخراساني في مقام الجواب عن هذا الوجه أو بعض جوانبه أنه قال: بأننا في مقام الحفاظ على الاتّحاد بين متعلّق الشكّ واليقين، لا نحتاج إلى إحدى هاتين العنايتين اللتين تستوجبان منّا تخصيص دليل الاستصحاب بخصوص موارد الشكّ في الرافع.
لأننا بدلاً من أن نعمل عناية من إنشاء علم خيالي بالبقاء، فلنعمل عناية في نفس الاتّحاد بين الحدوث والبقاء. فإننا بلا حاجة إلى أن نتصوّر علماً البقاء نقول: بأن متعلّق الشكّ واليقين واحد. وذلك: لأنهما واحد إلّا من ناحية الزمان، فإن أحدهما هو الحدوث والآخر هو البقاء، فلنعمل العناية في تجريد متعلّق اليقين ومتعلّق الشكّ عن الزمان. وحينئذٍ نكون قد وصلنا إلى المطلوب، وهو تصوير اتّحاد عنائي بين متعلّق اليقين ومتعلّق الشكّ، بلا حاجة إلى أن تعمل عناية في
ــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
تصوير علم جديد بالبقاء، حتّى نتصوّر اتّحاداً حقيقياً بين المتعلّقين. وهذا التجريد عن الزمان وإن كان فيه عناية إلّا أنها أقرب إلى الفهم العرفي من تلك العناية، فيتعيّن إعمال هذه العناية دون تلك، ويثبت بذلك وحدة المتعلّقين.
هذا الجواب من المحقّق الخراساني، بالرغم من وضوحه لا يخلو من إجمال. وذلك: لأنه ماذا يريد بالدقّة بتجريد متعلّق اليقين والشكّ عن الزمان؟ فيه ثلاثة احتمالات.
الاحتمال الأوّل: أن يريد من التجريد هنا سنخ التجريد الذي يراد في علم المنطق حين يراد انتزاع الجامع، كتجريد الإنسان من خصوصيات الأفراد لانتزاع الجامع. وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً عن مقصوده إلّا أنه ينطبق مع عبارة التجريد.
إن كان المراد من التجريد هو هذا، يعني: تصوير جامع بين الحدوث والبقاء، ويقال: إننا حين كنّا نعلم بالحدوث فنحن نعلم بالجامع بينه وبين البقاء طبعاً. فنتصوّر جامع الطهارة الملغي عنها كونها حدوثية أو بقائية، ونضيف إليها اليقين والشكّ، إن كان هذا هو المراد، فمثل هذا العلم لا يزال باقياً ولا شكّ في هذا الجامع(1)، ولم يطرأ عليه شكّ حتّى يأتي الكلام في أنه هل ينقض هذا اليقين بهذا الشكّ أو لا؟ فهذا خُلف تصوّر طبيعة الموقف في روايات الاستصحاب.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
() لأننا لم نشكّ حتّى الآن في أصل الحدوث، والشكّ في أحد فردي الجامع لا ينافي مع العلم بالجامع ولو بلحاظ الفرد الآخر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الاحتمال الثاني: أن يكون مراده من تجريد متعلّق اليقين والشكّ عن الزمان، يعني: التغافل عن الزمان وغضّ النظر عنه، ودعوى أنه لا فارق. أليس بين الحدوث والبقاء وحدة ذاتية وتغاير زماني، فالعرف كأنّه يدّعي أن هذا التغاير الزماني غير موجود، فيفترض أن البقاء هو عين الحدوث وبغض النظر عن التغاير الزماني.
وهذا يناسب مع تعبير المحقّق العراقي، فإنه عبّر عن جواب أستاذه بالتغافل عن الزمان عرفاً. فكأنّه يريد أن يقول بأن العقل لو التفت إلى الحدوث والبقاء لرأى أن أحدهما غير الآخر؛ لأنه يلتفت إلى دقائق الخصوصيات. وأما العرف فيرى أحدهما عين الآخر؛ لأنه لا يلتفت إلّا إلى فرق واضح، والفرق الزماني لا يلفت نظر العرف، فيحكم بالوحدة بين الحدوث والبقاء.
إن كان هذا هو مراده، فمعناه: أننا نستفيد من عبارة: (لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ) قاعدة (اليقين)، يعني: أن اليقين المتعلّق بشيء لا ينقض بالشكّ المتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين. وهذا له فردان: فرد حقيقي يسلّم به العقل والعرف معاً، وهو موارد قاعدة اليقين، كما إذا علمت بطهارة ثوبك الظهر، ثُمّ شككت أن ثوبك هل كان في الظهر طاهراً أو لا. وفرد يصدّق به العرف وحده، وهو ما إذا قطعت بطهارة ثوبك الظهر وشككت في بقاء الطهارة إلى المغرب. فهذا فرد يصدّق بفرديته العرف دون العقل، أو الميزان هو العرف لا العقل.
فهذا معناه أن عبارة الاستصحاب في نفسها تشمل موارد قاعدة اليقين والاستصحاب معاً، وأن شمولها لموارد قاعدة اليقين أحقّ من شمولها لموارد
ــــــــــ[182]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الاستصحاب؛ لأن فردية مواردها فردية مقبولة عرفاً وعقلاً، وبلا حاجة إلى عناية، بينما نحتاج إلى عناية في مقام فردية الاستصحاب.
وهذا غير صحيح، فإنه لا مقبول عنده ولا مقبول في نفسه، فإننا لا نرى أن عبارة الاستصحاب قابلة في نفسها عرفاً للإطلاق بحيث يستفاد منها قاعدة اليقين والاستصحاب معاً، بل هذه العبارة مختصّة بالاستصحاب ولا تشمل قاعدة اليقين، وهذا الاختصاص بالاستصحاب ليس إلّا من باب استظهار أخذ زمان الحدوث في متعلّق اليقين، وأخذ زمان البقاء في متعلّق الشكّ، وإلّا لو غضضنا النظر عن الزمان ولاحظنا عنوان الوحدة، فهذا الواحد له فرد حقيقي وهو قاعدة اليقين، ومسامحي وهو الاستصحاب، فكيف صار مختصّاً بفرده المسامحي ولا يشمل فرده الحقيقي؟
الاحتمال الثالث(1) نؤجّله إلى بيان المختار فإنه هو المختار.
إذن فعبارة الكفاية -في حدود هذين الاحتمالين- لا يمكن المساعدة عليها، فيبقى أصلّ التقريب الذي يستدلّ به على التفصيل بلا جواب واضح محدد.
والتحقيق في المقام أن يقال(2): إن لنا مع هذا الكلام إشكالين نقضيّ وحلّي:
ــــــــــ[183]ــــــــــ
() قال السيّد: إن هذا الاحتمال لا ينطبق على العبارة، وإنما الذي ينطبق عليها مدرسياً هو الاحتمال الثاني. (المقرِّر).
(2) لخّص أولّاً حاصل التقريب الأوّل الذي كان ذكره ثُمّ قال: والتحقيق في المقام أن يقال… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
أوّلاً: أن هذا الوجه بحسب الحقيقة إرجاع الاستصحاب إلى قاعدة المقتضي والمانع.
توضيحه: أننا كما رأينا بناءً على الاحتمال الثاني في كلام المحقّق الخراساني أن مرجعه إلى دعوى كون هذه الجملة (لا ينقض اليقين بالشكّ) مفادها قاعدة اليقين، غاية الأمر يدّعى أن الاستصحاب فرد عنائي من قاعدة اليقين. وقلنا إن هذا المحصّل الفنّي لكلامه مما لا يوافق هو عليه وليس بصحيح.
شبيه هذا الكلام نقوله مع أصل الوجه للقائلين بالاختصاص بموارد إحراز المقتضي، فنقول: إن هذا الوجه محصّله الفني هو أن عبارة الاستصحاب مرجعها إلى قاعدة المقتضي والمانع؛ لأنكم تقولون: إن موضوع الحكم الاستصحابي هو اليقين الذي يكون متعلّقاً بالبقاء لا بالحدوث، وهذا اليقين بالبقاء عملتموه باعتبار أن اليقين بمقتضى البقاء يقين بالعناية بالبقاء، وبهذه العناية فرضتم أن عبارة الاستصحاب سارية المفعول في موارد إحراز المقتضى، بينما لا تكون سارية المفعول في موارد الشكّ فيه.
هذا الكلام إذا حلّلناه يكون مرجعه: إلى أن الميزان في حرمة النقض هو العلم بالمقتضي لا العلم بالحدوث. والعلم بالحدوث بما هو كذلك، لا أثر له في حرمة النقض؛ لأن المفروض أن حرمة النقض فرع أن يتعلّق الشكّ بعين ما تعلّق به اليقين والعلم بالحدوث بما هو علم بالحدوث، لم يتعلّق الشكّ بعين ما تعلّق به؛ لأن الشكّ تعلّق بالبقاء والعلم تعلّق بالحدوث. فمناط حرمة النقض
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
في موارد الاستصحاب إنما هو العلم بالمقتضى بحسب الحقيقة من باب أنه علم بالعناية بما هو المشكوك وهو البقاء. فكأنّه يقول: (كلّما وجد عندك علم بشيء -بالعناية- وشككت في نفس ذلك الشيء فابنِ على علمك به بالعناية). وهذه العناية محفوظة في تمام موارد الشكّ في المقتضي والرافع، حتّى لو لم يكن عندنا علم بالحدوث.
افرضوا أنكم تعلمون بمقتضى الحدوث، -لا بمقتضى البقاء- فعلمكم به علم بالعناية بالحدوث -كما اعترف به في هذا الوجه- فيكون عندنا يقين وشكّ متعلّق بعين ما تعلّق به هذا العلم، فيدخل تحت قوله: (لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ).
فيتحوّل مفهوم -(لا ينبغي..) الخ- من الاستصحاب إلى قاعدة المقتضى والمانع. فهذا الكلام ليس تفصيلاً في جريان الاستصحاب بين بعض الموارد وبعض. وإنما هو تحويل لمدلول القاعدة من الاستصحاب إلى قاعدة المقتضي والمانع، ودعوى أن بعض موارده يدخل فيها. وهذا مما لا يريده نفس المدّعي وخلاف التفاهم عرفاً من هذه العبارة، فإنها لا يفهم منها عرفاً قاعدة المقتضى والمانع، وإنما يفهم منها الاستصحاب بلا إشكال.
إذن(1) فكلّ علم بالمقتضي هو بالعناية علم بالمقتضى ويكون الشكّ متعلّق بعين ما تعلّق به اليقين فيدخل تحت إطلاق هذا الكلام، سواء كان الحدوث معلوماً أو كان أصل الحدوث مشكوكاً؛ لأن العلم بالحدوث بما هو لا دخل له
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() وهنا كرّر الإشكال، وقال فيما قال بعد أن ذكر العناية: إذن… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
في موضع الكلام. فهذا معنى إرجاع هذه الجملة إلى قاعدة المقتضى والمانع، ودعوى أن بعض موارد الاستصحاب يدخل تحت هذه القاعدة.
أن كلّ ما تورّط به هؤلاء المتورّطون حيث تورّط المحقّق الخراساني بما يرجع في النتيجة إلى تحويل هذه الرواية إلى قاعدة اليقين، وما تورّط به أصحاب الوجه بما يرجع إلى تحويلها إلى قاعدة المقتضى والمانع، كلّ هذه التأويلات كانت مبنيّة على أصل موضوعي هو استظهار وحدة متعلّق اليقين والشكّ من جميع الجهات، فإننا إذا استظهرنا ذلك يقع في المقام إشكال من حيث إن اليقين والشكّ في باب الاستصحاب ليس متعلّقهما واحداً من جميع الجهات، فإنه لا وحدة بينهما من حيث الزمان.
ومن هنا قال الآخوند: أننا نغضّ النظر عرفاً عن هذا المطلب ونراهما
-بالنظر العرفي- واحداً من جميع الجهات. وقلنا إن معناه تحويل الجملة إلى قاعدة اليقين، وأن دعوى الاستصحاب فرد مسامحي عرفي لها. وقال أصحاب هذا التوجيه: إننا ننشئ علماً جديداً غير العلم بالحدوث، وهو العلم بالبقاء فهو الذي لا ينبغي أن ينقض بالشكّ لا العلم بالحدوث، وإنما يكون العلم بالبقاء بعناية أن العلم بمقتضى البقاء علم بالبقاء. وقلنا إن هذا تحويل للجملة إلى قاعدة المقتضى والمانع، مع دعوى أن بعض موارد الاستصحاب ينطبق عليه هذه القاعدة، وليس تفصيلاً في جريان الاستصحاب.
وكلّ ذلك نشأ من الاعتراف بذلك الأصل الموضوعي وهو استظهار
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وحدة متعلّق اليقين والشكّ من روايات الاستصحاب. وهذه الوحدة غير مستظهرة، بل مستظهرة العدم في روايات الاستصحاب؛ لأن منشأ استظهار هذه الوحدة لا يخلو من أحد أمرين:
الأمر الأوّل: هو حذف المتعلّق. فإنه حينما قال: (كنت على يقين بأن زيداً عادل فشككت) –وتحذف متعلّق الشكّ– فذلك يوجب بالإطلاق تعيين هذا المتعلّق بأنه عين المتعلّق الأوّل، إذ لو كان غيره لكان عليه أن يبيّنه، ولم يبيّن، فيستكشف من حذف المتعلّق وحدة المتعلّقين.
إلّا أن هذا المنشأ غير تامّ، وذلك أن حذف المتعلّق، إنما يدلّ بالإطلاق على وحدة المتعلّق، ما لم ينصب قرينة على التغاير. والقرينة على التغاير من حيث عمود الزمان من حيث الحدوث والبقاء موجودة.
لأن المولى بيّن صغرى هذا القانون: فقال: (لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت)، فقد بيّن اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء(1) و(لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ). فيعرف بهذه القرينة أن المقصود من الوحدة بين متعلّق اليقين والشكّ، الوحدة من غير ناحية الزمان. وهذه القرينة حاكمة على الإطلاق الناشئ من مجرّد حذف المتعلّق، فبعد قرينة تطبيق الكبرى على اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء، لا يبقى ظهور في حذف المتعلّق إلّا كون المتعلّق
ــــــــــ[187]ــــــــــ
() أقول: قد سبق في الكلام عن هذه الرواية ما يفيد خلاف هذا الاستظهار؛ إذ لعلّه شكّ بالطهارة بنحو الشكّ الساري، فلا يكون قرينة على التغاير الزماني كما هو واضح. فتأمّل. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
واحداً من جميع الجهات. فهذا المنشأ مما لا محصّل له.
المنشأ الثاني(1): هو مسألة النقض والرفع، حيث قال: (لا ينتقض اليقين بالشكّ)، ومن المعلوم أن اليقين إذا تعلّق بشيء وتعلّق الشكّ بشيء آخر، فلا معنى لأن يقال: إن هذا ينقض ذاك. فلا معنى لأن يقال: إن الشكّ بعدالة عمرو ينقص اليقين بعدالة التزيد. فالنقص إنما يتصوّر فرع أن يكون المشكوك عين المتيقّن.
وهذا المنشأ إذا حلّلناه نجد أنه لا يدلّ على وحدة مطلقة بين متعلّق اليقين والشكّ، وإنما يدلّ على أن الشكّ يجب أن يصدق عليه أنه ارتفاع لليقين. حتّى يصدق عليه أنه ناقض له، وأن العلم المقابل له بقاءٌ لليقين. هذا هو اللازم لا أكثر.
إذن فيجب أن نركّز نظرنا على الارتفاع والبقاء؛ لنرى أن الشكّ في البقاء هل يصدق عليه أنه ارتفاع لليقين بالحدوث؟ وأن ما يقابل الشكّ بالبقاء وهو العلم بالبقاء، هل يصدق عليه أنه بقاء للعلم بالحدوث، أو لا يصدق؟ فإن كان يصدق إذن فقد تمّ المطلب، ولا حاجة بعد هذا إلى أن نتصوّر وحدة مطلقة بين متعلّق اليقين والشكّ، وإذا كان هذا لا يصدق، يقع الإشكال من هذه الناحية. فهنا بالنظر الدقّي قد يقال: بأنه لا يصدق على الشكّ في البقاء أنه ارتفاع لليقين بالحدوث، ولا على ما يقابله وهو العلم بالبقاء أنه بقاء للعلم بالحدوث. وذلك: لأنه -بالدقّة- ارتفاع العلم بالحدوث يكون بأني لا أعلم بالحدوث
ــــــــــ[188]ــــــــــ
(1) الأمر الثاني.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وأشكّ فيه. وبقاؤه يكون بأن أبقى عالماً بالحدوث. وليس ارتفاعه وبقاؤه بأن أشكّ في البقاء أو أعلم به.
ولكن هنا يجب أن نستذكر نكتة تقدّمت منّا في تنبيهات التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشبهة الموضوعية والحكمية(1). حيث قلنا: بأن الصفات العارضة على شيء تكتسب صفة الحدوث والبقاء عرفاً من حدوث وبقاء معروضها. وقلنا هناك إننا لو علمنا بوجوب الجلوس من الصبح إلى الزوال، وشككنا في وجوب الجلوس من الزوال إلى الغروب، فوجوب الجلوس إلى الزوال ووجوب الجلوس لِما بعد الزوال، كلّها وجوبات فعلية من حين طلوع الشمس، فكيف صار بعضها حدوثاً وبعضها بقاء؟ وذلك باعتبار أن وجوب جلوس ما قبل الزوال ووجوب جلوس ما بعد الزوال يكتسبان صفة الحدوث والبقاء من معروضهما. فحيث إن جلوس ما قبل الزوال حدوث ما بعده بقاء لذاك الحدوث، فيكون وجوبها أيضاً على هذا النحو.
فهذا معنى ما ادّعيناه سابقاً من سراية الحدوث والبقاء ارتكازاً وبالنظر العرفي من المتعلّق هو الجلوس إلى نفس الوجوب. وكلّ من لا يقبل هذا الارتكاز يجب عليه أن يسدّ باب الاستصحاب في أمثال هذا المقام، مع أن الشيخ وغيره من المفصّلين بين موارد الشكّ في المقتضى وغيره، يقبل -بعرفية- جريان الاستصحاب في هذه الموارد.
إذا عرفنا هذا الارتكاز نطبّقه في المقام فنقول: بأن اليقين بالحدوث، يعني
ــــــــــ[189]ــــــــــ
(1) راجع: ص22 من هذا الكتاب.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة مع اليقين بعدالته يوم السبت يكون حدوثاً وبقاءً؛ لأن عدالته في يوم الجمعة هي حدوث وعدالته يوم السبت هي بقاء، واليقين من أعراض العدالة في نظر العرف، فيسري صفة الحدوث والبقاء من نفس المعروض إلى نفس العرض. فيكون اليقين بعدالة زيد يوم السبت بقاء لليقين بعدالته يوم الجمعة، ويكون الشكّ بعدالته يوم السبت ارتفاعاً ليقين العدالة في يوم الجمعة. فقد أصبح اليقين هنا كوجوب الجلوس في ذلك المثال.
وبذلك صحّ مفهوم البقاء والارتفاع بلا حاجة إلى تصوير الوحدة المطلقة بين متعلّق اليقين والشكّ. إذن فالأصل الموضوعي للوجه كان غير صحيح. وبذلك يتمّ هذا الوجه لإثبات اختصاص الاستصحاب بخصوص موارد الشكّ في الرافع.
يمكن تقريبه بتقريبين:
هو أن يقال: بأن خطاب: (لا ينقض اليقين بالشكّ)، إن فرض أنه انعقد فيه الإطلاق اللفظي ببركة مقدّمات الحكمة، فيكون مقتضاه هو الشمول لموارد الشكّ في المقتضي مضافاً إلى موارد الشكّ في الرافع، فإن كلّ يقين لا ينقض بالشكّ، سواء كان الشكّ مستنداً إلى احتمال الرافع أو إلى الشكّ في أصل المقتضي.
ولكن هذا الفرض غير منطبق على واقع حجّية الاستصحاب في جملة من
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الروايات السابقة التي وقع الاستدلال بها على الاستصحاب. فإنه في جملة منها لم ينعقد إطلاق لفظي للجملة، باعتبار احتمال العهدية في اللام. فإن كان هناك إشكال في استفادة الإطلاق والكبرى الكلّية من قوله: “وإلّا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينبغي أن ينتقض اليقين بالشكّ أبداً“، وذلك لاحتمال العهدية إلى اليقين والشكّ في الوضوء. وقد كان هذا الاحتمال مانعاً من انعقاد الإطلاق ببركة مقدّمات الحكمة لاستفادة الكبرى الكلّية من الجملة.
وإنما توسّعنا نحن هناك، وقلنا بأن الاستصحاب لا يختصّ بباب الوضوء بلحاظ قرينية الارتكاز، الذي جعلناه من القرائن اللُبّية كالمتّصلة، فقلنا نتعدّى من باب الوضوء إلى غيره؛ لأنه لا فرق بينهما بحسب الارتكاز. وإلّا لولا ارتكازية عدم الفرق لا يكون بالإمكان استفادة قاعدة كلّية من روايات الاستصحاب.
وإذا كان التعميم والإطلاق في طول هذا الارتكاز، إذن فلا يصحّ لنا الالتزام بالتعميم إلّا في حدود ما يقطع بارتكازية عدم الفرق. وأما حيث لا يوجد ارتكاز يقضي بعدم الفرق فلا يمكن الالتزام بالتعميم؛ لأن التعميم لم يثبت بإطلاق لفظي بل بارتكاز عدم الفرق، وإنما ثبت بالارتكاز فلا بُدّ من التحدّد بحدوده.
وحينئذٍ فيقال: بأن مورد الرواية وهو مورد اليقين بالوضوء والشكّ في الحدث، هو من موارد إحراز المقتضى والشكّ في الرافع، فحين نريد أن نلحق غير باب الوضوء به، لا بُدّ أن نلحقه في حدود اقتضاء الارتكاز بعدم الفرق،
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
والارتكاز يقتضي عدم الفرق بين باب الوضوء والأبواب التي فيها شكّ في الرافع. ولا يوجد عندنا ارتكاز يقضي بعدم الفرق بين موارد الشكّ في الرافع وموارد الشكّ في المقتضي، فلا يمكن شمول الجملة لموارد الشكّ في المقتضي لا بالإطلاق اللفظي ولا بالارتكاز، فيبقى موارد الشكّ في المقتضي بلا دليل على جريان الاستصحاب فيه.
هذا التقريب غير صحيح حتّى إذا سلّمنا بأنه لا يوجد إطلاق لفظي، وأن اللام لام (العهد) لا لام (الجنس).
توضيح ذلك: أن اللام في جملة (لا ينقض اليقين بالشكّ) إما أن نستظهر أنها لام الجنس، وإما أن نبني -ولو احتمالاً- على أنها للعهد. فإن استظهرنا أنها لام الجنس إذن فقد انعقد الإطلاق اللفظي لهذه الجملة فنتمسّك به.
وأما إذا كان (اللام) للعهد إلى الوضوء، ونريد التعميم، فنحتاج إلى قرينة الارتكاز. ولكن كيف نصوغ هذا الارتكاز لاستفادة التعميم؟
وحاصل طريقتنا في ذلك: أن الارتكاز العرفي يجعل كالقرينة المتّصلة من استظهار المثالية من كلمة الوضوء، فإن الخصوصيات التي تؤخذ في موضوع الخطاب الشرعي، جملة منها ينعقد لها ظهور -بالارتكاز- في أنها مأخوذة بنحو المثالية لا بنحو القيدية، وجملة من الخصوصيات لا ينعقد لها مثل هذا الظهور، فيؤخذ بظهورها الأوّلي في القيدية مع أنها جميعاً من حيث الخطاب على حدّ واحد، قيود فيه. فلو قيل: بأن ماء قليلاً في حبٍّ موضوع على باب المسجد إذا
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ولغ فيه كلب لا يجوز الوضوء منه. فقد أخذت في عالم الخطاب قيود كثيرة، ولكن بحسب الارتكاز: قلّة الماء لا بأس بأخذه قيداً، وأما كونه موضوعاً على باب المسجد فمن باب المثال؛ لأنه مورد ابتلاء المكلّف، فيرفع اليد عن قيديّتها.
المدّعى في (لا ينقض اليقين بالشكّ) –على كلام تقدّم في بحث الروايات-: أن الوضوء هنا أخذ بنحو المثالية بقرينة الارتكاز، وإذا حمل على المثالية لا يبقى له ظهور في القيدية، فيكون كأنه غير موجود، فينعقد الإطلاق ببركة مقدّمات الحكمة في إثبات أن كلّ يقين لا ينقض بالشكّ. والمانع عن جريان الإطلاق إنما هو ظهور هذه العبارة في القيدية، والمفروض أنه هذه العبارة أصبح لها ظهور في عدم القيدية يعني المثالية.
فالتمسّك بحسب الحقيقة إنما هو تمسّك بالإطلاق اللفظي، لكن نحتاج في تتميم الإطلاق إلى دعوى ظهور الخصوصية في المثالية، وهذه الدعوى نأخذها من الارتكاز(1).
وحينئذٍ يبقى احتمال وجود قيد من القيود في موضوع هذا الخطاب منفياً بمقدّمات الحكمة، كما تنفى القيود في جميع موارد الأدلّة اللفظية. وليس أننا نتعدّى بمقدار الارتكاز.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: لا ندري بأن هذا مثال لكلّ يقين وشكّ، أو مثال لليقين مع إحراز المقتضى؟
فأجاب: بالآخرة المولى لم يذكره بعنوان التقييد، بحسب الفهم العرفي. أما أنه هل يوجد جزء تحليلي من هذا المثال يكون قيداً في الواقع فهذا يحتاج إلى بيان آخر، وهذه العبارة لا يمكن أن تكون بياناً للتقييد. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
هذا التقريب يعترف مثلاً بوجود الإطلاق اللفظي في جملة الاستصحاب ولو من باب (لام الجنس) لكن مع هذا يقال: بأن هذا الإطلاق يكون مخصّصاً بقرينة الارتكاز بخصوص موارد الشكّ في الرافع.
فرق هذا عن الأوّل، أنه في الأوّل كان يُدّعى أنه لا إطلاق من أوّل الأمر؛ لأن الإطلاق فرع الارتكاز، والارتكاز ليس وسيعاً فالإطلاق ليس وسيعاً. وهنا يعترف بتماميّة الإطلاق باعتبار (لام الجنس) ومقدّمات الحكمة، لكن هذا الإطلاق يهدمه الارتكاز ويخصّصه في خصوص موارد الشكّ في الرافع.
وذلك: بناءً على مطلب تكرر سابقاً وحاصله: أن أيّ دليل يتكفّل مضموناً، يكون موجوداً عند العقلاء ومما عليه عملهم، فيكتسب هذا الدليل ظهوراً عن أنه في مقام إمضاء ما عليه العقلاء، فيصير حدوده حدود ما عليه العقلاء. ومثاله الواضح الذي يطبّق الآغايون هذا المطلب عليه، هو دليل حجّية خبر الواحد، حيث إن مضمونها أمر موجود عند العقلاء، فينعقد لهذا الدليل ظهور في أنه إمضاء لِما عليه العقلاء. فلو فرض أن الدليل الشرعي كان له إطلاق لمورد لا تكون السيرة العقلائية شاملة؛ لأن ظهوره في كونه إمضاء لها يوجب ضيق دائرته حينئذٍ.
هذا المطلب يراد تطبيقه في المقام بأن يقال: إن دليل الاستصحاب -بناءً على ما سبق من عقلائية الاستصحاب- يكون دليله مشيراً إلى ما عليه العقلاء خارجاً، فيكتسب بذلك ظهوراً في إمضاء ما هم عليه، فيتضيّق في حدود ما
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
عليه العقلاء. وإذا رجعنا إلى العقلاء، نرى أن المركوز في نظرهم إنما هو جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في الرافع لا في موارد الشكّ في المقتضي.
وهذا التقريب غير تامّ أيضاً وذلك: لأنه موقوف على تسليم أمرين:
أحدهما: الكبرى وهو أنه إذا جاء دليل يتكفّل مضموناً موجوداً عند العقلاء يكتسب ظهوراً في كونه إمضاء، ويتحدّد بحدود ما عليه العقلاء، هذا صحيح كما تقدّم.
ثانيهما: الصغرى: وهو أن يكون دليل الاستصحاب من هذا القبيل. هو مورد المناقشة.
لأن فكرة الاستصحاب وإن كانت عقلائية كما بيّنا في أوّل بحث الاستصحاب، إلّا أن هذه الفكرة العقلائية ليست واصلة إلى مرتبة ارتكاز واضح محدّد بحيث يكون من قبيل العهد الخارجي.
توضيح ذلك: أن الدليل الشرعي الذي يتكفّل مضموناً عقلائياً، إنما ندّعي كونه يتحدّد بحدود ما عليه العقلاء، من باب اكتسابه ظهوراً في العهدية، كأنه نكتسب (اللام) -أو ما هو بمنزلة اللام- ظهوراً في أنه إشارة إلى ما هو المعهود خارجاً، وهذا المطلب إنما يصير فيما إذا كانت المعهودية العقلائية واضحة وفي مرتبة عالية من الارتكاز، حينئذٍ يكتسب الدليل في أنه إشارة. أما لو كان المضمون عقلائياً في الجملة لكنّه لم يكن ارتكازياً بتلك المرتبة التي توجب ظهور اللام في العهدية له، فلا ينعقد للدليل ظهور في التبعية لِما عليه العقلاء بحسب الخارج.
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وإن شئتم قلتم: بأن ظهور الدليل في التبعيّة على خلاف الطبع الأوّل للدليل؛ لأن طبعه يقتضي أن يراد باللام في (اليقين) لام الجنس، لا (لام العهد) والإشارة إلى اليقين الذي يراه العقلاء كذا. فحمله على العهد يحتاج إلى قرينة والقرينة ليس مجرّد كون الاستصحاب عقلائياً، بل كونه مركوزاً بدرجة بحيث يكون وجوده والمفروغية عن حدوثه بين المتكلّم والسامع إلى حدّ يصلح أن يكون الدليل إشارة إليه. ومثل هذه المرتبة من العقلائية ننكرها في الاستصحاب، وإن كنّا نسلّم له مرتبة أضعف.
هذا هو الكلام في الوجه الثاني بكِلا تقريبية.
وهو الوجه الذي فتح الكلام فيه الشيخ الأنصاري وقال: بأني أتبع في ذلك أغا حسين الخوانساري شارح (الدروس). وقد نشأ هذا الوجه من التدقيق في كلمة (النقض)، يمكن أن نركّب هذا الوجه من مقدّمتين ونتكلّم في كلٍّ منهما.
المقدّمة الأولى: أن النقض في عبارة الاستصحاب أضيف إلى المتيقّن لا إلى اليقين(1)، النكات سوف تأتي، وإن كان بحسب الصورة أضيف في العبارة اليقين.
المقدّمة الثانية: أن النقض المضاف إلى المتيقّن يستوجب أن يفرض وجود
ــــــــــ[196]ــــــــــ
() كالطهارة وغيرها من الحالات السابقة التي يتعلّق بها اليقين. (من محاضرة غد). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
مقتضٍ للمتيقّن في مرحلة البقاء، ويكون الشكّ من ناحية وجود الرافع.
وذكر الشيخ في وجه ذلك: أن النقض هو ضدّ الإبرام ومحصّله هو رفع الهيئة الاتصالية، ورفعها لا يكون إلّا إذا وجد شيء ممتدّ ثُمّ يقطع، فقطعه يكون رفعاً للهيئة الاتصالية، وبهذا يصدق النقض، ومثل هذا لا يتصوّر في موارد الاستصحاب في نقض المتيقّن؛ لأن المتيقّن ليس له امتداد واستمرار حدوثي وبقائي، حتّى يكون التفكيك بين حدوثه وبقائه قطعاً لهيئته الاتصالية ورافعاً لها. فإن البقاء في باب الاستصحاب غير محرز، بل أُخذ فيه الشكّ في البقاء، فليس الشيء المستصحب شيئاً محتملاً حدوثاً وبقاء ثُمّ يقطع في الوسط بين الحدوث والبقاء، حتّى يقال إن هذا القطع رفع للهيئة الاتصالية فيكون نقضاً(1).
إذن فاستعمال النقض في المقام يكون مجازاً، لكنّ المجاز يحتاج إلى عناية مصحّحة، وهذه العناية في مورد وجود المقتضي للبقاء موجودة، وأما في مورد الشكّ في المقتضي فهذه العناية غير محرزة. وذلك: لأنه في مورد وجود المقتضي للبقاء، من باب أن المقتضي للبقاء كأنّه نفس البقاء، فكان الحدوث والبقاء ممتدّ، يعني كأنّ هذا الشيء موجود حدوثاً وبقاءً، أما حدوثاً فحقيقة، وأما بقاء فعناية بوجود مقتضيه. ونحن إذ نقطعه من الوسط يكون رفعاً للهيئة الاتّصالية فيكون نقضاً.
وأما إذا لم يكن المقتضي محرزاً في مرحلة البقاء، إذن فكيف نتصوّر الوسط
ــــــــــ[197]ــــــــــ
() إذن فالنقض بمعناه الحقيقي غير متصوّر في موارد الاستصحاب أصلاً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الذي نقطعه منه؛ لأن البقاء هنا لا هو محرز حقيقة ولا مقتضيه محرز ليكون البقاء محرزاً عناية(1).
فالعناية المصحّحة للاستعمال تكون في مورد الشكّ في الرافع، ولا تكون في مورد الشكّ في المقتضي.
هذا هو الوجه الرئيسي في المسألة الذي ذهب إليه الشيخ الأعظم في مقام التفصيل.
قلنا إننا نبدأ أوّلاً بتحقيق الأمر الثاني، ونفرض أن الأمر الأوّل صحيح، وأن النقض أضيف إلى المتيقّن لا إلى اليقين، ونتكلّم على أساس هذا الافتراض في الأمر الثاني. ثُمّ بعد ذلك ننتقل إلى تحقيق الأمر الأوّل.
فيقع الكلام في الأمر الثاني وهو أن إسناد النقض إلى المتيقّن يستدعي افتراض مقتضٍ له مرحلة البقاء(2).
قلنا إن هذا الكلام غريب، وذلك لأن النقض هو ضدّ الإبرام وهو مصدر ثانٍ للبرم وهو الفَتل، فَتل أحد خيطي الحبل بالآخر. هذا الفتل يسمّى برماً
ــــــــــ[198]ــــــــــ
(1) فليس عندنا في الموارد التي لم يحرز فيها مقتضي البقاء لا هيئة اتصالية حقيقية ولا هيئة اتصالية عنائية. (المُقرِّر).
(2) وهنا قرّر السيّد الوجه الذي أفاده الشيخ الأعظم بحسب ظاهر عبارته، وهو ما سبق أن قرّره في المحاضرة السابقة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وإجادة هذا البرم هو الإبرام. والنقض هو ضدّ هذا الإبرام. فهو حلّ للهيئة التي تحصل من فتل أحد الشقيّن بالآخر.
إذن فالنقض -بحسب الحقيقة- ليس هو رفع الهيئة الاتّصالية، حتّى نفتّش عن هيئة اتّصالية بالعناية حيث لا نجدها بالحقيقة. بل النقض هو رفع الهيئة التي تحصل من البرم والفتل بكون رفعها أو رفع المتهيّئ بما هو متهيّئ بها وهو الحبل يكون نقضاً.
ومن هنا لا يكون قطع الحبل من الوسط نقضاً؛ لأنه رفع للهيئة الاتّصالية، ونقض الحبل ليس قطعه من الوسط، بل هو حلّ الخيطين المفتول أحدهما بالآخر. ففي الحبل عندنا هيئتان: هيئة اتّصالية، وهو عبارة عن امتداده، وهيئة أخرى ناشئة من فتل أحد خيطي الحبل بالآخر، والنقض هو رفع الهيئة الثانية أو رفع المتهيّئ بها بما هو متهيّئ بها(1)، وأما رفع الهيئة الاتّصالية الأولى فليس نقضاً، بل هو قطع، وفرق بين القطع والنقض.
فبناءً على هذا افرضوا أنكم في موارد إحراز المقتضي تصوّرتم امتداداً للحالة السابقة، واستمراراً لها عبر الحدوث والبقاء، عبر الحدوث حقيقة وعبر البقاء عناية، بلحاظ أن مقتضى البقاء موجود وكان هو البقاء، فغاية ما صنعتم أنكم صنعتم هيئة اتّصالية بالمسامحة، ورفعتم هذه الهيئة. وكلّ هذا أجنبي عن نكتة النقض، ولا تكون هذه الهيئة الاتصالية هي فرد مسامحي للهيئة التي وضع النقض لحلّها ورفعها؛ لأن الهيئة التي وضعت كلمة النقض لرفعها هي الهيئة
ــــــــــ[199]ــــــــــ
() ومرجعه على كِلا التقديرين إلى رفع الهيئة (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التي تحصل من البرم لا التي تحصل من الاتّصال والامتداد.
إذن فلا بُدّ أن يقال: إن النقض -بناءً على أن يكون مضافاً إلى المتيقّن– لم يستعمل بمعنى رفع تلك الهيئة أصلاً، الهيئة الناشئة من البرم؛ لأن تلك الهيئة لا يمكننا أن نتصوّرها ولو بالعناية العرفية، لا في موارد الشكّ في الرافع ولا في موارد الشكّ في المقتضي. فلا بُدّ أن يكون التجوّز اقتضى سلخ كلمة النقض عن أصل الهيئة البرمية، رأساً. وأن يكون مستعملاً بعناية أخرى.
والظاهر أن العناية الأخرى هي: أن النقض هو رفع الهيئة البرمية، لكن لا كلّ رفع، بل رفع بقوة، رفع طُعِّم بالقوّة والشدّ. فالنقض يختلف عن الحلّ، مع أن كِليهما ضدّ الإبرام، لكنّ الحلّ ليس فيه معنى الشدّة، والنقض هو الحلّ بشدّة، ومن المحتمل قريباً أن تكون كلمة النقض مستعملة في أمثال هذه المقامات في أصل الرفع بنكتة أنه بشدّة، فمتى ما أريد أن يعبّر عن رفع شديد قوي يعبّر عنه بكلمة النقض، ونوع الرفع مضافاً إلى الهيئة البرمية، وهذه العناية كما يمكن أن تكون محفوظة في موارد الشكّ الرافع، كذلك يمكن أن تكون محفوظة في موارد الشكّ في المقتضي؛ على حدّ واحد، بعد رفع اليد عن مسألة الهيئة البرمية ودعوى أن التجوّز كان بلحاظ إلباس الرفع نحواً من الشدّة.
ولعلّ النكتة البلاغية في ذلك هو أنه أريد إبراز فظاعة المنهي عنه إذ يقول: (لا ينقض اليقين بالشكّ)، يعني لا يستحقّ اليقين أن ينقض بالشكّ. فكلّما عبّر عن النقض بعبارة أقوى يبدو هذا الاستحقاق بشكل واضح، ولهذا عبّر هنا
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بعبارة تدلّ على الشدّة والقوة(1).
ثُمّ إنه يمكن أن يدافع عن الشيخ الأنصاري، ويوجّه كلامه بغير ما هو ظاهره. وذلك بأن يقال:
إن المراد من رفع الهيئة الاتصالية، ليس هو ما هو المعنى المصطلح لهذه العبارة، وهو رفع الهيئة الاتّصالية بحيث خفى عليه الفرق بين الهيئة الاتّصالية والهيئة البرمية. بل نقول: إن الشيخ ملتفت الى أن النقض هو رفع للهيئة البرمية، ويريد أن يحصّل هيئة تحصل من البرم لكن بالعناية لا بالحقيقة.
لكنّنا إذا نظرنا إلى موارد إحراز المقتضي، يعني ما إذا كان الحدوث بطبعه يقتضي البقاء والاستمرار، فهنا نلاحظ وجود تلازم بين الحدوث والبقاء، وهذا التلازم ليس هيئة برمية حقيقة، لكنّه بالعناية كأنه هيئة تحصل من البرم فينزل التلازم بين شيئين عرفاً منزلة التصاق أحد الشيئين بالآخر وفتله بالآخر؛ لأن التلازم هو غاية الالتصاق والارتباط بين شيئين.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: هل يصحّ أن نقول: نقضت الحجر من مكانه.
فأجاب: أن النقض باعتبار الشدّة في الرفع لا في المرفوع، والعرف لا يحصّل الشدّة في الرفع في كثير من الموارد إلّا حيث يكون هناك نكتة، إما من باب أن المرفوع هو شديد فيطعّم الرفع بنحو شديد، أو تكون هناك نكتة أخرى. ولهذا (نقضت الحجر من مكانه) حيث إن كون الحجر هنا ليس كوناً مستحكماً شديداً حتى يحتاج إلى رفع شديد، بخلاف (نقضت الجبل من مكانه)؛ لأنه يحتاج إلى ضغط شديد، فيعبّر بالنقض. ويأتي بالتدريج توضيح ذلك. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فإذا فرض أن الحدوث والبقاء كانا متلازمين -كما هو الحال في موارد إحراز المقتضي- فهذا التلازم بالمسامحة -لا بالدقّة- هيئة برمية. فكأن الحدوث برم بالبقاء، كيف نفرض ذلك؟ إذا لم يكن بينهما تلازم لا يصحّ البرم بمجرّد الاتّصال، وإنما يصحّحه التلازم؛ لأن معناه الالتصاق وكون هذا لا ينفكّ عن ذاك.
إذن فعندنا هيئة برمية بالعناية، وهذه الهيئة هي التي يضاف إليها كلمة النقض. وهذه الهيئة إنما تفصل في موارد إحراز المقتضى والشكّ في الرافع؛ لأنه في هذه الموارد هناك تلازم بين الحدوث والبقاء. وأما من موارد الشكّ في المقتضى فليس هناك تلازم لينزّل منزلة البرم. هذا هو التوجيه الذي يمكن ذكره في توضيح مراد الشيخ.
[الإشكال الصغروي على هذا التوجيه]
إلّا أن هذا التوجيه أيضاً لا ينفع في المقام:
وذلك: أن إشكالي ليس كبروياً، ولا أريد أن أقول: بأن التلازم لا يصحّ أن يعتبر عرفاً بالعناية هيئة برم، فإنه هذا بإمكان أن يقال ذلك، ويكون رفعه نقضاً. ولعلّه من هذا القبيل نقضت البرهان والقياس، باعتبار أن التلازم بين مقدّمات البرهان والنتيجة كأنّه نحو فتل للنتيجة بالمقدّمات، فيكون إعطاء الجواب على البرهان وبيان أن المقدّمات لا تستوجب النتيجة نقضاً للبرهان.
وإنما الإشكال في الصغرى وحاصله: أن تصحيح كلمة النقض بلحاظ هذه العناية، يتوقف على أن تكون كلمة النقض قد أضيفت إلى هيئة التلازم في
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
مرحلة الإسناد الكلامي، وحينئذٍ تستعمل العناية في تصوير أن هيئة التلازم كأنّها هيئة برم العناية، فحينئذٍ يصحّ هذا الاستعمال في إضافة هيئة التلازم إلى كلمة النقض.
وفي قولنا (لا ينقض اليقين بالشكّ)، أضيف النقض إلى واقع المتيقّن بحسب المفروض، أي واقع العدالة والطهارة. وكلمة (طهارة) و(عدالة) ليست مضمّنة لأيّ نحو من التلازم بين الحدوث والبقاء، حتّى يقال: بأن النقض قد أضيف إلى هيئة التلازم وهي مصداق عنائي لهيئة البرم فيصحّ هذا الاستعمال(1)!
وإن شئتم قلتم: بأن كلمة النقض يجب أن تكون مضافة في مرحلة الإسناد الكلامي، إما إلى هيئة البرم بالحقيقة، أو إلى هيئة أخرى هي هيئة البرم بالعناية، لكن بالآخرة لا بُدّ أن تكون مسندة إلى هيئة برم إما حقيقة أو عناية، وفي المقام لم تضف كلمة النقض لا إلى هيئة برم بالحقيقة ولا إلى هيئة هي هيئة برم بالعناية؛ لأن هذه الهيئة هي هيئة التلازم، وهيئة التلازم لم تلحظ في مرحلة الإسناد الكلامي(2)، فلا يكون مجرّد لحاظ المتكلّم لها في نفسه مصحّحاً لكلمة النقض. فإن مجرّد أن المتكلّم يضمر في نفسه معنى لا يصحّ كلامه الخارجي.
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: قد أسند إلى المتهيئ، وقلنا إن الإسناد معه صحيح.
فقال: لم يسند إلى المتهيئ بما هو متهيئ، بل إلى ذات المتهيئ وكلمة الطهارة لا تدلّ على المتهيئ بما هو متهيّئ، وليست من قبيل كلمة حبل التي هي موضوعة لغة للخيطين المفتولين. (المُقرِّر).
(2) ولو كان التلازم مأخوذاً في مرحلة الخطاب لامكن تصحيحه بالعناية، كما لو قال: لا تنقض التلازم بين حدوث الطهارة وبقائها. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[مناقشة الأمر الثاني في برهان الشيخ الأعظم]
وخلاصة الكلام في ذلك(1): أن النقض –كما قالوا– ضدّ الإبرام، فهو يطرأ على الهيئة البرمية أو على المتهيّئ بما هو متهيّئ. ولا إشكال أنه في موارد الاستصحاب ليس عندنا مثل هذه الهيئة. وحينئذٍ ففي مقام تصحيح كلمة النقض في معناها ولو عناية، نحتاج إلى أمرين:
الأمر الأوّل: أن نتصوّر هيئة إبرامية بالعناية، فبدلاً عن الفرد الحقيقي للبرم تفتش عن فرد عنائي له، حتّى تنسب النقض إليه.
الأمر الثاني: أن هذا الفرد العنائي للفتل، أو الهيئة التي هي بالعناية تكون مصداقاً للفتل، لا يكفي أن نتصوّرها في ذهننا أو ننويها في نفوسنا، بل لا بُدّ أن تكون مأخوذة في متعلّق النقض في مرحلة الإسناد الكلامي. وإلّا فمجرّد تصوّر المتكلّم والسامع لها في ذهنه يكفي لتصحيح النقض ببركة تلك العناية. فلا بُدّ أن يكون متعلّق النقض في مرحلة الإسناد الكلامي أمراً مبرماً إما حقيقة وإما بالعناية، ولا يكفي أن نتصوّر إبراماً غير مأخوذ في مرحلة الإسناد الكلامي، ولا يكون مصحّحاً حينئذٍ لكلمة النقض.
مثلاً (جرى الماء) أو (جرى الميزاب)، يسند الجريان إلى الماء حقيقة وبالعناية إلى الميزاب باعتبار إلى عناية وحدة الظرف والمظروف. ولكن لا يصحّ أن تقول: (جرى الحديد)، وتعمل العناية بأنك تريد بالحديد الميزاب، لكن هيئة
ــــــــــ[204]ــــــــــ
() قال بعد أن عنون المسألة بمناقشة الأمر الثاني في برهان الشيخ: وخلاصة الكلام في ذلك… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
الميزاب ليست مأخوذة في متعلّق جرى وإنما متصوّرة
في ذهنك فقط، وهذا لا يصحّح استعمال كلمة (جرى)، إذن فنحن لا بُدّ لنا في مقام تصحيح كلمة إسناد النقض، بلحاظ البرم والفتل، لا بُدّ لنا من هذين الأمرين، فما هي هذه الهيئة التي تكون بالعناية برماً وفتلاً؟ ذكرنا تصويرين محتملين في كلام الشيخ لهذه الهيئة.
التصوير الأوّل: أن تكون هذه الهيئة، هي الهيئة الاتّصالية الحاصلة بالعناية، بدعوى: أن المتيقّن له حدوث حقيقي وله بقاء عنائي بعناية أن مقتضى البقاء موجود. فقد اتّصل حدوثه ببقائه، فتكوّنت للمتيقّن بهذا اللحاظ هيئة اتّصالية عنائية، وهي التي يسند إليها النقض في خطاب الاستصحاب.
هذا التصوير قلنا إنه غير صحيح: وذلك لأن الهيئة الاتصالية العنائية لو سلّمناها للمتيقّن، إلّا أن رفعها ليس نقضاً ولو بالعناية؛ لأنها ليست برماً ولا تشبه البرم، فإن الهيئة الاتّصالية شيء والهيئة البرمية شيء آخر. ولذا قلنا إن الحبل له هيئة اتّصالية متقوّمة بامتداده. وهيئة برمية ناشئة من التفاف أحد خيطيه بالآخر. فإذا رفعت هيئته الاتصالية فقطعته من الوسط لا يقال عرفاً: إنك نقضت الحبل، بل يقال: قطعته، وإذا حلّلت خيوطه يقال: (نقضته). فلحاظ الهيئة الاتّصالية لا يوجب مزيد نكتة تصحّح هذا الاستعمال بوجه من الوجوه(1).
ــــــــــ[205]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: إن هذا أيضاً ليس مأخوذاً في الكلام.
فأجاب بما حاصله: أنه يمكن أن يكون مأخوذاً في الكلام بأن يقال: إن اليقين في عبارة الاستصحاب هو عبارة عن المتيقّن حدوثاً وبقاءً. فهذا الوجه إنما يرد عليه تخلّف الأمر الأوّل من الأمرين السابقين دون الأمر الثاني. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التصوير الثاني: أن هذه الهيئة التي تكون بالعناية برماً، ليست عبارة عن مجرّد الاتّصال بين الحدوث والبقاء، بل هو أمر ملازم مع الاتّصال، وهو نفس التلازم الاقتضائي بين الحدوث والبقاء؛ لأننا نتكلّم في موارد إحراز مقتضى البقاء. وهذا التلازم الاقتضائي سنخ هيئة قائمة بالحدوث والبقاء، وهي وإن لم تكن برماً ولا فتلاً بالحقيقة لكن يصحّ أن يقال إنها بالعناية برم وفتل. ولذا يصحّ أن يقال بالعناية: (نقضت التلازم بين الشيء الفلاني والشيء الفلاني)، ويكون المصحّح لكلمة النقض في المقام هو إسناد النقض إلى هيئة التلازم بين الحدوث والبقاء وجعل النقض مضافاً إليه.
وحينئذٍ فيصبح خطاب (لا ينقض اليقين بالشكّ)، كأنه خطاب (لا تنقض التلازم بين الحدوث والبقاء)، فيختصّ بخصوص موارد إحراز المقتضي، إذ في غيرها لا تلازم بين الحدوث والبقاء حتّى ينهاني المولى عن نقض التلازم. هذا هو التقدير الثاني.
وهذا التصوير وجد فيه الأمر الأوّل من الأمرين السابقين؛ لأننا تصوّرنا هيئة غير البرم والفتل ولكنّها بالعناية برم، وهي هيئة التلازم الاقتضائي بين الحدوث والبقاء ولكن الأمر الثاني غير متحقّق، فإن تصوّر هذه الهيئة لا يكفي لتصحيح كلمة النقض، بل لا بُدّ أن تكون تلك الهيئة -التي هي برم بالعناية- مأخوذة في مرحلة الإسناد الكلامي في متعلّق كلمة النقض، حتّى يصحّ بلحاظها الاستعمال. فإن العناية تسبغ ثوب الإبرام على هذه الهيئة، ولكنّها لا تكفي أن تجعل هذه الهيئة مدلولاً للكلام، فإن لم تؤخذ في متعلّق النقض في مرحلة الإسناد الكلامي وإنما تصوّرها المتصوّر في نفسه، فمثل هذا لا يكفي
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
لتصحيح كلمة النقض مبنيّاً على هذه العناية، فهو من باب أن يقول: (جرى الحديد) ويتصوّر في نفسه ميزابية الحديد، ويريد بالحديد خصوص الميزاب.
ومن المعلوم أن هيئة التلازم غير مأخوذة في متعلّق الكلام، فإن متعلّق النقض هنا هو المتيقّن وهو الطهارة أو العدالة، والعدالة لم يؤخذ في داخلها هيئة التلازم بين الحدوث والبقاء، حتّى يكون النقض مضافاً بالدقّة إلى هيئة التلازم وبالعناية إلى هيئة البرم والفتل. ومجرّد تخيّل هيئات تكون برماً وفتلاً، في ذهن الأصولي، لا يصحّح كلمة النقض بالعناية. وإنما يصحّحها إذا كان المتكلّم قد تخيّلها ودلّ عليها باللفظ. وأما إذا لم يأخذها في مدلول كلامه ولم يسند النقض إلى تلك الهيئات التي تكون برماً بالعناية، وإنما أسندها إلى ذات الطهارة والعدالة ونحوها. وحينئذٍ لا معنى لأن يقال: إن هذه العناية تكون مصحّحة لاستعمال كلمة النقض.
وعليه فالذي ينبغي أن يقال بناءً على هذا: إن النقض إما أن يكون مسنداً إلى المتيقّن -كما فرضه الشيخ في الأمر الأوّل-، وإما أن يكون مسنداً إلى نفس اليقين -كما هو ظاهر العبارة على ما يأتي- إن شاء الله.
فإن سلّمنا أنه مسند إلى ذات المتيقّن كالطهارة والوجوب وغيرها من الحالات السابقة، فحينئذٍ لا بُدّ من المصير إلى أن كلمة النقض هنا قد سلخت عن تمام حيثية البرم والفتل التي تقتضيها طبيعة النقض بمعناها الحقيقي، ولم تستعمل بلحاظ هذه الحيثية لا حقيقة ولا عناية، وإنما استعملت في معنى مجازي بعناية أخرى.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وذلك: أن كلمة النقض -كما أشرنا- رفع وحلّ، ولكنّه مطعّم بخصوصيتين: أحداهما: أنه رفع للإبرام والفتل. ثانيهما: أنه ليس مطلق الحلّ للهيئة المبرمة نقضاً، بل الحلّ بشدّة، وهذا هو الفرق بين النقض والحلّ، فإن الحلّ مطلق فكّ البرم.
والمظنون أنه لهذا صُرّح في كتب اللغة: بأن النقض ضدّ الإبرام لا ضدّ البرم. والإبرام هو فتل بشدّة وإتقان، فجعل النقض مقابلاً له باعتبار أنه رفع بشدّة.
وحينئذٍ فاستعمال كلمة النقض مجازاً في غير معناها الواجد لهاتين الحيثيتين تارةً يكون بلحاظ الحيثية الأولى، بأن نجد هيئة أخرى تكون بالعناية برماً. وأخرى نسلخ كلمة النقض عن الحيثية الأولى بالمرّة، ونستعمل كلمة النقض في الرفع في غير موارد الفتل، لكن مع المشابهة من حيث الشدّة والإتقان وتكون هذه المشابهة هي المصحّحة للاستعمال. فتكون كلمة النقض مستعملة في دليل الاستصحاب بلحاظ الخصوصية الثانية، وهي خصوصية الشدّة والإمعان في النفي.
والنكتة البلاغية لهذه الشدّة في خطاب الاستصحاب واضحة، ولا تكون نكتته هو اختصاص دليل الاستصحاب بموارد إحراز المقتضي، بل نكتته هي: أن الناهي بمقتضى مطابقة الكلام لمقتضى الحال حين يريد أن ينهى عن شيء يبرزه في أفظع ثوب، بشكل يكون واضحاً استحقاقه للنهي بهذا الثوب.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذه النكتة لوحظت في كلام الإمام باعتبار حيثيتين:
إحداهما، أن عبّر باليقين، ولم يعبّر بالعلم والقطع، باعتبار أن اليقين بلحاظ مادّته طعّم بدرجة عالية من الرسوخ والوضوح(1).
الحيثية الثانية: مسألة النقض، فإنه الرفع بشدّة، فهو يقول: لا ترفعه بشدّة، فهو يكون أوضح استحقاقاً لمثل هذا النهي مما إذا كان ينهي عن أصل الرفع؛ لأن أصل الرفع هو بلا موجب، فكيف إذا كان بشدّة.
فهذه النكتة البلاغية هي التي أوجبت اختيار كلمة النقض واستعمالها بهذه العناية، فلا يبقى بعد هذا منشأ لتخيّل اختصاص روايات الاستصحاب بموارد الشكّ في الرافع.
هذا كلّه لو فرضنا أن كلمة (اليقين) أريد منها لُبّاً المتيقّن.
وأما إذا فرضنا أن كلمة (اليقين) أريد منها لُبّاً ما أريد منها لفظاً واستعمالاً وهو نفس اليقين. فحينئذٍ هنا لا بأس بأن نقول بأننا نحصّل هيئة تكون بالعناية برماً وفتلاً، ولا نتنازل عن الحيثية الأولى، بل نقول: إن كلمة النقض استعملت بالعناية بلحاظ مجموع الحيثيتين، لا بلحاظ إحداهما دون الأخرى.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: المفروض انه أسند إلى المتيقّن لا إلى اليقين.
فأجاب: الشيخ لا يقول إنه لم يستعمل كلمة اليقين، بل قد استُعملت، غاية الأمر أنه أريد باليقين المتيقّن. فلماذا جاء بكلمة اليقين دون كلمة القطع؟! لأن اليقين يمتاز عن القطع والعلم بأن فيه مرتبة عالية من الرسوخ والوضوح، ولهذا حينما يقول: (لا ترفع اليقين) يصير هذا النهي أوضح ملاكاً في ذهن المخاطب من أن يقول: لا ترفع القطع. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذه الهيئة التي تكون بالعناية برماً عبارة عن التفاف اليقين بالمتيقّن وارتباطه به، باعتبار كون اليقين شديد التعلّق بمتيقّنه، هذا الارتباط يشبّه بالبرم والالتفاف، ولهذا يضاف إليه النقض. وهذه هي نفس العناية المصحّحة لإضافة النقض إلى البيعة والعهد ونحوها من الصفات الحقيقية ذات الإضافة التي يكون لها تعلّق بمتعلّقها. فإن كلّ هذه الصفات يمكن فرض إضافة النقض إليها بلحاظ هيئة تعلقها بمتعلّقها وكون هذه الهيئة نحو برم وفتل للصفة بمتعلّقها.
وبناءً على هذا أيضاً لا يبقى موجب لاختصاص روايات الاستصحاب بموارد الشكّ في الرافع؛ لأن هذه الهيئة البرمية قائمة بين اليقين ومتعلّقه، ومحفوظة في موارد الشكّ في الرافع وموارد الشكّ في المقتضي.
قلنا إن كلام الشيخ ينحلّ إلى أمرين:
أحدهما: إن النقض أسند إلى المتيقّن لا إلى اليقين.
ثانيهما: إن النقض حيث أسند إلى المتيقّن فهو يستوجب فرض مقتضٍ للمتيقّن في مرحلة البقاء.
وقد انتهينا من الكلام عن الأمر الثاني، ونصل إلى الكلام عن الأمر الأوّل.
فهل صحيح ما يقال من أن النقض مسند إلى المتيقّن دون اليقين. يعني لو سلّمنا الأمر الثاني من الشيخ وفرضنا أن النقض لو كان مضافاً إلى المتيقّن فهو يستوجب فرض مقتضىٍ له في مرحلة البقاء، بأحد البيانات التي تقدّم تفصيلها. فنريد أن نرى أن النقض أضيف إلى المتيقّن أو إلى نفس اليقين.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
قد يقال: إن النقض مضاف إلى المتيقّن ولو بحسب النتيجة، دون نفس اليقين. ويقرّب ذلك بعدة تقريبات:
هو التقريب الساذج الذي يقول: بأن كلمة النقض وإن أسندت إلى كلمة اليقين، لكن كلمة اليقين استعملت مجازاً في المتيقّن، كما يستعمل كلمة أسد في الرجل الشجاع بنحو التجوّز في الكلمة.
هذا المطلب بقطع النظر عن دليله الذي سوف يبيّن في غاية الوهن والضعف، فإن مثل هذا التجوّز من التجوّزات التي لا يساعد عليها العرف، أن يراد من اليقين المتيقّن، خصوصاً مع الالتفات إلى العبارة، فإنه قد أضيف اليقين إلى المتيقّن وهو الوضوء فقيل: (وإلّا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ). فبعد أن يضاف اليقين إلى متعلّقه، كيف يقال بإنه يراد باليقين المتعلّق؟! هذا غير محتمل في المقام أصلاً.
فهذا الاحتمال ساقط جداً، وإنما يذكر؛ لأنه يتخيّل وجود دليل عليه فيذكر استطراقاً لإبطاله. وما يتصوّر كونه دليلاً على هذا الاحتمال أمران كِلاهما مذكوران في (الكفاية):
الأمر الأوّل: أن النقض لا يمكن أن يضاف إلى اليقين بل لا بُدّ أن يكون مسنداً إلى المتيقّن؛ لأن المولى نهى عن النقض، وهذا يستوجب كون النقض مقدوراً، ليحتمل تعلّق النهي به.
فإن النهي عن غير المقدور غير معقول، ونقض اليقين أمر غير مقدور؛
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
لأن اليقين صفة تكوينية خارجية إذا مرّ عليها الشكّ تنتقض حتماً وقهراً، فلا يمكن أن يأمر أو ينهى عن نقض اليقين بالشكّ، فبقرنية استحالة تعلّق النهي بالنقض، لا بُدّ من صرف النقض من اليقين إلى المتيقّن.
وقد اعترض عليه المحقّق الخراساني في (الكفاية) بأن النقض إما أن تريدون منه النقض الحقيقي، يعني الحلّ في عالم وجوده حقيقة، وإما أن تريدون النقض العملي في مقام العمل وترتيب الآثار. فإن أردتم الحقيقي فهو غير مقدور، سواء أضفتموه إلى اليقين أو إلى المتيقّن، فإن ما هو المتيقّن كحكم الشارع بالوجوب أو عدالة زيد أو حياة عمرو(1) ليست تحت قدرتي. ولو فرض في مورد أنه كان مقدوراً فليس المطلوب في دليل الاستصحاب المنع عن ذلك النقض الحقيقي، كما لو كان ثوبي طاهراً وأنا أقدر على تنجيسه؛ ليس المطلوب منعي عن تنجيسه، إذن فالنقض الحقيقي -سواء أضيف إلى اليقين أو المتيقّن- إما غير مقدور أو غير مطلوب.
وأما إذا أريد بالنقض النقض العملي، فهو أمر مقدور سواء أسند إلى اليقين أو إلى المتيقّن.
إذن قد يمكننا أن نستشهد باقتضاء النهي للقدرة على متعلّقه، على تحويل النقض من اليقين إلى المتيقّن.
الأمر الثاني: وهو أيضاً مذكور في (الكفاية):
وحاصله: أنه سلّم أن المراد من النقض نقضه بلحاظ الآثار في مقام
ــــــــــ[212]ــــــــــ
() ونحوها من الحالات السابقة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
العمل، لا النقض الحقيقي. لكن مع هذا يقال: بأن النقض بلحاظ الآثار لا ينبغي أن يكون مسنداً في خطاب الاستصحاب إلى اليقين، بل ينبغي أن يكون مسنداً إلى المتيقّن. وذلك: لأن خطاب الاستصحاب إذا كان يتكفّل عدم نقض اليقين في مقام ترتيب الآثار، فهذا مرجعه إلى الحكم تعبّداً بترتيب آثار اليقين وأحكامه. بمعنى أن اليقين إذا كان قد أُخذ موضوعاً لحكم شرعي فقيل مثلاً: (إن كلّ من هو على يقين من طهارته فيجب عليه أن يتصدّق بدرهم). فإذا كان هكذا حينئذٍ يقال: (رتّب آثار اليقين ولا تنقضه)، يعني ابقِ آثار اليقين التي منها وجوب التصدّق.
وأما إذا كان النقض مضافاً إلى المتيقّن، يعني إلى الطهارة، فمعنى (لا تنقض الطهارة في مقام ترتيب الآثار) هو الحكم تعبّداً بالطهارة، وبآثارها من جواز الدخول في الصلاة، وعدم وجوب القضاء ونحو ذلك.
فالنقض المنهي عنه إن كان مسنداً إلى اليقين، فإنه يدلّ على وجوب ترتيب أحكام نفس اليقين، وإن كان مسنداً إلى المتيقّن فيدلّ على التعبّد بأحكام المتيقّن. ومن المعلوم أن المقصود في دليل الاستصحاب هو التعبّد بأحكام المتيقّن لا التعبّد بأحكام اليقين، فإنه في مثل قوله: (وإلّا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ)، الأحكام مترتّبة على الوضوء لا على اليقين به.
فإذا كان المراد التعبّد بأحكام المتيقّن، يعني بالآثار الشرعية المترتّبة عليه، لا على نفس اليقين، فلا بُدّ أن يكون النقض المنهي عنه في خطاب الاستصحاب مضافاً إلى المتيقّن لا إلى اليقين. هذا هو التقريب الثاني.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وقد أجاب عنه صاحب (الكفاية) بما حاصله: بعد تسليم أن النقض لا بُدّ أن يكون بلحاظ المتيقّن لا بلحاظ اليقين؛ لأن المقصود من دليل الاستصحاب التعبّد بأحكام المتيقّن دون أحكام اليقين، لكن هذا ليس معناه أن كلمة اليقين تستعمل في المتيقّن مجازاً، بل تستعمل في معناها الحقيقي وهو مفهوم اليقين، ولكن هذا المفهوم يلحظ بما هو مرآة للمتيقّن وفانٍ فيه، لا بما هو هو، فإذا لوحظ بما هو فانٍ في المتيقّن(1) فحينئذٍ يكون معنى التعبّد بأحكامه هو التعبّد بأحكام المتيقّن. فهذا بابه ليس باب التجوّز في الكلمة، فإن كلمة (اليقين) استعملت في معناها، لكنّها استعملت على حدّ استعمال الحروف لا على حدّ استعمال الأسماء.
هذا ما ذكره صاحب (الكفاية) في مقام الجواب.
أما أنه هل يعقل أن يلحظ مفهوم اليقين فانياً في المتيقّن أو غير معقول؟ يأتي الكلام عليه، إلّا أننا هنا بقطع النظر عن كونه معقولاً أو غير معقول نقول: بأن هذا التسليم من صاحب (الكفاية) بأن مفهوم اليقين لوحظ مرآة وفانياً في المتيقّن، يزلزل مبناه في هذه المسألة. وذلك لأن معنى كون مفهوم اليقين ملحوظاً فانياً في المتيقّن، هو أن المرئي للمتكلّم هو المتيقّن وليس المرئي هو اليقين. فإذا كان المرئي هو المتيقّن إذن فلا يتمّ ما ذكره صاحب (الكفاية) من تصحيح إسناد كلمة النقض إلى اليقين بلحاظ الإحكام الذاتي في داخل نفس اليقين.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
() فأيّ حكم يحكم عليه وهو فانٍ فهو حكم للمفني منه وهو المتيقّن. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فإن صاحب (الكفاية) ذكر في مناقشته للشيخ الأعظم: بأن النقض أسند إلى نفس اليقين بلحاظ الإحكام الذاتي في نفس اليقين، ولا ندري أنه أراد بهذا الإحكام الذاتي هذا البرم الذي نحن تصوّرنا بين اليقين والمتيقّن، أو أراد إحكاماً في داخل هوية اليقين؟ العبارة من هذه الناحية مجملة. وعلى أيّ حال فقد صحّح استعمال كلمة (النقض) بلحاظ الإحكام الذاتي في هوية اليقين، وهذا إنما يكون فيما إذا لاحظ المتكلّم اليقين بما هو يقين. وأما إذا لاحظ المتيقّن وغفل عن اليقين، فإنه لا يجد إحكاماً حتّى يكون هذا الإحكام هو المصحّح لاستعمال كلمة (النقض).
وحينئذٍ إذا فرضنا أن معنى اليقين مغفول عنه وفانٍ في المتيقّن، يتمّ كلام الشيخ وهو أننا نحتاج إلى عناية في المتيقّن، وتماميّة مقتضى البقاء فيه، ولا يكفي إحكام اليقين في تصحيح كلمة (النقض)؛ لأننا لم نلتفت إلى اليقين بما هو يقين حتّى نرى إحكاماً، وإنما التفتنا إليه بما هو متيقّن.
هذا الإشكال على صاحب (الكفاية) ذكره تلميذه المحقّق العراقي إلّا أنه أجاب عنه بجواب أقرب إلى الأدب منه إلى الأصول. فإنه قال: إن اليقين حينما يلحظ مرآة للمتيقّن فكأن المتيقّن يكتسب صفات المرآة، ومن جملة صفاتها الإحكام. الأخرى أن النور كيف يكتسب لون الزجاج فيكون أحمر إذا كان الزجاج أحمر، ويكون أصفر إذا كان أصفر؟ فكما أن النور يكتسب لون المرآة كذلك يكتسب المتيقّن لون اليقين وإحكامه، إذا نظر إليه بما هو فانٍ في المتيقّن.
وسوف يأتي إن شاء الله بيان عدم صحّة هذا البيان.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
والصحيح في الجواب عن هذا الوجه الذي يستدلّ به على أن كلمة (اليقين) لا بُدّ وأن يراد بها المتيقّن؛ لأنه لو أريد بها اليقين يلزم التعبّد بأحكامه. الصحيح هو ما أوضحه المحقّق العراقي أيضاً.
وحاصله: هو أن خطاب: (لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ) إما أن يقال: إن المقصود منه التعبّد بالأحكام الشرعية لليقين أو المتيقّن. فحينئذٍ يوجد تباين بين الأحكام الشرعية لليقين والأحكام الشرعية للمتيقّن. والتعبّد بأحدها لا يلزم منه التعبّد بالآخر. وحينئذٍ فيأتي هذا الترديد وهو أن نقول: إما أن يكون المقصود من العبارة التعبّد بأحكام اليقين أو التعبّد بأحكام المتيقّن، ومن المعلوم أن المراد هو التعبّد بأحكام المتيقّن لا بأحكام اليقين، فيجب أن يكون النقض مسنداً إلى المتيقّن لا إلى اليقين.
وأما إذا أريد من الآثار التي يراد التعبّد بها بالاستصحاب الآثار العمليّة، يعني الجري العملي الخارجي لا الحكم الشرعي، وكان مرجع عبارة الاستصحاب وجوب الجري العملي على طبق اليقين أو المتيقّن. فحينئذٍ من المعلوم أن الجري العملي، افرضوا أنه مضاف إلى اليقين لا إلى المتيقّن، إلّا أن الجري العملي على اليقين هو بنفسه الجري العملي على المتيقّن.
وذلك باعتبار أن الجري العملي على المتيقّن، إنما يكون بتوسّط انكشافه ووصوله إلى المكلّف، فالجري العملي على طبق اليقين بالوضوء، هو عبارة أخرى عن ترتيب آثار الوضوء في مقام العمل. فيكون الجري العملي على طبق اليقين هو بنفسه الجري العملي على طبق المتيقّن.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
فالاثنينية بين آثار اليقين وآثار المتيقّن إنما تكون فيما إذا أريد بها الأحكام الشرعية. وأما إذا أريد بها الجري العملي، فالجري على طبق اليقين هو الجري على طبق المتيقّن ولا يكون أحدهما غير الآخر(1).
وعليه فبعد فرض تفسير النقض بالنقض العملي، يكون معنى حرمة النقض العملي لليقين هو إيجاب الجري العملي على مقتضى اليقين، والجري العملي عليه هو عبارة أخرى عن الجري على متيقّنه، فهذا البيان من لا أساس له.
وعليه فكِلا الدليلين اللذين يستدلّ بهما على لزوم صرف كلمة اليقين إلى المتيقّن، مما لا محصّل لهما.
*****
جعل الأمر الأوّل لهذا الوجه أن كلمة النقض مسندة إلى المتيقّن لا إلى اليقين؛ لأنها لو كانت مسندة إلى اليقين لا ينحصر عناية البرم بخصوص فرض
ــــــــــ[217]ــــــــــ
() قلت له: إذا أخذ اليقين على وجه الموضوعية، فهل يكون الجري العملي عليه هو نفس الجري العملي على متيقّنه؟
فقال: إن هذا اليقين الموضوعي هل هو يقين طريقي من ناحية أخرى أو لا؟
فقلت: نعم، قد يكون ذلك.
فقال: إذن فالجري العملي على طبق المتيقّن يكون دائماً جرياً عملياً على طبق اليقين.
قلت: نعم.
فقال: أما أن الجري العملي على طبق حكم نفس اليقين هل يصدق عليه أنه جري عملي على طبق اليقين أو لا يصدق؟ فيه كلام يأتي إن شاء الله ونتكلّم فيه مفصلاً. ولكن في حدود ما هو الغرض هذا يكون كافياً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
مقتضٍ في مرحلة البقاء، بل نفس ربط اليقين بمتعلّقه هو نحو برم بالعناية يصحّ بلحاظه استعمال كلمة (النقض). وأما إذا كانت كلمة (النقض) مسندة إلى ذات المتيقّن، إذن فهذا لا يتصوّر فيه عند صاحب هذا الوجه البرم إلّا إذا فرض أن له مقتضي البقاء؛ ليكون حدوثه مبروماً ببقائه على النحو الذي قلناه(1).
التصوير الثاني لتتميم الأمر الأوّل، وإثبات أن كلمة النقض مسندة إلى المتيقّن لا إلى اليقين، هو نفس ما تعرّضنا له كجواب من قبل الآخوند على التصوير الأوّل.
وحاصله: أن كلمة (اليقين) من البعيد جداً قد استعملت مجازاً في المتيقّن. وإنما كلمة اليقين مستعملة في معناها ومفهومها، إلّا أن هذا المفهوم لوحظ بما هو مرآة وحاكٍ وفانٍ في المتيقّن، فالمتيقّن هو المرئي بهذا الاستعمال، وإن لم يكن هو المستعمل فيه.
وقد قرّب صاحب (الكفاية) هذا المدّعى -في ظاهر عبارة (الكفاية)-: بأن اليقين بالنسبة إلى أفراده، كيقينك، أليست هذه اليقينات مرآة وكاشفة عن المتيقّن فيها طبع الآلية والكاشفية، فهذا الطبع يسري من أفراد اليقين إلى نفس مفهومه. فيكون لمفهوم اليقين طبع الآلية والكاشفية في المتيقّن. إذن فاللفظ استعمل في مفهوم اليقين، ولكنّه لوحظ فانياً في المتيقّن على حدّ فناء أفراد اليقين
ــــــــــ[218]ــــــــــ
() وهنا ذكر التقريب الأوّل للمدّعى في هذا الأمر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
في متيقّناتها الخارجية(1).
هذا ما قرّب به صاحب (الكفاية) في ظاهر (الكفاية) المطلب، إلّا أن نفس هذا المطلب ذكره في حاشيته على (الرسائل) وقرّبه بتقريب آخر، بحيث يظهر بأن المقصود هو غير ما هو ظاهر عبارته في (الكفاية). أو ان هناك مقصودين متضاربين.
إذا قلنا بأن لفظ اليقين مستعمل في مفهوم اليقين، وهو فانٍ في واقع المتيقّن. فهل هذا يتمّم مقصود الشيخ الأعظم من إثبات اختصاص روايات الاستصحاب بموارد الشكّ في الرافع، أو لا؟
الظاهر أن هذا يتمّم مقصوده، فإن مقصود الشيخ لا يتوقّف على أن نثبت أن كلمة (اليقين) استعملت مجازاً في المتيقّن. بل لو فرض أننا تعقّلنا هذا الكلام من الآخوند من أن كلمة (اليقين) تستعمل في مفهوم اليقين، ولكن مفهومه يكون منظوراً إليه بالنظر الآلي، ويكون غير ملتفت إليه كما هو شأن المعاني الحرفية، ويكون تمام التوجّه إلى المتيقّن، إذن فأيضاً شبهة الشيخ تأتي من حيث إنه يقال: إنه ما هو المصحّح لاستعمال كلمة (النقض) في قولنا: (لا ينبغي أن ينقض…)؟! ليس لك أن تقول حينئذٍ: إن المصحّح هو ما يراه المتكلّم في نفس اليقين من إبرام إحكام وارتباط بمتعلقه؛ لأن اليقين لوحظ بنحو المعنى الحرفي، يعني لم يكن التوجّه إليه من المستعمل حتّى يرى إحكاماً وإتقاناً
ــــــــــ[219]ــــــــــ
() وهنا قلت له: يعني بالعناية؟
قال: نعم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ليصحّح بهذه العناية استعمال كلمة (النقض)، وإنما كان تمام توجّهه إلى المتيقّن. إذن فكيف صحّ لديه استعمال كلمة (النقض) مع أنه لم يكن يرى اليقين بل كان يرى المتيقّن؟
فلا بد من أن يقال: إن هناك إبراماً في المتيقّن هو الذي صحّح كلمة (النقض)، وما هو ذلك الإبرام. حينئذٍ يأتي ذلك الأمر الثاني في كلام الشيخ وهو أن إبرام المتيقّن لا يتصوّر إلّا بفرض مقتضٍ له في مرحلة البقاء، حتّى يلتف حدوثه ببقائه. فحينئذٍ يتمّ كلام الشيخ في المقام.
ومن هنا يعرف أن صاحب الكفاية التزامه بهذا البيان -كما هو ظاهر عبارته في (الكفاية)- هدم مبناه في عدم الاحتياج إلى تصوير عناية البرم في المتيقّن، والاكتفاء في تصويرها في نفس اليقين، إذ مع اعترافه بأن مفهوم اليقين غير ملتفت إليه، فأيّ عناية تكون مصحّحة للاستعمال.
وهنا يأتي كلام المحقّق العراقي الذي أشرنا إليه سابقاً، فكأنّه أراد أن يقول: إن هذا التصوير أيضاً لا ينفع الشيخ الأنصاري، إذ لو فرض أن كلمة (اليقين) كانت مستعملة في مفهوم اليقين، وقد أفنى مفهوم اليقين في المتيقّن. مع هذا نقول: إن المصحّح لاستعمال كلمة (النقض) هو الإبرام الموجود في اليقين، بلا حاجة إلى إبرام آخر موجود في المتيقّن.
فإن قلت: نحن لا نرى اليقين حتّى نرى إبرامه؛ لأنه ملحوظ فانياً في المتيقّن.
يقول: نعم، ولكن المفنى فيه يكتسب صفات الفاني. فإذا لاحظنا المتيقّن
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
بمرآتية اليقين، فهو يكتسب صفات هذه المرآة، فيسبغ عليه ثوب من الإحكام والإتقان من ناحية نفس اليقين، فيرى المتيقّن وكأنه محكم ومتقّن. من قبيل السراج الذي يكتسب اللون من الزجاج.
هذا الكلام أشرنا إلى أنه غير صحيح، فإن المفنى فيه لا يكتسب الصفات في شخص هذا اللحاظ الفنائي، من الفاني، وإنما الأمر بالعكس، فإن الفاني يكتسب صفات المفنى.
وأما مسألة السراج الذي يكتسب اللون من الزجاج. فهذا أجنبي عن محلّ الكلام؛ لأن هذا الاكتساب عملية تتمّ في مرحلة الإحساس البصري للمطلب لا في مرحلة التوجّه النفسي واللحاظ الذهني. فتتكون في مرحلة الحسّ البصري عمليّة طبيعية، وهي أن الضوء بانعكاسه على هذا الزجاج يكتسب لونه، يعني يكتسب ذبذبة معينة، تخلف في الصورة الشبكية المنعكسة في العين لوناً نسميه بالحمرة أو بالخضرة ونحوها.
وكلامنا في الفناء في عالم الذهن، وليس كلامنا على مستوى الحسّ البصري، الذي هو أجنبي عن عالم الفناء ولأننا في عالم الذهن.
ولأجل أن يتّضح أن المفني فيه لا معنى لأن يكتسب صفات الفاني، بل الأمر بالعكس. ولكي يتّضح أيضاً بطلان أصل هذا التصوّر، وأنه لا معنى لأن نقول: إن مفهوم اليقين لوحظ بما هو فانٍ في المتيقّن.
لأجل ذلك نقول: إننا في الأبحاث السابقة ذكرنا معنى الفناء. وقلنا: إن كونه ملحوظاً يناقض كونه فانياً ومستهلكاً، فإننا لو أردنا أن ندقّق في العبارة
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
نرى أن (فاني) يعني: معدوم في عالم اللحاظ، (وملحوظ) يعني: موجود في عالم اللحاظ. فكيف اجتمع كونه موجوداً مع كونه معدوماً؟ فهذه عبارة تؤدّي إلى التناقض.
إلّا أن معنى هذا الفناء -بنحو لا يؤدّي إلى التناقض-: أن شيئاً واحداً في عالم الذهن، قد يكون هو بالحمل الأوّلي، يختلف عمّا هو بالحمل الشايع. فمثلاً حين نلحظ مفهوم الإنسان، فهذه الصورة الذهنية، الحمل الشايع هي صورة ذهنية قائمة بذهننا، ومن الكيف النفساني، ولكنّه بالحمل الأوّلي هو حيوان ناطق جوهر قائم بذاته في الخارج. فقد اختلف وضعه بلحاظ الحمل الأوّلي عن وضعه بلحاظ الحمل الشايع.
فحينئذٍ تارةً أنا ألحظه بالحمل الشايع، يعني على حقيقته وبما هو صورة ذهنية قائمة في ذهني، وأخرى ألحظ عنوانه الذي هو معنى لحاظه بالحمل الأوّلي، وهو عنواناً الإنسان الخارجي؛ لأنك تتصوّر الإنسان الخارجي وتقول: (يحرّم قتله) وإذا لاحظته عنواناً نقول: إنك قد أفنيت الصورة في ذي الصورة، يعني أفنيت المعنون في العنوان، يعني أنك توجّهت إلى العنوان ولم تتوجّه إلى المعنون.
هذا هو معنى الفناء، ولا معنى له غير هذا في عالم الذهن(1).
ــــــــــ[222]ــــــــــ
() قلت له: فكيف يكتسب الفاني صفات المفني؟
قال ما حاصله: باعتبار أنك تسند إلى الصورة الذهنية بالحمل الأوّلي تمام المحمولات التي تريد أن تحملها على الخارج، فترى (هذا اللون الأحمر) و(الإنسان يحرّم قتله)، وغير ذلك. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
إذا اتّضح هذا المعنى من الفناء يقال: بأن اليقين المصداقي -يعني يقينك بعدالة زيد(1) وغيره من أفراد اليقين- يعقل فيه الفناء، وذلك: لأن اليقين هو صورة علمية قائمة في نفسك، فهي بالحمل الأوّلي غيرها بالحمل الشايع. فمن هنا يعقل الفناء، فيكون كلّ فرد من اليقين فانياً في واقع متيقّنه، إذا لوحظ بالحمل الأوّلي. وأما مفهوم اليقين، فلا يتصوّر فيه هذا المطلب؛ لأنه ليس هو المتيقّن لا بالحمل الأوّلي ولا بالحمل الشايع، فإن مفهوم اليقين بالحمل الأوّلي، هو صورة ذهنية قائمة في نفسها، وبالحمل الشايع انكشاف تامّ لا يقبل الترديد والشكّ. وليس اليقين بأيّ واحد من الحملين هو عين المتيقّن. بخلاف الصورة العلمية الشخصية القائمة في نفسك فإنها بالحمل الأوّلي عين المعلوم، وعليه فلا معنى لملاحظة مفهوم اليقين فانياً في المتيقّن.
فبهذا يتّضح ان سراية الآلية والفنائية من أفراد اليقين إلى مفهومه، أمر غير معقول؛ لأن الآلية ليست أمراً جزافاً، وليست مجرّد تناقض في القول، وإنما هي أن نحصل على شيء له حمل أوّلي يغاير حمله الشايع، كما قلنا. وبهذا يكون هذا التصوير الثاني باطلاً.
وأنا أظنّ أن صاحب (الكفاية) لم يرد ظاهر عبارته، وإن كان ظاهرها هو هذا، وأظنّ هذا على أساس عبارته في الحاشية فإنها تناسب تصويراً ثالثاً في المقام.
ــــــــــ[223]ــــــــــ
() لأن عدالة زيد توجد بنفس وجود اليقين على ما مرّ مراراً من أن المعلوم والمتيقّن بالذات موجود بنفس وجود اليقين لا بوجود آخر، كما هو الحال في جميع الصفات النفسانية ذات الإضافة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التصوير الثالث: وهو التصوير الذي يظهر من عبارة الآخوند في (الحاشية): وحاصله: أن كلمة (اليقين) استعملت في مفهوم اليقين، مع الالتفات إليه وليس فيه لحاظ آلي. ولكن خطاب الاستصحاب خطاب كنائي لا خطاب حقيقي جدّي، يعني أن المراد الاستعمالي على طبق مدلول الخطاب وهو عدم جواز نقض اليقين بالشكّ، ولكن ليس هذا هو المراد الجدّي، بل هو كناية(1) عن شيء آخر هو المراد الجدّي، وهو عدم جواز نقض المتيقّن بالشكّ.
من قبيل مثال: (زيد كثير الرماد)، فإن مدلوله المطابقي هو أن زيداً كثير الرماد، ولكن المراد الجدّي منه بيان أنه كريم؛ لأن كثرة الرماد ملازمة مع الكرم.
أما أن هذا الكلام في نفسه صحيح أولا. يعني هل يمكن أن تحمل هذا الخطاب على الكناية أو لا يمكن؟ سوف نتكلّم عن ذلك فيما بعد. وأما الآن فنتكلّم في أن هذا التصوير هل ينفع الشيخ في تسجيل أن الأخبار مختصّة بخصوص الشكّ في الرافع؟!
الصحيح أنه لا ينفع الشيخ، وذلك: لأن النقض ما دام قد أسند في مرحلة المراد الاستعمالي إلى اليقين مع التوجّه إليه، إذن فيكفي في المقام عناية الإحكام والإبرام الموجودة في كلمة (اليقين) لتصحيح إسناد النقض إليه؛ لأننا إنما نريد هذه الكناية لتصحيح المراد الاستعمالي، لا لتصحيح المراد الجدّي، وحيث إنه في
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() هو كناية عن مدلول التزامي له، وهو عدم نقض المتيقّن بالشكّ. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
مرحلة المراد الاستعمالي قد أسند النقض إلى نفس اليقين، مع التوجّه إليه بما هو يقين، إذن فيكون الإبرام الموجود في نفس اليقين كافياً لتصحيح إسناد كلمة (النقض) إليه بلا حاجة إلى فرض إبرام آخر في المتيقّن.
التصوير الرابع: هو كلام المحقّق النائيني، وما ذكر عنه في التقريرين(1) في غاية التشويش والارتباك، حتّى لا يكاد يتحصّل من هذه الكلمات -إلّا مجرّد تكرار نفس المدّعى بعنوان البرهنة عليه- إلّا بمؤنة ومشقّة.
وعلى أساس هذا التشويش، نحتمل في حاقّ مراد المرزا احتمالات عديدة، نقتصر منها على اثنين مع المناقشة:
الاحتمال الأوّل -وهو أضعفهما-: في كلام المرزا: وفي نفسه يمكن أن يكون بياناً للمطلب سواء كان مراداً للمرزا أم لم يكن.
وحاصله: الاعتراف بأن كلمة (النقض) مسندة إلى اليقين، لا إلى المتيقّن. مسندة إليه بلحاظ المعنى الاستعمالي، خلافا للتصوير الأوّل. وبلحاظ عالم التوجّه الذهني، خلافاً للتصوير الثاني. وبلحاظ عالم الإرادة الجدية، خلافاً للتصوير الثالث. فالنقض مسند إلى اليقين في تمام المراتب. لكن مع هذا يقال: بأننا نحصّل نفس النتيجة والنكتة التي أعملها الشيخ في إسناد كلمة (النقض) إلى المتيقّن، واستدلّ على أساسها باختصاص موارد الروايات في الرافع. نحصل نحن على نفس النتيجة مع الاعتراف بالإسناد إلى اليقين.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
() المصدر في أجود التقريرات والفوائد.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وتوضيحه: أنه كما كان يقول الشيخ -مثلاً- إن النقض على تقدير إسناده إلى المتيقّن، فلا بُدّ من تطعيم المتيقّن نوعاً من الإبرام حتّى يصحّ أن يطرأ عليه النقض؛ لأن النقض هو حلّ الأمر المبرم. وهذه الهيئة الإبرامية هي اتّصال الحدوث بالبقاء أو التلازم(1) الاقتضائي بين الحدوث والبقاء. وهذا يستوجب منّا تخصيص روايات الاستصحاب بخصوص موارد تماميّة المقتضى للمتيقّن بقاءً، إذ في هذه الموارد تصحّ الهيئة البرمية دون موارد الشكّ في المقتضي.
نحن نفس الكلام نقوله، بناءً على أن تكون كلمة النقض مسندة إلى اليقين. ونقول: إنه أيضاً لا بُدّ من فرض هيئة (برم) في جانب اليقين بحيث تحلّ بهذا النقض. وكما تصوّرنا هيئة البرم في طرف المتيقّن بالتلازم الاقتضائي بين حدوث المتيقّن وبقائه، وهذه الهيئة هي التي تنحلّ بالنقض، كذلك هنا نتصوّر تلازماً اقتضائياً بين حدوث اليقين وبقاءٍ. وهذا التلازم يصحّح هيئة (برم) عرفاً بحيث يسند إليه كلمة (النقض).
إذن فيختصّ الخطاب الاستصحابي بما إذا كان هناك تلازم اقتضائي بين حدوث اليقين وبقائه. يعني يختصّ بما إذا كان هناك مقتضٍ للبقاء اليقين، ومقتضيه هو نفس مقتضي بقاء المتيقّن. فحينئذٍ يكون معنى هذا أننا قد خصّصنا روايات الاستصحاب بخصوص موارد إحراز مقتضى المتيقّن. فقد وصلنا إلى نفس النتيجة من دون حاجة إلى الالتزام بأن كلمة (النقض) مسند إلى المتيقّن.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
() أو بالتعبير الأحسن. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وهذا الكلام ينحلّ -في الحقيقة- إلى أمرين:
1- دعوى أن إسناد كلمة النقض إلى اليقين يحتاج إلى فرض إبرام فيه، ويكون تصويره هو هيئة التلازم الاقتضائي بين حدوث اليقين وبقائه. ويكون حلّه نقضاً. إذن فلا بّد أن يفرض أن اليقين بطبعه يبقى، له مقتضٍ للبقاء.
هذا التقريب غير صحيح، وذلك لأمرين:
الأمر الأوّل: أن كلمة (النقض) إذا كانت مسندة إلى نفس اليقين لا إلى المتيقّن، فهي وإن كانت تحتاج إلى هيئة برم -مثلاً- ولو بالعناية حتّى يصحّ استعمال كلمة (النقض) بلحاظها، إلّا أن هيئة البرم في اليقين لا يتوقّف تحصيلها على فرض تلازم اقتضائي بين حدوث اليقين وبقائه؛ ليكون هو المحتمل بالنقض. بل هناك برم آخر يمكن تصحيح النقض بلحاظه، وهو التفاف اليقين بمتعلّقه وارتباطه به، فإنه نحو برم يصحّ بلحاظه كلمة (النقض). إذن فلا موجب لتقدير عناية توجب الاختصاص بخصوص الشكّ في الرافع. هذا أوّلاً.
الأمر الثاني: لأن ما ذكر في الأمر الثاني -وهو الذي سمّاه السيد(2) بالمصادرة- بأن مقتضي المتيقّن هو مقتضٍ لليقين هذا خطأ ليس بصحيح، وذلك: لأن أجزاء العلّة للمتيقّن ليست بوجوداتها الواقعيّة مؤثّرة بالعلم بالمتيقّن، حتّى يتوهّم أن كلّ جزء
ــــــــــ[227]ــــــــــ
() وهنا قلت له: هذا الأمر الثاني مصادرة لا برهان عليه.
فقال: نعم، بهذا المقدار من البيان. (المقرِّر).
(2) يعني كاتب هذه الحروف. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
يؤثّر في المتيقّن ويؤثّر في اليقين به من سنخ تأثيره في المتيقّن. فالمقتضي للمتيقّن مقتضٍ للعلم به والشرط له شرط فيه وهكذا. وإنما المؤثّر في العلم بالمتيقّن هو العلم بالمقتضي والشرط وعدم المانع. فالعلم بالإحراق غير ناتج عن مقتضي الإحراق وشرطه وعدم مانعه بوجودها الواقعي، وإنما يتولّد من العلم بهذه الأمور الثلاثة. وهذه العلوم الثلاثة نسبتها في مقام التأثير بالعلم بالنتيجة على حدّ واحد.
ومن هنا كان الميزان الذي يذكرونه لِما يكون مقتضيه تامّاً، وهو أن الشيء لو خلّي وطبعه في عمود الزمان يبقى. وإذا كان يشكّ في بقائه فمقتضيه ناقص. ومن هنا يقال: بأن طهارة الثوب لها مقتضي البقاء؛ لأنها لو خلّيت ونفسها تبقى، هذا صحيح. ولكن العلم بطهارة الثوب لو خلّي ونفسه مع عمود الزمان، هل يبقى؟ لا. إذا لم يحدث في كلّ آن العلم بأنه لم يلاق مع النجس في هذه اللحظة ولم يلاق في هذه اللحظة وهكذا، لا يبقى علم بالطهارة. فالعلم بالطهارة يحتاج بقاؤه إلى أن يحدث علم بعدم بالملاقاة باستمرار. وهذا معناه أن نفس المتيقّن له مقتضى البقاء، وهذا هو معنى ما قلناه من أن مقتضي المتيقّن لا يعقل أن يكون هو مقتضي نفس اليقين.
فهذا هو الاحتمال الأوّل في كلام المرزا. وهو غير تامّ.
الاحتمال الثاني: أن كلمة (النقض) تارةً يراد بها النقض الحقيقي في مقابل وجود اليقين حقيقة، وأخرى يراد بها النقض العملي في مقابل الجري العملي على طبق المطلب.
فإذا كان المراد النقض الحقيقي، يمكنكم أن تقولوا: إن المصحّح لإسناد
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
كلمة (النقض) هو الإبرام الموجود بوجود اليقين، فإنه برم مستحكم إما باعتبار التفافه بمتيقّنه وإما باعتبار قوّته الذاتية -كما يظهر من الآخوند- ولا كلام لنا معكم حينئذٍ.
لكن الأمر ليس هكذا، فإن المراد بالنقض ليس الحقيقي؛ لوضوح أن النقض الحقيقي واقع على أيّ حال، ولا معنى للنهي عنه، فإن اليقين منتقض حقيقة بالشكّ.
وإنما المراد بالنقض هنا النقض العملي، يعني: نقض للعمل لا نقض لوجود اليقين، يعني نقضاً للجري العملي على طبق اليقين، إذن فنحتاج إلى تصوّر إبرام وإحكام في الجري العملي لا في نفس وجود اليقين. والإبرام في الجري العملي لا يمكن تصويره إلّا بأن يفرض بأن الجري العملي له مقتضٍ في مرحلة البقاء، حتّى يلتف حدوثه ببقائه، بالنحو الذي أشرنا إليه سابقاً؛ لكي يصير إبراماً، فيصحّ إسناد النقض بلحاظه.
والمقتضى للجري العملي هو المقتضي لنفس المتيقّن؛ لأن الجري العملي هو -في الواقع- من شؤون المتيقّن لا من شؤون اليقين، فإن المتيقّن وهو وجوب صلاة الجمعة، هو الذي يقتضي الحركة، وأما اليقين بوجوب صلاة الجمعة فيضاف إليه الحركة من باب أنه كاشف، فالمحرك هو المتيقّن، وتضاف الحركة إلى اليقين بالعرض باعتبار أنه كاشف عنه.
إذن فالجري العملي من تبعات نفس المتيقّن، وهو وجوب صلاة الجمعة، فإذا كان المقتضى للمتيقّن محفوظاً في مرحلة البقاء، فبالواسطة المقتضي للجري
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
العملي أيضاً محفوظ فيها(1). وإن لم يكن المقتضى للمتيقّن محرز البقاء، فلا يكون المقتضى للجري العملي محرز البقاء. فلا بُدّ من تصوّر كون المقتضي للمتيقّن محرزاً في مرحلة البقاء حتّى يتمّ بذلك المقتضي للجري العملي(2).
وهذا أحسن ما يمكن أن يبيّن به مراد المرزا، والمظنون به – على ضوء الكلمات المشوشة– أن مراده هو هذا.
وهذا التقريب أيضاً غير صحيح. وذلك لأمرين:
أوّلاً: أننا نسلّم أن المراد من النقض النقض العملي، لا الحقيقي، فإن هذا مطلوب حقّ ونقول به. إلّا أن تصحيح استعمال كلمة (النقض) لا يحتاج إلى فرض إبرام في الجري العملي، بل يحتاج إلى فرض إبرام فيما أُسند إليه كلمة (النقض) في الكلام. فإن النقض أريد منه النقض العملي، بمعنى أن جنبة العمليّة طُعّمت في نفس النقض، وأما المسند إليه كلمة (النقض) فهو كلمة (اليقين)، ونحن في تصحيح الاستعمال نحتاج إلى إبرام في المسند إليه وهو اليقين لا الجري العملي.
وإن شئتم قلتم: بأن تطعيم الجري العملي هنا يكون بأحد شكلين:
تارةً: بأن يجعل الجري العملي هو المسند إليه كلمة (النقض) بأن يقال: (لا تنقض الجزء العملي على اليقين بالشكّ). في مثل هذا افرضوا أن كلامكم يتمّ، وهو لزوم فرض إبرام في الجري العملي حتّى يسند إليه النقض.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
() إذن فقد التفّ الحدوث بالبقاء. (المقرِّر).
() إذن فلم يلتفّ حدوثه ببقائه، ليتشكّل هيئة برم حتى تنقض هذه الهيئة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وأخرى: أن يُطعّم الجري العملي في نفس مادّة النقض، فأريد منها الحلّ في مقام العمل، لا الحلّ في مقام الانكشاف. وأسندت كلمة (النقض) هنا إلى نفس اليقين. فيكفي لتصحيح هذا الاستعمال في مرحلة الإسناد الكلامي جهة الإبرام الملحوظة في نفس اليقين.
إذ هذا النقض بحسب الحقيقة يكون مسنداً إلى أمرين: فهو مسند استعمالاً وكلاماً إلى اليقين، ومسند لُبّا وحقيقة إلى الجري العملي. ونحن في مقام تصحيح الاستعمال نحتاج إلى عناية الإبرام في المسند إليه في مرحلة الكلام، لا المسند إليه في مرحلة اللُّبّ والواقع. والمسند إليه في مرحلة الكلام هو اليقين. هذا أوّلاً.
وأما ثانياً: فلأننا وإن كنّا نسلّم أيضاً أن المراد بالنقض النقض العملي لا الحقيقي، إلّا أنه يكفي في تصحيحه إبرام اليقين والتفافه حول متيقّنه كشفاً وعملاً، فإن اليقين مبروم بمتيقّنه في مقامين: في مقام الكشف والإراءة، وفي مقام الجري على طبقه(1). إذن فيكون المصحّح للاستعمال هنا هو إبرام اليقين وارتباطه بمتعلّقه في عالم الجري والعمل، وهذا نحو إبرام صحيح عرفاً. فلا نحتاج في تصوّر الإبرام إلى فرض حدوث وبقاء وتلازم بينهما في الجري العملي.
الفرق(2) ما بينهما أنه في الجواب الأوّل كنّا نقول: إن المصحّح للنقض مع
ــــــــــ[231]ــــــــــ
() فمرّة ينقض الإبرام في عالم الكشف، وأخرى ينقض بحسب عالم الجري والحركة. وكِلاهما صحيح عرفاً. (المُقرِّر)..
(2) وهنا قال جواباً على سؤال: حول الفرق بين هذا الجواب الثاني والجواب الأول: الفرق… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
كونه نقضاً عملياً هو الإبرام في عالم الإراءة، مع كون النقض في عالم والإبرام في عالم آخر، لكن –مع ذلك– يكفي هذا للتصحيح. والآن نريد أن نتصوّر إبراماً مناسباً مع عالم النقض نفسه.
هذا تمام الكلام في هذا الوجه الثالث الرئيسي واتّضح أنه غير تامّ.
ثُمّ لو سلّم كون هذا الوجه الثالث تامّاً، وكون كلمة النقض قرينة على اختصاص الروايات بخصوص موارد الشكّ في الرافع. فهذا الوجه إنما يسقط إطلاق الروايات التي وردت فيها كلمة (النقض). فلو فرض ورود روايات لم يرد فيها كلمة النقض، أو ما هو يحكمها، فلا بأس بالتمسّك بإطلاق تلك الروايات.
وكلمة النقض وردت في الصحيحة الأولى والصحيحة الثانية والثالثة. وفي بعض الروايات ورد ما يرجع إلى النقض –ولو ببعض التقريبات– من قبيل: “اليقين لا يدخله الشكّ” أو “لا يدفع بالشكّ“.
ثُمّ يبقى عندنا روايتان، لم يؤخذ فيها وكلمة النقض ولا ما بحكمها.
أحدهما: موثّقة عمّار: “قال: إذا شككت فابنِ على اليقين. قال هذا أصل؟ قال: نعم“.
وهنا قال جواباً على سؤال: الآغايون يسمّونها بالموثّقة، ونحن راجعنا المصادر الأولى ووجدنا أنها غير موثّقة، وهي لا يوجد فيها كلمة النقض ولا ما بحكمه، فهي فيها إطلاق في نفسه.
وقد وقع فيها كلام –هناك– بين الآغايون في أنها تدلّ على قاعدة اليقين أو
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
على الاستصحاب أو مجملة من هذه الناحية. فإن قلنا: إنها تدلّ على قاعدة اليقين فهي خارجة عن محلّ الكلام. وإن قلنا: إنها تدلّ على الاستصحاب فتمسّكوا بإطلاقها؛ لأنه لا يوجد فيها ما يتوهّم منه الاختصاص بخصوص الشكّ في الرافع.
وإن قلنا: إنها مجملة أمرها دائر بين الاستصحاب وقاعدة اليقين. فنلزم هؤلاء القائلين بالإجمال -كالشيخ الأنصاري- بتشكّل علم إجمالي في المقام؛ لأن هذه الرواية تدلّ على حقّانية مضمونها، ومضمونها هو إما قاعدة اليقين، وإما الاستصحاب مطلقاً. فالشارع إما جعل قاعدة اليقين، وإما جعل الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضي، وهذا علم إجمالي يكون منجّزاً في حقّ الفقيه في موارد الإلزام.
التي تقول: بأني أعرت ثوبي للذمّي وهو يشرب الخمر، ثُمّ استرجعته منه فهل اغسله أو لا؟ قال: “لا تغسله من أجل ذلك؛ لأنك أعرته إيّاه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه“.
وقد قلنا هناك: بأنها وإن وردت في مورد الثوب والنجاسة والطهارة، لكنّ مقتضى التعليل(1) إلغاء خصوصية المورد، فتلغى مورد التعليل وتبقى صورته، وهو قولنا: لأن الحالة السابقة لا تعلم بارتفاعها. فمن هذه الناحية يمكن التمسّك بإطلاقها.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
() وهو قوله: “لأنك…“. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
ولكن مع هذا يشكل التمسّك بإطلاقها لإثبات جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضي؛ لأن الإمام لم يقل: (لأنك أعرته إيّاه ولم تعلم أنه تنجس)، بل يقول: “ولم تعلم أنه نجس“، يعني لم تعلم أنه أزال الحالة السابقة، فلو ألغينا خصوصية المورد لا نعلم أن العُرف ماذا يبقي بعدها؟ فلعلّه يبقى هذا المضمون وهو: (لأن الحالة السابقة لا علم بكون الشخص قد أزالها). فيختصّ الاستصحاب بموارد الشكّ في المزيل، أما موارد احتمال انتهاء الحالة السابقة في نفسها لا من ناحية مزيل، فلا تشمله العبارة.
هذا تمام الكلام في التفصيل الثالث.
وبذلك اتّضح: أن الحقّ هو جريان الاستصحاب مطلقاً من دون فرق بين الشبهات الموضوعية والشبهات الحكمية خلافاً للسيد الأستاذ. ومن دون فرق بين ما استنبط من حكم العقل وغيره خلافاً للشيخ الأعظم. ومن دون فرق بين موارد الشكّ في المقتضى وموارد الشكّ في الرافع، خلافاً للشيخ الأعظم والمحقّق النائيني (قدس سرهما).
بعد هذا نشرع في تنبيهات الاستصحاب(1).
ــــــــــ[234]ــــــــــ
() عطلة ذي الحجّة ومحرم، ووفاة السيّد أبي حيدر. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[التفصيل الأوّل: التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية] 13
شبهة النراقي منشأ لهذا التفصيل 15
اعتراض الشيخ الأعظم على الشبهة 16
توضيح كلام السيد الأستاذ في هذا التفصيل 18
تعارض استصحاب المجعول مع استصحاب عدم الجعل 19
اعتراضات على التفصيل الأوّل 21
الاعتراض الأوّل للشيخ الأعظم 21
الاعتراض الثاني: دعوى اتصال زمان الشك بزمان اليقين 23
الاعتراض الثالث: للمحقّق النائيني 24
الاعتراض الرابع: استصحاب عدم جعل الحرمة معارض باستصحاب عدم جعل الإباحة 26
المختار عدم صحّة التفصيل 29
التنبيه على عدّة نكات في توضيح مقصود السيّد الأستاذ 29
النكتة الأولى 30
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
النكتة الثانية 32
النكتة الثالثة 35
هل يجري استصحاب المجعول في نفسه 38
صيغة المحقّق العراقي للسؤال 39
[شبهة كون المشكوك معاصراً زماناً للمتيقن] 40
[عدّة تقريبات للجواب عن الشبهة] 41
التقريب الأوّل: [لاستصحاب بقاء المجعول] 41
[مناقشة التقريب الأول] 44
[تعميق للشبهة] 45
[الالتفات إلى نكتة في المقام] 46
التقريب الثاني: [للمحقق العراقي] 51
[صياغة التقريب بوجه آخر ] 55
التقريب الثالث: [لحاظ الحكم بمنظار الحمل الأولي] 60
[مناقشة دعوى المعارضة بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل] 66
[إذا كان المبرر لاستصحاب المجعول هو التقريب الثالث] 66
[إذا كان المبرر لاستصحاب المجعول هو أحد التقريبين الأوليين] 70
أولاً: [الإيراد الأول] 70
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
وأما ثانياً: [الإيراد الثاني] 71
[ما هو المناط في الآثار العقلية للتنجيز والتعذير] 72
وأما ثالثاً: [الإيراد الثالث] 74
[إشكال تعارض استصحابَي عدم جعل الحرمة مع عدم جعل الإباحة] 75
[ما أفاده السيد الأستاذ في مقام الإجابة عن الإشكال] 75
[الجواب الأول: سقوط الأصول الثلاثة ومناقشته] 75
الجواب الثاني: [إنكار المعارضة] 78
[مناقشة الجواب الثاني] 80
[الإعتراض الأول] 81
[الإعتراض الثاني: إشكال نقضي] 83
[مناقشة الإعتراض الثاني] 84
الجواب الثالث: [استصحاب عدم جعل الإباحة غير جارٍ في نفسه] 95
[مناقشة الجواب الثالث] 102
تلخيص 106
[تنبيهات] في المعارضة في الأحكام الجزئية 107
التنبيه الأول: [عدم إجراء المعارضة في الشبهة الحكمية الجزئية] 107
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
التنبيه الثاني: من تنبيهات المسألة 115
التنبيه الثالث: [مناقشة تفصيل السيد الأستاذ في الشبهة الحكمية] 121
التنبيه الرابع:[في استصحاب عدم النسخ] 128
التنبيه الخامس: [مناقشة شبهة ترد على مبنى إنكار المجعول] 136
[التفصيل الثاني: في الاستصحاب بين الحكم الثابت بالدليل الشرعي أو الثابت بحكم العقل] 141
[الاستدلال على التفصيل الثاني بعدة تقريبات] 148
التقريب الأول: [عدم تصور الشك في الحكم العقلي] 148
[المباني في مدركات العقل العملي] 150
ويرد على هذا التقريب 155
التقريب الثاني: [عدم جريان الاستصحاب مع الشك ببقاء الموضوع] 163
[مناقشة التقريب الثاني] 163
التقريب الثالث: [في الاحكام المستكشفة عن طريق الحسن والقبح العقليين] 167
التفصيل الثالث: [بين الشك في المقتضي والشك في الرافع] 175
[توضيح مراد الشيخ من المقتضي والرافع] 176
[الاستدلال على التفصيل الثالث بعدّة وجوه] 178
الوجه الأول: [اختصاص أدلة الاستصحاب بالشك في الرافع] 178
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[مناقشة الوجه الأول] 180
[تحقيق في المقام] 183
[الإشكال النقضي] 184
الإشكال الثاني وهو الحلّ 186
الوجه الثاني: 190
التقريب الأول: [عدم انعقاد الإطلاق اللفضي] 190
[مناقشة التقريب الأول] 192
التقريب الثاني: [كون الإطلاق مخصص بقرينة الارتكاز] 194
[مناقشة التقريب الثاني] 195
الوجه الثالث: [التدقيق في كلمة النقض] 196
[التحقيق في برهان الشيخ الأعظم] 198
[الأمر الثاني: إسناد النقض إلى المتيقن يستوجب وجود المقتضي] 198
[توجيه كلام الشيخ الأنصاري] 201
[الإشكال الصغروي على هذا التوجيه] 202
[مناقشة الأمر الثاني في برهان الشيخ الأعظم] 204
[الأمر الأول: النقض مسند إلى المتيقن دون اليقين] 210
التقريب الأوّل: [استعمال كلمة اليقين مجازاً في المتيقن] 211
[التقريب الثاني: مفهوم كلمة اليقين حاكٍ عن المتيقن وفانٍ فيه] 218
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج24
[التقريب الثالث: خطاب الاستصحاب خطاب كنائي] 224
[التقريب الرابع: للمحقق النائيني] 225
[دلالة الروايات في المقام] 232
[الرواية الأولى: موثّقة عمّار] 232
الرواية الأخرى: صحيحة عبد الله بن سنان 233
الفهرس 235