أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج25

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الخامس والعشرون

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج25 (464ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1729/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1729) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

8-47-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الخامس والعشرون  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

 

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ـــــــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

تنبيهات الاستصحاب

 

ويحتوي على:

  • التنبيه الأول، من تنبيهات الاستصحاب: (في قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي)
  • التنبيه الثاني: [جريان الاستصحاب في موارد الشك التقديري]
  • التنبيه الثالث: في جريان الاستصحاب في مؤديات الأمارات والأصول 
  • التنبيه الرابع: في جريان الاستصحاب في الكلّي 
  • التنبيه الخامس: في استصحاب الزمان والزمانيات 
  • التنبيه السادس: في جريان الاستصحاب التعليقي في الشبهات الحكمية 
  • التنبيه السابع: في جريان استصحاب عدم النسخ
  • تتمّة الكلام في الاستصحاب

ـــــــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 





التنبيه الأول، من تنبيهات الاستصحاب: 

(في قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي)

 

  • [ثمرات المسألة]
  • [ما يمكن الاستدلال به على المدعى]

ـــــــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 






التنبيه الأول، من تنبيهات الاصتصحاب                                                                                                  (في قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي) (1)

 

بعد أن فرغنا عن أصل حجّية الاستصحاب، يقع الكلام في سعة دائرة المجعول وضيقه، فإن المتيقّن إلى الآن هو حجّية الاستصحاب، بمعنى منجّزيته ومعذّريته، أي: قيامه مقام القطع الطريقي في الآثار المترتبة عليه عقلاً. فهل يقوم الاستصحاب أيضاً مقام القطع الموضوعي، المأخوذ موضوعاً لحكم من الأحكام، أو لا يقوم؟ 

 

[ثمرات المسألة]

 

وهذه من المسائل المهمّة التي تترتّب عليها ثمرات كثيرة، ولو صناعية. 

فمن ذلك: أنه لو قيل بأن الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي، كما يقوم مقام القطع الطريقي، فجواز الإفتاء الذي هو حكم أُخذ في موضوعه العلم بالواقع، يقوم الاستصحاب مقام هذا العلم الموضوعي. بينما إذا قلنا بأن 

ـــــــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــــ

(1) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الأحد 3/2/1389 – 20/4/1969.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب لا يقوم مقام القطع الموضوعي، فالمستصحِب لا يجوز له أن يفتي بالحكم واقعاً؛ لأنه لا يعلم به. نعم، يفتي بالحكم الظاهري، وهو عبارة أخرى عن الاستصحاب؛ لأنه معلوم له. 

ومن ذلك: حكومة دليل الاستصحاب على دليل البراءة والحلّية، فإن الشارع أخذ في موضوع هذه الحلّية الظاهرية عدم العلم. فإذا ثبتت عندنا الحرمة بالاستصحاب. فإن قلنا: إنه يقوم مقام القطع الموضوعي، إذن فيترتّب عليه انتهاء موضوع الحلّية والبراءة؛ لأن البراءة حكم أُخذ في موضوعه عدم العلم وهذا علم. 

وفرق هذا التطبيق عن الأوّل، أنه في الأوّل كان وجود العلم مأخوذاً في موضوع جواز الإفتاء، وهنا عدم العلم أُخذ في موضوع الحلّية الظاهرية. فكان الاستصحاب في التطبيق الأوّل يحقّق ما هو موضوع الحكم وهو العلم، أما هنا فهو ينفي موضوعه؛ لأن موضوع الحكم هو عدم العلم، وهذا أصبح معلوماً ببركة الاستصحاب. 

وأما إذا لم نقل بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي. فهذا الوجه لتقديم دليل الاستصحاب على دليل البراءة وأمثاله لا يتمّ، فلا بُدّ من التماس وجه آخر حينئذٍ للتقديم. 

التطبيق الثالث: هو نفس حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبّبي. فمثلاً استصحاب طهارة الماء حاكم على استصحاب نجاسة الثوب المغسول بذلك الماء، فهنا يتعارض هذان الاستصحابان؛ لأن مقتضى 

ـــــــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

استصحاب طهارة الماء -الذي هو الأصل السببي- هو طهارة الثوب. ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب، هو أنه لم يطهر، فيتعارضان، فيقال هنا بتقدّم الأصل السببي على المسبّبي، وهو مما لا إشكال فيه. 

قد يقال: إن هذا التقدّم باعتبار هذا المعنى من الحكومة؛ لأن الاستصحاب المسبّبي موضوعه الشكّ وعدم العلم، وببركة جريان الاستصحاب السببي يحصل لنا علم بطهارة الثوب، إن كان الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي. 

فهذه جملة من فوائد هذا البحث.

ـــــــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 






[ما يمكن الاستدلال به على المدعى] 

 

وقبل البدء بالتقريبات الممكنة لدعوى استفادة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي من دليله، لا بُدّ وأن يُعرف أن مسألة أن النقض هل أسند إلى اليقين أو أسند إلى المتيقّن، دخل كبير في هذا البحث. وقلنا هناك إن ظاهر كلمات الشيخ الأنصاري هو أنه أريد من اليقين المتيقّن، وأسند النقض إليه، وذكرنا أيضاً أن الصحيح هو أن النقض أسند إلى اليقين ولم يُرد منه المتيقّن. 

فلو بنى على مبنى الشيخ من أنه أريد باليقين المتيقّن، وأن النقض أسند بحسب المراد الاستعمالي إلى المتيقّن، فحينئذٍ ينغلق باب احتمال أو رجاء استفادة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي من دليل الاستصحاب، فلو قيل بأن النقض مسند إلى المتيقّن، كما لو قال صريحاً: (لا تنقض الطهارة التي كنت على يقين منها بالشكّ). بناءً عليه، فتمام الوجوه التي سوف نتعب في تصويرها نخسرها بناءً على هذا التقدير. بل لا بُدّ وأن يقال حينئذٍ: بأن دليل الاستصحاب قاصر عن إثبات إقامة الاستصحاب مقام القطع الموضوعي. 

وتوضيح ذلك: أنه بناءً على إسناد النقض إلى المتيقّن إما أن يراد من النقض النقض الحقيقي في مقابل البقاء الحقيقي للمتيقّن، وإما أن يراد النقض العملي للمتيقّن، بمعنى عدم الجري على وفقه خارجاً، في مقابل الإبقاء العملي والجري على طبقه خارجاً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فإن أريد منه الإبقاء الحقيقي للمتيقّن، وكان الخطاب نهياً عن ذلك، فحيث إن النقض الحقيقي له ليس أمراً داخلاً تحت اختيار المكلّف، فلا بُدّ وأن يقال: إن هذا النهي صورة نهي وليس مراداً جداً، بل هو كناية أريد الاستطراق به إلى مراد جدّي آخر، هو بيان أن المتيقّن باقٍ. فإنه قد ينهى نقض عن شيء إرشاداً إلى أنه باقٍ وغير منقوض، أو يؤمر به للإرشاد إلى ذلك أيضاً.

وهذا المراد الجدّي الذي هو بقاء المتيقّن، ليس المقصود منه بقاءه حقيقة، إذ قد لا يكون باقياً في موارد الاستصحاب، فلا بُدّ أن يكون المراد منه بقاء إنشائي تعبّدي بنفس هذا الخطاب (لا تنقض المتيقّن) فإنه باقٍ تعبّداً وتنزيلاً. 

بناءً على هذا فما يتحصّل من قضيّة الاستصحاب هو أن المولى يتعبّد ببقاء المتيقّن، وهذا لا دخل له بالتعبّد بآثار نفس اليقين. فلا يمكن أن يستفاد من هذه القضيّة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي وترتّب آثاره عليه. 

هذا لو أريد من النقض النقض الحقيقي. 

وأما إذا أريد به النقض العملي، بمعنى عدم الجري على طبقه خارجاً. فهنا يمكن أن يكون هذا النهي جدّياً ويمكن أن يكون كنائياً، يمكن الوجهان ثبوتاً.

فهنا وجهان: 

الأوّل: أن يكون جدّياً، بمعنى أن يكون المراد هو هذا النهي بنفسه، وليس وراءه شيء آخر، وهو تحريم النقض العملي للمتيقّن، وهذا النهي معقول؛ لأن النهي عن النقض العملي نهي عن فعل اختياري، لا كما كان عليه حال القسم الأوّل. 

ـــــــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وحينئذٍ يكون المجعول في دليل الاستصحاب تحريم النقض العملي للمتيقّن، يعني وجوب الجري العملي عليه، وهذا أيّ ربط له بآثار نفس اليقين؟ فإن وجوب الجري العملي على طبق المتيقّن لا يلزم منه وجوب الجري العملي على طبق أحكام نفس اليقين أيضاً. فلا يستفاد من هذه العبارة حينئذٍ قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي. 

الثاني: أن يكون النهي كنائياً عن النقض العملي للمتيقّن، فليس المراد إنشاء تحريم عن النقض العملي من قبيل سائر التحريمات، بل أيضاً هذا كناية عن بقاء نفس المتيقّن، فالمكنّى عنه هنا هو نفس المكنّى عنه على التقدير الأوّل، لكن مع بُعد المسافة. فإنه هناك كان ينهى عن نفس النقض الحقيقي كناية عن أنه غير منتقض، وهنا ينهى عن النقض العملي في مقام إبراز أن ملزوم النقض العملي باقٍ، وهو ارتفاع المتيقّن، فإن ملزوم النقض العملي هو ذلك؛ لأن ارتفاع المتيقّن يترتّب عليه أنه لا يعمل خارجاً. فحين ينهى عن اللازم كناية عن أن الملزوم غير موجود. 

إذن أيضاً، يكون كناية عن أن المتيقّن باقٍ ولا بُدّ من حمل هذا البقاء على البقاء العنائي التعبّدي، ومعه أيضاً يكون أجنبياً عن قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي. 

وبذلك يتّضح: أن مثل الشيخ الأنصاري الذي يبني على أن النقض مسند إلى المتيقّن لا إلى اليقين، ليس من حقّه أن يقيم الاستصحاب مقام القطع الموضوعي، وأن يتمسّك بالتقريب المشهوري لحكومة دليل الاستصحاب على دليل البراءة، أو 

ـــــــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

دليل الاستصحاب السببي على المسبّبي؛ لأن القضيّة المجعولة حينئذٍ لا يمكن أن يستفاد منها إقامة الاستصحاب مقام القطع الموضوعي. 

نعم، ينفتح مجال للبحث بناءً على التقدير الآخر، فيما إذا كان النقض مسنداً إلى نفس اليقين، كما سنتكلّم عنه.

*****

وأما إذا فرض أن النقض كان مسنداً إلى نفس اليقين كما هو ظاهر عبارة الاستصحاب، فقد يمكن تصوير استفادة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي من دليله بأحد وجوه ثلاثة: 

الوجه الأوّل: هو ما يتراءى من بعض كلمات السيّد الأستاذ 

وحاصله: دعوى أن فقرة الاستصحاب متعرّضة بمدلولها المطابقي للتعبّد ببقاء اليقين السابق، فيكون محصّل المجعول في باب الاستصحاب، هو جعل المكلّف عالماً بقاءً بما كان عالماً به حدوثاً، وهذا العلم التعبّدي المجعول، ينتج ترتّب آثار القطع الطريقي من المنجّزية والمعذّرية. وآثار القطع الموضوعي التي هي عبارة عن الأحكام الشرعية المرتّبة على عنوان القطع في لسان دلالة. 

فيكون لهذا العلم التعبّدي حكومة على قواعد التنجيز والتعذير، وحكومة على دليل جواز الإفتاء بالعلم، لأنه يحقّق فرداً من العلم بالتعبّد.

[التحقيق في المقام]

وهنا بحثان: ثبوتي وإثباتي. فالبحث الثبوتي في أنه هل يتعقّل جعل العلم والتعبّد به المسمّى بجعل الطريقية في كلمات المرزا، بحيث ينتج هذا الجعل 

ـــــــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الواحد ترتّب آثار القطع الطريقي وآثار القطع الموضوعي معاً، أو لا يمكن؟ وقد كان لصاحب (الكفاية) قسط من الدخول في هذا البحث تعرّض له في مباحث القطع، وقد تكلّمنا فيه هناك مفصّلاً، وهو خارج عن محلّ الكلام. 

أما الآن فنفرغ عن إمكان هذا المطلب ثبوتاً. ونقصر الكلام في البحث الإثباتي في أنه: هل فقرة الاستصحاب متعرّضة بمدلولها المطابقي إلى التعبّد ببقاء اليقين؟ لو قال الإمام: (اليقين باقٍ) فهو متعرّض بالمدلول المطابقي للتعبّد ببقاء اليقين. ولكنّ العبارة التي جاءت في روايات الاستصحاب لم تكن بهذا اللسان، وإنما بلسان: (لا ينقض اليقين بالشكّ)، مثلاً، فهل يمكن القول بأن المدلول المطابقي لهذه العبارة هو التعبّد ببقاء اليقين؟ لا. 

أما أوّلاً: فلأن هذه الجملة لم يعلم بأن المقصود منها النفي، يعني نفي انتقاض اليقين، الذي هو عبارة أخرى عن بقائه. بل لعلّ المراد منه (لا) الناهية. كما هو صريح جملة من روايات الاستصحاب من قبيل قوله: “وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ“. فإنه صريح(1) في أنه في مقام النهي عن نقض اليقين بالشكّ. 

فهذا الوجه لو تمّ فإنما يتمّ لو حمل (لا) على النفي، فيدّعي أن الجملة تنفي 

ـــــــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــــ

() لا يخفى ما في صراحتها من الإشكال، خاصّة وأنها مبدوءة بـ(ليس) وغير مبدوءة بـ(لا). و(ليس) لم ترد ناهية أصلاً كما هو واضح، بل هي نصّ في النفي. وإنما يريد السيّد استفادة النهي من نفي الانبغاء، وحينئذٍ يكون دعوى الصراحة كما ترى، وإنما غايته دعوى الظهور. (المقرِّر)..

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

انتقاض اليقين، تعبّداً، وهو عبارة أخرى عن إنشاء بقاء لليقين. وأما إذا كانت الجملة بمدلولها اللفظي ناهية، كما هو صريح جملة منها، فلا معنى لأن يقال: إن الجملة الناهية متعرّضة بمدلولها المطابقي للتعبّد ببقاء اليقين. فإنها بمدلولها المطابقي تنهى عن نقض اليقين، وهو أمر آخر غير بقاء اليقين. 

نعم، قد يقال: بأن النهي عن نقض اليقين كناية عن التعبّد ببقائه، وهذا وجه آخر غير الذي نتكلّم عنه. 

وأما ثانياً: فليس مجرّد أننا لا نعلم بذلك، بل نستظهر خلاف ذلك من مجموع هذه الروايات، يعني: أن حمل (لا ينقض اليقين بالشكّ) على أنه في مقام نفي انتقاض اليقين إنشاءٌ لبقاء اليقين، خلاف الظاهر عرفاً في تمام تلك الروايات. 

لأنه لو كان المراد نفي نقض اليقين، لكان المناسب لذلك أن يتعلّق النفي بالانتقاض لا بالنقض، أي: باسم المعنى المصدري، لا بالمعنى المصدر، بالانتقاض بما هو حالة قائمة باليقين، لا بما هو فعل من أفعال المكلّف. وإلّا فإنشاء أنه لا ينقضه الإنسان لا يكفي للتعبّد بكون اليقين باقياً، إذ لعلّ الإنسان لا ينقضه ولكن هو من نفسه ينتقض. 

فالطريقة العرفية في مقام إنشاء التعبّد ببقاء اليقين، هو لسان (أنه لا ينتقض)، لا لسان (لا ينقض). وهذا بخلاف النهي، فإنه يناسب فعل المكلّف، ويتعلّق بالانتقاض بما هو فعل المكلّف لا بما هو صفة قائمة باليقين، أي: يتعلّق بالنقض. وحيث إنها تعلّقت بالنقض، فهو شاهد عرفي على أن المراد اللفظي 

ـــــــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

من هذا الكلام ليس هو النفي في مقام إنشاء بقاء اليقين، بل هو النهي عن نقض اليقين. إذن فظاهر الروايات بتمامها هو النهي لا النفي. 

وثالثاً: أن هذا الذي يقال مبنيّ على أن يراد من النقض النقض الحقيقي، فإننا إذا قلنا(1) بأن (لا) نافية، والمراد من النقض الحقيقي، وقصد الارتفاع الحقيقي لليقين، يكون نفي الارتفاع مساوقاً للتعبّد بالبقاء، فيستفاد منه التعبّد ببقاء اليقين، وهو معنى جعل العلم والطريقية. 

مع أنه سوف يأتي في آخر هذه المسألة أن النقض هنا ليس المراد به النقض الحقيقي، بل هو بمعنى النقض العملي، فحتّى لو حمل (لا) هنا على أنه نفي لا أنه نهي، فإنه لا يكون في مقام إنشاء بقاء اليقين حقيقة. فإنه نفي للنقض العملي، وهو يعبّر في مقام إنشاء النهي عن النقض العملي(2)، كقوله: (لا يعيد)، (لا يغتسل)، إذا قلنا إنها جملة خبرية يراد بها النهي. 

فاستفادة التعبّد ببقاء اليقين من المدلول اللفظي لهذه الجملة، يتوقّف على أمرين: 

أحدهما: أن تكون (لا) نافية، وهذا ما ناقشناه في الإشكالين الأوّلين.

 ثانيهما: أن يكون المنفي النقض الحقيقي.

إذن فهذا الوجه الأوّل غير تامّ. 

ـــــــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــــ

() وقطعنا النظر عن الوجهين السابقين. (المُقرِّر).

(2) ولا يمكن أن يستفاد من المدلول المطابقي جعل الطريقية. بقطع النظر عن باب الكنايات. (المُقرِّر)..

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الوجه الثاني: لتصوير قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي هو ما بنى عليه المحقّق العراقي. 

فإنه يقول: بأن (لا) ناهية لا نافية. فلا ترد عليه مناقشات الوجه السابق. ويفترض أن النقض هو بمعنى النقض العملي، فلا يرد عليه أيضاً بعض المناقشات السابقة. 

إذن (فلا ينقض اليقين بالشكّ) معناه: لا تنقض نقضاً عملياً اليقين بالشكّ. ولا موجب لارتكاب أيّ عناية في مقام فرض أن هذه العبارة كناية(1) عن شيء آخر(2) وراءها، بل نأخذ بالمدلول المطابقي ونعتبره هو حكم الله في الاستصحاب. 

فحكم الله هو عبارة عن تحريم النقض العملي لليقين بالشكّ، ولو أردنا أن نبدّل الحرمة بالوجوب، يكون عبارة أخرى عن إيجاب الجري العملي على طبق اليقين، يعني: اعمل كما لو كنت متيقّناً.

والعمل لو كنت متيقّناً على نحوين، فلو كان عندي يقين بوجوب صلاة الجمعة، فهناك نحوان من العمل:

أحدهما: أن أصلي صلاة الجمعة، وهذا العمل يترتّب على اليقين بما هو طريقي، ومنجّز لوجوب صلاة الجمعة.

ثانيهما: أن أفتي بوجوب صلاة الجمعة، فإن جواز الإفتاء أو وجوبه 

ـــــــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــــ

() كما قد يدّعى في الوجه الثالث. (المقرِّر)..

(2) لأن الأصل عدم الكناية، وأن المدلول المطابقي هو المراد جدّاً. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مترتّب على موضوع هو اليقين بوجوب صلاة الجمعة، وهذا العمل يترتّب على اليقين بما هو موضوع، لا بما هو طريق. 

إذن فهناك عملان يترتّبان على اليقين، فحين يقول الشارع لي: (اعمل كما لو كنت على يقين)، فمقتضى إطلاق هذا الأمر شموله لكِلا العملين: العمل المترتّب على اليقين بما هو طريق، والعمل المترتّب عليه بما هو موضوع. ومقتضى إطلاق النهي عن النقض النهي عن ترك هذا العمل وعن ترك ذلك العمل. 

وبذلك يكون الاستصحاب قائماً مقام القطع الموضوعي، كما يكون قائماً مقام القطع الطريقي. هذا هو الوجه الثاني(1).

ـــــــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: خطر في ذهني إشكال على هذا الوجه عرضت خطوطه الرئيسية على السيّد، فلم يفهمه على ما قال، ومما يهوّن الخطب أنه صاغه بنحو آخر في جوابه هو على هذا الوجه، ولكنّني أكتبه لزيادة الفائدة. 

وحاصله: أنه لا يتصوّر أن يكون جواز الإفتاء نقضاً عملياً للاستصحاب القائم مقام القطع الموضوعي. وذلك: لأن نقض مثل هذا الاستصحاب من أعمال الشارع لا من أعمال المكلّف. 

توضيح ذلك: أن اليقين الطريقي بوجوب صلاة الجمعة مثلاً، لا يستتبعه في المرتبة الثانية إلّا عمل المكلّف. امتثالاً أو عصياناً. ومن هنا يكون الاستصحاب القائم مقامه، كذلك، فإن امتثل المكلّف الحكم الثابت به كان جارياً على طبقه وإن عصاه كان ناقضاً له. 

وأما اليقين الموضوعي بوجوب صلاة الجمعة، فهو يستتبع في المرتبة الثانية الحكم الشرعي الوارد عليه، الذي هو فعل من أفعال الشارع لا من أفعال المكلّف. وهذا الحكم يستتبع=

 محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ـــــــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــــ

=في المرتبة الثالثة عمل المكلّف امتثالاً له أو عصياناً. فإذا كان نقض اليقين صادقاً في هذا المورد، فهو يصدق فيما كان بعده في الرتبة مباشرة، ويستحيل أن يصدق فيما تأخّر عنه برتبتين. ففعل الشارع إن تخلّف عن الاستصحاب كان نقضاً له، كما لو جرى استصحاب وجوب صلاة الجمعة ولم يحكم الشارع بجواز الإفتاء أو وجوبه، فإنه يكون قد نقض هذا الاستصحاب، فتأمّل.

وأما عصيان المكلّف وهو الوارد في المرتبة الثالثة، فهو إنما يكون نقضاً للحكم بجواز الإفتاء ووجوبه، وبعبارة أخرى: هو نقض لِما كان في رتبة متقدّمة عليه مباشرة، لا لِما كان متقدّماً عليه برتبتين؛ على أن ذلك مما يستحيل تصوّره. 

ولو سلّمناه، فغايته أن يقال: إن عدم فتوى المكلّف هو النقض العملي لليقين الموضوعي بوجوب صلاة الجمعة. 

فنقول: إن كان هذا اليقين موضوعاً لجواز الإفتاء، إذن فتركي للفتوى كان جائزاً قبل هذا الاستصحاب كما هو جائز بعده، ولم يؤثّر جريان الاستصحاب شيئاً. على أنه لا يصدق على ترك امتثال الحكم الترخيصي أنه نقض له كما هو واضح. 

وإن كان هذا اليقين الموضوعي موضوعاً لوجوب الإفتاء. فنسأل: أنه إذا عصى هذا الوجوب، فهل يكون قد خالف حكمين شرعيين أحدهما الاستصحاب والآخر وجوب الإفتاء، فيستحقّ عقابين على تقدير استحقاق العقاب على عصيان الأوامر الظاهرية ولو على تقدير مطابقتها للواقع، مثلاً، أو أنه قد خالف حكماً شرعياً واحداً؟ 

أما الأوّل فهو:

أوّلاً: خُلف كون الاستصحاب موضوعاً للحكم، وليس حكماً في نفسه.

وثانياً: مما لا يمكن الالتزام به في نفسه؛ باعتبار أن وجوب الفتوى حكم طريقي، وهذا النحو من الأحكام لا عقاب له، وإن كان العقاب على حكم شرعي واحد، فهو وجوب الفتوى دون الاستصحاب لا محالة، فهو حتّى على تقدير تسليم استحقاق= محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [مناقشة ما أفاده المحقق العراقي]

إلّا أن هذا الذي أفاده(1) مما لا يمكن المساعدة عليه. 

[الكلام الأول: إسناد النقض إى اليقين بإحدى عنايتين]

وتوضيح الكلام في ذلك: هو أن النقض كما ذكرنا في بحث الشكّ في المقتضي والرافع، إسناده إلى اليقين بإحدى عنايتين: 

العناية الأولى: يتحفّظ فيها على أن النقض في مقابل الإبرام، فنتصوّر اليقين شيئاً مبرماً ولو بالعناية، ونسند النقض إليه، فإن اليقين يستبطن برمه بمتعلّقه، الذي هي قوامه وذاته بحيث لو قطع عن متعلّقه لفنى هذا اليقين. فكما أن الحبل يستبطن في ذاته برماً مادّياً، كذلك اليقين يستبطن في ذاته فتلاً معنوياً، فيسند النقض إلى اليقين باعتبار كونه تفكيكاً بينه وبين متعلّقه. 

العناية الثانية: أن لا نتقيّد بكون النقض ضدّ الإبرام فالنقض يسند إلى اليقين، لا بمعنى كونه حلّا للأمر المبرم، بل بكونه رفعاً لشيء ثقيل قويّ، 

ـــــــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــــ

=العقاب عليه يثبت المطلوب، وهو أن النقض نقض لهذا الحكم لا للاستصحاب، ومن هنا استحقّ عليه العقاب دونه. 

وأما الثاني فهو: احتمال أن العقاب على الاستصحاب دون الوجوب، فهو احتمال غير معتدٍّ به، وعلى تقدير تسليمه يثبت دعوى الخصم، إلّا أننا لا نحتمله. فتأمّل فيما قلناه، فإنه لا يخلو من الخدشة في بعض جوانبه، وإن كانت لا تضرّ بأصل التقريب. (المقرِّر).

() قرّب أوّلاً كلام المحقّق العراقي كما سبق، ثُمّ قال: إلّا أن هذا الذي أفاده… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 فيكون رفعه نقضاً. يعني نأخذ بأوسع العنايات أو أبعد المجازات، فكما لو قلنا: (رفع اليقين) لا يعني أن يكون هناك نوع من الإبرام لوحظ في اليقين، كذلك النقض في المقام يستعمل بمعنى مطلق رفع الأمر الثالث.

فلا بُدّ من التكلم بناءً على كلّ من العنايتين: 

أما بناءً على العناية الأولى: فالنقض أريد به النقض العملي باعتراف المحقّق العراقي، ولم يرد به النقض الحقيقي، يعني فكّ اليقين عن متعلّقه حقيقة؛ لأن هذا أمر غير اختياري وواقع قهراً، ولا معنى لتحريمه. وإنما الذي يمكن تحريمه هو النقض العملي، أي: الفكّ بين اليقين ومتعلّقه عملاً، يعني لا ترفع الرابطة العمليّة بين اليقين ومتعلّقه. 

وإذا رجع النقض إلى ذلك، إذن فيختصّ بخصوص الأثر العملي للمتعلّق، ولا يشمل الآثار العمليّة المترتّبة على نفس اليقين، كالإفتاء، فإنه ليس علاقة بين اليقين ومتعلّقه، وإنما هو أثر عملي مترتّب على اليقين بوجوب صلاة الجمعة. فإن العلاقة العمليّة بين هذا اليقين ومتعلّقه وهو الوجوب عبارة عن اقتضائه للجري على طبق متعلّقه خارجاً. 

فيختصّ التحريم بالآثار المربوطة بالمتيقّن، ولا يشمل الآثار المربوطة بنفس اليقين. 

فحين ينهانا المولى عن الهدم العملي لذاك الالتفاف، معناه أنه يأمرنا بالإبقاء العملي له، والإبقاء العملي للالتفاف بين اليقين ومتيقّنه هو بالجري على طبق متيقّنه. وأما الجري العملي على طبق أحكام جعلت على نفس اليقين، 

ـــــــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فليس داخلاً في محتوى العلاقة بين اليقين والمتيقّن. 

وأما بناءً على العناية الثانية-وأنه أريد من النقض مطلق الرفع-: فـ(لا تنقض اليقين) معناه لا ترفع اليقين، لا أنه لا تهدم علاقته بمتعلّقه. والمراد بالرفع هنا الرفع العملي لا الرفع الواقعي، يعني لا نرفع وجوده العملي، فلا بُدّ أن نفرض لليقين وجوداً عملياً بالعناية، والشارع ينهانا عن نقضه ورفعه، بعناية أنه يقتضي العمل. 

إذن فلا بُدّ وأن نفتّش عن أن اليقين ماذا يقتضي من العمل؟ حتّى يكون ذاك العمل وجوداً عملياً لليقين، حتّى يشمله تحريم النقض العملي لليقين بالشكّ. 

وأما(1) على هذا التقدير فالرفع لم ينصبّ على الرابطة بين اليقين ومتعلّقه، كما كان على الوجه الأوّل؛ لأننا لم نجعله بمعنى الأمر المبرم حتّى نفتّش عن برم بين شيئين، بل جعلناه بمعنى الرفع، وهو قد يتعلّق بأمر بسيط كما يتعلّق بالمركّب. فلا حاجة لأن يتسلّط الرفع على العلاقة بين اليقين ومتعلّقه، بل على نفس اليقين، غاية الأمر أنه رفع عملي لليقين، في مقابل وجوده وبقائه العملي. وإنما يكون العمل وجوداً اعتبارياً لليقين إذا كان من مقتضيات اليقين ومستتبعاته. 

فحين ينهانا المولى عن النقض العملي لليقين بالشكّ، لا بُدّ لنا أن نلتفت إلى 

ـــــــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا تكلّم في المقارنة بين الوجه في هذه العناية والوجه على العناية الأولى، وقال فيما قال: وأما… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أن اليقين ماذا يقتضي من عمل؟ حتّى يكون ذاك الوجود العملي له واجب الإبقاء ومحرّم النقض علينا. 

وهنا المحقّق العراقي يقول: بأن اليقين بوجوب صلاة الجمعة يقتضي عملين:

أوّلاً: الإتيان بهذه الصلاة، وهو اقتضاء ثابت له بما هو قطع طريقي.

 ثانياً: أن نفتي بوجوبها، وهو اقتضاء ثابت له بما هو قطع موضوعي. إذن فهذا اليقين له مقتضيان عمليان، فوجوده العملي عبارة عن مجموع هذين العملين، فحين يأمرنا الشارع بإبقاء وجوده العملي يأمرنا بمجموع هذين العملين. 

فلا بُدّ أن نرى أن اليقين هل يقتضي كِلا هذين العملين أو لا؟ إن كان هكذا تمّ ما قاله المحقّق العراقي، وإلّا لم يتمّ.

لمعرفة ذاك نقول: إن اقتضاء شيء للعمل على قسمين: اقتضاء تشريعي واقتضاء تكويني واقعي أو عقلي. فالأوّل اقتضاء الحكم الشرعي(1) للجري على طبقه معيّن اقتضاء من قبل المولى بما هو مولى. والثاني: هو من شؤون اليقين، فإن اليقين بوجوب شيء يقتضي تنجّزه لا محالة، ووجوب الجري على طبقه عقلاً لا تكويناً، فهذا اقتضاء غير ذاك الاقتضاء التشريعي. 

إلّا أن نرى: أن اليقين بوجوب صلاة الجمعة، له عملان:

أحدهما: الإتيان بالصلاة، الذي هو من شؤون القطع الطريقي. وهذا مما 

ـــــــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــــ

() كلّ حكم بحسبه. (المقرِّر)..

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يقتضيه اليقين بصلاة الجمعة اقتضاء عقلياً واقعياً؛ لأن هذا اليقين يحمل(1) هذا الوجوب على ذمّة المكلّف، ويبعثه على التحرّك نحوه لا محالة. فإن اليقين بكل شيء يبعث الفرد إلى التحرّك بالنحو المناسب مع واقع ذلك الشيء، فهذا اليقين يقتضي الإتيان بصلاة الجمعة، فهو يقين عملي بها، إذن فالترك نقض عملي، فيشمله خطاب (لا ينقض اليقين بالشكّ)، فيكون الاستصحاب قائما مقام القطع الطريقي. 

أما العمل الثاني، وهو الإفتاء، هل هو ما يقتضيه اليقين بوجوب صلاة الجمعة، بأحد النحوين من الاقتضاء أو لا؟ 

أما الاقتضاء الواقعي العقلي، فاليقين بوجوب صلاة الجمعة لا يقتضي كذلك الإفتاء بهذا الوجوب؛ لأن هذا اليقين هو موضوع لوجوب الإفتاء، وموضوع الحكم لا يكون كاشفاً عن ذلك الحكم. والاقتضاء العقلي عن شيء إنما هو من شؤون الكاشف عن ذلك الشيء. فالاقتضاء العقلي لليقين بوجوب صلاة الجمعة إنما هو ما يكشف عنه، وهو الجري على طبق صلاة الجمعة. وأما وجوب الإفتاء بوجوبها، فالذي يقتضيه عقلاً ويحرك نحوه هو يقين آخر بوجوب الإفتاء لو حصل لدينا ذلك. 

فاليقين بوجوب صلاة الجمعة ليس له هذا الاقتضاء لوجوب الإفتاء؛ لأن هذا الاقتضاء فرع كونه كاشفاً، وهذا اليقين لا يكشف عن وجوب الإفتاء بل هو موضوع له. 

ـــــــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــــ

() بقانون طريقته وكاشفيته. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما الاقتضاء التشريعي. فهل لليقين بوجوب صلاة الجمعة اقتضاء تشريعي للإفتاء بوجوبها؟ لا لأن هذا الاقتضاء من شؤون الحكم كالوجوب والحرمة. 

نعم، اليقين هنا موضوع للحكم: فالذي له اقتضاء تشريعي للإفتاء بوجوب صلاة الجمعة، هو وجوب الإفتاء بذلك. لا ما هو موضوع لوجوب الإفتاء وهو اليقين بوجوب صلاة الجمعة. إلّا بنحو من المسامحة بأن تنسب اقتضاء الحكم إلى موضوعه. وهذه مسامحة عرفية واضحة. ولهذا لا يشكّ أحد منكم من أن لا يصحّ أن نقول(1): لا تنقض خمرية هذا المائع أو لا تنقض الزوال، بلحاظ كونها موضوعات لأحكام تقتضي أشياء. 

وعليه فاليقين بوجوب صلاة الجمعة لا يقتضي الإفتاء بوجوب صلاة الجمعة لا اقتضاء عقلياً ولا اقتضاء تشريعياً، إذن لا يكون هذا نحو وجود عملي له(2) حتّى يشمله دليل حرمة النقض العملي لليقين بالشكّ(3)

ـــــــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــــ

() أو يقال: لا تنقض الماء بالتغيّر يعني أجر على طبق أحكامه (محاضرة غد). (المقرِّر)..

(2) فإذا لم يصحّ هذا في دليل خاصّ فلا يشمله إطلاق الدليل العامّ أيضاً. (المقرِّر)..

(3) وهنا قال جواباً على سؤال*: إنما عبّر بوجوب الإفتاء حتّى يكون الاقتضاء التشريعي أوضح؛ لئلا يشكل أحد ويقول بأن الرخصة ليس لها اقتضاء تشريعي. 

* حاصله: أنكم هل تقولون بجواز الإفتاء أو بوجوبه؟ (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الكلام الثاني: أن دليل (لا ينقض اليقين بالشكّ) حرّم النقض العملي لليقين بالشكّ(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص أوّلاً الوجه الذي ذكره المحقّق العراقي. ثُمّ قال لنا في مناقشته كلامان. الكلام الأوّل، ما تقدم بالأمس. وبعد أن انتهى من تقريره باختصار وتوضيح.

 قلت له: قد يقال بالفرق بين اليقين وسائر الموضوعات الأخرى؟

فقال: نعم، دعوه بعد البحث رجاءً.

[أقول:] وكان التقريب الذي في ذهني للفرق هو أن يقال: إن هذا الفرق نابع مما يتّصف به اليقين من الاستحكام والرسوخ، دون سائر الموضوعات فإذا عصى المكلّف الحكم الذي يترتّب على اليقين الموضوعي، وهو وجوب الإفتاء في المثال، فكأنّه افترض أن الحكم غير موجود، إذ لو كان موجوداً لامتثله، كما هو المفروض بحال المسلم. ويرجع افتراض عدم الحكم إلى افتراض عدم موضوعه، إذ لو كان الحكم موجوداً لوجد الحكم. إذن فعصيان الحكم يتضمّن إنكاراً لوجود موضوعه، وهو اليقين وعدم ترتيب الأثر عليه، ولو بالواسطة، وذلك هو معنى نقضه. 

إن قلت: إن هذا البيان جاء في سائر الموضوعات، فإن عدم امتثال أحكامها يكون كأنّه إنكار لوجودها.

قلت: نعم، ولكنّه لا يصدق فيها النقض لعدم صدق الاستحكام والرسوخ فيها، بخلاف اليقين، فإن إنكاره نقض له لِما فيه من الاستحكام والرسوخ. 

وأهمّ إشكال على هذا البيان على مباني السيّد، هو أن النقض لا يصدق إلّا مع وجوده المقتضي للجري العملي عليه، وقد سبق منه أن اليقين الموضوعي ليس له مقتضٍ عقلي ولا شرعي. وقد عرفت من البيان أنه اكتفي فيه بعدم ترتيب الأثر على الحكم في كونه نقضاً لليقين باعتباره إلغاءً له وإنكاراً لوجوده عملاً. 

والبيان الذي ذكره السيّد للفرق بين اليقين وسائر الموضوعات -على ما علق في ذهني- هو أن يقال: إن اليقين الموضوعي بالرغم من وحدته الذاتية، نحلّله إلى يقينين: أحدهما: اليقين بوجوب صلاة الجمعة، والآخر: اليقين بوجود هذا اليقين. واليقين الأوّل ليس له مقتضٍ للجري العملي حتّى يصدق عليه النقض، كما سبق، وإنما أثره هو هو ترتّب الحكم الشرعي عليه، وهو وجوب الإفتاء في المثال، وأما اليقين الثاني فهو مقتضٍ للجري عليه عقلاً، وذلك بالجري العملي على الحكم المترتّب على اليقين الأوّل، فإنه لو لم يعمل المكلّف بذلك الحكم يصدق عليه أنه نقض هذا اليقين الثاني. 

ولكن السيّد قال: بأن هذا البيان غير صحيح لأنه غير عرفي

أقول: روحه يرجع إلى البيان الذي قلناه أوّلاً، مع التجنّب عن الإشكال الذي يرد عليه على مبنى السيّد الأستاذ، وذلك بتصوّر اليقين الثاني. 

وعلى أيّ حال فقد قال السيّد الأستاذ: الكلام الثاني: أن دليل… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فمتعلّق الحرمة هو نقض اليقين -لكن لا مطلقاً- بل نقضه بالشكّ. وليس الحرام هو نقض اليقين ولو بشيء آخر غير الشكّ. 

فإذا لاحظنا القطع الطريقي، يعني إذا لاحظنا اليقين بوجوب صلاة الجمعة، بما هو قطع طريقي كاشف عن هذا الوجوب. فنقول: بأن رفع اليد عن الجري على طبق المتيقّن، وهو وجوب صلاة الجمعة، نقض عملي لليقين بالشكّ. فإن إنساناً لو كان يرفع يده عن الإتيان بصلاة الجمعة حينما يشكّ في بقاء وجوبها، يكون قد رفع يده عن الجري العملي على طبق اليقين بلحاظ الشكّ. فيدخل بهذا اللحاظ تحت دليل حرمة نقض اليقين بالشكّ. 

ـــــــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما بلحاظ القطع الموضوعي، كما لو وقع اليقين بوجوب صلاة الجمعة موضوعاً لوجوب الإفتاء، وقد زال اليقين الآن، فرفع اليد عن الجري العملي على طبق أحكام اليقين، وهو وجوب الإفتاء ليس نقضاً لليقين بالشكّ، بل هو نقض لليقين باليقين. 

وذلك: لأنه نقض لليقين باليقين بعدم ثبوت هذا الحكم –بقطع النظر عن جعل الاستصحاب– فإنه بمجرّد أن يشكّ الإنسان ببقاء وجوب صلاة الجمعة يقطع بعدم بقاء أحكام(1) اليقين. فرفعه لليد عن الجري على طبق وجوب الإفتاء ليس –بحسب الحقيقة– نقضاً لليقين بالشكّ، بل هو نقض عملي لليقين باليقين بعدم ترتّب أحكام اليقين. 

نعم، هذا اليقين الناقض، كان معلولاً للشكّ؛ لأنه نشأ من وجود الشكّ؛ لأن اليقين بعدم ترتّب أحكام اليقين نشأ من ناحية الشكّ، لا أن الشكّ هو الناقض، بل الشكّ أصبح من المقدّمات المولّدة لليقين الناقض. وهذا لا يدخل تحت قوله: (لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ). فإن معنى هذا الدليل هو أن الشكّ لا يجوز أن يجعل ناقضاً لليقين، وهو في مورد القطع الطريقي صحيح، وأما إذا رفع اليد عن الجري العملي على طبق أحكام اليقين بمجرّد الشكّ فهذا ليس نقضاً له بالشكّ، بل هو نقض له باليقين بعدم ترتّب هذه الأحكام. 

وبذلك يظهر أن تقريب للمحقّق العراقي لا يمكن المساعدة عليه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــــ

() لارتفاع موضوعها وهو اليقين الذي ارتفع وجداناً بتحوّله إلى الشكّ (إيضاح). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الوجه الثالث: [حمل النهي في الرواية على النهي الكنائي]

الوجه الثالث لاستفادة إقامة الاستصحاب مقام القطع الموضوعي هو أن يحمل النهي على أنه نهي كنائي لا حقيقي، ويكون قنطرة إلى ما هو المجعول، لا أنه يكون هو المجعول. وذو القنطرة يكون وافياً بإقامة الاستصحاب مقام القطع الطريقي وإقامته مقام القطع الموضوعي معاً. 

وفرق هذا الوجه عن الوجه السابق: أنه في السابق كان يقال بأن النهي المدلول عليه بالمطابقة في أدلّة الاستصحاب، هو بنفسه المجعول لباقي باب الاستصحاب. وأما هنا فيقال: إن هذا النهي ليس هو المجعول لُبّا، بل هو كنائي عن المجعول المكنّى عنه. 

فلا بُدّ أن نرى أن المدلول الكنائي أو الالتزامي لدليل الاستصحاب هل يقتضي إقامة الاستصحاب مقام القطع الموضوعي أيضاً، أو لا؟ 

وهذا الوجه يمكن تقريبه بتقريبين:

أحدهما: مبني على أن نحمل النقض على النقض الحقيقي.

والآخر: مبني على أن نحمله على النقض العملي. 

التقريب الأوّل: [حمل النقض على النقض الحقيقي]

هو أن يقال: إن المدلول المطابقي للاستصحاب هو النهي عن نقض اليقين بالشكّ، ويحمل النقض على فرده الحقيقي؛ لأن حمله على فرده العملي فيه عناية تحتاج إلى قرينة. 

والقرينة التي تدّعى لأجل ذلك هي: أن النهي قد تعلّق بالنقض والنقض 

ـــــــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الحقيقي يستحيل تعلّق النهي به؛ لأنه ليس تحت الاختيار، فلا بُدّ أن يحمل النقض على النقض العملي. وهذه القرينة غير صحيحة؛ لأن النهي بعد كونه نهياً كنائياً وليس حقيقياً، فلا بأس بأن يتعلّق بأمر غير مقدور. وإنما يتعيّن علينا حمل النقض على النقض العملي، وصرفه عن ظهوره في الحقيقي لو كان النهي حقيقياً، وأما إذا قلنا بأنه نهي صوري استطراقياً إلى ما هو المراد جداً، فلا بأس بأن يتعلّق بالنقض الحقيقي، وإن لم يكن مقدوراً(1)

وحينئذٍ يقال: إن هذا النهي يكون كناية عن أن اليقين لا ينتقض بالشكّ. فإننا أشرنا إلى أن العرف يمكن أن ينهى عن شيء مكنياً عن أنه لا يقع بحسب الخارج. فالشارع ينهى عن النقض الحقيقي، في مقام بيان أن اليقين لا ينتقض بالشكّ، وأنه باقٍ، وحيث إن اليقين ليس باقياً حقيقة، فلا بُدّ وأن يحمل ذلك على البقاء الإنشائي العنواني. فيكون المدلول الالتزامي للخطاب هو إنشاء بقاء اليقين. 

ويكون معناه هو أن المجعول في دليل الاستصحاب هو الطريقية والكاشفية. وبذلك انتهينا إلى نفس ما كان يريده السيّد الأستاذ من الوجه الأوّل، غاية الأمر أنه كانت في الوجه الأوّل محاولة، لدعوى أن جعل الطريقية هو المدلول المطابقي لدليل الاستصحاب، ولم نقبله. وهذا ينتج جعل الطريقية، لكن باعتباره -كونه- المدلول الالتزامي للدليل. 

ـــــــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: هنا عندنا مسامحتان لا بُدّ من ارتكاب أحدهما، فما المرجّح لأحدها على الآخر؟

فقال: هذا صحيح. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التقريب الثاني: هو أن يحمل النقض على النقض العملي

هو أن يحمل النقض على النقض العملي ومع هذا يلتزم بالكناية، ويلتزم بالتوصل إلى جعل الطريقية أيضاً.

وذلك بأن يقال: بأن المدلول المطابقي لدليل الاستصحاب هو النهي عن النقض العملي لليقين بالشكّ. إلّا أن هذا النهي ليس هو المجعول لُبّاً في باب الاستصحاب، كما ادعّى المحقّق العراقي، بل هو مجعول عنواناً وصورة استطراقاً إلى أمر آخر. 

والدليل على هذا: هو أنه لا معنى لأن يحرم النقض العملي لليقين بالشكّ، فإن الاستصحاب لا يختصّ بخصوص موارد الحرمة والوجوب، فإنه كما يجري فيهما يجري في موارد الاستحباب والكراهة والإباحة وفي الأحكام الوضعية ونحوها. فالمجعول لُبّاً في باب الاستصحاب يجب أن يكون سنخ مجعول يناسب تمام موارد جريان الاستصحاب، إلّا أنه يناسب بعضها دون بعض. 

فيستكشف من ذلك بنحو القرينة المتّصلة أو كالمتّصلة: أن هذه الحرمة ليست حقيقية وإنما هي كناية. وهذا هو لُبّ مراد المحقّق النائيني. فإنه مع أنه يسلّم بأن مدلول دليل الاستصحاب هو النهي لا النفي، مع هذا يقول بأن المجعول فيه هو الطريقية؛ باعتبار أنه يجعل شمول دليل الاستصحاب لموارد الاستحباب والكراهة قرينة عرفية على كون الحرمة ليست مجعولة جداً وحقيقة، وإنما هي استطراق إلى ما هو المجعول جداً، وهو جعل الطريقية. 

فالمكنّى عنه في هذا الوجه هو نفس المكنّى عنه في التقريب السابق. غاية الأمر أن المكنّى عنه هنا تكون مسافته إلى المدلول المطابقي أطول وأبعد منه 

ـــــــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

هناك. فإنه هناك كان المولى ينهى عن النقض الحقيقي لليقين، في مقام بيان أنه غير منتقض وأنه باقٍ. وهنا ينهى عن النقض العملي، في مقام بيان أن ملزوم النقض العملي، وهو(1) النقض الحقيقي غير موجود، ومعناه أن اليقين باقٍ، وهو معنى جعل الطريقية. 

فهذان تقريبان مبنيان على الكناية لجعل الطريقية فإذا استفيد جعل الطريقية بأحد التقريبين، بحيث يكون مدلولاً التزامياً عرفياً لدليل الاستصحاب، فنتمسّك بإطلاقه حينئذٍ، ويقال: بأن مقتضى جعل الطريقية هو قيامه مقام القطع الطريقي وقيامه مقام القطع الموضوعي. فيكون حاكماً على قواعد التنجيز والتعذير أو وارداً عليها، وهو معنى قيامه مقام القطع الطريقي، ويكون حاكماً على الأحكام التي أخذ في موضوعها القطع واليقين، وهو معنى قيامه مقام القطع الموضوعي.

[مناقشة التقريبين]

أما التقريب الأول(2)(3): فلأننا لو راجعنا دليل الاستصحاب (لا تنقض اليقين بالشكّ) لوجدنا له متعلّقاً وموضوعاً وهو المسمّى بمتعلّق المتعلّق، أما المتعلّق فهو النقض وأما الموضوع فهو اليقين والشكّ. ومن خصائص الموضوع أنه يؤخذ 

ـــــــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــــ

() فإن النقض العملي لازم للنقض الحقيقي. (المُقرِّر).

(2) لخّص السيّد أوّلاً التقريبين الأخيرين المنتجين لجعل الطريقية، ثُمّ ذكر: أن شيئاً منهما لا يكون تامّاً: أما التقريب الأول: فلأننا… (المقرِّر).

(3) لم تنقل هذه الحاضرة من المسجّلة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بالنظر الإنشائي للدليل مفروغاً عنه ومفروض الوجود، فنسبة اليقين والشكّ إلى دليل الاستصحاب كنسبة الخمر إلى دليل (لا تشرب الخمر) ونحوه. 

فإذا كان اليقين والشكّ قد أُخذا في دليل الاستصحاب مفروغي الوجود، مع العلم أن الطريقية تعني إلغاء الشكّ وإبقاء اليقين. فكيف للشارع الذي قد نظر إلى الشكّ بنظره الإنشائي على أنه مفروغ الوجود قد نظر إليه في عين الوقت على أنه معدوم وملغى وغير موجود؟ وليس هذا إلّا تهافتا في اللحاظ. 

 إذن فلا يمكن لدليل الاستصحاب أن يدلّ بالمدلول الالتزامي على جعل الطريقية، بعد تسليم استظهار أن يكون الشكّ قد أُخذ موضوعاً له وأنه مفروغ الوجود في لسانه. 

وقلنا: إنه هناك فرق بالدقّة بين دليل الاستصحاب وبين “لا تصلي في أيام إقرائك” الذي قلنا بمشابهته له من حيث إنه نهي أريد به اللازم وهو أن الصلاة لا تصحّ منك، بناءً على جعل ألفاظ العبارات للصحيح. إلّا أنه يختلف معه بالدقّة من حيث إن الشكّ في دليل الاستصحاب كما قلنا أُخذ موضوعاً مفروغاً عنه، ومن ثُمّ لا يمكن النظر إلى إلغائه وإعدامه. وأما الصلاة فليست موضوعاً لدليل وبين “لا تصلي…”، بل هي متعلّق للحكم فيه، والمتعلّق لا يؤخذ مفروض الوجود، بل يقع تحت الأمر لو كان في سياقه. ومن ثُمّ يمكن أن ينظر إليها الشارع بالنظر الإنشائي على أنها غير موجودة ولا يمكن أن تتحقّق في الخارج. 

 إذن فجعل الطريقية المؤدّي إلى إلغاء الشكّ يناقض موضوعيته والمفروغية عنه في لسان دليله. 

ـــــــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إلّا أن يفرّق بينهما بنظر ذكي، ويقال: بأن الشكّ الذي جعلت طريقيته غير الشكّ الذي فرع عن وجوده. 

وذلك: أن المحقق النائيني لعلّه التفت ثبوتاً إلى الإشكال الذي ذكرناه، وذهب إلى أن جعل الطريقية في الأمارات بنحو يغاير جعلها في الاستصحاب، وإن لم يقبل ذلك السيّد الأستاذ وذهب إلى أن جعل الطريقية في كِلا الموردين على نحو واحد. 

وذكر المحقّق النائيني في تقريب ذلك: أن للعلم نحوين من الأثر، أحدهما كاشفيته. والآخر: الجري العملي على طبقه. والأمارات مجعولة كالعلم في الخاصّية الأولى للعلم، وهي الكاشفية، والاستصحاب مجعول كالعلم في أثره الثاني وهو الجري العملي على طبقه. 

فلو فرّق بنظر ذكي بين نحوين من أنحاء جعل الطريقية، يكون إشكالنا السابق قد ارتفع، وذلك لأن الشكّ الذي أخذه الشارع بنظره الإنشائي مفروغ الوجود وموضوعاً، يكون هو الثاني، وهو الشكّ في مقام العلم الذي يترتّب عليه الجري العملي: والشكّ الذي نهى عنه وأمر بإلغائه هو الأوّل، وهو الشكّ في مقابل العلم بخاصّية كاشفيته. 

إلّا أن الإشكال وإن كان قد ارتفع إلّا أننا بعد هذا لا يمكن أن نصل إلى النتيجة، وذلك: لأن غاية ما يثبت بدليل الاستصحاب هو أخذ الشكّ في مقابل الجري العملي موضوعاً في لسانه، ولا يكون له أيّ تعرّض للشكّ بالمعنى الآخر، حتّى يمكن أن يستفاد منه إلغاؤه وجعل الطريقية. وبذلك، نصل إلى 

ـــــــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

خلاف المقصود وينسدّ باب استفادة جعل الطريقية من دليل الاستصحاب. 

 إذن فلا يمكن أن يدلّ دليل الاستصحاب على جعل الطريقية؛ لوجود التهافت بينهما وبين موضوعية الشكّ في لسانه. 

[اشكال المحقق العراقي على المحقّق النائيني]

نعم، بقي إشكال يذكره المحقّق العراقي على المحقّق النائيني، ويقول بأن كلامه متهافت، وذلك ناشئ من عدم التدبر العميق في مجموع مباني المرزا. 

وذلك: أن المرزا يقول في بحث جريان الاستصحاب في باب المقتضي والرافع كما عرفنا أن الاستصحاب يجري في صورة إحراز المقتضى والشكّ في الرافع، دون صورة الشكّ في المقتضي وهنا يقول: إن الاستصحاب يقوم مقام القطع الطريقي والقطع الموضوعي معاً، ويذكر المرزا تقريباً هناك لمدّعاه ويذكر تقريباً هنا لمدعاه. 

يقول المحقّق العراقي: إن التقريبين هذين للمرزا متهافتين، فلا بُدّ من رفع اليد عن أحدهما. فإما أن نرفع اليد عن التقريب في ذلك الباب، ولا بُدّ للمرزا من أن يقول بجريان الاستصحاب في صورة الشكّ في المقتضي أيضاً أو عن التقريب هنا. ولا بُدّ للمرزا أن يقول بقيام الاستصحاب مقام القطع الطريقي دون الموضوعي. ويقع الكلام في ذلك.

*****

ـــــــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

اعترض المحقّق العراقي على المحقّق النائيني بأن هناك تناقضاً في مبانيه بلحاظ مسألتين:

أحدهما: مسألة جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضى وعدم جريانه. حيث اختار المرزا هناك اختصاص الاستصحاب بموارد الشكّ في الرافع مع إحراز المقتضي. ولا يجري فيما إذا لم يكن المقتضى محرزاً.

 ثانيتهما: قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي، حيث اختار المرزا أن دليل الاستصحاب وافٍ بتنزيل الاستصحاب منزلة القطع الطريقي والموضوعي معاً، وبيّن لكلٍّ من المسألتين بياناً يناقض بيانه للمسألة الأخرى بحسب نظر المحقّق العراقي. فاعترض عليه بالتهافت بين مباني المسألتين. 

وهذا يتوقّف على استعراض مختصر لموقف المرزا من تلك المسألة حتّى نقارنه بموقفه في هذه المسألة، ونرى أين التناقض بينهما. 

وفي تلك المسألة قالوا: إن النقض حينما يسند إلى شيء فلا بُدّ وأن يكون ذلك الشي فيه جهة إبرام واستقرار، حتّى يصدق إسناد النقض إليه، أما ما لا ثبات له فهو منحلّ بنفسه ولا يسند إليه النقض. ثُمّ اختلفوا: في أن المسند إليه النقض في خطاب الاستصحاب ما هو؟ 

فقال قوم: هو المتيقّن، وكلمة اليقين استعملت مجازاً في المتيقّن. وفرّعوا عليه: أنه ما دام النقض قد أسند إلى المتيقّن فلا بُدّ من فرض الثبات والاستقرار فيه. وهذا الثبات يكون بفرض تماميّة المقتضى له في مرحلة البقاء. ومن هنا قالوا: إنه يختصّ الاستصحاب بخصوص موارد إحراز المقتضى والشكّ في الرافع. 

ـــــــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وقال قوم آخرون: إنه لا موجب لهذا التجوّز، بل كلمة النقض مسندة إلى اليقين بما هو يقين، واليقين فيه جهة إحكام ذاتي، وهذا يكفي في تصحيح إسناد كلمة النقض إلى اليقين، ومعه لا تحتاج إلى فرض وجود المقتضى للمتيقّن في مرحلة البقاء. وفرّعوا على ذلك أن الاستصحاب يجري موارد الشكّ في المقتضي كما يجري في موارد الشكّ في الرافع. 

المرزا جاء والمسألة ذات قولين من هذا القبيل، فاختار منها مذهباً وسطاً بينهما، كما تقدّم توضيحه هناك. 

وتوضيحه مختصراً: أن المرزا قال: إن المراد بالنقض هو نقض المتيقّن لا نقض اليقين، ولكنّه أسند في العبارة إلى اليقين فكلمة اليقين مستعملة في معناها حقيقة، لا مجازاً في المتيقّن، ولكن نقض المتيقّن أسند إلى اليقين. 

لأن المراد من النقض ليس هو الحقيقي؛ إذ لا معنى لإرادة النقض الحقيقي، فإن اليقين منتقض حقيقة. بل النقض هنا بمعنى النقل العملي يعني رفع اليد عن الآثار العمليّة للمتيقن. إذن فالنقض هو نقض عملي للمتيقن. 

وإنما أسند هذا النقض إلى اليقين؛ لأن الآثار العمليّة للمتيقّن، إنما تقرّب عليه، إذا تُيُقِّن به، فإن الجري العملي على طبق الواقع إنما يكون بتوسّط اليقين. فاليقين هو الوسيط في الجري العملي على المتيقّن، فإنه إنما يكون بتوسّط طريقية اليقين وكاشفيته. 

فبلحاظ أن هذا الجري العملي فرع اليقين، ويتوسّطه، فكأنّ نقض المنكشف نقض للكاشف. فاسند النقض إلى الكاشف وهو اليقين. 

ـــــــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وبناءً على هذا يختصّ الاستصحاب بخصوص موارد إحراز المقتضي، وذلك: لأن النقض هنا نقض للمتيقن، غاية الأمر أن نقض المتيقّن أسند إلى اليقين بلحاظ وسطية اليقين في الجري العملي. وإذا كان نقضاً في المتيقّن، فلا بُدّ أن نفرض فيه ثباتاً واستقراراً حتّى يصحّ إسناد النقض إليه. وهذا الثبات معناه أنه له مقتضى البقاء لو خلّي وطبعه. إذن فيختصّ دليل الاستصحاب في موارد الشكّ في الرافع مع إحراز المقتضي. هذا كلام المرزا هناك. 

يقول المحقّق العراقي: إن هذا الكلام يقتضي هنا أن لا يقول المرزا بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي؛ لأن المرزا يقول: إن خطاب: (لا ينقض اليقين بالشكّ) نهى عن نقض المتيقّن عملاً، ولهذا اشترط بقاء مقتضى المتيقّن. فإذا كان محطّ الحكم هو النقض العملي للمتيقن، إذن فغاية ما يستفاد من دليل الاستصحاب، هو وجوب الجري على طبق آثار المتيقّن، لا وجوب الجري على طبق آثار اليقين. يعني قيام الاستصحاب مقام القطع الطريقي لا مقام القطع الموضوعي. 

وهذا التناقض واضح جداً على مستوى ظواهر عبائر المرزا. حيث إن تقريراته لم تشتمل أصلاً على توضيح كيفية جعل الطريقية من دليل الاستصحاب. إلّا أن هذا التناقض غير صحيح وإن فرض أن كلام المرزا في نفسه غير صحيح. 

وتوضيح ذلك: أن المرزا لو كان يقول: إن المجعول في دليل الاستصحاب هو نفس هذا النهي المدلول عليه بالمطابقة كما يقول شيخ آغا ضياء. إذن لكان 

ـــــــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إشكال المحقّق العراقي تامّاً عليه؛ لأن المحقّق العراقي يقول له: دليل الاستصحاب يتكفّل النهي عن نقض اليقين بالشكّ، وقد فهمتم منه نقض المتيقّن. إذن فهو يدلّ على النهي عن نقض المتيقّن عملاً. فغاية ما يدلّ عليه دليله هو وجوب الجري على طبق آثار المتيقّن. أما على طبق آثار اليقين، فلماذا يجب الجري؟ 

لكن المرزا لا يقول بأن المدلول المطابقي -وهو النهي- هو المجعول في باب الاستصحاب، بل يقول إنه كناية عمّا هو المجعول، وهو المدلول الالتزامي المكنّى عنه بهذا النهي، وهذا المدلول ما هو؟ 

نحن قلنا في شرح الوجه الثالث: إنه يمكن للإنسان أن ينهى عن نقض شيء في مقام بيان أنه باقٍ وأنه لا يرتفع. حينئذٍ فالمدلول المطابقي لدليل الاستصحاب هو النهي عن نقض اليقين بالشكّ، يعني الأمر بإبقاء الجري العملي على طبق المتيقّن. وهذا الأمر إرشاد إلى أن ملاك الجري العملي وموضوعه باقٍ فلا ترفع يدك عنه. 

فهنا احتمالان:

أحدهما: فرض احتمال أن يكون الباقي هو المتيقّن، ويكون النهي عن نقض المتيقّن بالشكّ إرشاداً إلى بقائه، ولو بالعناية والإنشاء. 

فيكون مرجع هذه الكناية إلى جعل الحكم الظاهري المماثل لوجوب صلاة الجمعة، وهو المتيقّن. فإن بقاءه الواقعي غير مفروض، فيكون المراد جعل حكم بعناية أنه هو باقٍ. هذه الكناية معقولة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ثانيهما: أن يكون كناية عن بقاء نفس اليقين، يقول: (أجر عملاً على طبق المتيقّن)؛ لأن مناطه هذا الجري وهو اليقين باقٍ وهو أيضاً باقٍ بالعناية، ومرجعه إلى اعتبار بقاء اليقين يعني إلى جعل الطريقية.  

إذن فكِلا العنايتين معقولتين، والمرزا يستظهر الثاني، ولو بضمّ ارتكازية جعل الطريقية في الأنظار العقلائية. فإن المرزا يعتقد أن السيرة العقلائية في باب الأمارات والكواشف مبناها على جعل الطريقية لا على جعل الحكم المماثل. فهذا الارتكاز العقلائي، يعني الاحتمال الثاني في باب الكناية، وحينئذٍ يتعيّن ظهور دليل الاستصحاب في الاحتمال الثاني. أما أننا نقبل هذا الارتكاز أو لا، فهو خارج عن محلّ الكلام. فينعقد ظهور في دليل الاستصحاب لكونه كناية عن جعل الطريقية، فحينئذٍ يترتّب على كونه طريقاً، جميع الآثار العقليّة والشرعية معاً. 

فكما يترتّب على جعل الطريقية المنجّزية والمعذّرية، كذلك يترتّب عليها الأحكام الشرعية المترتّبة على العلم واليقين. هذا هو مقصود المرزا ، وبناءً عليه لا يكون هناك أيّ تناقض بين موقفه هنا وموقفه هناك. 

هنا قد يشكل ويقال: بأن دليل الاستصحاب ثبت أنه كناية عن جعل الطريقية. لكن جعلها له نحوان، فإن جعل الطريقة معناه تنزيل الاستصحاب منزلة العلم. وهذا التنزيل له دائرتان: ضيقة وهو تنزيله في خصوص الآثار العقليّة، يعني المنجّزية والمعذّرية. ودائرة وسيعة وهي تنزيله بلحاظ تمام الآثار العقليّة والشرعية معاً. فلعلّ التنزيل في دليل الاستصحاب هو التنزيل بلحاظ 

ـــــــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الآثار العقليّة فقط. وليس هنا إطلاق في دليل الاستصحاب حتّى يتمسّك به لإثبات إطلاق التنزيل. 

لأن التنزيل ليس مستفاداً بالمطابقة من دليل الاستصحاب لنتمسّك بإطلاقه، بل مستفاد بالكناية، وفي مقام إعطاء الكناية حقّها يكفي افتراض كونه كناية عن التنزيل بلحاظ الآثار العقليّة، وهو المنجّزية والمعذّرية. فمن قال بأنه كناية على تنزيل الاستصحاب منزلة اليقين حتّى بلحاظ الآثار الشرعية. 

هذا الإشكال جوابه أيضاً بالرجوع إلى مباني المرزا. وذلك: لأن المرزا في باب جعل الطريقية وقيام الاستصحاب والأمارة مقام القطع الطريقي، لا يقول إن بابه باب التنزيل، حتّى يقال إن التنزيل على نحوين، كما سبق. بل يقول باستحالة التنزيل؛ لأن تنزيل الشارع شيئاً منزلة شيء آخر، إنما يكون بلحاظ الأثر الشرعي لذلك الشيء، والقطع الطريقي ليس له أثر شرعي، فإن المنجّزية والمعذّرية آثار عقليّة ليس تحت قدرة الشارع التصرّف فيها وتوسعتها مباشرة. فلا يعقل تنزيل شيء منزلة القطع من حيث المعذّرية والمنجّزية، ولا يقاس ذلك على تنزيل الطواف منزلة الصلاة في الطهورية، فإنها شرط شرعي بيد الشارع التصرّف بها. 

فليس باب الطريقية عند المرزا، باب التنزيل. بل باب الاعتبار، أي: اعتبار الأجنبي فرداً يقطع النظر من الآثار أصلاً أن يعتبر غير العلم علماً من دون نظر إلى الآثار. ومثل هذا المعنى البسيط الوحداني لا يقبل التجزئة، بحيث يكون بلحاظ الآثار العقليّة فقط دون الشرعية. فليس هناك إلّا ادّعاء أن غير العلم 

ـــــــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

علم، وهذه عمليّة بسيطة لا تقبل التجزئة، ويترتّب عليها (أوتوماتيكياً) وقهرياً تمام الآثار العقليّة والشرعية ببيان مذكور في بحث جعل الطريقية لا هنا. 

فبناءً على هذا مواقف المرزا منسجمة مع مبانيه، نعم، مبانيه غير تامّة.

ـــــــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 




التنبيه الثاني

[جريان الاستصحاب في موارد الشك التقديري]

 

  • الوجه الثبوتي  
  • [الوجه الإثباتي]
  • [الثمرة في هذا الخلاف]
  • [ثمرة أخرى ذكرها المحقق العراقي]
  • [فروع في المسألة من تيقن بالحدث أو الطهارة ثم شك أو غفل]
  • [حول جريان الاستصحاب في اليقين التقديري]

ـــــــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 



 

التنبيه الثاني                                                                                  [جريان الاستصحاب في موارد الشك التقديري]

 

وهو الأوّل من تنبيهات (الكفاية). 

قال صاحب الكفاية: إن الشكّ أُخذ في موضوع أدلّة الاستصحاب فقيل: (لا ينقض اليقين بالشكّ).

والشكّ الذي يتعلّق بالبقاء في موارد الاستصحاب تارةً يكون شكّاً فعلياً ملتفتاً إليه. وأخرى شكّاً تقديرياً، بحيث لو التفت لشكّ. فلو كان لنا يقين في أمر ثُمّ شككنا في ارتفاعه، مع التفاتنا إليه فعلاً. فهذا هو الشكّ الفعلي. وأخرى يكون لنا يقين بحياة زيد، ولكنّنا غفلنا في زمان طويل، والآن نحن غافلون عن حياته، غير ملتفتين إلى أصل المطلب، لكن لو التفتنا لشككنا في بقاء حياته(1)

البحث في هذا التنبيه يقع في أن الشكّ الذي أُخذ في موضوع دليل 

ـــــــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: اليقين هنا أصبح تقديرياً.

فقال: اليقين موجود بوجود ارتكازي، فوجوده الارتكازي فعلي. لكن الشكّ حتّى بوجوده الارتكازي غير موجود؛ لأنه لم يحدث في آن ما ثُمّ يترسّب في أعماق النفس كما حدث لليقين. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب هل يشمل الشكّ التقديري الذي يجتمع مع الغفلة فعلاً؟ أو يختصّ بخصوص الشكّ الفعلي المساوق مع الالتفات؟ وبعد ذلك ذكرت له بعض الثمرات على ما سوف نتعرض لها ان شاء الله تعالى. 

ذهب المحقّق الخراساني وجملة ممن تأخّر عنه إلى أن الشكّ المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب هو الشكّ الفعلي المساوق مع الالتفات، فلا يجري الاستصحاب في موارد الشكّ التقديري ويتلخّص من كلامه بيان وجهين للبرهنة على عدم كفاية الشكّ التقديري بجريان الاستصحاب، أحدهما ثبوتي والآخر إثباتي. 

ـــــــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 










الوجه الثبوتي  

 

حاصله: أن الأحكام الظاهرية، بما فيها الأصول والأمارات، ليست إلّا إنشاءات لأجل التوسّل إلى التنجيز والتعذير للواقع، وليس فيها غرض وراء ذلك، فلا بُدّ وأن تكون مجعولات الأحكام الظاهرية، مخصوصة بالحالات التي يترتّب عليها هذا المقصود، وهو التنجيز والتعذير، ولا تشمل موارد عدم ترتّب هذا المقصود. 

ومنا هنا يتبرهن على أن الأحكام الظاهرية لا تشمل موارد الشكّ في محمولها أو موضوعها، أو الغفلة عن أحدهما. فمثلاً حجّية خبر الواحد أو حرمة نقض اليقين بالشكّ أو أصالة البراءة، لا يمكن أن تكون شاملة لحالات عدم وصولها إما صغرى أو كبرى؛ إذ مع هذا الفرض لا يعقل أن يترتّب على الحكم الظاهري تنجيزاً أو تعذيراً، لأنه حكم غير واصل. وكيف يكون الحكم غير الواصل منجّزاً أو معذّراً بلحاظ حكم غير واصل؟!

 إذن فلا يعقل شمول الإنشاءات الظاهرية لغير موارد الوصول والالتفات صغرى وكبرى، إذ في غيرها لا يترتّب عليه المقصود وهو التنجيز والتعذير. 

ومن هنا فرّقوا بين الأحكام الظاهرية والواقعيّة، وقالوا: بأن الإنشاءات الواقعيّة لا بأس بشمولها لحال عدم الوصول كبرى وصغرى؛ لأن النظر فيها 

ـــــــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ليس إلى التنجيز والتعذير، بل النظر فيها إلى إبراز إرادات واقعيّة للمولى، وهي أمر واقعي محفوظ في حالة العلم والشكّ والالتفات والغفلة. 

وأما الأمارات الظاهرية، فليست في مقام إبراز إرادات مستقلّة؛ لأننا لا نقول بالتصديق ولا بالسببية، بل هي في مقام الاستطراق إلى التنجيز والتعذير، وحيث لا يتحقّق ذلك إلّا في حدود الوصول والالتفات، فلا بُدّ أن يختصّ المجعول في الأحكام الظاهرية في هذه الحدود. 

وقد أشير إلى هذا الوجه في كلمات عدّة منهم كالمحقّق الخراساني والمحقّق الأصفهاني والمحقّق النائيني (قدّس الله أسرارهم). 

وهذا الوجه –بحسب الحقيقة– مربوط بالتصوّر الأساس في فهم طبيعة الأحكام الظاهرية. 

فإنه إذا مشينا على مشرب هؤلاء الآغايون يكون لهذا الكلام صورة
– مثلاً -. 

إلّا أن هذا المبنى في نفسه غير تامّ كما أوضحناه مفصلاً في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، وحاصل المبنى المختار هو: أن الإنشاءات الظاهرية كالإنشاءات الواقعيّة، تكون في مقام إبراز مرتبة من إرادة المولى. 

فليس المقصود من الإنشاءات الظاهرية مجرّد اللفظ استطراقاً إلى التنجيز والتعذير، بل المقصود منها إبراز مرتبة من إرادة المولى. والتنجيز والتعذير يترتّب على إبراز هذه المرتبة لا أنه يترتّب على نفس الإنشاء بما هو اعتبار أو لقلقة لسان. 

ـــــــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وتوضيح ذلك: أنه بعد الفراغ مما عليه المخطّئة، عن أنه لا توجد هناك إرادات للمولى غير الإرادات الواقعيّة، وأغراض غير الأغراض الواقعيّة، اللزومية والترخيصية. تلك الأغراض الواقعيّة للمولى تختلف من حيث درجة اهتمام المولى بها شدّةً وضعفاً. فقد يكون المولى شديد الاهتمام بالغرض بحيث يتصدّى لتحصيله حتّى مع عدم علم المكلّف به وشكّه فيه، فيأمر بالاحتياط، وقد يفرض أن المولى ليس شديد الاهتمام بالغرض بحيث مع فرض عدم وصوله لا يأمر بالاحتياط فيه، بل يرخّص فيه. 

فأصل الغرض محفوظ في الحالين، لكن مرتبة الاهتمام به تتفاوت. فعندنا –بحسب التحليل– شيئان: أصل غرضية الغرض، ومرتبة شدّة الغرض. والإنشاءات الواقعيّة المقصود منها إبراز المرتبة الأولى من الغرض، يعني إبراز أصل غرضية الغرض. والمقصود من الإنشاءات الظاهرية إبراز المرتبة الثانية، أي: مرتبة شدّة الاهتمام أو ضعف الاهتمام بالغرض. 

 إذن فكلٌّ من الإنشاءات الواقعيّة الظاهريّة، هي في مقام إبراز مرتبة من غرض المولى، وليست مجرّد لقلقة لسان في عالم اللفظ أو نسج خيال في عالم الاعتبار. 

والتنجيز والتعذير يترتّب على الإنشاءات الظاهرية، بلحاظ مبرزيتها لمرتبة الاهتمام بالغرض. فالخطاب الظاهري المبرز للمرتبة العالية من الاهتمام يترتّب عليه التنجيز إذا وصل إلى المكلّف. والخطاب الظاهري الذي يبرز المرتبة الناقصة من الاهتمام يترتّب عليه المعذّرية إذا وصل. فليس التنجيز والتعذير مقصود بالإفادة ابتداء، وإنما المقصود هو إبراز مرتبة الغرض. 

ـــــــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وبناءً على هذا الفهم لطبيعة الأحكام الظاهرية، كما يكون مدلول الإنشاءات الواقعيّة سنخ معنى قابل لأن يكون محفوظاً في حالة العلم والجهل والالتفات وعدمه. كذلك مدلول الإنشاء الظاهري؛ لأن المعنى المبرز بالخطاب الظاهري هو مرتبة شدّة الاهتمام بالغرض وإرادة المولى في هذه المرتبة. وهذه المرتبة أمر واقعي نفساني، قابل لأن يكون محفوظاً. فبمجرّد أن يقع خبر من ثقة يشتد اهتمام المولى بذلك، سواء وصل إلى المكلّف أو لم يصل. 

بناءً عليه لا يبقى عندنا محذور ثبوتي في أن يكون المجعول في باب الاستصحاب شاملاً لموارد الشكّ التقديري، كما يكون شاملاً لموارد الشكّ الفعلي. فهذا التقريب غير تامّ(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: الشكّ التقديري معناه عدم الشكّ، يعني عدم وجود أحد أركان الاستصحاب.

فقال: أنت أفتيت بأنه -يعني الشكّ- ركن من أركان الاستصحاب. فما هو دليل هذه الفتوى؟ هو إما الوجه الأوّل أو الوجه الثاني الذي سنقوله. هذه العبارة نقولها دائماً إلّا أنه هنا محلّ بحثها في أنه ركن أو لا. 

أقول: لا ربط لهذه العبارة في المقام، وإنما المقام تنقيح لصغرى هذه القاعدة. فإنه مما لا شكّ فيه أن الشكّ ركن للاستصحاب. غاية الأمر يبحث عن المراد بالشكّ هنا، فإن نفينا كفاية الشكّ التقديري فمعناه أننا قلنا بأنه ليس بشك، ّ وإن الركن الثاني للاستصحاب غير موجود فلا يجري. وإن قلنا بكفاية الشكّ التقديري فقد أثبتنا ركن الاستصحاب فيجري. ولو لم يكن الشكّ ركناً لأمكن جريان الاستصحاب حتّى مع انتفاء الشكّ وعدم كفاية التقديري منه، وهو مما لم يلتزم به أحد. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 

[الوجه الإثباتي]

 

الوجه الثاني: لاختصاص جريان الاستصحاب بموارد الشكّ الفعلي وعدم شموله للشكّ التقديري. وهو وجه إثباتي وهو أيضاً ظاهر (الكفاية) وغيره من الكتب. 

حيث أفادوا: أن دليل الاستصحاب جعل حكماً مرتّباً على موضوع، وهو اليقين والشكّ، فقد أُخذ في موضوعه هذا العنوانان، والظاهر من كلّ دليل يرتّب حكماً على موضوع أن يكون ذلك الحكم منوطاً بالوجود الفعلي لموضوعه، لا بالوجود التقديري واللولائي له. فلو قال: (أكرم العالم)، فظاهره عرفاً: أن وجوب الإكرام منوط بوجود العالم فعلاً بحسب الخارج. ففي دليل الاستصحاب أيضاً يستظهر أن يكون المجعول تابعاً لفعليّة موضوعه، ولا يكفي وجوده بنحو من المسامحة واللولائية. 

وفي محاسبة هذا الوجه لا بُدّ أن نرى أن أدلّة الاستصحاب هل أخذ في موضوعها الشكّ بهذا المعنى أو لا؟ بالإمكان أن يقال: إننا لو لاحظناها لوجدنا فيها إطلاقات تشمل موارد الشكّ التقديري. نعم، بعضها تختصّ بموارد الشكّ الفعلي، لكن يكفينا وجود بعض له إطلاق يشمل موارد الشكّ التقديري، في مقام إثبات الجريان.

ـــــــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [الروايات في المقام] 

منها: صحيحة زرارة الأولى التي يقول فيها  : “لا، حتّى يستيقن أنه قد ناموإلّا فإنه على يقين من وضوئه”، و(لا ينقض اليقين بالشكّ). لو اقتصرنا على ذلك، لامكن أن نقول كما قيل بأن الشكّ ظاهر في الفعليّة، فلا يشمل موارد الشكّ التقديري. 

لكن عطف على هذه الجملة قوله : (ولكن أنقضه بيقين آخر مثله). والمستفاد عرفاً من هذا حصر ما يجوز أن يكون ناقضاً بخصوص اليقين الفعلي. ولا يجوز أن ينقض اليقين بالشكّ الفعلي ولا بالشكّ التقديري ولا بالظنّ الفعلي ولا التقديري. فإذا كان الشكّ التقديري لا ينقض اليقين، كالفعلي فالاستصحاب جارٍ في موارد الشكّ التقديري كما يجري في موارد الشكّ الفعلي(1).

وبهذا يتمّ المطلب، يعني: أن هذا كلام واقعي لا أنه إلزامي للآخوند. 

وإن شئتم قلتم بتقريب آخر: إن تقديرية الشكّ وفعليّته –لا يحتمل بحسب الارتكاز العرف – أن يكون لها دخل في نقض اليقين. بحيث إن اليقين لا ينقض بالشكّ الفعلي، ولكن نفس هذا الشكّ لو كان تقديرياً لنقض به. تقديرية الشكّ لا دخل له في ناقضيته، بحسب الارتكاز العرفي. فإن الملاك في عدم نقض الشكّ باليقين هو ضعف الشكّ واضمحلاله في مقابل اليقين، ومثل 

ـــــــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــــ

() وقال جواباً على سؤال ما حاصله: أن (لا ينقض اليقين بالشكّ) لا مفهوم له، غاية الأمر لا مفهوم له، فإذا تمّ الإطلاق من ناحية الحصر كفى في المطلب. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

هذا الضعف والاضمحلال محفوظ في حالتي الفعليّة والتقديرية معاً، لا أنه في حالة الفعليّة يكون مضمحلاً في مقابل اليقين، وفي حالة التقديرية يكون ناقضاً له. مثل هذا على خلاف الارتكاز العرفي. بل فعليّة الشكّ توجب فيه نوعاً من الشدّة بحسب الفهم العرفي. 

وهذا البيان إذا تمّ، فإنه يتمّ في سائر الروايات، ولا يختصّ بالصحيحة الأولى. 

الرواية الأخرى: التي يمكن أن يستدلّ بها في المقام على ذلك، رواية عبد الله بن سنان التي تمّت دلالتها وسندها عندنا، قال سألته عن الثوب أعيره للذمي ثُمّ آخذه منه، ولا أدري ان أصلي قبل ان أغسله أو لا. قال: “لا، لأنك أعرته إيّاه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجّسه”. 

فلم يؤخذ في موضوع هذا الحكم(1) الشكّ الظاهر بالتردّد المساوق مع الالتفات، بل أُخذ فيه مجرّد عدم تيقّن الخلاف، فقد كان هذا طاهراً ولم نستيقن أنه ارتفعت الحالة السابقة، وعدم استيقان ارتفاع الحالة السابقة محفوظ في حالة الشكّ الفعلي، وفي حالة الشكّ التقديري معاً. فالإطلاق بلحاظ رواية ابن سنان تامّ أيضاً.

وكذلك يمكن الاستدلال بروايات: “الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنه قذر”، و “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنه حرام”، بناءً على ذوق الذي جعل هذه الروايات أدلّة على الاستصحاب. فإنه لم يؤخذ في موضوعها الشكّ بل أخذ 

ـــــــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــــ

() وهو الاستصحاب. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فيه: “حتّى تعلم أنه قذر” أو “حرام”. يعني: أُخذ في موضوعه عدم العلم بالانتقاض، وهو محفوظ في موارد الشكّ الفعلي والشكّ التقديري. 

فالظاهر، خلافاً للمحقّق صاحب (الكفاية) ومن وافقه أن دليل الاستصحاب لا يختصّ بموارد الشكّ الفعلي، بل يجري في موارد الشكّ التقديري أيضاً.

ـــــــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 
















[الثمرة في هذا الخلاف]

 

هل يتصوّر لمثل هذا الخلاف ثمرة كما هو ظاهر كلام الشيخ وصاحب (الكفاية) وغيره. 

[الثمرة الأولى: في جريان قاعدة الفراغ]

والثمرة التي ذكرها هؤلاء: هي أن إنساناً لو تيقّن الحدث ثُمّ غفل عن يقينه، دون أن يتحوّل يقينه إلى شكّ فعلي. وبعد غفلته(1) قام وصلّى وهو غافل. وبعد الانتهاء من صلاته ارتفعت عنه الغفلة فشكّ في أنه تطهر بعد ذلك الحدث المتيقّن أو لا، فبذلك يشكّ في صحّة صلاته السابقة. 

فهل تجري قاعدة الفراغ لتصحيح صلاته السابقة. هناك مسألة في قاعدة الفراغ وهي أنها هل تجري في تصحيح العمل السابق الذي يشكّ في صحّته ولو مع القطع بغفلة المكلّف حال الإتيان به؟ أو يشترط في القاعدة أن يكون المكلّف بحيث يحتمل تذكره أثناء العمل؟ فإذا احتمل التفاته في أثناء العمل فلا إشكال من جريان قاعدة الفراغ. وأما إذا قطع بأنه كان غافلاً في أثناء الصلاة واحتمل الصحّة العَمْياوية –القائمة على مجرّد الصدفة– فهل تجري قاعدة 

ـــــــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــــ

() عن أصل مسألة الطهارة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الفراغ أو لا؟ فيه كلام بينهم، ولعلّ المشهور بين علمائنا المتأخّرين هو عدم الجريان، وهو الصحيح. 

إلّا أن هذه الثمرة تفترض الجريان كأصل موضوعي، وأن قاعدة الفراغ تجري؛ لذا احتمل صحّة العمل السابق ولو عمياوياً، فإنه على القول بعدم جريانها في مثل ذلك، فهنا لا تجري أصلاً في محلّ الكلام؛ لأن احتمال الصحّة هنا احتمال عمياوي؛ لأن هذا المكلّف يقطع بأنه كان غافلاً حين الصلاة. فلا تجري قاعدة الفراغ، ويحكم على صلاته بعدم الإجزاء على كلّ حال سواء قلنا بجريان الاستصحاب في موارد الشكّ التقديري أو لم نقل(1).

لكن لو اخترنا القول الثاني، وهو أنها تجري في موارد احتمال الصحّة العمياوية، فيدّعى أنه تظهر ثمرة للنزاع في جريان الاستصحاب في موارد الشكّ التقديري وعدم جريانه. 

وذلك: أننا إذا بنينا على أنه لا يجري في موارد الشكّ التقديري، فإننا نحكم بصحّة الصلاة ببركة إجراء قاعدة الفراغ، بعد الالتفات بعد الصلاة. ولا يعارضها استصحاب الحدث لأجل إبطال الصلاة السابقة؛ لأن المراد منه إن كان هو الاستصحاب الجاري حال الصلاة، ففي ذلك الحين كان غافلاً والمفروض أننا نقول بعدم جريان الاستصحاب مع الشكّ التقديري والغفلة، فلم يكن الاستصحاب جارياً. وإن كان هو استصحاب الحدث الجاري الآن، بعد أن أصبح عنده شكّ فعلي، فقاعدة الفراغ حاكمة على الاستصحاب 

ـــــــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــــ

() فلا تظهر ثمرة (محاضرة غد). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ومقدّمة عليه، كما هو الحال في سائر موارد تعارضهما فيحكم بصحّة الصلاة. 

وأما إذا قلنا بجريان الاستصحاب في موارد الشكّ التقديري، فلا يمكن أن يحكم بصحّة الصلاة؛ لأن هذه الصلاة حين الإتيان بها كان استصحاب الحدث جارياً في حقّ المكلّف، إذ المفروض أنه يكفي فيه الشكّ التقديري، وهو موجود. فهو يعني المكلّف حين الإتيان بالعمل كان محكوماً بمقتضى قواعد الشرع ببطلان العمل، فبعد الانتهاء منه لا تجري في حقّه قاعدة الفراغ؛ لأنها أُخذ في موضوعها أن لا يكون العمل قد حكم عليه بالبطلان حين الإتيان به. ولهذا لو أن شخصاً تيقّن الحدث وشكّ في بقائه فعلاً وقام وصلّى، هل يتوهّم أحد أنه بعد أن ينتهي تصحّح صلاته بقاعدة الفراغ؟ لا؛ لأن صلاته كانت محكومة بالبطلان حال الإتيان بها بمقتضى استصحاب الحدث. فيكون استصحاب الحدث الجاري حين الإتيان بالعمل حاكماً على قاعدة الفراغ ورافعاً لموضوعها، فلا تجري لتصحيح العمل. وهذه ثمرة عمليّة. 

[مناقش الثمرة الأولى]

وأوّل شيء لا بُدّ من إبراز ضعفه في هذه الثمرة، هو دعوى أن قاعدة الفراغ، أُخذ في موضوعها أن لا يكون العمل قد حكم عليه بالبطلان في أثنائه. فإن صاحب الثمرة ادّعى ذلك، ولهذا جعل الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة مع الغفلة، بناءً على جريانه حاكماً على قاعدة الفراغ. مع أن هذه الشرطية مما لا منشأ لها. إذ لم يؤخذ في لسان روايات قاعدة الفراغ هذا الشرط في موضوعها. 

ومنشأ توهّم هذا الشرط هو النقض الذي أشارنا إليه حيث ذكر أنه لو 

ـــــــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

كان على يقين من الحدث ثُمّ شكّ ومع شكّه الفعلي قامّ وصلّى، لا يتوهّم أحد صحّة صلاته بجريان قاعدة الفراغ، فتخيّل أن عدم جريانها ناشئ من أنه أُخذ في موضوعها أن لا يكون العمل قد حكم عليه بالبطلان في إثنائه. 

مع أن عدم جريانها في مورد النقض، من ناحية أن الشكّ ليس بحادث بعد الصلاة، بل كان حادثاً من أوّل الأمر واستمرّ إلى ما بعدها. والمستظهر من أدلّة قاعدة الفراغ أن موضوعها هو الشكّ الحدث بعد الصلاة “إذا شككت في عمل وقد جزته فأمضه كما هو” ونحو ذلك، فلو كان شكّه موجوداً من أوّل الأمر لا تجري في حقّه قاعدة الفراغ. ولم يؤخذ في موضوعها أن لا يكون قد حكم عليه بالبطلان في إثنائه. 

وهذا القيد، وهو عدم حدوث الشكّ من أوّل الأمر موجود في مسألة الثمرة؛ لأن هذا المكلّف يتيقن الحدث ثُمّ تبدّل يقينه إلى الغفلة ثُمّ قامّ وصلّى، وبعد الصلاة شكّ، فالشكّ لم يحدث إلّا بعد الصلاة، فيصدق عليه أنه شكّ حادث بعد الصلاة. فموضوع قاعدة الفراغ يكون تامّاً.

ولا منشأ لدعوى حكومة الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة على قاعدة الفراغ(1)

فبهذا المقدار ننفي حكومة الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة على 

ـــــــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا أخذنا الشكّ التقديري بنظر الاعتبار فهو موجود قبل الصلاة حتماً. 

فأجاب: نأخذه في دليل الاستصحاب لا في دليل قاعدة الفراغ. فنحن نعمّم موضوع دليل الاستصحاب، وأما دليل القاعدة فظاهره أن يحدث الشكّ الفعلي بعد الصلاة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

قاعدة الفراغ. وبعد هذا لا بُدّ وأن نرى ماذا يكون حال الاستصحاب معها. 

يعني لو بنينا على جريان الاستصحاب في أثناء الصلاة، ثُمّ بعد الانتهاء دخل المكلّف في موضوع قاعدة الفراغ، فهنا أصلان جاريان في حقّه، ولا حكومة للاستصحاب على قاعدة الفراغ -كما بيّنا- فهل القاعدة حاكمة عليه أو يقع التعارض بينهما؟ 

قد يقال: إنه يعمل هنا بالقاعدة ولا أثر للاستصحاب. إذ لا مانع من إجراء قاعدة الفراغ في المقام؛ إذ المانع منه إما أن يكون الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة، أو هو الاستصحاب الجاري بعدها عند وجود الشكّ الفعلي، يعني بقاء ذاك الاستصحاب. 

فإن كان المانع المزعوم هو الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة، فهذا ليس مانعاً إذ لا تعارض بينهما لاختلاف الزمان، فإن الاستصحاب الجاري في أثناء الصلاة في زمان وقاعدة الفراغ في زمان آخر، ووجود أصل مبطل في زمان وأصل آخر مصحّح في زمان آخر لا تعارض بينهما. فالاستصحاب بحدوثه لا يصلح للمعارضة مع القاعدة؛ لأنها تصحّح العمل في ظرف انتهائه، والاستصحاب في أثناء العمل لا يبطله في ظرف انتهائه، بل يبطله في أثنائه، ومع اختلاف الظرفين(1) لا تعارض. 

وإن أريد جعل الاستصحاب الجاري بعد العمل، يعني بقاء ذلك الاستصحاب معارضاً مع قاعدة الفراغ، فهذا حلّه ما اتفقنا عليه، من أن 

ـــــــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــــ

() نظّر السيّد ذلك بتبدّل الاجتهاد أو التقليد لو كان العمل بمقتضى الأوّل باطلاً وبمقتضى الثاني صحيحاً. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

القاعدة كلّما تعارضت مع الاستصحاب، فإنها تقدّم عليه. إذن فلا محذور في جريان قاعدة الفراغ. 

إلّا أن هذا الكلام غير صحيح، بمعنى أن قاعدة الفراغ لا محالة تكون معارضة للاستصحاب على طوله، حتّى في أثناء الصلاة. فإن معارضتها مع بقاء الاستصحاب توجب سريان المعارضة إلى حدوث الاستصحاب أيضاً، وذلك: لعدم إمكان تعقّل التفكيك بين حدوث الاستصحاب وبقائه. 

فإنه لو أمكن هذا التفكيك لقلنا: إن قاعدة الفراغ تعارض مع البقاء لا مع الحدوث، فيسقط البقاء ويبقى الحدوث، ولكن معنى هذا: أن المولى يحكم بمقتضى الاستصحاب، حكماً ظاهرياً ببطلان العمل، وهذا الحكم يبقى مستمرّاً إلى أن ترتفع الغفلة، فإذا ارتفعت الغفلة ووجد الشكّ بعد العمل، فإن الحكم بالبطلان يتبدّل إلى الحكم بالصحّة بمقتضى قاعدة الفراغ. فيكون الحكم الظاهري مشروطاً ببقاء الغفلة، وجعل حكم ظاهري مشروط ببقاء الغفلة، أمر غير معقول أو غير عقلائي. 

وحينئذٍ، فلا بُدّ من أن تسري معارضة قاعدة الفراغ مع بقاء الاستصحاب إلى حدوثه أيضاً، فكما يعارض مع بقائه يعارض مع حدوثه. 

فإذا فرض أنه وقعت المعارضة بين قاعدة الفراغ وبين تمام عمود الاستصحاب من حيث حدوثه في أثناء الصلاة، فماذا نقدّم؟ هل هناك وجه لقاعدة الفراغ على الاستصحاب أو لا؟ هذا يدور مدار الملاك في تقديم قاعدة الفراغ على الاستصحاب. 

نحن لا إشكال عندنا أنها تقدّم على الاستصحاب، ولكن ما هي نكتة 

ـــــــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التقدّيم؟ إن كانت هي الحكومة، بمعنى أن القاعدة ترفع موضوع الاستصحاب، بدعوى أنها أمارة كالبيّنة، فهي تلغي موضوع الاستصحاب وهو الشكّ، وتبدّله إلى العلم. فهذا المناط غير متعقّل في المقام؛ لأن قاعدة الفراغ إنما تلغي الشكّ من حين جريانها لا قبله، والاستصحاب الذي يجري في أثناء الصلاة موضوعه الشكّ في أثناء الصلاة، والمفروض أن الشكّ التقديري في أثناء الصلاة كافٍ في جريانه، ويستحيل أن تكون قاعدة الفراغ الجارية بعد الصلاة ملغيّة(1) للشكّ الواقع قبلها. إذن فمناط الحكومة غير موجود، بل يقع التعارض بين الاستصحاب وقاعدة الفراغ، ويتساقط الدليلان، وبعده لا يبقى منشأ لتصحيح الصلاة. ولا بُدّ(2) من الرجوع بعده لأصالة الاشتغال. 

وأما إذا بنينا على أن مناط تقديم قاعدة الفراغ على الاستصحاب هو الأخصّية، وأن قاعدة الفراغ أخصّ أو بحكم الأخصّ من دليل الاستصحاب، كما هو كذلك، فالدليل الأخصّ يقدّم في تمام موارده على الدليل الآخر، فمتى ما تعارضت هذه القاعدة مع الاستصحاب، تقدّم عليه. والمفروض أنها تعارضت مع الاستصحاب بحدوثه وبقائه، فيرفع اليد عن الاستصحاب، ويبقى على جريان قاعدة الفراغ. ولا تتمّ الثمرة. 

وهذا تمام الكلام في هذه الثمرة. 

*****

ـــــــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــــ

() فيستحيل أن تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري قبلها. (المقرِّر)..

(2) مستفاد منه. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ولو سلّمنا(1) أنه قد أُخذ شيء في موضوع قاعدة الفراغ، أزيد من عنوان الشكّ الحادث بعد العمل، فهذا الشيء الأزيد عبارة عن بقاء المكلّف على البطلان في أثناء العمل، لا حكم الشارع بالبطلان. ولو بدعوى: أنه مع بنائه على البطلان لا تصل النوبة إلى الفراغ من العمل؛ لأنه لا بُدّ له أن يقطع العمل في الأثناء. ففرض الفراغ من العمل ينسبق إلى الذهن عرفاً، أن المكلّف غير بانٍ على البطلان. 

ومن المعلوم أن المكلّف -في المقام- حين كان يصلّي، كان بانياً على الصحّة، لا على البطلان، فموضوع قاعدة الفراغ موجود ومحقّق والاستصحاب لا يكون رافعاً له(2)

وهنا قال جواباً على سؤال: إن معنى الأخصيّة(3) أنه في الأغلب كالكلّ، أن الاستصحاب يكون موجوداً. ولهذا عبّرنا أنه لا بحكم الأخصّ. 

ـــــــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــــ

() بدأ السيّد بذكر الثمرة، وذكر تقريبها، ثُمّ بدأ بمناقشتها فنفى أن يكون المأخوذ في موضوع قاعدة الفراغ أن لا يكون العمل قد حكم عليه بالبطلان في أثنائه، وإنما أُخذ فيها أن يكون الشكّ بعد العمل، وهو متحقّق في مورد الثمرة. ثُمّ قال: ولو سلّمنا أنه… (المقرِّر).

(2) ثُمّ استمر في تقرير الثمرة كما سبق. (المقرِّر).

(3) أخصّية القاعدة عن دليل الاستصحاب. (المقرِّر)..

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 




[ثمرة أخرى ذكرها المحقق العراقي]

 

وهناك ثمرة أخرى ذكرها المحقّق العراقي، وحاصل الفرع الذي ذكره: هو ما إذا كان على يقين من الطهارة ثُمّ شكّ في بقاء طهارته، فهنا يجري في حقّه استصحاب الطهارة ثُمّ بعد هذا غفل، وانقطع الاستصحاب بناءً على اشتراط الشكّ الفعلي، ولم ينقطع بناءً على عدم اشتراطه. وفي حال الغفلة قامّ وصلّى، فإن قلنا بكفاية الشكّ التقديري، فهذه الصلاة يجري فيها استصحاب الطهارة، وإن قلنا بأنه لا يكفي، فلا يجري فيها استصحاب الطهارة؛ لأنه حين أتى بالصلاة لم يكن عنده شكّ فعلي بل كان غافلاً. 

وبعد أن انتهى من الصلاة ارتفعت غفلته، فشكّ. والى هذا الحدّ لا تظهر ثمرة؛ لأنه سواء كان استصحاب الطهارة جارياً في أثناء العمل أو لم يكن، فهو يمكن أن يجريه الآن، ويصحّح الصلاة به، ولكنّنا نفرض أنه حين ارتفعت غفلته والتفت إلى الشكّ، وقع في محذور، بحيث لا يمكنه الآن إجراء استصحاب الطهارة، وذلك: لأنه حصل له عند الالتفات علم بالطهارة سابقاً، وعلم بالحدث سابقاً، فدخل الآن في موارد توارد الحالتين. فالآن لا يمكن أن يجري استصحاب الطهارة؛ لأنه يعارض مع استصحاب الحدث. 

فهنا تظهر الثمرة، إذ لو بنينا على أن استصحاب الطهارة كان يجري في أثناء 

ـــــــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصلاة، ويكفي فيه الشكّ التقديري إذن فهذه الصلاة تصحّ باستصحاب الطهارة الجاري في أثناء العمل؛ لأن هذا الاستصحاب في ذلك الحين لم يكن مبتلىً بالمعارضة؛ لأن باب توارد الحالتين حصل بعد انتهاء الصلاة لا في أثنائها. وإن بنينا على أن استصحاب الطهارة يحتاج إلى الشكّ الفعلي، إذن فلا تصحح الصلاة، لا بالاستصحاب حين الصلاة ولا بالاستصحاب الآن، أما جريانه حين الصلاة فلأنه لا شكّ فعلي هناك، وأما الآن فلأنه ابتلى بالمعارضة مع استصحاب الحدث، فتكون الصلاة غير صحيحة. 

[مناقشة الثمرة الثانية]

وهذه الثمرة بقطع النظر عمّا سوف نذكره بعد هذا من نكتة، غير تامّة: 

وذلك: لأننا إذا أخذناها بهذا النحو من التصوّر فلا بُدّ أن نحكم ببطلان الصلاة، حتّى لو بنى على جريان الاستصحاب في أثناء العمل، وكفاية الشكّ التقديري. وذلك: لأن استصحاب الطهارة لا يؤمّن إلّا مادام جارياً، فإنه ككلّ حكم ظاهري تأمينه مشروط ببقائه. والمفروض أن استصحاب الطهارة حين الصلاة ابتلي بقاءً بالمعارض وسقط بالمعارضة مع استصحاب الحدث. إذن فالآن لا نافي لوجوب الإعادة. فإن استصحاب الطهارة إنما يؤمّن من وجوب الإعادة ما دام جارياً، فإذا سقط بعد هذا، فمن حين سقوطه لا مؤمّن ولا نافٍ لوجوب الإعادة. 

وكأن المحقّق العراقي تصوّر أن جريان استصحاب الطهارة، في أثناء العمل يكفي في صحّته إلى الأبد، مع أن هذا الاستصحاب إنما يصحّح بملاك 

ـــــــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المؤمّنية عن وجوب الإعادة، وهذه المؤمّنية إنما تستمرّ ما دام الاستصحاب جارياً، فإذا سقط فلا مؤمّن لوجوب الإعادة. فلا يحكم بالاجتزاء بالصلاة التي وقعت. فهذه الثمرة أيضاً لا محصّل لها. 

يبقى أن نتكلّم في فروع المسألة وصورها(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــــ

() قلت له: يمكن أن نغيّر من فرضية آغا ضياء شيئاً، وذلك بأن نفرض بأن المكلّف بقى غافلاً بعد صلاته حتّى أحدث وانتقض وضوءه، ثُمّ التفت فشكّ، ولا نفترض وقوع التعارض.

فقال: هذا المكلّف يجري في حقّه استصحاب الطهارة الآن.

قلت: يعني بلحاظ وجوب الإعادة؟

فقال: نعم.

أقول: لا يبقى في جريانه إلّا إشكال واحد، وهو أنه إذا استظهرنا من أدلّة الاستصحاب اشتراط جريانه بما إذا كان حكم اليقين مسحوباً وواصلاً إلى حين الشكّ. فهنا لا يمكن إجراء استصحاب الطهارة؛ لعدم إمكان سحب الطهارة إلى ما بعد الحدث كما هو واضح، الذي هو زمان الشكّ الفعلي، بل غايته سحبه إلى زمان العمل، وهو يتوقّف على القول بكفاية الشكّ التقديري، ويكون وجوب الإعادة متوقفاً على جريانه، إن لم يكن مثبتاً بالنسبة إليه، فتأمّل. انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 

[فروع في المسألة من تيقن بالحدث أو الطهارة ثم شك أو غفل]

 

بمناسبة تحقيق هذه الثمرة قلنا: إنه من المستحسن استقصاء فروع هذه المسألة لتطبيق قاعدة الاستصحاب والفراغ عليهما معاً. ولنرى مدى وجود هذه الثمرة في هذه الفروع. وهي فروع مسألة من تيقّن بالحدث أو الطهارة ثُمّ شكّ أو غفل أو شكّ وغفل. وهذه الصور لعلّها تكون تسعة، فنتكلم في كلّ صورة منها على ضوء قاعدتين:

الأولى: الاستصحاب بلحاظ أنه هل يجري في صورة الشكّ التقديري أو لا؟ 

الثانية: قاعدة الفراغ، التي وقع الكلام في ثلاثة شروط لها، قبلنا شرطين منها ورفضنا الثالث. 

الشرط الأول: أن يكون الشكّ شكّاً حادثاً بعد العمل. وأما إذا لم يكن هكذا فلا تجري قاعدة الفراغ. وهذا الشرط قبلناه واستظهرناه من روايات قاعدة الفراغ. 

الشرط الثاني: أن يكون المكلّف الشاكّ يحتمل أذكريته حين العمل، وكونه أحسن حالاً منه حين يشكّ. لا أنه يحتمل صحّة صلاته السابقة بحسب الصحّة العمياوية. فإن كان احتمال الصحّة عمياوياً لا تجري قاعدة الفراغ. والأقرب قبول هذا الشرط. 

ـــــــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الشرط الثالث: أن لا يكون هذا العمل الذي يراد تصحيحه بالقاعدة قد حكم ببطلانه ولو ظاهراً حين الإتيان به. فإن كان قد حكم ببطلانه كذلك لا تجري قاعدة الفراغ. وهذا فيه احتمالان:

أحدهما: أن يراد به الحكم الشرعي بالبطلان ولو ظاهراً، فلا يشمل البطلان الثابت بأصالة الاشتغال العقليّة.

ثانيهما: أن يراد به الحكم بالبطلان ولو ظاهراً بحيث يشمل أصالة الاشتغال العقليّة، يعني تنجّز البطلان ولو بمنجّز عقلي. وهذا الشرط غير صحيح. 

فنتكلّم في الفروع بلحاظ هاتين القاعدتين بخصوصياتهما. 

الفرع الأول(1): [من تيقن الطهارة وشك شكّاً فعلياً بانتقاضها]

أن يكون على يقين من الطهارة، ثُمّ يشكّ شكّاً فعليّاً بانتقاض الطهارة. فيقوم ويصلّي فهل هذه الصلاة صحيحة أو لا؟ نحن عندنا مصحّحان للصلاة هما استصحاب الطهارة وقاعدة الفراغ، ومبطلان لها هما استصحاب الحدث وأصالة الاشتغال العقليّة. 

أما المصحّح الأوّل وهو قاعدة الفراغ، فلا تجري. فإن الشرط الأوّل لها وهو أن يكون الشكّ موجوداً بعد العمل غير موجود، فإن الشكّ هنا فرضناه حادثاً قبل العمل. والشرط الثاني لها أيضاً مختلّ، فإنه لا يحتمل أن يكون عند 

ـــــــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــــ

(1) الصورة الأولى.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

صلاته كان أحسن حالاً منه فعلاً؛ لأنه يدري أنه حين صلاته كان لديه نفس هذا الشكّ موجوداً. فحاله عند الصلاة وبعدها على حدّ واحد. نعم، الشرط الثالث موجود، وهو أن العمل لم يحكم عليه بالبطلان حين الإتيان به. ولكن يكفي في عدم جريان قاعدة الفراغ عدم وجود الشرط الأوّل بل والثاني. 

وأما المصحح الثاني وهو استصحاب الطهارة، فهو يجري في المقام بلا إشكال. وهو يجري من حين البدء بالصلاة إلى حين الفراغ منها، ويكون مصحّحاً للصلاة ومؤمّناً من ناحيتها ومعذّراً عن الإعادة. 

ومن هنا يعرف أن استصحاب الطهارة هذا إنما يكون مصحّحاً ومؤمّناً مادام جارياً، فإذا فرض أنه انقطع بالمعارضة مع استصحاب الحدث، كما لو انكشف له بعد الصلاة وجود حدث سابق وصار من باب توارد الحالتين. وبعد التعارض والتساقط لا يبقى له مؤمّن ونافٍ لوجوب الإعادة، فإن مجرّد جريان استصحاب الطهارة حين العمل لا يكفي للتأمّين، فإن المؤمّنية فرع بقاء المؤمّن، فإذا سقط بالمعارضة التي حدث ملاكها بعد الصلاة، فمن هذا الحين لا يوجد نافٍ لوجود الإعادة. 

وحينئذٍ، فإن كان في داخل الوقت، فيجري في حقّه الاشتغال، فيجب عليه أن يقوم ويأتي بالصلاة مرّة أخرى؛ لأنه لا يدري أنه بالصلاة مع الطهارة، أو لاً. نعم، حين كان يصلّي كان قد أحرز الطهارة تعبّداً، ولكن هذا الإحراز ارتفع بعد ذلك، فهو الآن غير محرز وقوع الصلاة منه مع الطهارة، لا وجداناً ولا تعبّداً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما إذا حدث ملاك المعارضة بعد انتهاء الوقت، فهذا المكلّف يشكّ في أنه هل وقعت منه الصلاة مع الطهارة أو لا؟ فهذا يرجع إلى الشكّ البدوي في وجوب القضاء، فتجري عنه البراءة. (لعدم إحراز عنوان الفوت). 

الصورة الثانية: [من تيقن الطهارة ثم انقلب يقينه إلى غفلة]

أن يكون على يقين من الطهارة، ثُمّ انقلب يقينه رأساً إلى الغفلة، غفلة يستتر في باطنها الشكّ، بمعنى أنه لو التفت لشكّ، دون أن يحدث له شكّ فعلي. وحين غفلته قامّ وصلّى، ثُمّ انتبه إلى حاله، فشكّ أن صلاته هل وقعت مع الطهارة أو لا؟ 

هنا أيضاً نرجع إلى المصحّحين: قاعدة الفراغ واستصحاب الطهارة. 

أما قاعدة الفراغ: فالشرط الأوّل لها موجود، فإن الشكّ شكّ حادث بعد العمل(1) وأما الشرط الثاني وهو كونه يحتمل أنه كان أذكر حين كان يصلّي، فهو مختلّ؛ لأنه كان حين صلاته غافلاً. فلو قيل بشرطية هذا الشرط فيكون مانعاً عن جريان قاعدة الفراغ. وأما الشرط الثالث فهو متوفّر، فإن العمل لم يحكم ببطلانه ظاهراً حين الإتيان به. 

 إذن فالشرط الأوّل، والثالث، محقّقين، فلو نفينا شرطية الشرط الثاني لجرت قاعدة الفراغ. وأما لو قلنا بشرطيته فإنها لا تجري.

لكن هنا شيء: وهو أنه بالإمكان أن يقال: إن قاعدة الفراغ تدلّ على 

ـــــــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــــ

() بينما لم يكن هذا الشرط موجوداً في الصورة السابقة، فجريان قاعدة الفراغ في هذه الصورة أقرب. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

صحّة العمل ولو بنى على هذه الشروط. وذلك بالفحوى والفهم العرفي لا بالمطابقة واللفظية.

وذلك: لأن قاعدة الفراغ تدلّ: على أن الشكّ الذي لو كان حين العمل لاعتني به وكان مبطلاً للصلاة، لا يعتنى به ولا يبطلها لو كان بعد العمل. فتأخّر الشكّ المبطل عن العمل يرفع مبطليته للعمل. وهذا يدلّ بالفحوى العرفية، على أن الشكّ الذي لو كان حين العمل لَما أبطل الصلاة هذا لو تأخّر أيضاً لا يبطلها. 

ومقامنا من هذا القبيل، فإن هذا المؤمّن لو إن شكّه بالطهارة الذي حدث بعد الصلاة كان حادثاً من أوّل الأمر، ولم يكن غافلاً حين العمل، لَما كان هذا الشكّ موجباً لبطلان الصلاة، بل كان ملائماً مع صحّتها ولو بلحاظ جريان استصحاب الطهارة. فنفهم من قاعدة الفراغ بالفهم العرفي. ان كلّ شكّ لو وقع حين العمل لَما أبطل الصلاة، فتأخّره لا يمنع عن صحّة الصلاة. 

هذه دعوى عرفية ليست بالبعيدة، لو تمّت لامكن إجراء قاعدة الفراغ. وإذا لم تتمّ وجدنا على حاقّ المدلول فلا تجري(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: لا يخفى أن هذه الدعوى العرفية حيث إنها لا تسدّ في الحقيقة إلّا النقصّ الحاصل من حيث عدم توفّر الشرط الثاني وهو الأذكرية. فيرجع المحصّل إلى ما يلي: وهو كون العمل المحتوي على شكّ غير مبطل مع كون احتمال الصحّة فيه عمياوياً، أولى بالحكم بالصحّة من العمل المحتوي على شكّ مبطل وإن كان ذاكراً في أثنائه. وهي أولوية واضحة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما الاستصحاب: فلا إشكال في جريان استصحاب الطهارة فعلاً، بعد انتهاء الصلاة ووجود الشكّ الفعلي. ولا نحتاج إلى إجراء استصحاب الطهارة حين الصلاة، حتّى يبنى على مسألة أنه هل يكفي الشكّ التقديري أو لا؟ بل لا ينفع ذاك الاستصحاب كما أشرنا في الصورة السابقة فإن المناط في بقاء المؤمّنية بقاء الاستصحاب كما سبق. 

ومن هنا يعلم أنه لو حصل له بعد الصلاة العلم بتوارد الحالتين، فاستصحاب الطهارة يسقط بالمعارضة مع استصحاب الحدث(1) فلو بني على أن قاعدة الفراغ أيضاً لا تجري في المقام، فلا يكون هناك مصحّح لهذه الصلاة. نعم، لو قلنا بجريانها إما بمدلولها اللفظي، بأن رفعنا اليد عن الشرط الثاني، أو بالتقريب العرفي الذي أشرنا إليه، فلا بأس بتصحيح الصلاة حينئذٍ بلحاظ قاعدة الفراغ. 

الصورة الثالثة(2): [من تيقن الطهارة ثم شك ثم غفل]

ما إذا كان المكلّف على يقين من الطهارة ثُمّ شكّ في بقائها ثُمّ غفل وصلّى. فهذه الصورة تجمع بين كِلتا الحالتين الموجودتين في الصورتين السابقتين: الشكّ والغفلة. وبعد أن صلّى التفت إلى المكلّف. 

فهل تجري قاعدة الفراغ هنا؟ كلّا، حتّى لو قلنا بجريانها في الصورة 

ـــــــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــــ

() فإن كان في الوقت تجري أصالة الاشتغال كما قلنا في الصورة الأولى، وإن كان خارج الوقت كان مجرى للبراءة؛ لأنه شكّ في تكليف جديد. (المُقرِّر).

(2) لخّص أوّلاً الصورتين الأولين ثُمّ قال: الصورة الثالثة:… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

السابقة؛ لأن الشكّ هنا ليس شكّاً حادثاً بعد العمل(1)، فإن هذا الشكّ الحادث عنده بعد العمل ليس شكّاً حادثاً بعد العمل، وإنما هو عين الشكّ السابق إما دقّة وإما عرفاً. فلا تجري قاعدة الفراغ. 

وأما استصحاب الطهارة فلا بأس به في المقام، والمعيار في جريانه على جريانه فعلاً بعد الفراغ عن العمل. ولا أثر للبحث في أنه هل يجري استصحاب الطهارة في أثناء الصلاة أو لا. ولهذا لو ابتلى هذا الاستصحاب الجاري فعلاً بالمعارضة لأشكل عليه التأمين، ولرجع إلى ما قلناه من وجوب الإعادة في الوقت لأصالة الاشتغال وعدم وجوب القضاء في خارجه. 

وهذه الصور الثلاثة جامعها أنه كان على يقين من الطهارة، ثُمّ شكّ أو غفل أو شكّ ثُمّ غفل. وهنا ثلاث صور أخرى جامعها أنه كان على يقين من الحدث. 

الصورة الرابعة: [من تيقن الحدث ثم شك شكاً فعلياً في بقائه]

إنه كان على يقين من الحدث ثُمّ شكّ شكّاً فعليّاً في بقاء الحدث وقامّ وصلّى. فهنا كِلا المصحّحين للصلاة غير موجود. 

أما قاعدة الفراغ فلانتفاء شروطها الثلاثة جميعاً، فإن الشكّ غير حادث بعد العمل، ولم يكن حال العمل أذكر فإنه لا فرق في حاله بين حين العمل وبعده. وكان العمل محكوماً بالبطلان لجريان استصحاب الحدث وأصالة الاشتغال. ويجب عليه الإعادة بلا إشكال. 

ـــــــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــــ

() بخلاف الصورة السابقة فإنه كان مسبوقاً بالغفلة لا بالشكّ، وكان الشكّ حادثاً بعد العمل. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصورة الخامسة: [من تيقن الحدث ثم غفل عنه]

إنه كان على يقين من الحدث فغفل، بحيث إنه لو التفت لشكّ ببقاء الحدث، وقام مع الغفلة الفعليّة وصلّى. والتفت إلى حاله بعدها. 

هذا هو مورد الثمرة التي ذكرها الشيخ الأنصاري والتي تكلّمنا عنها قليلاً. حيث يقال في المقام: إنه بناءً على أن الاستصحاب لا يكفي فيه الشكّ التقديري ويحتاج إلى الشكّ الفعلي كما هو المشهور، فإنه يحكم بصحّة هذه الصحّة لجريان قاعدة الفراغ؛ لأن الشرط الثالث فيها محقّق، فإن الصلاة في أثناء الإتيان بها لم يكن محكوماً عليه بالبطلان؛ لأن استصحاب الحدث لم يكن جارياً، لأنه فرع الشكّ الفعلي ولا يكفي الشكّ التقديري. 

وأما بناءً على جريانه مع الشكّ التقديري، لا تجري قاعدة الفراغ، فإن الشرط الثالث محتمل؛ لأن الصلاة حين الإتيان بها كان محكوماً عليها بالبطلان بمقتضى استصحاب الحدث. 

ونحن قلنا: إننا لا نقبل هذا الشرط الثالث لقاعدة الفراغ، فإنه لا يستفاد من أدلّتها، وإنما يستفاد منها الشرط الأوّل، وهو أن يكون الشكّ حادثاً بعد العمل. وحينئذٍ قلنا بأنه لو قطع النظر عن الشرط الثاني وهو اشتراط الأذكرية، فتجري قاعدة الفراغ على كلّ حال سواء جرى استصحاب الحدث حين العمل أم لا. فإن الشرط الأوّل موجود والشرط الثالث غير معتبر، فتجري القاعدة. وتكلّمنا حينئذٍ عن النسبة بين قاعدة الفراغ واستصحاب الحدث على تقدير جريانه. وإن التفتنا إلى الشرط الثاني وهو اعتبار الأذكرية. إذن فقاعدة الفراغ لا 

ـــــــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

تجري على كلّ حال، سواء جرى استصحاب الحدث حين العمل أو لا؛ لأنه كان غافلاً حين العمل. 

الصورة السادسة: [من تيقن الحدث ثم شك ثم غفل] 

هي أن يتيقّن بالحدث ثُمّ يشكّ ثُمّ يغفل. وهو تركّب بين الصورة الرابعة. وفي حالة الغفلة يقوم فيصلّي، ثُمّ يلتفت إلى حاله. 

أصحاب الثمرة في الصورة السابقة قالوا: بأنه في هذه الصورة لا يمكننا أن نجري قاعدة الفراغ لتصحيح هذه الصلاة، حتّى لو أجرينا قاعدة الفراغ في الصورة السابقة. فإنه هناك كان يقول الشيخ الأنصاري: إنه بناءً على عدم جريان استصحاب الحدث في أثناء الصلاة لعدم كفاية الشكّ التقديري، نجري قاعدة الفراغ لتصحيح العمل السابق. أما هنا فهو يقول: إنه لا تجري قاعدة الفراغ؛ لأن الصلاة حين الإتيان بها كان محكوماً عليها بالبطلان. 

وتقريبه: أن هذا المؤمّن بعد أن تيقّن بالحدث وشكّ شكّاً فعليّاً، جرى فيه استصحاب الحدث. وبعد هذا حين غفل لا يحتمل أنه قد توضأ حين الغفلة
-لأن هذا هو مفروض المسألة، إذ لو كان يحتمل انه قد توضأ، الشيخ يقول بإمكان إجراء قاعدة الفراغ- إذن فهو يقطع بحدث استصحاب ثبت بالاستصحاب الجاري بلحاظ الشكّ الفعلي، ولا يحتمل ارتفاع هذا الحدث الاستصحابي بالوضوء. إذن فصلاته محكوم عليها بالبطلان للعلم الوجداني بوقوعها مع الحدث الاستصحابي، وإذا كان محكوماً عليها بالبطلان لا تجري قاعدة الفراغ. 

ـــــــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا هو الفرق بين الصلاة في هذه الصورة والصورة السابقة فيما إذا كان على يقين ثُمّ غفل بلا شكّ فعلي في الوسط. فإنه لم يكن يجري استصحاب الحدث بناءً على مختار الشيخ فصلاته لم تكن محكومة بالبطلان، بخلاف هذه الصورة. 

وقد أشكل على ذلك جملة من الآغايون منهم السيّد الأستاذ: بأن هذا الكلام ليس صناعياً؛ لأن هذا المؤمّن وإن حكم بالحدث الاستصحابي، لكنكم تقولون بأن الاستصحاب أُخذ في موضوعه الشكّ الفعلي، لا التقديري، فبمجرّد أن انقطع الشكّ الفعلي وتبدّل إلى الغفلة زال الاستصحاب، وإذا زال الاستصحاب زال الحدث الاستصحابي أيضاً؛ لأن الحدث الاستصحابي عبارة أخرى عن التعبّد الاستصحابي، فيرتفع بارتفاع موضوعه. وليس حدثاً واقعياً حتّى تقولون إنه لم يرتفع بالوضوء. 

والتحقيق في المقام -بعد الاعتراف بورود هذا الإشكال-: هو أن الشكّ في المقام شكّ فعلي وليس شكّاً تقديرياً، فهذا المورد خارج عن النزاع في أنه هل يجري استصحاب الحدث مع الشكّ التقديري أم لا؟ 

وتوضيح ذلك: أن الإنسان قد ينتقل من اليقين إلى الغفلة من دون أن يمرّ بحالة الشكّ، ويكون الشكّ تعليقياً. بمعنى أنه لو التفت لشكّ. فهذا شكّ تقديري وهو محلّ الكلام في أنه هل يجري الاستصحاب بلحاظه أو لا؟ وقلنا بأن الاستصحاب يجري بلحاظه. 

وأخرى نفرض أن الإنسان يتيقّن ثُمّ يشكّ ثُمّ يغفل، وتكون غفلة بنحو حيث لو التفت لتنبّه إلى نفس ذلك الشكّ. ولكن حيث إن الإنسان بطبيعته 

ـــــــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ليس دائماً تمام معلوماته ومظنوناته ومشكوكاته وموهوماته حاضرة في ذهنه. وإنما يغفل عنها لكثرة ما يتراكم على ذهنه من قضايا. فهذا الشكّ الذي حدث ثُمّ غفل عنه لا نسمّيه بالشكّ التقديري، بل هو شكّ فعلي حتّى بعد الغفلة، غاية الأمر أنه أصبح ارتكازياً بعد أن كان تفصيلياً، يعني ترسّب في أعماق الذهن، فهو موجود بوجود ارتكازي. كسائر المعلومات، فإن الفقيه له معلومات كثيرة في بحث الترتّب واجتماع الأمر والنهي، لكنّه غافل عنها فعلاً، فليس معنى هذا أن يقال: إن نظرياته تلك غير موجودة في ذهنه، بل هي موجودة في ذهنه، إما عقلاً وعرفاً وإما عرفاً فقط على أقلّ تقدير. 

فهناك خلط بين الوجود الارتكازي للشكّ والوجود التقديري له. فإن الوجود الارتكازي له في الواقع وجود فعلي له، لكن بنحو الارتكاز لا بنحو التفصيل. 

وحينئذٍ، فإن كان المدرك لعدم جريان الاستصحاب في موارد الشكّ التقديري، هو الوجه الإثباتي وهو المعوّل عليه في كلمات الشيخ وغيره، وهو استظهار فعليّة الشكّ من الأدلّة، فهذا الوجه لا يقتضي عدم جريان الاستصحاب هنا؛ لأن الشكّ هنا موجود فعلاً بوجود ارتكازي

وأما لو كان الوجه هو الوجه الذي أضافه بعض المتأخّرين، وهو الوجه الثبوتي واستحالة المنجّزية والمعذّرية، لأمكن أن يقال: بأن هذا الوجه الثبوتي لا يفرّق فيه بين الشكّ الارتكازي والشكّ التقديري؛ لأن الغفلة على أيّ حال تمنع عن التنجيز والتعذير. 

ـــــــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وعليه فاستصحاب الحدث بالنسبة إلى هذه الصلاة، يكون جارياً حين وقوعها. 

ولكن أيّ أثر لذلك؟ فإن صحّة هذه الصلاة وعدمها، ليس مربوطاً بأن استصحاب الحدث هل كان جارياً أو لا؟ بل هو مربوط بأنه هل تجري قاعدة الفراغ بعد العمل أو لا؟ وهي لا تجري على كلّ حال سواء جرى استصحاب الحدث أم لا؛ لأن الشرط الأوّل لها غير موجود. فإن الشكّ كان موجوداً قبل العمل. 

فسواء قلنا بجريان استصحاب الحدث حين العمل أو لم نقل، لا نحكم بصحّة هذه الصلاة، بل نحكم ببطلانها بجريان استصحاب الحدث فعلاً. إن لم يكن جارياً وقتئذ. وقاعدة الفراغ غير جارية فيحكم ببطلان هذه الصلاة بلا إشكال. هذا هو الكلام في الصورة السادسة. 

الصورة السابعة: [توارد الحالتين: اليقين بالطهارة والحدث معاً]

أن نفرض أنه كان على يقين بالحدث وبالطهارة معاً، بحيث كان من باب توارد الحالتين، ويشكّ فعلاً في أنه هل الحدث هو الحالة المتأخّرة أو الطهارة؟ فيقوم ويصلّي مع هذا الشكّ الفعلي. فهل يجري في حقّه أحد المصحّحين: استصحاب الطهارة وقاعدة الفراغ؟ لا. أما استصحاب الطهارة فواضح؛ لأنه معارض باستصحاب الحدث بعد فرض توارد الحالتين. فلا يجري كِلا الاستصحابين إما للتساقط بالمعارضة أو لعدم جريانها في أنفسهما في توارد الحالتين كما يدّعي صاحب (الكفاية). 

ـــــــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ولا تجري أيضاً قاعدة الفراغ؛ لأن الشرط الأوّل لها غير محقّق، فإن الشكّ هنا حادث قبل العمل. والشرط الثاني لها غير موجود؛ لأنه لم يكن حال العمل أذكر، بل كان حاله الشكّ كما هو عليه فعلاً. وأما الشرط الثالث المدّعى لها فهو يختلف باختلاف صيغته، فإن قلنا إن هذا الشرط هو: أن يراد من الحكم بالبطلان خصوص الحكم شرعاً بالبطلان، فهذا الشرط متحقّق؛ لأن الشارع لا حكم له بالبطلان بعد تساقط الاستصحابين، أو أن يراد به أن لا يكون العمل محكوماً بالبطلان شرعاً أو عقلاً. فلا يكون هذا الشرط غير متحقّق أيضاً، وذلك لجريان قاعدة الاشتغال العقليّة لكون الشكّ في المكلّف به بعد تساقط الاستصحابين. 

الصورة الثامنة: [توارد الحالتين: تيقن بأحدهما ثم تيقن بالآخر]

هي فرض توارد الحالتين، بأن يكون على يقين بإحدى الحالتين، ثُمّ يصبح على يقين بالحالة الأخرى، ثُمّ ينتقل من اليقين إلى الغفلة. وتستمرّ غفلته إلى حدّ أنه لو التفت لوقع عنده شكّ في أن يقينه بالطهارة هو الأسبق أو يقينه بالحدث. فهذا أيضاً يعبّر من باب توارد الحالتين، لكن بلحاظ شكّ تقديري مجامع مع الغفلة. وهي غفلة تستبطن شكّين تقديريين ببقاء الطهارة وببقاء الحدث.

أما استصحاب الطهارة فلا يجري للمعارضة مع استصحاب الحدث(1)، وأما قاعدة الفراغ فشرطها الأوّل محقّق، فإن الشكّ حادث بعد العمل ولم يكن 

ـــــــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــــ

() هذا إذا قلنا بكفاية الشكّ التقديري، وإن لم نقل كان بعدم الجريان كما هو واضح. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

قبله موجوداً؛ لأن المفروض أنه انتقل من اليقين إلى الغفلة. وكذلك الشرط الثالث لها، فإن العمل لم يكن محكوماً بالبطلان حين صدوره، لا عقلاً ولا شرعاً. أما عقلاً، فلأن هذا المؤمّن كان عاقلاً. والغافل لا معنى لإجراء أصالة الاشتغال في حقّه. وأما شرعاً فلتساقط(1) استصحاب الحدث بالمعارضة مع استصحاب الطهارة، أو لعدم جريانه في نفسه في مورد الشكّ التقديري. 

فالشرط الأوّل والثالث لقاعدة الفراغ موجود فتجري بلحاظهما. نعم، لو بنينا على الشرط الثاني وهو احتمال الأذكرية حين العمل، فهو غير موجود؛ لأنه حال العمل كان غافلاً. وبعد العمل تجري أصالة الاشتغال إذا كان في الوقت، وأما إذا استمرت به الغفلة إلى خارج الوقت، فتجري البراءة في حقّه. 

الصورة التاسعة: [من تيقن الحدث ثم تيقن الطهارة ثم شك] 

أن يكون على يقين بالحدث مثلاً ثُمّ يكون على يقين بالطهارة، ثُمّ بعد هذا يشكّ بالحدث والطهارة باعتبار أن أيّهما كان المتقدّم وأيّهما المتأخّر. ثُمّ بعد هذا يغفل عن شكّه، ثُمّ يقوم ويصلّي وبعد الصلاة ترتفع الغفلة. 

في مثل ذلك أيضاً لا مصحّح لهذه الصلاة؛ لأن المصحّح أما استصحاب الطهارة فهو لا يجري إما لأنه لا يجري في نفسه أصلاً أو يكون جارياً وساقطاً بالمعارضة مع استصحاب الحدث، على المبنيين في تلك المسألة. 

وأما قاعدة الفراغ فلا إشكال هنا في انهدامها لأن الشرط الأوّل غير محقّق، 

ـــــــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــــ

() الذي هو المناط في الحكم بالبطلان. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فإن الشكّ ليس حادثاً بعد العمل، بل قبله(1)

هذا تمام الكلام في هذه الصور التسعة. 

وبهذا تمّ الكلام في هذا التنبيه عن الشكّ، ولا ثمرة للمسألة(2).

ـــــــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: وكذلك الشرط الثاني لها غير متحقّق، فإنه لم يكن أذكر عند العمل، بل كان حاله أسوأ؛ لأنه كان غافلاً والآن شاكّ. وأما الشرط الثالث فهو متحقّق عقلاً وشرعاً: أما عقلاً فلاستحالة حكم العقل على الغافل بالاشتغال. وأما شرعاً فلعدم جريان استصحاب الحدث إما في نفسه (لو لم نقل بكفاية الشكّ الارتكازي)، وإما بالتساقط. فالعمدة في عدم جريان القاعدة هو عدم توفّر الشرط الأوّل. (المقرِّر).

(2) أقول نعم، ذكروا عن السيّد أنه تظهر الثمرة في النجاسة الخبثية. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 












[حول جريان الاستصحاب في اليقين التقديري]

 

بقي الكلام في اليقين، وذلك أنه كما وقع الكلام في أن الشكّ الذي أُخذ في موضوع دليل الاستصحاب هل أريد به الشكّ بوجوده الفعلي، أو أريد الجامع بينه وبين الوجود التقديري؟ كذلك وقع نفس الكلام في اليقين بالحدوث، في أنه هل أريد به خصوص الوجود الفعلي، أو أريد به الجامع بينه وبين الوجود التقديري، بمعنى أنه لو التفت لكان على يقين، وإن كان غافلاً فعلاً؟ 

هنا بحث على مرحلتين: 

المرحلة الأولى: أنه هل اليقين بالحدوث أُخذ في موضوع الاستصحاب أو لا؟ فإن قلنا بأنه قد أُخذ، تصل النوبة إلى المرحلة الثانية -وهو البحث الذي طرحناه- وهو أن اليقين بالحدوث الذي أُخذ في موضوع الاستصحاب هل أريد به خصوص اليقين الفعلي، أو الجامع بين الفعلي والتقديري؟ 

وأما إذا اخترنا في البحث الأوّل أن اليقين بالحدوث لم يؤخذ في موضوع الاستصحاب، بل موضوعه ذات الحدوث فلا يبقى مجال للبحث الثاني. 

أما البحث الأوّل، وهو أنه هل أُخذ اليقين في موضوع دليل الاستصحاب. فهذا يختلف باختلاف مدارك الاستصحاب. فإن كان مدركنا فقط هو الصحيحة الأولى والثانية ونحوهما مما جاء فيه عبارة (لا ينتقض اليقين 

ـــــــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بالشكّ)، فلا إشكال بأن الظاهر العرفي من هذه العبارة هو كون اليقين مأخوذاً في موضوع دليل الاستصحاب، وحمل اليقين على مجرّد المعرفية والطريقية إلى ذات المتيقّن خلاف الظاهر. فإن ظاهر أخذ عنوان في موضوع حكم أخذه بما هو هو. 

وأما إذا كان مدركنا هو الروايات التي استدلّ بها المحقّق الخراساني، كقولهم: “الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنه قذر” و “كل شيء حلال حتّى تعرف أنه حرام “ و “كلّ شي نظيف حتّى تعلم أنه قذر”. حيث نزّل هذه الروايات على الاستصحاب. 

فهذه الروايات لم يؤخذ فيها اليقين بالحالة السابقة، بل أُخذ في موضوعها ذات الحالة السابقة. فإنه قال: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنه قذر”، يعني كلّ شي طاهر حدوثاً تبقى طهارته بقاء حتّى تعلم أنه قذر. إذن فموضوع الاستصحاب المدّعى مجعوليته بهذه الروايات هو ذات الحالة السابقة لا اليقين بها. 

وكذلك الحال في رواية عبد الله بن سنان التي تمّت عندنا دلالتها فيما سبق: قال: “لأنك أعرته إيّاه وهو طاهر، ولم تعلم أنه نجسه“. فالمأخوذ في موضوع هذا الحكم أمران:

أحدهما: أنه كان طاهراً، لا أنك على علم بطهارته.

والثاني: عدم استيقان انتقاض الحالة السابقة.

فبناءً على الاستدلال بمثل هذه الروايات ينبغي أن يقال بأن اليقين بالحالة 

ـــــــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

السابقة ليس شرطاً في جريان الاستصحاب، بل شرطه ذات الحالة السابقة. وسيأتي مزيد توضيح لذلك في التنبيه الثاني إن شاء الله تعالى.

البحث الثاني: أننا لو سلّمنا أخذ اليقين بالحدوث في موضوع الاستصحاب نظراً إلى الصحيحة الأولى لزرارة، قطعنا النظر عن تلك الروايات الأخرى. فقد قلنا بأن ظاهر الصحيحة الأولى: إن اليقين بالحدوث مأخوذ بما هو يقين بالحدوث في موضوع الاستصحاب. حينئذٍ يقع الكلام في أنه هل أخذ بلحاظ وجوده الفعلي فقط، أو بلحاظ الجامع بين الوجود الفعلي والوجود التقديري؟ 

وهناك لا ينبغي الإشكال في أنه مأخوذ بلحاظ الوجود الفعلي فقط، كما هي القاعدة المتّبعة في كلّ موضوعات الأحكام، فإن عناوينها تؤخذ فانية في أفرادها المحقّقة الوجود، لا الأفراد التي هي أفراد على تقدير. فحينئذٍ لا يشمل اليقين التقديري ولا يجري الاستصحاب في موارد اليقين التقديري. 

هذا هو الكلام في التنبيه الثاني بترقيمنا والأوّل بترقيم الكفاية. 

ـــــــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 



التنبيه الثالث: في جريان الاستصحاب 

في مؤديات الأمارات والأصول

 

  • [المقام الأوّل: في جريان الحالة السابقة الثابتة بالأمارة]
  • المقام الثاني: في جريان الاستصحاب في مؤديات الأصول

ـــــــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 






التنبيه الثالث                                                                                              في جريان الاستصحاب في مؤديات الأمارات والأصول 

 

الحالة السابقة إذا كانت محرزة وجداناً فلا إشكال في جريان الاستصحاب. وأخرى يفرض أنها تكون ثابتة بأمارة أو أصل، ثُمّ يشكّ في بقاء تلك الحالة، فهل يجري الاستصحاب أو لا يجري؟ 

إشكال فتح بابه المحقّق الخراساني، فعقد تنبيها لحلّ هذه المشكلة بعد معلومية أن بناء الفقهاء في الفقه على جريان هذا الاستصحاب. فمثلاً لو ثبتت طهارة ثوب أو نجاسته بالبيّنة، ثُمّ يشكّ أن هذه الحالة هل زالت(1) أو لا؟ أو مثلاً لو كان وجوب صلاة الجمعة ثابتاً بالأمارة حدوثاً، ثُمّ شكّ في أن هذا الوجوب على فرض ثبوته هل يكون باقياً في عصر الغيبة أو لا؟ 

الكلام يقع في مقامين:

الأول: في جريان استصحاب الحالة السابقة الثابتة بالأمارة.

الثاني: في جريان استصحاب الحالة السابقة الثابتة بالأصول العمليّة(2). كما 

ـــــــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــــ

() بملاقاة المتنجّس. (المقرِّر).

(2) المحرزة أو غير المحرزة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لو ثبت طهارة ثوب بقاعدة الطهارة –لا بالأمارة –، وشكّ بعدها في ملاقاته مع النجس أو لاقى المتنجّس. 

ـــــــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 















[المقام الأوّل: في جريان الحالة السابقة الثابتة بالأمارة]

 

أما المقام الأوّل في جريان الاستصحاب في مؤدّيات الأمارات، يعني استصحاب الحالة السابقة الثابتة بالأمارة. 

كما إذا ثبت وجوب صلاة الجمعة بخبر زرارة المشمول لأدلّة حجّية خبر الواحد. ولم يكن في إخباره إطلاق لمرحلة البقاء، بل كان إخباراً عن الثبوت بنحو القضيّة المهملة، والقدر المتيقّن منها هو الحدوث لا محالة. ثُمّ يشكّ في أن وجوب صلاة الجمعة على تقدير ثبوته حدوثاً هل يبقى بعد عصر الغيبة أو لا؟ فهل يمكن إجراء الاستصحاب في مثل هذه الحالة السابقة أو لا؟ 

[إشكال في المقام]

ومنشأ الإشكال هو توهّم أو دعوى اختلال أحد ركني الاستصحاب في المقام، وهو اليقين بالحدوث. فإن وجوب صلاة الجمعة لم يثبت بدليل قطعي بحيث يكون متيقّناً حدوثاً، بل غايته أن هذا الوجوب تنجّز بمنجّز وهو خبر الثقة، فلا يشمله خطاب (لا ينقض اليقين بالشكّ)؛ لأنه فرع اليقين ولا يقين. 

وقد خصّ المحقّق الخراساني(1) هذا الإشكال ببعض المباني في أدلّة الحجّية دون بعض، تخيّلاً منه أن هذا الإشكال لا موضوع له بناءً على المباني الأخرى. 

ـــــــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــــ

() في حاشيته على (الكفاية). (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

توضيح ذلك: أنه ذكر أن دليل الحجّية إما أن نقول إنه يتكفّل مجرّد المنجّزية والمعذّرية، وإما أن نقول: إنه يتكفّل إنشاء أحكام تكليفية ظاهرية مماثلة للمؤدّى. 

فإن بنينا على الأوّل، فهذا الإشكال يمكن خطوره على الذهن، بأن يقال: بأننا لم يحصل لنا يقين بالحالة السابقة، فإنها غايته أنها تنجّزت بخبر زرارة، لا أكثر من ذلك، وموضوع دليل الاستصحاب هو اليقين بالحالة السابقة، لا تنجّزها. 

وأما على المبنى الثاني، وهو أن يكون مفاد دليل الحجّية إنشاء الحكم المماثل. فلا يبقى موضوع لهذا الإشكال؛ لأننا لسنا بحاجة بناءً على ذلك إلى استصحاب الحكم الواقعي، حتّى يقال إنه غير معلوم حدوثاً فلا يجري استصحابه. لكنّنا نجري الاستصحاب في نفس الحكم الظاهري، في نفس وجوب صلاة الجمعة الثابت بدليل حجّية خبر الثقة، وهذا الحكم متيقّن وجداناً حدوثاً، فيجري استصحابه. 

هذا حاصل ما تصوره ، ولكنّه غير صحيح: 

وذلك: لأن الإشكال في بادئ النظر لا يختصّ بخصوص المبنى الأوّل بل يجري على كِلا المبنيين معاً في مفاد دليل الحجّية. فإنه بناءً على الأوّل، فكما ذكره، فإنه ليس عندنا إلّا الوجوب الواقعي، وهو مشكوك الحدوث. 

وأما على مسلك جعل الحكم المماثل، فأيضاً يأتي الإشكال على جريان الاستصحاب. وذلك بأن يقال: إنكم إن أردتم أن تجروا الاستصحاب في 

ـــــــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الحكم الواقعي، فهو مشكوك الحدوث وغير متيقّن. وإن أردتم إجراءه في الوجوب الظاهري فهو وإن كان متيقّناً حدوثاً ولكنّه مقطوع الارتفاع بقاء. 

والنكتة في ذلك: هو أن الوجوب الظاهري إنشاء بعنوان صدق العادل
-لو كانت الأمارة هي إخبار العادل-، والمفروض أن العادل لم يخبر إلّا عن قضيّة مهملة متيقّنها الحدوث فقط. وزرارة لم يخبر إلّا عن وجوب صلاة الجمعة في الزمان الأوّل، دون الزمان الثاني. إذ لو كان يخبر عن وجوبها في تمام الأزمنة لم نحتج إلى الاستصحاب. والوجوب الظاهري يجعل بمقدار دلالة الأمارة لا أكثر، فيقطع بارتفاعه لارتفاع موضوعه، وهو حكاية العادل وإخباره، ومن المعلوم أن حكايته تنتهي بانتهاء الزمان الأوّل، وإلّا لم نحتج إلى الاستصحاب. 

إذن فالوجوب الواقعي ليس عندنا يقين بحدوثه، والحكم الظاهري ليس عندنا شكّ في بقائه بل نقطع بارتفاعه، تبعاً لارتفاع موضوعه، فأين يجري الاستصحاب؟ 

إذن فالإشكال مركّز في بادئ النظر حتّى بناءً على جعل الحكم المماثل. يقع الكلام في الجواب على هذا الإشكال.

[الجواب عن الإشكال بعدّة وجوه]

وما قيل أو يمكن أن يقال في الجواب عليه، وجوه: 

الوجه الأول: استصحاب الجامع بين الحكم الظاهري والواقعي 

أن يقال في المثال الذي ذكرناه –هو إخبار زرارة عن وجوب صلاة الجمعة بنحو القضيّة المهملة-. 

ـــــــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يقال: بأننا نعلم بطبيعة وجوب صلاة الجمعة، علماً وجدانياً، وجامعه محرز حدوثاً. وهذا الجامع له فردان: أحدهما الوجوب الظاهري وهو معلوم، والآخر: الوجوب الواقعي وهو مشكوك. والجامع بين المعلوم والمشكوك معلوم، ونحن نشكّ في بقاء هذا الجامع بعد انتهاء الزمان الأوّل بأن نقول: إنه إن كان موجوداً في الوجوب الظاهري فقط فقد ارتفع؛ لأن الوجوب الظاهري تابع لموضوعه وهو الحكاية وقد انتهت. وإن كان الجامع موجوداً في ضمن الوجوب الواقعي فلعلّ هذا الوجوب محفوظ حتّى بعد الزمان الثاني. 

إذن فهذا الجامع على جامعيته متيقّن حدوثاً ومشكوك بقاءً، فنستصحبه. 

هذا التقريب لا بُدّ من تحليله فنّياً وصناعياً على المباني في تصوير الأحكام الظاهرية. 

وذلك: أننا تارةً نقول: إن الحكم الظاهري له وجود استقلالي في مقابل الحكم الواقعي، وهو محفوظ على كلّ حال سواء كان موافقاً مع الواقع أو مخالفاً. بحيث مع فرض المخالفة يجتمع حكمان متخالفان –على رغم أنف ابن قبة– ومع فرض المصادفة يجتمع حكمان متماثلان. 

إن قلنا بأن الحكم الظاهري هكذا، إذن فهذا الاستصحاب الذي ذكره المجيب في هذا الوجه، يدخل في القسم الثالث من استصحاب الكلّي. ذلك: لأنه عندنا في المقام فردان:

أحدهما: وهو الوجوب الظاهري معلوم وجداناً.

والآخر: مشكوك الحدوث من أوّل الأمر. 

ـــــــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فنحن نعلم بوجود الجامع حدوثاً في ضمن الوجوب الظاهري. ونشكّ في وجوده حدوثاً في ضمن الوجوب الواقعي من أوّل الأمر. ثُمّ إننا بقاءً نعلم بأن الجامع في ضمن الفرد المعلوم قد زال وارتفع ونشكّ في بقائه في ضمن الفرد المشكوك ابتداء. وهذا من القسم الثالث من الكلّي. 

من قبيل أن يفرض أن طبيعة الإنسان كان يعلم بوجودها في المسجد في ضمن زيد ويحتمل وجودها في ضمن عمرو أيضاً، بأن يكون جالساً إلى جانب زيد. ثُمّ بعد هذا يعلم بارتفاع زيد وخروجه، لكن يحتمل بقاء طبيعة الإنسان في ضمن عمرو، إذ لعلّه باقٍ إلى الآن. وهذا من القسم الثالث من ذاك الشقّ الذي كان يقول الشيخ الأنصاري بجريان الاستصحاب فيه. وبناءً على عدم جريان الاستصحاب من القسم الثالث -كما هو الصحيح- فلا يجري هذا الاستصحاب. 

وإذا بنينا أن الحكم الظاهري سنخ حكم، بحيث لو صادف مع الواقع، يندكّ به، ويكون هو عين الواقع. وإن خالف مع الواقع، كان حكماً مستقلّاً في نفسه؛ لأنه في فرض المصادفة يكون الواقع فعليّاً، ويستحيل اجتماع حكمين فعليين. 

إذا تصوّرنا ذلك، وإن الحكم الظاهري مردّد بين أن يكون عين الواقع، أو حكم آخر غيره؛ فيدخل هذا في القسم الثاني من استصحاب الكلّي. 

وذلك: لأننا من أوّل الأمر نعلم بطبيعة وجوب صلاة الجمعة وجامعه، وهو موجود في ضمن أحد فردين، إما في ضمن الوجوب الظاهري -بناءً على عدم المصادفة- أو في ضمن الوجوب الواقعي -بناءً على المصادفة-، فحينئذٍ يقال: إن جامع الوجوب إن كان موجوداً في ضمن الوجوب الظاهري فقد ارتفع؛ لأنه 

ـــــــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

منوط بوجود موضوعه وهو الحكاية، وقد ارتفعت في الزمان الثاني، وإن كان موجوداً في ضمن الوجوب الواقعي –بناءً على المصادفة– فلعلّه باقٍ. 

فيعلم بالجامع إما في ضمن فرد معلوم الزوال أو في ضمن فرد غير معلوم الزوال، فيجري استصحاب بقاء الجامع. ويكون هذا الاستصحاب بنفسه تامّ الأركان. 

*****

يمكن(1) حينئذٍ استصحاب الجامع لتماميّة أركانه في نفسه. 

نعم، فيه إشكال من ناحية أخرى وهي: أن هذا الحكم الظاهري الذي فرضنا أنه بناءً على المصادفة للواقع يكون عين الواقع، وبناءً على المخالفة يكون له وجود استقلالي في مقابله. 

هذا الوجود الاستقلالي تارةً نبني فيه على السببية والموضوعية، وأخرى نبني فيه على الطريقية الصرفة. 

فإن بنينا فيه على السببية، بمعنى أن هذا الحكم الظاهري حينما يصبح مخالفاً للواقع يحتفظ بوجود استقلالي حقيقي، ولو بلحاظ مصلحة سلوكية، ويكون له ملاك حقيقي وراء الملاكات الواقعيّة. فيكون هذا الاستصحاب تامّاً ولا بأس به؛ لأننا نعلم بوجوب حقيقي لصلاة الجمعة، هو إما الوجوب الواقعي أو الوجوب الظاهري، ونشكّ في بقائه فنستصحبه على نحو 

ـــــــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص المطالب التي كان قالها حتّى وصل إلى التصور الثاني للحكم الظاهري، وقال: بأنه يمكن حينئذٍ استصحاب… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

استصحاب القسم الثاني من استصحاب الكلّي ولا إشكال فيه. 

وأما إذا بنينا على الطريقية، يعني أن الحكم الظاهري إذا كان مخالفاً للواقع، فإنه لا يحمل روحاً أصلاً؛ لأن الأحكام الظاهرية مجعولة بنحو الطريقية الصرفة وليس فيها ملاك مستقلّ. فبناءً على هذا المبنى وإن كان يتشكّل عندنا علم إجمالي بوجوب مردّدين بين الوجوب الواقعي والظاهري، لكن هذا العلم الإجمالي لا يصحّ إجراء استصحاب الجامع بين الوجوبين. والنكتة في ذلك: ان هذا الجامع جامع بين وجوب لا أثر له ووجوب له أثر، والجامع بين ما له أثر وما ليس له أثر ليس له أثر لا محالة؛ لأن النتيجة تتبع أخس المقدّمات، فإن الوجوب الواقعي وإن كان له أثر وقابل للتنجيز، إلّا أن الوجوب الظاهري على تقدير المخالفة للواقع ليس له أثر أصلاً، بل هو وجوب طريقي لا يترتّب عليه عقاب ولا مؤاخذة. بناءً على ما هو المعلوم من أنه بناءً على الطريقية لا يستحقّ العقاب على الأحكام الظاهرية. 

فيكون الجامع جامعاً بين وجوب له أثر وجوب ليس له أثر، فاستصحاب هذا الجامع ليس له أثر. كما هو الحال في كلّ موارد القسم الثاني من استصحاب الكلّي، فيما إذا كان الجامع جامعاً بين ما له أثر وما ليس له أثر. 

هذا هو الكلام في الجواب الأوّل عن الإشكال. 

الجواب الثاني: أن اليقين بالحدوث ليس ركناً بل ذات الحدوث

الجواب الثاني(1): وهو ما ذكره المحقّق الخراساني في (الكفاية). يقول: 

ـــــــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــــ

(1) الوجه الثاني.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إننا ندفع الإشكال بدعوى أن اليقين لم يؤخذ ركناً في موضوع دليل الاستصحاب. فإن منشأ الإشكال هنا هو تختلّ ركنيته، وحينئذٍ يستشكل بأن اليقين بالحدوث غير موجود هنا. فإذا أنكرنا الأصل الموضوعي، وقلنا بأنه غير مأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب، فحينئذٍ لا يأتي إشكال. 

وتقريب نفي ذلك يكون بدعوى: أن اليقين وإن كان مأخوذاً بحسب ظاهر العبارة، ولكنّه أُخذ بما هو مرآة ومعرّف لذات السابقة، كما هو في كثير من الموارد التي يؤخذ العلم بما هو معرّف للحدّ والشرط، لا بما هو شرط كقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الْأَسْوَدِ(1). ففي المقام كأنه أُخذ في الموضوع ذات الحدوث والحالة السابقة. 

وبناءً عليه لا يأتي إشكال، وذلك لأن موضوع دليل الاستصحاب يكون مركّباً من جزأين: أحدهما: الحدوث والآخر الشكّ في البقاء. 

وكِلا الجزأين موجود، أما الشكّ في البقاء فثابت وجداناً، وأما الشكّ في الحدوث، فهو وإن لم يكن محرزاً وجداناً، ولكنّه ثابت بالتعبّد؛ لأن الأمارة دلّت على الحدوث. فبضمّ الوجدان إلى التعبّد يحرز موضوع الحكم الاستصحابي. هذا ما يظهر من جزء من عبارته. 

ثُمّ يظهر من جزء آخر من عبارته أنه يريد أن يترقّى حتّى عن هذا، ويقول: بأن الحدوث أيضاً غير مأخوذ في موضوع الاستصحاب، فإنه يقول
-بنصّه-: “ومن أن اعتبار اليقين إنما هو لأجل أن التعبّد والتنزيل شرعاً إنما هو 

ـــــــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــــ

() البقرة: 187.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

في البقاء لا في الحدوث، فيكفي الشكّ فيه على تقدير الثبوت، فيتعبّد به على هذا التقدير، فيترتّب عليه الأثر فعلاً فيما كان هناك أثر وهذا هو الأظهر”. 

فكأنّه يريد أن يقول: بأن الحدوث أيضاً غير مأخوذ باعتبار نكتة فيه، بل باعتبار تحقيق أمر آخر وراء ذلك، وأما هذا الأمر الآخر فيحتمل فيه احتمالان: 

أحدهما: أن يكون مقصوده: أن اليقين بالحدوث أُخذ باعتبار مرآتيه عن الحدوث. والحدوث إنما أُخذ باعتبار كونه مقوّماً للشكّ في البقاء، لا أنه دخيل بما هو حدوث. باعتبار أن من لا يحتمل الحدوث لا يتصوّر في حقّه شكّ في البقاء. إذن فتمام ركن الاستصحاب إنما هو الشكّ في البقاء، والحدوث إنما أُخذ بمقدار مدخليته في تعقّل الشكّ في البقاء. 

ثانيهما(1): أن يكون الحدوث مأخوذاً بتقريب: أن المقصود من التعبّد الاستصحابي هو إثبات البقاء، أي: القطعة الثانية، لا إثبات القطعة الأولى. فلكي يسحب المولى التعبّد عن القطعة الأولى ويخصّصه بالثانية، لهذا أخذ الحدوث مفروغاً عنه، فإن المفروغ عنه ليس داخلاً تحت التعبّد. فلا بُدّ من محاسبة كلامه قطعة قطعة. 

أما كلامه قبل الترقّي، وهو أن اليقين أُخذ بما هو معرّف لذات الحدوث، فهو:

أما ثبوتاً: فهو أمر معقول ومفهوم كما قلنا. وذلك: بأن نتصوّر أنه أُخذ في موضوع الاستصحاب جزءان، أحدهما: ذات الحدوث، والآخر الشكّ في 

ـــــــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــــ

() وهذا هو مراده على الظاهر. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

البقاء. وحينئذٍ الشكّ في البقاء محرز وجداناً، وذات الحدوث تارةً يحرز بالعلم وأخرى بالعلمي وهو الأمارة. فأمكن أن نحرز موضوع الاستصحاب بضمّ التعبّد إلى الوجدان. فهذا أمر معقول ثبوتاً. 

وأما إثباتاً: فهذا المطلب لا يمكن استفادته من روايات (لا ينقض اليقين بالشكّ)، لا في حمل اليقين على مجرّد المعرّفية، خلاف الظاهر، وظاهر أخذ عنوان في الموضوع كونه مأخوذاً بنحو الموضوعية، إلّا إذا وجد ارتكاز من الخارج بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع يقتضي حمله على الكاشفية والمعرّفية. وبدونه يكون ظاهر المطلب في نفسه أن يكون اليقين بما هو مأخوذ في موضوع الدليل. 

وصاحب (الكفاية) ملزم به، ولا يمكن أن يتنازل عنه، ولا ندري كيف تنازل عنه. وذلك لأن صاحب (الكفاية) في بحث الشكّ في المقتضي والرافع، ذكر أن المصحّح لإسناد النقض إلى اليقين هو الإحكام الموجودة في نفس صفة اليقين، وهذا لا يلائم مع كون اليقين ملحوظاً بنحو المعنى الحرفي، وبما هو مرآة لذات الحدوث، بحيث يكون تمام المرئي والملحوظ استقلالاً للمولى هو ذات الحدوث، إذن لا يبقى هناك إحكام في ذات اليقين حتّى يكون هو المصحّح لإسناد كلمة النقض. بل لا بُدّ حينئذٍ من التفتيش عن الإحكام في ذات الحدوث، يعني المتيقن، وتأتي كلمات الشيخ حينئذٍ. فتصحيح إسناد كلمة (النقض) بلحاظ الأحكام في نفس صفة اليقين فرع أن يكون مفهوم اليقين ملحوظاً استقلالاً لا بما هو معرّف لذات الحدوث. وعليه فما ذكره هنا ينافي ما ذكره هناك. فهذا الكلام في مقام الإثبات، غير تامّ. 

ـــــــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

نعم، هو غير تامّ في روايات (لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ). ولا أدري لماذا لم يتمسّك صاحب (الكفاية) بروايات الاستصحاب التي لم يؤخذ في موضوعها اليقين أصلاً، كروايات أصالة الطهارة والحلّ، بناءً على مسلكه من دلالتها على الاستصحاب. وهي لم يؤخذ في موضوعها اليقين بل ذات الحدوث وكرواية عبد الله بن سنان التي بنينا على دلالتها على الاستصحاب، فإنها أيضاً أخذ فيها ذات الحدوث لا اليقين به. 

وبناءً على هذا يكون الاستدلال بهذه الروايات على تتميم مقام الإثبات أنسب. 

[التأمل في كلام الشيخ الآخوند]

وعليه فيمكن أن يقال: بأن كلام الآخوند قبل الترقّي تامّ ثبوتاً وإثباتاً. 

وأما كلامه بعد الترقّي:

أما كلامه بلحاظ التقريب الأول لذلك، فجوابه: أنه إذا كان الحدوث مأخوذاً فقط لأجل تصوير الشكّ في البقاء، فالشك في البقاء يكفي فيه احتمال الحدوث ولو لم يكن هناك حدوث في الواقع، ولا يحتاج إلى وقوع الحدوث في الخارج. فلازم إنكار أخذ الحدوث بها هو في موضوع دليل الاستصحاب أنه يجري الاستصحاب فيما إذا شكّ الإنسان في المطلب حدوثاً وبقاءً، من دون أن يكون على الحدوث دليل أصلاً. فإنه ليس هناك موضوع للاستصحاب إلّا الشكّ في البقاء وهو موجود. وهذا ما لا يمكن الالتزام به كما هو واضح.

*****

ـــــــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ثُمّ أراد صاحب الكفاية أن يترقّى ويقول: بأن ذات الحدوث أيضاً غير مأخوذ في الحقيقة في موضوع الحكم الاستصحابي، وإنما أُخذ باعتبار نكتة عرضية. وإلّا فتمام موضوع دليل الاستصحاب هو الشكّ في البقاء فقط. 

وقلنا إن هذا يمكن أن يبيّن بتقريبين مستفادين من إشارات كلامه في (الكفاية): 

التقريب الأول: أن الحدوث مأخوذ في دليل الاستصحاب لا لكونه دخيلاً في موضوع الحكم الاستصحابي حقيقة، بل لكونه مقوّماً لعنوان الشكّ في البقاء. إذ لا يتصوّر الشكّ في بقاء شيء م الم يكن له حدوث، وما لا حدوث له لا يتصوّر الشكّ في بقائه. فتمام ما هو الموضوع للحكم الاستصحابي هو الشكّ في البقاء. 

هذا التقريب ينبغي أن نعلّق عليه هكذا: أننا نسألكم ما هو الشكّ في البقاء الذي يكون الحدوث دخيلاً فيه، فإنه توجد حالتان عند الإنسان:

 الأولى: أن يكون لديه احتمال وجود الشي في الزمان الثاني عقيب وجوده في الزمان الأوّل، وأن يكون لديه احتمال عدمه في الزمان الثاني عقيب وجوده في الزمان الأوّل، وهو المسمّى بالارتفاع. ولا يحتمل أن يكون معدوماً في كِلا الزمانين. 

الحالة الثانية: أن يحتمل الإنسان الوجود بعد الوجود، والعدم بعد الوجود، ويحتمل العدم بعد العدم، يعني يحتمل أن هذا الشيء لم يوجد أصلاً لا حدوثاً ولا بقاءً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

والشكّ في البقاء هو عبارة عن مجموع الاحتمالين الأوّلين: احتمال الوجود بعد الوجود، واحتمال العدم بعد الوجود. فهل أُخذ عنوان الشكّ في البقاء بشرط لا من حيث الاحتمال الثالث، بحيث لا يصدق الشكّ في البقاء إلّا في الحالة الأولى؟ أو يصدق حتّى في الحالة الثانية أيضاً، فإنه يصدق عليه أنه يشكّ في البقاء، ويشكّ في الحدوث أيضاً؟ 

فإن قيل: بأن الشكّ في البقاء لا يصدق إلّا في الحالة الأولى، دون الحالة الثانية. فلازم ذلك أن يكون الدخيل في عنوان الشكّ في البقاء وهو نفس اليقين بالحدوث لا ذات الحدوث؛ لأن الشكّ في البقاء لا يصدق حينئذٍ إلّا إذا انحصر الاحتمال في الأوّلين، وانتفى احتمال اللاحدوث. واحتمال اللاحدوث لا ينتفي بوقوع ذات الحدوث، بل ينتفي باليقين بالحدوث. 

فلماذا فرض صاحب (الكفاية) أن اليقين بالحدوث أُخذ مرآة إلى ذات الحدوث، ثُمّ أخذ ذات الحدوث بما هو مقوّم للشكّ في البقاء. وإن كان اللازم عليه أن يدّعي -مثلاً- أن اليقين بالحدوث ابتداء أُخذ بما هو مقوّم للشكّ في البقاء. 

هذا مضافاً إلى أنه بناءً على هذا، يلزم أنه في موارد مسألتنا وهو استصحاب مؤدّيات الأمارات أن لا يجري الاستصحاب؛ لأن الشكّ في البقاء غير موجود. لأن الشكّ في البقاء يشترط فيه انحصار الاحتمال في الأولين، وأن لا يوجد احتمال اللاحدوث. وهنا احتمال اللاحدوث موجود؛ لأننا نحتمل أن هذا المطلب الذي أدّت إليه الأمارة لم يحدث من أوّل الأمر، فلا يكون الشكّ في البقاء صادقاً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ولو كان الآخوند يقبل أن الشكّ في البقاء هو عبارة عن احتمال البقاء والارتفاع ولو كان هناك احتمال ثالث. فالشكّ في البقاء بناءً على هذا لا يتقوّم لا باليقين بالحدوث ولا بذات الحدوث، بل يتقوّم فقط باحتمال الحدوث. فلو لم تكن عدالة زيد حادثة أصلاً ولا متيقنة، لكن كان يحتمل حدوثاً، فإنه يصدق الشكّ في البقاء أيضاً. فكيف يدّعى أن الحدوث أُخذ في لسان الرواية باعتبار ملازمته مع عنوان الشكّ في البقاء. لا يكون ملازماً له. فهذا أحد التقريبين المحتملين في كلام صاحب (الكفاية). 

التقريب الآخر: هو أن يقال: إن أخذ الحدوث في موضوع لسان الحديث، كان فقط لأجل التنبيه على نكتة أن التعبّد الاستصحابي ليس تعبّداً بالحدوث بل هو تعبّد بالبقاء فقط. نأخذ الحدوث مفروغاً عنه؛ لكي ينسحب التعبّد عنه ولا ينصبّ عليه. 

وتوضيح ذلك: أنه يوجد احتمالات عقليّة ثلاثة للشيء في الزمان الثاني: احتمال الوجود بعد الوجود (البقاء)، واحتمال العدم بعد الوجود (الارتفاع)، واحتمال العدم بعد العدم، -يعني: لم يحدث أصلاً-. دليل الاستصحاب يريد أن يقول: بأني أنفي أحد هذه الاحتمالات، وهو احتمال العدم بعد الحدوث، ولا أنفي احتمال العدم بعد العدم؛ لأني لا أتعبّد بالحدوث. فهذا هو معنى تمحظ التعبّد في حيثية البقاء. 

هذا المطلب أيضاً يحتاج إلى تحليل، فإن المولى حينما يريد أن يتعبّد بحيثية البقاء فقط، دون الحدوث. هذا لا يتصوّر له عقلاً إلّا صورتين: 

ـــــــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصورة الأولى: أن يجعل البقاء معلّقاً على الحدوث. فيقول: (احكم بالبقاء إذا كان هناك حدوث). فيخرج بالشرطية عن عهدته الحدوث. وهذا معناه أن الحدوث مأخوذ في الموضوع، وهو الشيء الذي فهمناه قبل الترقّي، وقلنا: إنه معقول وصحيح ثبوتاً وإثباتاً. وهذا معناه أنه لم يحصل ترقٍ في المقام. 

الصورة الثانية: أن تجعل الملازمة(1) بين الحدوث والبقاء والسببية بينهما. وهذه الملازمة لا يؤخذ في موضعها الحدوث لِما نعرفه جميعاً من أن الملازمة بين العلّة والمعلول ليست مشروطة بوجود العلّة. فالملازمة سنخ معنى يكون محفوظاً سواء كان هناك حدوث أو لم يكن. وبناءً عليه لا يكون الحدوث مأخوذاً في موضوع الحكم الاستصحابي. 

ولكن هذه الصورة الثانية غير معقولة، وذلك: لِما حقّق(2) في بحث الأحكام الوضعية، من أن الملازمة والسببية غير قابلة للجعل استقلالاً، وإنما تكون مجعولة بتبع منشأ انتزاعها، والمجعول ابتداءً دائماً هو الحكم على تقدير، وينتزع من جعل الحكم على تقدير كون هذا التقدير سبباً لهذا الحكم. فالمجعول ابتداء هو وجوب الظهر إذا زالت الشمس، وينتزع من ذلك سببية الزوال لوجوب الظهر. 

فبناءً على هذا يتعيّن الأمر في الصورة الأولى، وهو أن يكون المجعول هو البقاء على تقدير الحدوث، وهذا يرجع إلى ما قبل الترقّي. إذن فلم يتحصل مما 

ـــــــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــــ

() بنحو الحكم الوضعي. (المُقرِّر).

(2) على ما نبني عليه ويبني عليه الآخوند نفسه. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بعد الترقّي كلام معقول في (الكفاية). بخلاف ما قبل الترقّي فإنه معقول ثبوتا وإثباتاً. 

[إشكال السيد الأستاذ على الشيخ الآخوند]

ثُمّ إن السيّد الأستاذ تبعاً للمحقق النائيني، أشكل على كلام الآخوند، بعد أن فهم منه أنه يريد أن يقول: إن المجعول في دليل الاستصحاب هو الملازمة بين الحدوث والبقاء. 

فقال: إن المجعول فيه إن كان هو الملازمة، فإما أن يكون مدلول دليل الاستصحاب هو الملازمة الواقعيّة بين الحدوث والبقاء، وإما أن يكون مدلوله هو الملازمة بين تنجّز الحدوث وتنجز البقاء. 

فان كانت الملازمة بين الوجود الواقعي للحدوث والوجود الواقعي للبقاء، فهذا معناه أن دليل الاستصحاب صار من أدلّة الواقعيات(1) وخرج عن كونه أصلاً عملياً، وهو خُلف. وان كانت الملازمة بين الوجود الظاهري للحدوث والوجود الظاهري للبقاء، أي: بين تنجيزه وتنجّزه، فيلزم على هذا نقض مستعصٍ لا يمكن لصاحب (الكفاية) حلّه. 

وحاصله: أنه لو علم إجمالاً بنجاسة أحد إناءين، فنتجّز حدوث النجاسة في كلٍّ منهما. ثُمّ انحلّ بعلم تفصيلي بنجاسة الإناء الشرقي. فهنا نقول في الإناء الغربي: بأنه خرج عن كونه طرفاً للعلم الإجمالي بعد انحلاله، فانقلب الشكّ في الإناء الغربي إلى شكّ بدوي فتجري فيه أصالة الطهارة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــــ

() يعني: أمارة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بينما إذا قلنا إن مفاد دليل الاستصحاب هو الملازمة بين تنجّز الحدوث وتنجّز البقاء، فلا بُدّ أن يجري هنا. فإن الحدوث منجّز بالعلم الإجمالي في الطرف الغربي إذن فيجب أن يكون البقاء أيضاً منجّزاً، وهذا ما لا يلتزم به الأصوليون. 

وهذا الكلام غريب، وذلك: 

أما أوّلاً: فلأننا لو جرينا على طبق هذا التشقيق؛ لأمكننا أن نختار الشقّ الثاني، وهو أن تكون الملازمة بين منجّزية الحدوث ومنجّزية البقاء، بمعنى أن منجّز الحدوث يكون منجّزاً للبقاء. ومع ذلك لا يرد هذا النقض. 

وذلك: لأنه يشترط في تنجّز البقاء أن يكون منجّز الحدوث موجود بالفعل في ظرف جريان الاستصحاب. كما هو الحال في مثل المقام، في باب الأمارة. فإن منجّز الحدوث وهو حكاية زرارة موجود فعلاً، ودالّة فعلاً على حدوث وجوب صلاة الجمعة. وحينئذٍ يدّعى أن كلّ ما ينجّز الحدوث ينجّز البقاء. 

وأما في موارد انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي، فمنجّز الحدوث هو العلم الإجمالي وقد زال. ففي ظرف البقاء وهو ظرف جريان الاستصحاب لا يوجد بالفعل منجّز للحدوث، حتّى يكون منجّز الحدوث منجّزاً للبقاء. فيكون شأن هذا شأن ما لو انكشف خطأ زرارة في الإخبار فلم يبق هناك إخبار بالفعل عن حدوث وجوب صلاة الجمعة. وفي مثل هذا لا ينبغي الإشكال في عدم جريان الاستصحاب. 

فمن يدعي أن منجّز الحدوث منجّز البقاء، يشترط أن يكون منجّز 

ـــــــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الحدوث موجود في ظرف جريان الاستصحاب حتّى يكون منجّزاً له. ومورد النقض منجّز الحدوث فيه غير موجود في ظرف جريان الاستصحاب. فلا يكون نقضاً. 

وأما ثانياً: -وهذا هو الجواب الصحيح- وهو أن مراد الآخوند لا الملازمة الواقعيّة ولا الملازمة بين تنجّز الحدوث وتنجّز البقاء، بل مقصوده -أو مقصودنا من تفسير كلامه- هو أن المولى جعل البقاء ظاهراً على تقدير الحدوث واقعاً. وهذا ليس فيه محذور إخراج الاستصحاب عن كونه حكماً ظاهرياً؛ لأنه جعل أُخذ في موضوعه الشكّ في البقاء. ولا محذور النقض، فإنه مربوط بباب التنجّز وليس مربوطاً بباب الجعل. 

وعليه فلا يرد هذا الإشكال على كلام صاحب (الكفاية). 

هذا هو تمام الكلام في الجواب الثاني من الأجوبة التي يدفع بها الإشكال(1)

الجواب الثالث(2): [استصحاب روح الحكم الظاهري لا خطابه]

الجواب الثالث: موقوف على استذكار مقدّمة تقدّمت منّا مراراً. وحاصلها: أن الأحكام الظاهرية عبارة عن خطابات وإنشاءات لها مضمون تصديقي واقعي هو عبارة: عن إبراز شدّة اهتمام المولى بالواقع المشكوك أو إبراز عدم اهتمام المولى كذلك، على الخلاف بين الخطابات الإلزامية الظاهرية والترخيصية الظاهرية. فالإلزامية منها في مقام إبراز شدّة اهتمام المولى بالواقع 

ـــــــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــــ

() في جريان الاستصحاب في مؤدّيات الأمارات. (المقرِّر)..

(2) الوجه الثالث.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المشكوك، بحيث يحكم بوجوب التحفّظ عليه إما بلسان (احتط) أو بلسان (صدّق العادل). والخطاب الظاهري الترخيصي يكون مبرزاً لنقيض ذلك وهو تسامح المولى وعدم اهتمامه بالتكليف الواقعي المشكوك. 

وبذلك نعبّر ونقول: إن كلّ حكم ظاهري له مقام إنشاء وهو خطابه، وله روح وجوهر، وهو عبارة عن المرتبة التي تنكشف من اهتمام المولى بالتحفّظ على تكاليفه الواقعيّة، وهو روح إيجاب الاحتياط والبراءة وسائر الأحكام الظاهرية.

إذا اتّضح هذا فنقول: لو دلّ الدليل كصحيحة زرارة على وجوب صلاة الجمعة حدوثاً، وكان الدليل ساكتاً عن البقاء. فهذا لا محالة يشمله دليل حجّية خبر الواحد، يعني خطاب (صدّق العادل)، فيكون عندنا حكم ظاهري بوجوب صلاة الجمعة. وقد قيل في الإشكال بأن استصحاب وجوب صلاة الجمعة لا يجري لا في الحكم الواقعي؛ لأنه مشكوك الحدوث، ولا في الحكم الظاهري؛ لأنه مقطوع الارتفاع. 

في هذا الجواب نختار أننا نجري الاستصحاب في الحكم الظاهري؛ لأن الحكم الواقعي. لكن لا بمرحلته الإنشائية، يعني الحكم المجعول في قوله (صدق العادل). فإن هذا الحكم الظاهري لا يحتمل بقاؤه في الزمان الثاني؛ لأنه فيه لا يوجد حكاية عن الوجوب حتّى يشمله قوله (صدق العادل). 

ولكن هنا روح هذا الخطاب، وهو شدّة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك، وهو وجوب صلاة الجمعة، على فرض ثبوته، وهذه المرتبة من شدّة 

ـــــــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاهتمام محتملة البقاء في المقام. وإن لم يكن نفس الخطاب الكاشف وهو (صدق العادل) محتمل البقاء، لكن المرتبة المبرزة من شدّة الاهتمام بالواقع المشكوك محتملة البقاء. فإننا نحتمل في الواقع أن المولى كما هو شديد الاهتمام بالتحفّظ على الوجوب المشكوك حدوثاً كذلك هو شديد الاهتمام به بقاء. غاية الأمر أن اهتمامه البقائي لا يبرز بـ(صدق العادل). إلّا أن هذا لا ينافي احتمال بقاء شدّة الاهتمام. 

فهذه المرتبة من شدّة الاهتمام متيقّنة الحدوث، ببركة خطاب صدق العادل، ومشكوكة بقاء، فنستصحب شدّة اهتمام المولى. فيجري استصحابها بلا إشكال(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: شدّة الاهتمام متعلّقة بالحكم الذي عليه خبر العادل، وقد ارتفع في الزمان الثاني، فتكون شدّة الاهتمام مقطوعة الارتفاع لارتفاع موضوعها. 

فقال: لا؛ لأننا نحتمل أن شدّة الاهتمام ثابتة بملاك آخر صحيح، ثبوتاً، كانت شدّة الاهتمام بملاك إخبار العادل. ولكن نحتمل أن تلك الشدّة التي كانت ثابتة حدوثاً بخبر العادل بقيت من ناحية أخرى وبسبب آخر. 

نعم، خطاب صدق العادل لا نحتمل بقاءه، ولكن كون المولى يهتمّ بتكليفه بقاءً كما يهتمّ حدوثاً، أمر محتمل، ولا قطع لنا بعدم اهتمامه. وإلّا لكان عندنا قطع بالرخصة. 

وهنا قال جواباً على سؤال آخر: أن شدّة الاهتمام بنفسها تكون موضوعاً لحكم العقل بالتنجّز والاحتياط.

وقال جواباً على سؤال آخر: إن ارتفاع الدالّ لا يستلزم ارتفاع المدلول، بل هو لازم أعمّ له. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا الاستصحاب يكون تامّ الأركان، وكما يجري فيما إذا فرض أن الأمارة دالّة على الوجوب، يجري أيضاً فيما إذا كانت دالّة عدم الوجوب. فلو دلّت أمارة على عدم الوجوب في الزمان الأوّل، أيضاً نقول: إن (صدق العادل) غير محتمل البقاء. لكن المستكشف به وهو تسامح المولى بالواقع المشكوك محتمل البقاء ولو من ناحية حيثية أخرى، فنستصحب تسامح المولى بالواقع المشكوك. 

[في وجود الدليل الاجتهادي الحاكم على هذا الاستصحاب]

وهذا الاستصحاب تامّ الأركان ولا بأس بجريانه بهذا النحو. ما لم يفرض عليه حاكم. 

وتوضيح ذلك: أنه إن فرضنا أن الأمارة كانت دالّة على عدم الوجوب، واكتشفنا به تسامح المولى، فاستصحبناه فهذا الاستصحاب يجري ولا حاكم عليه. 

وأما إذا كانت الأمارة دالّة على الوجوب واستكشفنا منها شدّة الاهتمام بالواقع المشكوك، على تقدير ثبوته. ثُمّ شككنا بقاء فاستصحبنا شدّة الاهتمام. ولكن استصحاب شدّة الاهتمام فرع أن يكون الإنسان شاكّا في بقاء شدّة الاهتمام، فلو وجد دليل اجتهادي يدلّ على نفي شدّة الاهتمام لكان هذا الدليل حاكماً على الاستصحاب. 

وفي المقام الدليل الاجتهادي موجود، وهو دليل البراءة (رفع ما لا يعلمون)، لا نفس البراءة، فإن قول الراوي الذي ينقل عن الإمام أنه (رفع ما 

ـــــــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لا يعلمون) دليل اجتهادي يدلّ على جعل أصالة البراءة، ويدلّ بالالتزام على أن المولى ليس له اهتمام بالتكاليف الواقعيّة المشكوكة. 

فلو خلّينا ودليل البراءة فهو يدلّ بالدلالة الاجتهادية على الحكم الظاهري وهو أصالة البراءة. وهو يدلّ على منكشفه وهو تسامح المولى بالدلالة الاجتهادية أيضاً. إذن فعندنا دليل اجتهادي بأن المولى يتسامح في تكاليفه الواقعيّة المشكوكة. 

فلو بقينا نحن وعموم هذا الدليل الاجتهادي لقلنا بأن المولى يتسامح مع وجوب صلاة الجمعة حدوثاً وبقاءً. ونجري البراءة عنه من أوّل الأمر، فإنه وجوب مشكوك حدوثاً وبقاء، لكن وجد مخصّص لدليل البراءة وهو دليل (صدق العادل)، وخصّصه بمقداره. وحيث إن العادل أخبر عن الزمان الأوّل فقط. فقد أخرج الزمان الأوّل ولم يخرج الزمان الثاني. فالزمان الثاني يكون من صغريات مسألة أنه هل يرجع إلى العامّ أو يجري استصحاب حكم المخصّص؟ 

فقد يقال: إننا نجري استصحاب حكم المخصّص، يعني نستصحب شدّة الاهتمام. وقد يقال(1): إننا نرجع إلى العامّ؛ لأن دليل البراءة كان يدلّ على أن المولى يتسامح في كلّ زمان وقد خرج منه الزمان الأوّل، أما الزمان الثاني فلم يخرج إذن فنتمسّك بالعام وهو دليل البراءة، لإثبات التسامح وهو دليل اجتهادي على التسامح، فيكون حاكماً على استصحاب شدّة الاهتمام. 

وهذا هو الفرق بين أن نجري الاستصحاب في نفس الاهتمام، وبين أن 

ـــــــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــــ

() وهذا هو الصحيح. (المُقرِّر)..

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يكون الاستصحاب جارياً في نفس التكليف الواقعي -لولا الإشكال في الوجه الثاني- فإنه لو كان يجري في نفس الوجوب الواقعي لم يكن دليل البراءة حاكماً على الاستصحاب؛ لأن موضوع استصحاب الحكم الواقعي هو الشكّ في الحكم الواقعي لا الشكّ في شدّة الاهتمام، ودليل البراءة لا يرفع الشكّ في بقاء الحكم الواقعي فيكون الاستصحاب مقدّماً. وأما استصحاب شدّة الاهتمام فموضوعه الشكّ في بقائه، ودليل البراءة هو دليل اجتهادي على التسامح، فهو يلغي الشكّ في بقاء شدّة الاهتمام(1)

الجواب الرابع: قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي

الجواب الرابع على إشكال جريان الاستصحاب في مؤدّيات الأمارات، هو أن يقال: إن هذا الإشكال إنما نشأ من بناءً صاحب الكفاية وغيره على عدم قيام مقام القطع الموضوعي بلحاظ أدلّة حجّيتها. وأما إذا قلنا بأن الأمارة
-بلحاظ أدلّتها- تقوم مقام القطع الموضوعي، فلا يبقى مجال لهذا الإشكال في المقام. 

توضيح ذلك: أن هناك بحثاً معروفاً تقدّم في مباحث القطع. وهو أن 

ـــــــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال بعض الإخوان: إن دليل الاستصحاب الدالّ على شدّة الاهتمام أَلَا يكون معارضاً لمدلول دليل أصالة البراءة وهو التسامح؟

 فأجاب السيّد -بما حاصله-: بأنه لا يكون معارضاً، فإن دليل الاستصحاب إنما يكون دالّاً على الاهتمام في طول الشكّ ببقاء الاهتمام، على حين أن دليل البراءة يلغي الشكّ في الاهتمام ويثبت عدم الاهتمام. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الأمارة لا إشكال أنها تقوم مقام القطع الطريقي في المنجّزية والمعذّرية. ثُمّ يقع الكلام في أن دليل حجّية الأمارة يقيمها مقام القطع الموضوعي أيضاً. فلو ترتّب حكم شرعي على القطع، فهل تقوم الأمارة مقامه أو لا؟ 

فهناك من ذهب إلى أن دليل حجّية الأمارة يفي بكِلا المطلبين، وهناك من ذهب إلى أن دليل حجيتها لا يفي إلّا بقيام الأمارة مقام القطع الطريقي دون القطع الموضوعي. 

فهنا يقال: بأن هذا الإشكال مربوط بذلك النزاع، فمن اختار قيامها مقام القطع الموضوعي والطريقي، فهو في فسحة من ناحية هذا الإشكال. فإنه عندنا في المقام يقين موضوعي أُخذ موضوعاً للاستصحاب، وهذا اليقين بالحدوث تقوم مقامه الأمارة بلحاظ دليل حجّيتها إذا دلّت على الحدوث. 

ومن بنى على أنها لا تقوم مقام القطع الموضوعي، فحينئذٍ يقع في هذا الإشكال؛ لأن اليقين بالحدوث غير موجود لا بنفسه ولا ببدله. ويضطرّ المضطرون إلى دعوى أن اليقين بالحدوث غير مأخوذ في موضوع الاستصحاب، أو أيّ جواب من الأجوبة السابقة. 

وهذا هو مراد المحقّق النائيني في مقام التعليق على هذا الإشكال فإنه ربط المسألة ببحث قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، فإن قيل بقيامها مقامه فلا إشكال، وإلّا فيتّجه هذا الإشكال. غاية الأمر وقع اشتباه غريب في تقرير هذا المطلب في (تقرير الفوائد) فإنه بنى المطلب على أن الأمارة تقوم مقام القطع الطريقي أو لا تقوم. فالإشكال مبني على عدم قيامها مقامه وجوابه مبني على 

ـــــــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

عدم قيامها. بينما هذا لا ربط له بمجمل الكلام. فإنه لا ينكر أحداً بما فيهم الآخوند بأن الأمارة تقوم مقام القطع الطريقي وإلّا فما معنى حجّية الأمارة..؟ ! وإنما القيام في قيامها مقام القطع الموضوعي. وقد بيّن المطلب في تقريرات السيّد الأستاذ بالنحو الصحيح. 

ومن المحتمل أنه يريد أن يقول: مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية، في مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتية. وعلى أيّ حال فالمطلب واضح. 

وحينئذٍ يأتي هذا السؤال وهو أنه كيف نتصوّر قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي وهو اليقين بالحدوث المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب، مع أن الأمارة ليست يقيناً بلا إشكال؟

لذلك تقريبان: أحدهما، بلحاظ دليل الاستصحاب، والآخر بلحاظ دليل حجّية الأمارة. 

التقريب الأول: بلحاظ دليل الاستصحاب

هو أن يدّعى من أوّل الأمر أنه يراد باليقين بالحدوث، المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب، بحسب الفهم العرفي، مطلق المنجّز والمثبت للمطلب، سواء كان مثبتاً وجداناً وهو القطع أو بأيّ لسان من ألسنة الحجّية والتنجيز كما هو الحال في الأمارات. 

فإن استظهر هذا من نفس دليل الاستصحاب، فحينئذٍ يصبح موضوع دليل الاستصحاب هو الجامع بين العلم والأمارة من أوّل الأمر وتصبح 

ـــــــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الأمارة فرداً حقيقياً من موضوع دليل الاستصحاب. ويترتّب عليها ما يترتّب على اليقين من جريانه. أما أننا كيف نستظهر أن اليقين بالحدوث أريد به مطلق المثبت والمنجز؟ 

استظهار ذلك إما أن يكون بلحاظ نفس اللفظ، وإما أن يكون بلحاظ الارتكاز العرفي، وكِلاهما مما لا يمكن المصير إليه. 

أما أن يكون بلحاظ نفس اللفظ فواضح؛ لأن هذا اللفظ من حيث هو يدلّ على مرتبة معيّنة من الانكشاف وهي التي لا تقبل احتمال الخلاف، فالتعرّف في ذلك وحمله على الجامع بينه وبين غيره، خلاف الدلالة اللفظية. ولا يوجد هناك احتمال أن يكون لكلمة (اليقين) مصطلحاً عرضياً أو شرعياً أوسع من ذلك. 

وأما من ناحية الارتكاز فبتقريب: أن دليل الاستصحاب حيث إنه في مقام تقريب قاعدة عقلائية مركوزة في الأذهان، إذن يكون دليل الاستصحاب إشارة إلى تلك القاعدة المركوزة، فيكون المرجع في تحديد مدلوله هو الارتكاز، وهذا الارتكاز لا يفرّق في جريان الاستصحاب بين اليقين وغيره من وسائل الإثبات. 

 بمعنى أن الارتكاز العقلائي قاضٍ بأن احتمال الارتفاع لا يغيّر من موقف الشخص، فما كان يقفه لو لا احتمال الارتفاع يقفه بعد احتماله(1) فيصير هذا الارتكاز بنفسه قرينة لُبّية على رفع اليد عن ظهور كلمة (اليقين) في دخل خصوصية اليقين. فتلغى خصوصيته ويحمل على الجامع بين اليقين وبقية وسائل الإثبات والمنجّزات. 

ـــــــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــــ

() من دون دخل لليقين بما هو موضوعه. (المُقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إلّا أن هذا التقريب يتوقّف على الجزم بسعة الارتكاز بهذا النحو حتّى يكون كالقرينة المتّصلة في رفع اليد عن ظهور كلمة اليقين إلّا أن هذا الارتكاز غير معلوم. بل من المحتمل بحسب الأذهان العقلائية في نفسها أن يكون للقطع واليقين دخلاً في المقام، ولترسّخ الحدوث دخلاً في البقاء. خصوصا بناءً على ما بيّناه في أوّل الاستصحاب من أن الارتكاز العقلائي على الاستصحاب بحسب الحقيقة ارتكاز ناشئ من العادة والميل النفساني، لا من دلالة منطقية للاستصحاب. وهذا الميل أقرب منه إلى موارد اليقين منه إلى موارد تنجّز الحدوث بغير اليقين من المنجّزات الأخرى. 

وعليه فلا جزم لنا بوجود ارتكاز من هذا القبيل حتّى يرفع اليد عن ظهور كلمة (اليقين) بلحاظه. 

إذن فتوسيع موضوع دليل الاستصحاب بلحاظ نفس دليل الاستصحاب، غير ممكن. 

التقريب الثاني: [بلحاظ دليل حجية الأمارة]

بعد الاعتراف أنه أُخذ في موضوع الاستصحاب اليقين بالحدوث، فيقال: نحن نوسّع دائرته بلحاظ دليل حجّية الأمارة. وذلك: بأن يدّعى أن لسان دليل حجّيتها هو لسان جعل الطريقية والكاشفية وجعل الأمارة علماً، وحينئذٍ فيوجد دليل الأمارة فرداً تعبّدياً بالحدوث، فيصير دليل حجّية الأمارة موسّعاً لموضوع دليل الاستصحاب. 

وهذه التوسعة، في هذا التقريب، تسمّى في مصطلحاتهم بالحكومة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

والتوسعة الأولى لو تمّت تسمى بالورود. أقول باعتبار أن الأمارة بناءً على التوسعة الأولى تكون فرداً حقيقياً لدليل الاستصحاب، وبناءً على التوسعة الثاني تكون فرداً تعبّدياً له. 

وهذا الكلام مبني على تحقيق عدة مسائل تقدّم تحقيقها مفصّلاً في مواضعها:

أوّلاً: أن جعل الطريقية هل هو معقول ثبوتاً أو غير معقول؟ 

ثانياً: على فرض أنه معقول، فهل هو واقع إثباتاً، وأدلّة الحجّية في الأمارات تكفّلت جعل الطريقية أو لا؟ 

ثالثاً: بناءً على أنه واقع، فهل يفي بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، كما يفي بقيامها مقام القطع الطريقي؟ أو ان وفاءه بكِليهما مستحيل ثبوتاً كما يقول الآخوند؟ أو غير مضمون إثباتاً كما تقدّم منّا في محلّه؟ وكل هذه المسائل تقدّمت في مواضعها. 

فلو بنى في هذه المسائل الثلاث على وجهة نظر المرزا فقيل بإمكان جعل الطريقية ووقوعه، ووفائه ثبوتاً وإثباتاً بقيامه مقام القطع الموضوعي. فإن هذا الجواب يكون تامّاً. 

وهنا نذكر نكتة واحدة: وهي أنه لو أخذ بوجهة نظر المرزا هذه، فالقطع الموضوعي قسّموه إلى قسمين: إلى ما كان مأخوذاً على وجه الطريقية، وما كان مأخوذاً على وجه الصفتية. وقال المرزا: إن الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية دون الآخر. فيقع الكلام مع المرزا في أن دليل 

ـــــــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب هل يستظهر منه أخذ القطع بالحدوث في موضوعه على وجه الطريقية، أو على وجه الصفتية؟ فإن فرض الأوّل يتمّ جوابه بعد تسليم مبانيه. 

وأما إذا استظهر بنكتة أن اليقين بالحدوث المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب، كان على وجه الصفتية فحتّى مع تسليم كلّ مباني المرزا، لا ينتج قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي. وكذلك لو كان الدليل مجملاً وشكّ في المطلب واستظهر من دليل الاستصحاب أن القطع بالحدوث أُخذ بنحو الطريقية في الموضوع أو بنحو الصفتية. ويشكل حينئذٍ قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي؛ لأن النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.

ـــــــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 





 






(بقية) مبحث جريان الاستصحاب

في مؤديات الامارات(1)

 

[بقية الكلام في الوجه الرابع: قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي]

حينئذٍ لا بُدّ(2) وأن يرى أن القطع في دليل الاستصحاب هل أُخذ بما هو كاشف تامّ؟ فدليل الحجّية يفي بالقيام مقامه؛ لأنه يجعل الأمارة كاشفاً تامّاً. وإن أُخذ بما هو صفة نفسانية، فدليل الحجّية لا يقوى على تنزيل الأمارة منزلة القطع بالحدوث. 

لا إشكال أن في القطع خصيصة ذاتية هي الكاشفية التامّة عن الواقع، وهي عين حقيقته، وهذه الخصيصة لها لوازم في عالم النفس.

منها: انقطاع التردّد والتذبذب الحاصل قبل الانكشاف التامّ. 

ومنها: الرسوخ والإحكام، فإن الانكشاف التامّ يكون مؤدّياً إلى مزيد ارتباط بين النفس وبين هذه الصورة الذهنية. 

وقد قال الميرزا وتبعه في ذلك غيره: إن العلم والقطع واليقين، وإن كانت 

ـــــــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــــ

() الثلاثاء 10/3/1389- 27/5/1969.

(2) عنون المسألة أوّلاً كما سبق، وقال فيما قال: حينئذ لا بُدّ… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

-في لغة العرب- تدلّ إجمالاً على الكاشف التامّ، ولكنّها تختلف باختلاف أخذ الخصوصيات في المدلول. 

فـ(العلم) يدلّ على الكاشفية التامّة، من دون أن يؤخذ فيه شيء من اللوازم النفسية لها. وكلمة (القطع) تدلّ على الكاشفية التامّة، لكن مطعّمة بلازمها وهو انقطاع التردّد واستقرار النفس. كما أن كلمة (اليقين) تدلّ على الكاشفية التامّة أيضاً، لكنّها طُعّمت بلازم نفساني آخر للكاشفية التامّة، وهو خروجه من الضعف إلى القوّة، ومزيد الربط ما بين الصورة العلمية وصاحبها.

ومن هنا قالوا: بأن الله تعالى يوصف بأنه عالم، ولا يوصف -في لغة العرب- بأنه قاطع أو أنه متيقّن؛ لأن الله تعالى ليس لعلمه هذه الخصوصيات النفسية.

كما أن كلمة (القطع) أنسب ما تكون إلى كلمة (اليقين)، ولا تنسب إلى العلم؛ لأن النقض يحتاج إلى نحو من الإحكام والقوّة، وهو لوحظ في كلمة (اليقين) ولم يلحظ في كلمة (العلم). ولهذا ترون أن: (نقضت العلم) تعبير خفيف، و(نقضت اليقين) تعبير مسبوك. هذا كلّه أفاده الميرزا في بحث المقتضي والرافع. 

هذا الذي أفاده نأخذه في المقام ونقول: بأن موضوع الاستصحاب لو كان هو العلم بالحدوث، فهو لا يدلّ لا على الكاشفية التامّة، ولم يؤخذ فيه لوازمها. وهذا معناه أنه أخذ العلم على نحو الكاشفية والطريقية في الموضوع، فإن معنى أخذه كذلك، هو: قصر النظر على كاشفيته. ومعنى أخذه على وجه الصفتية: 

ـــــــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ملاحظة اللوازم النفسانية المرتّبة على الكاشفية التامّة. 

فإن كان العلم قد أُخذ في الموضوع، فيقال: إنه أُخذ فيه بما هو كاشف تامّ، وهذا معناه أخذه على وجه الطريقية. والمفروض أن دليل حجّية الأمارة يقول: إن خبر الثقة كاشف تامّ بالتعبّد، فيكون مصداقاً لليقين بالحدوث. 

وإن كان المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب ليس هو العلم بالحدوث، بل اليقين بالحدوث، واليقين مطعّم بلازم نفساني للكاشفية التامّة، وهو الإحكام والرسوخ. فمقتضى ظاهر أخذ لفظة اليقين في موضوع الحكم أن العلم مأخوذ فيه بما هو صفة من الصفات، لا بما هو طريق وكاشف. يعني: مأخوذاً بما أنه له هذا اللازم النفساني. فحينئذٍ لا تكون أدلّة حجّية الأمارة وافية بتنزيل الأمارة منزلة اليقين؛ لأن أدلّتها تتعبّد بأن الأمارة كاشف تامّ، لكنّها لا تتعبّد باللوازم النفسانية للكاشفية بلوازم الكاشفية التامّة. فيكون من موارد أخذ القطع في الموضوع على وجه الصفتية. 

فالمأخوذ في الموضوع هو اليقين، لا العلم، واليقين وإن كان عين العلم مصداقاً، لكنّه غير مفهوماً؛ لأنه طُعمّ بلازم نفساني للانكشاف وهو الإحكام وقوة الارتباط -كما اعترف الميرزا نفسه في البحث السابق-، فيكون مأخوذاً في الموضوع على وجه الصفتية، ولا يكون دليل حجّية الأمارة وافياً بتنزيل الأمارة منزلته. 

إذن فلا تقوم الأمارة مقام اليقين بالحدوث المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب.

ـــــــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وإن قيل: بأن تطعيم كلمة (اليقين) بهذا اللازم النفساني، لم يكن لأجل دخل هذا اللازم النفساني في موضوع الحكم، بل كان لأجل تصحيح اسناد كلمة النقض في مقام التعبير واللسان. حيث إن الأنسب في النقض أن يضاف إلى اليقين دون العلم. 

فيقال: إن هذا يحتاج إلى قرينة، ولا أقلّ من الشكّ والإجمال، واحتمال أن يكون خصوصية الإبرام والإحكام دخيلة في موضوع الحكم، خصوصاً بناءً على ما أشرنا إليه من احتمال أن يكون ارتكازية الاستصحاب باعتبار العادة والأمور النفسانية، لا باعتبار الكاشفية الخارجية. فمن المحتمل أن تكون لهذه الخصوصية دخل في موضوع الحكم. 

والشكّ يكفينا، فإنه إذا تردّد الأمر عندنا بين أن يكون اليقين قد أُخذ في الموضوع على وجه الصفتية أو على وجه الصنفية؛ فالشكّ يكفي في عدم قيام الأمارة مقام هذا اليقين(1)

هذا هو تمام الكلام في الوجه الرابع. 

ـــــــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: لو استطعنا أن نفهم من أدلّة بعض الأمارات إقامتها مقام اليقين بما فيه من الاستحكام.

فقال: يعني: مقام القطع الصفتي بلحاظ الخصوصية؟

فقلت: نعم.

فقال: هذا خلاف ما يقوله الميرزا –الذي نتكلّم على مبناه-، فإنه يعترف بأن الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية، دون المأخوذ على وجه الصفتية.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وفذلكة الكلام في المقام

هي أن الأمارة التي تدلّ على شيء ثُمّ تشكّ في بقائه، ويقع الكلام في استصحابه:

تارةً: تكون الأمارة دالّة على الحكم بنحو الشبهة الموضوعية.

وأخرى: تكون دالّة عليه بنحو الشبهة الحكمية.

وعلى كِلا التقديرين:

تارةً: يكون الشكّ في البقاء بنحو الشبهة الحكمية.

وأخرى: بنحو الشبهة الموضوعية.

فالصور أربع. نتكلّم فيها؛ لنرى أن أصل الإشكال الذي احتجنا إلى هذه الأجوبة له في أيّ واحد منها نحتاج إليه؛ لكي يتبيّن أنه في ثلاث منها لا موضوع للإشكال ولا حاجة إلى واحد من هذه الأجوبة الأربعة.

نعم، في واحد من هذه الصور، يقع الإشكال ونحتاج إلى أحد هذه الأجوبة فيه. 

صور المسألة أربع

الصورة الأولى: [دلالة الأمارة على الحكم والشك بالبقاء كلاهما بنحو الشبهة الموضوعية]

أن تدلّ الأمارة على حكم بنحو الشبهة الموضوعية ثُمّ يشكّ في البقاء أيضاً بنحو الشبهة الموضوعية. ومثاله أن يفرض أن البيّنة دلّت على أن الثوب المتنجّس قد غسل بالماء، فهذه شبهة موضوعية ثبتت فيها الطهارة ببركة البيّنة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ثُمّ يشكّ في بقاء هذه الطهارة له لاحتمال أنه لاقى مع الدم فتنجّس. 

في هذه الصورة لا مجال للإشكال الذي ذكرناه، ولا تصل النوبة إلى التكلّفات التي ذكرت في الأجوبة الأربعة. وذلك: لأننا في هذا الفرض نختار الشقّ الثاني من الإشكال الذي كان يُقال فيه: إن الاستصحاب إن جرى في الحكم الواقعي فهو لا يقين بحدوثه، أو الظاهري فهو مقطوع الارتفاع. 

فنختار هنا أننا نستصحب الحكم الظاهري بعنوانه، وهو الطهارة المجعولة على طبق البيّنة؛ لأنها متيقّنة الحدوث مشكوكة البقاء. 

وذلك: لأن البيّنة حين تدلّ على أن الثوب المتنجّس غسل بالماء(1)، فإنها تدلّ بالمطابقة على حدوث الطهارة في هذا الثوب المتنجّس، وبالالتزام تدلّ على بقائها إلى أن يلاقي مع إحدى النجاسات؛ وذلك لعلمنا بهذه الملازمة من الخارج، فإننا نعلم أن الثوب المتنجّس إذا حدثت فيه الطهارة ببركة الغسل بالماء، فسوف تبقى طهارته إلى أن يلاقي مع الدم. فإذا كانت الملازمة بين حدوث الطهارة وبقائها محرزة لنا وجداناً، كانت البيّنة التي تدلّ على الحدوث، تدلّ بالملازمة على البقاء إلى أن يلاقي مع الدم. فللبيّنة بهذا اللحاظ مدلولان، وعلى كلٍّ من المدلولين يجعل حكم ظاهري. فيجعل طهارة ظاهرية مستمرّة إلى أن يلاقى مع الدم؛ لأن البيّنة -بضمّ مدلولها الالتزامي إلى المطابق- قد أخبرت 

ـــــــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــــ

() الغسل بالماء موضوع لحكم شرعي هو الطهارة الباقية أن يلاقي مع النجس. فالبيّنة حين تخبر عن الموضوع يثبت حكمه تعبّداً لا محالة. فإذا شككنا ببقاء الحكم نستصحبه. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

عن طهارة مستمرّة إلى أن يلاقى مع الدم. والحكم الظاهري يكون بمقدار مدلول الأمارة. 

وحينئذٍ فإذا شكّ في الملاقاة مع الدم وعدمها، فهو شكّ في بقاء الطهارة الظاهرية وعدم بقائها، وتكون أركان الاستصحاب تامّة؛ لأن الطهارة الظاهرية معلومة الحدوث وقد أصبحت مشكوكة البقاء؛ لأنها مغيّاة بملاقاةٍ، فإذا شكّ في الملاقاة، فإنه يشكّ في بقاء الطهارة الظاهرية وعدمه، فيستصحب بقاؤها بلا إشكال. 

ويمكننا أن نستغني عن الاستصحاب الحكمي بالاستصحاب الموضوعي، وذلك بأن نستصحب عدم الملاقاة مع الدم أيضاً. وبه يتنقح موضوع الطهارة الظاهرية المغيّاة بملاقاة الدم(1)

الصورة الثانية: [دلالة الأمارة على الحكم بنحو الشبهة الحكمية والشك بالبقاء بنحو الشبهة الموضوعية]

أن يفرض أن الأمارة تدلّ على الطهارة بنحو الشبهة الحكمية، ويشكّ في بقائها بنحو الشبهة الموضوعية. مثاله: أن يفرض أن هذا الثوب المتنجّس غسل بالماء مرّة واحدة، ولا ندري أن هذا الغسل سوف يطهّره أو لا -وهذه شبهة حكمية-، فتقوم أمارة -هي خبر زرارة مثلاً- على أن الغسل مرّة واحدة يكفي 

ـــــــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال حول حكومة الأصل الموضوعي: عند الناس يكون حاكماً، نحن لا نقبل هذه الحكومة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

في التطهير، فهذه الأمارة تدلّ على الطهارة حدوثاً، ثُمّ بعد هذا يشكّ في ملاقاة هذا الثوب مع الدم بنحو الشبهة الموضوعية. 

هنا يجري نفس كلام الصورة السابقة. وذلك: لأن زرارة(1) الذي أخبر عن كفاية غسل الثوب المتنجّس بالماء مرّة واحدة. يدلّ كلامه بالمطابقة على حدوث الطهارة في الثوب المتنجّس إذا غسل بالماء مرّة. وبالالتزام على بقاء هذه الطهارة إلى أن يلاقي الثوب مع متنجّس آخر؛ لأننا نعلم من الخارج بالملازمة بين حدوث الطهارة وبقائها إلى أن ترتفع بملاقاة. 

فيكون الدالّ على الحدوث دالّاً على البقاء. 

فيتحصّل بضمّ المدلولين المطابقي والالتزام لكلام زرارة: أن زرارة يشهد طهارة حادثة حين الغسل وباقية إلى حين الملاقاة مع الدم. والطهارة التي تجعل على طِبق هذه الشهادة هي بمقدارها. 

فإذا شككنا في أنه هل لاقى مع الدم أو لا، نستصحب نفس الطهارة الظاهرية؛ لتمامية أركانها فيه. فإنها متيقّنة الحدوث مشكوكة البقاء، فيجري استصحابها بلا إشكال. 

وإن شئنا أجرينا الاستصحاب الموضوعي، فاستصحبنا عدم الملاقاة مع النجاسة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــــ

() زرارة يخبر عن سعة دائرة موضوع الحكم الشرعي، وهو: الطهارة باقية إلى أن يلاقي مع الدم. فإذا شكّ في أنه لاقى أو لا، يكون شكّاً في بقاء نفس الصورة الظاهرية فيستصحب (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهنا أيضاً لا منشأ لتوهّم عويصة حتى ينجرّ الكلام على الجواب عليها بأحد الأجوبة الأربعة المتقدّمة. 

الصورة الثالثة: [دلالة الأمارة على الحكم بنحو الشبهة الموضوعية والشك بالبقاء بنحو الشبهة الحكمية]

أن يفرض أن الأمارة تدلّ على الطهارة(1) بنحو الشبهة الموضوعية، ويشكّ في البقاء بنحو الشبهة الحكمية. مثاله: أن يفرض أننا نعلم بأن الماء المتغيّر نجس، ولكن لا ندري أن هذا الماء هل تغيّر أو لا، فتشهد البيّنة بأن هذا الماء متغيّر، فيحكم عليه بالنجاسة. ثُمّ يزول عنه التغيّر، بمعنى أننا نقطع أنه على فرض تغيّره فقد زال عنه التغيّر. وحينئذٍ تحصل شبهة حكمية، وهي أن النجاسة هل بقيت(2) بعد زوال التغيّر أم لا.

جريان الاستصحاب هنا موقوف على كيفية إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وهذا بحث تقدّم منّا في مسألة جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. كما إذا فرض أنه كان عندنا ماء متغيّر وزال عنه التغيّر وشكّ في بقاء نجاسته، فهل استصحاب النجاسة في هذا الماء بحسب الخارج، حتى يعلم بثبوت النجاسة له، يعني يتوقّف على فعلية المجعول المتوقّفة على فعلية الماء المتغير في الخارج؟ أو يكفي في جريانه نفس الفرض والتقدير -أي: الجعل-، فيفرض الفقيه طبيعي الماء المتغيّر الذي زال عنه التغيّر ويستصحب 

ـــــــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــــ

() أو النجاسة. (المقرِّر).

(2) وأن زوال التغيّر هل يكون موجباً لارتفاع النجاسة أم لا. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

نجاسته، دون أن يفتش عن وقوع تغيّر في الخارج؟ 

فإن كنّا نجري الاستصحاب في الشبهة الحكمية بالنحو الأوّل، يعني نجريه في المجعول بعد فرض فعليّته بفعلية موضوعه، فيأتي الإشكال هنا؛ لأن هذا الماء بالخصوص الذي شهدت البيّنة أنه متغيّر لا أعلم أنه متغيّر، ولا أعلم بفعلية المجعول فيه، فكيف أجري الاستصحاب؟!.

وأما إذا أجرينا الاستصحاب في الشبهة الحكمية، بالنحو الثاني -كما هو الصحيح- على ما تقدّم، فتكون أركان الاستصحاب تامة؛ لأن استصحاب النجاسة لا يجري في خصوص هذا الماء، بل يجري في طبيعة الماء المتغيّر، وهو معلوم النجاسة، ويشكّ في بقاء النجاسة له بعد زوال التغيّر. فيستصحب الحكم الواقعي، فيثبت أن كلّ ماء متغيّر إذا زال عنه التغيّر فهو باقٍ على نجاسته الواقعية بالتعبّد الاستصحابي. والبيّنة تشهد بأن هذا فرد من أفراد هذه الطبيعة. وبناءً على هذا أيضاً لا إشكال. 

الصورة الرابعة: [دلالة الأمارة على الحكم والشك بالبقاء كلاهما بنحو الشبهة الحكمية]

نعم، ينحصر الإشكال في الصورة الرابعة، وهي: ما إذا قامت الأمارة على ثبوت حكم بنحو الشبهة الحكمية، وشكّ في بقائه بنحو الشبهة الحكمية أيضاً، كالمثال الذي كنّا نستخدمه في أوّل المسألة، وهو ما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة، وشكّ بعد هذا في وجوبها إلى ما بعد أيام الغيبة. ففي مثل ذلك يقع الإشكال في أننا ماذا نستصحب: فإن كان هو الحكم الواقعي 

ـــــــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فهو ليس متيقّن الحدوث، وإن كان هو الحكم الظاهري فهو مقطوع الارتفاع؛ لأنه بلسان صدق العادل، والعادل لم يخبر إلّا عن زمان الحضور لا أكثر. 

ففي هذه الصورة فقط يأتي الإشكال، ويأتي الجواب بأحد الوجوه الأربعة التي تقدّمت، والتي تمّ منها الثاني والثالث. 

هذا تمام الكلام في جريان الاستصحاب في مؤدّيات الامارات. ويقع الكلام في جريانه في مؤدّيات الأصول.

*****

فذكر(1) بعد مثال الصورة الثالثة: أننا لا نجري الاستصحاب في الطهارة الظاهرية، بل نجريه في الطهارة الواقعية، بناءً على جريانه في الجعل، وأنه لا يتوقّف على وجود المجعول -كما سبق-. 

وأما(2) استصحاب النجاسة الظاهرية فلا يجري في المقام، وذلك: لأنها مدلول شهادة البيّنة، والبيّنة ليس لها شهادة بأن النجاسة تبقى بعد زوال التغيّر أو لا تبقى، ولو فرض أن لها شهادة بذلك، فإنها ليست بحجّة؛ لأنها شهادة قائمة على الحدس والاجتهاد لا على الحسّ، فلو أخبرت بذلك تبرّعاً لا نقبله، فضلاً عما لو أخبرت عن ذلك التزاماً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــــ

() بدأ السيّد بذكر ما كان قاله حول الصور الأربع السابقة، مع تغيير في العرض لا يهمّ ذكره. نعم، ذكر بعض الزيادات القليلة في ضمن بعض الصور، فنثبتها فيما يلي: فذكر بعد مثال الصورة الثالثة… (المقرِّر).

(2) وبعد أن انتهى من تقرير كيفية جريان استصحاب الحكم الواقعي –كما سبق– قال: وأما استصحاب… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إذن فلا نحتمل بقاء النجاسة الظاهرية إلى ما بعد زوال التغيّر؛ لأن النجاسة الظاهرية فرع شهادة البيّنة، وهي ليس لها شهادة لِما بعد زوال التغيّر. 

وأما الصورة الرابعة فإنها ينبغي أن تكون مورداً للإشكال، ويأتي فيها الأجوبة الأربعة، وهذه الأجوبة الأربعة: جوابان منها تصحيح لإجراء الاستصحاب في الحكم الواقعي، وهما الثاني والرابع. فإن الثاني يقول: بأن اليقين ليس ركناً، وإنما الركن ذات الحدوث، فيجري الاستصحاب في نفس الحكم الواقعي. وكذلك على الوجه الرابع الذي قاله الميرزا وهو: قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي. 

وأما بناءً على الوجه الأوّل والثالث، فيجري الاستصحاب في الحكم الظاهري مع عناية؛ إما في الجامع بين الحكم الواقعي والظاهري، كما هو الحال في الوجه الأوّل، أو في روح الحكم الظاهري، كما هو الحال في الوجه الثالث. 

وبذلك تمّ الكلام في المقام الأوّل، وهو جريان الاستصحاب في مؤدّيات الأمارات. 

ـــــــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 





المقام الثاني: في جريان الاستصحاب في مؤديات الأصول 

 

نصوغ الإشكال في المقام هكذا: ماذا تستصحبون؟ إن كنتم تستصحبون الطهارة الواقعية، فلا يقين بحدوثها؛ لأنها لم تثبت إلّا بالأصل والأصل ليس يقيناً. وإن كنتم تستصحبون الطهارة الظاهرية، فهي معلومة البقاء بإطلاق دليلها. 

وهذا هو فرق الصيغة هنا عن الصيغة هناك؛ إذ كنّا نقول هناك: إن كنتم تستصحبون الطهارة الظاهرية فهي معلومة الارتفاع، أما هنا فيقال: إنها معلومة البقاء، بنفس دليلها الأوّل. فلو شككنا في نجاسة ثوب وأجرينا أصالة الطهارة فيه، ثُمّ شككنا في وقوع نجس عليه من جديد، فهنا لا معنى لأن نستصحب الطهارة الظاهرية؛ لأنها معلومة البقاء بمقتضى دليلها. فإن “كلّ شيء طاهر” يجعل الطهارة الظاهرية ما لم يعلم بالخلاف، ومجرّد الشكّ الثاني لا يوجب العلم بالخلاف. 

وحين نضع الإشكال في هذه الصيغة تتعطّل كلّ الأجوبة الأربعة السابقة، ما لم تدخل عناية جديدة في البحث. 

أما [الجواب] الأوّل: وهو استصحاب الجامع بين الحكم الظاهري والواقعي. هذا لا معنى له في المقام؛ لأن الحكم الظاهري معلوم البقاء والواقعي مشكوك الحدوث، فالعلم الإجمالي ينحلّ إلى علم تفصيلي بالحكم 

ـــــــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الظاهري وشكّ بدوي في الحكم الواقعي. ولا معنى لاستصحاب الجامع بين المعلوم والمشكوك بدواً، لإثبات المشكوك بدواً -مثلاً -.

وإن شئتم قلتم: إن الجامع بين الحكم الواقعي والظاهري معلوم البقاء، بمعلومية بقاء أحد فرديه وهو الحكم الظاهري، فلا معنى لإثباته بالاستصحاب. 

وأما الجواب الثاني: وهو أن اليقين بالحدوث ليس ركناً، بل الركن هو ذات الحدوث. فأيضاً يتعطّل.

فإننا نقول: إن المراد حدوث ماذا؟ هل حدوث الطهارة الظاهرية؟ فهذه لا معنى لاستصحابها للقطع ببقائها بحسب مفروض الصيغة أو حدوث الطهارة الواقعية، فهو غير ثابت. فإنه في المقام الأوّل كانت الأمارة تثبت الحدوث، وأما هنا فالأصل لا يثبت الحدوث؛ لأنه ليس ناظراً إلى إثبات الواقع. إلّا إذا بنى على التنزيلية في بعض الأصول، كقاعدة الطهارة وأصالة الحلّ. 

وأما إذا لم نبنِ على هذه التنزيلية، كما لم تبنِ عليها مدرسة الميرزا، فلا يكون الحدوث ثابتاً ولا اليقين به ثابتاً، فكيف نجري الاستصحاب؟! 

وأما الجواب الثالث: وهو إجراء استصحاب الحكم الظاهري روحاً لا خطاباً. فأيضاً لا معنى له؛ لأن المفروض القطع ببقاء الحكم الظاهري روحاً وخطاباً.

وأما الجواب الرابع: وهو قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي، أي: مقام اليقين بالحدوث المأخوذ في موضوع دليل الاستصحاب. فإنه لو تمّ فإنما يتمّ في الأمارات بناءً على أن المجعول فيها هو الطريقية. وأما في الأصول حيث إنه 

ـــــــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ليس المجعول هو الطريقية، خصوصاً في غير الاستصحاب، إذن فلا معنى لدعوى قيام أصالة الإباحة والحلّ ونحوها مقام اليقين الموضوعي، إلّا بضمّ عناية سبق ذكرها، وهو أن يراد من اليقين بالاستصحاب مطلق المنجز، وهذه عناية زائدة على مباني الحكومة، تحتاج إلى قرينة ولا قرينة.

فالأجوبة الأربعة كلّها تتعطّل. 

[مناقشة بيان الميرزا للإشكال بلحاظ الشك بالبقاء]

وعلى ضوء ما بيّناه ظهر الاضطراب في تقريرات الميرزا في مقام بيان الإشكال، حيث ذكر في كِلا التقريرين: أن الاستصحاب لا يجري في مؤدّيات الأصول، لا لعدم اليقين بالحدوث، فإننا دبّرنا أمره بلحاظ قيام الأمارات والأصول مقام القطع الموضوعي، بل لأنه لا شكّ في البقاء، فإن أصالة الطهارة كما تجري حدوثاً تجري بقاءً.

هذا البيان مضطرب؛ لأنه ما هو نظرهم؟ هل نظرهم إلى استصحاب الطهارة الواقعية؟ إذن فكيف يقال: بأنه لا شكّ في البقاء، فإن الطهارة الواقعية مشكوكة البقاء لا محالة(1). وإنما نقطع ببقاء الطهارة الظاهرية. وإن كان المراد استصحاب الطهارة الظاهرية، فما معنى قولهم: إننا صحّحنا اليقين بالحدوث بقيام الأمارات والأصول مقام القطع الموضوعي؟ فإن(2) الطهارة الظاهرية محرزة بالوجدان حدوثاً لا يحتاج معه إلى ضمّ التنزيل إليه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــــ

() وهي غير محرزة لا حدوثاً ولا بقاءً. (منه). (المقرِّر).

(2) هنا بدأ بالمناقشة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [الصيغة المختارة للإشكال]

فهذا، بحسب الحقيقة خلط بين الشقّين، وكان ينبغي أن يفصّل القول فيهما، ويكون الإشكال في استصحاب الطهارة الواقعية هو أنه لا يقين بالحدوث. فإذا قال لنا الميرزا بأني صحّحت قيام الأصول مقام اليقين بالحدوث، إذن فينبغي أن يجري الاستصحاب في مؤدّى الأصول. 

*****

فهذان شقّان(1): يقع الكلام في التعليق على هذا الإشكال في كِلا الشقّين. 

فأوّلاً يقع الكلام في أنه في موارد جريان الأصول هل يمكن إجراء الاستصحاب في الطهارة الواقعية أو لا؟ ثُمّ بعده يقع الكلام في استصحاب الطهارة الظاهرية. 

[الشق الأول: هل يمكن إجراء الاستصحاب في الطهارة الواقعية؟]

وقد كان الإشكال، بالنسبة إلى الطهارة الواقعية، هو أنه لا يقين بالحدوث؛ لأنها لم تثبت بالعلم، والأصل ليس يقيناً. وما يتصوّر كونه جواباً على هذا الإشكال: أحد تقريبات ثلاثة: 

التقريب الأوّل: [إنكار ركنية اليقين للاستصحاب]

ما تقدّم بعنوان الوجه الثاني في باب الأمارات، وهو دعوى: أن اليقين 

ـــــــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــــ

() ذكر أوّلاً الاضطراب الذي وقع في تقريرات الميرزا. ثُمّ كرّر الصيغة المختارة للإشكال، على ما سبق أن ذكره آنفاً. وقال: فهذان شقّان… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بالحدوث ليس ركناً من أركان الاستصحاب أصلاً، وإنما ركنه هو ذات الحدوث والشكّ في البقاء، فنحن وإن لم يكن لنا يقين بالحدوث، لكن لا بأس بذلك، فإنه ليس جزء الموضوع، وإنما جزؤه ذات الحدوث. 

هذا التقريب كان نافعاً في باب الأمارات؛ لأننا كنّا نثبت جزء الاستصحاب بضمّ التعبّد إلى الوجدان، فإن الشكّ بالبقاء وجداني وذات الحدوث ثابت بالأمارة. 

وأما في المقام فإن كانت الطهارة الحدوثية ثابتة بالاستصحاب، فالكلام فيه هو الكلام في الأمارة؛ إذ يثبت ذات الحدوث بالاستصحاب، والشكّ بالبقاء وجداني. ومن المعلوم أن الاستصحاب إذا أثبت جزء الموضوع لحكم، وكان جزؤه الآخر ثابتاً بالوجدان، فإنه يترتّب عليه ذلك الحكم. 

وأما إذا كان ذات الحدوث ثابتاً بأصالة البراءة أو الطهارة، فهل ينفع هذا الجواب أو لا؟ مبني على تحقيق أن ما كان من قبيل أصالة الطهارة هل هو أصل تنزيلي، يكون مفاده تنزيل الظاهر منزلة الواقع، أو هو غير تنزيلي، مفاده جعل الطهارة الظاهرية ابتداءً؟ فإذا اخترنا الأوّل وهو التعبّد بحدوث الطهارة الواقعية بتمام آثارها، إذن أيضاً تصير أصالة الطهارة كالاستصحاب والأمارة. 

وأما إذا فرضنا أن هذه الأصول غير متضمّنة التعبّد بالواقع، وليس لها نظر إليه -كما عليه مدرسة المحقّق النائيني-، وإنما هي في مقام جعل طهارة مستقلة. إذن فحدوث الطهارة الواقعية لم يثبت، فكيف يترتّب على 

ـــــــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ذلك الاستصحاب(1)؟

التقريب الثاني: [أخذ اليقين بالحدوث في موضوع الاستصحاب لا ذاته]

هو أن يقال: إن الاستصحاب أُخذ في موضوعه اليقين بالحدوث لا ذاته، وأدلّة الأمارات والأصول تتكفّل إقامتها مقامه. 

هذا التقريب في باب الأمارات كان لا يخلو من وجه؛ إذ يدّعى أن المجعول في أدلّتها هو الطريقية والكاشفية. أما في باب الأصول: فكون أدلّتها متكفلّة لليقين بالحدوث -مع فرض كونها أصولاً غير تنزيلية- مما لا يمكن افتراضه؛ لأن معنى كونها غير تنزيلية أنها ناظرة إلى جعل حكم ظاهري بقطع النظر عن الواقع، وليست في مقام إيصال الواقع، لا بعنوان التنزيل ولا بعنوان جعل الطريقية. فلا يمكن أن يقال: إن أدلّتها توجب تنزيلها منزلة اليقين بالحدوث. 

نعم، أدلّة الأصول التنزيلية بالإمكان أن يدّعى فيها ذلك، وأن أدلّتها منزّلة لها منزلة الواقع.

ـــــــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: كأنّنا في الاستصحاب لم نحتج إلى التنزيل.

فقال: لا. فإن الاستصحاب –على أيّة حال– يجري في الموضوع لأجل إثبات حكمه بأيّ لسان كان، فإنه ناظر إلى الواقع، إما بلحاظ التنزيل أو جعل الطريقية أو بأيّ لحاظ آخر. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التقريب الثالث: [أخذ اليقين بالحدوث في موضوع الاستصحاب بما هو منجز]

أننا نستفيد من نفس دليل الاستصحاب إما بلحاظ لفظه أو بلحاظ الارتكاز: أن المأخوذ في موضوعه اليقين بالحدوث بما هو منجّز. ومن المعلوم أن كلّ الأصول المنجّزة والمعذّرة تكون محقّقة لمصداق اليقين حقيقة. 

وهذا الجواب غير صحيح، وذلك: 

أما أوّلاً: فلأن إرادة الحجّية من اليقين لا شاهد عليه -كما سبق- لا من ناحية اللفظ ولا من ناحية الارتكاز، بل مقتضى طبع المطلب حمل اليقين على معناه اللغوي الذي لم يثبت استقرار اصطلاح من قبل الشارع على خلافه.

وثانياً: أننا إذا حملنا اليقين في المقام على المنجّز المعذّر فكأنّه يقول: (إذا وجد المنجّز فلا تنقضه بالشكّ في البقاء). فنسأل: فماذا نحمل الشكّ في البقاء؟ هل نحمله على عدم المنجّز والمعذّر، أو على عدم العلم الوجداني؟ فإن حملته على عدم العلم الوجداني، فيلزم أن يكون المراد من الشكّ معنى لا يقابل اليقين، مع أن الظاهر من السياق أنه يراد بالشكّ ما يراد من اليقين.

وإن حملت اليقين على مطلق المنجّز، وحملت الشكّ على عدم المنجّز بقاءً، فيلزم من ذلك أنه قد أُخذ في دليل الاستصحاب عدم المنجّز بقاءً، فتكون جميع أدلّة الأصول صالحة للحاكمية على دليل الاستصحاب؛ لأنها تكون متكفّلة لجعل المنجّز والمعذّر. 

ـــــــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

هذا هو خلاصة الكلام في الشقّ الأوّل من الإشكال، وهو جريان الاستصحاب في الطهارة الواقعية. 

[الشق الثاني: في جريان الاستصحاب في الطهارة الظاهرية]

وأما جريانه في الطهارة الظاهرية، فقد كان الإشكال فيه هو أنه لا شكّ في بقائها؛ لأن موضوعها عدم العلم بالنجاسة، وهو محرز وجداناً بقاءً، كما كان محرزاً من أوّل الأمر، فيكون مشمولاً لدليل أصالة الطهارة ولا حاجة إلى الاستصحاب. 

[جواب المرزا النائيني عن الإشكال]

هذا الكلام أجيب عنه بوجهين:

الوجه الأوّل ما أشار إليه المحقّق النائيني: من أن عدم الشكّ في بقاء الطهارة الظاهرية إنما هو بلحاظ دليل أصالة الطهارة، ومن المعلوم أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصالة الطهارة، ورافع لموضوعه، فكيف يفرض كون أصالة الطهارة مانعة عن جريان الاستصحاب؟! 

ثُمّ أشكل الميرزا على ذلك: بأن دليل الاستصحاب وإن كان حاكماً على دليل أصالة الطهارة، لكنّه يكون حاكماً لو جرى. ونحن نقول إنه في نفسه لا يجري. 

وكلٌّ من الجواب والإشكال عليه، لا يرجعان إلى محصّل:

أما جواب الميرزا على الإشكال: فكأنّ الميرزا سلّم كون الاستصحاب حاكماً على أصالة الطهارة لو جرى. إذن فيستحيل أن لا يجري، يعني: يستحيل 

ـــــــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أن تكون أصالة الطهارة مانعاً عن جريانه؛ لأنها موقوفة على عدم وجود الحاكم، فكيف تكون مانعاً عن فعلية الحاكم ورافعة لموضوعه. 

بل الصحيح(1) في مقام الجواب أن يقال: إنه لا حكومة في المقام. فإن الاستصحاب الحاكم على أصالة الطهارة، هو استصحاب الطهارة الواقعية. وكلامنا الآن في استصحاب الطهارة الظاهرية، وهو لا يحكم على أصالة الطهارة، بل دليلها يحكم عليه؛ لأن استصحاب الطهارة الظاهرية فرع الشكّ فيها، ودليل أصالة الطهارة يقتضي إلغاء هذا الشكّ. وقد نشأ هذا التوهم من الخلط بين هذين الاستصحابين(2).

الجواب الثاني: هو ما ذكره الميرزا أيضاً واختاره: 

حيث قال: بأن دليل الأصل على نحوين، فتارةً يكون متكفّلاً للبقاء على حدّ تكفّله للحدوث. وأخرى يفرض أن دليل الأصل عاجز عن إثبات البقاء، ومتكفّل لإثبات الحدوث فقط. وكِلا الفرضين معقول وواقع. 

ففي الفرض الأوّل الإشكال وارد، ولا معنى لاستصحاب الطهارة الظاهرية؛ لأنها محرزة ببقاء موضوعها وجداناً بقاءً، كما كان كذلك حدوثاً. كما لو شكّ في طهارة ثوب ونجاسته فأجرينا أصالة الطهارة، ثُمّ شكّ أنه هل لاقى من جديد مع الدم. فهذا الشكّ لا يخرجه عن موضوع دليل أصالة الطهارة؛ لأن موضوعها عدم العلم بالقذارة وهذا موجود وجداناً. فنفس دليل الأصل 

ـــــــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــــ

() كأنّ هذا مناقشة لأصل الوجه. (المقرِّر).

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: نعم، نسبته نسبة الأصل إلى الأمارة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يثبت الحدوث والبقاء، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب. 

وأما في الفرض الثاني، وهو ما إذا كان الأصل قاصراً عن تكفّل البقاء. فتكون الطهارة الظاهرية مشكوكة بقاء، ويحتاج إلى إجراء الاستصحاب فيها، كما لو فرض أن شخصاً غسل الثوب بالماء، وشككنا في أن غسله صحيح أو لا، فأجرينا أصالة الصحّة في غسله، فثبتت طهاريته بهذا الأصل، ثُمّ احتملنا ملاقاة الثوب مع الدم. فأصالة الصحّة لا تثبت بقاء الطهارة في هذا الثوب، وإنما غاية ما تثبت أن الغسل وقع صحيحاً، وأن الطهارة حدثت في هذا الثوب. أما أن هذا الثوب سوف لن يبتلى بملاقاة الدم فلا تثبته أصالة الصحّة. 

فالطهارة الظاهرية المجعولة في أصالة الصحة غير محرزة بقاءً. إذن فيجري استصحابها بقاءً(1).

ـــــــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: لا يخلو حال الطهارة المجعولة بدليل أصالة الصحّة في المثال من أحد أمور ثلاثة: أما أن تكون مغيّاة بالملاقاة الواقعية، أو مغيّاة بالشك بالملاقاة، أو يشكّ في ما هو غايتها منهما.

فعلى الأوّل يكون حالها حال أصالة الطهارة في كون الطهارة المجعولة بدليلها طهارة مستمرّة إلى حين العلم بالملاقاة، ولا يقدح الشكّ في بقائها. غاية الفرق بينهما: أنه في أصالة الطهارة ننفي الشكّ الجديد بإطلاق آخر من إطلاقات الدليل، وفي أصالة الصحّة ننفيه بنفس الإطلاق السابق للدليل. 

وعلى الثاني تكون الطهارة الظاهرية مقطوعة الارتفاع بمجرّد الشك، وعلى أيّ حال –في كِلا الفرضين– لا يمكن جريان استصحاب الطهارة الظاهرية. 

 [وعلى الثالث]: وأما إذا شككنا فيما هو غايتها، فنحتمل لا محالة بقاء الطهارة الظاهرية وارتفاعها، فقد يكون هناك مجال لاستصحاب الطهارة الظاهرية. وظاهر الميرزا إرادة الثاني لقصور دليل أصالة الصحّة عن إثبات الطهارة فيما بعد الشكّ. فكيف يجري الاستصحاب؟! 

على أننا لو شككنا فيما هي الغاية، فإننا يجب أن نأخذ بأخصّ القيدين، وهو الشكّ في الطهارة، ولا يبقى عندنا كاشف عن الزائد لغرض إجمال المخصّص، فيكون بمنزلة ما إذا علم ضيق القيد. فافهم وتأمّل. انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [بيان السيد الأستاذ للضابط في المقام] 

والسيّد الأستاذ كأنّه أراد أن يبيّن ضابطاً لهذين القسمين، يعني: متى يكون دليل الأصل متكفّلاً بنفسه للبقاء، ومتى لا يكون متكفّلاً لذلك. فذكر في ضابط ذلك: أن دليل الأصل:

تارةً: يجري في نفس مورد الشك، كمثال أصالة الطهارة في الثوب وشككنا في ملاقاته مرّة أخرى. ففي مثل ذلك يكون دليل الأصل متكفّلاً للبقاء على حدّ تكفّله للبقاء، ولا تصل النوبة إلى استصحاب الطهارة الظاهرية. 

وأخرى: يفرض أن دليل الأصل يكون في موضوع الشكّ لا في نفس مورده. فدليل الأصل يقتضي جريانه في مرتبة الموضوع، ويكون الشكّ في مرتبة الحكم، كما لو غسلنا الثوب المتنجّس في الماء المشكوك الذي أجرينا فيه أصالة الطهارة، ثُمّ شككنا أن هذا الثوب هل لاقى مع الدم أو لا. هنا مورد الأصل هو الماء، ومورد الشكّ هو الثوب المغسول به، فالشكّ في مرحلة المسبّب والأصل في مرحلة السبب. 

في مثل هذا يكون دليل الأصل غير متكفّل للبقاء؛ لأن دليل أصالة 

ـــــــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الطهارة في الماء لا يقتضي إثبات الطهارة للثوب إلى الأبد، وإنما يقتضي حدوث الطهارة له بالغسل بهذا الماء، فلو شكّ أنه لاقى مع النجس أو لا، يجري استصحاب الطهارة الظاهرية. 

وهذا الضابط غير تامّ؛ لأنه قد يتّفق أن دليل الأصل يكون في رتبة الموضوع، ومع هذا لا شكّ في بقاء الحكم، وقد يتّفق العكس. 

فالأوّل: هو نفس المثال الذي مثّل به، فإنه إذا وقع الغسل بالماء الذي ثبتت طهارته بأصالة الطهارة، ثُمّ شكّ في ملاقاة الثوب للنجاسة. قال السيّد الأستاذ فيه بجريان استصحاب الطهارة الظاهرية، والصحيح عدم جريانه؛ لأن دليل أصالة الطهارة ابتداءً يشمل هذا الثوب. 

نعم، صحيح أن تلك الحصّة من أصالة الطهارة الثابتة في الماء لا تقتضي بقاء الطهارة الظاهرية في الثوب إلى ما بعد احتمال الملاقاة، لكن دليل أصالة الطهارة بنفسه يوجب الشمول للثوب بعد احتمال وقوع النجاسة فيه؛ لأنه حينئذٍ يكون مصداقاً حقيقياً لموضوع أصالة الطهارة. فالطهارة الظاهرية
-المجعولة بدليل أصالة الطهارة- ثابتة للثوب وجداناً، ومعه لا حاجة إلى استصحاب الطهارة الظاهرية الثابتة للثوب بلحاظ إجراء أصالة الطهارة في الماء(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال جواباً على من قال: إننا نستصحب الحصّة.

قال: إذا كان المقصود استصحاب الحصّة بخصوصيتها، فهو لغو، وإن كان المقصود استصحابها بلحاظ جامعها، فهو محرز بلحاظ الدليل.

نعم، يتمّ هذا المطلب إذا كان الدليل على طهارة الماء أو صحّة الغسل به، لم يكن أصالة الطهارة، بل كان شيئاً آخر، كأصالة الصحّة وقاعدة الفراغ، فلا بأس أن يستصحب الطهارة المجعولة في قاعدة الصحّة؛ لأن هذه القاعدة لا تثبت طهارة الثوب إلى الأبد. 

هذا من هذا الطرف، وهو أنه قد يفرض أن الأصل جارٍ في رتبة الموضوع، ومع هذا لا يصحّ جريان الاستصحاب في رتبة الحكم. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وقد يفرض العكس، وهو ما إذا فرض أن الأصل والشكّ في مورد واحد، ومع هذا يتعقّل جريان الاستصحاب. كما لو كبّر شخص تكبيرة الإحرام فشكّ في صحّتها، فأثبت صحّتها بأصالة الصحّة أو قاعدة الفراغ أو التجاوز، فهنا أصل صحّة الصلاة ثابت بالأصل. ثُمّ بعد هذا شكّ في بقاء هذه الصحّة شكّاً لم يتجاوز عن محلّه. وقلنا بجريان استصحاب الصحّة. فهنا لا بأس بجريانه؛ لأن الصحّة الظاهرية ثبتت حدوثاً بنفس أصالة الصحّة، ويشكّ الآن في بقائها، فيستصحبها. ومورد الشكّ والأصل واحد وهو صحّة هذا العمل. 

ولا يأتي هنا الإشكال على استصحاب الصحّة الظاهرية: بأن دليل حدوثها هو دليل بقائها. لا، ليس كذلك، مع أن مورد الشكّ ومورد الأصل واحد وليس بينهما ترتّب. 

إذن فهذه القاعدة منخرمة طرداً وعكساً.

يقع الكلام في أصل ما أفاده المحقّق النائيني في مقام دفع الإشكال

وتحقيق ذلك يكون على ضوء ما تقدّم في فذلكة البحث، وذلك أن دليل الأصل:

تارةً: يفرض أنه بنفسه متعرّض للبقاء على حدّ تعرّضه للحدوث، فلا 

ـــــــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مجال لجريان استصحاب الحكم الظاهري؛ لأنه محرز بقاء تبعاً لبقاء موضوعه
-كما قال الميرزا-. 

[وأخرى]: وأما إذا فرض أن دليل الأصل لم يكن كذلك، فهذا بمجرّده لا يكفي لتصحيح جريان استصحاب الحكم الظاهري، بل لا بُدّ في جريانه من أن نقول: إن دليل الأصل مجمل، لعلّه يتعرّض لمرحلة البقاء ولعلّه لا يتعرض. فإننا إذا جزمنا بأن مفاد دليل الأصل مطلق يشمل مرحلة البقاء، أو جزمنا بأنه ضيق لا يشملها، فلا مجال لجريان الاستصحاب. وإنما الذي ينفعنا في مقام جريان الأصل واستصحاب الحكم الظاهر، هو أن يكون مفاد دليل الأصل سنخ مفاد يحتمل بقاؤه ويحتمل عدمه. 

عود إلى فذلكة البحث

وتوضيح أنه كيف يكون كذلك: يكون بالرجوع إلى فذلكة البحث وتطبيقها كما تقدم منّا في الأمارات في الأصول.

وذلك: أن الصور في المقام أيضاً أربع: 

الصورة الأولى: أن يجري الأصل في مرحلة الحدوث بلحاظ الشبهة الموضوعية، ويكون الشكّ في البقاء أيضاً بلحاظها. ومثاله: أن شخصاً غسل الثوب المتنجّس بالماء، وشككنا في صحّة غسله، فأجرينا أصالة الصحّة، وترتّب عليه الحكم بطهارة الثوب. فهذا أصل جارٍ في الشبهة الموضوعية، ثُمّ
-بعد هذا- شككنا بنحو الشبهة الموضوعية: أن الثوب هل لاقى مع الدم أو لا؟ 

ـــــــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

دليل أصالة الصحّة ليس متعرّضاً لمرحلة البقاء جزماً، يعني لا يكون دليلاً قطعياً على بقاء الطهارة، فإنه يتكفّل صحّة الغسل، ولا يتكفّل أن الدم هل وقع بعد ذلك في الثوب أو لا. فالقطع ببقاء الطهارة الظاهرية غير موجود. 

فهل هذه الطهارة الظاهرية المجعولة بأصالة الصحّة محتملة البقاء أو مقطوعة الارتفاع؟ فإن كانت مقطوعة الارتفاع فلا يجري الاستصحاب، فلا بُدّ من تصوير أنها محتملة البقاء. 

وتصوير ذلك واضح -على ما تقدّم في الأمارات-؛ لأن أصالة الصحّة من الأصول الموضوعية للحكم الشرعي. فإن الغسل مرّتان -مثلاً- موضوع لحكم شرعي بالطهارة، وأصالة الصحّة تثبت هذا الموضوع، وأنه غسل مرّتين. فإذا تنقّح الموضوع بها ثبت حكمه، وهو: أن الثوب يطهر طهارة باقية مستمرّة إلى أن يلاقي مع الدم. فدليل أصالة الصحّة يتعبّدنا بحكم ذلك الموضوع الذي يثبته. وحينئذٍ، فإذا شككنا في أن هذا الثوب هل لاقى مع الدم بعد ذلك أو لا؟ فمعناه: أننا نشكّ في أن الطهارة المجعولة في دليل أصالة الصحّة هل هي باقية أو لا؟ فيجري استصحابها بلا إشكال. 

فالحكم الظاهري المجعول في دليل أصالة الصحّة، لا هو مقطوع البقاء ولا مقطوع الارتفاع، بل هو محتمل البقاء، فيجري استصحابه. 

الصورة الثانية: كون الأصل جارياً بلحاظ الشبهة الحكمية، ويكون الشكّ في البقاء بلحاظ الشبهة الموضوعية. كما لو فرض أن الماء لاقى مع المتنجّس، 

ـــــــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وشككنا في أنه هل ينفعل بملاقاة المتنجّس أو لا ينفعل(1)؟ فأجرينا استصحاب الطهارة في الماء، ثُمّ غسلنا به ثوباً، فحكمنا بطهارة الثوب؛ لأنه غسل بماء طاهر تعبّداً. ثُمّ شككنا في أن هذا الثوب هل لاقى مع الدم أو لا، وهذه شبهة موضوعية. 

فاستصحاب الطهارة الجاري في الماء لا يتكفّل لإحراز بقاء الطهارة الظاهرية في الثوب إلى أبد الآبدين، بل غاية ما يثبت أن الثوب المنجّس قد طهر، أما أنه سوف لن يلاقي دماً فلا يضمنه هذا الاستصحاب. فالطهارة الظاهرية الثابتة في الثوب ببركة استصحاب الطهارة في الماء ليست مقطوعة البقاء، ولكنّها محتملة البقاء. 

لأن استصحاب الطهارة في الماء المتنجّس أصل موضوعي لحكم شرعي، هو: أن الثوب بما أنه غسل بالماء الطاهر تعبّداً، فهو طاهر بالطهارة المستمرّة إلى أن يلاقي مع الدم. فلو شكّ في أن الثوب هل لاقى الدم أو لا؟ فهو شكّ في بقاء الطهارة الظاهرية المجعولة في الثوب ببركة استصحاب طهارة الماء، فيكون استصحاب الطهارة الظاهرية في الثوب جارية؛ لأنها مشكوكة البقاء.

الصورة الثالثة: كون الأصل جارياً بلحاظ الشبهة الموضوعية، وكون الشكّ في البقاء بلحاظ الشبهة الحكمية. كما لو فرضنا أن شخصاً توضّأ، ثُمّ شكّ في صحّة وضوئه وبطلانه؛ لكونه مستوعباً لتمام الغسلات والمسحات أو لا؟ فأجرى قاعدة الفراغ لإثبات صحّة وضوئه. فهذا أصل جارٍ في الشبهة 

ـــــــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــــ

() وهي شبهة حكمية. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الموضوعية. ثُمّ بعد هذا خرج منه مذي، وشكّ في ناقضيته بنحو الشبهة الحكمية. فالشكّ في البقاء كان بنحو الشبهة الحكمية. 

فهنا أيضاً لا بأس بجريان استصحاب الطهارة الظاهرية؛ لأن مفاد قاعدة الفراغ هو إثبات أن هذا المؤمن توضّأ وضوءاً تامّاً، والوضوء التامّ حكمه شرعاً هو حدوث الطهارة وبقاؤها إلى أن يرتفع برافع. وهذا الرافع أمره مردّد بين أن يكون هو البول أو الجامع بين البول والمذي. إذن فالمجعول بقاعدة الفراغ حكم مردّد بين أن يرتفع بالمذي أو لا يرتفع. إذن فهو حكم مردّد بين الطول والقصر -بين البقاء والانقطاع-، وهذا معناه الشكّ في بقائه. 

وإن شئتم قلتم: بأن قاعدة الفراغ تقول بأن هذا المؤمن يثبت له حكم الوضوء، وأنا لا أدري ما هو حكم الوضوء، هل هو الطهارة إلى خروج المذي أو إلى ما بعده؟ فيجري استصحاب الطهارة المجعولة في قاعدة الفراغ بلا إشكال. في هذه الصورة الثالثة(1) يمكن استصحاب الطهارة الواقعية، كما سبق في الأمارات(2).

الصورة الرابعة: أن يفرض كون الأصل جارياً بلحاظ الشبهة الحكمية، 

ـــــــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــــ

() وقال السيّد بعد البحث: أنه في هذه الصورة الثالثة… (المقرِّر).

(2) أقول: وذلك: بأن نتصوّر شخصاً قد توضّأ وضوءاً جامعاً للأجزاء والشرائط، فنقطع بطهارته الواقعية، ثُمّ نفرض خروج المذي منه، ونشك، بنحو الشبهة الحكمية في أنه ناقض أو لا. فنشكّ في طول هذه الطهارة وقصرها، فنستصحب الطهارة الواقعية. انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وكون الشكّ أيضاً بلحاظ شبهة حكمية. كما لو فرض أننا أجرينا استصحاب الطهارة في الماء بلحاظ شبهة حكمية، كما لو لاقى الماء مع المتنجّس فشككنا في بقاء الطهارة له، فاستصحبناها، وغسلنا به الثوب المتنجّس فحكمنا بطهارته. ثُمّ شككنا في بقاء الطهارة في الثوب المتنجّس بنحو الشبهة الحكمية أيضاً بأن لاقى مع المتنجّس أو الكافر، وشككنا في أن الثوب هل ينجس بمثل هذا أو لا؟ 

هنا لا بأس بجريان استصحاب الطهارة الظاهرية؛ لأن استصحاب الطهارة في الماء ينقّح موضوعاً في الثوب يقول: بأن هذا غسل بالماء الطاهر. وهذا الغسل موضوع شرعاً للطهارة المستمرّة إما إلى حين ملاقاة الكافر أو إلى ما بعده. فهي طهارة مردّدة بين الطويل والقصير. إذن فهذه الطهارة الثوبية المجعولة في دليل استصحاب الطهارة في الماء محتملة البقاء، فيجري استصحاب بقائها أيضاً. 

ففي كلّ هذه الصور الأربع، تكون الطهارة الظاهرية المجعولة في دليل الأصل محتملة البقاء فيجري استصحابها. 

ومن هنا اتّضح: أنه قد يتّفق أن يكون مفاد دليل الأصل مقطوع البقاء، كما هو الحال في مثال ما إذا جرت أصالة الطهارة في نفس الثوب، وشككنا في نجاسته ثانياً. 

وقد يكون مفاد دليل الأصل مشكوك البقاء، كأمثلة هذه الصور الأربع. وقد يكون مفاد دليل الأصل مقطوع الارتفاع بحيث لا يمكن استصحابه، 

ـــــــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ومثاله: ما إذا كان عندنا كرّ من الماء، ثُمّ أخذنا منه مقداراً قليلاً، وشككنا في بقاء الكرّية، يقول الآغايون: إنه يجري استصحاب الكرّية؛ باعتبار أن هذا القليل لا يغيّر الموضوع. فتثبت الكرية الواقعية بالاستصحاب. 

ثُمّ إذا أخذنا مقداراً آخر بحيث لا يتغيّر الموضوع، فأيضاً نستصحب الكرّية الواقعية. 

وهكذا كلّما أخذنا مقداراً، إلى أن يبلغ إلى مرتبة يقال فيها: إن هذا الذي بقي غير ذاك الذي كنّا على علم بكرّيته، كما لو أصبح نصف المقدار الأوّل أو ثلثيه. فقد اختلف الموضوع. ومعه لا يمكن جريان استصحاب الكرّية الواقعية. 

[دفع وهم]

فهنا قد يتوهّم: أننا نجري استصحاب الكرية الاستصحابية؛ لأن هذا الكرّ قبل أن نأخذ منه آخر دفعة من الماء والتي بها اختلف الموضوع الواقعي، كان مجرىً لاستصحاب الكرّية الواقعية، فهو كرّ استصحابي. وبعد أن أخذنا هذه الدفعة الأخيرة، فحاله وإن اختلف عن كميّته الأولى، إلّا أن حاله عما قبل الغَرفة الأخيرة لم يتغيّر، فهو عينه عرفاً، فإنه ليس بينهما فرق إلّا غرفة واحدة؛ فلنجرِ استصحاب الكرية الاستصحابية.

ففي مقام دفع هذه الشبهة نقول:

بأن الكرّية الاستصحابية مقطوعة الارتفاع؛ لأنها مجعولة على نفس ما كنّا على يقين من كرّيته، وهذا غير ما كنّا على يقين من كرّيته. فإن موضوع الكرّية الاستصحابية هو الماء الذي كان كرّاً، والآن لم يبقَ ماء نقول إنه كان كرّاً؛ لتغيّر 

ـــــــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الموضوع. وبتبع ارتفاع الموضوع ارتفع الحكم، وهو الكرّية الاستصحابية. فيكون مفاد الأصل مقطوع الارتفاع، ولا يمكن استصحابه(1)

هذا تمام ما أردنا بيانه في جريان استصحاب مؤدّيات الأصول.

ـــــــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال له بعض الإخوان: في مورد مقطوع الارتفاع أَلَا يجري استصحاب روح الحكم الظاهري؟

فقال: هذا كلام آخر. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 








التنبيه الرابع

في جريان الاستصحاب في الكلّي

 

  • المقام الأوّل: في أصل جريان استصحاب الكلّي 
  • المقام الثاني: في التعرّض إلى أقسام استصحاب الكلي

ـــــــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 






التنبيه الرابع: في جريان الاستصحاب في الكلّي 

 

والكلام في هذا التنبيه يقع في مقامين: الأوّل: في أصل استصحاب الكلّي. الثاني: في أقسامه.

 

المقام الأوّل(1): في أصل جريان استصحاب الكلّي 

 

يقال في مقام تصحيحه:

إن أركان الاستصحاب كما يمكن أن تتمّ في الفرد يمكن أن تتمّ في الكلّي، فيكون متيقّن الحدوث ومشكوك البقاء. 

وقد اعترض على استصحاب الكلّي رأساً باعتراضين، أحدهما منصبّ على استصحاب الكلّي في الموضوعات، والآخر منصبّ على استصحاب الكلّي في الأحكام. 

الاعتراض الأوّل: وهو على استصحاب الكلّي الجاري في الموضوعات 

حاصله أن يقال: إن الكلّي ليس له -بما هو كلّي- وجود في الخارج، وإنما 

ـــــــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــــ

(1) في الإشكالات التي يتعرض لها الاستصحاب الكلّي بقطع النظر عن تفصيلاته بحيث لو تمّت هذه الإشكالات لتعذر جريانه في تمام الأقسام.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الموجود منشأ انتزاعه وهوا لفرد. ومن المعلوم أن ما هو موضوع للحكم شرعاً وحقيقة إنما هو الموجود خارجاً، فإذا لم يكن للكلّي وجود في الخارج، فلا محالة ينحصر الاستصحاب في الفرد دون الكلّي.

وبتعبير آخر: إن جريان الاستصحاب إنما يكون بلحاظ الأثر الشرعي، وهو إنما يكون مترتّباً على الموجود الخارجي، وهو الفرد الذي هو منشأ انتزاع عنوان الكلّي. وأما الكلّي فهو أمر ذهني ليس له وجود في الخارج، فلا يكون موضوعاً للأثر حتى يصحّ جريان الاستصحاب بشأنه. 

[دفع الاعتراض]

إن كان المقصود من هذا البيان: أن الاستصحاب لا يجري في الكلّي بما هو مفهوم بمعزل عن الوجود الخارجي، ولا يكون تعبّداً بالمفهوم بما هو مفهوم، وإنما يكون تعبّداً بالوجود الخارجي لا محالة… فهذه الدعوى صحيحة، فإن المفهوم بما هو مفهوم لا معنى للتعبّد به، ولا أثر له في مقام الموضوعية للحكم الشرعي المترتّب عليه، وإنما هو مترتّب على وجود هذا المفهوم. 

لكن هذا لا يعني غلق باب استصحاب الكلّي، في مقابل استصحاب الفرد، وذلك لأن هذا الموجود الخارجي له إضافات متعدّدة باعتبار الحيثيات التي يستبطنها. فزيد وجود لطبيعي الإنسان ووجود لطبيعي اعراض أخرى اكتنفت به، فهو كمّ وكيف مخصوص، وهكذا. وهذا الوجود بتمام حيثياته وإضافاته يسمّى الفرد. فنحن حين ندّعي جريان استصحاب الكلّي في مقابل استصحاب الفرد، نقصد: أننا تارةً نستصحب الوجود بما هو مضاف إلى 

ـــــــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الطبيعي، وهو استصحاب الكلّي، وأخرى نستصحب الوجود بما هو مضاف إلى الماهيّة الشخصية المتحصّلة من مجموع العناوين الموجودة في هذا الموجود، وهذا هو استصحاب الفرد. 

فكِلا الاستصحابين مشترك في أن مصبّ التعبّد الاستصحابي هو الوجود، لا المفهوم بما هو مفهوم، لكنّ هذا الوجود تارةً يستصحب بما هو مضاف إلى الطبيعي، وأخرى بما هو مضاف إلى الفرد. 

وإن كان المقصود من الإشكال بيان أن الاستصحاب لا يجري في الكلّي؛ لأن الكلّي لا وجود له في الخارج. وإنما الموجود في الخارج هو الفرد الذي هو منشأ انتزاع عنوان الكلّي. 

إن أريد ذلك فهذه مغالطة، وذلك: لأن الكلّي بما هو كلّي وإن لم يكن موجوداً في الخارج، ولكن ذات الكلّي موجود في الخارج. 

فإذا تصوّر الذهن(1) البشري حيثية الإنسانية المحفوظة في ذهن الفرد مجرّدة عن باقي الحيثيات الأخرى، أصبحت هذه الصورة مختلفة عن الواقع الخارجي. فإن الإنسانية الموجودة في الواقع إنسانية غير مجرّدة عن الحيثيات الأخرى، بينما الإنسانية الذهنية مجرّدة. ولكن مع هذا ينطبق هذا على ذاك، وذلك: لأن التجرّد في الصورة الذهنية لم يؤخذ قيداً في ذي الصورة، وإنما أخذ حدّاً في نفس الصورة في أفق وجودها الذهني. 

 فإننا إذا أخذنا قيد التجريد في المتصوّر، بأن تصوّرنا إنساناً ملغياً عنه سائر 

ـــــــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا ذكر السيّد توضيحاً مفصّلاً قال فيه: فإذا تصور الذهن البشري… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الحيثيات، فهذا المتصوّر لا ينطبق على أيّ إنسان في الخارج ولا يكون له وجود في الخارج؛ لأن أيّ فرد ليس هو مجرّداً، بل هو متلبّس بالخصوصيات الزائدة. 

وأما إذا لم نأخذ قيد التجرّد في المتصوّر، وإنما أخذناه في نفس التصوّر، بما هو حدّ للصورة الذهنية، والوجود الذهني. بمعنى أن التصوّر قد نقش حيثية الإنسانية ولم ينقش شيئاً آخر غيرها. وهذا الحدّ لا يمنع من انطباق المتصوّر في هذه الصورة على الأفراد الخارجية، فإن المتصوّر لم يؤخذ فيه حدّ التجرّد، وإنما أُخذ هذا الحدّ في الصورة.

وفائدة أخذ حدّ التجرّد في نفس الصورة، هو إعطاؤها صفة العموم والسعة، وقابلية انطباق المتصوّر على تمام الأفراد الخارجية(1). وهذا هو معنى الكلّية. وأخذ هذا القيد في الصورة لا يمنع عن انطباق المتصوّر في هذه الصورة على الموجود الخارجي. إذن فالكلّي موجود في الخارج. ودعوى عدم وجوده فيها خلط بين حدّ الصورة وحدّ المتصوّر. إذن فهذا الإشكال لا أساس له. 

[الاعتراض الثاني: وهو على استصحاب الكلّي في الأحكام]

وأما الإشكال الذي يورد على استصحاب الكلّي في الأحكام: فهو مبنيّ على مبنى جعل الحكم المماثل في دليل الاستصحاب. فحينئذٍ يقال: إننا حين نريد أن نستصحب الجامع بين الوجوب والاستحباب، فالمستصحب هو جنس بلا أن يؤخذ معه فصل معيّن من خصوص الوجوب أو خصوص الاستحباب(2).

ـــــــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــــ

() وتكون نسبته إلى تمام الأفراد على حدّ واحد. (المقرِّر).

(2) فيلزم منه جعل الجامع العاري عن الخصوصيات وهو محال. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فإذا كان مفاد دليل الاستصحاب هو جعل الحكم المماثل، فالمولى مدعوّ إلى أن يجعل حكماً، هو جنس لا فصل له؛ لكي يكون مماثلاً للمستصحب. فماذا يحكم؟ فإن كان يحكم بالوجوب أو بالاستحباب، فهذا ليس حكماً مماثلاً للمتيقّن، وإن كان يحكم بالجامع بين الوجوب والاستحباب، فهذا غير معقول؛ لأن إيجاد الجنس بلا فصل مستحيل. 

وهذا الإشكال لا يرد بناءً على المباني الأخرى في دليل الاستصحاب، كجعل الطريقية، فإنه بناءً عليها لا يرد هذا الإشكال بهذه الصيغة؛ لأنه يقال بأن المولى يجعل العلم بالجامع بلا فصل، وهو أمر معقول، فإنه يعقل العلم بالجنس بلا فصل. وإنما غير المعقول هو إيجاد نفس الجنس بلا فصل(1)

وقولوا مثل ذلك: فيما إذا كان الجامع جامعاً بلحاظ الخصوصية الفردية، كما لو علم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، ثُمّ شكّ في بقاء هذا الوجوب، وأراد أن يستصحب. فهذا جامع بلحاظ الخصوصية الفردية؛ لأن كُلّاً منهما وجوب. 

فهنا أيضاً يقال: بأن المولى لا بُدّ أن يجعل حكماً مماثلاً للمستصحب، فماذا يجعل؟ هل يجعل وجوب الظهر بخصوصه، أو وجوب الجمعة بخصوصه؟ 

ـــــــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: يفصّله بالفصل الواقعي الذي هو يعلمه.

فقال: هذا الفصل الواقعي مما لم يتمّ في حقّه أركان الاستصحاب، فإنه لا يوجد يقين به. وجعل الحكم المماثل إنما هو في حدود ما تمّت عليه أركان الاستصحاب، وهي لم تتمّ في الفصل الواقعي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فهذا ليس مماثلاً للمستصحب. أو يجعل وجوب الجامع بين الظهر والجمعة؟ فهذا عبارة أخرى عن الوجوب التخييري بينهما، وهو مباين للوجوب المعلوم. وإن جعل جامع ما بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة، فهذا الجامع لا بُدّ أن يكون متخصّصاً بأحد الفردين، فكيف يعقل أن يجعل الجامع من دون خصوصية فردية.

الجهة الأولى(1): في الإشكال الذي يعترض به على استصحاب الكلّي في الأحكام. 

وهذا(2) الإشكال لا يرد في استصحاب الكلّي في الموضوعات، كاستصحاب كلّي الإنسان الجامع بين زيد وعمرو، فإن دليل الاستصحاب ليس مكلّفاً بأن يوجد هذا الجامع، حتى يقال بأنه لا يعقل إيجاده. فإنه ليس مكلّفاً بأن يوجد الموضوع، بل هو مكلّف بأن يوجد حكمه، يعني حكماً مماثلاً لحكمه. ومن المعلوم أن هذا الجامع له حكم واحد شخصي، وليس حكماً جامعاً. 

ومثاله الفقهي هو مسألة الجامع بين الحدث الأكبر والأصغر، فإنه حين نستصحب هذا الجامع، لا نكلّف دليل الاستصحاب بإيجاده، بل بإيجاد حكم يماثل حكمه. حيث إن الجامع بين الحدثين وقع موضوعاً لحكم شرعي، وهو
ـــــــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــــ

() قال بعد عنونة التنبيه الرابع وشرح المقصود منه، أن الكلام فيه يقع في جهتين: الجهة الأولى:… (المقرِّر).

(2) وهنا فصّله بالنحو الذي ذكره في أوّل الصفحة السابقة. وقال:… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

-مثلاً- حرمة مسّ المصحف. فدليل الاستصحاب يثبت ما يماثل هذا الحكم الشخصي. 

فهذه الشبهة تختصّ باستصحاب الكلّي في الأحكام، ولا تجري في استصحاب الكلّي في الموضوعات. 

[الجواب الأول للمحقق الاصفهاني على الإشكال]

وقد أجاب عن هذا الإشكال المحقّق الأصفهاني في حاشيته على (الكفاية). حيث ذكر: أننا حين نريد أن نستصحب الجامع بين الوجوب والاستحباب، فهنا أمور ثلاثة:

أحدها: المصلحة أو الملاك للحكمين.

ثانيها: الإرادة الوجوبية والإرادة الضعيفة أو الشوق.

ثالثها: جعل الحكم وهو عبارة عن الإنشاء بداعي جعل الداعي والبعث والتحريك. 

فإن لاحظنا المصلحتين أو الإرادتين. فهما أمران تكوينيان لا يكلّف دليل الاستصحاب بإيجاد الجامع بينهما؛ لأن المفروض أنه يجعل الحكم المماثل فشأنه النظر إلى المرحلة الثالثة -مرحلة الجعل- وإيجاد ما يماثلها. دون المرحلتين السابقتين عليها. 

وحينئذ فيقال: إنه بلحاظ المرحلتين الأوليين، وإن كان هناك فرق بين الوجوب والاستحباب، ولا يعقل إيجاد الجامع العاري بين المصلحتين أو الإرادتين، إلّا أن دليل الاستصحاب لا ينظر إلى هاتين المرحلتين. 

ـــــــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما بالنسبة إلى الثالثة التي ينظر إليها دليله، فلا فرق بين الوجوب والاستحباب؛ لأن كِليهما إنشاء بداعي جعل الداعي، غاية الأمر أنه في موارد الوجوب ينشأ الإنشاء من الإرادة القوية الناشئة من المصلحة القوية، وبخلاف موارد الاستحباب. 

وليس الوجوب والاستحباب حدّين متغايرين متباينين في عالم المرحلة الثالثة، حتى يقال: بأنه لا يعقل إيجاد الجامع العاري عن الحدود. وإنما هما حدان متباينان في المرحلتين الأوليين(1)

[مناقشة ما أفاده المحقق الأصفهاني]

وهذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه: 

أما أوّلاً: فلأنه لو تمّ، فإنما يتمّ في خصوص الجامع بين الوجوب والاستحباب، أو الجامع بين الحرمة والكراهة. ولا يقع في الجامع المتعلّق مع اتّحاد نوع الحكم، كالجامع بين وجوب الجمعة ووجوب الظهر(2).

فإذا علمنا بوجوب متعلّق إما بالظهر أو بالجمعة، ثُمّ احتملنا ارتفاعه. فإذا قيل باستصحابه فإنه يواجه هذه المشكلة وهي: أنك هل تستصحب الوجوب المحدود بكونه متعلقاً بالظهر، أو بكونه متعلّقاً بالجمعة؟ فهذا ليس من 

ـــــــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــــ

() فيكون الوجوب المنشأ بالاستصحاب هو الإنشاء بداعي جعل الداعي أيضاً. (المقرِّر).

(2) ومن المعلوم أن الكلّي في باب الأحكام لا يختصّ بخصوص الجامع الأول، بل يعم الجامع بالنحو الثاني. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

استصحاب الكلّي، وغير مسبوق بحالة متيقنة. أو تستصحب الوجوب العاري عن الحدين؟ فهذا أيضاً غير معقول؛ لأن هذا الوجوب العاري له معنيان:

إما أن يراد به وجوب الجامع بين الفعلين. وهو عبارة أخرى عن الوجوب التخييري، وهذا غير ممكن لعدم احتمال ثبوت مثل هذا الوجوب في الواقع أصلاً، فكيف يثبته دليل الاستصحاب.

وإن أريد بالجامع، الجامع بين الوجوبين، لا وجوب الجامع بين الفعلين. فقد عدنا إلى نفس المشكلة؛ لأن الجامع بين الوجوبين العاري عن خصوصية تعلّقه بالظهر أو بالجمعة لا يعقل وجوده في الخارج، فإن متعلّق الوجوب من مشخّصاته؛ لأن الوجوب من الصفات الإضافية ذات التعلّق. فلا يمكن استصحاب الجامع بين الحكم. 

الجواب الثاني: على ما ذكره المحقّق الأصفهاني.

إننا إذا سلّمنا أن دليل الاستصحاب يختصّ بالمرحلة الثالثة، وهي الإنشاء بداعي جعل الداعي، وفرضنا أنه في هذه المرحلة لا يوجد هناك ميّز بين الوجوب والاستحباب. 

إذن فكيف يمكن إثبات الوجوب بالاستصحاب حين نريد أن نستصحب حكماً وجوبياً، كما لو علمنا بوجوب صلاة الجمعة وشككنا في بقاء وجوبها. فمفاد دليل الاستصحاب إن كان هو النظر إلى المرحلة الأولى والثانية التي يتميّز فيها الوجوب عن الاستحباب، بحيث يتعبّدنا بالإرادة اللزومية أو المصلحة اللزومية، فيعقل إثبات الوجوب بالاستصحاب، لكن هذا خُلف 

ـــــــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المفروض من: أن دليله لا ينظر إلى هاتين المرحلتين. وإذا كان مفاد دليله، هو النظر إلى المرحلة الثالثة فقط، إذن فلا يوجد هناك ميّز بين الإنشاء الوجوبي والإنشاء الاستحبابي، فكيف يمكن إثبات خصوصية الوجوب وننجّزها بالاستصحاب، بعد فرض أن الإنشاء لا يتخصّص بإحدى الخصوصيتين: الوجوب والاستحباب. 

إذن فلا يمكن إثبات الوجوب بناء على هذا المسلك، إلّا إذا فرضنا أن الإنشاء -وهو المرحلة الثالثة- أيضاً له حدّان: حدّ وجوبي وحدّ استحبابي؛ لكي يثبت الإنشاء بأحد الحدّين تارةً، وبالجامع العاري عن الحدّين أخرى الذي هو محلّ الإشكال، وهو معنى استصحاب الكلّي في الأحكام(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا كان الجعل أعمّ من الوجوب والاستحباب، ولا ميّز فيه. فكيف نثبت أصل الوجوب ثبوتاً؟ 

فأجاب: بالدليل الدالّ على أن هذه المصلحة أو الإرادة لزومية. 

فقلت: إذن هذه هي القضيّة المتيقّنة فنجّرها إلى زمان الشكّ.

فأجاب: فرضنا أن دليل الاستصحاب لا ينظر إلى عالم المصلحة ولا إلى عالم الإرادة. 

فقلت: إنه بالدليل الدالّ على أن هذا الخطاب لزومي، يكفي بأن تستصحب.

فأجاب: إذا كان مفاد دليل الاستصحاب جعل الحكم المماثل، فلا بُدّ أن تستصحب حكماً، حتى يكون مفاده ذلك، والمصلحة والإرادة ليست حكماً. 

أقول: هذا وحده لا يكفي، إذ من الممكن أن تستصحب الحكم المقيّد بالمصلحة اللزومية. وذلك لأن القضيّة المتيقّنة منعقدة في طول دلالة الدليل على وجود الملاك الملزم والإرادة الملزمة للجعل. وحيث شككنا بارتفاع الجعل على الفرض، فإننا نستصحب الجعل ذا الملاك اللّزومي أو الإرادة اللّزومية. 

ولا يقال: بأنه لا يثبت بذلك وجود الملاك والإرادة؛ لأن ثبوته لا يكون إلّا باللزوم العقلي، وحيث إنه لا ملاك له فلا يجب إطاعته. 

فإنه يقال: إنه لا حاجة في وجوب الطاعة إلى وجود الملاك، وإنما كان وجودهما المحرز في القضيّة المتيقنة، دليلاً لـمّياً على كون الجعل وجوبياً، ونحن نستصحب النتيجة في هذا الدليل لا أننا نستصحب المقدّمة، وهي وجود الملاك الملزم.

ومن المعلوم أننا إذا استصحبنا الجعل الوجوبي أو الجعل ذا الملاك الملزم –كما سبق أن عبّرنا-، فإن ذلك يكون بنفسه موضوعاً لحكم العقل بوجوب الطاعة وقبح المعصية. وذلك: لأنه كما أن الإرادة الإلزامية موضوع لهذا الحكم فكذلك الجعل الإلزامي، فإذا ثبت الجعل الإلزامي من قبل المولى –محالاً- من دون ملاك وإرادة بالعلم، كان موضوعاً لحكم العقل العملي بوجوب الطاعة. وإذا كان هذا حال العلم، أو الجعل الإلزامي بوجوده المعلوم، فكذلك الجعل الإلزامي بوجوده التعبّدي الثابت بالاستصحاب وانتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فهذا هو الجواب الذي أفاده المحقّق الأصفهاني مع الاعتراضين عليه. 

الجواب الثاني(1) على الإشكال:

أن يقال: إننا نختار إجراء الاستصحاب في الجامع، فإن مفاد دليل الاستصحاب هو جعل الحكم المماثل على الفرض يعني: الجامع. لكن مفاده ليس هو الجامع بشرط لا من حيث الخصوصية، وإنما معنى إثباته للجامع كونه لا يثبت أكثر من الجامع، فإن أركان الاستصحاب تمّت في حقّ الجامع دون 

ـــــــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــــ

() نسبه السيّد إلى أحد طلابه هو السيّد محمد علي الشيرازي (دام توفيقه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الفرد. وليس معنى هذا أنه ينفي تخصّص هذا الجامع بخصوصيته، وإنما هو لا يثبتها، بل يثبت بمقدار الجامع لا أكثر. إذن فمفاد دليل الاستصحاب هو إثبات الجامع بلا خصوصية الوجوب ولا خصوصية الاستحباب. وليس معناه أن الجامع وجد بلا خصوصية، بل دليل الاستصحاب لم يدلّ على أكثر من ذلك، وفي الواقع لا بُدّ أن يكون الجامع متخصّصاً في ضمن الوجوب أو الاستحباب. ونعلم إجمالاً أن المولى جعل حكماً مماثلاً متخصّصاً بإحدى الخصوصيتين. 

من قبيل أن مؤمناً يأتي فيقول: إن نجاسةً وقعت في أحد هذين الإناءين. فمقدار إخباره هو الجامع، فهل نقول له: إن كلامك غير معقول؛ لأن الجامع لا يعقل وجوده بلا خصوصية؟ فإنه يقول: إن علمي بمقدار الجامع، وإن كان ثابتاً في الواقع بالخصوصية، كذلك دليل الاستصحاب.

[مناقشة الجواب الثاني]

هذا الجواب أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: لأن هذا الافتراض يقتضي تحويل دليل الاستصحاب من جملة إنشائية إلى جملة خبرية. 

توضيح ذلك: أن ظاهر دليل الاستصحاب، هو أنه خطاب إنشائي، يتكفّل بنفسه إيجاد القضيّة التشريعية المسمّاة بالاستصحاب. وهذا يقتضي كون الجعل واحداً(1)، قد انشئ بهذا الخطاب. 

وإذا فرضنا أن المولى في موارد جريان استصحاب الجامع بين الوجوب 

ـــــــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــــ

() وإلّا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى الذي هو خلاف الظاهر. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

والاستحباب، أو الجامع بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة، إذا فرضنا أنه يجعل الوجوب بالخصوص أو الاستحباب أو وجوب الظهر أو وجوب الجمعة بالخصوص، فجعل الخصوصية لا يمكن أن يكون بإنشاء كبرى (لا ينقض اليقين بالشكّ)، فإنها لا تتكفّل جعل الخصوصية؛ لأنها ليست تحت اليقين والشكّ. إذن لا بُدّ في هذه الموارد من إنشاء آخر للجامع المتخصّص بما هو متخصّص، وهذا يقتضي افتراض إنشاءات متعدّدة، ويكون هذا الخطاب حاكياً عن تلك الإنشاءات، لا أن هذا الخطاب بنفسه يكون خطاباً إنشائياً. إذن فلا بُدّ من الالتزام من تحويل الجملة من جملة إنشائية إلى جملة خبرية. إذن فهذا الجواب لا يتمّ. 

مضافاً إلى أن هذا يلزم منه افتراض جعول قد تكون غير متناهية، بحيث يقطع بعدم وقوعها. إذ يحتاج كلّ مورد من موارد استصحاب الكلّي إلى جعل مستقل، لجعل الجامع في ضمن إحدى الخصوصيتين. وهذا مما يقطع بعدمه. 

الجواب الثالث على الإشكال

يقول: نحن نستصحب الفرد لا الجامع. وذلك بأحد تقريبين: 

التقريب الأوّل: [استصحاب الواقع بخصوصيته]

أننا من الممكن أن نستصحب الفرد، يعني(1) واقع ذلك الحكم الذي هو إما وجوب وإما استحباب، المعيّن عند الله والمجهول عندنا. فنستصحب الواقع بخصوصيته، وعليه فيكون الحكم المماثل مماثلاً لذلك الواقع بخصوصيته، فلا 

ـــــــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــــ

() نستصحب الجامع المتخصّص بما هو متخصّص. (منه).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يأتي إشكال إيجاد الجامع العاري(1)

وكان إشكاله عند أصحاب الشبهة: أن الفرد لم يتمّ في حقّه أركان الاستصحاب، فإننا لم نكن على يقين من الفرد، فلا يمكن إجراء الاستصحاب. فإننا لم نكن على يقين من الوجوب أو من الاستحباب، بل كنّا على يقين من الجامع بينهما. 

وحينئذ فيقال: إن هذا الكلام مبني على بحث في العلم الإجمالي، وهو أن هذا العلم هل يتعلّق بالجامع أو بالواقع. ذهب المحقّق النائيني إلى الأوّل، والمحقق العراقي إلى الثاني(2). فإن بنينا على الأوّل، فالشبهة مستحكمة، فإننا كيف نجري استصحاب الواقع بحدّه على إجماله، مع أننا لا نعلم به وإنما نعلم بالجامع. وأما إذا قلنا بأن العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع، إذن فالواقع على إجماله قد تمّت فيه أركان الاستصحاب(3) -اليقين السابق والشكّ اللاحق-. هذا هو الوجه الأوّل من الجواب الثالث. 

ـــــــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: نعم، ولهذا قلت بأن هذا الجواب فقط يحلّ المشكلة للفقيه، وهو يكفي في مقام ترتيب الأثر. وإن كان لا يصحّح إجراء استصحاب الكلّي. (المقرِّر).

(2) وأن العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع تعلّقاً كدراً، والكدورة في المرآة لا في المرئي. (المقرِّر).

(3) ولا يأتي إشكال إيجاد الجامع العاري، فإنه قد وجد الجامع مع الحدّ لا عارياً. ولا إشكال أننا تعبّدنا بما هو غير داخل تحت اليقين؛ لأن الواقع بحدّه داخل تحت اليقين بناءً على هذا المبنى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

اختصاص الإشكال بمسلك الحكم المماثل

مثلاً(1) إذا بنينا على جعل الطريقية والكاشفية في مفاد دليل الاستصحاب. فيكون مفاده هو جعلنا عالمين بالجامع، وجعل طريق إليه وهذا أمر معقول. فإن جعل الطريقية والكاشفية إلى الجامع من دون خصوصية أمر معقول، وليس من قبيل إيجاد الجامع بلا خصوصية. فإنه قد ينكشف لنا الجامع دون خصوصياته. 

وكذلك لا يأتي هذا الإشكال، بناء على أن المجعول في دليل الاستصحاب هو حرمة النقض العملي لليقين بالشك كما ذهب إلى ذلك المحقّق العراقي، على ما تقدم، يعني وجوب ترتيب الآثار العملية لليقين. هذا أيضاً لا إشكال فيه، فإن معنى استصحاب الجامع حينئذ، يكون هو أن دليل الاستصحاب يحرم نقض اليقين بالجامع عملاً، ويحكم بوجوب ترتيب الآثار العملية على اليقين بالجامع. وهذا أمر معقول. 

وكذلك بناء على ما اخترناه فيما سبق، من أن مفاد دليل الاستصحاب هو النهي عن النقض العملي لليقين بالشك، نهياً إرشادياً إلى تحفظ المولى على الواقعيات المشكوكة بهذا المقدار. هذا أيضاً معقول. فإذا استصحبنا الكلّي في باب 

ـــــــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــــ

() فصل السيّد القول في الإشكال في استصحاب الأحكام بناء على مسلك القول بجعل الحكم المماثل للمستصحب، باعتبار أن مقتضى المماثلة هو جعل الجامع العاري عن الخصوصية، هو ممتنع. ثُمّ ذكر أن هذا الإشكال يختصّ بهذا المبنى فقط دون ما إذا بنينا على مسالك أخرى. قال: مثلاً… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الأحكام، يكون مفاد دليله، هو الإرشاد إلى أن المولى في مقام التحفظ على هذا الكلّي بمقدار كونه كلّياً. وهذا أمر معقول، فإن المولى تارةً يتحفظ على الوجوب المشكوك، وأخرى يتحفظ على الجامع بين الوجوب والاستحباب المشكوك.

إذن فهذا الإشكال ينحصر بخصوص مبنى جعل الحكم المماثل. 

عود لمناقشة الجواب الثاني

هذا الجواب غير تامّ(1)؛ لأن مقتضاه هو أن ما تحت اليقين والشكّ في موارد استصحاب الجامع، يكون مجعولاً بجعل ضمني، وفي موارد استصحاب الفرد يكون مجعولاً بجعل استقلالي.

فإن ما يكون تحت اليقين، في موارد الجامع، هو مقدار الجامع لا أكثر، ويكون مجعولاً -بناء على هذا الجواب- بجعل ضمني لأنه مجعول بجعل الخصوصية، لا أنه مجعول عارياً. وما تحت اليقين والشكّ، في موارد استصحاب الفرد يكون مجعولاً بجعل استقلالي؛ لأنه مجعول بتمام خصوصياته. 

وحينئذ يقال: إن كبرى لا ينقض اليقين بالشك، لو كانت جملة خبرية تحكي عن الإنشاء والجعل، لأمكن أن يفرض أنها تحكي عن الجعل الاستقلالي والضمني معاً، في موارد استصحاب الفرد وفي موارد استصحاب الكلّي معاً. ولا يلزم من ذلك محذور تفكيك الجامع عن الخصوصية؛ لأن القضيّة الحاكية 

ـــــــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــــ

() ثم عنون السيّد الجواب الثاني الذي كان قد ذكره وفصّل القول في عرضه كما سبق. ثُمّ ذكر جوابه بعرض جديد، يرجع روحه إلى ما سبق أيضاً، إلّا أنه ينبغي أن يكتب هنا: هذا الجواب غير تامّ… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الخبرية يمكن أن تحكي عن الجامع ولا تحكي عن الخصوصية. فهي تحكي عن جعل استقلالي وعن جعل ضمني، ولا تحكي عن الجزء الآخر لهذا الجعل الضمني؛ لأن التفكيك في مقام الحكاية بين الأجزاء معقول. 

وأما أذا فرضنا أن قضيّة الاستصحاب قضيّة إنشائية بحيث يبرز بها الحكم ويوجد بها. وحينئذ نسأل: أن هذه القضيّة هل أوجد بها الجعل الضمني، وهو ما تحت اليقين والشكّ في موارد استصحاب الكلّي، هل أوجد بها هذا الجعل بلا جعل الخصوصية، أو معها. 

فإن قيل: أنه أوجد بها من دون جعل الخصوصية، فهذا غير معقول(1)؛ لأن إيجاد الجامع بإنشاء وإيجاد الخصوصية بإنشاء آخر غير معقول، فإن الجامع لا يوجد إلّا بإنشاء يتكفل الجامع والخصوصية معاً. 

وإن قيل: بأن الجامع مع الخصوصية، كلاهما أُنشِئا بهذا الإنشاء، فهذا
-من دون تغيير في عناوين هذا الإنشاء- غير معقول؛ لأن عناوين هذا الإنشاء هي اليقين والشكّ. واليقين والشكّ لا يحكي عن الخصوصية، لأنها ليست تحتها. فيكون جعل الخصوصية والجامع معاً بهذه الكبرى غير معقول. 

ومن هنا قلنا: بأنه بعد فرض كون هذه الكبرى إنشائية، لا يعقل تكفّلها للجعل الاستقلالي والضمني معاً(2)

ـــــــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــــ

() لأن الجعل الضمني لا يمكن إنشاؤه من دون الخصوصية (منه). (المقرِّر).

() قرر السيّد أوّلاً الوجه الثالث بالنحو الذي سبق في آخر محاضرة يوم الأربعاء الأخير، وهو وإن فصّل القول في هذا الوجه طويلاً إلّا أن المحصّل هو ما كان قاله في تلك المحاضرة. وبعد أن انتهى من تقريره قال جواباً على سؤال: هذا بحسب الحقيقة لا يكون من استصحاب الكلّي، وإنما يكون استصحاباً للفرد، ويكون هذا تسهيلاً على الفقيه للإفتاء ببقاء ما كان وليس جواباً للأصولي. 

وهنا قلت له: الخصوصية لا زالت غير معلومة، وأن الحكم المماثل المجعول على طبق الواقع لا زال مجهولاً؛ لأن الواقع غير معروف فالحكم المماثل له أيضاً غير معروف. 

فقال: نعم، كما أننا لم نكن نعلم حدوثاً بالخصوصية. ونحن لا نريد من الاستصحاب أن يكون حالنا أحسن مما كان حدوثاً. 

قلت: فلو كان الجامع جامعاً بين الوجوب والحرمة -لا بين الوجوب والاستحباب– فالمكلّف يقع بين محذورين. 

فقال: الوجوب والحرمة في فعل واحد لا أثر له*، وأما إذا كان في فعلين فله أثر، بأن يعلم الجامع بين وجوب هذا وحرمة ذاك. فكّروا بالمطلب يتّضح!!.

* باعتبار أن المكلّف حاله قبل الاستصحاب كحاله بعده، فلا يكون له أثر. أو لأنه قبل الاستصحاب لا يكون الحكم منجّزاً، فلا يفيد الاستصحاب في تنجيزه، بخلاف الفردين فإنه منجّز بالعلم، فيكون منجّزاً بالاستصحاب. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [مناقشة الجواب الثالث]

هذا(1) فيه إشكالان:

إشكال مبنائي: من حيث إننا لا نقول إن العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع، بل نقول إنه يتعلّق بالجامع على تفصيل وتحقيق سبق في محلّه. 

وإشكال بنائي: وهو أننا نريد أن نستصحب الواقع المعلوم بالإجمال، فلا ـــــــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــــ

() يعني الوجه الثالث. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بُدّ أن يكون للواقع المعلوم بالإجمال تعيّن حتى يجري استصحاباً. 

مع أنه قد تقدّم منّا في بحث أصالة الاشتغال، أن العلم الإجمالي بناء على تعلّقه بالواقع، قد لا يكون لمعلومه تعيّن أصلاً في الخارج. كما لو علم(1) أجمالاً بنجاسة أحد إناءين وكان كِلاهما نجساً. فإن نسبة النجاستين إلى معلومه على حدّ واحد. 

وحينئذٍ، ففي موارد استصحاب الكلّي، إذا فرض كلّي احتملنا تعدّد أفراده بحسب الخارج، كما لو علمنا إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة واحتملنا وجوبهما معاً. فهنا هل نستصحب الواقع المعلوم؟ قد لا يكون له تعيّن أصلاً؛ لأنه لو كان كِلاهما واجباً فأيّهما هو المعلوم؟ لا يعقل تعيّن المعلوم بأحدهما؟ والرجوع إلى الجامع رجوع إلى الإشكال السابق.

فهذا التوجيه -حتى على تسليم المبنى- لا يمكن أن يكون نافعاً في تمام موارد استصحاب الكلّي. 

نعم، يمكن أن ننكر موضوعية اليقين رأساً. ونقول بأننا نجري استصحاب الواقع بحدّه، ولو لم يكن تحت اليقين أصلاً. فإننا نقول: إن اليقين لم يؤخذ في موضوع دليل الاستصحاب بما هو يقين، بل أُخذ بمقدار معرّفيته للحدوث لا أكثر، كما تقدّم منّا سابقاً، وقلنا بأن مناط جريان الاستصحاب ذات الحدوث لا اليقين به.

بناءً على هذا المبنى لا إشكال في المقام: وذلك بأن نقول بأن ما كان واقعاً 

ـــــــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــــ

() وكما لو علم إجمالاً بوجوب إحدى الصلاتين وكان كِلاهما واجباً. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

حدوثاً باقٍ -سواء كان واحداً أو اثنين- على إجماله، يكون باقياً على حاله. فيكون هذا الاستصحاب نافعاً لإشباع غرض الفقيه، وإن لم يكن هو استصحاباً للكلّي أيضاً، بل هو استصحاب للفرد. 

ومن مجموع ما قلنا تلخّص: أن هذا الإشكال لا جواب عليه بحسب الحقيقة، مع التحفّظ على مبانيه من جعل الحكم المماثل وموضوعية اليقين؛ وإنما التخلّص عنه يكون بالهروب من أحد هذه المباني. 

هذا هو الإشكال الذي نواجهه في استصحاب الكلّي في باب الأحكام، وقد أثاره المحقّق الأصفهاني. 

[إشكال المحقّق العراقي في جريان استصحاب الكلّي في الموضوعات]

والإشكال الثاني هو الإشكال في جريان استصحاب الكلّي في الموضوعات، وقد أثاره المحقّق العراقي. يعني: ما إذا علمنا إجمالاً أن إنساناً في المسجد إما زيد وإما عمرو، ثُمّ شككنا في أنه هل بقي أو لا، فهل نستصحب كلّي الإنسان أو لا؟ 

وحاصل الإشكال فيه: كأنّه مبني على بعض المباني في باب الكلّي الطبيعي. وحينئذ فيقال: إن دليل الاستصحاب لا يجري إلّا فيما هو موضوع للأثر الشرعي، دون ما ليس له أثر. وما يكون موضوعاً للأثر الشرعي هو ما يوجد في الخارج، وأما ما لا يوجد في الخارج، فلا يكون موضوعاً له. والكلّي لا يعقل أن يوجد في الخارج؛ لأنه منافٍ مع التعيّن والتشخّص، والوجود في الخارج مساوق مع التشخّص والتعيّن. 

ـــــــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إذن فالكلي لا يعقل وجوده في الخارج، إذن فلا يعقل أن يكون موضوعاً ذا أثر شرعي أو عقلي، إذن فلا يعقل أن يجري الاستصحاب فيه(1)

ثلاثة اتجاهات في توضيح الكلّي

وتوضيح الكلام في ذلك(2): هو أن الكلّي الطبيعي منذ عرف عنوان الكلّي، كان فيه ثلاثة اتّجاهات: 

الاتّجاه الأوّل: أن الكلّي موجود في الخارج بوجود وحداني فرداني، وهذا الوجود له نحو من السعة، بحيث تكون وجودات الأفراد هي أوجهٍ وجوانبٍ وتعيّنات ومراتبٍ له. وهذا هو الذي نقله الشيخ الرئيس ابن سينا عن الرجل الهمداني. 

الاتّجاه الثاني: أن الكلّي موجود في الخارج، لا بوجود واحد، بل بوجود الأفراد. ولهذا قالوا: إن نسبة الكلّي إلى الأفراد هي نسبة الآباء إلى الأبناء، لا نسبة الأب الواحد إلى الأبناء، تعريضاً بالاتّجاه الأوّل. فكلّ فرد يحتوي على الكلّي مع زيادة في الخصوصيات. 

ـــــــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هذا الإشكال لا يختصّ بالموضوعات، بل يجري في الأحكام أيضاً.

فقال: استصحاب الكلّي في الأحكام حيث إن الإشكال الأوّل كان يختصّ بها، فلذا أخذنا هذا وخصّصناه بالموضوعات. وإلّا فإنه لو تمّ لشملهما. فإنه كما لا وجود للجامع ما بين زيد وعمرو، كذلك لا وجود للجامع ما بين الوجوب والاستحباب. (المقرِّر).

(2) ذكر السيّد  الإشكال كما سبق، ثُمّ قال: وتوضيح الكلام… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاتّجاه الثالث: اتّجاه ينكر وجود الكلّي أصلاً، لا بالنحو الذي قرّره الاتّجاه الأوّل ولا بالنحو بالذي قرّره الاتّجاه الثاني. فليس هناك شيء في الخارج إلّا الافراد، وليس وراءها شيء في عالم الذهن. وإنما الكلّية والجزئية من شؤون الرمز بحسب الحقيقة، يعني من شؤون اللفظ -افرضوا-، يعني: أن اللفظ يكون كلّياً وجزئياً. بمعنى أن بعض الألفاظ لا تصلح رمزاً إلّا لموجود واحد في الخارج كأسماء الأعلام، وهناك بعض الرموز تصلح أن تكون رمزاً لزيد وعمرو وبكر ككلمة (إنسان). وهؤلاء حين يُسألون عن معنى كلمة (إنسان)، يقولون: إن معناه زيد وعمرو وبكر إلى آخر أفراد البشر. 

وهذا المذهب هو المشهور بين المفكرين المحدثين. 

إذا بنينا على الاتّجاه الأوّل من هذه الاتّجاهات، إذن فجواب الإشكال واضح؛ لأن الكلّي موجود في الخارج بوجود واحد عددي حقيقي، وتكون أركان الاستصحاب بالنسبة إليه تامّة. فإنه بعد فرض كونه موجوداً في الخارج، فيكون هو موضوع الأثر شرعاً، فلماذا لا يجري الاستصحاب في حقه؟ بل يكون جارياً ولا إشكال فيه. 

وأما بناءً على الاتّجاه الثاني، أيضاً لا إشكال، فإن الكلّي يكون قابلاً للوجود في الخارج، لا بوجود واحد عددي، بل بوجود متكثّر بتكثّر هذه الأفراد. فيكون الفرد موجوداً ويكون الكلّي موجوداً. فكما يعقل فرض كون الفرد موضوعاً للأثر الشرعي، كذلك يعقل أن يكون الكلّي موضوعاً له، فيجري الاستصحاب بلحاظه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما بناءّ على الاتّجاه الثالث، فقد يقال: إن الإشكال يكون متّجهاً؛ لأننا لا نحتمل وجود شيء عندنا إلّا الأفراد، وإنما الكلّية من شؤون الرموز لا من شؤون المفاهيم والمعاني. فليس عندنا كلّي يتصوّر في الخارج ويكون موضوعاً لأثر شرعي حتى يجري استصحابه. 

إلّا أن هذا الكلام أيضاً غير صحيح؛ لأن هذا الاتّجاه، لو بنينا عليه، فهو يقتضي إنكار الكلّي بحسب الدقّة الفلسفية، وإن ما كان يتخيّله الناس كلّياً، هو كلية الرمز لا كلية الطبيعة والمفهوم، وقد وقع خلط في ذهن الفلاسفة والمناطقة بين كلّية الرمز وكلّية ذيه. 

لكن هذا الاشتباه نشأ من فهم عرفي للكلّي والجزئي في المقام. بمعنى: أن الارتكاز العرفي مطابق مع هذا الاشتباه -لو كان اشتباهاً- فهو أيضاً يخلط بين الرمز وذي الرمز، فيرى كأن الكلّية الثابتة للرمز ثابتة لذيه، يعني: يرى أن الرمز هو ذو الرمز، وينظر إليه بمعناه الحرفي، فينسب الكلّية إلى ذيه. 

وعلى هذا الارتكاز العرفي، يجب أن تنزّل الأدلّة الشرعية التي تكفّلت جعل الأحكام على موضوعاتها. وحينئذٍ فيكون ظهور الدليل الشرعي أيضاً هو الجري على طبق هذا الاشتباه. فإن الاشتباه المركوز في الأذهان العرفية قد يصبح منشأ لظهور في الدليل. فيكون الدليل متكفّلاً لإثبات الأثر على موضوع كلّي بتخيّل أنه ذو الرمز، مع أنه في الواقع هو الرمز. 

وبالآخرة يتحصّل موضوعية أمر كلّي للأثر الشرعي، وحينئذٍ فلا بأس بجريان الاستصحاب فيه إذا تمّت أركانه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إذن فعلى الاتجاهات الثلاثة، لا بأس بجريان استصحاب الكلّي في المقام. ولا يأتي إشكال من ناحية دليل الاستصحاب. 

[تحقيق الحال في الصحيح من الاتّجاهات الثلاثة]

وتحقيق الحال في هذه المسألة بنحو مفصّل ليس هذا موضعه. لكن على نحو الاختصار نقول:

إن الصحيح من هذه الاتّجاهات الثلاثة هو (الاتّجاه الثاني)؛ لعدم معقولية الآخرين. بمعنى أن الكلّي موجود بوجود الفرد. 

لكن هذه العبارة غالباً تصير من المشتبهات، وقد أوجب ذلك توسّعاً في الاستدلال نقضاً وإبراماً من دون محصّل، من الطرفين. وواقع هذه العبارة: ليس ما قد توهمّه من أن الكلّي شيء والفرد شيء آخر، وأن الوجود الخارجي وجود للفرد والكلّي معاً، بل إن واقع هذه العبارة هو عبارة عن أن الكلّي عين الفرد وليس شيئاً آخر غير الفرد. 

وتوضيح ذلك: أن الإنسانية في الخارج دائماً توجد في الخارج توأماً مع الخصوصيات والمميّزات الذاتية والعرضية، ولا يعقل انفكاكها عنها. ولكنّها بنفسها يمكن أن تجيء إلى الذهن منفصلة عن الخصوصيات، فهذا التجرّد للصورة الذهنية عن الخصوصيات يوجب سعة في دائرة مطابقتها مع الأفراد الخارجية وصدقها عليها. فإنسانية (زيد) عند تجريدها ذهناً لا يبقى أيّ مانع من كونها مطابقة لإنسانية عمرو وإنسانية خالد. إذ المانع لم يكن إلّا الخصوصيات، والمفروض التجرّد عنها. وهذه السعة هي عبارة أخرى عن الكلّية. 

ـــــــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فالكلّية هي من شؤون التجرّد عن الخصوصيات، وهذا التجرّد هو تجرّد نفس إنسانية زيد، لا يجعلها بذلك إنسانية أخرى. هي إنسانية واحدة. بل تارةً تأتي إلى الذهن بخصوصياتها، وأخرى تأتي بدونها. فليس عندنا شيئان: إنسانية جزئية، وإنسانية كلّية. فالأولى لا إشكال في وجودها، والثانية يقع البحث في وجودها. 

وفي كِلتا حالتي التجرّد وعدم التجرّد هي إنسانية واحدة، إذن فهذه الإنسانية لا إشكال في وجودها في الخارج. فإنه بعد عرض المسألة بهذا النحو لا يبقى إشكال عند عاقل أصلاً في أنها موجودة في الخارج، وإلّا فما هو الموجود في الخارج، إن لم تكن هي موجودة؟!

إذن فليس عندنا شيء آخر غير إنسانية زيد، فإنها تارةً تجيء في الصورة الذهنية مع الخصوصية، فينتزع منها عنوان الجزئية، وأخرى تجيء بدون الخصوصية، فيصبح لها سعة في مقام الصدق وانتزع منها عنوان الكلّية. وفي كِلتا الحالتين، الإنسانية شيء واحد، فإما هو موجود وإما هو غير موجود في الخارج(1)

وبذلك انتهى الكلام في المقام الأوّل الذي عقدناه للتعرض لإشكالات استصحاب الكلّي بما هو هو بقطع النظر عن أقسامه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إن هذا لازمه تعدّد الكلّي بتعدّد أفراده. 

فقال: وهو كذلك. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 



المقام الثاني: في التعرّض إلى أقسام استصحاب الكلي 

 

وحاصل الأقسام أن يقال: إن الشكّ في بقاء الكلّي تارةً يكون ناشئاً من الشكّ في حدوث الفرد، وأخرى لا يكون ناشئاً من هذا الشكّ.

وعلى كِلا التقديرين: إما أن يقترن الشكّ بالعلم الإجمالي بوجود الكلّي في ضمن أحد الفردين، أو لا يقترن.

 فالصور على هذا أربع:

الصورة الأولى: أن يكون الشكّ في بقاء الكلّي من غير ناحية الشكّ في الحدوث، ويكون الكلّي معلوماً بالعلم الإجمالي. كما لو علمنا إجمالاً: أنه إما زيد وإما عمرو دخل المسجد، ولا نعلم أنه بقي أو لا، سواء كان زيد أو كان عمرو. 

الصورة الثانية: أن نشكّ في بقاء الكلّي من غير ناحية الشكّ في الحدوث، ويكون وجود الكلّي معلوماً علماً تفصيلياً، لا إجمالياً، كما لو علمنا أن زيداً بالخصوص دخل المسجد، وشككنا في خروجه، وأردنا أن نستصحب الجامع. 

الصورة الثالثة(1): أن نشكّ في بقاء الكلّي من ناحية الشكّ في الحدوث، ويكون الشكّ في الحدوث مقروناً بالعلم الإجمالي، كما إذا علمنا أنه إما زيد وإما 

ـــــــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــــ

() وهو القسم الثاني من الكلّي باصطلاح الرسائل كالحدث المردد بين الأكبر والأصغر (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

عمرو دخل المسجد، وإذا كان زيد فقد خرج حتماً، وإذا كان عمرو فهو باقٍ، أو لعلّه باقٍ. 

فنجري استصحاب الكلّي. ويكون الشكّ في بقاء الكلّي ناشئاً من الشكّ في حدوث (زيد)، والشكّ في حدوث (زيد) مقرون بالعلم الإجمالي. 

الصورة الرابعة(1): أن يكون الشكّ في بقاء الكلّي ناشئاً من الشكّ في حدوث الفرد، ولا يكون الشكّ في حدوث الفرد مقروناً بالعلم الإجمالي، كما لو علمنا تفصيلاً بأن زيد دخل المسجد وخرج، ونشكّ بأن عمراً دخل حين خروجه أو لا. فنشكّ في بقاء كلّي الإنسان في المسجد. 

فالشكّ في بقاء كلّي الإنسان، يكون ناشئاً من الشكّ في حدوث دخول عمرو. والشكّ في دخوله ليس مقروناً بالعلم الإجمالي. فهذه هي الصور الأربع. يقع الكلام في كلّ واحدة منها تباعاً. 

[إشكال في تصوير استصحاب الكلي وتميّزه عن استصحاب الفرد]

قبل الدخول في الصور الأربع، بقي كلام يحسن التعرّض له، يكون أساساً للبحث في هذه الصور. 

وحاصله: أنه تنقّح لدينا في المقام الأوّل، أن الكلّي الطبيعي موجود في الخارج، إما على أساس الاتّجاه الأوّل -اتّجاه الرجل الهمداني-، وإما على أساس الاتّجاه الثاني. وبذلك دفعنا الإشكال الذي ذكرناه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــــ

() وهو القسم الثالث من استصحاب الكلّي باصطلاح (الرسائل). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لكن يبقى كلام في تصوير استصحاب الكلّي أيضاً، بحيث يتميّز عن استصحاب الفرد، وذلك أنه قد يقال: 

إننا إذا بنينا على الاتّجاه الأوّل: وهو أن الكلّي الطبيعي موجود في الخارج بوجود واحد عددي وسيع، وأن الأفراد تعيّنات ومراتب له، فإنه يتميّز عندنا استصحاب الكلّي عن استصحاب الفرد بشكل واضح؛ لأننا باستصحاب الكلّي ننظر إلى ذلك الوجود الواحد الوسيع للكلّي الطبيعي، ونقول: إنه متيقّن الحدوث مشكوك البقاء، فيجري استصحابه. وأما باستصحاب الفرد فننظر إلى التعيّنات والمراتب والنقاط في ذلك البحر الكبير، فنقول: هذه المرتّبة أو النقطة -الذي هو الفرد- كان متيقّن الوجود وشكّ في بقائه، فيجري استصحاب بقائه. 

فيحصل الفرق بين استصحاب الكلّي والفرد من ناحية اختلاف المركز للتعبّد. 

وأما بناءً على الاتّجاه الثاني: من أن الكلّي موجود بوجود الأفراد، فيشكل تصوير استصحاب الكلّي بنحو يمتاز عن استصحاب الفرد، بل قد يتخيّل مرجع الأوّل إلى الثاني. 

وذلك: لأن الكلّي يوجد بوجود أفراده، وليس له وجود آخر منحاز ومستقلّ عن وجودهم، فوجود الكلّي عين وجود زيد ووجود عمرو لا غيره. إذن فلا بُدّ أن يكون مصبّ الاستصحاب هو وجود زيد ووجود عمرو، إذ ليس لنا وجود وراء ذلك حتى نتعبّد به. فقد رجع استصحاب الكلّي إلى استصحاب الفرد. 

ـــــــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ونتيجة هذه الشبهة: هو أن يدّعي أن استصحاب الكلّي لا يمكن تصويره بنحو يمتاز عن استصحاب الفرد إلّا بناء على الاتّجاه الأوّل دون الثاني الذي قيل إنه هو الاتّجاه الصحيح. 

وهناك طريقتان أو وجهان في الجواب على هذه الشبهة: 

[الجواب الأوّل: إرجاع استصحاب الجامع إلى استصحاب الحصة]

أحدهما: ما يناسب كلمات الآغايون. فإن هذه الشبهة مع الجواب لم يُتعرّض له في كلماتهم، ولكنّهم قالوا: إن الاستصحاب تارةً يكون استصحاباً للوجود الخارجي بما هو مضاف للفرد، فيكون معناه استصحاب الفرد. وأخرى استصحاباً للوجود الخارجي بما هو مضاف للطبيعي، فيكون استصحاباً للجامع. هذا الكلام يعطي جواباً على هذه الشبهة. 

وحاصله: إرجاع استصحاب الجامع إلى استصحاب الحصّة، مع التمييز بين الحصّة والفرد. 

توضيحه: أن يقال: عندنا حصّة وعندنا فرد. فالحصّة هي عبارة عن وجوده الخارجي الذي لا ينظر معه إلى أيّ خصوصية زائدة من الخصوصيات التي هي في الواقع وجودات لماهيّات أخرى، كالعلم والطول والقصر. والوجود الذي ينسب أوّلاً وبالذات إلى الإنسانية نسمّيه بالحصّة. ثُمّ إذا خلطناه بالوجودات المكتنفة له، وهي المميّزات والخصوصيات، فإنه يكون فرداً. فتكون الحصّة بهذا الاعتبار جزءاً من الفرد. 

وبناءً عليه يكون معنى استصحاب الجامع هو استصحاب الحصّة. ومعنى 

ـــــــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

استصحاب الفرد هو استصحاب الحصّة مع قيودها وخصوصياتها. 

وذلك: تبعاً للأثر الشرعي. فإن كان الأثر مترتّباً على الإنسانية من دون أن يكون للخصوصيات دخل فيها، فنستصحب الحصّة، ولا نلتفت إلى هذه العوارض. وإذا كان الأثر مترتّباً عليه بما أنه ابن فلان وغيرها من الخصوصيات فنستصحب الفرد. 

وهذا مرجعه إلى الاعتراف بأنه لا استصحاب للجامع، وإنما الاستصحاب دائماً للوجود الخارجي المساوق مع الجزئية والتعيّن، غاية الأمر أنه تارةً يكون استصحاباً للحصّة، وأخرى يكون استصحاباً للفرد. وبهذا يكتفى بالتمييز بينهما(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: ما هو موضوع الأثر هو الجامع لا الحصّة. 

فقال: هذا بحسب الدقة يمكن أن يكون هذا إشكالاً على هذا الكلام بأن يقال: إن الحصص أيضاً يوجد في كلّ حصّة ما يميّزها*(1) عن الحصّة الأخرى، وإلّا لم تكن حصّتين لا محالة. فهل أنتم تجرون الاستصحاب في الحصّة مع الحفاظ على ما يميزها عن الحصّة الأخرى، يعني تدخلون مميّزها الذاتي تحت الاستصحاب، أو تسقطونه عنه؟ 

فإن أسقطتموه، لم يبقَ عندنا حصّة أصلاً. وإن تحفّظتم عليه، فهذا ليس داخلاً في موضوع الأثر الشرعي، فكيف تدخلونه في دائرة الاستصحاب؟!

وهذا الإشكال لا يكون لهم قدرة على الجواب عنه، إلّا بأن يدّعوا: أن الارتكاز العرفي حين يكون الأثر مترتّباً على الجامع، يرى أن الحصّة بتمامها موضوع للأثر الشرعي، لأجل عدم دقّة نظره بحيث يحلّل الحصّة إلى ما به الاشتراك وما به الامتياز. فيجري الاستصحاب في الحصّة. 

وهنا قال جواباً لسؤال: هذا لم يكن بنائي على التعرّض إليه في البحث، وإنما ذكرت ذلك بمقدار جواب السيّد محمد*(2).

*(1) وهي الأمور الذاتية. (منه).

*(2) يعني: كاتب هذه السطور. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجواب الثاني: [الاستصحاب منصب على الصورة الذهنية الحاكية عن الخارج] 

الجواب الثاني على الشبهة: أن المنجّز الشرعي الذي هو الاستصحاب، لا ينصبّ ابتداءً على الخارج، حتى يقال لنا: إنه في الخارج ليس إلّا زيد وعمرو. بل ينصبّ -في الحقيقة- على الصور الذهنية الحاكية عن الخارج، على حدّ المنجّزات العقلية وهو العلم. فإنه لا يتعلّق ابتداءً بالخارج، بل بالصور الذهنية بمقدار كاشفيتها عنه، سواء كان علماً تفصيلياً أو إجمالياً. 

فكما أن العلم الاجمالي ينجّز لنا الخارج، لكن بمقدار الجامع لا أكثر؛ لأن الصورة العلمية -التي يتوسّطها يصل أثر العلم إلى الخارج- لا تحكي إلّا عن الجامع، كذلك التعبّد الاستصحابي، يكون محطّه هو الخارج، لكن بمقدار المحكي في هذه الصورة. وإلّا فماذا يقال في العلم الإجمالي؟ هل يقال: إنه منجّز لهذا الفرد بالخصوص أو لذاك؟ لا؛ لأنه غير متعلّق به، هل ينجّز شيئاً ثالثاً في الخارج؟ لا. هل ينجّز شيئاً في غير الخارج؟ لا أيضاً. بل ينجّز الخارج بمقدار مرآتية هذه الصورة. 

هذا الكلام في نفسه يأتي في استصحاب المعلوم الإجمالي وهو الجامع. 

ـــــــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فالشبهة نشأت من تخيّل أن المنجزات الاستصحابية والتعبّد الاستصحابي يحتاج إلى مصبّ خارجي ابتداءً. 

وفي الخارج لا يوجد إلّا الأفراد، بعد إنكار الوجود الوجداني الوسيع. ولو قيل هذا في الاستصحاب لوقعت الشبهة في العلم الإجمالي أيضاً. 

إذن(1) فاستصحاب الجامع يجري في الجامع، ولا يجري لا في الفرد ولا في الحصّة.

هذا هو الجواب الثاني.

[تصورات ثلاثة للاستصحاب الكلي]

فهذان تصوّران لاستصحاب الكلّي، وإذا ضممناهما إلى التصوّر الذي اعترف به صاحب الشبهة تصير عندنا ثلاثة تصوّرات لاستصحاب الكلّي، تختلف تفريعاتها في الصور الأربع: 

التصوّر الأوّل: استصحاب الكلّي الهمداني والوسيع.

التصوّر الثاني: استصحاب الحصّة الموافق لِما قالوه. 

التصوّر الثالث: استصحاب الجامع، كما قلناه. 

فاستصحاب الجامع واستصحاب الفرد من قبيل العلم الإجمالي والتفصيلي، فكما أن العلم الإجمالي ينجّز الخارج بمقدار حكائية الصورة الإجمالية، كذلك استصحاب الجامع. وكما أن العلم التفصيلي ينجّز الخارج 

ـــــــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا لخّص ما ذكره مرّة أخرى، ثُمّ قال: إذن فاستصحاب الجامع يجري في الجامع… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بمقدار حكائية الصورة التفصيلية، كذلك استصحاب الفرد. 

فهذا هو الفرق بين استصحاب الكلّي واستصحاب الفرد. وعلى أساس هذه التصوّرات الثلاثة نبدأ الآن بتحقيق حال الصور الأربع: 

[تحقيق في حال الصور الأربع(1)]

الصورة الأولى 

أن يكون الشكّ في بقاء الكلّي غير ناشئ من الشكّ في الحدوث، ويكون الكلّي معلوماً بالإجمال، كما لو علمنا إجمالاً بأن الإنسان وجد في المسجد إما في ضمن زيد أو عمرو. وشككنا في بقائه على كِلا التقديرين. 

الجهة الأولى: [في جريان استصحاب الجامع]

في هذه الصورة لا إشكال في جريان استصحاب الكلّي بعد الفراغ عن الإشكالات السابقة، فإن هذه الصورة لا تختصّ بإشكال زائداً عن الإشكالات السابقة(2)

*****

إذا بنينا(3) على التصوّر الأوّل: -لاستصحاب الكلّي المبني على الكلّي الهمداني-، فلا يكون هناك أيّ إشكال في إمكان استصحاب الكلّي في هذه 

ـــــــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــــ

() راجع: ص128 من هذه الكتاب.

(2) هكذا قال السيّد في هذه المحاضرة، ولكنّه أعطى في المحاضرة التالية تفصيلاً لا بُدّ أن نثبته. (المقرِّر).

(3) عنون السيّد المسألة كما انتهى منها فيما سبق، وقال: إذا بنينا على التصوّر الأوّل… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصورة، سوى الإشكالات العامة التي تعرّضنا لها في المقام الأوّل ودفعناها. 

لأن الكلّي -في مفروض المسألة- قد علم بوجوده الوسيع حدوثاً، وشكّ بوجوده بقاءً. فتكون القضيّة المتيقّنة والمشكوكة متّحدة، فيجري استصحاب ذاك الوجود الوسيع. 

وأما إذا بنينا على التصوّر الثاني: -في استصحاب الكلّي الذي مرجعه إلى استصحاب الحصّة- فلا يخلو جريان الاستصحاب هنا من شوب إشكال؛ لأن الاستصحاب بناءً على ما هو المعروف من تقوّمه بركنين: اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء. يحتاج -الاستصحاب- إلى تعلّق اليقين بما نريد أن نستصحبه. وبناءً على هذا التصوّر يكون المستصحب هو الحصّة الواقعية المعيّنة عند الله تعالى لا الجامع. والحصّة لم يتعلّق بها العلم حدوثاً، فإن علمنا كان علماً إجمالياً ولم يكن تفصيلياً، والعلم الإجمالي لا يتعلّق بالحصّة ولا بالفرد ولا بالواقع، بل يتعلّق بمقدار الجامع. إذن فما يراد استصحابه وهو الحصّة لم يتمّ فيه أركان الاستصحاب. 

فمن كان يرى أن استصحاب الكلّي معناه استصحاب الحصّة يقع في هذا الإشكال. إلّا أن يتخلّص عنه بتبديل بعض المباني:

إما أن يقول: أن العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع لا بالجامع، كما هو مختار المحقّق العراقي.

وإما أن يرفع اليد عن كون اليقين مأخوذاً في دليل الاستصحاب، على ما قلنا: من أن المأخوذ ركناً في موضوع دليل الاستصحاب هو الحدوث لا اليقين به.

ـــــــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لكن بناءً على المباني المعروفة يقع هذا الإشكال، ويتعذّر إجراء استصحاب الكلّي في المقام(1)

هذا بناء على التصوّر الثاني. 

وأما بناءً على التصوّر الثالث الصحيح: وهو استصحاب الجامع، ولا ضرورة أن يكون مصبّه الخارج، بل مصبّه الصور الذهنية بمقدار حكايتها عن الخارج. 

فأيضاً لا إشكال في جريان استصحاب الكلّي؛ لأن مقدار ما تحكي عنه الصورة الإجمالية قد تمّ فيه أركان الاستصحاب من اليقين السابق والشكّ اللاحق. 

ومن هنا اتّضح أن وضوح وغموض جريان الاستصحاب في هذه الصورة، يرتبط بنوعية التصوّر الذي نتّخذه سابقاً لكيفية إجراء استصحاب الكلّي، وتمييزه عن استصحاب الفرد. 

هذا تمام الكلام في الجهة الأولى من هذه الصورة.

ـــــــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا كانت الحصّة عين الجامع –على مفروضهم– إذن فالجامع معلوم بمعلومية الحصّة.

فقال: وتلك الحصّة أيضاً تكون معلومة، فالإنسان يعلم بحصّتين في موارد العلم الإجمالي، فينقلب العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي. 

أقول: هذا لا يتمّ بناءً على ما سبق أن قاله السيّد بناءً على مبناهم من دعوى الوحدة العرفية بين الجامع والحصّة. فإن الجامع يكون معلوماً، وكِلا الحصّتين تكون معلومة أيضاً باعتبار العيّنة، ولا يتصوّر حينئذٍ العلم الإجمالي بالحصّة، بل يتصوّر في الفرد فحسب. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجهة الثانية: [في جريان استصحاب الفرد] 

هل كما يجري استصحاب الكلّي يجري استصحاب الفرد أيضاً، أو لا. فإنه تارةً يكون الأثر الشرعي مترتّباً على وجود جامع الإنسان في المسجد، وأخرى يكون الأثر مترتّباً على كِلا الفردين بما هما فردان، سواء كان الأثران متسانخين، كما لو قال: (إن كان زيد في المسجد فتصدّق، وإن كان عمرو في المسجد فتصدّق)، أو كانا غير متسانخين، كما لو قال: (وإن كان عمرو في المسجد فصلِّ ركعتين). 

وأنا علمت -حدوثاً- إجمالاً بأن أحد الفردين دخل المسجد، فحدث لي علم إجمالي بأن أحد الأثرين الشرعيين تحقّق موضوعه. ثُمّ شككت في أن هذا الإنسان الذي دخل المسجد هل بقي فيه أو خرج بحيث ارتفع الأثر الشرعي. فهل يمكننا أن نستصحب ذلك الفرد على واقعه على إجماله، باعتبار العلم بحدوثه؟ 

اتّضح حال ذلك من التفصيل الذي قلناه في الجهة الأولى؛ لأن استصحاب ذاك الفرد فيه إشكال من حيث أنه لا يقين بالحدوث، فإنه بعنوانه التفصيلي لم يتعلّق اليقين به، فإن اليقين كان بنحو العلم الإجمالي لا بنحو العلم التفصيلي. فكيف يجري الاستصحاب مع أن اليقين لم يتعلّق بالفرد بل بالجامع؟! 

وأيضاً لا مخلص عن هذا الإشكال، إلّا إذا رفع اليد عن أحد المباني: إما أن يقال: إن العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد لا بالجامع. وإما أن يقال: إن اليقين ليس ركناً في الاستصحاب، بل ركنه هو الحدوث نفسه. وإلّا مع التحفظ على المباني لا يمكن إجراء الاستصحاب في الفرد. 

ـــــــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجهة الثالثة: [في كفاية استصحاب الجامع لإثبات أثر الفرد] 

إذا تعذّر علينا إجراء الاستصحاب في الفرد، فهل يمكننا تسجيل أثر الفرد باستصحاب الجامع وحده أو لا؟! 

الجواب الذي ينسبق إلى الأذهان هو أنه لا يمكن، باعتبار أن الأثر هو للفرد وليس أثراً للجامع، فاستصحاب الجامع لإثبات أثر الفرد لا معنى له. 

فهو:

أوّلاً: لا يجري؛ لأن الجامع ليس له أثر شرعي، والاستصحاب إنما يجري فيما له أثر.

وثانياً: لا يثبت؛ لأن استصحاب الجامع لا يثبت الفرد إلّا بالملازمة العقلية، فيكون مثبتاً. 

ولكن التحقيق في المقام: هو ابتناء هذه المسألة على المباني فيما هو مفاد دليل الاستصحاب:

فإن فرض: أن مفاده هو جعل مصبّ التعبّد هو المتيقّن، إما بلسان جعل الحكم المماثل أو التعبّد ببقائه تنزيلاً. فالأمر كما ذكر؛ إذ لا يمكن إثبات تنزيل وتعبّد بالنسبة إلى المتيقنّ؛ لأن المتيقّن وهو الجامع ليس له أثر(1)، وما له أثر غير متيقّن. 

وأما إذا فرضنا: أن التعبّد والتنزيل بلحاظ نفس اليقين، إما بلسان التعبّد 

ـــــــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــــ

() وما ليس له أثر لا يعقل التعبّد والتنزيل بالنسبة إليه؛ لأن التعبّد إنما يكون بلحاظ أثر شرعي. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ببقاء اليقين، يعني جعل الكاشفية كما يقول السيّد الأستاذ، وإما بلسان وجوب الجري العملي على طبق اليقين. 

فيقال هنا: إن اليقين هنا له أثر عملي ويمكن التعبّد ببقائه، فإن اليقين بالجامع هو في الواقع علم إجمالي، وقد كان منجّزاً حدوثاً لأحد الأثرين، باعتبار العلم بأحد الموضوعين. والمفروض أن مصبّ التعبّد هو العلم واليقين لا المتيقّن. والعلم له أثر عملي باعتبار كاشفيته، فلا مانع من شمول دليل التعبّد والتنزيل له. أما بلسان التعبّد ببقائه، بمعنى جعل الطريقية، فيترتّب عليه من الآثار ما كان يترتّب على وجوده الحقيقي حدوثاً. وأما بلسان وجوب الجري العملي على طبقه! وحيث كان له جري عملي حدوثاً، فالشارع يحكم بوجوب إبقاء هذا الجري. وهذا لا بأس به.

ومنه يعرف: أن إحدى الثمرات المهمّة التي يختلف فيها هذان المبنيان هو ذلك. وله جملة ثمرات أخرى سوف تأتي. والمبنيان هما: أن مفاد دليل الاستصحاب هو التنزل بلحاظ المتيقن، أو بلحاظ اليقين. 

إذن، لو تعذّر إجراء استصحاب الفرد في الجهة السابقة، لا بأس بأن نستغني عنه بإجراء الاستصحاب في الجامع. 

الجهة الرابعة: [في كفاية استصحاب الفرد لتنجيز أثر الجامع]

هل كما أن استصحاب الجامع يغني عن استصحاب الفرد وينجّز أثره، وهل أن استصحاب الفرد ينجّز أثر الجامع؟ 

الجواب: نعم. وذلك: لأن الفرد محتوٍ على الجامع، فالتعبّد به -سواء كان 

ـــــــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التنزيل منصبّاً على المتيقّن أو على اليقين- يشتمل على التعبّد بالجامع. غاية الأمر أنه تعبّد بوجود ضمني للجامع لا الاستقلالي والأثر الشرعي المترتّب على الجامع ليس موضوعه الوجود الاستقلالي للجامع، بل هو ذات وجود الجامع المحفوظ في ضمن هذا الوجود الضمني. إذن فاستصحاب الفرد يكفي في ترتيب أثر الجامع. 

هذه هي الجهات الأربع في تحقيق حال الصورة الأولى.

الصورة الثانية

ما إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي من غير ناحية الشكّ في الحدوث، وكان وجود الكلّي معلوماً بالتفصيل -لا بالإجمال(1)– كما إذا علمنا أن الإنسان وُجد في المسجد في ضمن زيد بالخصوص، وشككنا أنه هل بقي في المسجد أو خرج. 

ويقع الكلام فيها تارةً بلحاظ جريان استصحاب الكلّي، وأخرى في جريان استصحاب الفرد. 

أما جريان استصحاب الكلّي: -فيما إذا كان هناك أثر مترتّب عليه- فلا بُدّ أن نرجع إلى التصوّرات الثلاثة لاستصحاب الكلّي. 

أما بناء على التصوّر الأوّل: وهو استصحاب الوجود الواحد الوسيع للكلّي. فلا إشكال من جريانه؛ لأننا حين علمنا بوجود زيد، فكأنّنا علمنا بوجودين: بوجود وسيع لطبيعة الإنسان، ووجود مرتبتي حدّي لزيد، فكما يمكننا جريان استصحاب الفرد كذلك يمكن إجراء استصحاب الكلّي. 

ـــــــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــــ

() على ما هو في الصورة السابقة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أما بناء على التصوّر الثاني: وهو استصحاب الحصّة. فأيضاً لا بأس بجريانه؛ لأن المفروض أننا كنّا نعلم تفصيلاً بوجود زيد في المسجد، فالحصّة الموجودة في ضمن زيد تحت العلم لا محالة، والآن أصبحت تحت الشكّ. إذن فأركان الاستصحاب تامّة بالنسبة إلى الحصّة وإلى الفرد. 

ومن هنا يظهر أحد الفوارق بين هذه الصورة، والصورة السابقة: فإنه هناك كنّا نستشكل في جريان استصحاب الحصة؛ لأنه حين يكون الكلّي معلوماً بالعلم الإجمالي، لا تكون الحصّة تحت اليقين، أما هنا فلا إشكال فيه؛ لأن الحصّة هنا تحت اليقين. 

وأما بناءً على التصوّر الثالث، وهو: أننا نجري الاستصحاب في الصور الذهنية بمقدار حكايتها عن الخارج. فالاستصحاب تارةً يكون منجّزاً للصورة الإجمالية بمقدار حكايتها -وهو الجامع- وأخرى يكون منجّزاً للصورة التفصيلية بمقدار حكايتها، وهي لا تحكي إلّا عن الفرد. 

بناءً عليه، أيضاً يجري استصحاب الكلّي؛ لأنه في هذه الصورة، وإن كان الكلّي معلوماً بالعلم التفصيلي، بصورة تفصيلية حاكية عن زيد، إلّا أن هذه الصورة لها بالتحليل حكايتان، حكاية عن الجامع وحكاية عن الخصوصية، فكما يمكن التعبّد بها بتمامها، يمكن التعبّد بها بمقدار حكايتها عن الجامع، فيتعبّدنا الشارع بهذا المقدار من الوجود الضمني للجامع لا أكثر، وهذا أمر معقول، وهو معنى استصحاب الجامع. 

إذن فعلى كلّ التصوّرات الثلاثة لاستصحاب الكلّي، يمكن الالتزام بجريانه في هذه الصورة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما استصحاب الفرد في هذه الصورة، فيما إذا كان له أثر شرعي، فهو في غاية الوضوح، ولا يأتي عليه الإشكال الذي كان يأتي على استصحاب الفرد في الصورة السابقة. فإن الفرد هناك كان أحد طرفي العلم الإجمالي، ولم يكن تحت العلم بنفسه وخصوصيته، وأما هنا فالفرد تحت العلم بخصوصيته فيجري استصحابه بلا إشكال. 

الصورة الثالثة: في القسم الثاني من استصحاب الكلي 

هو ما إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي من ناحية الشكّ في الحدوث، وكان وجود الكلّي معلوماً بالعلم الإجمالي، كما لو علمنا إجمالاً بوجود إنسان في المسجد، ولو كان الموجود زيداً لخرج في ساعة، ولو كان عمراً لكان باقياً أو لعلّه باقٍ. فبعد ساعة نشكّ في وجود كلّي الإنسان في المسجد، من ناحية الشكّ في حدوث الفرد القصير أو الطويل. 

وهذه الصورة الثالثة هي ما سميت في كلماتهم بالقسم الثاني من استصحاب الكلّي. 

المعروف المشهور جريان استصحاب الكلّي في هذه الصورة، كما يجري فيما سبق.

[الجهة الأولى: في استصحاب الكلي]

وبالرجوع إلى التصوّرات الثلاثة التي تقدّمت يبدو أنه يمكن تطبيقها هنا، بنفس درجة إمكان تطبيقها على الصورتين السابقتين، فبناءً على الوجود الهمداني للكلّ الطبيعي، يكون متعلّقاً لليقين حدوثاً وللشكّ بقاء، فيجري فيه 

ـــــــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب. وبناءً على استصحاب الحصّة، يأتي الكلام نفسه الذي تقدّم في الصورة الأولى، حيث إن الحصّة ليست تحت العلم حدوثاً.

وبناءً على استصحاب الصورة الذهنية بمقدار حكايتها عن الخارج، فأيضاً يكون جارياً؛ لأن الصورة الذهنية للجامع متيقّنة حدوثاً ومشكوكة بقاء، فيثبتها الاستصحاب بمقدار حكايتها عن الخارج. 

فالتقريبات السابقة -وضوحاً وإشكالاً- يمكن تطبيقها في المقام، بحيث يقال: إن دليل الاستصحاب نسبته إلى هذه الصورة على حدّ نسبته إلى الصورة الأولى. 

ولكن هنا تثار عدّة إشكالات في مقام منع جريان الاستصحاب في هذا القسم، لا بُدّ من التعرّض لها، وهي بعد تنقيحها وإصلاحها ترجع إلى ثلاثة أوجه: 

الإشكال الأوّل: [عدم تمامية أركان الاستصحاب] 

بحيث تظهر هذه الصورة أسوأ من الصورة الأولى، فيجري الاستصحاب هناك دونها. 

حاصله: أنكم ماذا تستصحبون؟ هل تستصحبون محكي الصورة التفصيلية، أي: الفرد؟ أو محكي الصورة الإجمالية، أي: الجامع؟

فإن كان الأوّل: فهو لا يمكن؛ لأنه لا يقين بحدوث الصورة التفصيلية، لا لزيد ولا لعمرو، فإن العلم كان إجمالياً متعلّقاً بالجامع لا بخصوصيات الأفراد. 

ـــــــــــــــــــــــــ[]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وإن كان الثاني: فالصورة الإجمالية وإن كانت محطّاً لليقين بتعلّق العلم الإجمالي بها، لكن الشكّ وهو الركن الثاني غير موجود. 

وذلك: لأن الشكّ في كلّ شيء بحسبه، فالشكّ في الصورة الإجمالية يعني الشكّ فيها على إجمالها واحتمال بقائها على محتملاتها. وهذا غير موجود في المقام. فإني لا أحتمل بقاء الصورة الإجمالية على إجمالها وتردّدها، يعني سواء كانت زيداً أو عمراً، فإنها لو كانت زيداً لا أحتمل بقائها. وإنما أحتمل بقائها على أحد التقديرين، يعني إذا كانت عمراً.

إذن فأحد ركني الاستصحاب غير تامّ؛ لأن الصورة المردّدة ما بين زيد وعمرو لا يحتمل بقاؤها، وإنما يحتمل ذلك على أحد التقديرين لا بما هي مردّدة. 

جواب الإشكال الأوّل

وهذا الإشكال جوابه واضح:

وذلك: لأن الصورة الإجمالية التي هي متعلّق العلم الإجمالي، لو كانت عبارة عن الصورة المردّدة حقيقة، وتعقّلنا الفرد المردّد بما هو مردّد بالحمل الشايع. فالشكّ فيه يكون معناه احتمال بقائه على تردّده، وفي المقام ليس كذلك كما سبق. 

ولكن الصورة الإجمالية -كما بيّنا في بحث العلم الإجمالي- ليست هي مردّدة بالحمل الشايع، وأن العلم الإجمالي متعلّق بالفرد المردّد؛ لأنه يستحيل وجوده في الخارج وفي الذهن معاً. وإنما يتعلّق العلم الإجمالي بصورة حاكية عن 

ـــــــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مقدار الجامع، ولا يدخل فيها لا خصوصية أحد الفردين بخصوصه ولا المردّد بينهما.

وهذه الصورة تتمّ فيها أركان الاستصحاب؛ لأن اليقين تعلّق بها حدوثاً، كما أنها مشكوكة بقاءً؛ لأن الشكّ في وجود أيّ فرد من أفراد الجامع لا محالة شكّ في الجامع، فالصورة التي تحكي بمقدار الجامع، يشكّ في بقائها لا محالة. فتكون أركان الاستصحاب تامّة فيها، فيجري فيها بلا إشكال. 

الإشكال الثاني: [استصحاب الكلي معارض باستصحاب عدم الفرد الطويل]

إن استصحاب الكلّي، وإن كانت أركانه تامّة، فيجري في نفسه، ولكنّه معارض باستصحاب عدم الفرد الطويل. 

وذلك: أننا باستصحاب الكلّي نريد أن نرتّب الأثر المترتّب على الكلّي، كما في قولنا: (إذا وجد الإنسان في المسجد فتصدّق)، وباستصحاب الكلّي يثبت موضوعه فيترتّب عليه الحكم. لكن عندنا استصحاب آخر ينفي وجوب الصدقة، وهو استصحاب عدم الفرد الطويل، يعني استصحاب عدم (عمرو). وبه ننفي وجوب (عمرو)؛ لأن عدم الأثر يترتّب على عدم موضوعه، وهو الكلّي، وعدم الكلّي هو عبارة عن عدم مجموع أفراده، وفي المقام يكون عدم (زيد) محرزاً بالوجدان(1) على الفرض، وعدم عمرو محرزاً بالاستصحاب. 

ـــــــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــــ

() فإني في الساعة الثانية أقطع بعدم زيد في المسجد: إما لأنه لم يدخل أصلاً وإما أنه لو دخل فأنا أقطع بخروجه. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فينفتح عدم موضوع وجوب الصدقة، وهو عدم الكلّي بعدم أفراده بضمّ الوجدان إلى التعبّد. وحينئذٍ فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان.

[تحقيق الحال في الإشكال الثاني]

وتحقيق الحال في هذا الإشكال(1): هو أن الأثر الشرعي الذي يراد إثباته بالاستصحاب، تارةً يستفاد من دليله أنه أثر للحصص، لا أنه أثر للكلّي بما هو. كما هو الحال في موارد العموم والإطلاق الاستغراقيين، فتكون كلّ حصّة حصّة موضوعاً لفرد من الحكم. كما لو قال: (أكرم العالم)، فكلّ فرد موضوع لوجوب الإكرام.

وأخرى بفرض أن الأثر مترتّب على الجامع بقطع النظر عن الحصص
-بحسب دليله-، كما في موارد العموم البدلي، يعني: المأخوذ بنحو صرف الوجود. كقولنا: (أكرم عالماً)، فإنه ليس انحلالياً على الأفراد، بل هناك حكم واحد على موضوع واحد، وهو عبارة عن طبيعي (العالم). فهذا ليس أثراً للحصص، بل أثر للكلّي. كحرمة المسّ بالنسبة إلى الحدث، حيث أُخذ في موضوعها طبيعي الحدث بنحو صرف الوجود، لا بنحو الاستغراق. 

فإن كان الأثر الشرعي مجعولاً بنحو القسم الأوّل، لا يجري استصحاب الكلّي أصلاً، وإنما يجري استصحاب الحصّة، حيث يقسّم أركان الاستصحاب فيها، وهو الذي قد يسمى باستصحاب الفرد -مثلا-. وحينئذٍ فيمكن أن 

ـــــــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص أوّلاً الإشكال الثاني كما سبق. ثُمّ قال: وتحقيق الحال في هذا الإشكال… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يفرض ابتلاؤه بالمعارضة، مع استصحاب الفرد الطويل. فإن استصحاب الحصّة ينقّح موضوع الحكم الشرعي، واستصحاب عدم الحصّة الطويلة بالضمّ إلى وجدانية الحصّة القصيرة، ينفي تمام الآثار الشرعية. فتقع المعارضة بينهما.

إلا أن هذه المعارضة إنما تقع في مورد لا يجري فيه استصحاب الكلّي فيه رأساً، بل يجري استصحاب الحصّة. 

وأما إذا كان الأثر مترتّباً على الكلّي بنحو صرف الوجود، فوقف الأثر على الجامع، ولم يكن استغراقية تقتضي تنزيل الحكم إلى الحصص، فهذا هو مورد استصحاب الكلّي، فهل يعارض باستصحاب عدم الحصّة أو لا؟ 

نرجع هنا إلى تصوّرات استصحاب الكلّي الثلاثة التي سبقت:

أما بناء على تصوّر الرجل الهمداني: فاستصحاب عدم الفرد لا يكون معارضاً مع استصحاب الكلي؛ لأن استصحاب عدم الفرد لا يثبت عدم ذلك الوجود الوسيع إلّا بنحو الملازمة العقلية، فيكون من الأصل المثبت(1)

فاستصحاب عدم الفرد الطويل، لا يكون حتى مع ضمّه إلى وجدانية عدم الفرد القصير، مثبتاً لعدم الكلّي إلّا بناءً على الملازمة العقلية. إذن فيجري استصحاب الكلّي بلا معارض. 

وأما بناءً على استصحاب الحصّة: حتى في مورد ترتّب الأثر على الكلّي، كأنه لا يفرّق بين ما إذا ترتّب الأثر على الحصّة وبين ما إذا ترتّب على الكلّي، فإن 

ـــــــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــــ

() لأننا نعلم من الخارج أنه لا بحر بلا نقاط. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مرجعه -في الحقيقة- إلى أثر للحصّة؛ لأن الكلّي لا وجود له إلّا بوجود أفراده. فمعنى استصحاب الكلّي عنده هو استصحاب الحصّة. 

عند هذا الشخص يقع إشكال المعارضة؛ لأنه لم يتصوّر جريان الاستصحاب في الكلّي، بل دائماً يرجع حكم الكلّي إلى حكم الحصّة، من دون أن يفرّق بين ما إذا كان بنحو العموم الاستغراقي، أو بنحو صرف الوجود. فكما أن استصحاب الحصّة ينجّز الأثر، فإن استصحاب عدم الحصّة، مع ضمّه إلى وجدانية الحصّة الأخرى ينفي ذلك لا محالة. فإشكال المعارضة يكون محكّماً.

إلا أن حقيقة هذا التصوّر هو أنه لا يجري استصحاب الكلي.

وأما بناءً على استصحاب الصور الذهنية بمقدار حكايتها عن الخارج: فاستصحاب الجامع معناه التعبّد بمقدار ما تحكي عنه الصورة الإجمالية، واستصحاب الفرد معناه التعبّد بمقدار ما تحكي عنه الصورة التفصيلية. 

بناءً عليه يجري استصحاب الكلّي، ولا يعارض باستصحاب عدم الفرد؛ لأنه عندنا في المقام صورة إجمالية لجامع الإنسان أو جامع الحدث، وصورة تفصيلية لوجود عمرو أو الحدث الأكبر الذي هو الفرد الطويل. فيجري الاستصحاب لإثبات الصورة الإجمالية بمقدار ما تحكي عنه من الخارج. ولا يجري في نفي الصورة التفصيلية بمقدار ما تحكي عنه من الخارج؛ لأن نفي محكيّات الصورة التفصيلية لا ينفي محكي الصورة الإجمالية إلّا بالملازمة، من باب أن محكي الصورة الإجمالية موجود في ضمن أحد محكيّات الصور التفصيلية.

ـــــــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فباستصحاب (عدم دخول عمرو) مع ضمّه إلى وجدانية (عدم وجود زيد)، لا يمكن أن نثبت عدم المحكي للصورة الإجمالية التي هي محطّ الأثر الشرعي واقعاً، ومركز استصحاب الكلّي ظاهراً. 

وإن شئتم قلتم: إن استصحاب عدم دخول عمرو لا يجري؛ لأنكم ماذا تريدون به؟ هل نظركم إلى نفي الجامع، أو إلى نفي الجامع المتخصّص بما هو متخصص؟

فإن كان الثاني فهو غير صحيح؛ لأن التخصّص هنا ليس دخيلاً في موضوع الأثر الشرعي حتى ينفى، فإن النفي لا يمكن أن يطرأ إلّا على ما له دخل في الأثر.

وإن كان نظركم إلى ذات الجامع بقطع النظر عن الخصوصية، فهو معلوم الوجود، قد علم بانتقاض عدمه بوجوده، فلا معنى لاستصحاب بقاء عدمه.

بناءً عليه، فلا معارضة بين استصحاب بقاء الكلّي واستصحاب عدم الفرد الطويل. هذا هو الإشكال الثاني. 

الإشكال الثالث: [التمسك بدليل الاستصحاب تمسك بالعام في الشبهة المصداقية]

إن استصحاب الكلّي لا يجري؛ لأن الكلّي الذي نريد أن نستصحب أمره مردّد بين زيد وعمرو… الخ. 

*****

ـــــــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

حاصل الإشكال الثالث(1): هو أن التمسّك بدليل الاستصحاب لإجراء استصحاب الكلّي في المقام، من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، فلا يجوز.

توضيح ذلك: أن دليل الاستصحاب يتكفّل جعل حكم على موضوع مركّب من اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء. والتمسّك بأيّ دليل في مقام إثبات حكمه يتوقّف على إحراز موضوعه، فلا يجري الاستصحاب إلّا إذا أحرزنا تمامية الركنين فيه.

وأما إذا احتملنا في مورد أن مورد الاستصحاب غير مشكوك البقاء بل هو مقطوع الارتفاع.

وفي المقام نريد أن نستصحب كلّي الإنسان في المسجد، المردّد بين زيد القصير وعمرو الطويل. وفي الساعة الثانية يقطع بارتفاع زيد ويحتمل بقاء عمرو. فهذا الكلّي إن كان وجد في ضمن (زيد) فهو مقطوع الارتفاع، وإن كان وجد في ضمن (عمرو) فهو مشكوك الوجود في الزمان الثاني. إذن فلم نحرز الشكّ هنا في مورد الاستصحاب، بل لعلّه لم يتمّ فيه الشك؛ لأن الشكّ يكون موجوداً على أحد التقديرين دون الآخر، فلم نحرز الشكّ الذي هو موضوع الاستصحاب. 

إذا فرضنا أن عمراً يقطع ببقائه، يصير الحال أسوأ؛ إذ لا يكون شكّ في بقاء الكلّي على كلّ تقدير(2)

ـــــــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــــ

() وقد ذكر هذا الإشكال في المحاضرة الآتية بنحو أحسن، فنكتبه فيما يلي منها: حاصل الإشكال الثالث… (المقرِّر).

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: إذا فرضنا أن عمراً… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [مناقشة الإشكال الثالث]

هذا الإشكال لا بُدّ أن نرجع فيه إلى تصوراتنا الثلاثة لاستصحاب الكلّي؛ لأجل التأكّد من ورودها وعدمه.

أما بناء على تصوّر الرجل الهمداني: -من أن استصحاب الكلّي يجري في الوجود الوسيع، واستصحاب الفرد يجري في التعينات والأفراد- بناءً عليه من الواضح أن ما هو مورد الاستصحاب لا يحتمل كونه لا مشكوكاً ولا مردّداً للقطع بالارتفاع؛ لأن ما هو مقطوع الارتفاع هو وجود عمرو (أي النقطة) أما الوجود الوسيع للكلي، فهو لا يحتمل كونه مقطوع الارتفاع. نعم يحتمل ارتفاعه، ولكن لا يحتمل كونه مقطوع الارتفاع، حتى يكون من الشبهة المصداقية لدليل الاستصحاب.

فمركز القطع بالارتفاع غير مركز احتمال البقاء، فالأوّل هو النقطة والرتبة، ومركز الشكّ في الارتفاع هو ذلك الوجود الوسيع، وأحدهما غير الآخر.

وأما بناءً على التصوّر الثاني: -من أن استصحاب الكلّي مرجعه إلى استصحاب الحصّة-، فهل يكون التمسّك بدليل الاستصحاب لاستصحاب الحصّة من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، من باب أن هذه الحصّة لعلّها مقطوعة الارتفاع عندنا، فكيف نعبّد ببقائها؟!

هذا كلام سوف يظهر حاله، حينما نتكلّم في جريان استصحاب الفرد المردّد في هذه الصورة. فإن الحصّة -كما ذكرنا- عبارة أخرى عن الفرد، غاية الأمر أنه بلا خصوصياته العرضية.

ـــــــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما بناءً على التصوّر الثالث الذي اخترناه: -من أن التعبّد الاستصحابي مركزه هو الصور-، يظهر وجه المغالطة في هذا الإشكال الذي بينّاه؛ لأنه عندنا هنا -بحسب الحقيقة- صورتان: صورة تفصيلية للفرد القصير وهو (زيد)، وهي مركز للقطع بالارتفاع، وليست متعلقاً للشك. وعندنا صورة أخرى مباينة لها في عالم الصور، وهي الصورة الإجمالية الحاكية عن الجامع، وهذه الصورة لا يحتمل كونها محطّاً للقطع بالارتفاع أصلاً. فإننا متى كنّا نلحظ الجامع فنقطع بارتفاعه. بل هذه الصورة متمحّضة في الشكّ على كلّ تقدير.

وتمام النكتة في ذلك: هو القطع والشكّ والظنّ ونحوها، كلّها مراكزها الصور الذهنية، لا الخارج. وفي عالم الذهن الصورة الإجمالية مباينة مع الصورة التفصيلية، فيمكن كون الصورة التفصيلية مركزاً للقطع بالعدم، والصورة الإجمالية مركزاً للشكّ في الوجود والعدم. وهذا معقول ولا يلزم منه اجتماع الشكّ واليقين في مورد واحد. 

إذن فيجري الاستصحاب من دون أن تكون هناك شائبة الشبهة المصداقية؛ لأنه يجري بلحاظ الصورة الإجمالية، لا التفصيلية، وما هو مقطوع الارتفاع إنما هو الصورة التفصيلية لا الإجمالية. 

وبهذا اندفعت هذه الإشكالات الثلاثة. وهي مهمّ الإشكالات التي طرحت من قبل الآغايون بعد تطويرها. 

وبهذا ظهر أنه لا بأس بجريان الاستصحاب في هذه الصورة متى ما كان هناك أثر مترتّب على الكلّي. 

ـــــــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

هذا هو تمام الكلام في الجهة الأولى من هذه الصورة في تحقيق جريان استصحاب الكلّي. 

الجهة الثانية: [في استصحاب الفرد]

في أنه هل يجري استصحاب الفرد أو لا؟ 

إذا كان الأثر الشرعي المرغوب إثباته بالاستصحاب مترتّب على الأفراد بعناوينها التفصيلية، كما إذا قال: (إذا كان زيد في المسجد فتصدّق، وإذا كان عمرو في المسجد فتصدّق أو فصلِّ ركعتين)، على الاختلاف في تسانخ الأثرين واختلافهما.

ثُمّ علمت إجمالاً بأن أحدهما دخل المسجد، وهذا شكّل لي العلم الإجمالي بأن أحد الحكمين تمّ موضوعه، وأن أحد الأثرين قد تنجّز. ثُمّ إني شككت بعد ساعة أن هذا الفرد الذي دخل بقي أم لا؛ لأنه إن كان زيد فقد خرج وارتفع الحكم، وإن كان هو عمرو، فلعله باقٍ حتى الآن.

فهل يمكنني إجراء استصحاب ذلك الفرد المعيّن عند الله المجهول عندي؛ لأني متيقّن بدخوله إلى المسجد وأشكّ في بقائه. وأثر هذا الاستصحاب هو تنجيز أثر الفرد -لا الكلّي- على إجماله. 

في جريان استصحاب الفرد المردّد

الصحيح أن هذا الاستصحاب لا يكون جارياً وذلك لعدّة نقاط ضعف لا بُدّ من بحثها في هذا الاستصحاب.

ـــــــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

النقطة الأولى: عدم اليقين بالحدوث؛ لأن هذا الاستصحاب هل يجري في عنوان الفرد أو في واقع الفرد.

فعلى الأولى هو إجراء للاستصحاب في الكلّي؛ لأن عنوان الفرد كلّي أيضاً. والمفروض أن الأثر مترتّب على الجزئيات لا على الكلي.

وإذا أريد جريان الاستصحاب في واقع الفرد -يعني: زيد أو عمرو- فواقع الفرد بعنوانه التفصيلي لم يتعلّق به اليقين حدوثاً. إذن فلم يتمّ هنا أحد ركني الاستصحاب وهو اليقين بالحدوث.

وهذا الإشكال هو سنخ الإشكال الذي أوردناه على استصحاب الفرد في الصورة الأولى، بل عينه بحسب الحقيقة. وقد قلنا هناك ونقول هنا بأنه: لا مخلص عن هذا الإشكال إلّا بتغيير أصوله الموضوعية. أما بأن نبني بأن اليقين ليس موضوعاً في دليل الاستصحاب أصلاً، بل موضوعه هو ذات الحدوث. وأما أن نبني على أن العلم الإجمالي متعلّق بالواقع لا بالجامع، على كلام لمدرسة المحقّق العراقي، فالعنوان التفصيلي يكون متيقّناً في الجملة.

النقطة الثانية: عدم الشكّ في البقاء؛ لأننا وإن كنّا نشكّ وجداناً في البقاء، فإننا نقول: بأن ذلك الفرد الذي كان موضوعاً للأثر الشرعي حدوثاً بدخوله للمسجد، نشكّ في أنه بقي أو لا.

إلا أن مركز هذا الشكّ هو: عنوان الفرد الذي كان موضوعاً للحكم الشرعي. وهذا عنوان انتزاعي منتزع من ترتّب الأثر الشرعي على موضوعه، وليس هو موضوع الأثر، بل موضوع الأثر بحسب لسان دليله هو زيد على 

ـــــــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الفرض، وهذا لا شكّ في بقائه، فإننا نقطع بارتفاع زيد. 

فالعنوان التفصيلي الواقعي الذي هو موضوع الأثر ليس مشكوكاً -إذا كان هو زيد-، والعنوان انتزع من ترتّب الأثر على موضوعه، فهو ليس موضوعاً للأثر، والشكّ فيه لا يفيد. إذن فلم تجتمع شرائط الاستصحاب على مركز واحد. 

ونقطة الضعف الثانية هذه، نقطة صحيحة لا جواب عليها. فهي تشكّل أحد الأسباب التي تدعو إلى القول بعدم جريان استصحاب الفرد المردّد.

نقطة الضعف الثالثة: أن هذا الاستصحاب لو فرض أن أركانه كانت تامّة -وتنزّلنا عن الإشكالين السابقين- مع هذا لا يجري؛ لأنه لغو لا أثر له في مقام التنجيز والتعذير والاستصحاب، إنما يجري بلحاظ أثره.

توضيح ذلك: أن الاستصحاب لو جرى بلحاظ ذلك العنوان التفصيلي الواقعي، فنحن في مقام العمل لا نستطيع أن نشخّص أن مورد الاستصحاب أين هو؛ لأن مورده مردّد بين زيد وعمرو.

فما يتوهّم كونه مجرياً في المقام هو دعوى أن هذا الحكم الاستصحابي الظاهري وإن كنت لا أدري أين مورده، ولكنّني أعلم به إجمالاً، فأعلم بحكم استصحابي ظاهري، هو إما في مورد (زيد) وإما في مورد (عمرو). فيتشكّل علم إجمالي بالحكم الظاهري، ويكون منجّزاً. 

إلا أن هذا التخيّل فاسد؛ لأن هذا الحكم الظاهري أمره مردّد بين أن يكون في مورد لا يكون له أثر ولا يعقل تنجيزه، وبين أن يكون في مورد له أثر 

ـــــــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ويعقل تنجيزه؛ لأن الحكم الظاهري إن كان في مورد (زيد) وبلحاظ آثاره. فلا يعقل تنجيزها علينا بالاستصحاب؛ لأن زيداً في الساعة الثانية مقطوع العدم وجداناً، فآثاره الإلزامية -كصلاة ركعتين- مقطوعة العدم، ومع العلم الوجداني بعدم الإلزام لا يعقل تنجيزه لا بالاستصحاب ولا بغيره.

وإن كان هذا الاستصحاب جارياً بلحاظ آثار (عمرو) فيعقل أن يكون منجّزاً؛ لأن آثاره محتملة وليست مقطوعة؛ فهذا الاستصحاب حكم ظاهري مردّد بين ما يكون له أثر وما ليس له أثر. والعلم الإجمالي بحكم هكذا لا يمكن أن يكون منجّزاً، وإنما يكون منجّزاً لو كان المعلوم على جميع التقادير ذا أثر عملي(1).

وهذه النقطة -كالثانية- تقتل استصحاب الفرد المردّد. فقد اتّضح من الجهة الثانية أن التحقيق عدم جريان استصحاب الفرد المردّد. 

ـــــــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: هذا خلاف التنزّل عن نقطة الضعف الثانية.

فقال: تنزّلنا وقلنا بأنه يجري حتى مع عدم الشكّ في البقاء، ولم نقل إنه هناك شكّ في البقاء، وإلّا لتغيّر الفرض، مع أننا يجب أن نتحفّظ على الفرض.

فقلت: إذا كان يجري حتى مع عدم الشكّ في البقاء فهو الآن جارٍ. 

فقال: يجري بحسب إطلاق دليله. فإن نقطة الضعف الأولى والثانية كانت مناقشة في إطلاق دليل الاستصحاب، ونقطة الضعف الثالثة إشكال ثبوتي، بأن نقول: لو فرض بأن الاستصحاب لم يؤخذ في موضوعه لا اليقين بالحدوث ولا الشكّ في البقاء. فالإطلاق اللفظي لدليل الاستصحاب تامّ، ولكن مع هذا لا يعقل أن يجري في المقام؛ لأنه ليس له أثر إلّا على أحد تقديريه فلا يتنجّز بالعلم الإجمالي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجهة الثالثة: [في كفاية استصحاب الكلي لإثبات أثر الفرد]

لو فرض أن استصحاب الفرد لا يجري فهل نستغني عنه في مقام ترتيب أثر الفرد باستصحاب الكلّي، الذي ثبت جريانه من الجهة الأولى؟ 

نظير ما قلناه في الصورة الأولى -من الصور الأربع لاستصحاب الكلّي- من أنه إذا علم إجمالاً بوجود كلّي وعلم به على جميع تقاديره، يمكن أن نستغني عن استصحاب الفرد باستصحاب الكلّي. فقد يتوهّم جريان ذلك البيان هناك في هذه الصورة أيضاً.

وحاصل ما قلناه هناك: أن مرجع استصحاب الكلّي بناءً على مفاد دليل الاستصحاب ناظر إلى اليقين لا إلى المتيقّن، هو إبقاء اليقين -إما ذاتاً وإما عملاً-، يعني إبقاء العلم الإجمالي بالكلّي، ومن المعلوم أن هذا العلم، كان له أثر في مقام التنجيز؛ لأن العلم الإجمالي بجامع الإنسان الجامع بين (زيد) الذي هو موضوع وجوب الصدقة و(عمرو) الذي هو موضوع وجوب الصلاة ركعتين، هذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً لآثار أفراده لا محالة. 

فإذا كان هذا العلم الإجمالي قابلاً للتنجيز، وله جري عملي على طبقه، فإذا حكم الشارع بوجوب إبقائه في مقام الجري العملي، يكون معناه: تنجيزه بقاءً على نحو تنجيزه حدوثاً. وهذا أمر معقول ولا يتوقّف على أن يكون للكلّي أثر شرعي كما هو المشهور على الألسنة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا الذي قلناه هناك لا يتمّ هنا؛ لأنه في المقام: إبقاء(1) ذلك العلم الإجمالي بكلّي الإنسان الجامع بين زيد وعمرو، لا أثر له في الزمان الثاني؛ لأن العلم الإجمالي التعبّدي في الساعة الثانية، لا يعقل أن يكون منجّزاً.

والوجه في ذلك: أن هذا العلم التعبّدي إما أن ينجّز الواقع، يعني أثر (عمرو) ابتداءً، وإما أن تكون نسبة تنجيزه إلى كِلا طرفيه على حدّ واحد. وكِلاهما غير معقول. 

أما أن يختصّ تنجيزه بعمرو فقط، فهو غير معقول؛ لأن نسبة العلم الإجمالي إلى كِلا الطرفين على حدّ واحد، ويستحيل أن يختصّ بأحدهما. 

وأما إذا كانت نسبة تنجيزه إلى كِلا الطرفين على حدّ واحد، فهو أيضاً غير معقول؛ لأن زيداً مقطوع الارتفاع وجداناً، ومعه يستحيل أن يكون في عرض الطرف الآخر في مقام سراية التنجيز إليه من هذا العلم الإجمالي. 

فالعلم الإجمالي الذي يكون أحد طرفيه مقطوع العلم وجداناً، والآخر مشكوك فيه، لا يعقل أن يكون منجّزاً، حتى لو فرض وكان علماً وجدانياً -من باب فرض المحال-، فضلاً عما إذا كان علماً اعتبارياً. 

وهذا بخلافه في الصورة الأولى، فإنه هناك لم يكن لا (زيد) ولا (عمرو) مقطوع الارتفاع، بل كان الكلّي على جميع تقاديره مشكوك البقاء. فتشكيل العلم الإجمالي بقاءً كان نافعاً في تنجيزها في عرض واحد. وأما في المقام حيث إن أحد الطرفين مقطوع الارتفاع ومؤمَّن عنه بالعلم التفصيلي، فيستحيل أن 

ـــــــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــــ

() يعني: بالاستصحاب (توضيح). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يكون للعلم الإجمالي الذي يراد إيجاده تعبّداً بالاستصحاب أثر في مقام التنجيز(1).

[عود إلى استصحاب الفرد المردد]

[نقطة الضعف الثانية:]

وحاصلها(2): أن استصحاب الفرد المردّد يتصوّر بأحد نحوين: إما بأن يؤخذ عنوان أحدهما طريقاً ومعرفاً لإيصال الاستصحاب إلى العناوين التفصيلية الواقعية. وإما أن يكون هو بنفسه مركزاً للاستصحاب. 

فإن أردتم الأوّل: بحيث يكون مركز الاستصحاب هو العنوان التفصيلي، فهو غير ممكن؛ لعدم إحراز الشكّ في البقاء؛ لأن ذلك العنوان التفصيلي لعلّه مقطوع الارتفاع -لعلّه- هو زيد المقطوع الارتفاع، إذن فلا يعقل إجراء الاستصحاب على العناوين التفصيلية ولو بمشيرية العنوان الإجمالية.

ـــــــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: حول سنخ الإشكال بين الصورتين: هناك في الفرد المردّد علم إجمالي وجداني بالحكم الظاهري*، وهنا علم إجمالي تعبّدي بالحكم الواقعي. وإن كانت روح الإشكال واحد، وهو اختلال شروط تنجيز العلم الإجمالي..

* يعني بأحد حكمين ظاهريين ما له أثر وما ليس له أثر. (المقرِّر).

(2) قرّر السيّد المطلب مكرّراً مبتدئاً بنقطة الضعف الأولى، ثُمّ ذكر الثانية بنحو أدمج فيها الجهة الثالثة التي ذكرها أخيراً فيما سبق. ثُمّ ذكر نقطة الضعف الثالثة. ونحن ذاكرون ما كرّره من النقطة الثانية؛ ليتّضح كيفية الدمج الذي قام به. وحاصلها: أن استصحاب الفرد… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وإن أردتم الثاني: بأن تجعلوا عنوان أحدهما مركزاً للاستصحاب، لا جسـراً وطريقاً، وهذا هو التقدير الذي لم تكن تبطله نقطة الضعف الأولى.

حينئذٍ يقال: بأن هذا أيضاً باطل. وذلك: لأن إجراء الاستصحاب لا بُدّ فيه من أحد أمرين: إما أن يكون إجراؤه بلحاظ أثر شرعي مترتّب على المستصحب، وإما أن يكون إجراؤه بلحاظ أن نفس الاستصحاب له أثر عملي عقلي، وإن لم يكن للمستصحب أثر. وهذا أيضاً يكفي في مقام إجراء الاستصحاب، ولا يكون من الأصل المثبت؛ لأن الأصل المثبت عبارة عن إثبات الأثر العقلي للمستصحب، وفي المقام الأثر للاستصحاب نفسه لا للمستصحب. 

فلا بد من إجراء الاستصحاب بأحد هذين النحوين، وكِلا الأمرين مفقود في المقام:

أما الأمر الأوّل: يعني إجراء الاستصحاب في عنوانٍ، بلحاظ كون ذلك العنوان موضوعاً لحكم شرعي؛ لأجل التعبّد بثبوت ذلك الحكم الشرعي.

هذا غير موجود في المقام بالنسبة إلى عنوان أحدهما؛ لأنه عنوان إجمالي انتزاعي، لم يقع موضوعاً لحكم شرعي في الأدلّة، حتى يجري الاستصحاب بلحاظ التعبّد به. وإلّا لدخل في استصحاب الكلّي وخرج عن استصحاب الفرد المردّد.

وأما الأمر الثاني: أن عنوان أحدهما وإن لم يكن له أثر، إلّا أن نفس الاستصحاب له أثر عملي عقلي فيكون جارياً. وهذا ما سمّيناه [قريباً] بالجهة 

ـــــــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الثالثة من الكلام. وهذا مبني على قياس هذه الصورة الثالثة في الصورة الأولى(1)

نقطة الضعف الثالثة:

تفترض أن الاستصحاب يجري في العناوين التفصيلية، لا في العنوان الإجمالي، من ناحية افتراض تمامية أركان الاستصحاب فيه. ولكن هذا الاستصحاب ليس له أثر عملي، فيكون جعله لغواً، والعقل يحكم باستحالة جعله، ويكون مقيّداً لدليل الاستصحاب(2)

ـــــــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــــ

() ثُمّ ذكر السيّد ما سبق من إمكان الاستصحاب في الصورة الأولى، باعتبار أن الاستصحاب عبارة عن التعبّد ببقاء العلم الإجمالي، والعلم الإجمالي موضوع للأثر العقلي، بحسب قواعد التنجيز، بلا حاجة لأن يكون المستصحب موضوعاً لحكم شرعي. ثُمّ ذكر أن التعبّد ببقاء العلم الإجمالي بالاستصحاب في الصورة الثالثة التي هي محلّ الكلام، لا يمكن. فإن هذا العلم الإجمالي لا يعقل تنجيزه بقاءً؛ لكونه مقطوع الارتفاع على أحد التقديرين. ثُمّ شقّق السيّد القول من حيث أنه إن أريد بالاستصحاب تنجيز أحد الطرفين بالخصوص أو كِلا الطرفين، كما سبق*.

وهنا قال أحدهم: بأن هذا العلم الإجمالي منحلّ بالقطع بأحد طرفيه.

فأجاب: أنه لو كان علماً وجدانياً، وقطع بأحد طرفيه، فإنه ينحلّ إلى العلم بأن الآخر هو الواقع. لكن حيث إن هذا علم إجمالي تعبّدي، فهو لا يستطيع أن ينحلّ ويثبت اللّوازم، وإلّا صار أصلاً مثبتاً. فيبقى على حاله، والعلم التفصيلي يفنيه في أحد طرفيه، فلا يعقل لهذا العلم الإجمالي أن ينجّز.

* فيما عنون بالجهة الثالثة. (المقرِّر).

(2) ثُمّ ذكر وجه ذلك كما سبق. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ثُمّ إنه لو فرض أننا قطعنا النظر عن نقاط الضعف هذه، وأجرينا الاستصحاب في العنوان التفصيلي، وقلنا بتشكيل علم إجمالي، وأنه منجّز. أو أجريناه في العنوان الإجمالي، وشكّلنا بذلك إبقاء للعلم الإجمالي السابق، وقلنا: إنه منجّز. 

فحينئذٍ يقال: إن استصحاب الفرد المردّد مبتلى بمحذور آخر، وحاصله: أن هذا العلم الإجمالي، الذي فرضنا أنه ينجّز أثر (عمرو)، فإنه إنما ينجّزه بقانون جريان أصالة الاشتغال في طرف العلم الإجمالي.

فإما أن نقول: إن العلم الإجمالي ينجّز طرفه بنحو العلّية، بحيث يكون الترخيص على خلافه مستحيلاً.

وإما أن نقول: إنه ينجّز طرفه بنحو الاقتضاء، بحيث يكون تنجيزه له معلّقاً على عدم مجيء الترخيص على خلافه.

فإن قيل بالاقتضاء، فالترخيص وارد على خلافه؛ فإن الأصول المؤمّنة ترخّص في ترك أثر (عمرو)، ولا معارض له في طرف (زيد)؛ لأنه مقطوع الارتفاع وجداناً، فلا تكون جارية فيه، إلّا في حالات استثنائية. ومعه يصبح العلم الإجمالي لغواً، ومعه يسقط الاستصحاب عن الجريان؛ لأنه لا ينتهي إلى أثر عملي؛ لأن غايته إثبات العلم الإجمالي، وقد صار هذا العلم لغواً.

وأما بناءً على العلية، وعدم إمكان الترخيص في هذا الطرف، فيقع التعارض بين استصحاب الفرد المردّد وبين الأصول الجارية في هذا الطرف من الاستصحاب والبراءة، فإنه بناءً على ما هو المشهور من تقدّم الاستصحاب على 

ـــــــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

البراءة بالحكومة، لكنّه هنا لا يتقدّم، فإن الحكومة فرع الاتّحاد في المورد، وهنا لم نحرز الاتّحاد في المورد، ومع عدم إحرازه على مباني الميرزا، يجري الدليل المحكوم، فتجري البراءة وتقع طرفاً للمعارضة مع الاستصحاب في الفرد المردّد. 

وبذلك تمّ البحث في الجهات الثلاث التي ذكرناها.

الجهة الرابعة: [أقسام الفرد المردد] 

إن الموارد التي يتصوّر جريان استصحاب الفرد المردّد فيها على أنحاء، وبعضها لا معنى لجريانه فيها حتى لو قيل بجريانه، وبعضها يتّجه فيها القول بجريانه حتى لو قيل في نفسه بعدم جريانه. 

فإنه في ما مضى عالجنا بعض أقسام استصحاب الفرد المردّد، وفي هذه الجهة نريد استيعاب هذه الأقسام. 

وذلك: أن عندنا في موارد استصحاب الفرد المردّد ثلاثة أشياء: عندنا الشخص الذي يعلم بدخوله إلى المسجد. وعندنا الشخص الذي يعلم بخروجه وعدمه في الزمان الثاني، وهو (زيد) في المثال أو الفرد القصير. وعندنا موضوع الأثر الشرعي إذ فرضنا أن وجوب الصدقة موضوعه (زيد) ووجوب صلاة ركعتين موضوعه (عمرو).

والعلم بالخارج، يعني: أن زيداً ليس في المسجد في الساعة الثانية، إما أن نفرضه تفصيلياً كما في المثال، وإما أن نفرضه إجمالياً، بأن نعلم أن أحدهما خارج عن المسجد. فهنا قسمان: 

ـــــــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

القسم الأوّل: [الخارج معلوم بالتفصيل] 

أن يكون العلم بخروج الخارج علماً تفصيلياً، يعني نعلم أن زيداً بخصوصه ليس في المسجد في الساعة الثانية، وبعد فرض تفصيلية هذا العلم، لا يمكن أن نفرض أن العلم بالداخل علم تفصيلي، وإلّا فأين الشك؟ بل فرض العلم التفصيلي بالخارج يساوق مع فرض أن الداخل معلوم بالإجمال، إما زيد وإما عمرو. فنعلم إجمالاً بدخول أحدهما في الساعة الأولى، ونعلم تفصيلاً بخروج زيد في الساعة الثانية.

[صور موضوع الأثر الشرعي]

وأما بالنسبة لموضوع الأثر الشرعي، فيتصوّر له أربع صور: 

الصورة الأولى: أن يفرض كونه معلوماً علماً تفصيلياً بترتّبه على كِلا الفردين، وهذا هو الذي كنّا نعالجه حتى الآن. فيكون حاصل الصورة: أن يكون العلم بالخارج تفصيلياً، وبالداخل إجمالياً، وبالموضوع تفصيلياً بأثرين شرعيين مترتّبين على موضوعين تفصيليين، هما (زيد) و(عمرو).

وهنا لا يجري استصحاب الفرد المردّد:

لأن إجراءه بالعنوان التفصيلي لا يمكن؛ لأنه -لعله- لا شكّ إذ يحتمل كونه معلوم الخروج من المسجد.

وإجراؤه في العنوان الإجمالي لا يمكن؛ لأنه لا أثر له؛ لأنه إن أريد الأثر الشرعي، فهو ليس مترتّباً على العنوان الإجمالي، بل على العناوين التفصيلية. 

ـــــــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وإن أريد الأثر العملي لنفس العلم الإجمالي، فهذا أيضاً غير معقول في المقام؛ لأن التعبّد بالعلم الإجمالي لا أثر له بعد فرض أن أحد طرفيه معلوم الانتفاء وجداناً.

الصورة الثانية: أن يفرض كون موضوع الأثر الشرعي معلوماً بالتفصيل، لكنّه أثر واحد مترتّب على موضوع واحد، هو إما زيد بخصوصه؛ وإما عمرو بخصوصه.

فيكون حاصل الصورة: أن يكون العلم بالخارج تفصيلياً، والعلم بالداخل إجمالياً -كسابقتها-، والعلم بالأثر الشرعي تفصيلياً بأثر واحد على موضوع معيّن. 

في هذه الصورة لا معنى لإجراء استصحاب الفرد المردّد حتى لو قيل به في نفسه، وذلك: لأن الفرد الذي علمنا به إجمالاً لا ندري أنه هو موضوع الأثر أو لا؛ لأنه ليس عندنا إلّا أثر واحد مترتّب على واحد منهما. فليس الفرد المردّد موضوعاً للأثر على كلّ حال، بل لا بُدّ من الرجوع إلى واقعة لنرى أن هذا الأثر مترتّب على (زيد) فنحن نعلم بانتفائه، أو على (عمرو)، فلعلّه في المسجد ولعلّه ليس في المسجد، ويكون شبهة حدوثية بالنسبة إليه.

الصورة الثالثة: أن نفرض أن الخارج معلوم بالتفصيل، وهو (زيد)، وأن الداخل معلوم بالإجمال. وموضوع الأثر الشرعي، فهو أثران معلومان بنحو الإجمال. يعني: نعلم إجمالاً بوجود وجوب الصدقة، ووجود وجوب صلاة ركعتين، لكن لا ندري أن موضوع أيٍّ منهما أيٌّ منهما من (زيد) و(عمرو). 

ـــــــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا هو فرقه عن الصورة الأولى، إذ كان الموضوعين هناك معلومين تفصيلاً وهنا معلومين إجمالاً. 

هنا لا بأس بجريان استصحاب الفرد المردّد، حتى بناء على المنع من جريانه في الصورة الأولى، لا بلحاظ العنوان التفصيلي، إذ لعلّ هذا العنوان هو نفس ذاك الذي نعلم وجداناً بخروجه من المسجد، فلم نحرز الشكّ في البقاء فيه.

ولكن نجري الاستصحاب بلحاظ العنوان الإجمالي، وهو عنوان أحدهما، لا بلحاظ الأثر الشرعي، فإنه ليس له أثر شرعي، بل بلحاظ الأثر العملي والتنجيز، وذلك: لأن إبقاء العلم بوجود أحدهما منجّز في المقام. ولا يبطل منجّزيته علمنا التفصيلي بأن زيداً ليس في المسجد في الساعة الثانية؛ لأن هذا العلم التفصيلي لا يؤدّي إلى علمنا بانتفاء حكم إلزامي؛ إذ نحن لا ندري أن زيداً موضوع لأيٍّ من الحكمين. فبالرغم من علمنا بأن زيداً غير موجود في الساعة الثانية، مع هذا نحتمل وجوب الصدقة ونحتمل وجوب الصلاة؛ لاحتمال أن موضوعها عمرو.

وهذا هو فرقه عن الصورة الأولى، فإنه هناك كان أحد الحكمين الإلزاميين قد قطع بانتفائه في الساعة الثانية، فلا يعقل تنجّزه بالعلم الإجمالي، وهذا بخلافه في المقام. فإن كِلا الحكمين في المقام قابل للتنجّز؛ لأنه لم يعلم بانتفائه وجداناً بمجرّد العلم بانتفاء زيد في الخارج. إذن فيجري استصحاب الفرد المردّد لا بلحاظ العنوان التفصيلي، بل بلحاظ العنوان التفصيلي.

ـــــــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصورة الرابعة: أن نفرض أن الخارج معلوم تفصيلاً، وأن الداخل معلوم إجمالاً، كما في الصور السابقة، وأما موضوع الأثر، فهو موضوع واحد معلوم إجمالاً. فهناك وجوب الصدقة فقط، إما موضوعه (زيد) وإما موضوعه (عمرو). 

فعندنا في الصورة علمان إجماليان: بالداخل وبموضوع الأثر، وعلم تفصيلي بالخارج.

في هذه الصورة إما أن نفرض أننا كنّا نعلم بوحدة المعلومين الإجماليين، وأن من حكم الشارع عليه بوجوب الصدقة -على إجماله- هو الداخل إلى المسجد. وإما أننا لا نعلم بوحدة المعلومين الإجماليين، فلعلّ الذي دخل إلى المسجد (زيد) والذي حكم عليه الشارع (عمرو).

فإن لم نحرز وحدة المعلوم بالإجمال، فلا معنى أصلاً لإجراء استصحاب الفرد المردّد هنا، حتى لو قيل به؛ لأن هذا الذي نعلم إجمالاً بدخوله المسجد لا نعلم أنه موضوع الأثر الشرعي، فأي فائدة بالتعبّد باستمراره إلى الزمان الثاني؟!

وإن علمنا بوحدة المعلومين الإجماليين، فلا بأس بإجراء الفرد المردّد، كما هو الحال في الصورة الثالثة، لا بلحاظ العنوان التفصيلي، إذ قد لا يكون هناك شكّ في البقاء بلحاظه. بل بلحاظ العنوان الإجمالي، وهو عنوان أحدهما، لا بملاك الأثر الشرعي بل بملاك الأثر العملي. حيث إن هذا العلم الإجمالي بعنوان أحدهما، لو أبقي إلى الآن، لكان قابلاً للتنجيز. ومجرّد العلم التفصيلي بأن زيداً ليس موجوداً في المسجد لا يكفي؛ لأن هذا لا يوجب العلم التفصيلي 

ـــــــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بأن حكم الله قد ارتفع، إذ لعلّ موضوعه هو غير (زيد). فما هو حكم الله قابل لأن يتنجّز؛ لأنه لم يُعلم بانتفائه.

فهنا أيضاً لا إشكال بجريان استصحاب الفرد المردّد. 

فهذه هي الصور الأربع للقسم الأوّل، وفي جميعها كنّا نفترض أن الخارج معلوم بالتفصيل.

القسم الثاني: [الخارج معلوم بالإجمال]

أن نفترض أن الخارج معلوم بالإجمال، يعني: أن من خرج من المسجد هو إما زيد أو عمرو. وهنا يمكن أن نفرض العلم التفصيلي بالداخل؛ لأنه لا يوجب انتفاء الشكّ. 

فإن كان الداخل معلوماً تفصيلاً، بأن كنّا نعلم أن الداخل هو زيد، ثُمّ رأينا شبحاً خارجاً لا ندري أنه زيد أو عمرو. فهذا من موارد استصحاب الفرد المعيّن، ولا إشكال فيه. 

وإن كان الداخل معلوماً إجمالاً، فيجري استصحابه في جميع الصور، إذا كان له أثر شرعي أو عملي. ومجرّد العلم الإجمالي بأن أحد الشخصين غير موجود لا يضرّ في المقام. فإنه يجري الاستصحاب في المقام بلحاظ العنوان الإجمالي بلحاظ الأثر العملي، وفي العنوان التفصيلي بلحاظ الأثر الشرعي؛ لأنه(1) هنا ليس معلوم الارتفاع على أيّ حال. وليس هناك محذور في إجراء 

ـــــــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــــ

() يعني العنوان التفصيلي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب في العنوان التفصيلي في هذه الصورة، إلّا مسألة عدم اليقين بالحدوث، ولكن من ناحية الشكّ في البقاء، لا محذور(1).

هذه هي صور الفرد المردّد.

الجهة الخامسة: [موارد استصحاب الفرد المردد]

إنه وقع الخلط في بعض كلمات الأكابر، بين موارد استصحاب الفرد المردّد وغيرها. فأدرجت بعض الموارد الخارجة عن استصحاب الفرد المردّد تحت عنوانه. بينما الاستصحاب فيها للفرد المعيّن، ولا إشكال من جريانه. 

وصغرى ذلك ما ورد في تقريرات الشيخ محمد علي، حيث ذكر في مقام التمثيل لاستصحاب الفرد المردّد في سياق بحث: أنه من قبيل ما إذا فرض بدخول زيد في الدار، ثُمّ علمنا بانهدام الجانب الشرقي من الدار. فإن كان زيد في الجانب الشرقي، فقد مات. وإن كان في الجانب الآخر، فقد بقي حياً. فيشكّ في بقائه وعدمه للشكّ في محلّه.

ـــــــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: أليس هذا هو القسم الأوّل من استصحاب الكلّي؟

فقال: في القسم الأوّل، كنّا نشكّ في بقائه لا أننا نعلم إجمالاً بالارتفاع، وهنا نعلم إجمالاً بالارتفاع.

فقال السائل: هل هذا الأثر الجديد يولّد فرقاً؟

فأجاب السيد: لا يولّد فرقاً من حيث النتيجة، فإننا قلنا هناك بجريان الاستصحاب كذلك نقول هنا. وإنما ذلك لأجل استيعاب صور المسألة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وذكر أن هذا ليس من استصحاب الكلي؛ لأن هذا الإنسان لا يصبح كلّياً لمجرد تردّد مكانه، وإنما هو من استصحاب الفرد المردّد الذي لا يجري فيه الاستصحاب.

وهذا الكلام غريب جداً؛ لأن هذا أجنبي عن موارد استصحاب الفرد المردّد.

وتوضيح ذلك: أن ما يراد إجراء الاستصحاب فيه تارةً يقطع بانتفائه بنحو القضيّة الشرطية، مع عدم إحراز شرطها، كما هو الحال في هذا المثال، إذ حصل لنا قطع بقضية شرطية، مقدّمها: (أنه لو كان في الجانب الشرقي)، وجزاؤها: (أنه انتفى ومات).

في مثل هذا لا يتوهّم عدم جريان استصحاب الفرد المردّد، بأيّ بيان من البيانات السابقة، ولا يتخيّل هنا أن الفرد لعلّه مقطوع الانتفاء وجداناً. فإن القطع بالقضيّة الشرطية مرجعه إلى القطع بالملازمة بين الشرط والجزء، لا إلى القطع بالجزاء ولو على تقديرٍ(1)، وأنه موجود على فرض وجود الشرط. إذ كثيراً ما نحن نعلم بقضايا شرطية، يكون شرطها موجوداً في علم الله، ولكنّنا لا نعلم بذلك، فنحن لا نعلم بجزائها.

إذن فعلمنا أنه (لو كان زيد في الجانب الشرقي لانتفى)، علم بالملازمة بين المقدم والجزاء، وليس علماً بالجزاء ولو على تقدير أن يكون زيد في الجانب الشرقي. فإن كونه هناك ليس معناه أننا عالمون بانتفائه، بل نحن وجداناً لسنا 

ـــــــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــــ

() ولهذا قالوا: بأن صدق الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

عالمين بذلك. إذن ففي المقام لا يوجد احتمال أن يكون زيد مقطوع الانتفاء عندنا. نعم، هناك احتمال أن يكون منتفياً لا احتمال أننا نقطع بانتفائه؛ لأن القطع الذي عندنا قطع بمفاد القضيّة الشرطية، وهو علم بالملازمة لا علم بالجزاء ولو على تقديرٍ، ما لم تخرج القضيّة عن كونها شرطية إلى كونها فعلية تنجيزية، بالعلم بشرطها.

وهذا بخلاف موارد استصحاب الفرد المردّد، فإنه عندنا فيها علم بقضية تنجيزية -لا شرطية-؛ إذ نعلم تنجيزاً أن زيداً ليس في المسجد، فلو كان زيد هو الذي دخل في علم الله، إذن فنحن عالمون بأن ذات الداخل قد خرج. 

فالعلم في موارد استصحاب الفرد المردّد، علم بقضية تنجيزية، ومن هنا كان مانعاً عن إجراء الاستصحاب. وأما العلم في هذا المثال، فهو علم بقضية شرطية تعليقية، فلا يوجب خللاً في أركان الاستصحاب.

وإلا لأوجب ذلك خللاً في جريان استصحاب القسم(1) الثاني من الكلّي
-في اصطلاحهم- دائماً، فإن فيه دائماً علم بالانتفاء بنحو القضيّة الشرطية. فإننا لو علمنا إجمالاً بوجود حيوان مردّد بين البقّ والفيل، نعلم بأنه لو كان بقّاً لزال وذهب، فهذا العلم بنحو القضيّة الشرطية موجود، فلو كان العلم بنحو القضيّة الشرطية مانعاً عن جريان الاستصحاب، لمنع عن جريان استصحاب الكلّي، فضلاً عن جريان استصحاب الفرد المردّد.

ـــــــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــــ

() وهو الصورة الثالثة باصطلاحهم. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجهة السادسة: [في الاحتياج إلى الفرد المردد للوصول إلى النتيجة]

إن استصحاب الفرد المردّد متى يحتاج إليه بحيث ينحصر الأثر المطلوب منه عليه؟ ومتى لا يحتاج، بحيث نصل إلى نفس النتيجة من دون إجرائه؟ 

توضيح ذلك: أن العلم الإجمالي بدخول الفرد المردّد إلى المسجد، بين زيد القصير وعمرو الطويل، يتحقّق من أوّل الأمر. وأخرى يتحقّق بعد خروج زيد من المسجد، فهذان قسمان: 

القسم الأوّل: [حدوث العلم الإجمالي من البداية] 

ما إذا كان العلم الإجمالي قد حدث منذ البداية، من حين الدخول.

ويتصور في هذا القسم ثلاث صور: 

الصورة الأولى: أن يفرض أن الفرد القصير الذي هو أحد طرفي العلم الإجمالي كان منجّزاً بالعلم الإجمالي، بلحاظ ترتّب أثر خاصّ عليه، وأننا نعلم من أوّل الأمر أن الفرد الطويل على تقدير حدوثه، فهو باقٍ. 

في مثل ذلك لا نحتاج إلى استصحاب الفرد المردّد، أصلاً. فإننا إنما نجريه في الساعة الثانية حتى نحمّل على أنفسنا آثار (عمرو)، التي هي وجوب الصدقة. بينما أن آثار (عمرو) وتنجّزه بنفس العلم الإجمالي الأوّل، بلا حاجة إلى الاستصحاب.

وذلك: لوقوعها في الساعة الثانية طرفاً للعلم الإجمالي، فإننا من أوّل الأمر أنه إما أثر القصير ثابت وإما أثر الطويل في الساعة الأولى والثانية ثابت. فأثر الطويل في الساعة الثانية، بنفسه طرف للعلم الإجمالي من أوّل الأمر، 

ـــــــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ويكون منجّزاً بأصالة الاشتغال.

فلا معنى بل يلغو أن نفكر في إجراء استصحاب حتى نجري في طوله أصالة الاشتغال، لننجّز الشيء الذي تنجّز بأصالة الاشتغال حسب قواعد العلم الإجمالي. 

الصورة الثانية: أن نفرض أن العلم الإجمالي حاصل من أوّل الأمر، وأنه منجّز بلحاظ أثر الفرد القصير في الساعة الأولى، ولكنّنا من أوّل الأمر لم نكن نعلم أن الفرد الطويل سوف يبقى، بل لعلّه لا يبقى، لا أنه يُعلم ببقائه.

ففي هذه الصورة يوجد علم إجمالي، بالنحو الذي كان في الصورة الأولى. فإننا نعلم إجمالاً هنا بأثر القصير في الساعة الأولى، أو أثر الطويل فيها، فيكون كِلاهما منجّزاً. وأما أثر الطويل في الساعة الثانية، فليس طرفاً للعلم الإجمالي، إذ لعلّه ارتفع في الساعة الثانية، ولم نحرز طوله على تقدير حدوثه.

ولكن يمكن التعويض عن هذا العلم الإجمالي على مبنانا في بحث الاستصحاب، وذلك: بإجراء الاستصحاب في الفرد الطويل نفسه بعنوانه(1). وأقول: أن الفرد الطويل على تقدير حدوثه باقٍ أو لا، فاستصحب بقاءه إلى الساعة الثانية، وهذا الاستصحاب لا يجري عند القوم القائلين بركنية اليقين للاستصحاب، فإنه لا يقين بحدوث الطويل، ولكنّه يجري عندنا؛ لأننا نقول إن ركن الاستصحاب ذات الحدوث، فهو يجري معلّقاً على واقعه وحدوثه.

ـــــــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــــ

() ونحن نقول بالاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضى. (منه جواباً على سؤال). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

حينئذٍ يحصل عندنا علم إجمالي، إما بأن أثر القصير -في الساعة الأولى- مترتّب، وإما بفعلية الاستصحاب؛ لأن الداخل إلى المسجد إن كان هو القصير، إذن فأثره في الساعة الأولى ثابت واقعاً، وإن كان هو الطويل، إذن فالاستصحاب جارٍ، وآثار الطويل في الساعة الثانية ثابتة بالاستصحاب. فهو علم إجمالي بثبوت أثر القصير واقعاً، أو ثبوت أثر الطويل بالاستصحاب في الساعة الثانية.

وهو علم إجمالي منجّز في نفسه، ما لم تتعارض الأصول بنحو تبطل منجّزيته، حسب قواعد العلم الإجمالي. 

واستصحاب الفرد الطويل -بهذا النحو- يغنينا عن استصحاب الفرد المردّد. نعم، هو لا يجعله لغواً لو قيل بجريانه، ولكنّه يغنينا عنه، ونتوصّل إلى النتيجة بهذا الترتيب(1)

الصورة الثالثة: أن نفرض أن العلم الإجمالي كان حاصلاً من أوّل الأمر، ولكنّ الفرد القصير لم يكن منجّزاً في الساعة الأولى ولو من باب أنه لا أثر له في الساعة الأولى.

فهنا العلم الإجمالي، لا يغنينا في تنجيز آثار الفرد الطويل في الساعة الثانية، لا بنفسه، ولا بضمّ ذلك الاستصحاب التعليقي إليه، سواء كنّا نعلم أن الفرد 

ـــــــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: نعم، نفرض فقيهاً التفت إلى هذا المطلب من أوّل الأمر. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الطويل على تقدير حدوثه(1) يبقى أو لا. فلا بُدّ من الرجوع إلى استصحاب الفرد المردّد على القول به. 

القسم الثاني: [حدوث العلم الإجمالي بعد خروج أحدهما]

ما إذا فرضنا أنه حدث العلم الإجمالي بعد خروج القصير، وهذا القسم بتمام صوره كالصورة الثالثة من القسم الأوّل. فإن أثر الطويل في الساعة الثانية لا يمكن أن يتنجّز بهذا العلم الإجمالي؛ لأن أحد طرفي هذا العلم خارج عن محلّ الابتلاء. فنحتاج إلى منجّز آخر، وليس ذلك إلّا استصحاب الفرد المردّد.

إذن فالحاجة إلى استصحاب الفرد المردّد، هي في القسم الثاني وفي الصورة الثالثة من القسم الأوّل. وأما في الصورة الأولى والثانية من القسم الأوّل، فاستصحاب الفرد المردّد يمكن التعويض عنه.

الجهة السابعة: [تأثير عدم جريان استصحاب الفرد المردد في إبطال الاستصحاب في الشبهة الحكمية]

إن ما ذكرناه من عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردّد، هو الأساس في إبطال الاستصحاب في مطلق الشبهات المفهومية الحكمية. 

فإن الشبهة الحكمية تارةً تنشأ من ناحية إجمال النصّ، وأخرى من ناحية أخرى كعدم النصّ وتعارض النصّين. فالشبهة التي تنشأ من ناحية إجمال 

ـــــــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــــ

() فإن الأصول النافية تجري في الطويل بلا معارض حتى لو كان معلوم البقاء على تقدير حدوثه. ولا مهرب من هذه الأصول إلّا التمسّك باستصحاب الفرد المردّد (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المفهوم، من قبيل ما إذا ثبت حكم على عنوان العادل، ولا يدري أن العادل هل هو تارك مطلق الذنب، أو تارك خصوص الذنب الكبير. أو ترتّب حكم على عنوان النهار، ولا يدري أن عنوانه هل يستمرّ إلى حين غياب القرص، أو إلى غياب الحمرة المشرقية؟

فهل يجري هنا استصحاب العادل واستصحاب النهار أو لا؟ قد يتخيّل في هذه الموارد تمامية أركان الاستصحاب، بأن يجري استصحاب عنوان العادل، إذا شكّ في ارتفاع العدالة من ناحية صدور الصغائر، بعد أن كان متيقّن العدالة. فإنه إن كان العادل هو التارك لمطلق الذنب، فقد خرج هذا عن العدالة، وإن كان العادل هو تارك الذنب الكبير بالخصوص، فهو باقٍ على العدالة، فيشكّ في بقائه على العدالة، فيستصحب بقاؤها.

إلا أن هذا الكلام لا بُدّ أن يطبّق عليه ما ذكرناه في استصحاب الفرد المردّد؛ لأننا نجري استصحاب العدالة بأيّ معنى؟! فإنه إما أن يراد من استصحاب العدالة: استصحاب واقعها، وإما أن يراد استصحاب المسمّى بهذه وذات المعنى بقطع النظر عن ألفاظ الكلمة، عنوان المسمّى وعنوان مدلول الكلمة.

فإن أريد استصحاب ذات المعنى بقطع النظر عن علاقته باللفظ. فمن المعلوم أنه ليس عندي شكّ أصلاً؛ إذ لا شكّ عندي في الأمور الخارجية؛ لأني أقطع بأن هذا الشخص قد صدرت منه الصغيرة، وإن لم تصدر منه الكبيرة. فأنا لا شكّ عندي في ذوات المعاني، حتى يجري الاستصحاب. 

ـــــــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وإنما شكّي في أن كلمة (العدالة) في لغة العرب أو في لغة الشرع، هل قيّدت في مقام الوضع بعدم صدور الصغيرة والكبيرة معاً، أو بعدم الكبيرة فقط؟

وأما إذا أخذنا بالتصوّر الثاني، ولاحظنا علاقة المعاني بالألفاظ، بحيث
-في الحقيقة- أريد أن أستصحب العلاقة بين اللفظ والمعنى، وعنوان المدلول بما هو مدلول للفظ، فأقول: (زيد كان يصدق عليه اللفظ لغة، والآن أستصحب هذا الصدق). فهذا أمر قد تمّت فيه أركان الاستصحاب، فإن الصدق اللغوي أمر متيقّن حدوثاً ومشكوك بقاءً. 

ولكنّ الصدق اللغوي ليس موضوعاً لحكم شرعي حتى أجري الاستصحاب بلحاظه، فإن ما هو موضوع الحكم الشرعي ذوات المعاني لا هذا الصدق. إذن فما هو موضوع الحكم -وهو ذوات المعاني- ليس فيه شكّ، وما فيه شكّ -وهو الصدق اللغوي- ليس موضوعاً لأثر شرعي حتى يجري الاستصحاب بلحاظه. ويأتي تفصيل الكلام في ذلك في بحث إحراز بقاء الموضوع(1)

ـــــــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: من الممكن جريان الاستصحاب في المفهوم نفسه، بغضّ النظر عن جعل أيّ لفظ بإزائه، لا في واقع العدالة الخارجي ولا في مدلول اللفظ، بل في مفهوم العدالة. وهذا المفهوم كان متيقّناً قبل صدور الصغيرة منه، ويشكّ بارتفاعه فيستصحب. وهذا المفهوم هو في الحقيقة موضوع الحكم الشرعي، بما هو بالحمل الأوّلي. فلا يكون في الاستصحاب إشكال. فتأمّل. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجهة الثامنة: [النقض على استصحاب الكلّي بالشبهة العبائية]

إنه يوجد نقض معروف على جريان استصحاب الكلّي من هذا القسم، يسمّى بالشبهة العبائية، وأن جريانه يلزم منه تالٍ باطل، لا يمكن للفقيه الالتزام به، وإذا كان التالي باطلاً فالمقدّم مثله. وسمّيت بالعبائية؛ لأن موردها هو العباءة:

حيث يقال: إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد موضعين من العباءة: إما الطرف الأسفل أو الأعلى. وهو علم منجّز بلحاظ طرفيه، ثُمّ غلّبنا الطرف الأعلى فقطعنا بطهارته وجداناً. إما لأنه كان من أوّل الأمر طاهراً أو أصبح طاهراً بالغسل. وأما الطرف الآخر فبقي على شكّه وإجماله وبقيت النجاسة فيه منجّزة بالعلم الإجمالي. 

ثُمّ لاقت يدنا مع الرطوبة الطرف الذي لم نغسله، فبناءً على ما هو المشهور، من طهارة ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة، فإنه لا يحكم على اليد بالنجاسة. ثُمّ لاقيت بها الطرف الذي غسل وطُهِّر وأصبح مقطوع الطهارة.

وحينئذ يقال: بأن الذوق الفقهي يأبى عن أن يفترض أن ملاقاة معلوم الطهارة وجداناً، يوجب تنجّز النجاسة في يدي. بينما أصول استصحاب الكلّي يقتضي هذا المطلب، فإننا إذا أجرينا استصحاب بقاء تلك النجاسة على إجمالها، يثبت أن يدي قد لاقت مستصحب النجاسة؛ لأنها لاقت كِلا طرفي العباءة، وبالاستصحاب يثبت أحد طرفيها نجس، فيثبت بذلك نجاسة اليد. هذه هي الشبهة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وكأنه كان يراد بها زعزعة البناء على جريان الاستصحاب في هذه الصورة. 

وفي تقريب هذه الشبهة، لم يفرّق في كلماتهم -على ما في تقريرات المحقّق النائيني- بين أن يفرض كون الملاقاة مع الطرف غير المغسول أوّلاً، ثُمّ الملاقاة مع المغسول أو بالعكس. بل قيل: إن لاقت يدي مع كِلا الطرفين من دون تفصيل. مع أن هناك فرقاً بين هاتين الصورتين من الناحية الفنية.

وذلك: إذا لاقت يدي مع المغسول أوّلاً، ثُمّ لاقت مع غير المغسول، فاستصحاب النجاسة الإجمالية -على فرض جريانه- لا يثبت نجاسة الملاقي؛ لأنه معارض باستصحاب طهارة اليد الثابت المحرزة وجداناً بعد ملاقاة المغسول.

فإن يدي بعد الملاقاة مع الطرف الآخر المغسول -أنا- محرز لطهارتها وجداناً. ثُمّ بعد أن ألاقي الطرف الآخر، يحصل عندي علم إجمالي بأن يدي لاقت مستصحب النجاسة، لاقت الشيء الذي كان نجساً إما في الساعة الأولى(1) أو في الساعة الثانية (حين لاقت غير المغسول). فتثبت بذلك نجاسة يدي. هذا الاستصحاب معارض باستصحاب طهارة اليد المحرزة وجداناً بعد ملاقاة الطرف المغسول.

ولا يتوهّم: أن ذاك الاستصحاب حاكم؛ لأن استصحاب النجاسة في العباءة استصحاب في الملاقى. وهو حاكم على استصحاب الطهارة في الملاقي. فلو أن يدك لاقت مع مستصحب النجاسة، فإن استصحاب النجاسة فيه يكون 

ـــــــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــــ

() مَن لاقت المغسول. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

حاكماً على استصحاب الطهارة في اليد. كذلك في المقام. 

إلّا أن هذه الحكومة غير صحيحة في المقام؛ لأن نجاسة ذاك الملاقى لا يُعلم بكونها صالحة لرفع هذه الطهارة التي أريد أن أستصحبها على أيّ حال؛ لأن تلك النجاسة من آثارها الشرعية: نجاسة يدي حين الملاقاة مع ذاك الطرف. وأنا لا أدري أن يدي متى لاقت ذاك الطرف، هل لاقته في الساعة الأولى أو في الثانية؟ لأن الطرف الذي هو مستصحب النجاسة لا أدري أيّهما.

فباستصحاب النجاسة، يثبت نجاسة يدي على نحو الإجمال، إما ثابتة من الزمان الأوّل، وإما من الزمان الثاني. وهذا الاستصحاب، لا يكون حاكماً على استصحاب الطهارة المحرزة وجداناً بعد الملاقاة مع الطرف الأوّل، فإنه ليس الشكّ في بقاء هذه الطهارة المحرزة مسبّباً عن الشكّ في نجاسة ذاك الملاقى على إجماله، حتى تتمّ الحكومة. بل الشكّ في بقاء هذه الطهارة مسبّب عن الشكّ في نجاسة الطرف الآخر المعيّن، وهو غير المغسول. واستصحاب نجاسة الملاقى على إجماله، لا يثبت(1) نجاسة الطرف الآخر.

ومن هنا يتعارض الاستصحابان، ولا تتمّ الحكومة. 

هذا إذا لاقت يدي مع المغسول أوّلاً.

وأما لو عكسنا المطلب، ولاقت يدي مع غير المغسول أوّلاً، ثُمّ مع المغسول، هنا لا يأتي البيان السابق؛ لأنه بمجرّد أن لاقت يدي مع غير المغسول 

ـــــــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــــ

() فإن بقاء نجاسة ذاك الطرف على إجماله يلازم مع نجاسة الطرف الثاني، لا أنه يكون هو السبب الشرعي للشكّ في بقاء الطهارة في اليد. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أشكّ في بقاء الطهارة فيه، فاستصحبها(1). ومن المعلوم أن استصحاب الطهارة يجري ما لم أعلم بالنجاسة إما وجداناً أو تعبّداً. واستصحاب الملاقى على إجماله يترتّب عليه العلم بنجاسة يدي تعبّداً؛ لأنها لاقت نجساً في أحد الزمانين. فيكون استصحاب النجاسة حاكماً(2)، ولا يجري البيان السابق.

وعليه فينبغي أن تبيّن الشبهة بهذا النحو، وهو: أن تكون الملاقاة أوّلاً مع غير المغسول أوّلاً، ثُمّ مع المغسول. وهذا الشقّ الذي تتمّ فيه الشبهة -عنواناً- يكون افتضاح التالي فيه أكبر. فإنه مع الملاقاة مع غير المغسول يحكم عليه بالطهارة؛ لأنه ملاقٍ مع طرف الشبهة المحصورة. ثُمّ حين يلاقي المغسول يحكم عليه بالنجاسة؛ لأنه لاقى مستصحب النجاسة. 

[مناقشة الشبهة العبائية]

إلا أن هذه الشبهة غير صحيحة.

وذلك: لأن استصحاب النجاسة الذي يراد إجراؤه في العباءة، هل يراد استصحاب النجاسة بما هي مضافة إلى العباءة، أو بما هي مضافة إلى شخص موضعها المعيّن؟

ـــــــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــــ

() استصحب الطهارة الثابتة في اليد قبل الملاقاتين وأجريها إلى هذه اللحظة. (المقرِّر).

(2) على استصحاب طهارة اليد؛ لأن الشكّ بطهارة اليد ناشئ من الشكّ ببقاء طهارة الموضع المبهم المجمل، فالأصل الجاري في الموضع المبهم يكون حاكماً على الأصل الجاري في اليد. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فإن أردتم الأوّل: بحيث تكون نجاسة كلّية، فإن النجاسة بما هي مضافة إلى العبارة تنطبق على هذا الجانب وذاك، فيكون من قبيل استصحاب الكلي.

فهذا الاستصحاب لا يكفي في إثبات نجاسة الملاقي، وذلك: لأن إثبات وجود نجس في هذه العباءة بالاستصحاب، لا يثبت نجاسة يدي، فإن يدي وإن لاقت تمام قطعات العباءة، إلّا أنه لا يثبت أنها لامست تلك النجاسة المضافة إلى الكلّي إلّا بالملازمة العقلية. من باب أن النجاسة الكلّية لا تخرج عن هذه الأفراد والمصاديق. فيكون الاستصحاب مثبتاً(1).

وإن أردتم استصحاب النجاسة المعيّنة عند الله تعالى، بما هي: الجانب الأعلى بما هو هو، أو الجانب الأسفل بما هو هو. فهذا هو من استصحاب الفرد المردّد؛ لأن معناه استصحاب النجاسة المضافة إلى تلك القطعة المردّدة بين مقطوعة الطهارة أو المشكوكة الطهارة والنجاسة. فيكون هذا نقضاً على استصحاب الفرد المردّد بحسب الحقيقة، لا على جريان استصحاب الكلّي في الصورة الثالثة. 

*****

وهذه الشبهة(2) -العبائية- التزم بها بعض الآغايون كالسيّد الأستاذ، حيث 

ـــــــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــــ

() فلا يترتّب على هذا الاستصحاب الحاكم بنجاسة الملاقي. (منه). (المقرِّر).

(2) كرّر السيّد كثيراً مما كان قاله، إلّا أنه عرض نقطة واحدة بشكل جديد بعض الشيء، فلا بأس من التعرّض إلى بعضه المهمّ. كما أن لديه أموراً وتدقيقات ذكرها بعد البحث، مما هو مربوط بما كرّره، فنثبتها بحسب الإمكان أيضاً. فقال مما قال: وهذه الشبهة… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

قال: إنه لا بأس بالتزام بأن اليد تكون نجسة بملاقاة معلوم الطهارة. لا بمعنى أن معلوم الطهارة يكون منجّساً، بل بمعنى أن الأحكام الظاهرية تفكّك بين المتلازمات في كثير من الموارد، فليكن هذا منها.

صحيح أن اليد قبل ملاقاة المغسول وبعده -في الواقع- على حال واحد، لكن بحسب الظاهر لا بأس بأن يفكّك ما بينهما. فبنى على صحّة الاستصحاب ونجاسة اليد. 

*****

وذلك: لأننا(1) في هذا المورد -وهو ما إذا لاقى المغسول أوّلاً- لا نريد أن نستصحب الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين معاً، كما كنّا نستصحب في المورد الأوّل. ومن هنا كان استصحاب النجاسة في الملاقى المبهم المجمل حاكماً؛ لأن الشكّ في ارتفاع تلك الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين ناشئ من الشكّ في أن الملاقى المبهم هل بقي على نجاسته أو لا. فإذا ارتفع الشكّ في السبب ارتفع في المسبّب لا محالة.

أما في هذا المورد الثاني، فلا نريد أن نستصحب تلك الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين معاً، بل الطهارة الثابتة بعد الملاقاة الأولى، فإن الطهارة ما بين الملاقاتين كانت محرزة فنستصحبها إلى ما بعد الملاقاة الثانية؛ لأن الملاقاة الأولى 

ـــــــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــــ

() ثُمّ ذكر صورة المسألة، وهو ما إذا كانت ملاقاة الطرف غير المغسول أوّلاً ثُمّ المغسول. وذكر أن الاستصحابين فيهما يتعارضان كما سبق، ثُمّ ذكر عكس هذه الصورة، وذكر أن المعارضة لا تتمّ، وذلك: لأننا… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

كانت مع المغسول، فيقيني بطهارة يدي بعدها ثابت، فنستصحب. في حين أنه في الصورة الأولى، لم تكن يدي بعد الملاقاتين محرزة للطهارة وجداناً؛ لأن الملاقاة الأولى هناك كانت مع غير المغسول فلعلّها تنجّست بها. 

ففي المقام، بعد أن كانت طهارة يدي بعد الملاقاة الأولى محرزة وجداناً، وأشك بارتفاعها بالملاقاة الثانية، فأستصحب الطهارة.

هذا الاستصحاب ليس محكوماً لاستصحاب النجاسة في الملاقى المبهم المجمل؛ لأن الشكّ في ارتفاع هذه الطهارة ليس مسبّباً عن الشكّ في بقاء النجاسة في الملاقى المجمل. إذ لو كانت تلك النجاسة في الطرف المغسول، فإنه لا يكون سبباً في ارتفاع الطهارة. وإنما هذا الشكّ مسبّب عن الشكّ في نجاسة الملاقى الثاني بعينه وطهارته.

ومن المعلوم أن استصحاب النجاسة في الملاقى المبهم المجمل، لا يثبت نجاسة الطرف الثاني غير المغسول بعينه. 

إذن فاستصحاب النجاسة في الطرف المبهم المجمل يعارَض باستصحاب الطهارة الثابتة وجداناً بين الملاقاتين. 

إذن فلا بُدّ أن يفرّق بين هذين الموردين، ففي المورد الأوّل يجري استصحاب نجاسة الملاقى، ويكون حاكماً على استصحاب طهارة اليد؛ باعتبار أن المستصحب هو الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين. وأما في المورد الثاني فالمستصحب هو الطهارة الثابتة بين الملاقاتين، فيكون استصحابها غير محكوم لاستصحاب نجاسة الملاقى المبهم المجمل؛ لأن الشكّ في بقاء هذه الطهارة ليس مُسَبباً شرعاً عن الشكّ في أن الملاقى المبهم هل بقي على النجاسة أو لا. 

ـــــــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

نعم، تعلم بالملازمة الخارجية بين بقاء هذه الطهارة وارتفاع تلك النجاسة عن الملاقى المبهم.

ثلاثة بيانات لإمكان تقريب استصحاب الطهارة

البيان الأوّل(1): أن نستصحب الطهارة الثابتة ما بين الملاقاتين -لا كما قلنا فيما سبق من أننا نستصحب الطهارة قبل الملاقاتين- إلّا أن هذا الاستصحاب يحتاج إلى تحقّق موضوعه وهو اليقين بالحدوث. ومن الممكن تحقيق هذا المعنى بالتقريب التالي: 

وذلك: أننا نستصحب طهارة اليد الواقعية لِما قبل الملاقاتين معاً، إلى ما بين الملاقاتين، يعني بعد ملاقاة الطرف غير المغسول. ونقتصر على ذلك. فإننا قلنا إن جرّ المستصحب إلى الآن محكوم لاستصحاب جامع النجاسة، في حين أننا إذا اقتصرنا بالاستصحاب على ما بين الملاقاتين، لا يكون محكوماً. فبقرينية الحكومية نرفع اليد عن إطلاق الاستصحاب لِما بعد الملاقاتين، ونقتصر على جرّه إلى ما بعد الملاقاة الأولى، من باب أن الضرورات تقدر بقدرها. ومن هنا أقول: إنني كنت على يقين من طهارة يدي قبل الملاقاتين، وأشك بارتفاعها بعد ملاقاة الطرف غير المغسول -وهذا شكّ باقٍ إلى الآن لو نظرت إلى تلك القطعة من الزمان- فأستصحب.

ـــــــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــــ

() ثُمّ أنه ذكر بعد الدرس ثلاثة بيانات، لإمكان تقريب استصحاب الطهارة فيما إذا كانت ملاقاة الطرف غير المغسول أوّلًا، بنحو لا يكون استصحاب النجاسة في الملاقى المجمل حاكماً عليه. البيان الأول:… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وإذا تمّ هذا الاستصحاب، فإنه ينقّح الموضوع للاستصحاب الذي نجريه ويحقّق يقينه السابق، غاية الأمر أنه يقين تعبّدي لا وجداني. فنستصحب هذه الطهارة التعبّدية إلى ما بعد الملاقاة الثانية.

وكِلا الاستصحابين غير محكومين لاستصحاب جامع النجاسة:

أما الأوّل: فلفرض أننا رفعنا اليد عن المقدار المحكوم منه.

وأما الثاني: فلما قلناه من أن استصحاب الطهارة الثابتة ما بين الملاقاتين لا يكون محكوماً لاستصحاب النجاسة؛ لأن الشكّ فيها غير ناشئ عن الشكّ فيه، كما سبق توضيحه في أصل الدرس.

وإذا لم يكن الاستصحاب الثاني محكوماً لاستصحاب النجاسة، كان معارضاً معه، وهو المقصود. 

إلا أن هذا البيان غير تامّ لأمرين: 

أحدهما: كون الاستصحاب الثاني ليس موضوعه هو اليقين بالحدوث فقط، وهو الذي نقّحه الاستصحاب الأوّل. وإنما ركنه الثاني أيضاً هو الشكّ في البقاء. ومن المعلوم أنه لا شكّ في البقاء بعد الملاقاة الثانية للمغسول، للقطع بعدم طروّ النجاسة بعده، وبقاء الطهارة على تقدير وجودها. فلا تكون أركان الاستصحاب تامّة، فلا يكون جارياً.

الثاني: لو فرض أن ركن الاستصحاب لم يكن هو الشكّ في البقاء، لكيلا يكون متحقّقاً، بل كان هو الشكّ في الوجود وهو متحقّق، إلّا أنه على هذا التقدير لا تتمّ المعارضة المقصودة؛ لأن الشكّ في الوجود، هو عين الشكّ في 

ـــــــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الوجود قبل الملاقاة الثانية، وليس شكّاً آخر؛ لأننا لا نحتمل ارتفاعها على تقدير حدوثها. وهذا الشكّ مسبّب عن الشكّ في بقاء الملاقى المبهم على نجاسته، فيكون هذا الاستصحاب محكوماً أيضاً لاستصحاب النجاسة، ولا تتمّ المعارضة.

البيان الثاني: عين البيان الأوّل، مع إبدال موضوع الاستصحاب الثاني -لِما بين الملاقاتين- من اليقين التعبّدي الثابت بالاستصحاب الأوّل -على ما هو الحال في الوجه السابق- إلى إنكار أخذ اليقين بالحدوث ركناً أصلاً، بل نستصحب الطهارة على تقدير وجودها. ولا نحتاج في جريان الاستصحاب الثاني لا إلى اليقين الوجداني ولا التعبدّي. ويرد عليه عين ما ورد على البيان الأوّل.

البيان الثالث: أن نقتصر أيضاً باستصحاب طهارة اليد مما قبل الملاقاتين إلى ما بعد الملاقاة الأولى فقط. ونضمّ إليها دعوى فقهية، وهي: أن ما هو موضوع الطهارة بقاءً، هو الطهارة حدوثاً.

وحينئذٍ يكون هذا الاستصحاب جارياً وغير مثبت، لكون أثره شرعياً، فإنه ينقّح جزء الموضوع من الأثر الشرعي، فإنه يثبت الطهارة حدوثاً، وأما الجزء الثاني وهو بقاء الطهارة فيثبت بالوجدان عند الملاقاة الثانية -للمغسول-، فإنها لا توجب طروّ النجاسة قطعاً. فتكون طهارة اليد لِما بعد الملاقاتين من آثار الاستصحاب الجاري إلى ما بعد الملاقاة الأولى، فيكون معارضاً لاستصحاب جامع النجاسة، ولا يكون ذلك حاكماً عليه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إلّا أن هذا البيان غير تامّ، لعدم تمامية المبنى، وكونه خلاف ظواهر الأدلّة(1).

ثُمّ أنه هل يترتّب(2) على استصحاب الكلّي المانعية أو لا؟ فرضنا أن نجاسة الملاقى لا تترتّب، ولكن هل تترتّب المانعية أو لا؟ 

تحليل ذلك بني على أن مانعية النجاسة في الصلاة هل هي بنحو صرف الوجود أو بنحو مطلق الوجود؟ فإذا فرضنا أن موضوعها لوحظ بنحو صرف الوجود، بحيث لا يفرق بين القليل والكثير، ولازمه عدم وجوب تقليل النجاسة. حينئذٍ لا بأس بجريان استصحاب صرف الوجود في المقام؛ لأن المانعية أثر للكلّي في المقام، ويصير من استصحاب الكلّي لا من استصحاب الفرد المردّد. 

وأما إذا فرضنا أن المانعية حكم لمطلق الوجود، لا لصرف الوجود، كما هو الصحيح، على ما هو المستفاد من الأدلّة، ولهذا يجب تخفيف النجاسة بقدر الإمكان. وبناءً عليه تكون كلّ حصّة من النجاسة موضوعاً للمانعية، فتصير المانعية حكماً للحصص لا للكلّي. وقد قلنا فيما سبق: إنه فيما إذا كانت الآثار مترتّبة على الحصص، فالاستصحاب يجري بلحاظ الحصص لا بلحاظ الكلّي. وحيث إن الاستصحاب في الحصّة لا يجري؛ لأنه من استصحاب الفرد المردّد. فلا يمكن أن نثبت المانعية به أيضاً؛ لأننا إن أجريناه عن الكلّي فالمانعية ليست 

ـــــــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــــ

() انتهى ما ذكره بعد البحث. (المقرِّر).

(2) ثُمّ أنه لَـمّا انتهى من تقرير المسألة كما سبق قال: ثُمّ أنه هل يترتّب… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أثراً للكلّي، بناءً على كونها مترتّبة بنحو الإطلاق الاستغراقي، وإن أجريناه في الحصّة كان من استصحاب الفرد المردّد.

إذن فعدم جواز لبس هذه العباءة يكون بقوانين تنجيز العلم الإجمالي، لا من باب الاستصحاب.

هذا هو الكلام في هذه الجهة.

الجهة التاسعة: إذا كان الكلّي كلّياً بين حكمين

اتّضح مما سبق، أن الحكم أو الأثر الشرعي إذا كان مترتّباً على الجامع الكلّي، فيجري استصحاب الكلّي، وإذا كان مترتّباً على الأفراد، فلا يجري استصحاب الفرد؛ لأنه من استصحاب الفرد المردّد، ولا ينفع استصحاب الكلّي لتنجيز آثار الفرد.

وهذه الصيغة، تختصّ بالكلّي في الموضوعات. وأما إذا كان الكلّي كلّياً بين حكمين، كما إذا علمنا إجمالاً بالجامع بين وجوب الظهر ووجوب صلاة الجمعة. فهذه الجهة معقودة لتحقيق هذا الفرض، وتحقيق ما ذكرناه في استصحاب الكلّي في الموضوعات على المقام. 

هذا الكلّي الذي نعلم به علماً إجمالياً، تارةً يكون كلّياً بين حكمين في موضوعين، أو بين حكمين في موضوع واحد. 

مثال الأوّل: ما قلناه من مثال(1) الظهر أو الجمعة، فهذا جامع بين وجوبين 

ـــــــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــــ

() لا يخفى أن هذا متعلّق وليس موضوعاً، وكأنّ العمدة هو اختلاف المصبّ الأعمّ من الموضوع والمتعلّق. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لكلٍ منهما موضوع غير موضوع الآخر.

ومثال الثاني: ما إذا علمنا بنجاسة في إناء مردّدة بين أن تكون نجاسة بولية أو نجاسة دميّة. فهما حكمان ونجاستان في موضوع واحد، وأناء واحد.

[الكلي الجامع بين حكمين في موضوعين]

فإن كان كلّياً جامعاً بين حكمين في موضوعين: فدائماً لا يجري الاستصحاب، لا استصحاب كلّي الوجوب ولا استصحاب واقع الوجوب المعيّن عند الله، فيما إذا فرض أن أحد طرفي الترديد ارتفع بالامتثال أو بغيره من الروافع، كما لو صلّينا -في المثال- صلاة الجمعة، ثُمّ شككنا في بقاء الوجوب، فإن كان في ضمنها فقد ارتفع، وإن كان في ضمن صلاة الظهر فهو باقٍ. 

لا يجري الاستصحاب لعين ما ذكرناه من النكات في بحث استصحاب الفرد المردّد.

أما استصحاب الفرد المردّد: يعني استصحاب واقع ذلك الوجوب(1) المعيّن عند الله المردّد عندنا؛ فلأن ذلك الواقع لعلّه معلوم الارتفاع، إذ لعلّه هو وجوب صلاة الجمعة، ووجوبها يعلم بعدم ثبوته فعلاً. فيكون من التعبّد بما يعلم بعدمه، وهذا خارج عن دليل الاستصحاب.

وأما استصحاب كلّي الوجوب بالعنوان الإجمالي: كوجوب فعلٍ ما أو وجوب أحد الفعلين، فهو أيضاً لا يجري؛ لأننا لا نريد استصحاب هذا العنوان الإجمالي استطراقاً إلى حكم شرعي آخر، بل بقصد تنجيز هذا الوجوب بهذا 

ـــــــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــــ

() بعنوانه التفصيلي (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب، مع أن هذا الوجوب لا يتنجّز به؛ لأن هذا الوجوب جامع بين ما هو مقطوع الانتفاء وما هو محتمل البقاء، ومثل هذا الجامع لا يعقل أن يتنجّز بالاستصحاب. 

لأن استصحاب الوجوب بالعنوان الإجمالي، إنما ينجّز من باب أنه يقوم مقام العلم الإجمالي، ومن المعلوم أن العلم الإجمالي لا ينجّز إذا كان أحد طرفيه لا يقبل التنجّز في نفسه. وفي المقام الطرف المقطوع الانتفاء، غير قابل للتنجّز. فالعلم الاستصحابي بالجامع بين ما يقبل التنجّز وما لا يقبله لا أثر له. 

إذن فلا يجري الاستصحاب في المقام، لا في الكلّي ولا في الفرد المردّد، في سائر موارد كلّي الأحكام من هذا القبيل(1)

[الكلي الجامع بين حكمين في موضوع واحد]

وأما إذا كان كلّياً لحكمين في موضوع واحد: فهنا تارةً نفرض، أن الشبهة حكمية، وأخرى نفرضها موضوعية.

مثال الحكمية: أننا لا ندري أن المولى هل جعل وجوب الجلوس في المسجد إلى الزوال، أو جعل وجوب الجلوس إلى الغروب، نعلم بأن أحد الجعلين قد تحقّق. فإن كان وجوب الجلوس قد جعل بالجعل الإطلاقي، إذن فهو باقٍ إلى المغرب، وإن كان قد جعل بالجعل التقييدي، إذن فقد ارتفع الوجوب بالزوال. 

ـــــــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنه حين يصلّي صلاة الجمعة، لا بُدّ له أن يصلّي صلاة الظهر، لكن لا من باب الاستصحاب، بل من باب قانون تنجيز العلم الإجمالي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فهذا الكلّي بين حكمين في موضوع واحد، والشبهة حكمية. 

وهنا قد يتخيّل أنه يجري هنا نفس ما قلنا فيما سبق، من حيث إن المنع عن جريان استصحاب الكلّي، لعين ما سبق. إلّا أن الصحيح في المقام أنه يجري في المقام استصحاب الحكم، وليس هو من استصحاب الكلّي، بل هو من استصحاب الشخص بحسب الحقيقة. 

وذلك: لأن مرجع هذا الفرض إلى أننا نعلم بجعل(1) واحد من قبل المولى، نشكّ في إطلاقه وتقييده، إذن فنشير إلى جعل ووجوب واحد متشخّص، ونستصحب بقاءه. وليس هذا من استصحاب الكلّي أصلاً، حتى تأتي فيه نكتة المنع، التي ذكرناها فيما إذا كان بحكم الكلّي بين موضوعين. 

وأما إذا كانت الشبهة موضوعية: ومثاله ما أشرنا إليه في صدر البحث، وهو ما إذا علمنا بنجاسة في الإناء مردّدة بين النجاسة البولية أو الدميّة. أو نفرض أنه كان يجب الجلوس في المسجد في يوم أوّل شعبان إلى الزوال، وفي يوم أوّل رجب إلى المغرب -كِلا الوجوبين ثابت-، ولا أدري أن هذا اليوم هو أوّل شعبان أو أوّل رجب. فإن كان أوّل شعبان، فقد انتهى الوجوب بالزوال، وإن كان أوّل رجب فالوجوب باقٍ إلى ما بعد الزوال.

ففي هذا المورد -بحسب الدقة- هناك علم إجمالي بالكلّي بين حكمين -وليس كما قلنا في فرض الشبهة الحكمية-؛ لأننا نعلم بصدور جعلين من المولى: جعل وجوب الجلوس في المسجد في أوّل شعبان إلى الزوال، وجعل وجوبه في 

ـــــــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــــ

() وهو وجوب الجلوس. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أوّل رجب إلى الغروب. وأحد الحكمين طويل والآخر قصير. فهو استصحاب لحكمين في موضوع واحد. 

[شبهة في المقام]

ومن هنا قد تستحكم شبهة أن نكات المنع عن استصحاب الكلّي بين الحكمين إذا كانا في موضوعين، تأتي في المقام: 

بدعوى أن يقال: إننا هل نستصحب واقع ذاك الوجوب بالعنوان التفصيلي، فلعلّه مقطوع الانتفاء في المقام؛ لأننا بعد الزوال لا نحتمل وجوب الجلوس الشعباني؟ أو نستصحب الوجوب بالعنوان الإجمالي، فيكون من قبيل العلم الإجمالي بالجامع بين ما لا يقبل التنجّز وما يقبله. فلا يجري الاستصحاب في المقام؟ 

[الجواب على الشبهة]

إلا أن هذه الشبهة غير صحيحة: وذلك لبيانين: 

البيان الأوّل: أننا نستصحب الجامع بين الوجوبين

هو أننا نختار الشقّ الثاني، وهو: أننا نستصحب الجامع بين الوجوبين، ولا يأتي عليه الإشكال الذي يرد على استصحاب الجامع بين الوجوبين اللذين هما في موضوعين. 

ونكتة الفرق بينهما: أن الجامع هنا بما هو هو يقبل التنجّز في نفسه، ولا يحتاج في مقام المنجّزية إلى فرض كونه في ضمن هذا الفرد أو في ضمن هذا 

ـــــــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الفرد، بل لو فرض -محالاً- وجوده بلا فرد، فإنه أيضاً يكون قابلاً للتنجّز في نفسه. وهذا بخلاف الجامع هناك، فإنه في نفسه لا يقبل التنجّز، وإنما يقبله إذا كان موجوداً في ضمن هذا الفرد أو ذاك. 

توضيح ذلك: أن الجامع في هذا المثال قد حفظ تشخّصه بمتعلّقه؛ لأن هذا الجامع هو وجوب الجلوس في المسجد، غاية الأمر أنه لم يحفظ تشخّصه من ناحية قيوده(1) الأخرى، وما دام قد حفظ بإضافته إلى متعلّق معيّن، فهو بنفسه يقبل التنجّز، لا بوجوده الضمني في هذا الفرد أو ذاك. إذن فهو بنفسه يتلقّى هذه المنجّزية من العلم. ولا يأتي: أنه جامع بين ما يقبل التنجّز وما لا يقبل. 

وأما في موارد العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة، فإن الجامع بين الوجوبين ليس له متعلّق في الدنيا. فإنه ليس متعلّقاً لا بالظهر ولا بالجمعة ولا بالجامع بينهما. أما بأحد الفردين بالخصوص فواضح، وإلّا لم يكن جامعاً للآخر. وأما أنه ليس متعلّقاً بالجامع بين الفردين؛ فلأنه يكون حينئذٍ وجوباً تخييرياً، ونحن لا نعلم بمثل هذا الوجوب. بل هو جامع بين الوجوبين معرىً عن المتعلّق. ومن هنا لم يقبل التنجّز(2) في نفسه، وإنما يقبل التنجّز بوجوده في ضمن هذا الفرد أو ذاك. 

ومن هنا لا بُدّ -لكي يتنجّز- من أن يكون كِلا الفردين قابل للتنجّز؛ ولهذا(3) منعنا عن جريان استصحاب الكلّي هناك بخلافه هنا.

ـــــــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــــ

() ككونه أوّل رجب أو أوّل شعبان، (إيضاح). (المقرِّر).

(2) فإن الوجوب بلا متعلّق لا يحكم العقل بامتثاله ومحرّكيته. (منه). (المقرِّر).

(3) لأن أحد الفردين غير قابل للتنجيز، وهو: المقطوع الارتفاع (إيضاح). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

البيان الثاني: أن ننكر أنه من استصحاب الكلّي

أن ننكر كونه من استصحاب الكلّي أصلاً. بل هو من استصحاب الشخص. 

 فإننا إذا لاحظنا عالم الجعول، فهو من استصحاب الكلي؛ لأن عندنا جعلين أعلم إجمالاً بالجامع بينهما. لكن الاستصحاب دائماً لا يلحظ فيه الجعول، وإلّا لم يجر في الحكم، كما قلنا في بحث الشبهات الحكمية، وإنما يلحظ فيه عالم المجعول والخارج. ويكون الجعل كأنّه حيثية تعليلية لثبوت الحكم، لا أكثر. 

فإذا لاحظنا عالم الخارج، فليس هناك إلّا حكم واحد. نعم، يشكّ في أن هذا الحكم هل علّته علّة محدثة ومبقية أيضاً، أو محدثة غير مبقية. ومن المعلوم أنه في أمثال هذه الموارد يكون الاستصحاب من قبيل استصحاب المشخّص لا من استصحاب الكلّي. 

وعليه فقد اتضح: أنه إذا علم إجمالاً بالكلّي بين حكمين، فإن كانا في موضوعين، لا يجري الاستصحاب لا في الجامع ولا في الفرد المردّد. وإذا كانا في موضوع واحد، فيجري الاستصحاب سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

الجهة العاشرة: [استصحاب كلي لا يجري مع وجود أصل حاكم]

أن استصحاب الكلّي إنما يجري، فيما إذا لم يكن عليه أصل حاكم، وإلّا فلا يجري. بمعنى أن الأصل الذي ينفي الفرد الطويل، لو فرضت حكومته على 

ـــــــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

استصحاب الكلّي لنكتة في مورد(1)، فلا يجري استصحاب الكلّي. 

هذا العنوان لا إشكال فيه، وإنما تعرّضنا له؛ لأن الآغايون طبّقوا هذا العنوان في فرعين، فيحسن التعرّض إليهما، وتحقيق الحال فيهما. 

[الفرع الأول: لو علم بالحدث المردد بين الأصغر والأكبر]

الفرع الأوّل: المثال التقليدي للمسألة وهو ما إذا علم بالحدث المردّد بين الأصغر والأكبر وتوضّأ. فحينئذٍ يشكّ في بقاء الجامع ويستصحب كلّي الحدث. 

هذا الفرع له فروض متعدّدة لا بُدّ من تحقيق الحال فيها، ثُمّ ملاحظة جريان استصحاب الحدث في كلّ منهما، ثُمّ ملاحظة أنه هل عليه حاكم أو لا. وهي فروض تعرض لها المحقّق العراقي . 

[فروض تعرض لها المحقّق العراقي في المسألة]

الفرض الأوّل: الحالة السابقة هي الطهارة

أن تكون الحالة السابقة هي الطهارة، ثُمّ يخرج منه بلل مشتبه بين الحدثين، ويحصل له علم إجمالي بأحد الحدثين. ولو توضّأ بعد ذلك يحصل له شكّ في بقاء جامع الحدث. وهذا هو المتيقّن من موارد استصحاب الكلّي، لترتيب آثاره كمسّ المصحف. ولا يكون استصحاب الفرد الطويل حاكماً، كما تقدّم البحث عنه. 

الفرض الثاني: فيما إذا لم يكن له حالة سابقة

فيما إذا لم يكن له حالة سابقة، وخرج منه بلل مشتبه بين البول والمني، 

ـــــــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــــ

() وإن لم يكن كذلك كما سبق (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فيتشكّل له علم إجمالي بحدث مردّد بين الأصغر والأكبر، ويكون هذا العلم منجّزاً. وإذا توضّأ بعد هذا، فإنه يشكّ في بقاء الحدث، فيجري استصحاب الكلّي من القسم الذي نبحثه، لأجل ترتيب آثار الكلّي. واستصحاب عدم الفرد الطويل بضمّه إلى وجدانية عدم الفرد القصير، لا ينفي الكلّي ولا يكون حاكماً. 

الفرض الثالث: حالته السابقة هي الجنابة

أن تكون حالته السابقة هي الجنابة، ويخرج منه بلل مشتبه مردد بين الأصغر والأكبر. 

هنا لا موقع لفرض المسألة أصلاً. إذ لو توضّأ فإنه يقطع ببقاء الحدث، وليس هذا من موارد الاحتياج إلى استصحاب الحدث؛ لأن الجنابة لا ترتفع إلّا بالغسل، والمفروض أنه كان جنباً، فلا يحتمل ارتفاع الحدث بالوضوء، حتى يقع الكلام في استصحابه.

الفرض الرابع: حالته السابقة هي الحدث الأصغر

أن تكون حالته السابقة هي الحدث الأصغر، وخرج منه بلل مشتبه بين البول والمنِيّ. 

وقد قسّم المحقّق العراقي هذا الفرض إلى أربعة تقادير: 

التقدير الأوّل: أن يقال في الفقه، بعدم التضادّ بين الحدثين: الأكبر والأصغر، بحيث يمكن اجتماعهما. 

التقدير الثاني: أن يتوقّف في الفقه، فلا يبني على ثبوت التضاد ّولا على عدمه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التقدير الثالث: أن يبني على التضادّ بين الحدين لا بين الذاتين، كالتضادّ بين البياض الشديد والضعيف. 

التقدير الرابع: أن يبني على التضادّ بين الذاتين. كالتضادّ بين الحمرة والخضرة أو السواد والبياض. 

أما على التقدير الأوّل: [البناء على عدم التضاد بين الحدثين الأصغر والأكبر]

وهو ما إذا بنينا على عدم التضادّ في الفقه، فقد ذكر المحقّق العراقي -بناء عليه- أن المقام ليس من موارد استصحاب الكلّي من القسم الثاني -باصطلاح (الرسائل)-، بل هو من القسم الثالث من استصحاب الكلّي، الذي لا يجري فيه الاستصحاب بلا إشكال. 

وذلك: لأننا هنا ليس عندنا علم إجمالي بحدث مردّد بين الأكبر والأصغر، بل عندنا علم تفصيلي بالأصغر، وشكّ بدوي بالأكبر؛ لأن المفروض أنه كان محدثاً بالأصغر قبل خروج البلل المشتبه. وبعد خروجه، إن كان بولاً فقد بقى الحدث الأصغر على حاله بلا حدث آخر. وإن كان  منيّاً فقد اجتمع الحدثان عليه. فالأصغر معلوم تفصيلاً والأكبر مشكوك بدواً. 

فليس هذا من القسم الثاني؛ لأننا في القسم الثاني، نحتاج إلى علم إجمالي بوجود الجامع في أحد الفردين، وهنا ليس هناك علم إجمالي، بل علم تفصيلي بالأصغر، وشكّ بدوي بالأكبر. فيعالج الشكّ البدوي بالأكبر، باستصحاب عدمه. ويعالج العلم التفصيلي بالأصغر، بالوضوء. فيحكم بانتفاء كِلا الحدثين. 

ـــــــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فهذا يكون من القسم الثالث؛ لأننا كنّا نعلم بوجود كلّي الحدث في ضمن الأصغر، ونحتمل بقاءه في ضمن فرد آخر، وهو الأكبر. من قبيل ما إذا علمنا بوجود كلّي الإنسان في ضمن (زيد)، وبعد خروجه، نحتمل بقاء الإنسان؛ لاحتمال أنه كان مع زيد عمرو، وأن عمراً باقٍ. 

إلا أن ما أفاده غير صحيح.

 وتحقيق ذلك: أن المشهور المنصور في الفقه، هو أن الحدث الأصغر بناءً على اجتماعه مع الأكبر، لا يرتفع بالوضوء ما دام الإنسان جنباً، بل رافعه هو الغسل. وبناءً عليه يقال في المقام: إن هذا المؤمن إذا توضّأ، فيكون من باب استصحاب الحدث الشخصي، لا الكلّي، لا من القسم الثالث ولا الثاني. 

وذلك: لأننا نشير إلى الحدث الأصغر، ونقول: إننا شخص هذا الحدث نشكّ في ارتفاعه؛ لأنه إذا كان جنباً فهو باقٍ بعد الوضوء، ولا يرتفع به. وإن لم يكن جنباً فقد ارتفع بالوضوء. فيستصحب الحدث بشخصه. لا أنه يستصحب جامع الحدث الجامع بين الفرد المعلوم الارتفاع والفرد المشكوك الحدوث، حتى يقال إنه من القسم الثالث من استصحاب الكلّي(1)

إلّا أن استصحاب هذا الحدث الشخصي في المقام يوجد أصلاً حاكماً عليه، وهو عبارة عن نفي الجنابة بالاستصحاب، وذلك: لأن رافعية الوضوء 

ـــــــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: لكن هذا محكوم.

فقال: نعم.

وهذا اشارة إلى النكتة التي يقولها السيّد فيما يلي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

للحدث الأصغر، حكم شرعي مقيّد شرعاً بعدم الجنابة. فالوضوء رافع للحدث الأصغر إذا لم يكن جنباً. وأنا باستصحاب عدم الجنابة، أنقّح الموضوع لرافعية الوضوء للحدث الأصغر، فيحكم بارتفاع الحدث الأصغر بالوضوء(1).

التقدير الثاني: [التوقف فلا يبنى على التضاد ولا عدمه]

ما إذا كنّا نشكّ في التضادّ ونتوقّف فقهياً. وهذا الوجه وإن ذكره المحقّق العراقي ثانياً، إلّا أننا نؤجّله إلى آخر الوجوه، بعد أن نعرف الحال على تقدير البناء على التضادّ أو البناء على عدمه. 

التقدير الثالث: [البناء على التضاد بين الحدين لا بين الذاتين]

إذا جزمنا بالتضادّ بين الحدث الأكبر والأصغر، تضادّاً حدّياً لا ذاتياً. فالحدث الأصغر بعد طروّ الجنابة، لا يرتفع رأساً، بل يشتدّ ويتأكّد. 

ـــــــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنه بعد أن ثبت ولو بالحكومة ارتفاع الحدث الأصغر، يأتي الكلام عن استصحابٍ، ويأتي كلام المحقّق العراقي أنه من القسم الثالث.

فقال: نعم، ولم يكن الكلام في نفي ذاك في نفسه، بل في الاستغناء عنه. وأنه لا ينحصر استصحاب الحدث، باستصحاب الكلّي من القسم الثالث، بل يجري استصحاب الشخص. 

وقال لبعض الإخوان: إننا إذا رفعنا اليد عما سمّيناه بالمشهور المنصور، صحّ ما قاله المحقّق العراقي من كون الاستصحاب من القسم الثالث، وإنما يتمّ ما قلناه بعد ضمّ الدليل الدالّ على عدم رافعية الوضوء للحدث -في حال الجنابة- إلى إطلاقات الرافعية. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

هنا قال المحقّق العراقي: بأنه يجري هنا استصحاب الحدث، بل الاستصحاب هنا شخصي لا كلّي؛ لأن ذات هذا الحدث الذي كان موجوداً قبل خروج البلل المشتبه، باقٍ بعده، غاية الأمر يشكّ أنه اشتدّ أو لا. فليس هذا من باب استصحاب المعلوم بالإجمال. بل هو استصحابٌ لوجود معلوم بالتفصيل، وإن جهلت مرتبته وحدّه. فيجري استصحابه.

إلا أن هذا الكلام اتّضح ما فيه مما سبق؛ لأن هذا الاستصحاب وإن كان تامّاً في نفسه، إلّا أنه مبتلى بالحاكم عليه. وذلك: لأن هذا الحدث الذي كان قبل خروج البلل وشككنا في تبدّل مرتبته بعده. نشكّ أن الوضوء هل يرفع هذا الحدث أو لا؟ ورافعيته له منوطة ببقاء حدّه الأصغري. وحيث إننا نحتمل تبدّل حدّه، فنحتمل عدم رافعيته بالنسبة إليه، فنحتمل بقاء الحدث بعد الوضوء.

فهنا نستصحب؛ لأن شخص هذا الحدث له حالة سابقة نعتية. فيقال: هذا الحدث، كان محدوداً بالحدّ الأصغري، فيستصحب بقاءُ حدّه بالنسبة إليه. 

وهذا الاستصحاب ينقّح موضوع رافعية الوضوء لهذا الحدث؛ لأن الوضوء رافع لكلّ حدث محدود بالحدّ الأصغري، وهذا محدود بالحدّ الأصغري بالاستصحاب. ويكون هذا الاستصحاب حاكماً على استصحاب بقاء الحدث(1).

ـــــــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: قد يستشكل في المقام ويقال: بأن رافعية الوضوء للحدث الأصغر حيث عرفناها مقيّدة بعدم وجود الجنابة، فلا يكفي أن نستصحب الحدّ الأصغري ليترتّب عليه الحكم. بل لا بُدّ من استصحاب عدم الحدّ الأكبر أيضاً. 

فإن عنى السيّد من الاستصحاب الحاكم والمنقّح للموضوع هذا الذي قلناه، فهو*. إلّا أنه خلاف ظاهر عبارته.

وإن عنى أن استصحاب الحدّ الأصغري بنفسه ينقّح عدم الحدّ الأكبر، فهذا من الملازمة العقلية التي تثبت بالأصل. 

إلّا أنه يقال إن عدم الحدّ الأكبر، هو بعينه بقاء الحدث الأصغر بحدّه. لا أنه ملازم له عقلاً، فيثبته استصحاب بقاء الحدّ الأصغري بالمطابقة لا بالملازمة، فتأمّل. (المقرِّر).

* ومعه يستغني عن استصحاب الحدّ الأصغري؛ لأنه معلوم بالوجدان. (فتأمّل). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التقدير الرابع: [البناء على التضاد بين الذاتين]

أن يفرض التضادّ بين الحدثين، بنحو التضادّ الذاتي.

ذكر المحقّق العراقي : حينئذٍ يصير من موارد القسم الثاني من استصحاب الكلي؛ لأنه يتولّد علم إجمالي بأحد الحدثين. فإن هذا البلل المشتبه، إن كان بولاً فالحدث الأصغر باقٍ، وإن كان منيّاً، فقد ارتفع الحدث الأصغر بالمرّة، ووجد الحدث الأكبر. فبعد خروج البلل يُعلم إجمالاً بأحد الحدثين، إما الأصغر (بقاءً) وإما الأكبر (حدوثاً). وهذا علم إجمالي بأحد حدثين: أحدهما طويل، والآخر قصير.

فإذا توضّأ يجري استصحاب بقاء طبيعي الحدث. 

ومن هنا وقع في ورطة من الناحية الفقهية، فإنه لا يوجد عادة فقيه يلتزم: أن من كان محدثاً وخرج منه بلل مشتبه بين البلل والمنِيّ، لا يجوز له أن يرتّب آثار الطهارة كمسّ المصحف، إلّا بعد الوضوء والغسل معاً. بل لا إشكال أن مثل هذا الشخص يكفيه الوضوء ولا يحتاج إلى الغسل. مع أن هذا من موارد استصحاب القسم الثاني. 

وهنا -كما قال- لا تنفع الأصول، كاستصحاب بقاء الحدث الأصغر، أو استصحاب عدم حدوث الحدث الأكبر. يقول: ألف مرّة أجروه، فإنه لا يعيّن حقيقة ذاك الحدث المعلوم بالإجمال، الذي أريد أن أستصحبه باستصحاب الكلّي، إلّا بنحو الأصل المثبت. وإذا لم يتعيّن حال الحدث، لم يتعيّن رافعه، وحينئذٍ فأنا بعد الوضوء أشكّ في بقائه وعدمه، فاستصحب بقاءه. 

ومن هنا فكّر بأن يتخلّص من العويص -مثلاً- باستكشاف أن مبنى الفقهاء على عدم التضادّ بين الحدثين، حتى يناسب فتواهم(1).

ـــــــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: هذا الذي ذكره المحقّق العراقي أخيراً من عدم جدوى جريان الأصلين إلّا بالملازمة، يمكن أن يقال: كونه مبنياً على مسلكه في عِلّية العلم الإجمالي للتنجيز، وإلّا فمن المعلوم أنه بناءً على الاقتضاء وعدم تنجيزه إلّا بتعارض الأصول، فإن الأصول في المقام لا تكون متعارضة، ولا تحتاج في جريانهما في أحد الطرفين إلى إثبات الطرف الآخر بالملازمة حتى يكون مثبتاً. بل يجري أصالة بقاء الحدث الأصغر في هذا الطرف، ويجري أصل عدم الجنابة في ذاك الطرف، من دون معارضة، وبضمّهما ينتج أن المكلّف محدث بالأصغر بالخصوص، وبذلك ينحلّ العلم الإجمالي حكماً. وأيّ حاجة إلى إثبات اللازم بالملازمة، إذا كان اللازم مجرى للأصل في نفسه أيضاً؟! انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

كلام المحقق النائيني في المقام

إلا أن هذا المطلب محلول، بما حققه المحقّق النائيني ، فإنه ذكر -ونعم ما ذكر- أن استصحاب الكلّي من القسم الثاني هنا، محكوم لاستصحاب عدم الجنابة، يعني عدم الفرد الطويل، وذلك لخصوصية في خصوص المورد، لا أن استصحاب الفرد الطويل دائماً يكون حاكماً على استصحاب الكلّي، بل لاستظهار فقهي من الأدلّة في خصوص المورد.

وذلك: لأن المستظهر من الآية الكريمة: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ(1)، إنما فرضت مقسماً، وهو المحدث بالأصغر، أما بظهورها في القيام من النوم أو لتفسيرها في الرواية الصحيحة بذلك. 

والمحدث بالأصغر صُنِّف إلى صنفين: إلى من كان جنباً، وإلى من لم يكن جنباً. وهذا التصنيف استفيد من الشرطية الثانية: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. فهذا المحدث بالأصغر إن لم يكن جنباً فطهوره هو الوضوء، وإن كان جنباً فطهوره هو الغسل. ويتحصّل من ذلك: أن الوضوء طهور لمن هو محدث بالأصغر ولم يكن جنباً، لمن قام من النوم ولم يكن جنباً. 

وهذا قام من النوم بالوجدان -إن المفروض أنه محدث بالأصغر في أوّل الأمر-، وليس جنباً بالاستصحاب. إذن فيكون طهوره هو الوضوء، وبذلك يرتفع الشكّ في بقاء الكلّي. وتحقيق المبنى الفقهي لهذه المسألة في محلّه. وبهذا 

ـــــــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة: 6 .

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يكون استصحاب عدم الجنابة، حاكماً على استصحاب بقاء الكلّي(1)

[تفصيل الكلام في التقدير الثاني]

بقي الفرض الثاني الذي أجّلناه، وهو الوسط بين المبنيين الفقهيين: وهو أن نفترض الشكّ في التضادّ. 

يقول: إنه بمجرّد الشكّ في التضادّ يتشكّل لنا علم إجمالي، ولا يكون عندنا علم تفصيلي بأحد الحدثين بعينه. إذ لو كان هذا البلل المشتبه بولاً، وإن كان منِيّاً، وكان في الواقع تضادّ بين الأكبر والأصغر، فهذا محدث بالأكبر، وإن 

ـــــــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: إن المفروض في هذه الصورة هو القول بتضادّ الحدثين ذاتاً، فعند خروج البلل المشتبه أشكّ بالوجدان في بقاء الحدث الأصغر، لاحتمال ارتفاعه *، وحدوث الحدث الأكبر محلّه. فكونه محرز البقاء كالوجدان –كما صدر من المحقّق النائيني وأيّده السيّد– خُلف التضادّ. ومعه لا يكفي جريان استصحاب عدم الجنابة، في تنقيح موضوع رافعية الوضوء، إلّا بأحد أمرين:

أحدهما: أن يقال بحجّية الأصل المثبت. وثانيهما: ما قلناه من كون هذا الشكّ مجرىً لاستصحاب بقاء الحدث الأصغر في نفسه، فيكون الأصلان جاريين في طرفي العلم الإجمالي من غير معارضة، فيكون منحلّاً حكماً. ويترتّب عليه كفاية الوضوء لا محالة. انتهى. 

* أجاب السيّد عن ذلك بما حاصله: أنه مع الشكّ في بقاء الحدث الأصغر لا يكون هذا الحدث محفوظاً على ما هو مفروض الآية، فلو كان المراد منها ذلك لكان تناقضاً. فلا بُدّ من حمل الآية على ما لا يلزم منه التهافت، ومعه يكتفي بالعلم بالحدث الأصغر ولو قبل خروج البلل المشتبه. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

كان منِيّاً، ولم يكن في الواقع تضادّ، فهذا محدث بالأكبر والأصغر معاً. إذن فالأمر يدور بين أن يكون محدثاً بالأكبر وحده، أو بالأصغر وحده أو بهما معاً. إذن فهنا علم إجمالي بأحد الحدثين لا محالة. 

وبناءً على هذا الفرض، كان من المترقّب من المحقّق العراقي أن يقول بجريان استصحاب الكلّي، كما في صورة الجزم بالتضادّ -كذلك هنا-؛ لوجود العلم الإجمالي بالحدث المردّد. لكن على خلاف الترقّب لم يقل المحقّق العراقي بالاستصحاب الكلّي. 

وقال: إن العلم الإجمالي، وإن كان موجوداً غير منحلّ، إلّا أن فيه عيباً، يمنع عن جريان استصحاب الكلّي فيه، وهو أنه ليس مانع الجمع، بل مانع الخلوّ فقط. إذ إن المكلّف يحتمل وجود كِلا طرفي العلم الإجمالي: الحدث الأكبر والأصغر معاً. إذ لو كان البلل منِيّاً ولم يكن تضادّ بين الحدثين، فقد اجتمع طرفا العلم الإجمالي. وإنما يجري استصحاب الكلّي، فيما إذا كان العلم الإجمالي بنحو مانعة الجمع والخلوّ معاً، كما هو الحال فيما لو علم بالتضادّ. إذ لا يحتمل عدم الحدثين معاً؛ لضرورة وجود البلل المشتبه، ولا يحتمل اجتماع الحدثين؛ لضرورة تضادّهما. 

وكأنّ هذا يخرج منه تفصيل كلّي في باب الاستصحاب الكلّي، وهو: أنه في كلّ مورد كان العلم الإجمالي بنحو مانعة الجمع يجري استصحاب الكلّي، وأما إذا لم يكن بنحو مانعة الجمع، فلا يجري. 

فلو علمنا إجمالاً بوجود زيد وعمرو، واحتملنا في الآن الثاني بقاءهما معاً، لا يكون استصحاب الكلّي سابقاً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فما هي نكتة هذا الشرط، وتوضيح مقصوده في ذلك: أنه يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون عندنا شكّ في البقاء، وأن يكون البقاء المشكوك بقاءً للمتيقّن لا لغيره. فلو كان عندنا شكّ في بقاء غير المتيقّن، مشكوك في نفسه، لا يجري الاستصحاب؛ إذ لا يصدق عليه عنوان بقاء اليقين. فهذه الكبرى التي أقام عليها المحقّق العراقي كلامه. 

ومبنياً على هذه الكبرى يقول: إننا إذا علمنا إجمالاً بأحد الحدثين لكن بنحو احتمال الجمع، فلو كان هذا الاحتمال مطابقاً للواقع، يعني: كان الحدثان مجتمعين. فمعلومي ليس هو كِلا الحدثين بالوجدان. فلا بُدّ أن يطبّق هذا العلم على أحد الحدثين، لا محالة. 

فلو فرض أن العلم كان مطبّقاً على الأصغر، فأنا بعد الوضوء وإن كنت أشكّ في بقاء الحدث، لكن لا أشكّ في بقاء ما هو متيقّن؛ لأن ما هو المتيقّن هو الحدث الأصغر، والبقاء الذي يكون مشكوكاً بعد الوضوء هو بقاء الحدث الأكبر. فلا يكون البقاء المشكوك فيه بقاءً للمتيقّن، فلا يجري الاستصحاب. فهو وإن كان شاكّاً في بقاء الحدث، ولكن البقاء المشكوك ليس بقاءً للمتيقّن على كلّ حال؛ لأن المتيقّن قد يكون منطبقاً على الحدث الأصغر، والبقاء المشكوك هو بقاء الحدث الأكبر.

نعم. إذا فرضنا أن المتيقّن كان منطبقاً على الحدث الأكبر في حالة الجمع بين الحدثين، حينئذٍ يكون البقاء المشكوك بقاءً للمتيقّن، ولكن هذا غير محرز. بل المشكوك هو إما بقاء المتيقّن أو بقاء غيره. 

ـــــــــــــــــــــــــ[264]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا بخلاف موارد العلم الإجمالي في موارد مانعة الجمع، يعني إذا لم نحتمل اجتماع الحدثين معاً، فإنه على فرض البقاء، فإنه بقاء للمتيقّن لا محالة، إذ ليس هناك إلّا فرد واحد هو المتيقّن وهو المشكوك البقاء. فكون البقاء بقاءً للمتيقّن محرز على أيّ حال. 

إلّا أن هذا الذي ذكره مما لا يمكن المساعدة عليه. وذلك لأمرين: 

الأمر الأوّل: أن هذا الذي ذكره مبنيّ على أن العلم الإجمالي -فيما إذا كان كِلا الطرفين ثابتاً- يتعيّن في أحد الطرفين دون الآخر؛ ببرهان وجدانية أني لا أعلم بكِلا الحدثين، فلا بُدّ من أن أكون عالماً بأحدهما. 

وهذا غير صحيح، وذلك: لأن العلم الإجمالي، لا يتعلّق بالواقع أصلاً، وإنما يتعلّق بالجامع. فلا يفرّق في حاله بين أن يكون أحد الطرفين موجوداً أو كِلاهما موجوداً. فلو علم بأحد الحدثين، ولم يكن محدثاً إلّا بالأصغر، لا يقال إن العلم تعلّق بالأصغر، بل تعلّق بالجامع، ولا يسري إلى الواقع أصلاً. 

والجامع هنا جامع بين الحدث الأصغر وحده، والحدث الأكبر وحده، وكِلا الحدثين، فالعلم الإجمالي ثلاثة أطراف. وحينئذٍ فهو مانعة الجمع أيضاً، كما هو مانعة الخلوّ. 

وهذا الجامع هو في الواقع جامع بين القصير والطويل؛ لأنه إن كان متحقّقاً في ضمن الحدث الأصغر وحده، فهو غير باقٍ. وإذا كان متحقّقاً في ضمن الحدث الأكبر وحده أو مع الحدثين معاً، فهو باقٍ. وإذا كان مردّداً فرده 

ـــــــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بين القصير والطويل، فلماذا لا يجري استصحاب الكلّي(1)؟! 

الأمر الثاني: أننا لو سلّمنا من المحقّق العراقي أن العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع لا بالجامع، فمن المحتمل أن يكون المتعيّن في الواقع هو الحدث الأصغر، مع أن بقاء المشكوك هو بقاء الحدث الأكبر. فلم يكن البقاء المشكوك بقاءً للمتيقّن.

ولكن مع هذا يجري الاستصحاب. وذلـك: لأن البقاء الـمشكوك
-بالآخرة- يحتمل كونه بقاءً للمتيقّن، وهذا يكفي في الشكّ في البقاء. فإنه يكفي فيه أن يكون البقاء المشكوك يشكّ في أنه بقاء للمتيقّن. فإن مرجعه بالآخرة إلى الشكّ في بقاء المتيقّن. 

إذن فلا حاجة لأن تحرز أن البقاء المشكوك بقاء للمتيقّن، بل لا بُدّ من 

ـــــــــــــــــــــــــ[266]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: يمكن تحليل هذا الجواب إلى جوابين: 

أحدهما: ما قاله السيّد أخيراً من ثلاثية الأطراف، كما هو مشروح.

ثانيهما: ما قاله أوّلاً من كون العلم يتعلّق بالجامع، ولا يسري إلى الأفراد، ولا يتعين بأحد الطرفين، فإن العلم الإجمالي حينئذٍ وإن فرض ذا طرفين، إلّا أن ما هو المحتمل البقاء هو عين المتيقّن وهو الكلّي الجامع، فيستصحب. 

إلّا أن هذا -بغضّ النظر عن سائر الأجوبة- لا يتمّ؛ لكونه -كما قال السيّد أيضاً في سياق كلامٍ له- من القسم الثالث من استصحاب الكلّي، الذي يقطع فيه بارتفاع الفرد، ويحتمل فيه حدوث فرد آخر. فلا يجري الاستصحاب. ومعه لا ينحلّ هذا الجواب إلى جوابين. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الشكّ في بقاء المتيقّن، ولو بأن تشكّ في أن البقاء المشكوك هل هو بقاء للمتيقّن أو لا؟ فإنه بهذا تتحقّق أركان الاستصحاب، ويكون جارياً. 

وعليه، فمورد الشكّ في التضادّ كمورد العلم به، ويلحقه حكمه. هذا هو الكلام في الفرع الأوّل(1).

الفرع الثاني: [لو دار الأمر بين النجاسة البولية والنجاسة الدميّة]

هو ما إذا لاقت هذا الجسم نجاسة، أما بولية أو دميَّة، فحكم عليه بالنجاسة، أما النجاسة الطويلة التي لا تزول بالغسلة الأولى، وهي البولية. وأما النجاسة القصيرة التي تزول بها، وهي الدمية، ودار الأمر ما بينهما.

هنا لا إشكال ولا ريب، أنه يجري في نفسه استصحاب النجاسة بعد الغسلة الأولى، وهل هذا من استصحاب الشخص أو الكلّي؟ تقدّم تحقيقه في الجهة التاسعة، في صورة ما إذا علم بالجامع بين حكمين في موضوع واحد، وكانت الشبهة موضوعية. 

ـــــــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــــ

() سألته: أن تقرير وكلام المحقّق العراقي إنما يتمّ بغضّ النظر عما قلتموه من أن رافعية الوضوء للحدث الأصغر، لا يتمّ للمجنب. إذ معه نحتمل بقاء حدث البول بعنوانه فنستصحبه.

فقال: هذا صحيح.

فقيل له: هذا جواب ثالث؟

فقال: نعم. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [دعوى حاكمية استصحاب عدم ملاقاة البول على استصحاب بقاء النجاسة]

الكلام في أنه هل هناك أصل آخر صحيح الجريان في نفسه يكون حاكماً على هذا الأصل، أو لا؟ 

المدعى: أن استصحاب عدم ملاقاة البول، هو الحاكم على استصحاب بقاء النجاسة. والكلام يقع في مقامين: 

أحدهما: أن استصحاب عدم ملاقاة الجسم مع البول هل يكون في نفسه جارياً وحاكماً على استصحاب بقاء النجاسة أو لا؟ 

ثانيهما: أنه بعد فرض الحاكمية، فهل يعارض هذا الحاكم بأصالة عدم ملاقاة الدم، فيتساقطان بالمعارضة، وبعده يرجع إلى استصحاب النجاسة، أو يكون جارياً بلا معارض؟

المقام الأوّل: هل يكون هذا الاستصحاب في نفسه، جارياً وحاكماً أو لا؟

أما المقام الأوّل، وهو: أن هذا الاستصحاب -استصحاب عدم ملاقاة البول- هل يكون في نفسه، جارياً وحاكماً أو لا؟ 

توضيح الحال في ذلك: أننا ندّعي في الفقه وجود مطلقات، تقتضي وجوب غسل كلّ متنجّس لاقى نجساً غسله مرّة واحدة، وترتفع نجاسته بذلك. ثُمّ وجد لهذه القضيّة مخصّص منفصل، وهو عبارة عن الروايات في ملاقي البول. 

ـــــــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فقد دلّ: أن ملاقاة البول توجب نجاسة لا ترتفع بالغسل مرّة واحدة، بل تكون باقية إلى الغسل مرّتين. 

ومقتضى قانون التخصيص: أن يتقيّد موضوع العامّ أو المطلق، بنقيض موضوع الخاصّ. فلو قيل: (أكرم العالم)، وقيل: (لا تكرم النحوي)، فإنه بتقييد موضوع العامّ بالعالم الذي لا يكون نحوياً. لأجل أن ترتفع المعارضة بينهما. 

فهنا أيضاً -بعد التخصيص- لا بُدّ أن نلتزم أن القضيّة الشرعية التي تكفّلتها المطلقات، أُخذ في موضوعها نقيض موضوع المخصّص، وهو ملاقاة البول. فلا بُدّ أن ندقّق في اقتناص هذا النقيض، وذلك بالتدقيق فيما خرج بالتخصيص، حتى نعرف نقيضه. 

وما خرج بالتخصيص هو ملاقاة الجسم للبول، وهذا يمكن أن نتصوّره بنحوين:

إما أن نأخذه بما هو عنوان ومفهوم واحد، متكوّن من القيد والمقيد. ويكون نقيضه هو عدم ملاقاة البول. فإذا أخذ ذلك في موضوع المطلقات، يصير موضوعها هو: ما لاقى نجساً ولم يلاقي البول، أو مع عدم ملاقاة البول. فيصير الموضوع مركّباً من جزأين:

1- أن يلاقي نجساً.

2- وعدم ملاقاة البول.

فإذا صار الموضوع مركّباً هكذا، يقال حينئذٍ: بأن الجزء الأوّل محرز 

ـــــــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بالوجدان؛ لأنه إما لاقى البول أو لاقى الدم. والجزء الثاني، وهو عدم ملاقاة البول، نحرزه بالاستصحاب. فيكون الموضوع ثابتاً بضمّ التعبّد إلى الوجدان. فيترتّب عليه حكم المطلقات، وهو أن نجاسته ترتفع بالغسلة الأولى. فيصير هذا حاكماً على استصحاب بقاء النجاسة؛ لأن استصحاب عدم ملاقاة البول مساهم في إحراز موضوع المطلقات، ومعه لا يبقى شكّ في بقاء النجاسة -تعبّداً-. فيصير حاكماً على استصحاب بقاء النجاسة في الملاقي، فيكفي الغسل مرّة واحدة. 

وإما أن نقول: إن عنوان ملاقاة البول، ينحلّ إلى أمر مركّب من مفهومين، فالخارج بالتخصيص مركّب من جزأين، هما: ملاقاة شيء نجس، وأن يكون ذاك الشيء بولاً. 

وحينئذٍ، ففي مقام أخذ نقيض عنوان الخارج بالتخصيص في موضوع المطلق، نرى أن الخارج بالتخصيص مركّب من جزأين: 

أحدهما: أن يلاقي شيئاً، وهذا ليس معارضاً مع العامّ، بل هو عين عنوانه. 

ثانيهما: أن يكون ذاك الشيء بولاً، وهو حصّة من العامّ. فنأخذ في موضوع المطلق نقيض الجزء الثاني من هذا الموضوع، فيكون الموضوع: إذا لاقى نجساً ولا يكون ذاك النجس بولاً. 

فهنا لو أردنا أن نحرز الجزء الثاني بالاستصحاب يجب أن نلتفت إلى ذاك الشيء الذي لاقى، ونثبت أنه بول أو ليس ببول، ولا يكفي حينئذٍ استصحاب عدم ملاقاة البول، ولا يكون له معنى. بل يتوقّف إحراز الجزء الثاني للموضوع على القول باستصحاب العدم الأزلي.

ـــــــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فإن بنينا على جريانه -كما هو الصحيح-، فهنا نجري استصحاب عدم كون هذا النجس بولاً، ولو قبل وجوده، فأيضاً نثبت الموضوع المركّب، بالتعبّد والوجدان. 

وأما إذا بنينا على عدم جريانه -كما عليه المحقّق النائيني - فلا يمكن إحراز هذا الجزء بالاستصحاب، وتصحيح النتيجة مختلفة على التقديرين. فإنه يمكن إحراز الموضوع بالصياغة الأولى حتى على مذهب الميرزا، وأما على الصياغة الثانية، فيتوقّف على استصحاب العدم الأزلي. 

والصحيح هو الصيغة الثانية، وذلك: لِما مرّ في بحث الفقه وسوف يأتي أن الارتكاز العرفي يوجب تحليل المقيّد دائماً إلى المركّب، ويجعله جزأين. وحينئذ يحلّل العرف عنوان ما لاقى العرف إلى مركّب -وإن كان مقيّداً بحسب طبعه اللغوي- فيقول: ما لاقى شيئاً وكان ذاك الشيء بولاً. 

وبذلك اتّضح أنه على كِلا الصيغتين، يجري استصحاب عدم الملاقاة مع البول في نفسه، ويكون حاكماً في نفسه على استصحاب النجاسة. 

المقام الثاني: [في وجود المعارض لاستصحاب عدم ملاقاة البول] 

أن نرى أن هذا الاستصحاب هل يكون له معارض أو لا؟

فهو بالصيغة الأولى وهي: استصحاب عدم الملاقاة مع البول يعارضه استصحاب عدم الملاقاة مع الدم.

وهو بالصيغة الثانية وهي: استصحاب أن لا يكون هذا النجس بولاً يعارضه، استصحاب أن لا يكون هذا النجس دماً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أما بلحاظ الصيغة الأولى: فلا تعارض بين الاستصحابين؛ لأن أحدهما يجري والآخر لا يجري. خلافاً للمحقق الأصفهاني، حيث تخيّل وجود المعارضة بين الاستصحابين. وذكر أن كُلّاً من الشيئين اللذين أريد أن أستصحب عدمه، وهو ملاقاة البول وملاقاة الدم. كلٌّ منهما له أثر شرعي. فالأثر الشرعي لملاقاة البول هو وجوب غسلةٍ لا يجوز الاكتفاء فيها بالواحد. وملاقاة الدم موضوع لوجوب غسلةٍ يجوز الاكتفاء معها بالواحد. وأنا أعلم إجمالاً بوجود أحد هذين الأثرين. فإذا استصحب عدم كِلا الملاقاتين، فهو تعبّد بانتفاء كِلا هذين الأثرين، مع العلم الإجمالي بوجود أحد الأثرين. 

إلا أن الصحيح في المقام هو أنه لا تعارض؛ لأن استصحاب عدم الملاقاة مع الدم لا يجري. 

لأن هذا الاستصحاب يراد به نفي أثر ملاقاة الدم، وما هو أثره؟ 

يقول حاج شيخ: أثره هو وجوب غسلة يجوز الاكتفاء فيها بالواحد.

نقول: هل تريدون أن تنفوا وجوب أصل الغسلة بهذا الاستصحاب، أو تنفوا قبل الغسلة، وهو جواز الاكتفاء بالواحد؟ 

فإن أردتم نفي أصل وجوب الغسل، فهذا غير معقول؛ لأنه معلوم وجداناً، وعدم الملاقاة مع الدم لا ينفي أصل وجوب الغسل. وإن أردتم نفي القيد، فهو حكم ترخيصي وهو جواز الاكتفاء بالواحد، ونفيه لا يولّد معارضة. فإن المعارضة إنما تكون إذا نفت الأصول أحكاماً إلزامية مع العلم بواحد منها، لا فيما إذا نفت آثاراً ترخيصية. 

ـــــــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وواقع هذه التعبيرات، هو مسألة النجاسة، فإن جواز الاكتفاء بالواحد وعدم جوازه، ليست أحكاماً تكليفية، بل مرجعه إلى النجاسة. وإن أثر البول نجاسة تبقى بعد الغسلة الأولى، وأثر الدم نجاسة لا تبقى بعد الغسلة الأولى.

فيقال حينئذٍ: إن استصحاب عدم ملاقاة الدم إن أردتم أن تنفوا به أصل النجاسة، فهو غير ممكن؛ لأن أصل النجاسة معلوم وجداناً، ومجرّد عدم ملاقاة الدم لا يكفي لنفي النجاسة شرعاً. وإن أردتم أن تثبتوا بقاء النجاسة بعد الغسلة الأولى، فهو من الأصل المثبت؛ لأن استصحاب عدم ملاقاة الدم لا يعيّن ملاقاة البول.

وعليه فالصحيح عدم المعارضة، وأن استصحاب عدم الملاقاة مع البول يجري بلا معارض، ويكون حاكماً على استصحاب النجاسة. 

وأما على الصيغة الثانية: وهو استصحاب عدم كون هذا بولاً، فعدم جريان استصحاب كون هذا دماً – ليكون معارضاً- في غاية الوضوح، والكلام فيه هو الكلام السابق. فإنه إن أريد باستصحاب عدم كونه دماً، نفي أصل النجاسة، فهذا لا يمكن؛ لأن انتفاء أصل النجاسة ليس أثراً شرعياً لانتفاء كونه دماً. وإن أريد به إثبات طول النجاسة، فهو لا يكون إلّا بالملازمة. فأيضاً لا معارضة. 

هذا تمام الكلام في الجهة العاشرة. 

وبذلك تمّ الكلام في استصحاب الكلّي في الصورة الثالثة، والجهات العشرة التي تعرّضنا لها. 

بعد هذا يقع الكلام في استصحاب الكلّي في الصورة الرابعة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصورة الرابعة(1): في القسم الثالث من استصحاب الكلّي

هي عبارة عن الشكّ في بقاء الكلّي من ناحية الشكّ في الحدوث، والكلي غير معلوم حدوثاً بالعلم الإجمالي، بل معلوم بالعلم التفصيلي. وهي ما يسمّى بالقسم الثالث من استصحاب الكلّي في كلماتهم. 

وذلك: كما إذا علمنا بوجود إنسان في المسجد في ضمن (زيد)، ثُمّ شككنا في بقاء كلّي الإنسان في المسجد، وكان شكّنا ناشئاً من الشكّ في أن الكلّي هل كان موجوداً في ضمن فرد آخر محفوظ حال ارتفاع الفرد الأوّل أو لا؟

وفرقها عن الصورة السابقة، أنه في الصورة السابقة كان حدوث الكلّي معلوماً بالإجمال؛ لأنه يعلم إجمالاً بوجود الإنسان في المسجد، إما في ضمن (زيد) أو في ضمن (عمرو). وأما في هذه الصورة، فيعلم تفصيلاً بوجود الكلّي في ضمن (زيد)، ويعلم بخروجه بعد ذلك. ولكن يشكّ في بقاء الكلّي من ناحية انحفاظه في فرد آخر أو لا. فهل يجري الاستصحاب في المقام أو لا؟

[استذكار للتصورات الثلاثة في جريان استصحاب الكلي(2)]

لا بد في صدد بيان ذلك أن نعود إلى استذكار التصوّرات الثلاثة التي بيّناها؛ لتنقيح جريان استصحاب الكلّي في الصورة الثالثة. 

التصوّر الأوّل: هو التصوّر الذي كان مبنيّاً على تصوّر الرجل الهمداني في الكلّي، وأن الكلّي له وجود وحداني وسيع، وأن الأفراد تعيّنات له ومراتب، 

ـــــــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــــ

() نقلت بدون مسجّلة. (المقرِّر).

(2) راجع: ص208 من هذا الكتاب.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فاستصحاب الفرد معناه استصحاب التعيّن والمرتبة، واستصحاب الكلّي معناه استصحاب ذلك الوجود الهمداني الوسيع.

من بنى على هذا التصور، لا بُدّ له أن يذهب إلى جريان استصحاب الكلّي في هذه الصورة، وليس له أن يفصل بين الصورة السابقة وهذه الصورة؛ لأن الكلّي له وجود وحداني، وسيع محفوظ إلى جانب وجود الأفراد على الفرض، فلا بأس بجريان الاستصحاب كما في الصورة السابقة؛ لأن متيقّننا وإن كان هو (زيد)، ومشكوكنا هو (عمرو)، و(زيد) معلوم الانتفاء، لكنّنا لا نريد أن نستصحب وجودات الأفراد، بل نريد أن نستصحب الوجود السعي المحفوظ ما دام للكلّي فرد في الخارج، فإن الكلّي يوجد بفرد واحد، ولا ينتفي إلّا بانتفاء جميع الأفراد، فيحتمل بقاؤه، فيجري استصحابه، ولا يأتي على هذا إشكال. 

فمثلاً: ما هو المعروف من الإشكال: بأن ما هو المتيقّن غير ما هو المشكوك في الخارج، لا يرد بناءً على هذا التصور؛ لأننا لا ننظر إلى وجودات الأفراد؛ لكي يكون المتيقّن غير المشكوك، بل ننظر إلى الوجود السعي للكلّي. وهو محفوظ حدوثاً وبقاءً، فلماذا لا يجري استصحابه؟ فإنه ما دام يحتمل وجود فرد فإن احتمال بقاء الوجود السعي موجود.

التصوّر الثاني: وهو أن يلتزم بأن استصحاب الكلّي في الصورة السابقة يرجع إلى استصحاب الحصّة، وهي تلك الحصّة المتعيّنة في الواقع مع عدم الالتفات إلى خصوصياتها الفردية ومشخّصاتها.

بناءً على هذا التصوّر، يكون من الواضح أن استصحاب الكلّي لا يجري؛ 

ـــــــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لأن ذات الحصّة التي كانت متيقّنة لنا قد ارتفعت بتمامها، وليست محتملة البقاء بوجه من الوجوه.

في الصورة السابقة كانت محتملة البقاء؛ باعتبار أنه لا يدري ما هي؟ هل هي الفرد الطويل، أو الفرد القصير؟ فكان يتوهّم كونها مشكوكة البقاء، أما هنا فذات الحصّة التي كانت معلومة تفصيلاً ارتفعت تفصيلاً(1)

التصوّر الثالث: وهو أن التعبّد الاستصحابي شأنه شأن سائر المنجّزات، يتعلّق بالصور العلمية الذهنية بمقدار حكايتها عن الواقع.

بناءً عليه، توجد وشوشة في أنه هل يجري الاستصحاب أو لا؟ على أنه بناءً على التصوّرين السابقين لا ينبغي أن توجد الوشوشة؛ لوضوح جريانه على المبنى الأوّل، وعدم جريانه على المبنى الثاني. 

ـــــــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: أما بناءً على ما أشرنا إليه في محلّه من أن التجريد عن الخصوصيات والاقتصار على الخصائص الذاتية للحصّة، يقتضي –ولو بنظر عرفي مسامحي– النظر إلى سائر الحصص بمنظار الوحدة، وهذا الوجود العرفي الواحد هو الكلّي الموجود في الخارج ضمن أفراده. 

وبناءً عليه، وحيث إن الكلّي يوجد بوجود فرد ولا يرتفع إلّا بارتفاع جميع الأفراد؛ فاحتمال بقاء الحصّة المتحقّقة في ضمن (عمرو) هو احتمال لعين الكلّي المتيقّن الحدوث، وما هو متيقّن الارتفاع هو بخصوصيات. وأما الحصّة أو الوجود العرفي الواحد، فهو محفوظ احتمالاً، فنستصحب. 

إلا أن هذا يرجع إلى نقل التصوّر الهمداني من العقل إلى العرف. وقد أشار السيّد إلى إمكان جريان الاستصحاب بهذا النظر. انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وتحقيق ذلك: أننا لا بُدّ أن نستذكر أننا كيف تصوّرنا الكلّي، وكيف قلنا إنه موجود في الخارج. 

[بناء على التصور المشهوري للكلي]

تارةً ننساق مع تصوّر مشهوري اتّخذته الكتب الرسمية في علم الكلام، وحاصله: أن هناك كلّياً وهناك جزئياً، هناك إنسانيتان إنسانيةٌ خاصةٌ وإنسانيةٌ مّا، وأن انسانيةً مّا جزء من الإنسانية الخاصّة. فإذا علمنا بوجود إنسانٍ مّا لا يدرى من هو، فقد علمنا بوجود إحدى الإنسانيتين، وإذا علمنا بوجود (زيد)، علمنا بوجود إنسانيتين إحداهما في ضمن الأخرى. ومن هنا قالوا: إن الإنسانية الكلّية جزء من الإنسانية الخاصّة، وجزء الموجود موجود، فالكلّي موجود في الخارج. 

حينئذٍ يكون لشبهة جريان الاستصحاب مجال -كما قيل في الكتب-، وذلك: أننا حين علمنا بوجود الإنسان في ضمن (زيد) علمنا بأمرين، بالكلّي وبـ(زيد)، أي: بإنسانيةٍ مّا وبإنسانيةٍ خاصّةٍ. ومعلومنا الثاني وإن علمنا بارتفاعه، إلّا أن معلومنا الأوّل لم نعلم بارتفاعه؛ لأن إنسانيةً مّا التي هي جزء من (زيد) هي عين إنسانيةٍ مّا التي هي جزء من (عمرو). ومن هنا كانت كلّية قابلة للصدق على كثيرين، وإلّا لم تكن كذلك. فيجري استصحابها. 

وحينما يبيّن تقريب الاستصحاب بهذا البيان، مبنيّاً على هذا التعدّد، لا يكون عليه جواب. إلّا أن يلتجئ إلى استظهار جديد من دليل الاستصحاب، كما ادّعى المحقّق العراقي، حيث ذكر: أن دليل الاستصحاب ظاهر في أنه 

ـــــــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يشترط الوحدة الوجودية بين متعلّق اليقين والشكّ، وأما وحدتهما الذاتية في أفق اليقين والشكّ، فهو مما لا يكفي. 

وهذا الشرط -بحسب الحقيقة- إضافةٌ على أصولنا الموضوعية السابقة، وأمرٌ زائدٌ عليها.. وبناءً على هذا الاستظهار يقال: إن هذا التقريب بجريان الاستصحاب غير تامّ؛ لأن الوحدة الوجودية خارجاً غير محرزة، إذ من الواضح أن إنسانيةً مّا على فرض بقائها، فهي موجودة في ضمن (عمرو) لا في ضمن (زيد). فالوجود الحدوثي غير الوجود البقائي، على حين أنها في الصورة السابقة كانت محفوظة. 

[بناء على ما حققناه في تصور الكلي]

وأما إذا بنينا على ما حقّقناه، من أنه ليس عندنا إنسانيتان أصلاً، بل ليس هناك إلّا إنسانية (زيد) وإنسانية (عمرو)، غاية الأمر أن لهما نحوين من الوجود العلمي في الذهن، فإنها تارةً تجيء إلى الذهن محدودة بشرط لا من حيث الخصوصيات، وهذا الحدّ حدّ للصورة لا لذيها، ونسمّيه بالعلم الإجمالي. وأخرى تجيء إلى الذهن بشرط شيء من حيث الخصوصيات، ونسمّيه بالعلم التفصيلي. ومن الأوّل ينتزع الكلّية ومن الثاني ينتزع الجزئية. فالكلّية والجزئية منتزعتان عن نحو وجود الشيء في الذهن لا بقطع النظر عن وجوده في الذهن. 

وبناءً عليه يظهر أن أصل تقريب جريان الاستصحاب في هذه الصورة الرابعة مغالطة، حتى بقطع النظر عن الاستظهار الجديد. 

وتوضيحه: أن من علم بوجود زيد في المسجد، لم يعلم بإنسانيتين، حتى 

ـــــــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يقال: إن إحداهما معلومة الارتفاع والأخرى مشكوكة البقاء. بل علم بإنسانية واحدة بوجه مخصوص، وهو كونها مكتنفة بالخصوصيات. ومن يعلم إجمالاً بوجود أحد الفردين يعلم بالإنسانية، ومن يعلم بـ(زيد) يعلم بالإنسانية، وكِلاهما يعلم بإنسانية واحدة، ولكن نحو وجودها متعلّق ذهناً، فهي على الأوّل بشرط لا وعلى الثاني بشرط شيء. 

وحينئذٍ، فالاستصحاب -كما قلنا- هو إبقاء للصورة العلمية القائمة على النفس، وفي الصورة السابقة كان يوجد عندنا صورة علمية كلّية بشرط لا من حيث الخصوصيات، فيمكن استصحابها، وهو عبارة عن استصحاب الكلّي. 

وأما في المقام فالعلم الإجمالي منحلّ إلى العلم التفصيلي بخروج زيد، والشكّ البدوي بوجود عمرو، فأنا أيّ صورة أبقي، هل أبقي صورة زيد، وهي معلومة الارتفاع، أو صورة عمرو وهي غير متيقنة، أو أبقي صورة الجامع، وهي غير موجودة بعد انحلال العلم الإجمالي؟ 

فإن قيل: أليس الجامع معلوماً في ضمن زيد؟

فإنه يقال: إنني حين أعلم بزيد لا أعلم بشيئين -كما كان يدّعى- بل بحسب الحقيقة أن الجامع والكلّية من شؤون وجود الإنسانية في الذهن، فمعلومي هو إنسانية واحدة، وتمام معلومي قد ارتفع. 

ومن هنا يتّضح أن استصحاب الكلّي دائماً يتبع العلم الإجمالي، فإن كان موجوداً كان الاستصحاب جارياً، وإن كان منحلّاً إلى علم تفصيلي فلا يجري، بلا حاجة إلى استظهار المحقّق العراقي، وإن كان هذا الاستظهار في حدّ نفسه، لا بأس به.

ـــــــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [بناء على التصور الثالث للكلي]

وأما على التصوّر الثالث(1): فيقال في تقريب جريان الاستصحاب: إن لنا علماً بوجود الإنسان في ضمن (زيد)، وهو في الواقع علمان، علم بذات الإنسانية، وعلم بتشخّصها. والعلم الثاني وإن ارتفع إلّا أن الأوّل لم يعلم انتقاضه، فلماذا لا يستصحب؟! 

وقلنا: إن استظهار المحقّق العراقي كافٍ في دفع هذه الشبهة. ولكنّنا بقطع النظر عن هذا الاستظهار نبطل جريان استصحاب الكلّي في هذه الصورة. 

وتوضيح ذلك: أننا إذا انسقنا مع ما يوجبه استدلال القوم على وجود الكلّي الطبيعي، فقد يكون لهذا القول صورة. فإنهم يستدلّون على وجود الإنسانية بتقريب: أن الإنسان الخاصّ موجود في الخارج بلا إشكال، وإنسانيةً مّا هي جزء من الإنسان الخاصّ، وجزء الموجود موجود، إذن فإنسانيةٌ مّا موجودة.

نحن نقول: إن هذا التصوّر يؤدّي إلى أن إنسانيةٍ مّا هي جزء خارجي من الموجود، فإن الجزء الذهني لا يلزم أن يكون موجوداً في الخارج، فلا بُدّ أن يكون جزءاً خارجياً. وحينئذٍ فكلّ مَن علم بـ(زيد) فقد علم بشيئين: بالإنسانية وبتعيّنها، فهنا علمان بحسب الحقيقة، أحدهما انتقض والآخر لم يُعلم بانتقاضه.

ـــــــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــــ

() أعاد السيّد جملة مما قاله إلى أن قال: وأما على التصوّر الثالث… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [دعوى كفاية التركيب في تعقل جريان استصحاب الكلي]

إلّا أن هذا التفكير غير صحيح، فإننا لا نقول بوجود الكلّي في الخارج بمعنى كونه جزءاً من الموجود الخارجي. بحيث أن الحصّة مركّبة من ذات الإنسانية ومن تعيّنها. بل إن الحصّة أمر بسيط غير مركّب. نعم، في عالم التحليل الذهني، يمكن أن نحلّلها إلى ذات الإنسانية وإلى التعيّن، ومن هنا يمكن أن ينفتح كلام آخر في تعقّل جريان استصحاب الكلّي بدعوى كفاية التركيب ولو بالتحليل. فلو علم بحيوان ناطق، ثُمّ علم أنه ليس بناطق، فقد ارتفع أحد العلمين وبقي الآخر، فليكن المقام من هذا القبيل.

وحينئذٍ يقال في مقام الجواب على ذلك: إن الحصّة وإن كانت بالتحليل في عالم الذهن ترجع إلى ذات الإنسانية وإلى تشخّصها. إلّا أن العلم بها لا يرجع إلى علمين في التحليل.

وتوضيح ذلك: يرجع إلى بيان أمور ثلاثة:

الأمر الأوّل: [في انقسام المفهوم إلى كلي وجزئي]

هو أننا قرأنا في المنطق، أن المفاهيم على قسمين: مفهوم كلّي ومفهوم جزئي. فالجزئي ما يمنع نفس تصوّره عن وقوع الشركة فيه، والكلّي ما لا يمنع نفس تصوّره عن وقوع الشركة فيه، وإن كان منحصراً في مصداق واحد -صدفة-. 

وتعريفهم للجزئي والكلّي وإن كان تامّاً، إلّا أن غير الصحيح هو تقسيم المفاهيم إلى كلّي وجزئي. بل الصحيح هو أن كلّ المفاهيم كلّية، وليس هناك مفهوم جزئي أصلاً. فإن كلّ مفهوم في الذهن بحسب تصوّره لا يمنع عن وقوع 

ـــــــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الشركة فيه، وبتقييد بمفهوم آخر وبألف مفهوم لا يخر ج عن الكلّية إلى الجزئية. 

والمدرّس للمنطق يمثل للجزئي بـ(زيد) و(عمرو). فإذا أردنا تحديد مفهوم (زيد)، فهو دائماً كلّي وليس جزئياً. 

فإن(1) العقل لا يمنع عن فرض اثنين من هذا القبيل.

إذن فمن أين جاء الجزئي؟ الجزئي هو طريقة استخدام الذهن للمفاهيم. حيث إن العقل تارةً يستخدم المفاهيم الكلّية بما هي معانٍ إسمية، فتبقى على كِلتيهما. وأخرى يستخدمها بما هي أدوات إشارة إلى الخارج، فإن الله سبحانه أعطى الذهن قدرة على أن يشير بالمفهوم إلى الخارج بدل الإشارة بالإصبع. فحين يستخدم الذهنُ الكلّيَّ استخداماً إشارياً يصبح جزئياً. فالجزئية ليست بإعطاء قيد مفهومي إلى المفهوم، بل بطريقة استخدام المفهوم. وهذه الطريقة نعبر عنها لغة بكلمة هذا. و(زيد) عبارة عن مفهوم مطعّم بالإشارة، وإلّا لم يصبح المفهوم جزئياً. وإنما يصبح المفهوم جزئياً، بجزئية الإشارة نفسها. 

الأمر الثاني: [في انقسام العلم إلى تصور وتصديق]

أن العلم -كما قرأنا في المنطق- تصوّر وتصديق، والصور التصديقية لم يدخل في أعماقها الإشارة، ولهذا بالإمكان فرض كونها صوراً كلّية(2). وأما 

ـــــــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــــ

() فتقول: رجل أبيض طويل عالم بدين مولود سنة كذا وله من الأولاد كذا… الخ. صح. (المقرِّر).

(2) كما أنه بالإمكان فرض كونها جزئية مطعّمة بالإشارة، كـ(زيد) إذا قصدت به شخصاً بعينه. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصور التصديقية العلمية، فقد أُخذ في باطن حقيقتها ومفهوم ذاتها الإشارة، فلا علم تصديقي بلا إشارة، وهذا معنى ما نقول من أن العلم كاشف عن الخارج، بمعنى أن له إشارة ذاتية إلى الخارج. ولهذا يجد كلّ عالم نفسه بين يدي أمر متعيّن في الخارج، يأبى عن الشركة ويشير إليه بالمفهوم(1)

ثُمّ إن هذه المفاهيم التي يستعملها الذهن للإشارة تارةً يستعمل مفهوماً واحداً للإشارة، وأخرى يستعمل عدّة مفاهيم، كما لو قال: أعلم وعلم بجسم قائم متحرّك بالإرادة ناطق في المسجد، وهو عبارة عن العلم بوجود زيد في المسجد. فجاء بمفاهيم متعدّدة وجعلها إشارة إلى الخارج وصبّ عليها التصديق. 

الأمر الثالث: [انحلال العلم إلى علوم متعددة بعدد المفاهيم]

إن الإنسان حين يستخدم المفاهيم كأدوات للإشارة، فتوجد لديه علوم بعدد هذه المفاهيم، يعني ينحلّ العلم إلى علوم متعدّدة بعدد المفاهيم التي يستخدمها للإشارة. فلو قلت: أعلم بوجود إنسان عالم أبيض طويل في المسجد، فقد استخدمت أربعة مفاهيم للإشارة، وهو ينحلّ إلى أربعة علوم، فلو انكشف أنك كنت على خطأ في كونه عالماً، فقد زال أحد العلوم، والباقي قابل للبقاء وجداناً، فإذا شككنا بها فهي قابلة للبقاء تعبّداً واستصحاباً. ونحو ذلك لو انتقضت اثنان 

ـــــــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا سألته: أنني أفهم من ذلك أن طرف القضيّة التصديقية يكون دائماً جزئياً، مع أنه قد يكون كلّياً، كقولنا: الإنسانية كذا.

فقال: هو جزئي في لوح وجوده، إما الخارج وإما الواقع. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

منهما، فإن الاثنين الآخرين قابلان للبقاء وجداناً أو استصحاباً. 

وأما إذا لاحظنا أدوات الإشارة (المفاهيم) مع ذات الإشارة، فهل تنحلّ عندنا إلى علمين: علم بالأداة وعلم بالإشارة؟ لا؛ لأننا إذا قطعنا النظر عن الإشارة لا يبقى علم عندنا أصلاً؛ لأن الإشارة مقدّمة للعلم، إذن فالعلم ينحلّ بعدد أدوات الإشارة لا بتعدّد الإشارة وأدواتها. 

وبناءً عليه حين أعلم بوجود زيد في المسجد، فإن علمي ينحلّ إلى علوم متعدّدة بعدد أدوات الإشارة والمفاهيم التي تنطبق عليه. فإن (زيداً) عبارة عن مجموعة من المفاهيم كلّها أدوات إشارة إلى الخارج. ولكن هل ينحلّ العلم إلى علمين بلحاظ الإشارة وأداتها، يعني: بلحاظ التعيّن وذات الإنسانية. فإن مفاد الإشارة هو التعيّن، وأداتها هو المفهوم أو الإنسانية.

هذا لا يمكن؛ لأن العلم بذات الإنسانية صار علماً بلا إشارة، وقد بيّنا أن العلم التصديقي لا يتصوّر بلا إشارة، وإلّا لم يكن معنى لكاشفيته الذاتية، ويكون معنى هذا التحليل: التحليل بلحاظ الإشارة وأداتها. 

ولهذا نرى بالوجدان أنه لو زال علمنا بالوجود الخاصّ -بمدلول الإشارة- بطلت كلّ علومنا، ولم يبقَ لنا علم بمدلول أداة الإشارة وهو ذات الإنسانية. في حين أنه لو زالت أداة أخرى من الأدوات فإن العلم بالأدوات الباقية يكون قابلاً للبقاء كما مثّلنا. 

بناءً عليه، يتّضح أن التقريب الذي ذكروه لجريان الاستصحاب في المقام، مغالطة: 

ـــــــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لأن دليل الاستصحاب لا بُدّ أن يجرّ(1) علماً، فما هو العلم الذي يجرّه؟ هل هو اليقين بـ(زيد)، مع أنه مقطوع الارتفاع؟ أو اليقين بـ(عمر)، وهو -أي: اليقين به- غير موجود حدوثاً؟ أو اليقين بالذات الإنسانية، بدعوى: أن اليقين بـ(زيد) ينحلّ إلى علمين: علم بذات الإنسانية، وعلم بتعيّنها؟ فهذا غير صحيح؛ لِما قلناه من أن اليقين لا ينحلّ إلى يقينين بلحاظ مدلول الإشارة ومدلول أداة الإشارة. 

وبهذا يتّضح بنحو لا إشكال فيه: أن استصحاب الكلّي في هذه الصورة مغالطة ولا محصّل له، من دون الحاجة إلى استظهار المحقّق العراقي، وإن كان هو في نفسه استظهاراً عرفياً(2).

*****

نتج مما بيّناه في الصورة الثالثة والرابعة، أنه متى ما كان هناك علم إجمالي غير منحلّ، فإنه يجري استصحاب الكلّي إذا تمّت شرائطه، كما في الصورة الثالثة، ومتى ما كان العلم الإجمالي منحلّاً في الحقيقة إلى علم تفصيلي بأحدهما وشكّ بدوي بالآخر، فإنه لا يجري الاستصحاب لإثبات بقاء الكلّي، كما في الصورة الرابعة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــــ

() يعني: لا بُدّ له من يقين سابق. (المقرِّر).

(2) وقال السيّد: (هذا بناءً على أخذ اليقين في موضوع الاستصحاب). جواباً على سؤال.

وكأنه يريد إمكان استصحاب الجامع؛ لأنه محرز الحدوث في الجملة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فرع حول القسم الرابع من الكلّي

بعد أن اتّضح ذلك، ينفتح الحديث على ما سمّي في كلماتهم: القسم الرابع من الكلّي، وهو في واقعه مردّد بين القسمين، لا يدرى أنه يندرج في الصورة الثالثة؛ لكي يجري فيه الاستصحاب، أو الرابعة؛ لكيلا يجري. 

وهو: من قبيل أن شخصاً أجنب واغتسل، ثُمّ رأى أثر الجنابة في ثوبه ولا يدري أنه أثر نفس تلك الجنابة التي اغتسل منها؛ فلا يجب عليه الغسل، أو أثر لجنابة متأخّرة عن الغسل؛ لكي يجب عليه الغسل. 

[في دوران الأمر بين الصورة الثالثة والرابعة]

لا إشكال أن من شكّ بحدوث جنابة له بعد الغسل فإنه ينفيها بالأصول المؤمّنة والاستصحابات. لكن ميزة هذا الفرع هو أنه يعلم بوجود جنابة يشير إليها بعنوان: هو أنها حصلت عن خروج المنِيّ الذي يرى أثره في الثوب. غاية الأمر أنها مردّدة بين ما قبل الغسل وما بعده. فمن هنا يمكن إدراج هذا الفرع بلحاظٍ تحت الصورة الرابعة فلا يجري فيها الاستصحاب، ويمكن إدراجه تحت الصورة الثالثة فيجري. 

يمكن إدخاله في الصورة الرابعة، بمعنى أن هذا المؤمّن ليس له علم إجمالي بالجنابة، بل له علم تفصيلي بجنابة واقعة قبل الغسل، وشكّ بدوي بجنابةٍ بعده. والجنابة التي يرى أثرها في هذا الثوب، لا تشكّل له علماً إجمالياً، إذن فلا يجري الاستصحاب. وهذا هو الذي ذهب إليه المحقّق الهمداني صاحب (المصباح). 

ـــــــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وقد يقال: بإدراجه في الصورة الثالثة، وذلك بأن يقال: إن العلم موجود وغير منحلّ، بتقريب: أن العلم الإجمالي ليس علماً إجمالياً بذات الجنابة، بل علم إجمالي بجنابة مخصوصة، وهي الجنابة التي نشأت من هذا الأثر الذي في الثوب. وهذا العلم الإجمالي موجود وغير منحلّ؛ لأن هذا المؤمن وإن كان يعلم بالجنابة صباحاً، لكنّه لا يعلم بأنها هي الجنابة التي خلّفت هذا الأثر. وانحلال العلم الإجمالي إنما يكون فيما إذا علم بانطباق المعلوم التفصيلي على المعلوم الإجمالي، وفي المقام لا يعلم بهذا الانطباق. فإنه لو كان عالماً إجمالاً بذات الجنابة فدعوى الانحلال صحيحة؛ لأنه يعلم تفصيلاً بوقوع الجنابة وبارتفاعها، ويشكّ بدواً بحدوث الجنابة بعد الغسل. ولكن هذا العلم الإجمالي هو بالجنابة المخصوصة، وهذا العلم لا يمكن أن ينحلّ بالعلم التفصيلي، بالجنابة صباحاً؛ لأنه لا يدري أنها نشأت من هذا الأثر أو لا. فمصداقية المعلوم التفصيلي للمعلوم الإجمالي غير محرزة، فالعلم الإجمالي غير منحلّ. إذن، فعندنا علم إجمالي قابل للجرّ والإبقاء بدليل الاستصحاب، فيكون ملحقاً بالصورة الثالثة؛ وهذا هو الذي ذهب إليه السيّد الأستاذ.

والسيد الأستاذ، وإن كان يقول بجريان هذا الاستصحاب في نفسه، إلّا أنه يلتزم بالمعارضة بينه وبين استصحاب الطهارة حال الغسل، وبعد التساقط، يرجع إلى أصالة الاشتغال، فيجب عليه الغسل. بينما المحقّق الهمداني الذي لا يقول بجريان استصحاب الجنابة يقول: بأن استصحاب بقاء الطهارة الثانية حال الغسل يجري بلا معارض. 

ـــــــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [جريان استصحاب بقاء الطهارة بلا معارض]

والصحيح هو هذا، وهو أنه لا يجري استصحاب الجنابة المعلومة حين حدوث هذا الأثر، بحيث يعارض به استصحاب الطهارة المحرزة بالغسل. 

وذلك:

أوّلاً: للنقض؛ لأننا لو سرنا على نهج هذا التفكير الذي ادّعى إجراء الاستصحاب وإيقاع المعارضة، فحينئذٍ بإمكاننا دائماً أن نعارض استصحاب الحدث باستصحاب الطهارة، واستصحاب الطهارة باستصحاب الحدث، ويسقطان دائماً بالمعارضة. 

توضيح ذلك: أنه إذا صحّ في المقام أن ننتزع عنواناً من العناوين الإجمالية وهو الجنابة الناشئة من الأثر الذي أراه على الثوب، لأجل توليد علم إجمالي وصيانته من الانحلال حتى يجري فيه الاستصحاب، إذن يمكننا أن ننتزع مثل هذا العنوان دائماً، نصون به العلم الإجمالي عن الانحلال، فيجري فيه الاستصحاب.

فمثلاً: إذا بال ثُمّ توضّأ، فتيقن بالطهارة. ثُمّ شكّ أنه هل بال بعد الوضوء، أو لا؟ وهذا هو القدر المتيقّن من استصحاب الطهارة. إلّا أن هنا علماً إجمالياً غير منحلّ، بعنوان انتزاعي وهو عنوان: الحدث الناشئ من آخر بول، فإني أشكّ بارتفاعه بعد العلم بحدوثه. وهذا العنوان معلوم إجمالي لا تفصيلي؛ لأنه إن كان بال بعد الوضوء فالحدث الناشئ من آخر بول باقٍ ولم يرتفع، وإن لم يبل فالحدث الناشئ من آخر بول قد ارتفع. وهذا العلم 

ـــــــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الإجمالي لا ينحلّ بالعلم التفصيلي بالبول قبل الوضوء؛ لأني لا أعلم أن ذلك البول هو آخر بول أو لا. فمصداقيته غير محرزة للمعلوم الإجمالي، حتى تحصّل الانحلال، فهو علم إجمالي غير منحلّ فيجري استصحابه، ويكون مردّداً بين فرد مقطوع البقاء وفرد مقطوع الارتفاع، فيندرج في الصورة الثالثة؛ فيجري استصحاب الحدث، ومعناه: أن استصحاب الطهارة يعارض دائماً باستصحاب الحدث، أو بالعكس. فإن نفس الكلام يأتي في عكس هذه الصورة أيضاً. 

وأما ثانياً: فبالنقض أيضاً؛ لأنه في موارد انحلال العلم الإجمالي بعلم تفصيلي وشكّ بدوي، كما في الصورة الرابعة، إذا أمكننا التوصّل إلى الاستصحاب عن طريق انتزاع عنوان إجمالي، بحيث نصون العلم الإجمالي عن الانحلال؛ لكي نستصحبه، فهذه العملية يمكن القيام بها -بشكل بهلواني- في الصورة الرابعة أيضاً، فلا بُدّ أن يقال: يجري الاستصحاب فيها. 

فلو علم بوجود الإنسان في ضمن (زيد) ثُمّ علم بارتفاعه، واحتمل وجود (عمرو) وبقائه. هنا كان يقال: بانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بـ(زيد) وشكّ بدوي بـ(عمرو). لكنّنا نأتي بعنوان إجمالي للإنسان لا يكون العلم به منحلّاً. وذلك بأن يقال: إنني أعلم بوجود إنسان لا يوجد معه في عرضه فرد آخر من نفس الطبيعة يكون غير متيقّن. وهذا العنوان مصداقه مردّد بين زيد وعمر؛ لأن (زيداً) إن لم يكن معه (عمرو) في الواقع، إذن فـ(زيد) هو إنسان ليس معه فرد غير متيقّن، فيكون مصداقاً لهذا العنوان. وإن 

ـــــــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

كان (عمرو) موجوداً معه(1). فهذا العنوان ينطبق على (عمرو) لا على (زيد)؛ لأن (زيداً) معه فرد غير متيقّن وهو (عمرو)، ولكنّ (عمراً) معه فرد متيقّن وهو (زيد)، فيصدق عليه أنه ليس معه فرد غير متيقّن. 

أو إذا احتملنا بقاء (عمرو) أو دخوله عند خروج (زيد)، فاستصحب العنوان الانتزاعي بنحو آخر، وهو عنوان: آخر إنسان دخل المسجد، وهو عنوان إجمالي مردّد بينهما. وبناءً عليه، فلا بُدّ من تصحيح هذا القسم من استصحاب الكلّي. 

وثالثاً: بحلّ أصل المطلب، الذي يظهر مما قلناه. 

وحاصله: أن المستصحب إما أن يكون ذات الحدث، بلا ضمّ خصوصية إليه، وإما أن يكون المستصحب هو الحدث المقيّد بهذا العنوان الانتزاعي: الحدث الناشئ من الأثر. فإن كان المستصحب هو الحدث المقيّد بهذا العنوان. فحينئذٍ نسأل: أن هذا العنوان هل لوحظ بنحو الموضوعية، بحيث يكون هو مجرى الاستصحاب؟ أو بنحو المعرّفية إلى ذات ذلك الحدث، بحيث يكون ذلك الحدث بعنوانه التفصيلي مجرىً للحدث؟ 

فإن أجريتموه في هذا العنوان الإجمالي بنحو الموضوعية، فهذا غير ممكن؛ لأنه ليس له أثر شرعي، ولم يؤخذ هذا العنوان في موضوع حكم شرعي. وإن أردتم أن تشيروا بهذا العنوان إلى ذات تلك الجنابة(2) بعنوانها التفصيلي، وتجرون 

ـــــــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــــ

() والمعية هنا لا بُدّ أن تؤخذ بالمعنى الأعمّ من حدوث (عمرو) عند خروج (زيد). (المقرِّر).

(2) فيكون من استصحاب الفرد المردّد. (إيضاح). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فيها الاستصحاب. فذاتها قد تكون مقطوعة البقاء. وبعبارة أخرى(1): أنها إما مقطوعة الارتفاع أو مشكوكة الحدوث. فلا يجري فيها الاستصحاب بنفس النكتة التي قلناها في الفرد المردّد. 

وأما إذا كنتم تجرون الاستصحاب في جامع الحدث، بلا خصوصية، فمن الواضح أن الجامع ليس معلوماً إجمالاً، بل انحلّ العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي بالحدث الصباحي، والشكّ البدوي بالحدث المسائي. 

وعليه فالصحيح في هذا الفرع هو جريان استصحاب الطهارة المعلومة حين الغسل، ولا يعارض باستصحاب النجاسة الثابتة حين حدوث هذا الأثر الذي أراده في الثوب. 

وبهذا ينتهي الكلام عن هذا الفرع. 

وبه ينتهي الكلام عن استصحاب الكلّي. 

وبه يتمّ هذا التنبيه من تنبيهات الاستصحاب. 

تكملة واستدراك

تارةً تثبت خصوصية في فرد من كلّي -على سبيل الصدفة- فيتّصف فرد من الإنسان بالسواد مثلاً، ثُمّ يشكّ في ثبوت السواد لفرد آخر، أو يتّصف فرد بالدخول إلى المسجد، ثُمّ يشكّ أن الآخر هل دخل أو لا. فإن الاستصحاب لا يجري؛ لأنه من الصورة الرابعة التي هي القسم الثالث في كلماتهم.

ـــــــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــــ

() هذان تعبيران قالهما السيّد منفكّين عن بعضهما، والأقرب إلى منع استصحاب الفرد المردّد هو الأوّل كما سبق. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ولكن إذا علم بثبوت هذه الصفة لفرد، وعلم أنها كانت ثابتة لذلك الفرد من الجامع، لا باعتبار خصوصية بل باعتبار اقتضاء الجامع لثبوتها، بحيث إن أيّ فرد آخر فرض في محلّه، لكانت تثبت له تلك الصفة أيضاً. ثُمّ بعد هذا شكّ في أن هذا الجامع بلحاظ أفراد أخر في زمان متأخّر هل تتّصف بتلك الصفة؟ أو أن اقتضاء الجامع زوحم ومونع في الزمان الثاني؟ 

كما لو اتّصف إنساني أفريقي بالسواد، لا باعتبار خصوصية فيه، بل باعتبار كونه مصداقاً لهذا الجامع وهو (الإنسان الأفريقي) لاقتضاء الجامع أن يكون أسود. ثُمّ شكّ في الزمان الثاني في أن هذا الاقتضاء هل: لا يزال موجوداً، أو زال هذا الاقتضاء، وأصبح الإنسان الأفريقي أبيض؟ 

هنا أيضاً موضوع القضيّة المتيقّنة غير المشكوكة. فإن متيقني هو أن الأوّل أسود. ومشكوكي هو سواد الثاني. فليس هناك شيء واحد أشير إليه وأقول: (كنت على يقين من سواده في الزمان الأوّل، وأشكّ في بقاء سواده في الزمان الثاني). 

لكن -مع هذا- لا يبعد صدق عنوان (لا ينقض اليقين بالشكّ) في مثل هذا الفرض، بحيث لو بنينا على عدم بقاء الاقتضاء في الجامع لمجرّد الشكّ في بقائه في الزمان الثاني، فإنه يصدق عليه أنه نقض لليقين بالشكّ. مع عدم وحدة القضيتين.

وكأنّ الملاك في صدق ذلك، هو إعمال الزمان كموجب لتغيير الحال، فمتى ما رفع اليد عن الحالة السابقة باعتبار الزمان، يصدق عليه أنه نقض 

ـــــــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لليقين بالشكّ. وفي المقام لا يوجد منشأ لرفع اليد عن الحالة السابقة إلّا الزمان؛ لأن الأفريقي الذي وجد في الزمان الثاني، لو كان موجوداً في الزمان الأوّل، فهو أسود قطعاً. إذن لا منشأ لرفع اليد عن ذاك السواد الثابت بالاقتضاء للجامع، في الزمان الأوّل، ولا مسألة الفرق بين زمان الحدوث وزمان البقاء. 

هذا المطلب، أبيّنه الآن بنحو الإشارة، وقد مرّ التعرّض له في بحث الاستصحاب في الشبهات الحكمية. ويأتي التعرّض له في استصحاب الشرائع السابقة واستصحاب عدم النسخ. ذكرته هنا لأجل أن أذكر مخصّصاً متّصلاً لعدم جريان استصحاب الكلّي في القسم الثالث.

ـــــــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 















التنبيه الخامس

في استصحاب الزمان والزمانيات

 

  • الـمقام الأوّل: فيما يكـون بحـسب طبعه حـركـةً واضطراباً

ـــــــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 








التنبيه الخامس: في استصحاب الزمان والزمانيات 

 

التنبيه الخامس -من تنبيهات الاستصحاب- في استصحاب الزمان والزمانيات. عُقد هذا التنبيه لبيان أنه كيف يتعامل دليل الاستصحاب مع عالم الحركة، فإنه هناك عالم السكون والقرار، وهناك عالم الحركة والاضطراب. وتعامل دليل الاستصحاب مع عالم السكون واضح. وأما أنه كيف يتعامل مع عالم الحركة والاضطراب. فيقع الكلام فيه في مقامين:

المقام الأوّل: في التكلّم فيما يكون بحسب طبعه حركة واضطراباً، كالزمان، وما كان من قبيله كالكلام والمشي.

المقام الثاني: في أمور بحسب طبعها قارّةً ساكنة، ولكنّها بتقيّدها بالزمان وشبهة ترتبط بعالم الحركة والاضطراب، كالجلوس.

ـــــــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 





المقام الأوّل: فيما يكون بحسب طبعه حركةً واضطراباً

 

فيما يدخل في عالم الحركة والاضطراب في نفسه وطبعه. هذا نقسّمه إلى قسمين:

القسم الأوّل: الزمان.

والقسم الثاني(1): أشباه الزمان من العمليات التدريجية كالكلام والمشي والغسل. 

القسم الأوّل: الزمان

والكلام فيه يقع في جهتين:

الجهة الأولى: في أصل جريان الاستصحاب في الزمان وعدمه.

الجهة الثانية: في أن الاستصحاب الذي يجري في الزمان، ماذا يترتّب عليه من آثار، باختلاف الموارد، كما لو أُخذ الزمان قيداً في الوجوب أو في الواجب، وشكّ في البقاء بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية. 

 

ـــــــــــــــــــــــــ[298]ــــــــــــــــــــــ

() هذا جعله السيّد في ما يأتي مقاماً ثانياً، وجعل المقام الثاني هنا ثالثاً. وكان المجموع ثلاثة مقامات، فلاحظ. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجهة الأولى: في أن استصحاب الزمان، هل يجري في نفسه، أو لا يجري؟ 

تصوّر الآغايون، استصحاب الزمان بنحوين: 

تارةً: نتكلّم عن الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة، ونريد أن نستصحبهُ.

وأخرى: نتكلّم عنه بنحو مفاد (كان) الناقصة، ونريد أن نستصحبه. فإننا إما أن نريد أن نثبت وجود النهار فعلاً، وأخرى نريد أن نثبت نهارية هذا الزمان الموجود. 

أما الأوّل: وهو استصحاب الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة. 
[إشكال في المقام]

فالإشكال عليه: هو أن الزمان باعتبار انتسابه إلى عالم الحركة والاضطراب، فهو أمر دائم الحدوث، يحدث فيحدث فيحدث، لا أنه يحدث فيبقى. فلا يشمله دليل الاستصحاب؛ لأنه يحتاج إلى حدوث وبقاء، حتى يجري التعبّد بلحاظ مرحلة البقاء. فما كان كلّه حدوث وليس له بقاء لا يشمله هذا الدليل، لعدم تصوّر الشكّ في البقاء فيه، الذي هو أحد ركني هذا الدليل. 

[دفع الإشكال]

وهذا الإشكال واضح الجواب: وذلك: باعتبار تصوّر الحدوث والبقاء لهذه القطعة من الزمان بالنظر العرفي، سواء تصوّر لها حدوث وبقاء بالنظر العقلي الدقي -كما هو كذلك- أو لا يتصوّر لها ذلك. فإن مناط الحدوث والبقاء إنما هو النظر العرفي في دليل الاستصحاب. 

ـــــــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا مفروض حتماً، ببرهان: نفس الأوضاع اللغوية والعرفية التي نتعامل بها في لغتنا، فإننا في المرتّبة السابقة على الأحكام الشرعية نتساءل عن الأوضاع العرفية: كيف وضعت النهار لمعنى؟ هل وضعت لمعانٍ متعدّدة، بنحو الاشتراك اللفظي؟ لا. موضوعة لمعنى واحد، هو ما بين الحدّين(1). هل نسبة هذا المعنى الواحد إلى الساعة الأولى والثانية نسبة الكلّي إلى الجزئي، أو نسبة الكلّ إلى الجزء، بحسب المتفاهم العرفي؟ ليس الأوّل، إذ لا يصدق على الساعة الأولى أنها نهار، وعلى الثانية أنها نهار آخر. ولكنّه لا يصدق عرفاً. إذن فهو نسبة الكلّ إلى الجزء. وهذا نحو (كلٍ) يتحقّق بأوّل أجزائه، بدليل أنه يصدق بحسب الاستعمال العرفي أن يقال: إنه توضّأ في النهار، إذا توضّأ في الساعة الأولى، ولا ينتهي إلّا بانتهاء آخر جزء منه. وهذا بنفسه دليل على الوحدة العرفية. 

فإنه لولا الوحدة العرفية بالنحو الذي يحتاجه دليل الاستصحاب، لا يمكن وضع كلمة (النهار) لهذا المعنى بهذا النهار، أو الساعة أو الشهر أو السنة أو غيرها من التقطيعات الزمانية. 

إذن فاليقين بالحدوث والشكّ في البقاء تامّ في المقام على أساس الصدق العرفي. 

[جواب المحقق الخراساني عن الإشكال]

ثُمّ إن المحقّق الخراساني، أجاب بجواب آخر عن هذا الإشكال، فذكر أن هذا الإشكال إنما يتمّ في الحركة القطعية لا في الحركة التوسّطية، إذن 

ـــــــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــــ

() كطلوع الشمس وغروبها (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فليجرِ الاستصحاب في الحركة التوسّطية دون القطعية. 

وهذا إشارة إلى ما تصوّره الحكماء من نوعين من الحركة: القطعية والتوسّطية.

فالحركة القطعية: هي الحركة التي تتجمّع أجزاؤها في الذهن، وتكون نسبتها إلى المجموع كنسبة الكلّ إلى أجزائه، بنحو(1) توجد أجزاؤه تدريجاً لا دفعة.

والحركة التوسّطية: كون الشيء بين البدء والمنتهى، ونسبتها كنسبة الكلّي إلى جزئياته، فإن هذا الكون له مصاديق متعدّدة، هذا كون وهذا كون.. 

ومن هنا قالوا: بأن الحركة القطعية عين التجدّد؛ لأن هذه أجزاء للحركة، والشيء لا يوجد إلّا ضمن أجزائه، وحيث إن أجزاءها تتجدّد، فهي عين التجدّد والتغيّر دائماً. بينما الحركة التوسّطية ليست هكذا، بل دائماً توجد ضمن جزئي، وأيّ جزئي نلحظه له فهو قارّ في نفسه، مستكمل لذاته وهويته. 

قال الآخوند: إن إشكال أنه لا يتصوّر البقاء إنما هو في الحركة القطعية، فإنه لا يتصوّر فيها بقاء؛ لأنها -كما بيّنا- كلّها تجدّد. وأما الحركة التوسّطية فيتصوّر فيها البقاء. إذن، فليجرِ الاستصحاب في التوسّطية دون القطعية. 

وهذا الجواب غير نافع ما لم نرجع إلى الوحدة العرفية؛ لأن الحركة التوسّطية التي نسبتها إلى الأكوان المتعدّدة نسبة الكلّي إلى الجزئيات. نسأل: أن هذه الأكوان هل هي واحدة بالاتّصال عرفاً، أو هي أفراد متغايرة، كمغايرة 

ـــــــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــــ

() هذه استفادات. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

زيد لعمرو. فإن كانت واحدة بالاتّصال، فيجري الاستصحاب في الحركة القطعية أيضاً؛ لأنها أصبحت شيئاً واحداً، حدث وبقي، فيجري الاستصحاب في بقائه. فلماذا نعدل من الحركة القطعية إلى التوسّطية؟ 

وإن كانت موجودات متغايرة متفاصلة، إذن فاستصحاب الحركة التوسّطية، التي هي كلّي جامع بينها يرجع إلى استصحاب القسم الثالث من الكلّي. حيث إن هذا الكلّي علم بوجوده في ضمن فرد، واحتمل بقاؤه في ضمن فرد آخر، والمفروض منع هذا الاستصحاب. إذن فالعدول من الحركة القطعية إلى الحركة التوسّطية لا يحلّ الإشكال. 

هذا هو الكلام في إجراء الاستصحاب بنحو مفاد (كان) التامّة.

وأما إجراؤه بنحو مفاد كان الناقصة.

فقد قال المحقّق العراقي والمحقق الأصفهاني والمحقق النائيني والسيد الأستاذ، وغيرهم: بأنه لا يجري هذا الاستصحاب. يعني: لا يمكن أن أشير إلى هذه القطعة من الزمان، وأقول: (كان فجراً والآن كما كان)؛ لأنه ليس له حالة سابقة. فإن هذه القطعة من الزمان، منذ وجدت هي إما فجر وإما ليست بفجر. 

ولكنّ التحقيق: أن هذا الاستصحاب أيضاً يمكن تصويره في المقام في مفاد (كان) الناقصة. 

وذلك: أنني تارةً أشير إلى القطعة الزمانية التي أشكّ في كونها فجراً وعدمه، فأقول: (هذه كانت فجراً)، لا يمكن. ولكن لماذا لا أصنع شيئاً آخر، 

ـــــــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهو: أننا بعد أن عرفنا أن هناك خطوط زمانية لها وحدة عرفية، ولولاها لم يكن بالإمكان أن نستصحبها بمفاد (كان) التامّة.

فإذا شككت أن هذا الزمان فجر أو ليس بفجر، فلأُشير إلى خطّ زماني أوسع من الفجر، هو خطّ النهار، الذي يكون الفجر جزءاً من أجزائه. فأقول: (هذا الخطّ النهاري الذي أعيشه فعلاً، كان فجراً ولا يزال فجراً). فأنا أثبت الحالة السابقة الفجرية لا لهذه الدقيقة بالذات، حتى يقال: إنه من قال إنها كانت فجراً. بل أثبت(1) حالة الفجرية للخطّ الزماني الأوسع الذي يكون الفجر جزءاً منه. فأقول: (إنه كان فجراً ولا يزال(2) فجراً).

وإلّا لو لم يصدق أنه كان فجراً، لكان معنى هذا أن النهار ليس له وحدة عرفية، وحينئذ لا يمكن جريان الاستصحاب بنحو مفاد (كان) التامّة أيضاً. 

فبحسب الحقيقة لا نتعقّل إمكانية التفكيك بين نكتة جريان الاستصحاب بين مفاد (كان) التامّة، ونكتته بنحو مفاد (كان) الناقصة. بعد الاعتراف أن هناك خطاً زمانياً لها وحدة عرفية. 

إذن فالاستصحاب في الزمان كما يجري في مفاد (كان) التامّة، يجري في مفاد كان الناقصة. 

هذا هو الكلام في الجهة الأولى، وهي أصل جريان الاستصحاب في الزمان.

 ـــــــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــــ

() فأنا أثبت فجرية النهار الفعلي لا فجرية الآن الفعلي. (منه). (المقرِّر).

(2) فأثبت فجرية هذا النهار الموجود فعلاً. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [دفع شبهة عدم جريان الاستصحاب بمفاد (كان) التامّة]

الإشكال على جريان الاستصحاب بمفاد (كان) التامّة عليه جوابان(1)

[الوجه الأوّل]: دعوى الوحدة العرفية. 

وهناك أربعة احتمالات في وضع ألفاظ الزمان:

[الاحتمال الأول]: الاشتراك اللفظي.

[الاحتمال] الثاني: الاشتراك المعنوي.

وكِلاهما مدفوع بالضرورة(2) العرفية. 

[الاحتمال] الثالث: أن يكون اللفظ موضوعاً للمجموع المركّب من الآنات، بحيث لا يستكمل وجوده إلّا بتحقّق تمام هذه الآنات، كلفظ (البيت) الموضوع للمجموع المركّب من المرافق، بحيث لا يستكمل وجوده إلّا بوجود تمام الأجزاء، وإلّا لم يصدق عليه أنه بيت. 

الضرورة الاستعمالية للعرف تنفي أن يكون النهار كذلك. إذ لو كان من هذا القبيل لوجب أن لا يصدق قولنا: (إننا في النهار) أو (وجد النهار)، إلّا بعد أن توجد تمام أجزائه. مع أنه يصدق بالضرورة أنه وجد النهار. إذن فهذا الاحتمال ساقط. 

ـــــــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــــ

() أعاد السيّد بالتفصيل جملة مما سبق أن ذكره، وبعد أن ذكر الإشكال على جريان الاستصحاب بمفاد (كان) التامّة…  (المقرِّر).

(2) فإنه يلزم منها: أنه إذا انتهى الجزء الأوّل يقال: انتهى نهار. مع أنه غير صحيح. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاحتمال الرابع: أن تكون كلمة (النهار) موضوعة للمجموع المركّب من هذه الأجزاء، بحيث يكون كلّ آن جزءاً من النهار، -لا نهاراً مستقلّاً -، لكنّه سنخ جزء بحيث إنه في حين وجود هذا الجزء، يكون وجود الكلّ بوجود هذا الجزء: فيكون وجود النهار في الساعة الأولى بالساعة الأولى، وبالساعة الثانية بها، وهكذا. وهذا هو معنى أن وجوده تجدّدي تصرّمي، وأنه متغيّر بحسب طبعه؛ لأن وجوده في كلّ آنٍ يكون ضمن جزء.

فهذا الجزء يختلف عن أجزاء المركّبات الجامدة، كأجزاء البيت، فإنه ليس الأمر فيها هكذا، فإنه ليس وجود البيت بتمامه هو بوجود هذه الغرفة. بخلاف المركّبات الحركية، فإن تمام وجود المركّب الحركي بوجود هذا الجزء(1)

الوجه الثاني: لدفع الإشكال: 

أنه مع التنزّل عن الوحدة العرفية للزمان، يقال: بأن النهار واحد بالاتّصال عقلاً بالبرهان. فإننا نبرهن ببراهين استحالة الجزء الذي لا يتجزّأ، 

ـــــــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: حول الضرورة الملجئة إلى هذا الافتراض: لا يمكن أن تقول: إن البيت وجد إلّا إذا وجدت تمام مرافقه. بخلاف المركّب الحركي، فإنه يصدق وجوده بوجود بعض أجزاء. ففي الساعة الأولى يقال: إن النهار موجود وهويته متحقّقة، لا أن جزء النهار موجود. بخلاف البيت فإنه لا يصدق أنه وجد بوجود الغرفة.

وهذا هو معنى ما نقول من الوحدة العرفية للخطوط الزمانية، التي هي موضوع دليل الاستصحاب. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

على أنه متّصل وعلى أن الاتّصال مساوق(1) للوحدة.

وهذا بحسب الحقيقة معناه: أن الشيء الذي ادّعينا في الوجه الأوّل أنه ارتكازي وعرفي، نقول: إنه ثابت بالبرهان. 

وأما أن هذا الوجه هل يفيد في جريان الاستصحاب أو لا؟!

تحقيق ذلك: أن العرف -الذي فرضنا عدم الوحدة في نظره-:

تارةً: نفرض أنه يوجد في ذهنه ارتكاز عدم الوحدة والتعدّد، بالرغم من البرهان القائم على الوحدة.

وأخرى: يفرض أن العرف ليس له تصرّف تشريعي ونظر تقطيعي في هذا الباب، غاية الأمر حيث إن هذا الواحد دقيق جداً، فالعرف لم يدرك وجوده، لا أن له نظراً تشريعياً في تقطيعه. فإن كثيراً من الأمور الواقعية لا يدركها العرف لدقّتها. 

فإن كان من قبيل الأوّل، فإن الاستصحاب لا يجري؛ لأن النظر التشريعي للعرف محكم في دليل الاستصحاب، على ما يأتي في بحث الشكّ في بقاء الموضوع. 

وإن كان من قبيل الثاني، فيجري الاستصحاب؛ لأنه لا يعتبر فيه أن يكون جارياً في وجود يلتفت العرف إلى وجوده. بل جملة من الأشياء لا يلتفت العرف لوجودها لدقّتها، وإثباتها بالبرهان. ومع هذا يكون الاستصحاب 

ـــــــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــــ

() فهنا أمر واحد محفوظ في ضمن هذه التجدّدات له حدوث وبقاء، فيستصحب (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

جارياً. كما لو أثبتنا بالبرهان وجود ملك مخصوص، وكان له أثر شرعي، وشككنا في بقائه، فنستصحبه. 

[مناقشة جواب صاحب الكفاية عن الشبهة]

إن(1) الحكماء وإن قسّموا الحركة إلى هذين القسمين، ولكنّهم لم يكونوا يريدون من ذلك: أن هناك فردين من الحركة، أحدهما قارّ وهو التوسّطية، والآخر متجدّد متغيّر وهو الحركة القطعية. بل مرادهم اختلاف نحو التصوّر والمفهوم المنتزع. وذلك: أن هذا الموجود الواحد المتطوّر الذي نسمّيه بالحركة، تارةً ننتزع منه مفهوماً تكون نسبته إلى كلّ جزء من أجزاء هذه الحركة، نسبة الكلّ إلى الجزء، فيسمّونه بالحركة القطعية. من قبيل الخطّ الوهمي الذي يرسمه الخيال حينما نرى قطرة من المطر تنزل إلى الأرض. 

وأخرى نُخطر في الذهن مفهوماً تكون نسبته إلى الواقع المتطوّر نسبة الكلّي إلى الجزئي، وهو مفهوم الكون بين المبدأ والمنتهى. وكلّ تنزّل من تنزّلات القطرة هو كون بين المبدأ والمنتهى. 

فليس هناك واقعان للحركة، بل هناك واقع واحد، وفي عالم الذهن هناك مفهومان(2)

ـــــــــــــــــــــــــ[307]ــــــــــــــــــــــ

() تعرّض السيّد –في تكرار مفصّل– لكلام صاحب (الكفاية) في جوابه على شبهة عدم جريان الاستصحاب في مفاد (كان) التامّة. وتعرّض للحركة القطعية والتوسّطية، وقال في جوابه: إن الحكماء… (المقرِّر).

(2) ثُمّ استمر السيّد في مناقشة الآخوند كما سبق. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [حاصل المقصود من التفصيل في الوجه الثاني] 

وحاصل المقصود من التفصيل(1): أنه تارةً أن البرهان العقلي يثبت وجوداً، لا يمكن للعرف أن يثبته، لكن لو ثبت عنده لصدق بوحدته. من قبيل مثال الملك الذي ذكرناه، فإنه على تقدير وجوده لا يشكّ العرف في وحدته. 

في مثل ذلك لا إشكال في جريان الاستصحاب؛ فلذا لو ثبت لنا وجود ملك بالبرهان العقلي، وشككنا في موته وبقائه، وكان لبقائه أثر شرعي فإنه يجري الاستصحاب. 

وأخرى يفرض أن الخصومة بين العقل والعرف في أن هذا الوجود واحد أو اثنان. فهنا لا يكون النظر العقلي حجّة في مقابل النظر العرفي، بل المحكّم هو النظر العرفي. وإن(2) كان العرف شاكّاً فيكون دليل الاستصحاب مجملاً.

إذن ففي المقام، إذا فرض أننا ندّعي الوحدة العقلية، بمعنى أننا نثبت بالبرهان حركة توسّطية، لا يدرك العرف وجودها، فنحن نثبته بالبرهان، فيدرك العرف الوحدة فيها. فهذا يجري فيه الاستصحاب كمثال الملك. 

وإن كنّا نريد بالبرهان العقلي: أن نفس هذه الحدوثات التي تتشكّل منها الحركة القطعية -وهي ليست واحدة في نظر العرف على الفرض- هي واحدة عقلاً؛ فهذا لا يفيد. 

ـــــــــــــــــــــــــ[308]ــــــــــــــــــــــ

() ثُمّ عنون الوجه الأخير لمحاضرة أمس، وهو (وحدة الزمان ببرهان الجزء الذي لا يتجزأ)، ثُمّ ذكر أنه هل يجزي في جريان الاستصحاب أو لا؟ فذكر: أنه قد فصّلنا بالأمس… (المقرِّر).

(2) هذا جواب عن سؤال. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

هذا هو تما م الكلام في استصحاب الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة. وقد تحقّق جريانه فيها. 

[حول عدم جريان الاستصحاب بمفاد (كان) الناقصة]

وأما جريانه بنحو مفاد (كان) الناقصة. فإنهم ذهبوا إلى عدم جريانه لإثبات نهارية هذا الآن(1). ونذكر في وجه ذلك ما كنّا قد ذكره سابقاً بشكل جديد. 

وحاصله: أنكم هل تريدون أن تثبتوا نهارية هذا الزمان باستصحاب مفاد (كان) الناقصة؟ فهذا غير ممكن؛ لأنه فرع أن نكون على يقين من مفاد (كان) الناقصة، ونحن لم نكن على يقين من أن هذا الآن نهار أو لا، منذ خلق. وإن كنتم تريدون إثبات نهارية هذا الزمان باستصحاب مفاد (كان) التامّة، فهذا من الأصل المثبت. كمثال (الرسائل): استصحاب بقاء الكرّ في الغرفة لإثبات كرّية هذا الماء الموجود.

ونحن قلنا بأن الصحيح هو جريان الاستصحاب في مفاد (كان) الناقصة، لأجل إثبات هذا المفاد(2)

وقد رأيت(3) اليوم في تقريرات المحقّق العراقي فرأيت أنه يختار جريان الاستصحاب لإثبات مفاد (كان) الناقصة بعين التقريب الذي نحن 

ـــــــــــــــــــــــــ[309]ــــــــــــــــــــــ

() وذكر في وجه ذلك ما كان قد ذكره سابقاً بشكل جديد. حاصله:… (المقرِّر).

() وشرحه كما سبق فراجع. (المقرِّر).

() ثُمّ قال: وقد رأيت… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

قلناه. وكأنه عدل عما كان يقول في (المقالات). وما كنت أنسبه إلى المحقّق العراقي كان باعتبار (المقالات). 

هذا تمام الكلام في جريان الاستصحاب في الزمان. 

الجهة الثانية: إن استصحاب الزمان متى يفيد ومتى لا يفيد؟

تارةً يفرض: أن الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة، قد أُخذ بنفسه موضوعاً أو جزء الموضوع لحكم شرعي. كما إذا قيل: (إذا باحث فلان وكان النهار موجوداً فتصدّق). فلا إشكال في أنه يجري الاستصحاب لإثبات هذا الأثر الشرعي. 

أو يفرض: أن وجود النهار بنحو مفاد كان الناقصة وهو نهارية هذا الزمان، أُخذ موضوعاً أو جزء الموضوع لحكم شرعي، فهنا أيضاً لا إشكال في جريان الاستصحاب بناءً على ما ذهبنا إليه من إمكان إثبات مفاد (كان) الناقصة بالاستصحاب. كما لو قال الشارع: (إذا كان الزمان نهاراً فتصدّق). 

نعم، على مسلك (التقريرات) و(المقالات) وغيرهم، لا يمكن إثباته بالاستصحاب. 

وأخرى: يؤخذ الزمان قيداً للموضوع إما بنحو مفاد (كان) التامّة أو الناقصة. كما لو قال: (إذا باحث فلان في النهار فتصدّق). يعني: بحثاً مقيّداً في النهار، أو بحثاً مقيّداً بنهارية الزمان الذي يباحث فيه. ويكون موضوع الأثر هو المقيّد بما هو مقيّد.

في مثل ذلك لا ينفع إجراء الاستصحاب في الزمان، لا بنحو مفاد (كان) 

ـــــــــــــــــــــــــ[310]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التامّة ولا بنحو مفاد (كان) الناقصة. وذلك: لأننا قرأنا في بحث الصحيح والأعم من (الكفاية): أن المقيّد إذا كان موضوعاً للأثر، فيكون الموضوع مركّباً من جزأين تحليليّين: وهما ذات المقيّد والتقيّد. وفي المقام: استصحاب ذات القيد لا يثبت التقيّد إلّا بالملازمة العقلية. 

وهذا هو الفرق بين ما إذا أُخذ الزمان بنفسه جزءاً للموضوع أو تمام الموضوع، فإن استصحاب الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة أو الناقصة، ليس مثبتاً. بينما إذا أُخذ قيداً للموضوع، وكان الداخل في الموضوع هو التقيّد مع خروج القيد. فاستصحاب القيد لإثبات القيد لا يمكن أن يكون إلّا بالملازمة العقلية، فيكون من الأصول المثبتة. 

وبهذا تمّ الكلام عن استصحاب الزمان. وبقي الكلام في استصحاب الزمانيات.

المقام الثاني(1): استصحاب الزمانيات

المقام الثاني وهو استصحاب الأشياء التي طبعها طبع الزمان، كالحركة والمشي والكنس والغسل والكلام والخطابة. 

تحقيق الكلام في ذلك: أن ميزان جريان الاستصحاب -كما مرّ- هو الوحدة في نظر العرف التي تكون منشأً لصدق عنوان الشكّ في البقاء الذي أُخذ في موضوع دليل الاستصحاب. 

ـــــــــــــــــــــــــ[311]ــــــــــــــــــــــ

() بحسب التقسيم الأولي هذا هو القسم الثاني.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مناشئ الوحدة العرفية

والوحدة في نظر العرف لها عدة مناشئ: 

المنشأ الأوّل: هو الثبات، وهو الذي يتصوّر في عالم الأمور القارّة غير الحركية، كحالة الثبات في (زيد) و(عمرو)، وغيرهما من الجواهر والأعراض، فإنها تكون ملاكاً للوحدة، عرفاً وعقلاً. 

المنشأ الثاني: الاتّصال الحقيقي، إذ يكون هناك حدوثات متدرّجة متغيرّة، وليس هناك شيء ثابت. لكن هذه الحدوثات متّصلة اتّصالاً حقيقياً، لم يتخلّل بينها آنات عدمية. فهذا الاتّصال يكون ملاكاً للوحدة عرفاً وعقلاً، -كما عرفنا في الزمان-. فإنه يكون الحدوث الثاني بقاءً للحدوث الأوّل بلحاظ هذه الوحدة؛ فيجري الاستصحاب. 

المنشأ الثالث: الاتّصال بنظر عرفي غير مطابق للواقع. وذلك: كما لو فرضنا أن هناك حركة يتخلّلها آنات ووقوف. ولكنّها حيث إنها في غاية الضآلة وحجمها الزماني صغير جداً، بحيث إن العرف لا يدرك الوقفات، فيرى كأنّ هذه الحركة لم تتوقّف ولا في آن. فهو بنظره السطحي ينكر وجود آنٍ عدمي متخلّل. 

مثلاً في عقارب الساعة بناء على أن العقرب يتخلّل حركته الدائرية وقفات في الأثناء، غاية الأمر أنها في غاية الضآلة. فهو بالدقة العلمية قفزات وبالنظر العرفي يرى أنه يتحرك حركة دائرية. 

في مثل ذلك، يكون الاتّصال في نظر العرف موجوداً بنظر غير مطابق 

ـــــــــــــــــــــــــ[312]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

للواقع، فيكون عنوان (نقض اليقين بالشكّ) صادقاً بحسب نظره. والمفروض أن نظره هو المحكّم في دليل الاستصحاب. 

المنشأ الرابع: للوحدة في نظر العرف، أن تكون الآنات العدمية ليست ضئيلة بحيث لا يدركها العرف. بل هو لا يستطيع -مهما كان بسيطاً وسطحياً- أن لا يدرك هذه الوقفات. لكن العرف يغطّي هذه الآنات بتوسعته لدائرة المفهوم، فيجعل الآنات العدمية -مع التفاته إليها- جزءاً من المفهوم.

مثاله الخطابة، فإنه يتخلّل كلام الخطيب فواصل عدمية، يسكت فيها ويجدّد فيها نفَسه. وهي ليست قصيرة بحيث لا يراها العرف موجودة، بل يلتفت إلى وجودها. لكنّه يغطّيه بتوسعة المفهوم -مفهوم الخطبة-، والعرف هو المحكّم في عالم المفاهيم للألفاظ. فله أن يوسّع مفهوم الخطابة إلى مجموع الزمان، ويقول: (إنه خطب نصف ساعة)، مع أن عشر دقائق من الوقت كان سكوتاً. فيقال: بأنه في تمام الآنات كان في خطابة واحدة، وبذلك يجري الاستصحاب.

وفرق هذا القسم عن الذي قبله، أنه هناك لا يقبل العرف صغرى الآن العدمي، وأنه هناك آن عدمي يتخلّل حركة عقرب الساعة، وعدم قبول الصغرى عرفاً وحده كافٍ لإيصال الأصولي إلى فرضه، وهو جريان الاستصحاب، سواء قيل بأن عدم قبول العرف لهذه الصغرى أوجب توسعة في دائرة المفهوم أو لا. وأما في القسم الرابع فالعرف لا ينكر الصغرى، ولكنّه يعالج هذا المطلب عن طريق صلاحياته في توسعة المفهوم، بحيث يجعل العدم جزءاً من الخطبة. 

ـــــــــــــــــــــــــ[313]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فهذه أربعة مناشئ، وفيها لا إشكال في جريان الاستصحاب لتمامية أركانه. 

المنشأ الخامس: وهو ما إذا تكرّر عمل معيّن بنحو رتيب متعاقب، ولو مع فواصل زمنية معترف بها عرفاً، ومعترف بخروجها عن ماهيّة ذلك العمل عرفاً. لكنّ مع هذا كثيراً ما يتّفق -كثيراً ما يعتبر- وينشئ وجود أمر وحداني مستمرّ، فكأنّ هذا الوجود الواحد يتقطّع. 

من قبيل: أن الإنسان يباحث في كلّ يوم (الأصول)، إلى أشهر أو سنين، ثُمّ شككنا في أنه قطع بحثه أو لا. فقد تكرّر البحث بنحو رتيب -بنحو العادة-، بفواصل زمانية كبيرة بين أجزائه، فإنه يباحث في اليوم نصف ساعة. لا هي فواصل مغفول عنها عرفاً، ولا فواصل مغطّاة بمفهوم واحد كما كان في الخطابة، من باب الضآلة النسبية في فواصلها، فكأنّها تعتبر خطابة بالتبع، بل إن هذه الفواصل في هذا القسم أكبر من مدّة البحث، فلا تكون نكتة التبعية موجودة ليعتبر هذا زمان بحث. 

لكن مع هذا يمكن أن يقال: إن العرف ينتزع أمراً واحداً له حدوث وله بقاء، وإن لم يكن له وجود في الواقع الخارجي، إذ -في الواقع الخارجي- تخلّل العدم مساوق مع التعدّد والكثرة عقلاً، ولا معنى لأن يكون شيء واحد يتقطّع وجوده ويتخلّل العدم بينه. ولكنّه غير مساوق للتعدّد عرفاً، فيعتبر هنا شيء واحد له حدوث وبقاء. ومن هنا يقال: لا يزال يباحث ولا يزال بحثه باقياً كما كان. 

ـــــــــــــــــــــــــ[314]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

والارتكاز الموجود في أصل قاعدة الاستصحاب، لا يفرّق فيه بحسب الوجدان بين هذا النحو من الأمور والأمور الأخرى. فهذا الارتكاز الذي يجعل من يخرج من بيته يرجع إليه، استصحاباً له، يجعله أيضاً يذهب إلى نفس البحث الذي ذهب إليه بالأمس، باعتبار استصحاب بقائه. 

إذن فهذه نحو من الوحدة، ولكنّها وحدة ينتزعها أو ينشئها العرف ويخلقها. وحيث إن النظر العرفي هو المحكّم في دليل الاستصحاب فأيضاً لا بأس بجريانه في مثل ذلك. فإذا شكّ في شخص أنه ترك الصلاة أو لا، وكان هناك أثر شرعي لعنوان أنه لا يزال يصلي، فيستصحب.

[شبهة المعارضة في المقام]

نعم، هناك شبهة واحدة يمكن أن تخطر على البال في هذا المنشأ الخامس غير موجودة في الأربعة السابقة، وهي دعوى: أن الاستصحاب هنا معارَض باستصحاب أنه لم يباحث، فإني أعلم في هذا اليوم عند طلوع الفجر أنه لم يكن مشغولاً بالبحث فاستصحب عدم اشتغاله بالبحث. 

فأنا إذا نظرت إلى بحث هذا اليوم بما هو بقاء وامتداد لتاريخٍ فيكون له حدوث وبقاء، وأخرى أنظر إليه بلحاظ حوادث هذا اليوم، فهو مسبوق بالعدم. فقد يتخيّل المعارضة بين الاستصحابين. 

ولكن هذه المعارضة غير تامّة؛ لِما أشرنا إليه في بعض الأبحاث السابقة، من أنه فيما إذا كان للشيء حالة سابقة وهي العدم، وكانت الحالة السابقة
-بحسب النظر العرفي- لها حالة سابقة وهي الانتقاض. وهذا سمّيناه 

ـــــــــــــــــــــــــ[315]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بالتركيب بين الحالتين السابقتين. وأن العرف يطبّق دليل الاستصحاب على آخر الحالتين السابقتين، يعني يعتبر أن حالته السابقة ليس هو أن لا يباحث، بل أن ينقض -في كلّ يوم- لا بحثه بالبحث. فإنه في كلّ يوم كان عند الفجر لا يباحث، ثُمّ ينتقض ذلك العدم بالبحث. فالعرف يرى أن الحالة السابقة هي انتقاض ذلك العدم لا العدم نفسه.

وهذا -بحسب الحقيقة- دعوى تطبيق ارتكازي من قبل العرف لدليل الاستصحاب، بحيث إنه يطبّق على هذه الحالة السابقة دون تلك. ولهذا أشرنا قبل قليل بأن الطبع العقلائي في مثل هذه الموارد على استصحاب البحث لا على استصحاب عدمه. فبضميمة هذا الارتكاز تبطل المعارضة بين الاستصحابين. 

وعليه فالظاهر جريان الاستصحاب في تمام هذه الأقسام الخمسة لمناشئ الوحدة العرفية. 

هذا تمام ما ينبغي من كلام في المقام الثاني.

*****

وفي هذا المقام ذكرنا مناشئ خمسة للوحدة العرفية التي هي المناط في جريان الاستصحاب، وهي المحكّمة لأجل تمييز ما يجري فيه قيد الاستصحاب ويندفع فيه إشكال: أن الشكّ في الحدوث دائماً، وما لا يجري فيه ولا يندفع فيه الإشكال. ومن هنا كان الأفضل تقديم هذه المناشئ وذكرها في أوّل التنبيه. 

ـــــــــــــــــــــــــ[316]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

نعم، قد يفرض(1) أن هذه الوحدة تختلّ لا من حيث الجهة التي عقد هذا التنبيه من أجلها، وهو كون طبع الشيء هو التدرّج والحدوث، بل تختلّ بلحاظ نكتة أخرى. فهذه المناشئ للوحدة العرفية قد تبطل بلحاظ نكتة من النكات التي يلحظها العرف. 

كما لو فرض أنه تغيّر العنوان، فإن تغيّره -ببعض مراتبه- يكون موجباً لزوال الوحدة بالنظر العرفي لبطلان منشئه بذلك النظر، كما لو فرض أن الشخص كان يتكلم خطابة، ثُمّ علم بانتهاء الخطابة، لكن احتمل بقاؤه يتكلّم قرآناً. فهنا قد يكون الفاصل بين الخطابة وقراءة القرآن أيضاً قصيراً جداً بمقدار الفاصل بين جملة وجملة. لكن حيث إنه تبدّل العنوان، فيُرى كأنّ هذا كلام آخر. فاستصحاب الكلام هنا لا يجري -بنحو استصحاب الشخص-؛ لأن تغيّر العنوان يوجب نفي الاتّصال العرفي. في مثل ذلك لا يجري استصحاب الكلام؛ لأنه يكون من القسم الثالث من الكلّي، ولا يكون من استصحاب الشخص. 

وأما إذا لم يطرأ تغيّر عنوان بحيث يوجب توقّف العرف في ادّعاء الاتّصال والوحدة، فلا بأس بجريان الاستصحاب.

هذا هو تمام الكلام في المقام الثاني.

ـــــــــــــــــــــــــ[317]ــــــــــــــــــــــ

() وثُمّ لخّص السيّد فكرة الوحدة العرفية بالملاكات المتقدمة لِما كان من قبيل الزمان في التدرج كما سبق، ثُمّ قال: نعم، قد يفرض… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المقام الثالث(1): الفعل المقيد بالزمان 

المقام الثالث هو الفصل المقيد بالزمان، يعني: الأمر القارّ بطبيعته إذا قيّد بالزمان وعلّق عليه -كالجلوس المقيّد بالزمان- كالجلوس في النهار. فهل يكتسب هذا الأمر القارّ باعتبار تقيّده بالزمان، محذوراً في جريان الاستصحاب أو لا؟

الصحيح: أن نفس المحذور المتوهّم في المقامين السابقين يجري في المقام أيضاً، بحيث لو لم يمكن الجواب عليه هناك، لأشكل جريان الاستصحاب في المقام أيضاً. إلّا أن نفس الجواب أيضاً يأتي.

توضيح ذلك: أن الجلوس النهاري يستبطن لا محالة التقيّد بالنهار. فإذا فرضنا أن النهار ليس أمراً وحدانياً له حدوث وبقاء -كما كان يقول المستشكل في المقام الأوّل- إذن فالتقيّد بالنهار عبارة عن التقيّد بالقطعات المتعدّدة. وليس التقيّد بالنهار تقيّداً واحداً؛ لأن النهار ليس شيئاً واحداً. فكلّ حدوث من الحدوثات المتعاقبة يكون طرفاً لتقيّد مستقلّ، ويكون التقيّد بهذا الحدوث فرداً مبايناً للتقيّد بالحدوث الآخر. فإذا شكّ بأن الجلوس هل بقي جلوساً نهارياً أو لا، فلا يمكن استصحاب الجلوس النهاري؛ لأن الجلوس المقيّد بالقطعة الأولى من النهار معلوم الارتفاع، والجلوس المقيّد بالقطعة الثانية منه مشكوك الحدوث. فيسري نفس الإشكال إلى الفعل المقيّد بالزمان بعد فرض إنكار وحدته. 

ـــــــــــــــــــــــــ[318]ــــــــــــــــــــــ

(1) بحسب التقسيم الأولي هذا هو المقام الثاني.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إذن فلا بُدّ في دفع ذلك من ضمّ دعوى الوحدة العُرفية للنهار. وهو ما أجيب به في المقام الأوّل. فالنهار مفهوم واحد، والتقيّد به تقيّد واحد. فكما أن النهار له حدوث وبقاء، فكذلك التقيّد به. فالجلوس المقيّد بالنهار بما هو مقيّد به له حدوث وبقاء، فيمكن استصحابه لو ترتّب عليه أثر شرعي. 

نعم، يتوقف جريان الاستصحاب على أمرين: 

الأمر الأوّل: أن الشارع لا يلحظ النهار مجزّأً في مقام التقييد، بل يلحظه بما هو أمر وحداني ممتدّ، ويقيّد الجلوس به. وأما إذا قطع النهار، ولاحظ ساعاته
-مثلاً- بما هي ساعات، وقيّد الجلوس بها. فلا محالة أنه يكون حينئذٍ حصص متعدّدة متباينة من التقيّدات، فلا يمكن جريان الاستصحاب. 

إذن فجريانه يتوقّف على أن يكون التقييد من قبل المولى، جارياً على طبق الوحدة المفروضة للنهار. وأما إذا كان جارياً على طبع تقطيعي، فحينئذٍ لا يجري الاستصحاب. 

الأمر الثاني: الشرط الثاني لجريان الاستصحاب، أن يكون المقيّد قد وجد مقيّداً بزمان، ثُمّ يشكّ بعد هذا في بقائه. بأن يفرض أن الجلوس في النهار قد وجد، وبعده شكّ -لأجل الشكّ في بقاء النهار وعدمه- أن الجلوس في النهار باقٍ أو لا. فيجري الاستصحاب حينئذٍ بالتقريب السابق. 

وأما إذا فرضنا أن الجلوس لم يوجد حتى الآن، والآن يراد معرفة أنه هل يوجد أو لا، كما لو فرض أن الصلاة لم تكن موجودة، والآن نريد أن نثبت أن الصلاة في النهار؟

ـــــــــــــــــــــــــ[319]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

هنا لا يجري الاستصحاب إلّا بنحو الاستصحاب التعليقي، بأن يقال بأن هذا المؤمن لو كان قد صلّى قبل ساعة لكانت صلاته صلاة نهارية، فيستصحب ذلك إلى هذا الحين. ولكن الاستصحاب التعليقي هنا لا يجري، حتى لو بني على جريانه في الأحكام، فإنه استصحاب تعليقي، في الأمور التكوينية، وهو فيه نكتة زائدة تقتضي عدم جريانه على ما يأتي تفصيله في تنبيه الاستصحاب التعليقي. 

ففي ضمن هذين الأمرين يجري الاستصحاب في الفعل المقيّد بالزمان. 

والغريب أنه مع كون هذا التنبيه عُقد لأجل علاج هذه المشكلة الأساسية، وهي: أن الحدوث تلو الحدوث كيف يتصوّر فيه شكّ في البقاء؟ حينما ورد الآغايون إلى المقام الثالث لم يتعرّضوا إلى علاج هذه المشكلة، وإنما عولج هنا مطلب آخر، هو بحسب الحقيقة تطبيق من تطبيقات الكبرى التي بيّنت في المقام الأوّل.

هذا هو تمام الكلام في المقامات الثلاثة. 

تطبيق فقهي للكبريات المحقّقة

وبعدها نأتي إلى تطبيق فقهي للكبريات المحقّقة في المقامات الثلاثة. وهو: فيما إذا أُخذ الزمان قيداً في دليل الواجب، فهل يجري الاستصحاب أو لا؟ 

هذا الفرع نقسّمه منذ البدء إلى الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية، والموضوعية هي التطبيق الحقيقي للكبريات التي فرغنا عنها، ثُمّ نتكلّم في الحكمية. 

ـــــــــــــــــــــــــ[320]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التطبيق الفقهي للكُبريات بنحو الشبهة الموضوعية

وفي الشبهة الموضوعية أيضاً نقسّم الزمان المأخوذ في دليل الواجب: بين أن يكون مأخوذاً في طرف الوجوب، وبين أن يكون مأخوذاً في طرف الواجب.

فالأوّل: كقوله: (إذا وجد النهار فتصدّق)، أو (إذا كان الزمان نهاراً فتصدّق). فقد أصبح الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة أو الناقصة قيداً للوجوب. 

والثاني: كقوله: (صلّ في النهار) أو (حين النهار) أو (صلّ مع نهارية الزمان الذي تقع فيه الصلاة). فقد أُخذ الزمان بأحد النحوين قيداً في الواجب. 

فيقع الكلام أوّلاً في الزمان المأخوذ في الوجوب، ثُمّ يقع بعد ذلك في الزمان المأخوذ في الواجب. 

الجهة الأولى: إذا أُخِذَ الزمان في موضوع الوجوب 

أما الزمان المأخوذ في الوجوب، فتارةً يؤخذ بنحو مفاد (كان) التامّة، وأخرى بنحو مفاد (كان) الناقصة، كالمثالين السابقين. 

وقد وقع في تقريرات المحقّق النائيني خلط، أو لعلّه اختلاف في الاصطلاح. وذلك لأنه لم يتعقّل أخذ مفاد (كان) الناقصة في الزمان قيداً في الوجوب. وقال: بأن قيد الوجوب يكون دائماً هو الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة. وذلك: لأن الزمان بنحو مفاد (كان) الناقصة معناه وقوع الصلاة في 

ـــــــــــــــــــــــــ[321]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

النهار، وهذا لا معنى لأن يؤخذ قيداً في وجوب الصلاة(1)، لكونه تحصيلاً للحاصل. إذن فلا بُدّ أن يؤخذ هذا قيداً في الواجب لا في الوجوب(2)

وجواب هذا الكلام: أن اصطلاح الناس في أخذ الزمان بنحو مفاد (كان) الناقصة هو الصلاة في النهار، فإن هذا هو مفاد (كان) التامّة، غاية الأمر أنه أُخذ قيداً في الواجب. وإنما معنى مفاد (كان) الناقصة هو كون هذا الزمان نهاراً. وهذا أمر واقعي قد يؤخذ قيداً للوجوب، وقد يؤخذ قيداً للواجب. فالوجوب كما يتصوّر تقييداً بأن يكون هناك نهار -يعني: مفاد (كان) التامّة – كذلك يتصوّر تقييداً بأن يكون الزمان الفعلي نهاراً، وهو مفاد (كان) الناقصة. فكِلا الأمرين معقول في طرف الوجوب ولا يختصّ طرفه بمفاد (كان) التامّة.

*****

أنه بعد(3) تمامية الكبريات في المقامات السابقة نرى أنه متى يكون إثبات الاستصحاب للأثر الشرعي صحيحاً، ومتى يكون إثباته للأثر الشرعي مبنياً على الأصل المثبت. فهذا تطبيق مربوط بهذه الكبريات من طرف، وبتنبيه الأصل المثبت من طرف آخر. 

ثُمّ حين استوعب السيّد للأقسام قال: 

أما الجهة الأولى: وهو الزمان المأخوذ في طرف الوجوب، سواء كان 

ـــــــــــــــــــــــــ[322]ــــــــــــــــــــــ

() بأن يقال: إذا وقعت الصلاة في النهار فصلِّ. (منه). (المقرِّر).

(2) فلا بُدّ أن يؤخذ هذا متعلّقاً للوجوب لا قيداً له (منه). (المقرِّر).

(3) عنون السيّد مسألة التطبيق الذي ذكروه، وذكر أنه… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مأخوذاً بنحو مفاد (كان) التامّة كقوله: (إذا وجد النهار فتصدقّ)، أو مأخوذاً بنحو مفاد (كان) الناقصة كقوله: (إذا كان الزمان نهاراً فتصدّق). وكِلا الأمرين معقول، خلافاً للمحقق النائيني كما سبق إيضاحه. 

وحينئذٍ، فتارةً يفرض أن الزمان مأخوذ بحسب لسان دليله، والتصوّر الأولي فيه مأخوذ بنحو الجزئية في موضوع الوجوب، وذلك: بأن يقول: (إن وجد النهار فتصدّق)، أو يقال: (إن كان الزمان نهاراً فتصدّق). فقد أُخذ الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة أو الناقصة بنفسه في الموضوع على نحو الجزئية، مع فرض وجود جزء آخر، على الأقلّ وجود المكلّف خارجاً. 

بناء عليه يجري الاستصحاب لإثبات هذا الجزء، وهو الزمان، سواء كان مأخوذاً جزءاً بنحو مفاد (كان) التامّة أو الناقصة. أما على الأوّل فواضح؛ لأنه يشكّ في أن النهار موجود أوّلاً، فيستصحب بقاؤه بعد البناء في المقامات السابقة على أن النهار أمر واحد له حدوث وبقاء.

وأما إذا أُخذ الزمان جزءاً بنحو مفاد (كان) الناقصة، فهنا يوجد الإشكال السابق الذي ذكروه، من حيث إن مفاد كان الناقصة ليس له حالة سابقة، لأننا لا ندري أن هذا الزمان كان نهاراً في وقتٍ ما، واستصحاب بقاء النهار بنحو مفاد (كان) التامّة لا يمكن أن نحرز نهارية هذا الزمان، إلّا بناءً على الأصل المثبت.

وقد سبق دفعه، فإننا لا نحرز مفاد (كان) الناقصة باستصحاب مفاد التامّة، بل نفس مفاد (كان) الناقصة له حالة سابقة، فنجري الاستصحاب فيه، 

ـــــــــــــــــــــــــ[323]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فإن الوقت الأوسع من الزمان كان نهاراً، ويشكّ في بقاء نهاريته فيستصحب، على توضيحٍ سبق.

وأما إذا فرض ان الزمان في موضوع الوجوب بنحو الشرطية والقيدية، بأن قال المولى: (ما دام زيد جالساً في النهار فتَصَدَّق)، أو (ما دام جالساً جلوساً مقيّداً بكون الزمان الذي فيه نهاراً فتَصَدَّق)، فقد أُخذ النهار قيداً في الجزء وهو الجلوس، ولم يؤخذ بعنوانه جزءاً.

ففي مثل ذلك، سواء كان الزمان المأخوذ بنحو مفاد (كان) التامّة أو مفاد (كان) الناقصة، يشكل جريان الاستصحاب في الزمان، وذلك: باعتبار أن الزمان حينما يؤخذ قيداً في الموضوع، يكون التقيّد داخلاً في الموضوع والقيد خارجاً، فيكون الداخل في موضوع الوجوب هو تقيّد الجلوس بالنهار لا نفس النهار.

وهذا التقيّد لا يثبت باستصحاب النهار؛ لأن استصحاب القيد لا يثبت التقيّد إلّا بالملازمة، سواء كان بنحو مفاد (كان) التامّة أو بنحو مفاد (كان) الناقصة.

نعم، لو كان الجلوس المقيّد بالنهارية بما هو مقيّد بها، له حالة سابقة، فيستصحب ذلك، يعني المقيّد بما هو مقيّد لا ذات القيد. فإن معنى ذلك أن المقيّد والتقيّد والقيد كلّها تحت اليقين والشكّ فيجري فيها الاستصحاب.

ولكن إذا لم يكن الجلوس معلوماً سابقاً، بل جلس الآن في حين الشكّ ببقاء النهار، ونريد أن نثبت بالاستصحاب أنه جلوس في النهار ليترتّب عليه 

ـــــــــــــــــــــــــ[324]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

حكمه، لا يمكن إثبات التقيّد بإجراء الاستصحاب في القيد، فإنه مبني على الأصل المثبت.

ومن هنا اتّضح أن هذه المثبتية غير المثبتية الأولى التي كانت تُثار حول إثبات الزمان بنحو مفاد (كان) الناقصة، فإن استصحاب بقاء النهار لإثبات نهارية هذا الزمان غير ممكن. فإن تلك المثبتية لو تمّت لمنعت عن جريان الاستصحاب، متى ما أُخذ الزمان بنحو مفاد (كان) الناقصة جزءاً في الموضوع، فإن هذا الجزء لا يمكن إثباته بالاستصحاب، وتلك المثبتية عولجت.

ولكن هنا مثبتية أخرى نشأت من أخذ التقيّد في الموضوع، فإن نفس الزمان سواء كان بنحو مفاد (كان) التامّة أو الناقصة، افرضوه يمكن إثباته بالاستصحاب، لكن إثبات التقيّد بالاستصحاب فيه إشكال المثبتية، وهي مثبتية أخرى غير تلك.

ومن هنا وقع خلط في كلمات المحقّق النائيني، أظنّ أنه نتيجة لغلطه في أصل معنى مفاد (كان) الناقصة. فإنه خلط بين هاتين المثبتيتين، وإنما لا بُدّ من التمييز بينهما(1).

وهذا الإشكال لا جواب عليه، لو تمّ استظهار التقييد من دليل الواجب، وإن المأخوذ في موضوع الوجوب هو الجلوس المقيّد بالزمان، فإنه بناءً عليه لا نعرف جواباً على هذا الإشكال. وحينئذٍ نلتزم بانه في كلّ مورد كان المقّيد بما هو مقيّد مورداً للحالة السابقة فنستصحبه، وفي كلّ مورد لم يكن المقيّد موجوداً في 

ـــــــــــــــــــــــــ[325]ــــــــــــــــــــــ

() ثُمّ كرّر الوجه كما سبق. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

السابق، فاستصحاب ذات القيد لا ينفع لإثبات التقيّد.

لكن عندنا دعوى نوعية، في تمام أدلّة المقيّدات، إلّا ما خرج بدليلٍ عقلي أو نقلي، وهو تحويل المقيّد إلى مركب وتحويل القيود إلى أجزاء، فإذا قال الشارع: (إذا جلس زيد في النهار فتَصَدَّق). فتنحلّ هذه القضيّة القيدية إلى قضيّة تركيبية ذات جزأين، يعني: (إذا جلس زيد في زمان) و(أن يكون ذاك الزمان نهاراً)، فقد أصبح القيد جزءاً مأخوذاً برأسه بنحو مفاد (كان) الناقصة، فيدخل فيما تقدّم من أخذ الزمان بنحو الجزئية، فتكون الصغرى صغرى للجزئية لا للقيدية فيجري الاستصحاب.

ولو لا هذه الدعوى لتعذّر جريان الاستصحاب في كلّ مكان إلّا ما رحم الله. وذلك: لأن الغالب في موضوعات الأدلّة أنها مأخوذة بنحو التقييد لا بنحو التركيب.. بحسب لسانها الأوّلي.

فلو قال المولى: (الغسل بالماء يوجب الطهارة)، فالغسل بالماء بحسب طبعه تقييدي باعتبار (الباء) التي هي معنى حرفي. 

فلو شككنا أن الماء هل بقي على إطلاقه؟ يقول الآغايون: إننا نستصحب بقاءه على المائية، فنغسل به ثبوتاً، فيترتّب على ذلك: الغسل بالماء. مع أن هذا مثبت، فإن هذا الاستصحاب لا يثبت أن هذا الغسل غسل بالماء إلّا بالملازمة العقلية.

فإن الغسل بهذا المائع وجداني، وكون هذا المائع ماءً استصحابي، لكن ثبوت الغسل للماء لا يمكن إثباته إلّا بالملازمة، بالحدّ الأوسط، وهو المائع. 

ـــــــــــــــــــــــــ[326]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهو في عالم القضايا المنطقية وإن كان صحيحاً إلّا أن الصغرى إذا كانت تعبّدية، فلا يمكن أن يستنتج أن ان الغسل وقع بالماء.

وعلاج ذلك: هو القرينة النوعية التي ندّعيها على تحويل المقيّد إلى المركب، ففي المثال يكون الموضوع المركب من جزأين ابتداءً: (الغسل بمائع) و(كون المائع ماءً). والأوّل وجداني والثاني استصحابي. ولا نحتاج إلى أن نعقد علاقة بين الحدّ الأكبر والأصغر، بل هذان مطلبان يكفيان على تفرّدهما.

بناءً على هذا ينحلّ الإشكال انحلالاً صغروياً -يعني: المورد من صغراه-. وأما في مورد يتعذّر علينا إرجاع المقيّد إلى المركب، فنلتزم بعدم إمكان جريان الاستصحاب لإثبات التقيّد.

*****

وبهذا اتّضح وجه(1) النظر فيما أفاده صاحب (الكفاية)، وذلك: أنه ذكر: أنه إذا شكّ في بقاء القيد -وهو الزمان- يمكن أن يُجري استصحابين: استصحاب الزمان، واستصحاب الإمساك أو الجلوس النهاري، بما هو مقيّد، فهو رأى أن كِلا الاستصحابين يجريان على نحوٍ واحد، كِلاهما فيما إذا شكّ في بقاء النهار.

هذا ظهر أنه ليس على طبق الصناعة؛ لأن كُلّاً من الاستصحابين له فرض يخالف فرض الاستصحاب الآخر، لا أنهما يجريان بفرض واحد، فإن الزمان إن فرض أنه أُخذ بما هو قيد لا بما هو جزء، فاستصحاب المقيّد -يعني الإمساك 

ـــــــــــــــــــــــــ[327]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص أوّلاً نتائج ما سبق، ثُمّ قال: وبهذا اتّضح وجه… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

النهاري- يجري، لكن استصحاب الزمان حينئذٍ لا يجري؛ لأنه مثبت، فإنه لا يثبت التقيّد الذي فرض أخذه في موضوع الوجوب.

وإن فرض أن الزمان أُخذ بما هو جزء -لا بما هو قيد-، إذن فاستصحاب الزمان يجري، ولا يكون فيه محذور المثبتية؛ لأنه بنفسه دخيل في محذور الأثر، فإننا لا نريد أن نثبت به التقيّد، ولكن استصحاب المقيّد لا يجري؛ لأن التقيّد ليس له أثر شرعي، وليس مأخوذاً في موضوع الحكم حتى يجري استصحب المقيّد، بما هو مقيّد، بل يجب أن يلتفت إلى الأجزاء بما هي هي ليرى أنه هل يجري فيها الاستصحاب أو لا؟ لا أنه يؤخذ المقيّد على خلاف الجعل الشرعي ويجري استصحابه.

إذن فهذان الاستصحابان ليسا واردين على فرضٍ واحد، بل ينبغي أن يكون أحدهما بلحاظ فرض، والآخر بلحاظ فرض آخر.

هذا هو الكلام فيما إذا أُخِذَ الزمان في موضوع الوجوب.

الجهة الثانية: [إذا أُخذ الزمان في موضوع الواجب]

 الجهة الثانية فيما إذا أُخذ الزمان في طرف الواجب، فقيل: (صلِّ في الفجر). وإن كان لا محالة يكون أخذه في متعلّق الوجوب يلزم أخذه في الوجوب بنحوٍ من الأنحاء، فأمر جريان الاستصحاب هنا في غاية الإشكال، يعني أكثر إشكالاً مما أُخذ الزمان في الوجوب.

ونكتة الأشكليّة: أنه إذا أُخذ الزمان في الوجوب قلنا: إنه تارةً يؤخذ جزءاً وأخرى قيداً، فإذا أُخذ جزءاً جرى الاستصحاب فيه وإن أُخذ قيداً لم يجرِ. أما في 

ـــــــــــــــــــــــــ[328]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

طرف الواجب فهذا التشقيق -بحسب التحقيق- لا يجري؛ لأن الزمان لا يتصوّر أن يؤخذ في الواجب جزءاً، بل دائماً يؤخذ قيداً، ولا يتصوّر فيه الجزئية والتركّب.

وبرهان ذلك: أنه لا يعقل الزمان جزءاً مع فرض كونه أمراً غير اختياري، سواء كان بنحو مفاد (كان) التامّة أو بمفاد الناقصة، فإن المكلّف لا يقدر على إيجاد النهار ولا على جعل الزمان نهاراً، وإنما الذي يكون تحت القدرة هو التقيّد بالزمان، يعني إيقاع الصلاة في الزمان، فإنه بتبع القدرة على الصلاة، يكون قادراً على أن يقيّدها بزمانٍ دون زمان.

فما يكون تحت القدرة، هو التقيّد لا نفس الزمان، إذن فيستحيل أخذ الزمان بنحو الجزئية والتركّب في متعلّق الوجوب، ويتعيّن -ثبوتاً- أن يكون مأخوذاً بنحو الشرطية والقيدية، بحيث يكون التقيّد داخلاً تحت الوجوب والقيد خارجاً. 

فإذا تعيّن ذلك، يأتي إشكال المثبتية -كما لو أُخذ الزمان قيداً في موضوع الوجوب كما عرفنا في الجهة السابقة- وهو: أن استصحاب الزمان لا يثبت التقيّد -تقيّد الصلاة بالنهار- الذي هو تحت الأمر، إلّا بنحو الأصل المثبت.

ولا ينفع في المقام حينئذٍ استظهار نوعي من الأدلّة الشرعية بتحويل المقيّدات إلى مركّبات، والقيود إلى أجزاء، على النحو السابق؛ لأن هذا الاستظهار إنما ينفع فيما إذا كان معقولاً، وهنا لا يعقل ثبوتاً أخذ الزمان بنحو الجزئية، إذن فلا يمكن أن يدلّ عليه الدليل إثباتاً، ومع تعيّن القيدية يأتي إشكال المثبتية.

ـــــــــــــــــــــــــ[329]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا الإشكال غير إشكال المثبتية في إثبات الزمان بنحو مفاد (كان) الناقصة، بل من ناحية أن استصحاب الزمان لا يثبت التقيّد، بأيّ مفادٍ كان.

وبهذا البيان ظهر: أن ما ذكره الآغايون في توجيه جريان هذا الاستصحاب، لا يمكن أن يرجع إلى معنى مقبول. لا ما ذكره المحقّق النائيني ووافقه عليه السيّد الأستاذ، ولا ما ذكره المحقّق العراقي ولا ما ذكره المحقّق الأصفهاني.

[مناقشة كلام المحقّق النائيني]

أما ما ذكره المحقّق النائيني في توضيح جريان الاستصحاب بلا مثبتية، فحاصل مرامه مع حذف اصطلاحاته: هو إرجاع القيد من القيدية إلى الجزئية، باستظهار إثباتي من أدلّة التوقيت كـ(صلِّ في الظهر).

وصيغة المطلب أنه يقول: إننا حقّقنا في محلّه أن ما يكون محطّاً للأثر إذا كان متألّفاً من أمرين، فإن كان هذان الأمران أحدهما عرض والآخر موضوعه، كـ(زيد) و(علمه)، و(المرأة) و(القرشية)، فالعرض يؤخذ بنحو النعتية، ويكون التقيّد مأخوذاً بين العرض والموضوع.

وإن فُرض أن محطّ الأثر كان متألّفاً من أمرين ليسا من قبيل العَرَض ومحلّه، بل هما شيئان في عَرضٍ واحد، كإسلام الوارث وموت الأب، فإنهما عرضان على موضوعين، فهنا لا يؤخذ التقيّد بينهما -بحسب المتفاهم العرفي بينهما-.

وحينئذٍ يُقال في المقام: بأن الصلاة، من قبيل القسم الثاني، لا من العرض 

ـــــــــــــــــــــــــ[330]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ومحلّه، فإن الزمان ليس من عوارض الصلاة، ولا هي من عوارضه، بل هما عرضان لمعروضين، وعليه فلا يؤخذ التقيّد.

وبقطع النظر عن أن نناقش في أن الصلاة مع الزمان هل من القسم الأوّل أو الثاني، فإنه لا تصل النوبة إلى هذه المناقشة، لأننا برهنّا على لزوم أخذ التقيّد، والمطلب الذي قاله إنما يتمّ فيما إذا لم يقم مثل هذا البرهان.

وحاصله ما أشرنا إليه: أن متعلّق الوجوب، وهو الصلاة:

إما أن يكون التقيّد داخلاً فيه دون القيد، وهو معنى القيدية.

وإما أن يكون القيد داخلاً دون التقيّد، وهو معنى الجزئية.

وإما أن لا يكون كِلاهما داخلاً.

وإما(1) دخول كِليهما فيظهر حاله مما نذكره.

فإن فُرض: أن التقيّد داخلاً فيه، فيكون الاستصحاب مثبتاً، ولا يثبت التقيّد.

وإن فرض: أن القيد داخل فيه دون التقيّد، فاستصحاب الزمان لا يكون مثبتاً لأن معناه الجزئية، لكنّه في نفسه محال؛ لأن الزمان أمر غير اختياري، فلا يعقل التكليف به.

وإن فرض: أنه لا التقيّد ولا القيد مأخوذ، فهذا معناه الإطلاق؛ لأن ذات الصلاة تكون قابلة على فاقد القيد، إذ لا مانع من انطباقها إلّا التقيّد.

ـــــــــــــــــــــــــ[331]ــــــــــــــــــــــ

() جواب على سؤال. (منه ).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إذن فبالحصر العقلي يمتنع إجراء الاستصحاب إلّا بنحو مثبت، وهي(1) استحالة عقلية وعرفية، فإن العرف أيضاً يصدق أن الزمان لا يمكن التكليف به.

وعليه، فلا يمكن التخلّص عن هذه العويصة بإرجاع التقييد إلى التركيب والقيدية إلى الجزئية في طرف الواجب.

[مناقشة كلام المحقق العراقي]

وأما المحقّق العراقي، فله كلامان:

[الكلام الأول]: يشبه كلام المحقّق النائيني بحسب روحه.

فإنه أيضاً يحاول أن يحوّل القيدية إلى الجزئية فيقول: بأن الصلاة في النهار معناها -بحسب التحليل-: الصلاة في زمان، وأن يكون ذاك الزمان نهاراً.

وقلنا بأن هذا التحليل عرفي في تمام أدلّة المقيدات، إلّا في المقام، فإن العرف في المقام لا يمكن أن يقول: بأن الواجب هو الصلاة في زمان، وأن يكون الزمان نهاراً، فإن كون الزمان نهاراً لا يمكن أن يكون تحت الوجوب؛ لأنه ليس تحت القدرة، ففي خصوص المقام نكتة تمنع عن المطلب، ولهذا نحن لا نقول بإشكال المثبتية في غير الزمان من القيود الأخرى، على ما يأتي في محلّه.

الكلام الثاني له: وهو يشبه أيضاً بعض كلام المحقّق النائيني في تقريرات (الفوائد)، وحاصله: كأنّه يريد أن يخفّف من وطأة التقييد، فإنه يقول: إن (صلِّ في النهار) لو كانت قد أُخذَت فيه الظرفية، فهي لا يمكن إثباتها باستصحاب النهار لكن الظرفية لم تؤخذ، بل المراد به: صلِّ بنحو تقترن الصلاة 

ـــــــــــــــــــــــــ[332]ــــــــــــــــــــــ

() جواب على سؤال. (منه ).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بالنهار وتجتمع به. وهذا هو المجموع المركّب بين كلام العراقي و(الفوائد).

وهذا غير صحيح إثباتاً وثبوتاً:

أما إثباتاً: فما معنى قولكم: إنه مؤونة زائدة يحتاج إلى قرينة؟ وأيّ قرينة على ذلك أوضح من كلمة (في)، لو جاء في الدليل: (صلِّ في النهار). فإنها تكون متكفّلة لإثبات الظرفية.

وأما ثبوتاً: فلأن إشكال المثبتية لا ينحلّ أصلاً؛ لأنكم مهما حوّلتم أنحاء التقيّد بعضها إلى بعض، سواء كان التقيّد هو الظرفية أو الاقتران، فإنه بالآخرة لا بُدّ من تقيّدٍ، فيأتي إشكال المثبتية، فإن استصحاب ذات القيد لا يثبت هذا التقيّد، ولا يتوقّف هذا الإشكال على أن يكون هذا التقيّد هو الظرفية.

كلام المحقق الأصفهاني في المقام

وأما المحقّق الأصفهاني، فذكر: أن الزمان إذا أُخذ قيداً في الواجب، فالتقيّد يكون -لا محالة- داخلاً تحت الوجوب، كما هو مقتضى القيدية.

ولكنّنا يمكننا أن نُحرز -بالآخرة- ما هو تحت الوجوب بالاستصحاب، وذلك: لأن ما هو تحت الوجوب هو نفس المقيّد والتقيّد، وهو قولنا: (الصلاة في النهار). وأخرى يكون ما هو تحت الوجوب عنوان طولي منتزع من التقيّد والمقيّد كعنوان: الصلاة النهارية.

فإن كان ما هو تحت الوجوب، هو العنوان الطولي المنتزع، فهو لا يمكن إثباته بالاستصحاب، فإننا لو أثبتنا التقيّد والمقيّد والقيد، لكنّ العنوان الطولي لا يمكن أن نثبته بالاستصحاب؛ لأنه مبني على الملازمة العقلية.

ـــــــــــــــــــــــــ[333]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما إذا كان محطّ الوجوب، هو نفس المقيّد والتقيّد -نفس الصلاة وكونها في النهار-، فالتقيّد يمكن إحرازه ببركة الاستصحاب، وذلك: لأن استصحاب النهار، يحقّق أمرين: 

أحدهما: ثبوت النهار الواقعي تعبّداً.

ثانيهما: ثبوت النهار التعبّدي وجداناً.

فإن الاستصحاب بنفسه يخلق نهاراً بالتعبّد، وهذا النهار ثابت وجداناً ومقطوعٌ به، لا أنه ثابتٌ تعبّداً.

وحينئذٍ فالتقيّد بالنهار الواقعي لا يمكن إثباته؛ لأن هذا النهار ثبت بالأصل، والأصل لا يثبت لوازم مفاده. ولكن التقيّد بالنهار التعبّدي وجداني، إذن فالتقيّد به أيضاً وجداني، وكون الصلاة وقعت مقيّدة بالنهار التعبّدي وجداني، لوجدانية القيد.

إذن فقد أحرزنا التقيّد والقيد معاً(1).

الرد على كلام المحقق الأصفهاني

إلّا أن هذا الكلام بالرغم من دقّته الصورية، غريب: فإنه يرد عليه أمور:

الإشكال الأوّل 

أنه إذا فرض أن التقيّد الذي أُخذ تحت الوجوب كان هو الظرفية -مفاد 

ـــــــــــــــــــــــــ[334]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: إن ذلك العنوان الطولي الذي قلتم إنه لا يثبت إلّا بالأصل المثبت، لو حوّلنا عنوان الصلاة النهارية إلى الصلاة النهارية تعبّداً.

فقال: أيضاً يثبت. صحيح. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 (في)- الذي هو مفروض كلامه، حين يعبّر بـ(الصلاة في النهار). فإنه لا يتصوّر الظرفية بلحاظ الزمان التعبّدي، وإنما تُتَصور الظرفية فقط، بلحاظ الزمان الواقعي.

فإن معنى الزمان التعبّدي هو التعبّد بالزمان، فإنما هو الثابت بالوجدان هو: أن الشارع تعبّدنا بالزمان، وأما المتعبّد به وهو النهار، فهو ليس ثابتاً بالوجدان، بل ثابت بالتعبّد.

وتعبّد الشارع لا يعقل أن يقع ظرفاً لصلاتي، فإنه يتصوّر نسبته إلى الصلاة نسبة الاجتماع والاقتران، لكن كون صلاتي تقع في تعبّد الشارع فهذا(1) مما لا معنى له. إذن فالظرفية غير وجدانية متى بلحاظ النهار التعبّدي، وإنما الظرفية التي هي مفاد (في)، سنخُ معنى نسبي لا يعقل أن يتحقّق إلّا بين الصلاة والزمان المتعبّد به، والمفروض أن الظرفية، بلحاظ الزمان، لا يمكن إثباتها بالاستصحاب.

الإشكال الثاني

لو فرضنا أن التقيّد هنا لم يكن بمعنى الظرفية، بل كان بمعنى مطلق الاقتران، كما لو قال: (صلِّ مع النهار). مع هذا، الكلام الذي أفاده غير صناعي.

ـــــــــــــــــــــــــ[335]ــــــــــــــــــــــ

() ليس عندنا حقيقةً نهاران، حقيقي وتعبّدي. بل عندنا تعبّد ومُتعبّد به والتعبّد ثابت بالوجدان، والمتعبّد به وهو النهار ثابت بالتعبّد، والتعبّد فعل من أفعال الشارع لفعلي، ولا معنى لأن يكون فعله ظرفاً لفعلي. (منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وذلك: لأن القيد الذي هو (النهار)، بحسب جعله الواقعي، إما أن يكون قد أخذ الشارع -حين جعل الوجوب الواقعي للصلاة- النهار بوجوده الجامع بين الوجداني والتعبّدي قيداً، أو أخذ خصوص الوجود الواقعي للنهار قيداً. فإن فرضنا أنه أخذ الجامع قيداً، فافرضوا(1) أنه يمكن بإجراء الاستصحاب في النهار إن ثبت هذا القيد حقيقةً؛ لأن القيد هو الجامع بين النهار الواقعي والتعبّدي، وبالاستصحاب يخلق نهار تعبّدي حقيقة، إذن فالجامع محرز وجداناً بلحاظ أحد فرديه، ويكون التقيّد أيضاً محرزاً. ويتمّ حينئذٍ تصحيح هذه الصلاة.

لكن يتمّ تصحيحها واقعاً لا ظاهراً، بحيث تكون صحيحة، ولو انكشف بعد هذا أنه كان قد صلّى بعد النهار؛ لأن هذه الصلاة وجدت مع الجامع
-المقيدة به واقعاً- بلحاظ أحد فرديه، وهو النهار التعبّدي، فيصير مصداقاً للمأمور به، فتصحّ الصلاة واقعاً، وهذا خلاف المفروض، فإن المفروض هو التصحيح الظاهري لا الواقعي الذي لا يلتزم به فقيه.

وأما إذا كان القيد المأخوذ في الجعل الواقعي، هو خصوص النهار الواقعي، فلا بُدّ من إحراز التقيّد بالنهار الواقعي، ولا يكفي إحراز التقيّد بالنهار التعبّدي ولو وجداناً.

وبتعبيرٍ آخر: إن القيد إذا كان هو خصوص النهار الواقعي، فالتقيّد لا 

ـــــــــــــــــــــــــ[336]ــــــــــــــــــــــ

(( إشارة إلى أن الاستصحاب إنما يجري فيما إذا كان للمستصحب أثر شرعي، دون ما إذا كان للاستصحاب نفسه أثر فقط. (مستفاد منه). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

محالة هو التقيّد بخصوص النهار الواقعي. وهذا التقيّد غير محرز، لا وجداناً ولا تعبّداً:

أما وجداناً: فواضح؛ لأن المحرز وجداناً هو التقيّد بالنهار التعبّدي دون الواقعي.

وأما تعبداً: فواضح أيضاً، لأننا بالاستصحاب نثبت الزمان، إلّا التقيّد بالملازمة العقلية.

إذن فهذا الذي قاله حاج شيخ أيضاً لا يحلّ المشكلة.

الإشكال الثالث

والإشكال الثالث(1) كان متعلقاً بالعنوان المنتزع الطولي.

إذن فالمشكلة لا تزال قائمة، وكلام هؤلاء المحقّقين لم يتحصّل منه ما نفهمه في مقام دفعها، إذن فالاستصحاب في الزمان لا يجري من ناحية المثبتية، 

وكنّا -فيما إذا أخذ الزمان قيداً في موضوع الوجوب- نستصحب المقيّد بما هو مقيّد، فإن التقيّد كان له حالة سابقة، فهل يمكن في المقام أن استصحب المقيّد بما هو مقيّد فيما إذا كان له حالة سابقة، كما في موارد الإمساك، كما لو كنت ممسكاً بعنوان الصوم وشككت في بقاء النهار، فهل يمكن أن استصحب الإمساك النهاري أو لا؟!

التحقيق: أنه لا معنى لجريان هذا الاستصحاب في المقام؛ لأنه هناك فرق 

ـــــــــــــــــــــــــ[337]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال ما حاصله: إنني لم أكن عازماً على بيان أكثر من إشكالين على حاج شيخ، والإشكال الثالث… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بين هذا الاستصحاب في هذا الفرض، وبين فرض أخذ الزمان قيداً في موضوع الوجوب.

وحاصله: أننا هنا لماذا نريد أن نستصحب الزمان ونثبت التقيّد؟ لأجل أن نُنجّز على المكلّف أن يبقى صائماً ممسكاً. وحينئذٍ ففيما إذا كان الزمان قيداً في موضوع الوجوب يكون هذا الاستصحاب معقولاً. كما لو قال المولى: (ما دام زيد جالس في النهار فأنت صُمْ). وزيد جالس، ولكنّني أشكّ ببقاء النهار، فاستصحب جلوس زيد في النهار بما هو كذلك؛ لأني أحتمل بقاء المقيّد بما هو مقيّد، فأُنجّز بذلك وجوب الصوم عليَّ، بحيث لو لم أصُمْ حينئذٍ أكون مخالفاً. 

وأما في المقام، فأريد باستصحاب الإمساك النهاري أن أُنجّز على وجوب الإمساك النهاري، وجريان الاستصحاب فيه فرع الشكّ في بقائه.

وهنا عندنا شكّان: شكّ في أن هذا الإمساك لو بقي هل هو نهاري أو لا، بنحو القضيّة التعليقية، وهو شكّ موجود على كلّ حال. وشكّ في أنه هل يبقى الإمساك النهاري أو لا؟

أما الشكّ الثاني، فلا يمكن إجراء الاستصحاب بلحاظه؛ لأن المكلّف يمكنه أن يبني على أن لا يمسك، من الآن أن يأكل. فلا يجري الاستصحاب، فلا يتنجّز عليه حرمة هذا الأكل(1).

ـــــــــــــــــــــــــ[338]ــــــــــــــــــــــ

() فجريان الاستصحاب فرع الشكّ في المقيّد بما هو مقيّد، وهذا الشكّ فرع عدم بناء المكلّف على المخالفة الاحتمالية. إذن فلا يعقل أن يكون هذا الاستصحاب مانعاً عن تلك المخالفة الاحتمالية. (في محاضرة غد). (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما [الشك الأوّل]: -الشكّ التقديري- بأن إمساكه لو بقي على حاله، يبقى نهارياً أو لا. وهذا شكّ تقديري لا يجري الاستصحاب بلحاظه(1)(2).

إذن فهذا الاستصحاب في طرف الواجب لا يفيد، وإن كان يفيد في طرف الوجوب، فليلتفت إلى ذلك. إذن فالمشكلة باقية على حالها، إذ لا يجري الاستصحاب لا في القيد ولا في المقيّد بما هو مقيّد.

يبقى: أننا إنما نستصحب الزمان والمقيّد به؛ لكي نُنجز على المكلّف وجوب الإمساك لو كان صائماً، أو وجوب الصلاة لو كان الوقت ضيّقاً؛ فهذا نُنجزه عليه بأصولٍ أخرى غير الاستصحاب، وبها نصل إلى نفس النتيجة.

[تنجيز الفعل على المكلف بمنجزات أخرى]

ثُمّ قلنا(3): بأننا لسنا بحاجة إلى هذا الاستصحاب لتنجيز الفعل على المكلّف لو شكّ في الزمان، بل عندنا منجّزات أخرى يمكن أن نرجع إليها.

ـــــــــــــــــــــــــ[339]ــــــــــــــــــــــ

() على ما يأتي. (المقرِّر).

(2) وهنا قلت له: يكون هذا الشكّ فعلياً بعد سقوط القرص بدقيقة.

فقال: يعني لو بقي ممسكاً.

فقلت: نعم.

فقال: نعم، ولكنّنا نريد أن نمنعه من الإفطار، وهو يقول: أنا أُفطر، وأثبتوا أني عاصٍ!! لا نستطيع أن نُثبت ذلك. (المقرِّر).

(3) لخص أوّلاً النتائج التي توصل إليها، ثُمّ قال: ثُمّ قلنا:… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وتوضيح الكلام في ذلك، أنه:

 تارةً يفرض: أن الواجب مأخوذ بنحو صرف الوجود، كالصلاة بين الحدّين، فإن المطلوب منها صرف وجودها بين الحدّين.

وأخرى يفرض: أن الواجب مأخوذ بنحو مطلق الوجود، يعني بنحو الاستمرارية، كالإمساك الذي يكون واجباً بامتداده، لا أن الواجب هو الإمساك آناً مّا.

وعلى كلٍّ من التقديرين:

إما أن يكون الشكّ في بقاء النهار ناشئاً من الشكّ في عدد الساعات التي يستوعبها النهار.

وأخرى -مع معلومية عدد ساعات النهار- يشكّ في أنها هل انتهت أو لا؟

فمثلاً: تارةً يشكّ في أن النهار في هذا الفصل هل طوله عشر ساعات أو أحد عشر ساعة، ومضت عشر ساعات، فإن كان النهار عشر ساعات فقد انتهى وإن كان أحد عشر ساعة فهو باقٍ.

وأخرى بفرض أننا نعلم عدد ساعات النهار، لكن لا نعلم مقدار ما مضى منه، هل انتهت ساعاته أو لا؟

فإن كان الشكّ في الواجب وكان الواجب بنحو صرف الوجود، فهنا سواء كان الشكّ في النهار من ناحية الشكّ في عدد الساعات، أو من ناحية الشكّ في تقضّي ساعاته، على كِلا التقديرين، يكون المورد مورداً لأصالة 

ـــــــــــــــــــــــــ[340]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاشتغال في نفسه، وهي تنجّز على المكلف في حالة الشكّ في بقاء النهار، أن يقوم ويأتي بالصلاة.

وتوضيح ذلك: أن المكلّف:

تارةً يفرض أنه كان ملتفتاً إلى التكليف بصرف الوجود ومشمولاً له في أوّل الزوال، ثُمّ تسامح إلى أن مضى الوقت حتى شكّ في أنه هل بقي النهار أو لا؟

وأخرى يفرض أنه من أوّل الأمر لم يكن مشمولاً لهذا التكليف، بأنْ لم يكن بالغاً وقتئذٍ، ثُمّ بلغ وشكّ في أنه هل بقي نهار أو لا؟

فإذا كان هذا الشخص من أوّل الأمر مشمولاً للتكليف، ولكنّه لم يُصَلِّ حتى احتمل ارتفاع النهار، فهذا تجري في حقّه أصالة الاشتغال لا محالة؛ لأنه يعلم بكونه مكلّفاً بصرف وجود الصلاة في النهار، وهذا العلم يوجب لزوم تحصيل الجزم بالامتثال، فإذا فاته الجزم ولم يبقَ بإمكانه الامتثال الاحتمالي -بأن يُصلي لاحتمال كونه في نهار- فيحكم العقل بتعيّن ذلك لا محالة(1).

وإذا فرض أن هذا الشخص لم يتنجّز عليه التكليف، بل بلغ في فترة الشكّ، ولم يكن عليه تكليفٌ منجّز، فالزمان هنا له حيثيتان: حيثية كونه قيداً في الواجب. وحيثية كونه قيداً في الوجوب. فإن وجوب صرف الوجود لا محالة يكون مقيداً بالزمان أيضاً، ويكون موجوداً ما دام النهار موجوداً، يعني: أن كلّ 

ـــــــــــــــــــــــــ[341]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قال بعض الإخوان: استصحاب الوجوب يجري أيضاً؟

فأجاب: لا بأس به، لكن لا حاجة إليه في المقام. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

قيد غير اختياري في الواجب فهو قيد في الوجوب لا محالة. فالزمان هنا له دخلان: دخلٌ في الواجب ودخلٌ في الوجوب.

فهو حين يشكّ في بقاء النهار، لا بأس أن يستصحب بقاءه، لا لأجل أن يثبت التقيّد، حتى يُقال بأنه مثبت، بل لأجل أن يثبت وجوب المقيّد، فهو يستصحب الزمان بلحاظ دخله في الوجوب، فيرتّب عليه وجوب المقيّد، يعني: أنه يجب عليه الصلاة النهارية. 

وهذا الحكم يشكّ في قدرته عليه خارجاً؛ لأنه يحتمل أن النهار قد انتهى؛ لأن المفروض أن هذا الاستصحاب لا ينفع في إثبات أن صلاته الآن صلاة في النهار، إذن فهو يشكّ في قدرته على ذلك. وموارد الشكّ في القدرة محكومة بأصالة الاشتغال عقلاً.

فيضمّ إلى استصحاب الزمان المنقّح لوجوب المقيّد أصالة الاشتغال. بمعنى أن العقل يحكم: أن المولى متى ما حرّك نحو شيء واحتمل المكلّف أنه غير قادر على ذلك الشيء، وأن المولى حرّكه نحوه من باب الغفلة أو غيرها، يحكم العقل في مثل ذلك بوجوب الاحتياط، فبِضَمّ أصالة الاشتغال إلى الاستصحاب يتنجّز عليه الإتيان بالصلاة، من باب أنه احتياط لهذا الحكم الظاهري الذي يحتمل قدرته عليه.

ولا يعارض ذلك، بإجراء البراءة عن الصلاة فعلاً، حيث يُقال: إنه يشكّ في وجوب الصلاة فعلاً، فتجري البراءة عن ذلك، والاستصحاب لا يحكم على هذه البراءة؛ لأن الاستصحاب يثبت وجوب المقيّد، لا وجوب الصلاة 

ـــــــــــــــــــــــــ[342]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الفعلية، وأنا أشير إلى الصلاة الفعلية فأجري البراءة عنها، فمثل هذه البراءة لا تكون محكومة للاستصحاب، بل معارضة له.

مثل هذا الكلام لا يُقال بناءً على ما ادّعيناه في بحث البراءة، من أن أدلّة البراءة لا تشمل موارد الشكّ في التكليف الناشئ من الشكّ في القدرة. 

وعليه فدليل الاستصحاب يجري في المقام لأجل استصحاب النهار، ويترتّب عليه وجوب المقيّد، وإن لم يثبت بذلك أن الصلاة التي سوف يأتي بها هي مصداق للمقيّد، ولكن يحمل عليه هذه الصلاة بعد ثبوت المقيّد بالاستصحاب، وضمّ أصالة الاشتغال إليه.

هذا إذا كان التكليف بنحو صرف الوجود.

وأما إذا كان التكليف بنحو مطلق الوجود، كالإمساك النهاري، فهنا يختلف الحال بين أن يكون الشكّ في بقاء النهار، ناشئاً من الشكّ في عدد الساعات للنهار، وبين الشكّ في انقضاء ساعاته بعد العلم بعددها. 

فإنه إذا كان الشكّ على النحو الثاني، فإنه أيضاً مجرىً لأصالة الاشتغال؛ لأنني أعلم بوجوب إمساك في اثنتي عشرة ساعة، سواء كانت الوجوبات ارتباطية أو استقلالية(1)، وأشكّ في امتثالها خارجاً، إذ لا أدري أنه تحقّق مني 

ـــــــــــــــــــــــــ[343]ــــــــــــــــــــــ

() في الاستقلالية لا يكاد يجري البراءة؛ لأن التكاليف التي وجدت في الزمان المتيقّن غير مربوطة بالتكليف في الزمان المشكوك ثبوتاً أو سقوطاً، فهي: إما معلومة الامتثال، أو معلومة العصيان، أو يشكّ بدواً بوجود التكليف في الزمان المشكوك فتجري البراءة، وليس التكليف محرزاً كما قيل. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إمساك عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة، فيكون شكّاً بالامتثال بعد اليقين بالاشتغال، فيكون مجرىً لأصالة الاشتغال.

وإذا فرضنا أن هذا الشخص يشكّ في عدد الساعات للنهار، فهذا لو خُلّي ونفسه يكون مجرىً للبراءة لا الاشتغال، سواء كان الواجب ارتباطياً أو استقلالياً؛ لأنه يرجع إلى أن الإمساك عشر ساعات معلوم الوجوب، والإمساك في الساعتين بعدها مشكوك بنحو الشبهة الموضوعية، وحينئذٍ تجري أصالة البراءة فيه، سواء كان واجباً ضمنياً أو استقلالياً.

ولكن حينئذٍ نتمسّك في مقام تحميل هذه الوظيفة على المكلّف بالاستصحاب أيضاً، استصحاب وجوب الإمساك النهاري، أو استصحاب الزمان بلحاظ كونه موضوعاً لوجوب الإمساك النهاري، فنثبت به وجوب المقيّد، يعني الإمساك النهاري. وحيث يحتمل القدرة عليه، فيضمّ إلى ذلك أصالة الاشتغال من ناحية الشكّ في القدرة، فيتنجّز التكليف على المكلف.

وبهذا اتّضح، أن تحميل هذه الوظيفة على المكلّف لا يحتاج إلى أن نثبت بالاستصحاب أن الصلاة أو الإمساك في النهار.

هذا كله بلحاظ الأداء.

وأما بلحاظ القضاء، فهو يعلم انه لا قضاء عليه؛ لأن هذه الصلاة إما وقعت في داخل الوقت أو في خارجه، فإن وقعت في داخله فلم يفته شيء، وإن وقعت في خارجه، إذن قد امتثل وأتى بما عليه.

هذا تمام ما أردنا التعرّض له بلحاظ الشبهة الموضوعية.

ـــــــــــــــــــــــــ[344]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التطبيق الفقهي للكبريات بنحو الشبهة الحكمية 

حيث قلنا إن الشكّ في بقاء الزمان تارةً يكون بنحو الشبهة الموضوعية، وأخرى بنحو الحكمية. فقد تعرض الآغايون هنا لأبحاث كلّها تقريباً لا دخل لها بمحلّ الكلام، بل هي تحقيقات مناسبة مع بحث الشبهات الحكمية.

بحثوا: أننا إذا علمنا بوجوب الإمساك في النهار، وشككنا في بقائه من ناحية الشبهة الحكمية:

تارةً: من ناحية الشبهة المفهومية، بأن يكون مفهوم النهار مُجملاً. 

وأخرى: يشكّ في أن القيد الذي أُخذ في دليل التكليف هل هو النهار أو الصبح، فيكون من التردّد بين القيد الطويل المعلوم مفهوماً والقصير المعلوم مفهوماً.

وثالثة: يعلم بأنه أخذ القيد القصير، ولكن يشكّ أنه مع ارتفاعه هل يوجد فرد آخر من الوجوب غير مقيّد بذلك القيد، أو لا يوجد؟

وهذه التشقيقات بتفريعاتها، لا ربط لها بخصوص الزمان، بل تأتي في مطلق الشبهات الحكمية، ويبحث عنها في باب الشكّ في بقاء الموضوع.

وتعرّضوا: إلى شبهة المعارضة بين استصحاب بقاء الحكم مع استصحاب عدم جعل الحكم على الزائد -شبهة النراقي-، وهو ما أفاده السيّد الأستاذ من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وقد تقدّم في بحث الشبهات الحكمية(1).

ـــــــــــــــــــــــــ[345]ــــــــــــــــــــــ

() راجع: ج24، ص15 من هذه التقريرات.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وتعرضوا: إلى أن الزمان هل يكون مانعاً عن جريان الاستصحاب الحكمي أو لا، يعني: هل يوجب تغيّر الموضوع أو لا؟ هذا أيضاً يترك إلى بحث الشكّ في بقاء الموضوع.

فهذه المباحث التي تعرّضوا لها، بعضها يُناسب ما تقدّم وبعضها يناسب ما يأتي، وكلّها غير دخيلة في تطبيق كبريات هذا التنبيه الذي عُقد لإشكال التدريجية في الزمان وأمثاله(1).

ـــــــــــــــــــــــــ[346]ــــــــــــــــــــــ

() عطلة شهر رمضان. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 









التنبيه السادس: في جريان الاستصحاب 

التعليقي في الشبهات الحكمية

 

  • تحرير محلّ النزاع
  • المقام الأوّل: أركان هذا الاستصحاب في نفسها تامّة أو لا؟
  • المقام الثاني: [هل الاستصحاب التعليقي مبتلى بمعارض؟]
  • [تنبيهات الاستصحاب التعليقي]

ـــــــــــــــــــــــــ[347]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 





التنبيه السادس: في جريان الاستصحاب التعليقي                     في الشبهات الحكمية 

 

التنبيه السادس من تنبيهات الاستصحاب في جريان الاستصحاب التعليقي في الشبهات الحكمية. وأما جريانه في الموضوعات، فهو يذكر في تنبيهات هذه المسألة، تبعاً للمباني التي تحقّق فيها.

 

تحرير محلّ النزاع

 

أن الشكّ يقسّم بحثياً إلى ثلاثة أقسام من حيث جريان الاستصحاب:

تارةً: يفرض أن الشكّ في الجعل، بمعنى: أنه يعلم بوجوده ويشكّ في نسخه.

وأخرى: يكون الشكّ في سعة المجعول وضيقه، وعلى كِلا التقديرين لا يحتمل النسخ، كالشكّ في أن نجاسة الماء المتغيّر، هل تشمل ما بعد زمان ارتفاع التغيّر أم لا.

وثالثة: نعلم بالجعل وضيق المجعول – مثلاً -، ونشكّ في الصغرى الخارجية، بأن نشكّ أن هذا الماء متغيّر أم لا.

ـــــــــــــــــــــــــ[349]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فالأوّل هو الذي يسمى بالشكّ في النسخ، والثاني يسمى بالشكّ في بقاء الحكم، والثالث هو الذي يسمى بالشك في الشبهات الموضوعية.

وإنما قلت: بأن هذا التقسيم بحثي؛ لأنه قد يبرهن على إرجاع القسم الأوّل إلى الثاني، ولا يكون قسماً في مقابله.

ثُمّ إن القسم الثاني، وهو الشكّ في المجعول من حيث السعة والضيق، يكون من ناحية دخل خصوصية من الخصوصيات الوجودية أو العدمية أو عدم دخلها.

وحينئذٍ، فتارةً يفرض: أن الخصوصيات المشكوكة والمعلومة كلّها موجودة، فيقطع بفعلية الحكم حدوثاً حينئذٍ، وهذا يكون من باب استصحاب الحكم الفعلي(1)، وهو خارج عن محلّ الكلام.

وأخرى يفرض: أن الخصوصية المشكوكة كانت موجودة لكن لم يكن تمام الخصوصيات المعلومة موجودة، بل بعضها دون بعض، مثلاً (إكرام الإنسان) له خصوصيتان يعلم دخلهما: أنه (عالِم)، وأنه (يزورنا). وخصوصية مشكوكة وهو: (كونه من سكنة النجف)، يحتمل دخلها في الحكم، ويفرض أن هذه الخصوصية المشكوكة، كانت موجودة مع فرض كونه عالِماً لكنّه لم يزرنا، ثُمّ ارتفعت هذه الخصوصية بعد أن هاجر من النجف، ثُمّ زارنا. فهنا لم يتحقّق معاصرة زمانية بين الخصوصية المشكوكة والخصوصيات المعلومة جميعها، ففي مثل ذلك لا يكون الحكم الفعلي والقضيّة التنجيزية، معلومة لا محالة؛ لأنه قبل 

ـــــــــــــــــــــــــ[350]ــــــــــــــــــــــ

() أو بتعبير آخر: من استصحاب القضية التنجيزية. (منه ).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أن يزورنا لم يكن قد تمّ في حقّه موضوع الحكم، وبعد أن زارنا لا نعلم أنه تمّ فيه الموضوع أو لا؛ إذ لعلّ السكنى لها دخلٌ في المقام، فالحكم لم يعلم إجمالاً بتحقّقه في آنٍ مّا أصلاً.

في مثل ذلك يكون هو محلّ النزاع في جريان الاستصحاب التعليقي في الحكم، بأن يُقال: (إن هذا الشخص قبل أن يهاجر من النجف، لو كان قد زارنا لوجب إكرامه)، فيستصحب بشأنه هذه القضيّة التعليقية، فمحلّ الكلام هو أحد قسمي القسم الثاني من الأقسام الثلاثة.

وكأنّ المشهور قبل المحقّق النائيني هو القول بجريان الاستصحاب التعليقي، إلّا أن المحقّق النائيني أنكره، وأصبح المشهور بعد ذلك هو عدم جريانه.

ومهمّ الإشكال في جريانه يرجع إلى أمرين نعقد مقاماً لكلّ واحدٍ منهما:

المقام الأوّل: أن أركان هذا الاستصحاب في نفسها تامّة أو لا؟

المقام الثاني: لو سلّم تمامية أركانه، فهل هو معارض باستصحاب آخر أم لا؟

ـــــــــــــــــــــــــ[351]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 

المقام الأوّل: أركان هذا الاستصحاب في نفسها تامّة أو لا؟

 

إن هذا الاستصحاب في نفسه هل يعتبر كونه تامّ الأركان أم لا.

إشكال الميرزا على الاستصحاب التعليقي

ومنطلق الإشكال في ذلك هو دعوى: أنه ليس هناك شيء نكون على يقين منه فنشكّ؛ لكي يجري الاستصحاب. 

وفي مقام توضيح هذا المنطلق، وإن كان يظهر من بعض كلمات المحقّق النائيني ، أنه يريد أن يقول: إن المستصحب لا بُدّ أن يكون أمراً وجوبياً، شاغلاً لصفحة الوجود بالنحو المناسب له. 

وهنا لا يوجد ذلك؛ لأن الحكم لم يصبح فعلياً حتى يشغل صفحة الوجود. 

إلّا أن هذه الكلمات لا يُراد بها ظاهرها، وإنما هي مبنية على المسامحة في التعبير؛ لأنه من المعلوم أن المستصحب لا يلزم أن يكون أمراً وجودياً، بل يكفي أن يكون أمراً واقعياً، ثابتاً في لوح الواقع؛ لأن المناط في جريان الاستصحاب هو أن يتصوّر يقين وشكّ، وهو كما يكون في باب الوجود، قد يكون بباب الواقع الذي هو أوسع من باب الوجود.

نعم، لا بُدّ أن يكون هذا الشيء الذي يتعلّق به اليقين منتهياً إلى الأثر 

ـــــــــــــــــــــــــ[352]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

العملي، وقابلاً للتعبّد من قِبَل الشارع، وإلّا فليس كلّ موضوع يمكن أن يجري فيه الاستصحاب بمجرّد تعلّق اليقين به.

فهذا هو الذي ينبغي أن يكون هو منطلق الإشكال، وإن تراءى من بعض الكلمات ادّعاء أمر زائد على ذلك.

وتوضيح الإشكال في ذلك: أنه عندنا في باب الأحكام موجودان تشريعيان -في نظر الميرزا-: أحدهما الجعل، والآخر هو المجعول.

ومعنى الجعل: أن المولى يحضر في ذهنه ذلك الموضوع الذي يراه فيُقدّر وجوده ويفرض تماميته، فيحكم عليه بالوجوب -مثلاً-. فيكون جعله كبروياً على نحو القضيّة الحقيقية، الذي يكون بنحو القضيّة التعليقية وهي: أنه لو تمّ تمام خصوصيات الموضوع فيترتّب عليه الحكم.

ومعنى المجعول: أنه بعد تمامية الجعل، متى ما أصبح الموضوع المقدّر الوجود محقّق الوجود، فيُصبح المحمول المقدّر بتبعه محقّقاً، بنحو القضيّة التنجيزية.

فالموجود التشريعي الأوّل قضيّة تعليقية، محمولها وموضوعها مقدّر الوجود، والموجود التشريعي الثاني قضيّة تنجيزية موضوعها ومحمولها محقّق الوجود.

حينئذٍ يُقال: إننا ماذا نستصحب؟ هل نستصحب الموجود التشريعي الأوّل، وهو الجعل أو القضيّة التعليقية، فهو لا شكّ في بقائه؛ لأننا نحتمل نسخ الجعل، بل هو معلوم حدوثاً وبقاءً. وإنما الشكّ في ما هو المعلّق عليه، يعني في وجود طرف الموضوع في هذه القضيّة التعليقية، حيث لا يعلم أنه 

ـــــــــــــــــــــــــ[353]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مركّب من جزأين أو من ثلاثة أجزاء، أما أصل هذه القضيّة فهي معلومة البقاء فلا معنى لاستصحابها. 

وأما الموجود التشريعي الثاني أو القضيّة التنجيزية، فهي لم نكن على يقين منها في زمانٍ ما حتى نستصحبها، فإنه قبل أن يزورنا هذا العالم لم تكن متحقّقة جزماً، وبعد أن زارنا كان قد هاجر من النجف، فأحد عناصر الموضوع غير موجود.

تبقى قضيّة ثالثة، وهي قضيّة عقلية وليست موجوداً تشريعياً، فإن العقل يُدرك أن الحكم مترتّب على موضوع له عناصر، وهي موجودة كلّها عدا واحداً، فهو يُدرك أنه إذا انضمَّ الجزء الأخير إلى هذه الأجزاء فإنه سوف يترتّب الحكم، وهذه قضيّة ليست شرعية، فإنها لم يوجدها الشارع، فإنه لم يجعل وجوب الإكرام على تقدير وجود الجزء الأخير، وإنما أوجد الحكم على تقدير تحقّق تمام الأجزاء المردّدة بين القليل والكثير، وإنما هي انتزاع عقلي من الجعل الشرعي.

فهذه قضيّة تعليقية بوجود يقين بحدوثها وشكّ في بقائها، لكنّها ليست موجوداً تشريعياً، بل قضيّة عقلية، فلا يجري الاستصحاب بلحاظها.

هذا توضيح مدّعى المحقّق النائيني في المقام، ولا بد من تعميقه بعد ذلك.

تعميق كلام المحقّ النائيني

كان خلاصة الصيغة البدائية للميرزا هو أن الاستصحاب لا بُدّ في جريانه من وجود أمر واقعي يتعلّق به اليقين والشكّ وقابل للتعبّد الاستصحابي، 

ـــــــــــــــــــــــــ[354]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وليس في موارد الاستصحاب التعليق بشيء من ذلك، إذ بالتحليل يتحصّل ثلاثة أمور: اثنان تشريعيان وواحد تحليلي انتزاعي.

أولها: هو الجعل، والقضيّة التعليقية، وهما مما لا شكّ فيه بقاءً، إذ لا شكّ بالنسخ.

ثانيها: فعلية المجعول والقضيّة التنجيزية، وهو مشكوك الحدوث لا يقين به حدوثاً.

ثالثها: قضيّة عقلية ينتزعها العقل ببرهان: أن الجزء الأخير من العلّة يكون ملازماً مع المعلول. والغليان هو الجزء الأخير، وهي ليست قضيّة شرعية حتى تستصحب.

[ما توهِم في تقريرات المحقق العراقي]

وبما ذكرنا ظهر: أنه لا يرد على هذا البيان ما توهّم في تقريرات المحقّق العراقي، حيث إنه تصوّر أن منطلق المحقّق النائيني هو الالتزام بأن المستصحب لا بد أن يكون أمراً شاغلاً لصفحة الوجود خارجاً، وإلّا لم يجرِ فيه الاستصحاب.

وأشكل عليه: إذا كان لا بُدّ من ذلك، فحينئذٍ لا يجري استصحاب الجعل أيضاً، يعني: استصحاب القسم الأوّل من الثلاثة السابقة، كما لو علم بحكم وشكّ في نسخه، فلا يجري استصحابه؛ لأن مرجع الجعل إلى قضيّة تعليقية، وليس له -مثلاً- إشغال لصفحة الوجود إلّا إذا صارت قضيّة تنجيزية.

إلا أنَّ هذا لا يرد؛ لأنه بناءً على ما فصّلناه يظهر أن هذا الكلام ناشئ من 

ـــــــــــــــــــــــــ[355]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

عدم التدبّر في مقصود الميرزا ، فإنه يريد أن يكون المستصحب شاغلاً لصفحة الوجود في الخارج، بل يريد أن يقول: إن المستصحب لا بُدّ وأن يكون أمراً واقعياً وقابلاً للتعبّد به شرعاً. والأمر الواقعي كما يصدق على القضيّة التنجيزية كذلك يصدق على القضيّة التعليقية، ولذا يقول بجريان استصحاب الجعل؛ لأنه أمر واقعي قابل لأن يتعلّق به اليقين، وهو مجعول تشريعي فلا بأس باستصحابه. وهذا بخلاف الاستصحاب التعليقي؛ إذ لا يتصوّر له مركز حاصل على الشرطين؛ لأن الجعل غير مشكوك، والمجعول غير متيقّن الحدوث، والقضيّة العقلية الانتزاعية لا يمكن استصحابها.

[نقض المحقق العراقي على المرزا]

ومثله في الغرابة، نقضه الآخر على الميرزا، حيث تصوّر أن تمام همّ الميرزا أنه يدعي أن استصحاب الحكم لا يجري إلّا إذا كان تمام قيود الموضوع وشرائطه موجودة في الخارج، وحيث إنه في باب (العنب) كلّ الشروط غير موجود، فلا يجري استصحاب الحرمة.

حينئذٍ قال له: إنه على ذلك، لا يجري الاستصحاب التنجيزي أيضاً، فينسدّ باب الاستصحاب إلّا نادراً؛ لأنه من المعلوم أن المجتهد في إجرائه للاستصحاب التنجيزي لا ينتظر أن يوجد الموضوع خارجاً بتمام شروطه حتى يجري الاستصحاب التنجيزي، كإجراء المجتهد لاستصحاب نجاسة الماء المتغيّر لِما بعد تغيّره قبل وجود الماء في الخارج أصلاً، وهذا معناه أننا لا نحتاج في الاستصحاب لوجود الموضوع، بل يكفي تقدير وفرض وجوده، وحينئذٍ 

ـــــــــــــــــــــــــ[356]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فأيّ فرق بين الاستصحاب التنجيزي والاستصحاب التعليقي، إلّا أنه في المقام جزء الموضوع غير موجود، ويحتاج إلى تقدير، وقد لا يكون كلّها موجودة مقدرة.

ومن هنا قال: إننا لو بنينا على تصوّر الميرزا يلزم سدّ باب الاستصحاب على المجتهد في القضايا التنجيزية أيضاً، إلّا إذا وجِد ماء في الخارج، وإلّا جرى كِلا الاستصحابين.

وهذا أيضاً من الغرائب؛ لأنه خلطٌ بين مسألتين؛ لأنه تارةً يُقال: إنه يشترط في جريان استصحاب الحكم أن يكون الموضوع فعلياً بتمام قيوده وشرائطه، وهذا هو الأساس الموضوعي لكلام الميرزا في الإشكال على الاستصحاب التعليقي.

وهناك كلام آخر: هو أن الفعلية التي لا بُدّ منها في جريان الاستصحاب هل هي فعلية الموضوع بالنظر التصديقي للمجتهد، بحيث يرى الماء في الخارج، أو بالنظر التصوّري بحيث يكفي فرض وجوده؟ 

وهنا يقول الميرزا: والمشهور أن فعلية الموضوع بتمام أجزائه وشرائطه بحسب الوجود التصوّري للمجتهد، فيكفي أن يتصوّر ذلك فيجري الاستصحاب. وأما لماذا يكفي النظر التصوري وليس لا بُدّ من النظر التصديقي؟ فقد تقدّم في بحث جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية.

فإذا ميّزنا بين الكلامين نقول: إنه بعد أن قلنا إنه لا بُدّ في الاستصحاب أن يكون الموضوع فعلياً بالنظر التصوّري للمجتهد، ففي مسألة الماء المتغيّر يرى 

ـــــــــــــــــــــــــ[357]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المجتهد بالنظر التصوّري أن الموضوع فعلي، والمفروض أنه يكفي في تتميم أركان الاستصحاب.

وأما في مورد القضيّة التعليقية، في مثل (العنب)، فهنا بالنظر التصوّري للمجتهد، هل يفترض المجتهد أنَّ هناك عنباً قد غلى، يعني تمام الموضوع للحكم، إذن فهو يراه قد حرّم، ثُمّ يشكّ في بقاء الحرمة حتى بقاء الثلثين، فيستصحبها. وهذا من الاستصحاب التنجيزي ولا ينفعنا في المقام، ولا ينطبق على العنب إلّا بعد الغليان، فإننا نريد أن نثبت الحكم للعنب قبل غليانه لا بعده، وإذا افترضنا عنباً من دون أن نفترض غليانه، إذن فبالنظر التصوّري تمام الموضوع غير موجود، إذن الموضوع غير تامّ حتى بالنظر التصوّري، فلا يكون الحكم فعلياً، فلا يجري الاستصحاب.

فقد وقع خلط بين التقدير بنظر المجتهد، وبين التقدير في جعل الجاعل، فإن التقدير في الجعل موجود على كلّ حال. فهذه مغالطة عجيبة، ولعلها ناشئة من تشويش عبائر (التقريرات).

[المغالطة التي نشأت لدى صاحب العروة]

وهنا مغالطة ثالثة نشأت من فهم كلام الميرزا حيث حمل كلامه على أنه من المفصّلين بجريان الاستصحاب التعليقي كبروياً لا من المنكرين له.

توضيح ذلك: أن سيد (العروة) ذكر في جريان الاستصحاب التعليقي تفصيلاً، وحاصله: أن القضية التعليقية -الأمر التعليقي- الذي نريد أن نستصحبه إما أن تكون مأخوذة في لسان الشارع، أو تكون منتزعة من قِبَل 

ـــــــــــــــــــــــــ[358]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

العقل. فإن كانت القضيّة التعليقية مفادة في خطاب الشارع، كما لو قال: (العنب إذا غلى حرّم)، وشككنا بها، نستصحبها. وأما إذا كانت القضيّة عقلية انتزاعية، كما لو قال الشارع: (العنب المغلي حرام)، فهنا لا يوجد تعليق في كلام الشارع؛ لأنها قضيّة حلّية، لكن العقل ينتزع منها قضيّة شرطية مساوية لها في الصدق، وهي: (إذا غلى العنب حرّم). إلّا أن الاستصحاب لا يجري في القضيّة العقلية.

وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن المستصحب فيما إذا كان التعليق مأخوذاً في لسان الشارع، نقول لسيد (العروة): إن المستصحب ما هو؟ هل هو الملازمة ما بين الجزاء والشرط، أو هو وجود الجزاء المشروط والمنوط؟

فإن كنت تستصحب الملازمة فهي على كلّ حال وفي كِلا القسمين ليست مأخوذة في خطاب الشارع، وليست من مجعولاته -كما تقدّم في بحث الواجب المطلق والمشروط، ويأتي في هذه المسألة أيضاً-، فإنها من القضايا الاعتبارية المنتزعة من جعل الحكم على تقدير وجود الموضوع. وهذا المعنى من الانتزاع موجود حتى في الصورة الثانية، فإن اكتفيت في جريان الاستصحاب بالقضيّة المنتزعة من المجعول الشرعي؛ جرى الاستصحاب في الموردين، وإن لم تكتف بذلك فالملازمة في كِلا القسمين عقلية.

وإن استصحب الجزاء وهو الحرمة، حينئذٍ يأتي كلام الميرزا، وهو: أن فعلية الجزاء فرع فعلية الشرط، سواء كانت القضيّة حملية أو شرطية؛ إذ لا وجود للجزاء قبل وجود الموضوع، فليس للجزاء حالة سابقة ليستصحب.

ـــــــــــــــــــــــــ[359]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [مناقشة (المستمسك) لكلام المحقق النائيني]

إلّا ان سيد (المستمسك) حمل كلام الميرزا على مدّعى سيّد (العروة)، وذهب إلى أن يفصّل بين ما إذا كان القيد راجعاً إلى الموضوع، وبين ما إذا كان راجعاً إلى الحكم. فعلى الأوّل لا يجري الاستصحاب، وعلى الثاني يجري، غير أن الميرزا له بحث صغروي في أن القيد دائماً يرجع إلى الموضوع ببرهانٍ عقلي، إذن فهو موافق كبروياً مع سيد (العروة)، ونقاشه مع صغروي.

بينما الأمر ليس كذلك، وليس الميرزا مفصّلاً في المسألة، بل هو ينكر جريان الاستصحاب التعليقي مطلقاً، ونزاعه مع سيد (العروة) كبروي لا صغروي، كما سيأتي وجهه.

*****

وتوضيح ذلك(1): أن المتحصّل من كلامه: أن القيد تارةً يفرض رجوعه إلى الموضوع، وأخرى إلى الحكم. فإن فرض رجوعه إلى الموضوع كما لو أخذ بهذا اللسان: (العصير المغلي حرام)، فلا إشكال عند (المستمسك) في عدم جريان الاستصحاب التعليقي، فلا يجري استصحاب الحرمة على تقدير الغليان؛ لأنه ليس له حالة متيقّنة سابقة. وأما إذا فرض كون القيد راجعاً إلى الحكم فقد اختار جريان الاستصحاب التعليقي.

ـــــــــــــــــــــــــ[360]ــــــــــــــــــــــ

() انتهينا إلى تصوّرات (المستمسك) لِما أفاده المحقّق النائيني، وكأنه فرض أن نزاع النائيني صغروي لا كبروي… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وبرهن على ذلك: بأن الحرمة وهو الحكم له نحو وجودٍ قبل وجود القيد، وذلك: لأننا إن فرضنا أن الحرمة ليس لها وجود قبل وجود القيد، فمعناه الانفكاك بين الجعل والمجعول، أن يكون الجعل موجوداً والمجعول غير موجود، إلى ما بعد وجود القيد، وهو مستحيل؛ لأن المجعول عين الجعل، ولذا لا بُدّ أن نفرض أن الحرمة لها وجود غير منفكّ عن الجعل، وليس موجوداً بعد وجود القيد. حينئذٍ يجري الاستصحاب التعليقي، ولا يأتي إشكال أن الحرمة لا وجود لها قبل وجود المعلّق عليه.

وذكر أن المحقّق النائيني كأنّه يرى أن القيد دائماً يكون من قبيل القسم الأوّل -أي: راجعاً إلى الموضوع-، ولا يكون من قيود الحكم، فقولنا: (العصير إذا غلى يحرم) مرجعه إلى قولنا: (العصير المغليّ حرام). يقول -وهذا كلام الميرزا- بالبرهان العقلي القائم على أن موضوعات الأحكام يجب أن تكون عللاً تامّةً لتلك الأحكام، وهذا لا يكون إلّا بإرجاع تمام القيود إلى الموضوع. 

وهذا معناه أن نزاع المحقّق النائيني ليس في الكبرى، بل كأنّه يوافق (المستمسك) في أنه إذا رجع القيد إلى الموضوع لا يجري الاستصحاب التعليقي، وإذا رجع إلى الحكم فإنه يجري، ولكنّ نزاعه صغروي؛ باعتبار أن القيد يرجع دائماً إلى الموضوع. فيمتنع عليه إجراء الاستصحاب التعليقي.

ثُمّ يشكل عليه: أنه ما المراد في إرجاع قولنا: (العصير إذا غلى ينجس) إلى قولنا: (العصير المغلي ينجس)، إرجاع القضيّة الشرطية إلى الحملية، وإرجاع قيود الحكم إلى قيود الموضوع، إما أن يكون المراد به أن الجملة الشرطية تستعمل مجازاً أو كناية في مفاد الجملة الحملية.

ـــــــــــــــــــــــــ[361]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فهذا يحتاج إلى قرينة، وهي غير موجودة، وظاهر القضيّة الشرطية غير ظاهر القضيّة الحملية.

وإن كان المراد أن القضيّة الشرطية بحسب اللُّبّ ترجع إلى الحملية بالبرهان العقلي، فليكن البرهان صحيحاً لكنّه لا يضرّ بمناط جريان الاستصحاب، فإن مناط جريانه هو أن نرى أن مفاد القضيّة الصادرة عن الشارع ما هو؟ لا أن نرجع إلى تأويلاتها ونلاحظ قضيّة أخرى ملازمة لها، وما هو مفاد كلام الشارع هو قضيّة شرطية لا حملية، ومقتضاها رجوع القيد إلى الحكم لا إلى الموضوع، فيجري الاستصحاب التعليقي بلا إشكال.

هذا حاصل ما أفاده في (المستمسك). وفيه مواقع للنظر.

[مواقع للنظر في ما أفاده صاحب (المستمسك)]
الموقع الأول:

أوّلاً: أنه لو فرض صحّة جريان الاستصحاب التعليقي فيما إذا كان القيد قيداً للحكم -كما قيل- بالبرهان الذي ذُكر؛ لذلك، فإنه لا يفرّق فيه بين أن يكون القيد قيداً للحكم أو قيداً للموضوع، بل يلزم منه جريان الاستصحاب التعليقي مطلقاً، سواء كان قيداً للحكم أو الموضوع؛ لأن نكتة البرهان وهي: أن الحرمة لا يعقل أن تكون متأخّرة في وجودها عن الجعل لاستحالة التفكيك بين الجعل والمجعول، فلا بُدّ من الالتزام بأن الحرمة لها نحو وجود قبل الغليان، فيجري استصحابها.

هذا البيان يأتي أيضاً فيما لو قال المولى: (العنب المغلي حرام)، فإن مسألة 

ـــــــــــــــــــــــــ[362]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

انفكاك المجعول عن الجعل لا يفرّق فيها بين أن يكون القيد قيداً للحكم أو للموضوع، فإذا تمّ هذا البرهان لزِمَ جريان الاستصحاب التعليقي في كِلا الحالين.

الموقع الثاني:

ثانياً: أننا لو سلّمنا هذا التفصيل بين قيد الحكم وقيد الموضوع، وسلّمنا مع الميرزا بأن البرهان العقلي قام على أن قيد الحكم دائماً يكون قيداً للموضوع، إذن يصحّ ما أراده الميرزا، ولا ينبغي أن يشكل على ذلك: بأن المناط والمعيار هو القضيّة بحسب لسان الشارع لا قضيّة متّحدة معها في النتيجة، -لا يُقال ذلك- لأن هذا البرهان العقلي يشكّل قرينة عقلية صادقة لظهور الجملة الشرطية في الشرطية وإرجاعها إلى الحملية، ومن المعلوم أن الدليل الشرعي يدلّ على تحديده كلّ من القرائن اللفظية والعقلية معاً.

الموقع الثالث:

ثالثاً: أن تقريب السيّد صاحب (المستمسك) للمطلب غير صحيح، فإنه يقرّب هذا المطلب بمثال ويقول: إننا إذا رأينا الشارع قال: (إذا وجِدَ شهر رمضان فصُم)، وشككنا في بقاء الشهر، نستصحبه، ولا يوجد إشكال المثبتية، وأما إذا قال: (إذا وجِدَ شهر رمضان فصُم في شهر رمضان)، بحيث أُخذ الصوم بنحو مفاد (كان) الناقصة، فهنا لا يجري استصحاب شهر رمضان؛ لأنه لا يثبت كون الصوم في شهر رمضان، مع أن مآل القضيتين واحد.

هذا المثال ليس مثالاً؛ لأن المآل واحد -في هذا المثال-، بمعنى أن ما يعمله 

ـــــــــــــــــــــــــ[363]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المكلّف خارجاً واحد، وهو أنه يصوم في شهر رمضان.

لكن القضيّة الشرعية تختلف، ومفاد (كان) التامّة مباين في مجال الجعل والتصوّر مع مفاد (كان) الناقصة وإن كان عمل المكلّف واحداً، وأين هذا من محلّ الكلام! فإنه ليس المقصود: أن المآل بمعنى العمل في الشرطية والحملية واحد، بل المراد: أن القضيّة الشرطية مآلها الجعلي إلى القضيّة الحملية.

وأما ثالثاً: فإنه ليس هذا هو مراد الميرزا، ليس نزاعه صغروياً، ولا دعوى أن قيود الحكم ترجع إلى الموضوع بالمعنى الذي أراده السيّد من الموضوع، بل نزاعه كبروي، وما يسمّيه السيد (قيود الحكم وقيود الموضوع) كلّها يسمّيها الميرزا (قيود الموضوع). 

توضيح ذلك: أن الموضوع له اصطلاحان: 

الأوّل: معروض الحكم ومركّبه، وما يكون الحكم صفة له، كالماء المتغيّر الذي هو معروض النجاسة، أو التراب الذي هو معروض الطهورية، وهو مراد (المستمسك). حينئذٍ نستطيع أن نميّز بين قيود الحكم وقيود الموضوع، ولكن هذا الاصطلاح لم يمشِ عليه الميرزا أصلاً في الأصول.

الثاني: أن الموضوع عبارة عن تلك الخصوصيات التي تؤخذ مقدّرة الوجود في مقام جعل الحكم.

فإن الميرزا طرح في بحث الواجب المشروط تصورين:

أحدهما: أن تكون الوجوبات مخلوقة للمولى وناشئة منه وإن تدرّجت فعليّاتها.

ـــــــــــــــــــــــــ[364]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ثانيهما: أن لا تكون ناشئة من المولى، بل هي مخلوقة لأسبابها، كالاستطاعة في سنة كذا.

ثمَّ قال: إن الثاني مبني على القول بإمكان جعل السببية شرعاً، وحيث لا يُقال بإمكانه يتعيّن الأوّل، وهو أن تكون كلّ الوجوبات مخلوقة للمولى، وهذا يتصوّر بنحوين: إما بالإنشاءات المندرجة الكثيرة من قِبَل المولى، وهذا غير محتمل خارجاً، فينحصر المطلب بالنحو الآخر وهو إنشاء واحد مقدّر الوجود على موضوع مقدّر الوجود، ويصير محقّقاً تبعاً لتحقّق موضوعه.

وهذا معنى جعل الحكم على نحو القضيّة الحقيقية، ومن هنا يصطلح الميرزا بالموضوع على كلّ ما يؤخذ مقدّر الوجود.

ومن هنا صرح: أن كلّ قضيّة حملية ترجع إلى قضيّة شرطية، ولم يقل: إن الشرطية ترجع إلى الحملية، إلّا في مقام توضيح مطلبه، يعني: أن الموضوع دائماً مأخوذ مقدّر الوجود، وبما أن التقدير واضح في الشرطية ومستتر في الحملية، قال إن الحملية ترجع إلى الشرطية.

وبهذا يتبيّن أن الميرزا حين يمنع من الاستصحاب التعليقي، في الأحكام لا يريد التفصيل بين رجوعه إلى مركّب الحكم من قبال رجوعه إلى الحكم نفسه، فإنه لا يريد بقيد الحكم هذا الاصطلاح، بل يريد به اصطلاح نفسه.

وإلّا فكيف يفرض أن الميرزا يرجع كلّ قضيّة شرطية إلى قضيّة حملية، وأن قيد الحكم يرجع إلى قيد الموضوع، لانسدّ باب استفادة المفاهيم أصلاً، مع أن الميرزا يصرّح أن استفادة المفاهيم إنما هو برجوع القيد إلى الموضوع أو المادّة، فلا 

ـــــــــــــــــــــــــ[365]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يستفاد المفهوم، وإن رجع إلى الهيئة أو الحكم فإنه يستفاد المفهوم.

ولم يظهر من الميرزا البرهان العقلي الذي أشير له في كلام السيد. إذن فالميرزا قائل بمنع الاستصحاب التعليقي مطلقاً، وليس قائلاً بالتفصيل.

[مناقشة الميرزا على ما ورد في التقريرين]

هنا لا بُدّ من الالتفات(1) إلى ثلاث نقاط قد تكون نقاط ضعف في كلام التقريرين، وبمناقشتها يتعمّق كلام الميرزا:

[نقطة الضعف الأولى]  

إن سوق الكلام في التقريرين يقتضي أن الميرزا كأنّه يريد أن يربط عدم جريان الاستصحاب التعليقي في الأحكام بمبناه من أن كلّ قيد من قيود الحكم راجع إلى قيود الموضوع.

فإنه يقول: (حيث إن قيود الحكم ترجع إلى الموضوع، فلا فعلية للحكم قبل وجود قيده حتى يجري استصحابه).

فإذا فسّرنا الموضوع بمصبّ الحكم أو مَرْكَب الحكم، حينئذٍ يُقال: بأن القيد إن كان للمركّب فلا يجري الاستصحاب؛ لأن فعلية الحكم فرع فعلية مركّبه ومصبّه، وبديل هذا القول الذي يبتني عليه جريان الاستصحاب هو أن يكون القيد قيداً للحكم، فيكون كأنّه التفصيل الذي ذهب إليه (المستمسك).

ولكنّنا عرفنا أن الموضوع عند الميرزا ليس هو ذلك، بل كونه مأخوذاً مقدر 

ـــــــــــــــــــــــــ[366]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص أوّلاً الصيغة البدائية للميرزا، ثُمّ قال: هنا لا بُدّ من الالتفات… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الوجود في عالم الجعل، فمراده أن قيد الحكم يشمله التقدير أيضاً، فلا يجري الاستصحاب أيضاً؛ لأنه لا فعلية للحكم قبل فعلية قيده، بناءً عليه ما هو القول الآخر الذي قد يجري عليه الاستصحاب التعليقي الذي كان يلحظه الميرزا هنا؟!

الشيخ محمد علي فهم أيضاً انه هناك قول آخر يتمّ عليه جريان الاستصحاب، واعترض عليه بناءً على مفهومه عن مطالب الميرزا، في الهامش.

أما ما فهمه من الميرزا فهو ما أشرنا إليه من أن الميرزا طرح احتمالين: أحدهما: أن تكون الوجوبات مجعولة للمولى. ثانيهما: أن تكون مجعولة للاستطاعة ونحوها. ثُمّ أبطل التصوّر الثاني، وعيّن التصوّر الأوّل وأنها مجعولة من قِبَل المولى على نحو الإنشاء الواحد المجعول على نهج القضيّة الحقيقية، وقد استظهر الكاظمي أن يكون نظر الميرزا إلى أنه بناءً على أن الوجوبات والأحكام مخلوقة لأسبابها التكوينية الخارجية، وأن المولى يجعل السببية -سببية الاستطاعة والغليان للحرمة-، بناءً على هذا المبنى يتمّ جريان الاستصحاب التعليقي، وأما بناءً على جعل الحكم بنحو القضيّة الحقيقية فلا يتمّ جريانه.

ومن هنا أشكل عليه في (الحاشية): أن نكتة الاستصحاب التعليقي لا يفرّق فيه بين المبنيين، فلو بنينا على ذلك المبنى الباطل مع هذا نقول: إن الحرمة حيث إنها مخلوقة للغليان فلا وجود لها قبله، إذ لا يعقل وجود المعلول قبل وجود علّته، ومعه لا يمكن استصحابه، إذن فنكتة عدم جريان الاستصحاب -وهي عدم اليقين السابق- مشتركة بين المبنيين.

ـــــــــــــــــــــــــ[367]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ولكن إذا كان نظر الميرزا إلى التحرّز من هذا المبنى الباطل، فيمكن أن يُقال: إن سبب التحرّز من ذلك: أنه إذا كانت الأحكام مسبّبة عن أسبابها فلا بُدّ أن يفرض أن السببية مجعولة من الشارع، وبهذا يفقد الميرزا إشكاله الأساسي على الذين يقولون بجريان الاستصحاب التعليقي لو قالوا إننا نستصحب القضيّة التعليقية والملازمة بين الغليان والحرمة، فإن مهمّ إشكال أنها قضيّة عقلية، فلا يمكن استصحابها، مع أنها على تقدير جعل السببية تكون مجعولاً شرعياً بنفسها، فلماذا لا يجري الاستصحاب.

إلّا أنني أظنّ أن نظر الميرزا في مقام التحرّز ليس إلى ذلك المبنى، بل نظره إلى مبنى من قبيل مبنى المحقّق العراقي و(المستمسك)، يقول: بأن الحكم منوط بالوجود اللّحاظي للقيد لا بالوجود الواقعي له، وهو الذي قرأناه في الكفاية في بحث معقولية الشرط المتأخّر، حيث قال الآخوند: إن الشرط ليس هو الشرط الخارجي المتأخّر، بل الوجود اللّحاظي وهو مقارن دائماً. فيلحظ الميرزا أن الشرط هو الوجود اللّحاظي، لكن بنحو مقدّر الوجود، لا الوجود اللّحاظي مطلقاً، وإلّا كان الحكم فعلياً لتحقّق الشرط، فينفتح باب لجريان الاستصحاب. أما ان هذا المبنى ينفع أو لا ينفع فهذا ما سوف يأتي.

[نقطة الضعف الثانية]

النقطة الثانية أن الميرزا ذكر ثلاثة أمور: الجعل والمجعول والقضيّة التعليقية، أما الجعل فلا شكّ في ارتفاعه، وأما المجعول فلا علم بوجوده، وأما القضيّة التعليقية فقد أشكل عليها بأنها عقلية، وهذا الإشكال مشترك بين التقريرين، واقتصر عليه السيّد الأستاذ. 

ـــــــــــــــــــــــــ[368]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأضاف الشيخ محمد علي إشكالاً آخر: هو أنه مضافاً إلى كونها عقلية فإنها معلومة البقاء إلى الأبد، فمن المعلوم أنه ما لم ينسخ الحكم نستطيع أن نشير إلى بعض أجزاء الحكم، ونقول: لو انضمَّ إليه الجزء الآخر لترتّب عليه الحكم.

إلا أن الأحسن حذف هذا الإشكال، فإن الصيغة للقضية التعليقية لا يُراد بها ذلك، فإن المعلّق عليه لو كان هو عنوان إجمالي لباقي أجزاء الموضوع، فلا شكّ في بقائها، ولكنّنا نريد قضيّة شرطية يكون المعلّق عليه تفصيلي، وهو أنه لو انضمّ إليه الغليان لحرم، فنستصحبه، وهي مشكوكة البقاء لا محالة.

[نقطة الضعف الثالثة]

النقطة الثالثة: أن الميرزا قال: هذا كلّه إذا أردنا أن نستصحب الحكم، فقد يُقال: إننا نستصحب السببية والملازمة بين الغليان والحرمة، فجعله وجهاً رابعاً، ثُمّ بدأ بالإشكال عليه.

قد يُقال: إن هذا الوجه الرابع هو عين القضيّة التعليقية، لا فرق بينها وبينه. فإن الشرطية مفادها دائماً هو الملازمة والارتباط بين الجزاء والشرط، فكيف فرضها الميرزا أمراً آخر وراءها؟!

وتوضيح الحال في ذلك: أن السببية لها معنيان: فإنه تارةً يُراد بها الحالة التي تكون ثابتة حتى في حال عدم وجود السبب والمسبّب أصلاً، وهذا المعنى ليس له محصّل إلّا القضيّة الشرطية، يعني الملازمة المفادة بقولنا: (لو وجد النار لأحرق). وأخرى يُراد بها السببية الفعلية المنتزعة عن ترتّب المسبّب عن سببه.

فإن أراد الميرزا المعنى الأوّل فهو عين الشرطية، ولا معنى لجعله وجهاً 

ـــــــــــــــــــــــــ[369]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

رابعاً، وتكون نقطة ضعف جديدة في كلامه، ولكنّه إن أراد المعنى الثاني فهو معنى آخر غير الشرطية، وإنما هي قضيّة تنجيزية، غاية الأمر أن المحمول فيها حكم وضعي وهو السببية، لا تكليفي وهو الحرمة.

وظاهر (الفوائد) هو الأوّل، ومن هنا يتسجّل الإشكال عليه؛ لأنه يفرض هذه الملازمة فعلية قبل وجود الغليان، ومفاد أنه يُريد المعنى الأوّل: أما (أجود التقريرات) فظاهره المعنى الثاني بقرينة نحو إشكاله عليه، فإنه يقول: إننا نتكلّم في السببية ما نتكلمّ في المسبّب، فإنه إن أريد بالسببية جعلها، فهو مما لا يحتمل ارتفاعه إلّا باحتمال النسخ، وإن أريد فعلية السببية فهي فرع فعلية السبب، والمفروض عدم وجود تمام أجزاءه.

هذا تمام الكلام في تعميق كلام الميرزا.

مناقشة المنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام التعليقية

بعد ان اتّضح المفهوم الكامل لمراد المحقّق النائيني، في المنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام التعليقية، يقع الكلام في مناقشة ذلك، وهي تكون في مقامين: 

المقام الأوّل: فيما هو المختار، وهي مناقشة في إطلاق النفي لا في أصله، بحيث تنتج التفصيل بين بعض الموارد وبعض في جريان الاستصحاب التعليقي.

والمقام الثاني: المناقشات التي ذكرت من قِبَل الآغايون، وهي مناقشات في أصل النفي.

ـــــــــــــــــــــــــ[370]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المقام الأوّل: في المناقشة في إطلاق النفي

المقام الأوّل في المناقشة في إطلاق النفي، ودعوى انه لا بأس بجريانه في بعض الموارد.

وتوضيح المدّعى في المقام: أننا نسلّم تبعاً للمحقق النائيني، بأن كلّ قيد راجع إلى الموضوع، بالمعنى الذي ذكرناه، وهو المأخوذ مقدّر الوجود، وفي موارد الاستصحاب التعليقي نواجه جزءاً محقّقاً وجزءاً غير محقّق، ونقول: (هذا العنب إذا غلى حرّم). وكِلا هذين الجزأين داخل في الموضوع بالمعنى الذي ذكرناه، لكن لا يلزم ولا يتبرهن أن تكون هذه الأجزاء مقدّرة الوجود في عرض واحد وفي مرتبة واحدة، بل كما يعقل أن يكون الجزء الموجود مع الجزء الذي لم يوجد، مقدّرين في عالم الجعل في مرتبةٍ واحدةٍ أو تقديرٍ واحد، كذلك يمكن أن يكونا مقدّرين أحدهما في طول الآخر وموضوعاً للآخر.

مثلاً مرّة يقول: (العنب المغلي حرام)، فبعد فرض أن القضيّة الحملية ترجع إلى القضيّة الشرطية، نرجع إلى قولنا: (إذا وجِدَ عنب وكان مغلياً كان حراماً)، فالعنب والغليان قدّرا في مرتبةٍ واحدة، هو التقدير الذي يستبطنه الموضوع في القضيّة الحملية، وقد يفرض أنهما يقدّارن بتقديرين:

أحدهما في طول الآخر، وهذا يتصوّر في نحوين من الجعل: في جعل صيغته هكذا: (العنب إذا غلى حرّم)، فإنه يوجد عندنا قضيتان حملية وشرطية، فالحملية موضوعها (العنب) ومحمولها القضيّة الشرطية، والشرطية مقدّمها (الغلي) وجزاؤها (الحرمة)، فعندنا تقديران: تقدير يستبطنه موضوع الحملية، وتقدير 

ـــــــــــــــــــــــــ[371]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يُصرح به في الشرطية. وأحد التقديرين وقع موضوعاً للآخر أو بمثابة موضوعه.

النحو الآخر للجعل الذي يستبطن التقديرين الطوليين، هو جعلٌ تكون صيغته هكذا: (العنب يحرم المغلي منه)، فهنا قضيتان حمليتان إحداهما وقعت محمولاً في الأخرى، و(العنب) موضوعاً في الأولى ومحمولها القضيّة الثانية، وتقديرية (العنب) موضوعاً لتقديرية الغليان.

لا يوجد برهان على تعيّن عرضية التقديرين، في مقابل طوليتهما، وإنما يوجد برهان على لزوم التقديرية أساساً.

أما أن يكون تقديريتها في عرض واحد فلا يوجد برهان على تعينه، بل هو بيد الجاعل، يمكن أن يجعله عرضيا أو طولياً. 

فالمدّعى أنه إذا كانا مقدّرين بتقدير واحد، فإن الاستصحاب التعليقي لا يجري تبعاً للميرزا، وأما إذا كانا طوليين في التقدير، وأحدهما موضوعاً للآخر بأحد النحوين السابقين فإنه يكون جارياً. 

أما برهانه: فلِكي يتّضح البرهان عليه فلا بُدّ أن نستذكر من أن الاستصحاب كيف يجري في القضيّة التنجيزية في الشبهات الحكمية؟ وهذا ما تقدّم تحقيقه في محلّه، وملخّصه: أننا إذا أردنا أن نستصحب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، فهل نستصحب المجعول أو نستصحب الجعل؟ وهل عندنا مجعول وراء الجعل أو لا؟

وهذا السؤال يُجيب عليه الميرزا، -بحسب ظاهر كلماته أنه يرى أن المجعول له وجود وفعلية وراء عالم الجعل، ولهذا يجعل الحكم بنحو القضيّة 

ـــــــــــــــــــــــــ[372]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الحقيقية على الموضوع المقدّر، فإن أصبح الموضوع متحقّقاً توجد عندنا نجاسة في الخارج وهو الوجود الفعلي للمجعول.

إلّا أنه تقدّم في بحث الواجب المطلق والمشروط وفي بحث جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية: أن المجعول لا يعقل أن يكون له وجود وفعلية وراء عالم الجعل، بل هو مجعول بنفس وجود الجعل، فإن الجعل عبارة عن الفرض، والمجعول هو المفروض، والمفروض ليس له وجود وراء عالم الفرض.

إذا بنينا على أن هناك مجعولاً وراء عالم الجعل لسهل علينا أن نجيب على السؤال الأوّل، ونقول: إننا حين نريد أن نستصحب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال التغيّر، نستصحب المجعول المتحقّق عند وجود الموضوع، وهو الماء المتغيّر، فإذا وجِدَ الماء المتغيّر يحصل لي يقين بفعلية المجعول، وأشكّ بارتفاعه بعد ارتفاع تغيّره، فاستصحب، لكن بناءً على هذا يتوقّف استصحاب النجاسة على أن يوجد مجعول في الخارج بوجود موضوعه.

وأما بناءً على أن المجعول، موجود بعين وجود الجعل، فحينئذٍ ماذا نستصحب؟ هل نستصحب المجعول؟ هو عين الجعل. أو نستصحب الجعل؟ نحن لا نشكّ بارتفاعه، وقد أجبنا على ذلك هناك وقلنا: إننا نستصحب الجعل بما هو مجعول.

توضيح ذلك: أن الجعل له لحاظان: لحاظ بالحمل الأوّلي، ولحاظ بالحمل الشايع. فإن الجعل اعتبار قائم في نفس المولى، والقذارة التي أوجدها على الماء 

ـــــــــــــــــــــــــ[373]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المتغيّر بالحمل الشايع هي مصداق للأمور الذهنية للمولى. وبالحمل الأوّلي نرى أن المجعول هو نجاسة الماء المتغيّر ووصف للماء لا لنفس المولى، والاستصحاب يجري في الجعل بما هو بالحمل الأوّلي، يعني في القذارة بما هي وصف للماء المتغيّر، وحينئذٍ يتصوّر لها حدوث وبقاء بتبع حدوث التغيّر وارتفاعه، وبناءً عليه قلنا: أن استصحاب النجاسة يمكن أن يجري قبل أن يوجد ماء متغيّر في الخارج؛ لأننا نستصحب الجعل في الواقع، هذا ملخّص ما سبق.

فإذا كانت العنبية والغليان مأخوذين بتقدير واحد، كـ(العصير العنبي المغلي حرام)، فإن الاستصحاب التعليقي لا يجري؛ لأننا لا نجري استصحاب الجعل بما هو جعل، فهو مما لا شكّ في بقائه إلّا بنحو النسخ، أو نستصحب المجعول، فهو على تصوّر الميرزا من أن المجعول فعليته بفعلية موضوعه، لم نكن على يقين من المجعول؛ لأنه إنما يتحقّق بتحقّق موضوعه، والمفروض أن الموضوع لم يتحقّق في الخارج، وأما بناءً على تصورنا للمجعول من لحاظ الجعل بالحمل الأولي، فنحن إذا نظرنا إلى حرمة العصير العنبي المغلي بالحمل الأوّلي نراها صفة للعصير العنبي المغلي، فنحن على يقين من ذلك، وهو لم يتحقّق في الخارج حتى أكون على يقين من ثبوت الصفة له حتى أستصحبه، إذن فالاستصحاب التقديري للمجعول لا يجري على كِلا التقديرين، في هذا القسم.

وأما على القسم الآخر، وهو أن يكونا مقدّرين طوليين، فعلى كِلا التقديرين يجري استصحاب المجعول: 

أما بناءً على تصورنا: فإننا إذا نظرنا إلى الجعل الموجود في قوله: (العنب إذا 

ـــــــــــــــــــــــــ[374]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

غلى حرّم) بالحمل الأوّلي، نرى أنه ثبتت صفة للعنب هي نفس القضيّة الشرطية أو الحملية في قوله: (العنب يحرّم المغلي منه)، فهذا الجعل بالحمل الأوّلي عبارة عن ثبوت قضيّة حملية أو شرطية للعنب، وهذه القضيّة كنّا على يقين من ثبوتها عندما كان عنباً، ونشكّ بثبوتها عندما يصير زبيباً، فيكون جريان الاستصحاب على القاعدة، بدون إشكال أننا لم نكن على يقين من الحكم.

وأما بناءً على تصوّر الميرزا: فأيضاً الأمر كذلك، فإنه يصير عندنا جعلان طوليان، فهناك جعل أوّلي محموله الشرطية أو الحملية، وموضوعه هو العنب، وهذا الجعل يصبح مجعوله فعلياً بفعلية العنب، غاية الأمر أن هذا المجعول بنفسه فعليته تنتج قضيّة حقيقية تقديرية، موضوعها الغليان ومحمولها الحرمة، فيصير عندنا ثلاث مراتب لا مرتبتان، وبفعلية العنبية يصبح المجعول الأوّل فعلياً فيجري استصحابه. وللكلام تتمّة.

*****

إذا تمّ جعل الحكم من قضيتين حقيقيتين، جعلت إحداهما محمولاً للأخرى -كما مثّل-، فحينئذٍ يُقال: إننا نستصحب القضيّة الحقيقية لا القضيّة التنجيزية، وهي ليست القضيّة الحقيقية الأمّ، فإنها لا يشكّ في بقائها إلّا باحتمال النسخ، لكن نستصحب القضيّة البنت التي وقعت محمولاً للقضية الأمّ، وهي -يعني البنت – فعليتها بما هي قضيّة حقيقية إنما يكون عند تحقّق موضوع القضيّة الأولى، فحين يخرج موضوع القضيّة من التقدير إلى التحقيق، يخرج محمولها إلى التحقيق أيضاً، وهي القضيّة البنت، ومعه لا بأس بجريان 

ـــــــــــــــــــــــــ[375]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب التعليقي(1)

نعم، قد يرد إشكال آخر نتعرض له في نهاية البحث. 

المقام الثاني: في المناقشة في أصل النفي

يُقال: إن الاستصحاب التعليقي يجري دائماً، مع قطع النظر عن النكتة التي ذكرناها في المقام السابق. 

وفي المقام يذكر وجوهاً من الإشكال على المحقّق النائيني:

[الوجه الأول بناءً على جريان الاستصحاب في القضية التعليقية]

الوجه الأوّل: بناءً على ان الميرزا يختار الشقّ الثالث، أليس الميرزا قد قدّم ثلاثة محتملات لجريان الاستصحاب التعليقي: جريانه في الجعل، وجريانه في المجعول، وجريانه في القضيّة التعليقية، فهنا يقال: إنه يختار الشقّ الثالث، وهو استصحاب القضيّة التعليقية، قولنا: (هذا لو غلى لحرم). وليس المراد بهذه القضيّة التعليقية، القضيّة الحقيقية التي كنّا نستصحبها قبل قليل، بل يُراد بها الملازمة والسببية التي هي شيء وراء الطرفين، فيقال: بأن الغليان كان سبباً للحرمة، ونستصحب سببيته إلى ما بعد تحوّله زبيباً. 

وأما كونها قضيّة عقلية -على ما ذكر الميرزا- يقال في ردّه: إن السببية وإن لم تكن مجعولاً شرعياً، لكن مَنْ قال إنه يشترط في جريان الاستصحاب أن تكون القضيّة المستصحبة مجعولاً ابتدائياً للشارع؟! وإنما اللازم في 

ـــــــــــــــــــــــــ[376]ــــــــــــــــــــــ

() وهنا قلت له: إن القضيّة البنت تمرّ بمرحلة وسط بين مرحلة الجعل والفعلية

 فقال: نعم. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاستصحاب أن يقع هذا التصرّف تحت سلطان المولى بما هو مولى، ومن المعلوم أن مجعولاته المباشرية تحت سلطانه بما هو مولى، وكذلك فروع ولوازم مجعولاته المباشرية. إذن فهذه السببية المنتزعة عن الجعل مشكوكة البقاء؛ فيجري فيها الاستصحاب.

وهذا الوجه وإن كان يرد على كلام الميرزا بمقدار ما يستفاد من كلماته، لكنّه لا يكفي أن يكون تصحيحاً لجريان الاستصحاب التعليقي.

وذلك: لأن الملازمة والسببية -سببية الغليان للحرمة- وإن كانت تحت سلطان المولى بالتبع، لكن ليس من شرط جريان الاستصحاب أن يكون المستصحب تحت سلطانه لا بالتبع ولا بالذات، ولا بالعرض؛ لأن الاستصحاب إثبات تعبّدي، وما يكون تحت سلطان المولى هو الإثبات التعبّدي دائماً، ولا يشترط -وراء ذلك- أن يكون الوجود الواقعي تحت سلطانه لا بالتبع ولا بالذات، ولم يرد اعتبار ذلك في روايات الاستصحاب ولا في حكم العقل.

وإنما شرط جريان الاستصحاب أن يكون الإثبات التعبّدي معقولاً، ومنتهياً إلى الأثر العملي من التنجيز والتعذير، سواء كان المستصحب بوجوده الواقعي تحت سلطان المولى أم لم يكن.

حينئذٍ نقول -بناءً على هذا-: إنا حين نستصحب السببية بين الغليان والحرمة، فإما أن تريدوا إثبات الحرمة عند الغليان، وبعدها تصلوا إلى الأثر العملي وهو المنجّزية. أو تريدوا أن تصلوا إلى المنجّزية ابتداءً بلا توسّط الحرمة.

ـــــــــــــــــــــــــ[377]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أما بلا توسّط الحرمة فواضح؛ لأننا بيّنا أن السببية ليست من المنجّزات عقلاً، والحرمة إنما توجب التنجيز تبعاً فيما إذا علمنا بها، وأما العلم بمفهوم آخر، فهو لا يوجب تنجّز الحرمة. 

وإن أردتم باستصحاب الملازمة أن تنتهوا إلى الأثر العملي، فهو من الأصل المثبت، فإن الملازمة بين الغليان والحرمة، ملازمة للحرمة، لا موضوع لها، فإن الحرمة لم تترتّب في لسان الشارع على الملازمة، بل على تقدير الغليان. فباستصحاب السببية لا تثبت الحرمة إلّا بالأصل المثبت.

هذا الكلام يمكن أن نفصل فيه، فيما هو المباني فيما هو المجعول في دليل الاستصحاب، فعلى بعضها يدّعى -مثلاً- أن استصحاب السببية يتمّ، ويترتّب عليه المنجّزية، أو على بعضها نقول: إن إشكالنا محكم ولا جواب عليه.

وذلك: لأنه تارةً يُقال: إن المجعول في دليل الاستصحاب هو الحكم المماثل للمستصحب ظاهراً. وأخرى يُقال: إن المجعول فيه شيء آخر، كالطريقية، فإن بنينا على غير جعل الحكم المماثل، فالإشكال الذي بيّناه يكون تامّاً، فإن استصحاب سببية الغليان للحرمة معناه أن المولى جعلني عالماً بالسبب، وهذا العلم لا ينتهي إلى أثر عملي، إلّا بالملازمة العقلية، والسببية وحدها لا يكفي العلم بها للتنجيز.

وأما بناءً على مبنى جعل الحكم المماثل، فباستصحاب السببية يثبت جعلها ظاهراً، والسببية لا يمكن جعلها ابتداءً، فجعلها لا بُدّ أن يكون بلحاظ منشأ انتزاعها، وذلك بأن يحكم المولى بأن الزبيب لو غلى يحرّم؛ ليترتّب عليه أن 

ـــــــــــــــــــــــــ[378]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

غليان الزبيب سبب للحرمة، فإذا ثبت أن المولى جعل السببية ظاهراً؛ فتكون ملازمة مع جعل الحرمة ظاهراً على تقدير الغليان. وهذا ليس من الأصل المثبت؛ لأنه لازمٌ لنفس الحكم الظاهري المجعول في دليل الاستصحاب، وليس من لوازم المستصحب الواقعي، فإذا ثبتت الحرمة على تقدير الغليان ظاهراً، فإنها تصبح فعلية عند تحقّق الغليان، فإن كلّ حرمة معلّقة تصبح فعلية إذا وجد المعلّق عليه، سواء كانت واقعية أو ظاهرية، فتنتهي إلى حرمة فعلية ذات أثر تنجيزي.

فإلى هنا، كأننا ينبغي أن نفصل بين مسلك الحكم المماثل وغيره، وكلّ هذا مأخوذ من مقالات المحقّق العراقي، مع أدنى تغيير، إلّا أن الصحيح أنه على مطلق المباني لا يتمّ استصحاب السببية.

*****

الظاهر(1) عدم تمامية هذا الكلام، وعدم إحكام استصحاب السببية حتى بناءً على جعل الحكم المماثل.

وتوضيحه: أن معنى جعل الحكم المماثل هو أن المدلول اللُّبّي الجدّي لدليل الاستصحاب هو جعل الحكم المماثل، لكن هذا المدلول ليس هو المدلول اللفظي لدليل الاستصحاب بلا إشكال حتى عند القائلين بالحكم المماثل، وإنما مفاده هو النهي عن نقض اليقين بالشك، غاية الأمر أنهم يقولون: إن هذا المفاد إرشاد وكناية إلى جعل الحكم المماثل، وبمقدار ما يتّسع المدلول اللفظي 

ـــــــــــــــــــــــــ[379]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص أوّلاً جملة مما كان قد قاله بالأمس ثُمّ قال: الظاهر… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الإرشادي يتّسع المدلول اللُّبّي المرشد إليه، فإذا أردنا أن نعرف أن الاستصحاب هل يجري أو لا يجري؟ لا بُدّ أن نرى أن المدلول اللفظي هل يشمل المورد أو لا؟ فإن كان شاملاً له عرفنا أنه كناية عن جعل الحكم المماثل، وأما إذا لم يشمل المورد، فلا تصل النوبة إلى المدلول اللُّبّي الكنائي.

هذه القاعدة نطبّقها في المقام، فإن المدلول اللفظي هو النهي عن نقض اليقين بالشك، وقد بيّنا أن المراد به النقض العملي، في مقابل الجري والاقتضاء العملي، فيكون المفاد الأوّلي هو الحكم بلزوم الجري على طبق اليقين والأخذ بما يقتضيه من العمل. وهذا معناه أن اليقين الذي نريد أن نستصحبه له جري عملي، حتى يخاطبنا المولى بالأمر بالجري على طِبقه.

وحينئذٍ لا ينطبق على استصحاب السببية، فإن اليقين بالسببية إن كان له جري عملي فإنه يعقل شمول دليل الاستصحاب له، لكن عرفنا سابقاً أنه ليس له اقتضاء عملي، فإن ما يتنجّز عقلاً هو اليقين بالمسبب لا اليقين بالسببية، وبذلك يخرج المورد عن المدلول اللفظي لدليل الاستصحاب، ومعه لا يشمله المدلول اللُّبّي، وهو جعل الحكم المماثل. وهذا الوجه نكتة عامة في عدم جريان الاستصحاب في سائر الأحكام الوضعية المنتزعة كالسببية والجزئية والشرطية والمانعية، فإننا نبني على عدم جريان الاستصحاب فيها أصلاً، فإن اليقين بها ليس له اقتضاء عملي.

فالصحيح ان استصحاب السببية لا يجري، فالحقّ مع الميرزا -في النتيجة- في عدم جريان الاستصحاب التعليقي.

ـــــــــــــــــــــــــ[380]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الوجه الثاني: [بناءً على جريان الاستصحاب في المجعول]

 ما أشرنا إليه سابقاً في نقل كلام (المستمسك)، وحاصل ما ذكره المحقّق العراقي هو أن مبنانا في باب الواجب المشروط يدفع الإشكال.

توضيحه: أن هذا الوجه يختار -من الخصال الثلاث التي قدّمها الميرزا- جريان الاستصحاب في المجعول، وكان إشكال الميرزا فيه هو أن الحكم المجعول مُنشأ على نهج القضيّة الحقيقية، فما لم يوجد الموضوع المقدّر الوجود، بتمام أجزائه، وقبل أن يكون المحمول فعلياً فلا يقين بالمجعول حتى يستصحب.

يُجاب عنه: أنه مبني على أن الوجوب المشروط يكون مشروطاً ومعلّقاً حقيقةً على وجود الشرط، ولكنّنا لا نقبل هذه الفكرة، وأن الحكم معلّق على سببه لتعلّق الإحراق على وجود النار، فإن التعليق في القضايا التكوينية صحيح، وأما في القضايا الشرعية فلا نتعقّله.

وإنما المجعول الشرعي معلّق على الشرط بوجوده التصوّري اللّحاظي، وحيث إن الوجود اللحّاظي تامّ ومتحقّق في عالم الجعل، إذن فالمجعول ناجز في عالم الجعل، وفعليته بنفس فعلية الجعل، ولا ينتظر له فعلية أخرى، غاية الأمر أنه -بما هو مشروط- يكون فعلياً، وهذه الفعلية ليست معلّقة على وجود الشرط خارجاً، وإلّا لزم انفكاك الجعل عن المجعول، وهو مستحيل؛ لأنه من قبيل الإيجاد والوجود والتصوّر والمتصور.

بناءً عليه يجري الاستصحاب في الحكم المجعول بلا إشكال، فإن المانع منه هو تخيّل أن الحكم المجعول معلّق حقيقةً على الوجود الخارجي للشرط، فإنه 

ـــــــــــــــــــــــــ[381]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بدونه لا حرمة حتى نستصحبها. وأما إذا اتّضح أن الحرمة ليست معلّقة على الوجود الخارجي للعصير العنبي المغلي، بل على الوجود اللّحاظي، وهو فعلي من حين الجعل، إذن فيمكن استصحابه.

وهذا الوجه لا يرجع إلى محصّل.

وتحقيق الكلام في ذلك: أن ما ذكره من أن المجعول ليس منوطاً حقيقةً بالوجود الخارجي صحيح، وأنه منوط بالوجود اللّحاظي للشرط صحيح، وأنه ليس له فعلية وراء الجعل، بل فعليته بفعلية نفس الجعل صحيح، إلّا أن هذه التصوّرات نتج منها ناتجان:

أحدهما: تصوّر ومنهجة خاصّة في كيفية جعل الأحكام، ونحن نختلف مع مدرسة المحقّق العراقي في ذلك، وليس هذا البحث موضعه، بل موضعه هو بحث الواجب المطلق والمشروط.

الثاني: تصحيح جريان الاستصحاب التعليقي، وهو أيضاً لا نتعقّله.

وتوضيحه: أنه بعد فرض أن المجعول لا وجود له ولا فعلية له إلّا بالجعل، إذن فلنقل بعبارة صريحة واضحة: ليس عندنا إلّا الجعل وهو الاعتبار النفساني للمولى، وهذا أمر صحيح. وهو جعل الحرمة على العصير العنبي المغلي، إلّا أن هذا الجعل له لحاظان كما أشرنا إليه: لحاظ تصوّري بالحمل الأولّي، ولحاظ تصديقي بالحمل الشايع، ويختلف هو بأحدهما عما هو بالآخر، فإن لاحظنا الجعل بالحمل الشايع، فهو صورة ذهنية ثابتة في ذهن المولى وصفة له، وإذا لاحظنا بالنظر التصوّري الأولي، فهو صفة للعصير العنبي.

  ـــــــــــــــــــــــــ[382]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

فنحن نجري الاستصحاب في الجعل بما هو بالحمل الأوّلي. وأما ما هو بالحمل الشايع فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه، ويكون الشكّ دائماً شكّاً في الحدوث، وأن الصورة الذهنية هل حدثت في ذهن المولى أو لا؟

وأما إذا أردنا أن نلحظ الجعل بالنظر التصوّري الأوّلي، فسوف نرى الحرمة صفة للعصير المغلي، وحيث إنه له حدوث وبقاء، فيمكن استصحابه، لكن هذا إنما يتصوّر فيما إذا لاحظنا أفق العصير العنبي المغلي، وأما إذا لاحظنا العصير العنبي قبل الغليان، فلا نرى أن هذه الحرمة صفة له حتى نستصحبه.

إذن فهذا الوجه أيضاً لا يتمّ(1).

الوجه الثالث: محاولة المحقق العراقي لتصوير جريان الاستصحاب التعليقي من دون واحدة من الصيغ الثلاث

وهو محاولة ثالثة للمحقق العراقي لتصوير جريان الاستصحاب التعليقي من دون أن يختار أيّ واحدة من الصيغ الثلاث التي قدّمها الميرزا.

وتوضيح كلامه مبني على توضيح مقدّمة:

وحاصلها: أنه في كلّ مورد يكون عندنا علم بالملازمة بين الشرط والجزاء، يكون لنا علم بالجزاء لكن منوطاً. 

ـــــــــــــــــــــــــ[383]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص أوّلاً ما كان قاله في المحاضرة السابقة، واستنتج من ذلك: أن المشروط لا يوجد قبل وجود شرطه صحيح بالحمل الشايع، لا بالحمل الأولي، وجريان الاستصحاب دائماً يكون بلحاظ الحمل الأوّلي، فلا يكون هذا المبنى تصحيحاً لجريان الاستصحاب التعليقي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

توضيحه: أننا نعلم بالملازمة بين طلوع الشمس وكون النهار موجوداً، والعلم بها فعلي، فإذا علمنا بوجود الشرط فسوف نعلم بالجزاء جزماً، وهذا العلم الذي قلناه بالجزاء لا وجود له إلّا بعد وجود الشرط، والمحقق العراقي يريد أن يصوّر علماً موجوداً في أفق العلم بالملازمة، فبمجرّد أن نعلم بالملازمة نعلم باللازم، وهذا أمرٌ غريب فإنهم قالوا: إن صدق الشرطية لا يقتضي صدق طرفيها.

لكن هذه الغرابة تنكسر سورتها إذا عرفنا أن هذا العلم باللازم علمٌ موجود بالفعل لكنّه مقيّد ومنوط، بمعنى أنه يتصوّر في العلوم الفعلية قسمين: علوم مطلقة وعلوم مقيّدة، فعلمنا بالملازمة مطلقاً وعلمنا باللازم علم منوط بتقدير وجود الشرط، بمعنى أن الإنسان عندما يفرض وجود الشمس يعلم بأن النهار موجود، وحيث إن هذا العلم فعلي منوط بتقدير وجود اللازم، فيصبح الإخبار عنه فعلياً بتقدير وجود الملزوم.

ويقول: إن هذا هو مفاد القضيّة الشرطية: (إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود)، بِمَ يخبر بهذه القضيّة؟! 

قد يُقال: إنه يخبر عن الملازمة. كلّا. فإن ظاهر القضيّة الشرطية تكفّلها لبيان أمر خارجي والملازمة ليست موجودة في الخارج. إذن فهي إخبار عن اللازم، وهذا الإخبار إن كان مطلقاً فهو كذب؛ لأن الشمس غير طالعة ولا النهار موجود، وإن كان قيداً في المخبر عنه، والإخبار أيضاً مطلقاً، فأيضاً 

ـــــــــــــــــــــــــ[384]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

تصبح القضيّة كذباً، فإنه لا يمكن أن يُقال: الآن(1) النهار موجود وجوداً منوطاً بطلوع الشمس.

فلا بُدّ أن يكون قيداً في نفس الإخبار، فهو إذن إخبار منوط، فإن كان منوطاً بوجود الشرط خارجاً، لكان -حينما يكون الشرط مستحيلاً كآية: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ(2)– لَما كان الإخبار غير متحقّق أصلاً، ولا تتّصف القضيّة بالصدق والكذب، وهذا باطل جزماً، إذن فلا بُدّ من أن تفرض أن للقيد قيداً بوجوده التقديري.

ومن هنا برهن على أن كلّ علم بالملازمة ملازمه علم باللازم، وكلّ إخبار يلازمه إخبار عن اللازم.

وهذه (المقدّمة) في الواقع مقدّمة لكثير من تصوّرات المحقّق العراقي، ومنها في المقام؛ لأنه يقول: ألسنا نعلم بالملازمة بين الغليان والحرمة؟! أنا لا أريد أن استصحب الملازمة حتى لا يرد إشكالكم بإنها عقلية، لكنّنا عرفنا أن العلم بالملازمة يولّد علماً آخر، وهو علمنا باللازم وهو الحرمة علماً منوطاً بالوجود التقديري للغليان، ومعه كما يكون اليقين بالحرمة منوطاً يكون الشكّ في الحالة الثانية -عندما يصبح العنب زبيباً- شكّاً منوطاً بنفس التقدير، فيجري الاستصحاب جرياناً فعلياً منوطاً، وكما أن اليقين موضوع للمنجّزية والمعذّرية 

ـــــــــــــــــــــــــ[385]ــــــــــــــــــــــ

() أقول: ليس هذا معناه، بل قيّد (الآن) راجع إلى الإخبار، فهو الآن يُخبر عن تحقّق النهار في ظرف تحقّق شرطه وهو الطلوع، وهو صادق على تقدير صدق الملازمة لا محالة. (المقرِّر).

(2) الأنبياء: 22.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

عقلاً، فكذلك المطلق، وتكون المنجّزية منوطة أيضاً.

وعندنا في مناقشته كلامان: أحدهما في مناقشة كبراه. والآخر في مناقشة بعض الخردوات.

الكلام في مناقشة المحقّق العراقي في كبراه

أما الكلام الأوّل فكأنّ علماء الأصول -حتى الميرزا الذي أسس أساس القضيّة الحقيقية أيضاً له تعبيرات مشابهة لكلام المحقّق العراقي- فهناك اتّجاه للأصوليين وهو أن يتصوّر الإناطة والتعلّق في الصفات النفسية بالرغم من أنها موجودة بالفعل، ولم يرد بين وجودها وإناطتها تنافٍ. 

والتحقيق في المقام: أنه لا معنى متعقّل للعلم المنوط أو نحو العلم مما سنقوله.

وتوضيح الكلام: أننا تعقّلنا -ولو إجمالاً- الوجوب المنوط والحرمة المنوطة ونحوها من المجعولات الاعتبارية الفرضية، وتعقّلنا أن تكون فعلية قبل وجود الشرط بلحاظ الحمل الشايع، وإن كانت بلحاظ الحمل الأوّلي لا توجد إلّا بعد وجود الشرط.

ولكنّه غير متعقّل في باب العلم ونحوه، فإن الفعلية والتعليقية فيه غير معقولة، بل هو إما موجود أو معدوم، وإذا وجد فهو موجود على نحو واحد، ولا يمكن أن يتصوّر منوطاً.

وتفصيل ذلك: وهو في غاية الأهمّية، فإنه لا يحل فقط هذه الشبهة بل يكون دخيلاً في باب مبادئ الأحكام في باب الواجب المطلق والمشروط.

ـــــــــــــــــــــــــ[386]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وذلك، أن يُقال: إن الشرطية لها معنيان يجب عدم الخلط بينهما:

الأوّل: الشرطية في باب المفاهيم.

والثاني: الشرطية في باب الوجود.

فالشرطية في باب المفاهيم: هو أن مفهوماً له نحو من الكلّية، وقابلاً للانطباق على حصّتين، فإذا قيّدته وخصّصته، اختصّت قابليته للانطباق على أحدهما. فمثل هذا يسمى بالتقييد والتضييق، وهو معنى الشرطية في عالم المفاهيم، كما لو قيّد الإنسان بـ(العالِم) وطبّق بحيث لا يرى به إلّا الإنسان العالِم، ووجوب الحجّ مفهوم قابل للتحصّص من ناحية الأزمنة، بما فيها زمان الاستطاعة، فلو حصّص بذلك الزمان، يُقال: إنها شرطٌ لوجوب الحج.

وأما الشرطية في عالم الوجود: يعني أن يكون المشروط هو الوجود لا المفهوم، وهذه الشرطية ليس معناها التضييق والتقييد؛ لأن الوجود غير قابل للانطباق على حصّتين، وإنما الشرطية بلحاظ الوجودات الجزئية إنما هو بمعنى التأثير والسببية والتوليد، فإذا قيل شرط هذا الإحراق هو هذه النار، ليس معناه أن النار ضيّقت دائرة هذا الإحراق، بل بمعنى أن النار هي السبب لوجوده، بينما هذا المعنى غير معقول في عالم المفاهيم؛ لعدم وجود التأثير والتأثّر، فالمهمّ أن نميّز بين هذين الشرطيتين.

وحينئذٍ فيُقال: إنه في عالم التصوّر والفرض والاعتبار، بالإمكان أن نتصوّر شيئين: مفهوماً ووجوداً، فحين يعتبر وجود الحجّ، نحلّله إلى أمرين: إلى مفهوم وهو ذات المعتبر والمفروض. وإلى وجود وهو نفس التصوّر الجزئي 

ـــــــــــــــــــــــــ[387]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الذهني القائم في عالم النفس. فهنا نتعقّل الشرطية بالمعنى الأوّل للمفهوم، فإن المولى قد يتصوّر وجوب الحجّ على الإطلاق، وقد يعتبر وجوب الحجّ المحصّص بزمان الاستطاعة، ثُمّ إن هذه الحصّة توجد الآن بالتصوّر وجوداً فعلياً غير مشروط بشيء. فيصدق على هذا التصوّر أنه فعلي بلحاظ وجوده ومشروط بلحاظ مفهومه، ولذلك لا تناقض حين نقول: إن وجوب الحجّ فعلي ولكن بنحو معلّق، فإنه فعلي بلحاظ الوجود الفرضي في ذهن المولى، ولكنّه وجود لمفهوم معلوم.

وإذا جئنا إلى العلم، وهو وجود تصديقي للمفهوم كاشف عن الخارج، فهل يمكن أن نقول: إن العلم يكون فعلياً ومعلّقاً، كما كنّا نقول في باب التصوّر؟ كلّا. فإن العلم بعد تحليله، نجد مفهوماً وجوداً تصديقياً كاشفاً، فهذا القيد الذي يتصوّره المحقّق العراقي، هل هو قيد وشرط للعلم أو قيد للمفهوم؟

إن قلت: إنه شرط للمفهوم، فهذا أمر معقول، ومرجعه إلى الشرطية بالمعنى الأوّل، فيكون الوجود التصديقي العلمي فعلياً، وهو وجود الحصّة الخاصّة، ومعناه أننا عالمون بالقيد والمقيّد معاً، وهو خُلف المقصود.

وإذا فرضنا أنك تريد: أن هذا القيد يرجع إلى نفس العلم -كما هو مقصود المحقّق العراقي -، فحينئذٍ يُقال لك: إن العلم بابه باب الشرطية الثانية، فإن هذا العلم الجزئي القائم في نفسي لا يمكن فيه الشرطية بمعنى التخصيص، بل بمعنى السببية والتأثير، ولهذا يتولّد العلم من البراهين، وأما تقدير وجود الاستطاعة والغليان فليس برهاناً ليكون قيداً وعلّة للعلم، وحين يتولّد العلم فإنه يتولّد على وجهٍ واحد.

ـــــــــــــــــــــــــ[388]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ولا معنى لأن يكون تقدير الاستطاعة أو الغليان قيداً للعلم، لا بمعنى الشرطية ولا بمعنى الشرطية الثانية.

أما الأولى: فلأن العلم وجود لا مفهوم، وأما الثانية: فلأن علل العلم هي البراهين، لا الافتراضات والتقديرات.

وبعد وضوح التفريق بين هذين النحوين من الشرطية، يصبح استحالة إناطة العلم من البديهيات.

ومن هنا لا يمكن أن نتصوّر علماً فعلياً منوطاً، كما كنّا نتصوّر وجوباً فعلياً منوطاً.

ويلحق بذلك جميع المبادئ الحقيقية كالإرادة والشوق، على تفصيلٍ يأتي في محلّه.

وعليه لا معنى للاستصحاب التعليقي؛ لأن العلم باللازم ليس فعلياً ولا نتصوّره فعلياً ومنوطاً في عين الوقت، فإنه يكون تناقضاً، فإنه ليس عندنا علم فعلي باللازم لا فعلي ولا منوط حتى يجري الاستصحاب.

هذه هي المناقشة المهمّة وهناك مناقشات صغيرة غير مهمّة. 

الوجه الرابع: محاولة لتصحيح جريان الاستصحاب التعليقي من قِبَل المحقّق الأصفهاني

نقله عن أستاذه صاحب (الكفاية)، ثُمّ قال: (توضيحه): وبيّنه بنحوٍ خاصّ، ثُمّ قال: (فتأمّل فيه فإنه دقيق).

وحاصله: أن يُعترَف بأن الحكم مجعول على نحو القضيّة الحقيقية، بمعنى 

ـــــــــــــــــــــــــ[389]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أن المحمول فيها منوط بالتحقّق الخارجي للشرط لا بالوجود اللّحاظي له -كما كان يقول المحقّق العراقي في الوجه الثاني السابق-، لكن مع هذا يُقال: إن الحكم حيث إنه مجعول على نحو القضيّة الحقيقة، والقضيّة الحقيقية تتميّز عن القضيّة الخارجية في أن موضوع القضيّة الخارجية هو الأفراد المتحقّقة الوجود خارجاً، نحو: (أكرم جيراني)، إما في الزمان الحاضر أو ما يشمل الأزمنة الثلاثة. وأما الحقيقية، فكما يشمل موضوعها الأفراد المحقّقة الوجود كذلك يشمل الأفراد المعذّرة الوجود.

فنريد أن نستفيد من هذا الفرق بين القضيتين، وذلك بأن نقول: إن الحكم حيث إنه مجعول على نحو القضيّة الحقيقية -لا الخارجية- ومقتضاه أنه كما يشمل الأفراد المحقّقة الوجود، كذلك يشمل أيّ فرد خارجي بقدر وجوده، فإذا جعل المولى الحرمة على العنب إذا غلى أو على العنب المغلي، وصارت العنبية محقّقة الوجود، وكان إشكال الميرزا على استصحاب المجعول، هو أن الحكم المجعول في القضيّة الحقيقية لا يثبت له الحكم إلّا إذا انضمَّ إليه الجزء الآخر، وهو الغليان؛ لأن الحكم لا يصبح فعلياً إلّا بفعلية تمام أجزاء موضوعه، وبدونه لا تكون الحرمة فعلية فلا تكون قابلة لجرّها بالاستصحاب.

نقول في جواب ذلك: إن الحرمة بما أنها محمول في القضيّة الحقيقية، فكما تثبت للمغلي محقّقاً من هذا العنب، كذلك تثبت للمغلي مقدّاراً منه، فإن هذا هو طبع القضيّة الحقيقة، وعليه فالحرمة بتقدير الغليان تصبح فعلية.

فهذا هو الوجه الذي ذكره ، وقال: (إنه دقيق).

ولكن هذا الكلام من الغرابة بمكان: لأن معنى قولهم: إن مجعولات القضايا 

ـــــــــــــــــــــــــ[390]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الحقيقية كما تشمل الأفراد المحقّقة الوجود كذلك تشمل الأفراد المقدّرة الوجود، ليس معناه أن الفرد بما هو مقدّر يكون المجعول فعلياً بالنسبة إليه.

فإن موضوع القضيّة الحقيقية، يمكن أن يلحظ أيضاً بلحاظين: فإذا لاحظناه بالحمل الشايع بما أنه افتراض ووجود ذهني، فهذا لا تثبت له الحرمة. وإذا نظرنا إليه بالحمل الأوّلي، نرى ذات الموضوع المقدّر، فتثبت له الحرمة، لكن إنما تكون الحرمة ثابتة في أفق مشتمل على ذات المقدّر، حتى تستصحب الحرمة، هذا هو الفرق بين القضيتين، وليس الفرق هو أن مجرّد التقدير يكون محمولاً في القضيّة الحقيقية، بل المحمول إما الفرد المحقّق الوجود أو المقدّر المنظور إليه بالحمل الأوّلي، وحينئذٍ نرى الحرمة ثابتة لِما يكون فعلياً، ولا تكون ثابتة للعنب قبل الغليان، فيعود إشكال الميرزا.

ومن ذلك كله تلخّص: أن الصحيح في المقام هو أن الإشكال الذي ذكره المحقّق النائيني -ولو باعتبار تطويراته التي حصلت في أثناء الكلام- وارد ولا مناص عنه. ولكن على التفصيل المتقدّم من أن للحكم مجعولاً ضمن قضيّة واحدة أو ضمن قضيتين. فعلى الأوّل، إشكال الميرزا تامّ، ولا نعرف جواباً عليه، وعلى الثاني يجري الاستصحاب التعليقي.

اشكال على تصحيح جريان الاستصحاب بحيث يستصحب الحرمة التعليقية

 ثُمّ إن هنا إشكالاً آخر، لا يرتبط بكلام الميرزا، يمكن إيراده على كلّ من يصحّح جريان الاستصحاب بحيث يستصحب الحرمة التعليقية، من قبيل 

ـــــــــــــــــــــــــ[391]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مسلكنا في فرض تعدد القضيّة، وبعض الوجوه التي ذكرها المحقّق العراقي.

وحاصل هذا الوجه يعود إلى إشكال المثبتية.

وتوضيحه: أن الآثار العملية لا تترتّب على الحكم التعليقي، وإنما تترتب على الحكم الفعلي، فحين تستصحبون الحكم التعليقي أو القضيّة (البنت) على اصطلاحنا، هل تريدون أن تصلوا إلى الآثار العملية بمجرّد استصحاب هذا الحكم التعليقي؟ فهذا لا يمكن؛ لأن الحكم التعليقي ليس له أثر، ما لم يصبح فعلياً، فإن التنجّز فرع الفعلية. وإذا أردتم استصحاب هذا الحكم، ثُمّ تثبتون فعليته بتمامية أجزاء الموضوع، ثُمّ تنتهون إلى التنجّز والأثر العملي، فهذا لا يمكن؛ لأن ترتّب فعلية المجعول عند وجود موضوعه، أو فعلية الحكم التعليقي عند وجود المعلّق عليه، حكم عقلي وليس حكماً شرعياً.

هذا الكلام يمكن الذبّ عنه: بناءً على مبنى جعل الحكم المماثل، وذلك: بأن يُقال: إن مرجع استصحاب الحكم التعليقي إلى أن الشارع ينشئ ظاهراً حكماً تعليقياً، وهذا الحكم يكون ثابتاً بالوجدان، فتترتّب عليه تمام اللوازم العقلية، فإذا وجد المعلّق عليه يصبح هذا الحكم الظاهري منجّزاً، ولا يكون ذلك من الأصل المثبت؛ لأن التنجّز يكون من لوازم الحكم الظاهري بوجوده الوجداني لا من لوازم الحكم الواقعي المستصحب.

إلّا أن هذا الإشكال مدرسي مبني على ما هو المعروف من وجود مرتبة زائدة للحكم هي مرتبة الفعلية، فإننا إذا بنينا على أن كلّ جعل وراءه مجعول فإن الإشكال يكون تاماًّ، فإن تلك المرتّبة من الحكم لا يكون إثباتها بالاستصحاب ممكناً إلّا بنحو الأصل المثبت.

ـــــــــــــــــــــــــ[392]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأما بناءً على تصوّراتنا من أن الحكم لا وجود له وراء وجوده التعليقي والتقديري -عند وجود المعلّق عليه-، بل وصول الجعل بنفسه منجّز وتترتّب عليه الآثار على ما يأتي في بحث الأصل المثبت، فما هو مناط المنجّزية عقلاً هو العلم بالصغرى والكبرى، ولا نحتاج إلى علمٍ ثالث بالنتيجة إذ لا نتيجة عندنا، والحكم لا يوجد بوجود موضوعه.

بناءً عليه لا يوجد إشكال من ناحية الأصل المثبت، لأننا نثبت بالاستصحاب الحكم التعليقي، وهو الكبرى، وكونه قد غلى وجداني، ولا نريد بعد وصول الكبرى والصغرى وصول شيء ثالث حتى يلزم إشكال المثبتية.

هذا تمام الكلام في جريان الاستصحاب التعليقي في نفسه، وبه تمّ الكلام في المقام الأوّل.

تنبيه في المقام

ينبغي التنبيه: على أن هناك قسماً من الاستصحاب قد يتوهّم أنه استصحاب تعليقي، إلّا أنه خارج عن محلّ الكلام.

وذلك: أننا ذكرنا في بحث الواجب المطلق والمشروط: أن موضوع الحكم، يعني متعلّق المتعلّق، باصطلاح الميرزا، كـ(العالِم) في (أكرم العالِم)، و(الخمر) في (لا تشرب الخمر). تارةً يكون موضوعاً للوجوب كالمثال الأوّل، وأخرى موضوعاً للحرمة كالمثال الثاني.

وقلنا هناك: أن هذا الموضوع إذا لم يكن اختيارياً للمكلّف، فيتبرهن عقلاً بأنه يؤخذ مقدّر الوجود في مقام جعل الحكم، فيؤخذ منوطاً به فيما إذا كان 

ـــــــــــــــــــــــــ[392]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الحكم هو الوجوب مثل (أكرِم العالِم)، فلا بُدّ أن يكون (العالِم) قد أُخذ مقدّر الوجود ومقدّمة وجوبية لا مقدّمة وجودية، فراراً من ترشّح الوجوب عليها لاستحالته، وأما إذا كان الحكم هو الحرمة، فلا يلزم أن يكون الخمر مأخوذاً مفروض الوجود في مقام جعل الحرمة، ويمكن أن يكون من قيود الحرام لا من قيود الحرمة، ومن هنا تكون الحرمة فعلية، حتى قبل وجود الخمر خارجاً، على نحو مذهب صاحب (الفصول) في الواجب المعلّق، وحيث يكون وجوب صوم النهار موجوداً من حين الهلال، باعتبار كون النهار شرطاً في الواجب ويكون الوجوب فعلياً قبله.

هذا المطلب نستفيد منه في المقام، فنقول: إننا إذا فرضنا أن العنبية والغليان لم يؤخذ قيداً في نفس الحرمة، بل في الحرام، بحيث كانت الحرمة فعليته، وإن كان الحرام هو شرب العنب المغلي، وهو لم يتحقّق، فتكون الحرمة فعليته وغير معلّقة بوجه من الوجوه.

هذا نبيّنه لأجل أن الوجه الرابع الذي ذكره المحقّق الأصفهاني ونقله عن أستاذه الآخوند، بعد مراجعة حاشية الآخوند على (الرسائل) رأينا أنه شرحه بنحو لا يرضى به أستاذه، فإنه لم يرد أن القضيّة الحقيقية تكون فعلية بتحقّق موضوعها، بل نظره إلى أن الحكم إذا كان على نحو الواجب أو الحرام المشروط، لا بنحو الحرمة المعلّقة، فتكون الحرمة فعلية بفعلية موضوعها وهو العنب، ويجري الاستصحاب بلا إشكال، ويقول: وهذا خارج عن محلّ النزاع بين النافين والمُثبتين لجريان الاستصحاب التعليقي، والأمر كما قال.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

ـــــــــــــــــــــــــ[394]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 

المقام الثاني: [هل الاستصحاب التعليقي مبتلى بمعارض؟]

 

ويقع الكلام في المقام الثاني: وهو ثانوي بالنسبة إلى المقام الأوّل، وهو أن هذا الاستصحاب التعليقي بعد فرض تمامية أركانه في نفسه هل يبتلي باستصحاب معارض له، وهو الاستصحاب التنجيزي بحلّية هذا الزبيب قبل الغليان، أو لا؟

إنه بعد فرض أن أركان الاستصحاب تامّة في نفسه، يقع الكلام في أنه هل يكون معارضاً باستصحاب القضيّة التنجيزية، فإن الزبيب بعد غليانه يكون مردّداً بين استصحابين، فإننا تارةً ننظر إلى القضيّة التعليقية للحرمة، وأخرى إلى القضيّة التنجيزية الثابتة للزبيب قبل الغليان، وكِلاهما قابل للاستصحاب، فيتعارضان ويتساقطان.

وهنا يوجد اتّجاهان في المسألة:

أحدهما: بدأه الشيخ وحاول إيضاحه المحقّق النائيني، وهو أن يُقال: إن استصحاب القضيّة التعليقية حاكم على استصحاب القضيّة التنجيزية.

ثانيهما: اتجاه بدأه المحقّق الخراساني وتبعه السيّد الأستاذ، وهو دعوى: أنه لا معارضة بين الاستصحابين.

ـــــــــــــــــــــــــ[395]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الاتّجاه الأوّل: إن الاستصحاب التعليقي حاكم على الاستصحاب التنجيزي

وقد بيّنت في كتاب الشيخ الأعظم، ولم يبين بشكل واضح وجه الحكومة، ولهذا تصدّى النائيني إلى توضيح الحكومة بعبارات مفصلة غير وافية، فمن هنا وقع الإشكال عند المتأخّرين عن المحقّق النائيني.

وحاصل ما ذكره هو أن يُقال: إن الشكّ في بقاء الحلّية الفعلية لهذا الزبيب بعد الغليان مسبّب عن الشكّ في سعة دائرة المجعول في القضيّة التعليقية وضيقها، فإنها -يعني (لو غلى لحرّم)- لو كانت دائرتها مخصوصة بخصوص العنب، فيترتّب على ذلك أن الزبيب بعد الغليان يبقى على الحلّية، وإن كانت أوسع من العنب والزبيب فيكون بعد الغليان حراماً.

ثُمَ أشكل الميرزا على نفسه: أن الحكومة إنما تكون فيما إذا كان هناك موضوع وله أثر شرعي، وكان عندنا أصلان أحدهما ينقّح الموضوع والآخر ينقح الأثر، وحينئذٍ يُقال: إن الأصل الأوّل حاكم على الأصل الثاني، وأما في المقام فليس عندنا موضوع دائر، فإن القضيّة التعليقية ليست موضوعاً للقضية التنجيزية، وليست نسبتها إليها كنسبة الثوب إلى الطهارة.

ولهذا يبدو أن الميرزا يلتفت إلى شروط الحكومة، ولهذا يورد على نفسه ذلك، لكن الجواب عن ذلك في (التقريرات) لا يفي بحلّ الشبهة؛ لأنه يقول: إن هذا إنما يكون في الشبهات الموضوعية لا في الشبهات الحكمية، فإنه في الشبهات الموضوعية مرجع الحكومة إلى أن عندنا موضوعاً له حكم، ونشكّ في بقائه بنحو الشبهة الموضوعية، فيكون الأصل المنقّح للموضوع حاكماً على 

ـــــــــــــــــــــــــ[396]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الأصل الجاري في الحكم. وأما في الشبهة الحكمية، فلا ينبغي أن تتطلّب موضوعاً، فإن الشكّ ليس في موضوع الأثر، بل في أصل جعل الأثر، وإلّا لانقلبت الحكمية إلى موضوعية، إذن فلا يمكن تتميم صيغة الحكومة في الشبهات الحكمية بنفس الصيغة التي تكون في الشبهات الموضوعية.

وحينئذٍ فما هو مناط الحكومة بنحو يكون عامّاً وصادقاً في كِلا الشبهتين، هو: أن يكون الأصل الحاكم ملغياً للشكّ المأخوذ في الأصل المحكوم، فإن كلّ استصحاب متقوّم بالشكّ في بقاء مورده، فيكون جريان هذا الاستصحاب ملغياً للشكّ في البقاء الذي هو قوام الاستصحاب الآخر، فيكون حاكماً.

هذا الكلام إلى هنا صحيح، لكن لم يكشف الغطاء عن(1) النكتة الحقيقية في هذا البحث، وهو أنه كيف أن الاستصحاب التعليقي يلغي الشكّ في موضوع الاستصحاب التنجيزي دون العكس، ولهذا ذكر السيّد الأستاذ و(المستمسك) وغيرهما: أنه لم يتحصّل لهذا الكلام معنى، فإن نسبة هذا الاستصحاب إلى الموضوع كنسبة ذاك الاستصحاب إليه، فلا بُدّ أن تكون هنا نكتة مستترة(2)، 

ـــــــــــــــــــــــــ[397]ــــــــــــــــــــــ

() يعني الصغرى لهذه المسألة. (المقرِّر).

(2) قلت للسيد قبل البحث لأجل أن يثبت عملياً إني استطعت الجواب على السؤال الذي ذكره السيّد وملأ منطقة الفراغ التي أهملها الميرزا، وذلك قبل سماع ما سيذكره السيّد الأستاذ.

قلت له: إن الاستصحاب التعليقي يكون حاكماً على الاستصحاب التنجيزي؛ لأنه بالغليان يتحقّق موضوع الحرمة التعليقية، وبذلك يرتفع الشكّ -بناءً على طريقية الميرزا- في بقاء الحليّة السابقة على الغليان.

وبعبارةٍ أخرى: إن الاستصحاب التعليقي متقدّم رتبةً على الاستصحاب التنجيزي؛ لأن الغليان بنفسه -الذي هو سبب الشكّ في بقاء الحلّية- هو موضوع فعلية الحكم الظاهري للحرمة.

فقال: أظنّ أن هذا هو الذي سأقوله، لكنّه يحتاج إلى توضيح، وإلى تطبيق على مباني الميرزا بحيث تتمّ هذه الحكومة في نظره.

فقلت: إن الميرزا قد أسّس كبراه على الفرض، من كون أحد الاستصحابين ملغياً للشكّ المأخوذ في موضوع الآخر.

وعلى أيّ حال فقد ذكر السيّد الأستاذ: أننا بهذا الصدد يجب… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

نذكرها غداً إن شاء الله تعالى. 

[إشكال المثبتية]

أننا بهذا الصدد يجب أن نرجع إلى المقام الأول الذي فرغنا منه، لنستذكر إشكالاً جديداً لم يكن قد أثير في مدرسة المحقّق النائيني، وهو إشكال المثبتية، بدعوى أن الاستصحاب يثبت قضيّة تعليقية هي على مستوى الجعل، وهو لا أثر له ما لم نثبت المجعول؛ لأن المنجّزية تترتّب على فعلية المجعول والقضيّة التنجيزية، لا على القضيّة التعليقية، وإثبات المحمول باستصحاب الجعل من الأصل المثبت؛ لأن ترتّب المجعول على الجعل عقلي لا شرعي.

فلا بُدّ أن يكون قد عولج ولو ارتكازاً، واتخذ تجاهه موقف من المواقف، فإن المواقف المتعدّدة تجاه هذا الإشكال عديدة:

[عدّة مواقف تجاه هذا الإشكال]

الموقف الأوّل: ما وقفناه نحن من أن الأثر العملي يترتّب على الحكم 

ـــــــــــــــــــــــــ[398]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التعليقي مع حصول المعلّق عليه خارجاً، وليس عندنا قضيّة تنجيزية وراء القضيّة التعليقية -أي: الجعل-، وأنكرنا كوننا بحاجة إلى إثبات المجعول، وأن تترتّب عليه الآثار.

هذا لا يمكن أن يكون هو موقف الميرزا؛ لأنه يسلّم بفعلية المجعول، وراء الجعل، وأنه تترتّب عليه الآثار.

الموقف الثاني: أن يقبل هذا الإشكال، وأن استصحاب القضيّة التعليقية لا يفيدنا؛ لأنه مثبت، وهو أيضاً لا ينبغي أن يكون موقف الميرزا -وهو يعالج إشكال المعارضة-؛ لأن معناه أن الاستصحاب التعليقي في نفسه لا يجري، والمفروض في هذا المقام جريانه ووقوعه طرفاً للمعارضة بينه وبين الاستصحاب التنجيزي.

الموقف الثالث: أن يُقال: إن الاستصحاب وإن كان يجري في القضيّة التعليقية، -يعني: الجعل-، لكن بناءً على أن مفاد دليل الاستصحاب هو جعل الحكم المماثل، فمقتضى استصحاب القضيّة التعليقية، جعل مثلها ظاهراً، ومن المعلوم أن هذا الجعل يلزم منه عقلاً وجود مجعول ظاهري، وهي ملازمة بين الحكمين الظاهريين، لا بين الحكمين الواقعيين، حتى يكون من الأصل المثبت.

هذا أيضاً لا ينبغي أن يكون موقف الميرزا؛ لأنه لا يقول بأن مفاد دليل الاستصحاب هو جعل الحكم المماثل، وإنما يقول بجعل الطريقية.

إذن فيتعيّن بحسب الظروف الفكرية والتنزّلية للميرزا حين يبحث في المعارضة بين الاستصحابين هو:

ـــــــــــــــــــــــــ[399]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الموقف الرابع: وهو أن الاستصحاب التعليقي يثبت القضيّة التنجيزية، إما لأنه غفل عن كونه مثبتاً، أو انه خرّج ذلك بتخريج من التخريجات، ككونه من الوسائط الواضحة ونحوها، ولهذا انتهت النوبة إلى إيقاع المعارضين الاستصحابيين.

فإذا كان هذا هو موقف الميرزا، حينئذٍ يتّضح مراد الميرزا، والحكومة بالنحو الذي أفاده، وذلك بأن يُقال: إن عندنا قضيتين: قضيّة تعليقية: (لو غلى لحرّم)، وقضية تنجيزية: (أن هذا المغلي حرام أو حلال). والاستصحاب التنجيزي يجري في القضيّة الثانية، وموضوعه هو الشكّ في بقاء القضيّة التنجيزية، والاستصحاب التعليقي يجري في القضيّة التعليقية، وموضوعه الشكّ فيها.

نرى أنه أيّ من الاستصحابين يلغي الشكّ الذي أخذ في موضوع الآخر، الاستصحاب التعليقي يثبت كِلتا القضيتين: التعليقية والتنجيزية؛ لأننا اتّخذنا الموقف الرابع، وإلّا لو كان يثبت القضيّة التعليقية وحدها، لكان معناه عدم جريان الاستصحاب، فببركة جريانه يلغى الشكّ في القضيّة التعليقية، وهي مجراه. ويلغي الشكّ في القضيّة التنجيزية، فيخرج المجعول من الشكّ إلى العلم، وبذلك يرتفع موضوع الاستصحاب التنجيزي؛ لأن موضوعه هو الشكّ في بقاء القضيّة التنجيزية، والمفروض أن الاستصحاب التعليقي يجعلها معلومة، فلا يبقى مجال للاستصحاب التنجيزي.

وأما العكس، فاستصحاب القضيّة التنجيزية يجعلنا عالمين بها، لكن لا 

ـــــــــــــــــــــــــ[400]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يجعلنا عالمين بالقضيّة التعليقية، التي هي موضوع الاستصحاب التعليقي، وبذلك لا يرفع موضوعه، فيتمّ ملاك الحكومة على القاعدة، ونقول: إن قلنا إن الاستصحاب التعليقي يثبت المجعول التنجيزي، فتتمّ الحكومة، وإن قلت: أنه لا يثبت المجعول، فهو إشكال في أصل جريان الاستصحاب التعليقي، ولا تصل النوبة إلى المعارضة.

ومن المظنون جداً أن هذا هو محتوى الفراغ الذي تركته كلمات الميرزا، ولكن ّالعبارة مشوشة.

وبذلك اتّضح أننا إذا انطلقنا من تصوّرات الميرزا فهي حكومة مقبولة، لكنّنا لا نقبلها؛ لأننا لا نقبل هذه التصورات، فإننا نتصوّر أن الاستصحاب التعليقي لا يثبت القضيّة التنجيزية، ولسنا بحاجة لها، فإن وصول الجعل والموضوع يترتّب عليه الآثار عقلاً، إذن فكلٌّ منهما لا يلغي الشكّ في موضوع الآخر.  

وأما الاتجاه الثاني: [لا تعارض بين الاستصحابين]

فهو الذي فتحه المحقّق الخراساني، والغريب أن السيّد الأستاذ وافق عليه، وحاصل ما ذكره في (الكفاية): أنه لا تعارض بين الاستصحابين، بل يجري استصحاب الحرمة واستصحاب الحليّة ويتلاءمان.

وذلك: لأن هذا الزبيب حين كان عنباً كان يوجد فيه تعايش سلمي بين حكمين: الحرمة المشروطة بالغليان، والحلّية المغيّاة بالغليان. ولا تنافي بينهما؛ لأن غاية أحدهما يكون شرطاً للآخر، فإن وجدت الغاية، فقد انتفى هذا ووجِد هذا، وإذا لم توجد فبالعكس، فلا يوجد وقت لفعليتهما حتى يتعارضان.

ـــــــــــــــــــــــــ[401]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وبعد أن يصبح العنب زبيباً -بل بعد أن يغلي- يمكننا ان نلتفت إلى نفس الحالة السابقة الثابتة وجداناً، فنستصحب كِلتا القضيتين الشرطيتين المتلائمتين، وهاتان القضيتان كانتا منسجمتان حدوثاً، فكيف لا يكون كذلك بقاءً، غاية الأمر أن الدليل كان في العنب اجتهادياً وفي الزبيب أصلاً عملياً.

إلّا أن هذا الكلام غريب جداً؛ لأننا عندنا استصحابان للحرمة وتصوّران لها: 

الأوّل: أن نتصوّر الحليّة بنحو القضيّة التعليقية كما تصوّرنا الحرمة، فكما عندنا: (العنب إذا غلى يحرّم)، عندنا: (العنب ما لم يغلِ فهو حلال)(1). وهاتان القضيتان متعاكستان من حيث الفعلية.

فإن القضيّة (البنت) في جانب الحرمة لم تكن فعلية حين كان عنباً، والآن على فرض بقائها تصبح فعلية، والقضيّة البنت في جانب الحلّية كانت فعلية مع العنب، والآن على فرض بقائها سوف تنتفي فعليتها؛ لأنه من المحتمل أن غايتها وهي الغليان قد وجِدت.

فإذا أريد استصحاب القضيّة التعليقية (البنت) في جانب الحليّة على وزن أختها في الحرمة، فإنه لا يقع تعارض بين القضيتين، وبالإمكان أن يصبح الزبيب موضوعاً لكِلتيهما؛ لأنه لم يكن بينهما تعارض في الثبوتين الوجدانيين لهما، فكيف بالاستصحاب.

الثاني: تصوّر آخر للحليّة، وهي الحليّة المنجّزة الفعلية الثابتة للزبيب قبل 

ـــــــــــــــــــــــــ[402]ــــــــــــــــــــــ

() وكلُّ قضيةٍ (بنت) منهما مقيّدة نقيض البنت في الأخرى. (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الغليان المردّدة بين أن تكون مجعولة بجعلٍ مقيّد أو بجعلٍ مطلق لِما بعد الغليان، وأنا أستصحب هذه الحليّة، ومعناه ثبوت الحليّة الفعلية بعد الغليان، وهو ينافي استصحاب الحرمة التعليقية الذي معناه ثبوت الحرمة فعلاً بعد الغليان.

واستصحاب الحليّة المغيّاة لا يُعيّن حال هذه الحليّة الفعلية من حيث إنها مجعولة في ضمن الجعل المطلق أو الجعل المقيّد؛ لأن تعيينه لحالها من أوضح أنحاء الأصل المثبت.

وبعبارة أخرى: إن هنا استصحابات ثلاثة: استصحاب الحرمة التعليقية، واستصحاب الحليّة التعليقية، واستصحاب الحليّة الفعلية. والأخير معارض مع الأوّل، وغير محكوم للثاني؛ لأنه لا يعيّن حاله، إذن فالتعارض موجود بين هذين الاستصحابين، وإن لم يكن تعارض بين الثاني والثالث.

*****

إلّا أن الصحيح(1) مع ذلك تقدّم الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي. وذلك: لأن القضيّة المجعولة في دليل الاستصحاب كما تقدّم كبرى عقلائية مركوزة في الأذهان العرفية، ولذلك إذا فرض في مورد من موارد تعارض الاستصحابين، كان هناك ارتكاز عرفي عقلائي يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر، بحيث يرى أن كبرى الاستصحاب أولى بالانطباق على هذا الفرد منهما على الآخر، بالرغم من عدم وجود الحكومة، وليست نسبتها إلى كِلا 

ـــــــــــــــــــــــــ[403]ــــــــــــــــــــــ

() بعد أن قرّر فشل الاتجاهين السابقين في حل المعارضة قال: إلّا أن الصحيح… (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الفردين على حدّ واحد، ففي مثل ذلك لا بأس بتحكيم النظر الارتكازي العرفي على دليل الاستصحاب، بحيث يكون بنفسه قرينة على تقدّم أحد الاستصحابين على الآخر.

فهذه كبرى كلّية، ندّعي أن المقام صغرى لها، فإنه متى ما فرض أن هناك حالتين سابقتين:

فإن فرض: أن دليل الاستصحاب لا يشملهما معاً بل كان يختصّ بأحدهما، فلا إشكال؛ إذ تنطبق كبرى الاستصحاب على المورد الذي تشمله دون الآخر.

وإن فرض: أن كِلتا الحالتين مشمولة في أنفسهما لدليل الاستصحاب، ففي مثل ذلك لا يحسب الارتكاز العرفي حساب الحكومة، بل يحسب حساب الحالتين السابقتين:

فإن كانتا عرضيتين فإنه يرى التعارض ما بين الاستصحابين محكّماً؛ لأن نسبة الكبرى إلى كِلا الحالتين على حدّ واحد، كما في صورة توارد الحالتين، فيتعارضان ويتساقطان.

وأخرى يفرض أن الحالتين السابقتين طوليتين، بحيث يرى عرفاً أن إحداهما حالة سابقة للحالة السابقة الأخرى، وهذا معنى كونهما طوليتان، قد ركّبت إحداهما على الأخرى ونسختها، وجعلت الحالة السابقة للاستصحاب ما قرّرته هي لا ما قرّرته الأخرى. فيكون المتحصّل من مجموع الحالتين حالة ناتجة موافقة مع مفاد الحالة الثانية؛ ولذا يقدّم الارتكاز العرفي جرّ الحالة السابقة على جرّ الحالة السابقة المحكومة المقهورة.

ـــــــــــــــــــــــــ[404]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وفي المقام يوجد عندنا حالتان مسابقتان: إحداهما الحليّة التنجيزية، والأخرى الحرمة التعليقية، وهما طوليتان في نظر العرف، في مرحلة الحدوث، يعني أن الحليّة التنجيزية كانت بحيث تزول بالحرمة على فرض الغليان، فالحرمة التعليقية كانت قاطعة لها وحدّاً لها في مرحلة الحدوث، ومثل هذه الحكومة التكوينية تجعل الارتكاز العرفي قاضٍ بأن المتحصّل من هاتين الحالتين السابقتين هو الحالة السابقة للحرمة التعليقية، وتقدّمها على حالة الحليّة التنجيزية، فيكون استصحاب هذه الحرمة، متقدّماً على استصحاب هذه الحلّية.

فليس هناك حكومة بين الاستصحابين، بل هناك حكومة بين الحالتين السابقتين.

ولهذا نرى إذا رجعنا إلى بذور وجذور ارتكازية الاستصحاب لا يشكّ في ذلك بحسب التطبيقات العرفية.

كما سبق أن ذكرنا في استصحاب الزمانيات، فيما لو كان شخصٌ من عادته أن يُباحث كلّ يوم، فهنا يوجد حالة تنجيزية وهي عدم البحث، وحالة تعليقية وهي أنه يُباحث كلّ يوم، وهي -كما قلنا- من الحالات التي يعتبر لها العرف حدوثاً وبقاءً، فهل يرى العرف أن هناك تعارضاً بين استصحاب هاتين الحالتين؟ كلّا، فإنه يميل إلى إبقاء حالة أنه يُباحث، وليس ذلك إلّا لأن إحداهما حاكمة على الأخرى وناسخة لها، باعتبار أن عدم البحث يرتفع بكون يُباحث.

ولذلك يبنى على تقدّم الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي.

ومما يشهد لذلك ويعزّزه طبعيّة وعفويّة عمل العلماء، فإنهم منذ شاع 

ـــــــــــــــــــــــــ[405]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التمسّك بالاستصحاب في الشبهات الحكمية، لم يكن هناك أيّ تردّد في جريان الاستصحاب التعليقي، وبعد أن أثيرت شبهة المعارضة اتّجه العلماء إلى تبرير جريان الاستصحاب التعليقي؛ لأن ارتكازهم كان على ذلك، وقد أصابوا بالارتكاز، ولم يصيبوا في الصناعة، ولا نعرف شخصاً تأصّل في ذلك إلّا مدرسة المحقّق العراقي، التي أوقعت المعارضة بين الاستصحابين.

هذا تمام الكلام في المقام الثاني.

وقد اتّضح التفصيل بين ما إذا كانت القضيّة التعليقية مجعولة ضمن قضيّة واحدة أو ضمن قضيتين، فعلى الأوّل الحقّ عدم جريان الاستصحاب التعليقي تبعاً للمحقق النائيني، وعلى الثاني الحقّ جريانه تبعاً للمشهور قبله.

ـــــــــــــــــــــــــ[406]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 





[تنبيهات الاستصحاب التعليقي]

 

بقيت تنبيهات ثلاثة مختصرة لهذه المسألة:

التنبيه الأوّل: [جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات] 

إننا كنّا نتكلم في الاستصحاب التعليقي في الأحكام الكلّية في الشبهات الحكمية، مثل قوله: (لو غلى لحرّم). وأما الاستصحاب التعليقي في الموضوعات، فيقع الكلام أنه بناءً على قبول جريان هذا الاستصحاب في الأحكام مطلقاً أو على التفصيل الذي اخترناه، فهل يجري في الموضوعات أو لا؟

وأحد أمثلته هو المثال التقليدي: أن هذا الحوض كان فيه ماء واحتملنا زوال الماء عنه، فألقينا فيه ثوباً وأخرجناه، فنقول: إذا كان فيه ماء فقد تحقّق الغسل، وإذا لم يكن فيه ماء فلم يتحقّق الغسل، فهنا قد يُقال بجريان الاستصحاب التعليقي، بأن يُقال: لو كنّا قد ألقيناه قبل ساعة لتحقّق الغسل، فالآن لو ألقيناه لغسل، وقد ألقيناه وجداناً، فيتحقّق بهذا الاستصحاب الغسل الذي هو موضوع الحكم بالطهارة.

منهج البحث، هو استعراض المباني بجريان الاستصحاب التعليقي في الأحكام، لنرى أنها تجري في الموضوعات أو لا، فقد كان للاستصحاب هناك عدّة صيغ: 

ـــــــــــــــــــــــــ[407]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصيغة الأولى: إذا بنينا على ما اخترناه من إجراء الاستصحاب في القضيّة الحقيقية التي هي بمثابة الجعل، فمن الواضح أن هذا لا معنى له في الموضوعات؛ لعدم تصوّر الجعل والمجعول فيها، وإنما ذلك من شأن باب الأحكام.

الصيغة الثانية: إذا بنينا على وجه للمحّقق العراقي ادّعى فيه أن الحكم المشروط فعلي قبل وجود شرطه؛ لأن الحكم منوط بوجوده اللّحاظي، وهذا متحقّق في باب الأحكام، إلّا أنه لا يعقل إسراؤه إلى باب الموضوعات، فإن ذلك لو ادّعاه مدّعٍ فإنه في الوجود النفساني للجعل. وأما دعوى أن الغسل مشروط بالوجود اللّحاظي للإلقاء فهذا لا معنى له.

الصيغة الثالثة: أن يُقال بجريان الاستصحاب التعليقي في الأحكام
-بوجه للمحقّق العراقي أيضاً- وهو استصحاب الملازمة، فهنا نستصحب الملازمة بين إلقاء هذا الثوب وبين الغسل.

إلّا أن ذلك لو تمّ هناك فلا يتمّ هنا؛ لأن هذه الصيغة كانت تواجه إشكالاً هو إشكال المثبتيّة، فإنكم إن أردتم إثبات الملازمة بين الغليان والحرمة فقط فهو لا يفيد؛ لعدم كون الملازمة موضوعاً للتنجيز، وإن أردتم باستصحابها ترتيب الحرمة عليها، كان مثبتاً، وكان هناك يمكن أن يُجاب عليه بناءً على جعل الحكم المماثل، وهنا يأتي نفس الإشكال بدون جواب، فإن استصحاب الملازمة، تريدون إثباته بدون إثبات عنوان الغسل، فهذا لا أثر له؛ لأن الملازمة ليست موضوعاً لحكم الشرعي. وإن أردتم به إثبات عنوان الغسل، فهو من أوضح 

ـــــــــــــــــــــــــ[408]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أنحاء الأصل المثبت، ولا يأتي هنا الجواب السابق؛ لأنه سابقاً كانت الملازمة بنفسها مجعولة من قبل الشارع، لأنها ملازمة بين الحكم وموضوعه، وأما هنا فليست مجعولة من الشارع؛ لأنها ملازمة بين أمرين تكوينييّن هما الإلقاء والغسل. 

الصيغة الرابعة: إرجاع الحكم المشروط إلى الحكم المعلّق، الذي نسبه حاج شيخ إلى أستاذه الآخوند، فهذه أيضاً لا تتمّ في المقام؛ لأن الحرمة المشروطة يمكن إرجاعها -بقرينة- إلى حرمة معلّقة، إلّا أن المعلّقية في الموضوعات لا معنى لها.

الصيغة الخامسة: والوحيدة الجارية في المقام -للمحقق العراقي- وهي أعجب وأعقد صيغهِ الثلاث، وهي أن العلم بالملازمة معها علم منوط باللازم، والاستصحاب معناه إبقاء هذا العلم المنوط، وهو موضوع لمنجّزية منوطة على طبعه.

هذا التقريب لو تمّ هناك لتمّ هناك، فإن العلم بالملازمة بين الإلقاء وتحقّق الغسل، يلازم مع علم فعلي بالغسل منوط بالإلقاء، وهو قابل للإبقاء بدليل الاستصحاب، بعد البناء على أن استصحاب الموضوع الخارجي كافٍ في التنجيز والتعذير.

وبذلك اتّضح أن جميع الصيغ المتقدّمة، لا تجري إلّا أعجب الصيغ، هذا تمام الكلام في التنبيه الأوّل، وقد اتّضح من ذلك عدم جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات.

ـــــــــــــــــــــــــ[409]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التنبيه الثاني: [الاستصحاب التعليقي في مثال الغليان والعنب]

التنبيه الثاني: شيء يرتبط بالمثال التقليدي الذي يتّخذ الاستصحاب التعليقي، وهو مثال الغليان والعنب، حيث يُقال: إن العنب قبل أن يصبح زبيباً كان إذا غلى حرّم، فيستصحب بعد أن صار زبيباً. إلّا أن هذا المثال لا يجري فيه الاستصحاب بقطع النظر عن الاستصحاب التعليقي.

وذلك: ان الاستصحاب التعليقي إنما يجري لو قيل به، مع وحدة الموضوع، موضوع الحكم التعليقي المتيقّن، وموضوع الحكم التعليقي المشكوك، وأما إذا كان لكلٍّ موضوعٌ -بحسب النظر العرفي، بل الواقعي أيضاً- متعدّداً، فلا يجري الاستصحاب؛ لعدم وحدة الموضوع لا لكونه تعليقياً.

ومقامنا من هذا القبيل؛ لأن هذه الحرمة لو كانت ثابتة للعنب بما هو عنب لأمكن أن يُقال: إن الزبيب نفس العنب، وتجفيفه لا يخرجه عن كونه غير العنب، فإنه هو العنب المجفّف، والزبيبية حالة للعنب تزول مع انحفاظ الموضوع، ومعه يمكن جريان الاستصحاب، لكنّ واقع المطلب ليس كذلك، فإن الحرمة ليس موضوعها هو العنب، فإنه لم يقل: (العنب إذا غلى حرّم)، بل قال: (العصير إذا غلى حرّم). فإذا تجفّف العنب فقد زال ماؤه بالتجفيف حتماً، فإذا أضفنا له ماء من ماء الفرات وأغليناه ونشكّ أنه هل يحرم أو لا؟ فهذا موضوع آخر عرفاً ودقةً؛ لأن ما كنّا على علم به هو ماء العنب الذي جفَّ، وهذا ماء آخر يسمّى ماء الفرات، فلا يجري الاستصحاب.

ـــــــــــــــــــــــــ[410]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التنبيه الثالث: [في العقود المعلقة]

إن المحقّق النائيني والسيد الأستاذ استثنيا من موارد الاستصحاب التعليقي مورداً، قالوا: إن الاستصحاب يجري فيه؛ لأنه ليس تعليقياً، فهو خروج تخصّصي لا تخصيصي؛ لأنه تنجيزي لا تعليقي، وهو: ما إذا شكّ في لزوم العقد أو جوازه في موارد العقود المعلّقة.

توضيحه: أن العقود بلحاظ آثارها التي تكون أداة لإيجادها وتحقّق مضمونها على قسمين: فإنه تارةً يكون العقد منجّزاً فعلياً، كالبيع الذي لا يصحّ فيه التعليق، وأخرى يكون للعقد مضمون معلّق، وهي جملة من العقود التي ثبتت صحّتها عقلائياً وشرعاً على وجه التعليق، كالجعالة والوصية والسبق والرماية.

فتارةً: نشكّ في انفساخه بالفسخ، ويكون العقد من القسم الأوّل.

وأخرى: نشكّ في ذلك ويكون العقد من القسم الثاني.

فما كان من قبيل القسم الأوّل، فهناك توجد صيغة للاستصحاب التنجيزي واضحة، وهو استصحاب الأثر الفعلي للبيع.

وأما القسم الثاني من العقود -كما إذا فسخ قبل أن يتحقّق المعلّق عليه-، كما لو فسخ قبل أن يأتي بالمفقود في الجعالة، أو قبل موت الموصي في الوصية، فهنا يتراءى أن الاستصحاب يجب أن يكون تعليقياً، بأن يُقال: لو قام بهذا العمل قبل الفسخ (في الجعالة) لملك ديناراً في ذمّة الجاعل، فيستصحب، هذه القضيّة التعليقية. أو يُقال لو مات الموصي قبل ساعة لملك ديناراً، فالآن كذلك.

ـــــــــــــــــــــــــ[411]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

لأجل ذلك قال الميرزا والسيد الأستاذ: إننا نجريه؛ لإثبات نتيجة اللازم، من دون أن نبتلي بالاستصحاب التعليقي.

وتوضيح كونه تنجيزياً في عبائر الميرزا وارد بشكل، وفي كلام السيّد الأستاذ بشكل آخر. فهنا تقريبان لذلك:

التقريب الأوّل: تقريب المحقّق النائيني 

وحاصله: أن المستصحب ليس هو المجعول بل هو الجعل، ليس هو الأثر وهو الملكية حتى يُقال: إنها بعدُ لم توجَد في الوصية والجعالة، وإنما هي معلّقة، بل المستصحب هو نفس الجعل والقرار، فالفسخ كالنسخ، فكما أن الاستصحاب في الشكّ في النسخ يكون جارياً في نفس الجعل، كذلك في الشكّ في الفسخ، نستصحب الجعل والقرار، وهو أمرٌ تنجيزي.

التقريب الثاني: وهو بيان السيّد الأستاذ

وهو: اننا لا نستصحب ملكية هذا الشخص بل نستصحب الاستحقاق، وكونه يستحقّ بالعمل مالاً، وهذا الاستحقاق أمرٌ فعلي وإن كانت الملكية أمرٌ متأخّر معلّق.

ونبدأ بمناقشة التقريب الثاني: كأن السيّد الأستاذ يفرض للجعالة أثرين: أحدهما الملكية وهي أمرُ معلّق، والآخر: الاستحقاق وهو أمرٌ فعلي. ومرجعه إلى حقّ له في أن يتملك بالعمل ديناراً وهو حقّ يختصّ به دون الآخرين.

هذا الحقّ لا محصّل له؛ لأنه إن أريد به المعنى الانتزاعي من القضيّة التعليقية، فهذا مرجعه إليها، وإجراؤه فيه لا يزيد على إجرائهِ فيها، وإذا ادّعيَ 

ـــــــــــــــــــــــــ[412]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أنه هناك حكماً شرعياً قبل الملكية اسمه الحقّ، بحيث إن الجعالة تتضمّن جعل أمرين هما الملكية المشروطة والحقّ بنحوٍ مطلق، إن أريد ذلك فننكر هذا المدّعى.

نعم، ثبت في خصوص الوصية بدليل تعبّدي خاصّ، ما هو أثر الحقّ في بعض الموارد، لا من باب جعل الحقّ بل من باب التعبّد، كما لو أوصى شخصٌ إلى شخصٍ آخر، ومات الآخر قبل الموصي أو بعده وقبل قبول الوصية، فإن حقّ القبول ينتقل إلى الوارث، وهذا إن عملنا به فيؤخذ به تعبّداً، وليست في مقام بيان أن الوصية تقتضي جعل حقّ مسبق للموصى إليه في هذا المال.

وأما كلام الميرزا، وهو أنه يجري استصحاب الجعل. فهنا لا بُدّ من توضيح أمر، وهو: أن الفسخ في باب المعاملات يوجد اتّجاهان فكريان في تصويره:

أحدهما: أن الفسخ يكون قطعاً ورفعاً لنفس الإنشاء والجعل أو المعاملة والقرار، بدعوى: أن هذا الجعل وإن كان آنيّاً إلّا أنه باقٍ بنظرٍ عقلائي ارتكازي، فالفسخ نسخ للمعاملة بلحاظ بقائها العقلائي.

وأخرى: لا نقبل أن للمعاملة بقاءً عقلائياً، وحينئذٍ فيكون مرجع الفسخ إلى قيدٍ في نفس المجعول بمعنى أنه في موارد العقود التي تنفسخ بالفسخ، يرجع إلى قيد بعدم الفسخ في المجعول، وهو الملكية المجعولة من قِبَل العقلاء والشارع.

إذا اتّجهنا إلى التفسير الأوّل: فحينئذٍ يكون ما أفاده المحقّق النائيني تامّاً؛ لأن الوصية أو الجعالة إذا شكّ في لزومها وجوازها، يُقال: هذه 

ـــــــــــــــــــــــــ[413]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

المعاملة لها وجود بقائي مجعول من قِبَل الشارع، ويشكّ في أنه باقٍ بعد الفسخ أم لا. وهذا الوجود البقائي أمرٌ تنجيزي، فيستصحب.

وأما بناءً على الاتجاه الثاني: وهو أن المعاملة آنية، وليس لها استمرار قانوني بنظر العرف أو الشرع، فلا معنى لاستصحابها، ولا محالة ينحصر الاستصحاب في المجعول، والمفروض أنه لم يكن موجوداً في زمان حتى يستصحب.

والصحيح من هذين الاتجاهين هو الأوّل، وهو أننا نقبل أن للمعاملة وجوداً بقائياً عقلائياً وشرعياً، إلّا أن السيّد الأستاذ يختار الاتجاه الثاني في بحث (المكاسب)، وبناءً عليه لا نتصوّر جريان الاستصحاب في الجعل إذ لا بقاء له.

وبذلك تمّ الكلام في الاستصحاب التعليقي. ويقع الكلام في تنبيه جديد من تنبيهات الاستصحاب، حول استصحاب أحكام الشرائع السابقة.

ـــــــــــــــــــــــــ[414]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 













التنبيه السابع

في جريان استصحاب عدم النسخ

 

  • المقام الأوّل: فيما إذا شكّ في نسخ حكمٍ متيقّن الثبوت في شريعتنا

ـــــــــــــــــــــــــ[415]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 









التنبيه السابع: في جريان استصحاب عدم النسخ

 

التنبيه السابع -من تنبيهات الاستصحاب- في جريان استصحاب عدم النسخ إذا شكّ به، وحيث إن الحكم الذي يشكّ في نسخه:

 تارةً يكون في الشريعة الخاتمة بعد العلم بأصل ثبوته فيها.

وأخرى يشكّ في أصل ثبوته في الشريعة الخاتمة إلّا أنه يتيقن ثبوته في أحد الشرائع قبلها، ويحتمل بقاؤه فيها.

 

ولهذا يقع الكلام في مقامين بهذا اللحاظ:

المقام الأوّل: فيما إذا شكّ في نسخ حكمٍ                                                 متيقّن الثبوت في شريعتنا

 

ذكرنا فيما سبق أن هناك تقسيماً تقليدياً في صور الشكّ التي يمكن أن يجري الاستصحاب بلحاظها، وهي:

الأوّل: الشكّ في النسخ وعدمه، أي: الشكّ في أن المولى هل رفع يده عن الحكم أم لا؟

الثاني: الشكّ في سعة المجعول وعدمه، بعد العلم بعدم النسخ، كما لو 

ـــــــــــــــــــــــــ[417]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

شكّ في أن النجاسة المجعولة للماء المتغيّر هل تشمل زمان ارتفاع النجاسة أو لا؟

الثالث: الشكّ في بقاء الحكم؛ باعتبار الشكّ في بقاء موضوعه خارجاً، وهو المسمّى بالشبهة الموضوعية.

وقلنا هناك: إنه لا بُدّ من استئناف تحقيق في أن القسم الأوّل هل هو شكّ في مقابل الشكّين الأخيرين أو لا؟

فلا بُدّ أن نعرف تصوّراتنا في الشكّ في النسخ لنعرف ذلك.

التحقيق في الشكّ في النسخ 

يمكن أن نتصوّر له ثلاث تصوّرات، على إحداها يكون الشكّ في النسخ قسماً برأسه، وبتصوّر آخر نرجعه إلى الثاني، وبتصور ثالث نرجعه إلى القسم الثالث.

التصوّر الأوّل: أن يكون مرجع الشكّ في النسخ إلى أننا نعلم أن المولى هل جعل حكماً على موضوع مطلق مرسل من حيث عمود الزمان إلى يوم القيامة، لكنّنا نحتمل أن هذا الحكم قد ألغي ورفع من قِبَل المولى؛ لأن الحكم والجعل له وجود حقيقي آني متصرّم، وله وجود اعتباري قابل للبقاء والاستمرار المُمضى من قبل الشارع، ومعنى النسخ هو هدم ورفع هذا الوجود. وبناءً عليه لا يرجع الشكّ في النسخ إلى الشكّ في سعة المجعول، للقطع بسعته إلى يوم القيامة، فإذا شكّ في بقائه يقع الكلام في أنه هل يجري استصحاب هذا الوجود الاعتباري العرفي للجعل أو لا؟

ـــــــــــــــــــــــــ[418]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وهذا التصوّر إذا طبّق على المبادئ من الإرادة والكراهة فهو مستحيل على الله تعالى؛ لأن مرجعه إلى البداء المستحيل عليه تعالى، فإنه ملازم مع الجهل والتغيّر تعالى عن ذلك، لكن إن طُبّق على عالم الجعل والاعتبار فيتخيّل أن المولى وإن كان يعلم أن المصلحة منقطعة، لكن هناك مصلحة لتنظيم جعل الأحكام والقوانين بهذا النحو، وحين يحين الوقت المحدّد فإن المولى يرفع الحكم.

التصوّر الثاني: وبه نرجع الشكّ في النسخ إلى القسم الثاني، وهو الشكّ في سعة المجعول وضيقه، وذلك بأن يُقال: إن النسخ بالمعنى الأوّل غير معقول لا بلحاظ عالم المبادئ ولا بلحاظ عالم الجعل والاعتبار. أما المبادئ فلاستلزامه الجهل والتغيّر، وأما بالنسبة إلى عالم الاعتبار، فمثلاً باعتبار اللغوية؛ لأن الجعل الذي ليس وراءه ملاك لا يكون موضوعاً للأثر العملي في مقام التنجيز والتعذير، فيتعيّن أن نرجع هذا القيد إلى المجعول لا إلى الجعل، وأن المجعول قد قيّد بقيد هو الزمان -مثلاً- فكأنّه من الأوّل جعل الحكم في العصر الأوّل من عصور الإسلام، فيكون الشكّ شكّاً في سعة المجعول وضيقه، فيرجع إلى القسم الثاني.

التصور الثالث: أن نُرجعه إلى الشبهة الموضوعية، بأن نتّفق مع التصوّر الثاني في أن الشكّ في النسخ مرجعه إلى الشكّ في سعة المجعول، وأنه لا بُدّ من أخذ قيد في الموضوع، لكن يُقال: إن القيد المأخوذ في المجعول ليس هو الزمان، بل المجعول جعلت له غاية، وهو: إنشاء الحكم المخالف -يعني ما لم ينسخ- والشكّ في النسخ معناه أنه هل حدثت هذه الغاية أو لا؟ فيكون شكّاً بنحو الشبهة الموضوعية، على حين أخذ الزمان هناك قيداً، فكانت شبهة حكمية.

ـــــــــــــــــــــــــ[419]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ومن هنا قد يقول أصحاب التصوّر الثاني: أن التصوّر الثالث غير معقول، إذ كيف يؤخذ أحد الضدّين في موضوع الضدّ الآخر، فإن أحد الضدّين لا يكون متوقّفاً على عدم ضدّه، بل على عدم ملاكه وسببه، فيجب أن يؤخذ في موضوع الوجوب عدم الزمان الذي يكون دخيلاً في حرمته، فيرجع إلى التصوّر الأوّل.

ويمكن أن يُقال في جوابه: إن هذا الإشكال إنما يكون في الإناطات التكوينية في عالم المبادئ، وأما في عالم الجعل فيكفي فيه المناسبات التشريعية التي يلحظها المولى في مقام التقنين، فإن اقتضت أن يؤخذ الحكم المخالف غايةً أمكن ذلك -كما قد يتّفق- كما لو قال المولى العرفي: (أكرموا فلاناً إلى أن أرفعه).

[إشكالات على جريان استصحاب عدم النسخ]

والآن نتكلّم في جريان الاستصحاب وعدمه على التصوّرات الثلاث:

فنقول: إن الآغايون أشكلوا على جريان استصحاب عدم النسخ بأمرين: 

الأوّل: الإشكالات العامة على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، التي تبنّى بعضها السيّد الأستاذ، فإنه كان هناك إشكالان: 

الأوّل: أن الشكّ في الشبهة الحكمية دائماً يكون شكّاً في الحدوث لا في البقاء؛ لأنه شكّ في زيادة الجعل وضيقه؛ لأنه وجد دفعةً واحدة، ولا يعلم أنه جعل بنحو وسيع أو ضيق، فلا يجري استصحاب الجعل، بل يجري استصحاب عدم الجعل الزائد.

ـــــــــــــــــــــــــ[420]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الثاني: -للسيد الأستاذ- وهو أن استصحاب بقاء المجعول يعارض استصحاب عدم الجعل الزائد.

الثالث: إشكال أُورد على خصوص المقام في (الرسائل) وتبعه في التعرّض إليه مَن بعده، وحاصله: أن القضيّة المتيقّنة غير القضيّة المشكوكة؛ لأننا لو فرضنا شخصاً كان يُعاصر كِلا العصرين فلا بأس بأن يُقال: (إن هذا الرجل كانت صلاة الجمعة واجبة عليه، فالآن هي واجبة عليه)، لكنّنا نريد أن نثبت وجوبها في حقّنا، فالقضيّة المتيقّنة موضوعها هو الأفراد الأوائل، والقضيّة المشكوكة موضوعها الأفراد المتأخّرون.

وقد اتّضح بما حققناه أن هذه الإيرادات إنما تتّجه صورةً على تصوّر واحد للشكّ في النسخ، فإننا إذا تصوّرنا بالنحو الأوّل -وهو جعل الوجوب إلى يوم القيامة-، فالمجعول وسيع جزماً، لكنّنا نشكّ في البقاء الاعتباري لنفس الجعل، فلا يرد شيء من الإشكالات الثلاثة:

أما الأوّل: وهو أن الشكّ دائماً في حدوث الجعل الزائد؛ فلأن الشكّ في البقاء حقيقة، لكن بقاء الوجود الاعتباري للجعل. 

وأما الثاني: وهو المعارضة فلا موضوع له؛ لأنه لا يجري استصحاب المجعول أصلاً للعلم بكونه وسيعاً. 

وأما الثالث: فلأننا فرضنا أن المولى جعل الوجوب على كلّ المكلّفين حتى علينا، فنحن داخلون في القضيّة المتيقنة.

وكذلك الأمر على التصوّر الثالث: فإنه أيضاً لا يرد شيء من الإشكالات 

ـــــــــــــــــــــــــ[421]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الثلاثة: أما الأوّل: فواضح. وأما الثاني: فلِما ذكرناه من أن شبهة المعارضة لو تمت، فإنما تتمّ في الشبهات الحكمية دون الشبهات الموضوعية. وأما الثالث: فلأنني لا أُجري الاستصحاب في الحكم، بل أُجري الاستصحاب الموضوعي لعدم النسخ.

نعم، كلّ الإشكالات الثلاثة تتّجه صورةً على التصوّر الأوسط منها، بناءً على إرجاع الشكّ في النسخ إلى سعة المجعول وضيقه بنحو الشبهة الحكمية. أما الإشكالان الأوّلان فقد سبق جوابهما في بحث الاستصحاب في الشبهة الحكمية، فلا نعيد، نعم، يبقى الإشكال الثالث ينبغي التعرّض له.

*****

إذ يُقال(1): أنتم تجرون استصحاب المجعول أو المجعول متعدّد، والقضيّة المتيقّنة فيه غير المشكوكة.

[جواب المرزا النائيني عن الإشكال]

أجاب عليه المحقّق النائيني: -وكأنّه أوضح بذلك مراد الشيخ في (الرسائل) في عبارة مُجملة له في الجواب-، وحاصل ما ذكره المحقّق النائيني: أن قضيّة جعل وجوب صلاة الجمعة لو كان بنحو القضيّة الخارجية، لكان الإشكال تامّاً، بل هو بنحو القضيّة الخارجية، فلا يتمّ، وتكون القضيّة المتيقّنة والمشكوكة واحدة، وما هو مقصود الميرزا من هذه العبارة واضح جداً، وهي 

ـــــــــــــــــــــــــ[422]ــــــــــــــــــــــ

() لخّص أوّلاً جملة مما سبق، إلى أن قال: لا بُدّ أن نعالج إذن هذا الإشكال -يعني الثالث- بناءً على هذا التصوّر -يعني الثاني-، إذ يُقال:… (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

مشابه لعبارة الشيخ وعبارة (الكفاية) مع إجمالٍ فيهما، فلو كنّا نحمل المطلق على المقيّد لحملناه ولكنّنا لا نحمل.

تحقيق الحال في المقام 

أن الاستصحاب الذي نجريه في المجعول، نجريه في أيّ مجعول؟!. هنا يوجد فرضان:

الأوّل: أن نقصد منه فعلية المجعول التابع لفعلية موضوعه خارجاً، يعني: الحكم الجزئي الذي يتحقّق خارجاً، بناءً على تصوّرات الميرزا.

الثاني: أننا نُجري الاستصحاب في المجعول الكلّي المتقوّم بتقدير وجود الموضوع في أفق الجعل في نفس المولى.

أما بناءً على الفرضية الأولى:

فنحن نواجه الإشكال، وهو: أن القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة متعدّدة؛ لأننا عندنا فعليات متعدّدة للمجعول بعدد المكلّفين، فالفعلية بالنسبة إلى (سلمان) غير الفعلية بالنسبة لي، وذاك متيقّن وهذا مشكوك، ولا يمكن الذبّ عن هذا الإشكال وتصوير جريان الاستصحاب إلّا بتتميم مجموع أمرين: 

أحدهما: أن نفرض أن القضيّة المجعولة من قِبَل الشارع حقيقية لا خارجية.

ثانيهما: أن نقول بجريان الاستصحاب التعليقي، فإننا حينئذٍ نقول: إننا نستصحب القضيّة التعليقية، وهي: لو كنّا موجودين في الزمان الأوّل لوجبت 

ـــــــــــــــــــــــــ[423]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

علينا صلاة الجمعة، فالآن تجب علينا أيضاً، فإننا موجودون بالوجدان، فيكون الحكم منجّز علينا.

أما لو أنكرنا أحد الأمرين، فقلنا: إن القضيّة خارجية، وإن الشارع حكم على الأفراد المحقّقة الوجود، إذن فعلى فرض أنها منسوخة فلا يقين عندي، وأني لو كنت في ذلك الزمان، لشملني الوجوب، بل لعلّ الشارع يكون قد استثنانا من وجوب صلاة الجمعة كما استثنى المسافر والأعمى. وشمول الوجوب على هذا التقدير من شأن القضيّة الحقيقية دون الخارجية. كما أننا لو أنكرنا الاستصحاب التعليقي -كما تنكره مدرسة الميرزا- فأيضاً لا يمكننا التوصّل إلى صيغة معقولة للاستصحاب؛ لأنه ليس عندنا مجعول فعلي متيقّن حدوثاً، فإن المجعول على (سلمان) لا معنى لإسرائه إلينا، والمجعول علينا تعليقي لا تنجيزي.

وبذلك اتّضح أنه إن كان مراد المحقّق النائيني ومدرسته من استصحاب المجعول هذا المعنى، فهو لا يتمّ على مبانيه.

الفرضية الثانية:

أن نجري الاستصحاب في المجعول الكلّي بمعنى الجعل منظوراً إليه بالحمل الأوّلي، فإنه بهذا النظر يكون للماء المتغيّر حدوث وبقاء، فيكون للمجعول بتبعه حدوث وبقاء، ولذلك قلنا: إن المجتهد لا يتوقف في إجرائه الاستصحاب على أن يوجد ماء متغيّر في الخارج.

وحينئذٍ نقول: بأن الميزان في تصحيح الاستصحاب ليس هو كون القضيّة 

ـــــــــــــــــــــــــ[424]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

حقيقية أو خارجية، وإنما الميزان هو كون الموضوع في المجعول الكلّي هو الطبيعة أو الأفراد، فإن كان هو الأفراد بأن كان الحكم معلّقاً على الأفراد ولو بنحو القضيّة الحقيقية، فالإشكال محكّم؛ لأننا إن نظرنا إلى المجعول نرى كثرة في الموضوعات بعضها نتيقّن ثبوت الحكم لها وبعضها نشكّ، فليس هناك وحدة عنوانية للموضوع حتى نستطيع فرض حدوثٍ وبقاءٍ، وإن كان الموضوع هو الطبيعة الكلّية، فحينئذٍ يكون لها وحدة نوعية، وتبعها يكون للموضوع حدوث وبقاء، فإن الطبيعة بالحمل الأوّلي يكون لها حدوث وبقاء، ويكون للحكم بتبعها حدوث وبقاء، فيجري فيه الاستصحاب.

ولعلّ هذا هو مراد الشيخ الأعظم، لا ما أوضحه المحقّق النائيني، حيث عبّر الشيخ أن القضيّة طبيعية، وأن الموضوع هو الطبيعة لا الأفراد، وليس المراد الطبيعة بما أنها ذهنية، بل بما هي خارجية، لكن تارةً تلحظ بوحدتها النوعية بما هي خارجية كما هو الحال في المطلق، وأخرى تلحظ أفراد الطبيعة بما هي خارجية، كما هو الحال في العامّ. إذن فلا بُدّ أن يفصل بين ما إذا كان الحكم بنحو الإطلاق أو بنحو العموم، إلّا إذا فهم العرف فهماً أرجع العموم إلى الإطلاق، فهذا هو الميزان لا كون القضيّة حقيقية.

بقي تنبيه مختصر 

وهو أن هذا الإشكال لاستصحاب عدم النسخ يسري ملاكاً في كثير من موارد استصحاب الشبهة الحكمية، فإنه كثيراً ما يكون الحكم المشكوك في الشبهات الحكمية بأن فيه شبهة أن القضيّة المتيقّنة غير القضيّة المشكوكة؛ لكن 

ـــــــــــــــــــــــــ[425]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

من ناحية المتعلّق، كاستصحاب حرمة مقاربة الحائض بعد النقاء أو قبل الغسل، فإنه تأتي شبهة: أن ما نحن على يقين منه هو حرمة ذاك الدخول، وما نحن على شكّ منه هو هذا الدخول، فهنا فردان من الطبيعي أحدهما متيقّن والآخر مشكوك فلا يمكن الاستصحاب.

والغريب من السيّد الأستاذ أنه أثار هناك -في بحث جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية- هذا الإشكال لأجل غلق باب جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، بينما هنا وافق الآغايون في كيفية دفع الإشكال، مع أن روحهما واحد، فإما أن يندفعا معاً أو لا يندفعا معاً.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، وهو استصحاب عدم النسخ في الشريعة الخاتمة الإسلامية.

*****

التخلّص من هذا التفصيل بحيث يجري الاستصحاب في موارد العموم يكون بإرجاع العموم إلى الإطلاق. وذلك بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: بلحاظ عالم الخطاب والاستظهار العرفي، وأن المولى حين جعل وجوب صلاة الجمعة على كلّ إنسان وإن كان المأخوذ في لسانه هو العموم، إلّا أن العرف يفهم من الموضوع في القضيّة الحقيقة كون الافراد لا دخل لها بما هي أفراد، وإنما حكم على الفرد لكونه فرداً من الطبيعة لا لخصوصية فيه، وإلّا كان خُلف القضيّة الحقيقة؛ ولذا يضيف العرف الحكم إلى الطبيعة، فكأنّ المولى جعل الحكم على الطبيعة، ثُمّ تصدّى لبيان سريانها إلى 

ـــــــــــــــــــــــــ[426]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

أفرادها، فيرجع العموم إلى الإطلاق. وحينئذٍ فلا بأس بإجراء الاستصحاب في موارد العموم كما يجري في موارد الإطلاق.

الوجه الثاني: أن نلاحظ عالم الإرادة الذي هو قبل عالم الجعل ونقول: إن عالم الجعل حيث إنه عالم إنشاء وصياغة فالمولى يمكن أن يتفنّن في بيان العموم تارةً وبيان الإطلاق أخرى، وأما بحسب عالم الإرادة، فإن فرضنا أنها متعلّقة بكلّ فرد من أفراد المكلّف بنحو العمومية، فإنها تستلزم عقلاً إرادة متعلقة بالطبيعة على وجه الإطلاق. نعم، جعل العموم غير ملازم لجعل الإطلاق، لكن الإرادة العمومية ملازمة لإرادة الإطلاق، فبهذه الملازمة دائماً يتبرهن على وجود إرادة على الطبيعة، وعليه يجري الاستصحاب.

وهذا التقريب يتمّ على مباني المحقّق العراقي بل المحقّق النائيني على ما يظهر من بعض كلماته من تصوّر الإرادات الحقيقية الكلّية المنوطة، وأما إذا أنكرنا ذلك، وقلنا: إن الإرادة جزئية منوطة بتحقّق المراد، فليس عندنا كلّي حتى نستصحبه.

ويقع الكلام في المقام الثاني: وهو استصحاب الشرائع السابقة.

انظر المقام الثاني في الدفتر التالي(1).

*****

ـــــــــــــــــــــــــ[427]ــــــــــــــــــــــ

(1) لا يوجد دفتر 25.






تتمّة الكلام في الاستصحاب

 

  • وجه تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي
  • التعليق الثالث: في الأصلين العرضيين المتنافيين
  • المورد الثاني: في الأصلين المتعارضين بالعرض
  • المورد الثالث: التنافي في عالم الامتثال

ـــــــــــــــــــــــــ[429]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 



تتمّة الكلام في الاستصحاب(1)

 

وجه تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي

 

وما يمكن أن يكون وجهاً لتقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي، ثلاثة بيانات بعضها مختصّ وبعضها مشترك:

البيان الأوّل: 

مختصّ بخصوص ما إذا كانا معاً استصحاباً، وكان أحدهما سببيّاً، والآخر مسبّبياً، من قبيل استصحاب النجاسة في الثوب المغسول بماء مستصحب الطهارة.

ففي مثل ذلك يكون الأصل السببي مقدّماً؛ لِما أشرنا إليه مراراً من أن الكبرى المجعولة في دليل الاستصحاب ليست تعبّداً صرفاً، بل هي كبرى معلومة عند العقلاء، وإن كانت مجملة من حيث التفاصيل، وغير معمّقة من حيث العمل بها، فإن عقلائية القاعدة لها مراتب مشكّكة من حيث درجاتها والضرورة التي يرونها لها، إلّا أنه لا ينبغي أن ينكر عقلائية هذه الكبرى في 

ـــــــــــــــــــــــــ[431]ــــــــــــــــــــــ

(1) كان الشروع في هذا البحث دفتر (26) يوم الأحد 2/8/1390- 4/10/1970.

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجملة. وإن كنّا قد قلنا: إن عقلائية هذه الكبرى لعلّها ليست من باب رجحان كاشفية الحالة السابقة على احتمال الانتقاض، كما هو الحال من خبر الثقة؛ إذ كان عملهم به باعتبار أرجحية كاشفية العمل به على خلافه. بل هنا لعلّه لميل طبعي عند العقلاء، يتدخّل الوهم فيه إلى جنب العقل، ويقتضي تخيّل بقاء ما كان على ما كان.

فبعد فرض أن هذه الكبرى عقلائية ولو بهذه المرتبة، وأن الإمام يقرّرها بلسان: “لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً“. وقوله: “لا ينبغي -كأنّه أمر لا يناسب الإنسان العاقل- نقض اليقين بالشكّ“. وحينئذٍ نرجع إلى الارتكاز فنرى أن المركوز عند العقلاء بتّاً لا تشكيكاً: أنه في موارد الأصل السببي والمسبّبي -يعني: الحالتين الطوليتين من هذا القبيل- يعمل العقلاء على الحالة السببية دون المسبّبية. يعني: أن تلك الدرجة من الوضوح في كبرى الاستصحاب موجودة في الحالة السببية، ولا يحتمل أحد من العقلاء تطبيقها على الحالة المسبّبية.

فهذا يكون قرينة لُبّية متّصلة على أن دليل الاستصحاب يطبّق على الحالة السببية دون الحالة المسبّبية.

البيان الثاني: 

وهو يختصّ بخصوص بعض الموارد كأصالة الطهارة. وهو أنها دائماً أصل موضوعي؛ لأن الطهارة دائماً موضوع لأحكام شرعية تكون في مورده دائماً أصول طولية، وهذه الأصول على قسمين: فتارةً تكون موافقة لقاعدة الطهارة، 

ـــــــــــــــــــــــــ[432]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

وأخرى مخالفة. فالموافقة لها: كأصالة الإباحة في الشرب، وأصالة البراءة عن المانعية. والمعارضة لها: كاستصحاب بقاء النجاسة في الثوب المغسول بماء ثبتت طهارته بأصالة الطهارة، أو استصحاب بقاء الحدث في الوضوء بمثل هذا الماء.

فأصالة الطهارة مقدّمة على الاستصحابات الطولية المعارضة لها. إذا قدّمت الاستصحابات على أصالة الطهارة لزم لغوية دليلها بخلاف العكس.

وتقريبه: أننا لو قدّمنا كلّ الاستصحابات الطولية على قاعدة الطهارة لم يبقَ لها مدلول عملي، إلّا في حدود ما هو موافق مع الأصول الطولية الموافقة، وهذا معناه إلغاء القاعدة بعنوانها، بينما لو قدّم دليل أصالة الطهارة على دليل الاستصحاب لم يلزم لغوية الاستصحاب. وكلّما كان الحال بين دليلين هكذا، يكون ذاك كالأخصّ مطلقاً فيقدّم على الآخر.

البيان الثالث:

وهو مشترك في كلّ أصل موضوعي مع أصل حكمي. بأن لا نتوخّى أن يكون للعرف سبب منطقي في تقديم الأصل الموضوعي، وإنما نقدّمه عليه باعتبار ارتكاز سريان التقدّم من مقام الثبوت إلى مقام الإثبات. وهو مبني على المسامحة دون التدقيق.

توضيح ذلك: أن الاقتضاء الثبوتي لوجود الطهارة في الماء يكون راسخاً وملغياً للنجاسة في الثوب المغسول به؛ لأن العلّة تكون دائماً هادمة لنقيض معلولها. وهذا واضح في مقام الثبوت، والمركوز عرفاً هو إسراء حكم الوجود الثبوتي للوجود الإثباتي. فكما أن الوجود الثبوتي لطهارة الماء واقتضائها للبقاء، 

ـــــــــــــــــــــــــ[433]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ينسخ ويرفع الوجود الثبوتي لنجاسة الثوب واقتضائها للبقاء، كذلك يحكم إثباتاً، فيكون الوجود الإثباتي للطهارة حاكماً على الوجود الإثباتي للنجاسة، وهذا الإسراء بنفسه شكَّل ظهوراً عرفياً في الأدلّة، وأصبح قرينة على تحديد دائرة الأصل بالأصل الحكمي.

ولا يُقال: إن هذا لو تمّ لاقتضى تقديم الأمارة في الموضوع على الأمارة في الحكم، كما لو قامت بيّنة على طهارة الماء وبيّنة على نجاسة الثوب المغسول به.

فإنه يقال: كَلّا، فإن البيّنة حجّة في كلّ مداليلها الإلتزامية، فكلّ من البيّنتين وجود إثباتي للعلّة والمعلول، أيّ طهارة الماء ونجاسة الثوب. فينحصر هذا البيان في خصوص ما إذا كان الإثبات غير ناظر إلى لوازمه، وهو الأصل.

*****

ـــــــــــــــــــــــــ[434]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 

التعليق الثالث: في الأصلين العرضيين المتنافيين

 

فيما إذا كان الأصلان متنافيين في عرض واحد. قال المشهور: إنه إذا كان المجعول في أحد الأصلين هو الطريقية دون الآخر يكون الأوّل حاكماً على الثاني كالاستصحاب والبراءة أو هو أصالة الطهارة. وأما إذا كان الأصلان عرضيين وكانا من سنخ واحد، كِلاهما كان المجعول فيهما هو الطريقية، أو كِلاهما ليس كذلك، فإنهما يتعارضان، ولا بُدّ حينئذٍ من إعمال سائر قواعد باب التعارض.

هذه الحكومة المتمثّلة في كلماتهم في حكومة دليل الاستصحاب على دليل أصالة الطهارة والبراءة، لها عدّة تقريبات، كما تقدّم في بحث حكومة الأمارات على الأصول، بأن يُدّعى أن المجعول في دليل الاستصحاب هو الطريقية بمعنى الاعتبار فيكون وارداً، أو بمعنى التنزيل فيكون حاكماً.

وهناك صيغة ثالثة يمكن تصوّرها لدليل الاستصحاب ادّعاها المحقّق العراقي، وحاصلها: أن مفاد دليل الاستصحاب ليس هو جعل الطريقية لا بنحو الاعتبار ولا التنزيل. وإنما مفاده الأمر بالبناء العملي على اليقين، وترتيب الآثار العملية على اليقين، والجري العملي عليه، الذي هو تعبير آخر عن حرمة النقض العملي لي.

 

ـــــــــــــــــــــــــ[435]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

حينئذٍ يُقال: إن اليقين يقتضي نحوين من الجري؛ لأن لليقين صفتين:

فإنه تارةً: يلحظ بما هو يقين طريقي، وبهذه الصفة يقتضي اليقين الجري العملي على طبق الحرمة المنكشفة به.

والصفة الأخرى: أنه يلحظ بما هو موضوع، فإنه أخذ اليقين موضوعاً وغايةً في دليل الأصل، فاليقين يقتضي الجري على طبقه بلحاظ موضوعيته، ومعناه رفع اليد عن أصالتي الطهارة والبراءة. ومقتضى التمسّك بمادّة الجري في دليل الاستصحاب هو: أن المولى يأمرنا بكِلا نحوي الجري.

وإن شئتم قلتم: إن مفاد دليله هو تنزيل احتمال البقاء منزلة اليقين، لا بلحاظ الأحكام الشرعية لليقين، بل بلحاظ مقام العمل به. فتتمّ الحكومة بملاك النظر لا بملاك التنزيل، فإنه لا يوجد تنزيل بلحاظ عالم الأحكام، بل تنزيل في عالم العمل.

ولا يلزم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي؛ إذ لا نظر للمولى إلى المتيقّن، وإنما الأثران معاً من آثار اليقين الملحوظ استقلالاً(1)

وهذا التقريب ناقشناه في بحث الشكّ في المقتضي والمانع، وقلنا: إن مفاد دليل الاستصحاب إذا كان هو الأمر بالجري على طبق ما يقتضي اليقين، فيختصّ باليقين بما هو طريق، ولا يشمل ما هو موضوع.

ومعه فالتقريبات الثلاثة للحكومة محلّ إشكال. فلا بُدّ من استئناف بحث في الأصول العرضية.

ـــــــــــــــــــــــــ[436]ــــــــــــــــــــــ

() هذا جواب على سؤال. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بحث في الأصول العرضية

وهو أن يُقال: إن الأصلين إما ثابتان بدليل واحد، كما في الاستصحابين في توارد الحالتين، فيتعارضان ويتساقطان. وإما ثابتان بدليلين، فلا بُدّ من ملاحظة حال الدليلين، فإن فرض أن أحدهما يقتضي التقدّم على الآخر بلحاظ الأخصّية أو نحوها أخذ به، وإلّا أوقع التعارض بينهما، وطبّق عليهما قواعد باب التعارض. هذا هو المنهج.

وأما التطبيق: فمن هنا يظهر أن الاستصحابين الواردين في مرتبة واحدة لا بُدّ من تساقطهما.

كما يتّضح أنه:

 في موارد التعارض بين الاستصحاب وقاعدة الفراغ أو اليد أو التجاوز، لا بُدّ من تقديم أدلّة تلك القواعد على دليل الاستصحاب باعتبار الأخصّية، فإن أغلب مواردها وخاصّة ما هو وارد في أدلّتها، إنما هو موارد الاستصحاب، فيكون بحكم الأخصّ عرفاً.

وأما دليل الاستصحاب مع دليل أصالة الطهارة: فنحن هنا نتكلّم عن الاستصحاب الذي في عرض أصالة الطهارة، لا عن الاستصحاب الموضوعي. وقد بيّنا في الفقه أن دليل قاعدة الطهارة لا إطلاق له إلى هذا المورد، وهو مورد الشكّ ببقاء النجاسة السابقة، وتفصيل الكلام في بحث الفقه.

وأما دليل البراءة مع الاستصحاب: فالتعارض هنا يبدو مستحكماً؛ لأن 

ـــــــــــــــــــــــــ[437]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

النسبة بين دليليهما هو العموم من وجه، إلّا أن الخطب إنما يكون مهمّاً في الشبهات الحكمية لا في الشبهات الموضوعية؛ لأننا فيها لا نحتاج إلى استصحاب الحرمة في مقابل البراءة؛ لأنه كلّما وجد استصحاب الحرمة يوجد استصحاب موضوعها، وقد قلنا: إن الاستصحاب الموضوعي مقدّم على الحكمي. وإنما يقع الإشكال في الشبهات الحكمية، ومع هذا فالظاهر

أن يقدّم دليل الاستصحاب على دليل البراءة؛ لأن ما كان من أدلّة البراءة على مستوى (قبح العقاب بلا بيان)، فأمرها واضح؛ لأنها ترتفع بأيّ بيان حتى الاحتياط فضلاً عن الاستصحاب. وأما ما كان من الأدلّة بلسان (رفع ما لا يعلمون)، فيقدّم دليل الاستصحاب؛ باعتبار أن العامّين من وجه إذا كان أحدهما بالعموم والآخر بالإطلاق فإنه يقدّم ما كان بالعموم في أكثر الموارد باعتبار الأظهرية العرفية. والأمر هنا كذلك، فإن دليل الاستصحاب بالعموم باعتبار كلمة “أبداً” وهو من أفضل أدوات العموم، وليس في أدلّة البراءة الثابتة سنداً ودلالةً شيء، لم يرد فيه عموم.

هذا مضافاً إلى أن التفكيك في دليل الاستصحاب، وتقييده في مادّة الاجتماع، ليس أمراً عرفياً، بينما إخراج مادّة الاجتماع عن دليل البراءة ليس عرفياً. بأن يقال: البراءة تجري إلّا في مورد الاستصحاب. ولا يُقال: إن الاستصحاب يجري إلّا في مورد البراءة؛ لأن نكتة الاستصحاب عامّة من هذه الجهة.

*****

ـــــــــــــــــــــــــ[438]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بقي وجه عامّ يمكن أن يدّعى في تقديم أدلّة الأمارات وأشباه الأمارات على مثل دليل البراءة وأشباهه.

وحاصله: الاستعانة بقضيّة ارتكازية في الشريعة الإسلامية، وتوضيح ذلك: أن الشارع حين يقول: (رفع عن أمتي ما لا يعلمون). يأتي إلى أذهان المتشرّعة، فيفهمونه وفق ارتكازاتهم، ومن الواضح أن هناك قضيّة مرتكزة في أذهانهم، وأن الشارع وضع وسائل لإثبات الأحكام غير العلم الوجداني، وكلّ تطبيق منها وإن لم يكن ارتكازياً، إلّا أنه لو لوحظت هذه القضيّة بنحو المهملة المجملة يعلم أنه ليس بناء الشارع على الاقتصار في الإثبات على العلم الوجداني، فإن مجموع أدلّة الأمارات والأصول في الشبهات الحكمية والموضوعية، لو لم تكوِّن ارتكازاً متشرّعياً بهذه القضيّة المهملة فكيف تتكوّن الارتكازات المتشرّعية إذن؟

وحينئذٍ فحين يأتي إطلاق (رفع ما لا يعلمون) أو (كلّ شيء حلال) إلى أذهان المتشرّعة، مع ضمّ مثل هذه القضيّة الارتكازية، فإنهم لا يفهمون منه أن هذا الإطلاق لا يراد به النهي عن هذه القضيّة المركوزة، وإلغاؤها وحصر وسائل الإثبات بالعلم الوجداني. بل تكون هذه القضيّة المهملة كالقرينة المتّصلة على أن نظر المولى في الإطلاق إلى حالة عدم وجود وسيلة إثبات، سواء كانت علماً أو كانت من هذه الوسائل التي تدخل تحت هذه القضيّة المهملة المركوزة. فلا يكون لدليل البراءة إطلاق لِما إذا وجدت وسيلة إثبات بدليل من الأدلّة.

ـــــــــــــــــــــــــ[439]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

ولا يكون(1) لدليل البراءة إطلاق لِما شكّ أنه وسيلة إثبات أو لا. كالشهرة إذا شككنا أنها داخلة في تلك القضيّة المهملة أو لا. فلا ينبغي أن نتمسّك بإطلاق الرفع. بل لا بُدّ أن نتمسّك بأحد طريقين: إما أن نستصحب عدم جعل حجّية الشهرة، أو نجري البراءة عن حجّية الشهرة نفسها، فإن البراءة كما تجري عن الحكم الواقعي تجري عن الحكم الظاهري بمعنى من المعاني.

ـــــــــــــــــــــــــ[440]ــــــــــــــــــــــ

() وقال السيّد إن هذا الوجه ينتج الورود. وقال: ولا يكون… (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 



المورد الثاني: في الأصلين المتعارضين بالعرض(1)

 

المورد الثاني في الأصلين المتعارضين بالعرض، للعلم الإجمالي بكذب أحدهما، كأصالة الطهارة في إناءين تعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما. والأصول هنا إما أن تفرض غير تنزيلية، أو أن تفرض تنزيلية، فإذا لم تكن تنزيلية، كأصالة الطهارة فلا ينبغي الإشكال في أنها إذا لم يؤدّي جريانها جميعاً إلى المخالفة العملية لتكليف منجّز بالعلم، فتجري جميعاً لوجود المقتضي وعدم المانع. وإذا أدّى جريانها إلى المخالفة القطعية، فلا تجري لا جمعاً ولا تخييراً، فيتعيّن تساقطها وكِلا الدعويين سبق أن بحثناهما في مباحث العلم الإجمالي.

والكلام الآن فيما إذا كان الأصلان تنزيليين كالاستصحاب، فهل حالهما حال غير التنزيليين في الجريان إذا لم يلزم مخالفة عملية، أو فيها نكتة تقتضي التعارض والتساقط، حتى لو لم يلزم من جريانهما معاً مخالفة قطعية للمعلوم بالإجمال. كما لو كان الإناءان مستصحبي النجاسة، وغاية ما يلزم هو المناقضة مع العلم الإجمالي بكذب أحد الأصلين.

ـــــــــــــــــــــــــ[441]ــــــــــــــــــــــ

(1) المورد الأوّل في الجزء السابق (المفقود). وهو تقديم الأصل السببي المحرز على الأصل المسبّبي غير المحرز، ومن تفريعاته عنوان: (وجه تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي).

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

استشكل الشيخ الأنصاري في جريانهما بدعوى قصور مقام الإثبات عنه، لوقوع التعارض بين الصدر والذيل، فإن مقتضى قوله: “لا تنقض اليقين بالشكّ” جريان كِلا الاستصحابين، ومقتضى قوله: “ولكن انقضه بيقين آخر” هو لزوم نقض أحد اليقينين بالعلم الإجمالي بطهارة أحدهما. ومن المعلوم أنه لا يمكن الجمع بين الالتزام باليقين وبين نقض أحدهما.

والميرزا حين التفت إلى الإشكالات الموجّهة إلى الشيخ بدّل الاستدلال وتحفّظ على المدعى، وقال: إن كلام الشيخ غير تامّ:

أوّلاً: إنه لو وجد التعارض بين الصدر والذيل فلتسقط هذه الرواية باعتبار إجمالها ونتمسّك برواية أخرى.

وثانياً: إن اليقين الآخر ظاهر باليقين التفصيلي بالخصوص؛ لأنه ظاهر أنه يتعلّق بما كان اليقين الأوّل متعلّقاً. واليقين الإجمالي بناءً على اقتصاره على الجامع لا يسرى إلى متعلّق اليقين السابق.

وإنما لا يجري الاستصحاب لقصور ثبوتي لا لقصور إثباتي، وفي مقام البرهنة على ذلك كرّر الدعوى بعبارات مختلفة، ولم يتحصّل منه المقصود. ولهذا لا ندري ماذا كان في ذهنه.

وما يمكن أن يكون تقريباً فنّياً لهذا المدعى، هو أحد أمرين: 

التقريب الأوّل: أن يقال: إن المجعول في دليل الاستصحاب هو الطريقية، والطريقية عبارة عن تتميم الكشف التكويني لهذه الأمارة، فالشارع لا يجعل الحصير علماً، بل بما أن أموراً لها كاشفية تكوينية ناقصة، ويتمّمها الشارع 

ـــــــــــــــــــــــــ[442]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

بالتعبّد والتنزيل. حينئذٍ يقال في المقام: بأنه في مورد هذين الاستصحابين يوجد حالتان سابقتان، ودليل الاستصحاب يتمّم طريقية هاتين، بحيث يجعلهما علماً باستمرار الحالة السابقة وبقائها. ومعه لا بُدّ أن نلحظ الكاشفية التكوينية الناقضة؛ لنرى أنه هل عندنا كاشفيتان تكوينيتان حتى يكون عندنا تتميمان تعبّديان لهما. وحينئذٍ نرى أنه لا يعقل الكاشفية الفعلية لكِلتا الحالتين مع وجود العلم الإجمالي بانتقاض إحداهما؛ إذ يستحيل الظنّ ببقاء النجاسة في الموردين مع العلم بعدمها في أحدهما. وإنما يعقل الكاشفية تخييراً أو بدلاً، وحين لا مرجّح يتساقطان.

هذا التقريب وقع فيه خلط بين الكاشفية النوعية والشخصية، فإن الكاشفية الشخصية وإن لم يعقل اجتماعهما في طرفي العلم الإجمالي، إلّا أن ما أُخذ في موضوع جعل الطريقية ليس هو ذلك، بل هو الكاشفية النوعية، وهي موجودة في كِلا الطرفين.

التقريب الثاني: أن يُقال: إن كلّ حجّية ظاهرية، إذا كان لها نحو من الحكاية عن الواقع، فإنه لا يعقل جعل الحجّية لها، إلّا إذا كانت حكايتها محتملة المطابقة للواقع، فحجّية خبر الثقة لا يعقل أن تشمل الخبر الذي لا يحتمل صدق حكايته عن الواقع. نعم، إذا لم يكن لها حكاية عن الواقع أصلاً، كما في الأصول غير التنزيلية، فلا بأس.

وهذا المدّعى يراد تطبيقه في المقام فيقال: بأن دليل الاستصحاب يتكفّل جعل الحجّية للاستصحاب، وهو له نظر إلى الواقع؛ لأنه أصل تنزيلي، فلا بُدّ أن تكون حكايته محتملة المطابقة للواقع، وإلّا فلا معنى لجعل الحجّية، وحيث 

ـــــــــــــــــــــــــ[443]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

إن الحكايتين معاً غير محتملة المطابقة للواقع، فلا يمكن جعل الحجّية لهما معاً، فإن احتمال المطابقة ليس عرضياً بل بدلي، إذن فالحجّية المجعولة لا يمكن أن تكون عرضية، بل إما بدلية وإما أن لا تكون هناك حجّية مجعولة أصلاً.

وكنا في التقريب الأوّل ننظر إلى الكاشف التكويني، وهنا ننظر إلى الحكاية عن الواقع، إذن فمرجع التقريبين إلى روح واحدة، ومعه يكون الجواب عليهما واحداً. فإنه يكفي أن يقال: إن احتمال المطابقة الذي هو شرط في جعل الحجّية هو احتمال المطابقة في نفسه، يعني مجرّد الاحتمال البدلي، لا كونه محتمل المطابقة مع انضمامه إلى دليل آخر.

إذن فهذين الوجهين غير تامّين، ومن هنا لا يكون هناك فرق بين الأصول التنزيلية وغيرها.

نعم، هناك إشكال آخر في الأصلين التنزيليين ولو لم يلزم منهما مخالفة عملية، أو بعبارة أخرى: إنه يلزم من جريانهما دائماً مخالفة عملية، وذلك بناءً على أن دليل الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي في آثاره التي منها جواز الإسناد إلى المولى، فيكون الاستصحابان مجوّزين لإسناد كِلا النجاستين الواقعيتين إلى المولى، فيتعارضان ويتساقطان من هذه الناحية، ولكن يختصّ ذلك بهذين الأثرين، وأما من ناحية الآثار العملية فيجريان. نعم، لو انحصر مصحّح جريناهما بذلك، فإن الإشكال يأتي، كما هو عند من يرى أن المصحّح لجريان الاستصحاب عند الفقيه في الأحكام الخارجة عن ابتلائه هو جواز الإسناد إلى المولى.

ـــــــــــــــــــــــــ[444]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

والإشكال في ذلك هو المناقشة في المبنى، وهو: أن الاستصحاب لا يقوم مقام القطع الموضوعي، ولا يجوز لنا إسناد الطهارة الواقعية إلى المولى.

ـــــــــــــــــــــــــ[445]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 









المورد الثالث: التنافي في عالم الامتثال

 

من الأصول المتنافية، وهو وقوع التنافي بينهما في عالم الامتثال. كما لو كان هناك تكليفان: أحدهما: (وجوب إكرام الفقير بِدرهم)، وثانيهما: (وجوب إكرام العالم بِدرهم). وبعد زمان وقع التزاحم بين الحكمين؛ لأنه لم يكن يملك إلّا درهماً واحداً، فإما أن يعطيه للفقير الذي ليس بعالم، أو للعالم الذي ليس بفقير. وكان حين التزاحم يحتمل انتهاء الخطابين، إما بنحو الشبهة الموضوعية؛ لتبدّل الفقر باللا فقر، أو العلم باللا علم، أو لشبهة حكمية؛ لاحتمال أن الواجب إكرامه خمسة أيام. فيجري الاستصحاب في الحكمين وهما متنافيان.

هنا قد يُقال: إن هذا التزاحم يجعل تنافيهما تعارضاً بين الاستصحابين، فنطبّق عليهما باب التعارض؛ لأن جريانهما معاً يؤدّي إلى التكليف بغير المقدور، وهو ممتنع، سواء كان الحكم واقعياً أو ظاهرياً، وحيث لا ترجيح لأحدهما فيتساقطان. 

قالت مدرسة الميرزا: إن هذا الكلام مبني على الخلط بين باب التزاحم والتعارض ورجوعه إلى التعارض، وأما بناءً على أن باب التزاحم مستقلّ عن باب التعارض فلا تنافي بين الاستصحابين.

وتوضيح ذلك: أن خطاب (أكرم الفقير) و(أكرم العالم) في الحالات التي 

ـــــــــــــــــــــــــ[446]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

يتعذّر فيها امتثالهما معاً، إن حسبناهما متعارضين بحيث لا بُدّ من فرض تقييد في أحدهما؛ لأن بقاء كلٍّ منهما على حاله يقتضي التكليف بغير المقدور، فلا بُدّ من طروّ تقييد جديد عليه، إما على أحدهما وإما على كِليهما. ومقتضى إطلاق كلٍّ منهما نفي هذا التقييد، فيحصل التكاذب بين الإطلاقين، وهذا معناه الحاق باب التزاحم بباب التعارض.

قال الميرزا في مناقشة ذلك: إنه لا يوجد أيّ تعارض بين الخطابين، ولا يلزم الالتزام بطروّ تقييد جديد عليهما، بل ينحفظان بحدودهما المفروضة بحسب عالم الجعل. وإنما التنافي بينهما في عالم الامتثال فقط.

وتوضيح ما قاله الميرزا: أن كُلّاً من الخطابين أُخذ في موضوعه القدرة على امتثاله، وهو قيد مستبطن وعلى القاعدة، بلا حاجة إلى قرينة أو إلى استكشافه من التعارض. والقدرة لها جناحان: عقلي، وشرعي. فالعقلي هو الاستطاعة التكوينية للإتيان بالفعل، والشرعي عبارة عن عدم الاشغال عن الفعل بضدّ يكون مساوياً لذلك الفعل بالأهمّية أو أهمّ منه، فإن هذا الاشتغال يكون معجزاً شرعياً عن ذلك الفعل وإن لم يكن معجزاً عقلاً. فكلّ خطاب أُخذ في موضوعه القدرة العقلية والشرعية بمقتضى برهان عقلي عامّ في خطاب وجوبي.

فإذا وقع التزاحم بين خطابين، فلا يوجد بينهما أيّ تنافٍ بما هما خطابان
-أي: بين مدلوليهما-؛ لأن كُلّاً منهما يدلّ على ثبوت وجوب على موضوعه، وهو القادر عقلاً وشرعاً، ولا تنافي بين الجعلين؛ لأن المكلّف وإن لم يكن قادراً 

ـــــــــــــــــــــــــ[447]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

على الجمع بين الامتثالين، إلّا أن هذا معناه أنه سوف لن يكون الوجوبان معاً فعليين في حقّه؛ لأنهما لو كانا متساويين في الأهمّية فلو صلّى فهو لا يدخل تحت موضوع وجوب الإزالة؛ لأنه غير قادر عليها شرعاً، كما إنه لو أزال النجاسة عن المسجد، فإنه يرتفع موضوع خطاب وجوب الصلاة. نعم، لو عصاهما فإنه يعاقب بكِلا العقابين.

ولو كان أحدهما أهمّ وهو الإزالة -مثلاً-، فلو أزال النجاسة فقد ارتفع موضوع وجوب الصلاة؛ لأنه غير قادر عليه شرعاً، ولو صلّى فقد ترك الإزالة، مع أنه مصداق للموضوع؛ لأنه قادر عليه عقلاً وشرعاً، لأنه لم يشتغل بضدٍ مساوٍ في الأهمّية حتى يكون معجزاً.

وعلى أيّ حال، فلا يكون أيّ تكاذب بين الدليلين. وهذا من ألطف تحقيقات الميرزا وأرقاها.

وقد أُريد الاستفادة من هذا التحقيق في المقام، فيقال: إننا لو بنينا على التصوّر التقليدي السابق، وإرجاع التزاحم إلى التعارض، وأن الجعلين متنافيان، فنقول ذلك في الاستصحابين أيضاً، فإنه كما يحصل التعارض بين الدليلين الاجتهاديين، كذلك يحصل بين الدليلين الفقاهتيين.

وأما بعد البناء على أن باب التزاحم غير باب التعارض، فكما لم يكن هناك تنافٍ بين الدليلين الاجتهاديين كذلك لا معنى للتنافي بين الاستصحابين، وحينئذٍ يقع عندنا موضوع التزاحم.

وأصل هذا الكلام من الميرزا صحيح ومتين جداً، إلّا أن تطبيق ذلك على 

ـــــــــــــــــــــــــ[448]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

محلّ الكلام لم يكن مناسباً، فإن هناك فرقاً بين الدليلين الاجتهاديين، وبين الاستصحابين، ومقدّمة لذلك لا بُدّ من توضيح أمرين.

الأمر الأوّل: أن مقتضى ما أراده الميرزا، هو أنه يوجد في باب التزاحم تنافٍ بين التكليفين، لكن بين المجعولين لا بين الجعلين، وإن عبّر أن هناك تنافياً في عالم الامتثال، لكن مراده ما كان في مقابل عالم الجعل لا في مقابل عالم المجعول، فإن الجعلان الكلّيان لا تنافي بينهما في أنفسهما بخلاف مثل بول الخفاش طاهر وبول الخفاش نجس، فإنهما متنافيان في عالم الجعل قبل نصل إلى عالم المجعول. وفي المقام التنافي في عالم الفعلية الذي هو عالم فعلية الموضوع، فإنه لا يمكن أن يصير كِلا المجعولين فعلياً؛ لأنه فرع تماميّة الموضوعين، والمكلّف غير قادر على الجمع، ومن هنا لم يكن هناك تعارض بين الجعلين؛ لأن المولى مطمئن بعدم فعلية المجعولين.

الأمر الثاني: أن الأدلّة الاجتهادية الدالّة على الأحكام بنحو كلّي، مفادها الجعل بنحو القضية الحقيقية، ومن هنا نقول: إنه في باب التزاحم لا يوجد ذرّة تنافٍ في عالم الجعل بين المدلولين. ومن هنا يعقل حجّية كِلا الدليلين بلا تنافٍ بينهما. 

وأما في الاستصحاب، إذا سرنا حسب طريقة الميرزا، وكنّا نجري الاستصحاب في عالم المجعول الفعلي، ولم نقبل الاستصحاب التعليقي الذي هو نحو من الجعل. فيقع إشكال؛ لأنه لا يمكن فرض جريان الاستصحابين معاً في جميع الصور؛ لأن جريانه فرع الشكّ في بقاء فعلية هذا المجعول، وهذا 

ـــــــــــــــــــــــــ[449]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الشكّ غير متحقّق. فإن فرض أن التكليفين متساويان من ناحية الأهمّية، فإن الآخر ليس فعلياً في حقّه جزماً: إما لأن وقته كان محدوداً وقد زال، وإما لأنه وإن كان فعلياً إلّا أنه اشتغل بالضدّ المزاحم. فماذا تستصحب؟ مع أنه يجب أن يستصحب الخطاب الفعلي. كما إنه لو اشتغل بذلك الطرف بعد إثبات وجوبه بالاستصحاب يقطع بعدم فعلية الآخر بقاءً.

وقولوا نفس الشيء فيما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر، إذ لو كانت الصلاة أهمّ، وأثبت وجوبها بالاستصحاب واشتغل بها، فإنه يقطع أن الإزالة غير فعلية إما في نفسها أو لأنه اشتغل بالمهمّ، فبالإمكان أن يفرض وجوب الأهمّ؛ لأن ذلك الواجب مما لا يعلم أنه معجز عنه.

وحل هذه الحيرة يكون بالرجوع إلى القضية التعليقية، لا المجعول الفعلي، فإنه كان يجب عليه الصلاة على تقدير القدرة عقلاً وشرعاً، وكذلك الإزالة. فإذا استصحب هاتين القضيتين التعليقيتين، فيصير حالي الآن حالي تجاه الدليلين الاجتهاديين، ويقع التنافي بينهما في عالم الفعلية وخروج التعليق إلى التنجيز.

هذا تمام الكلام في مبحث الاستصحاب.

وهو انتهاء الكلام في الأصول العملية.

ـــــــــــــــــــــــــ[450]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 





الفهرس

 

التنبيه الأول، من تنبيهات الاصتصحاب (في قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي) 13

[ثمرات المسألة] 13

[ما يمكن الاستدلال به على المدعى] 16

الوجه الأوّل: هو ما يتراءى من بعض كلمات السيّد الأستاذ 19

[التحقيق في المقام] 19

الوجه الثاني: لتصوير قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي هو ما بنى عليه المحقّق العراقي. 23

[مناقشة ما أفاده المحقق العراقي] 26

[الكلام الأول: إسناد النقض إى اليقين بإحدى عنايتين] 26

الكلام الثاني: أن دليل (لا ينقض اليقين بالشكّ) حرّم النقض العملي لليقين بالشكّ 32

الوجه الثالث: [حمل النهي في الرواية على النهي الكنائي] 35

التقريب الأوّل: [حمل النقض على النقض الحقيقي] 35

التقريب الثاني: هو أن يحمل النقض على النقض العملي 37

ـــــــــــــــــــــــــ[451]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [مناقشة التقريبين] 38

[اشكال المحقق العراقي على المحقّق النائيني] 41

التنبيه الثاني [جريان الاستصحاب في موارد الشك التقديري] 51

الوجه الثبوتي 53

[الوجه الإثباتي] 57

[الروايات في المقام] 58

[الثمرة في هذا الخلاف] 61

[الثمرة الأولى: في جريان قاعدة الفراغ] 61

[مناقش الثمرة الأولى] 63

[ثمرة أخرى ذكرها المحقق العراقي] 69

[مناقشة الثمرة الثانية] 70

[فروع في المسألة من تيقن بالحدث أو الطهارة ثم شك أو غفل] 72

الفرع الأول: [من تيقن الطهارة وشك شكّاً فعلياً بانتقاضها] 73

الصورة الثانية: [من تيقن الطهارة ثم انقلب يقينه إلى غفلة] 75

الصورة الثالثة: [من تيقن الطهارة ثم شك ثم غفل] 77

الصورة الرابعة: [من تيقن الحدث ثم شك شكاً فعلياً في بقائه] 78

الصورة الخامسة: [من تيقن الحدث ثم غفل عنه] 79

الصورة السادسة: [من تيقن الحدث ثم شك ثم غفل] 80

الصورة السابعة: [توارد الحالتين: اليقين بالطهارة والحدث معاً] 83

الصورة الثامنة: [توارد الحالتين: تيقن بأحدهما ثم تيقن بالآخر] 84

ـــــــــــــــــــــــــ[452]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الصورة التاسعة: [من تيقن الحدث ثم تيقن الطهارة ثم شك] 85

[حول جريان الاستصحاب في اليقين التقديري] 87

التنبيه الثالث في جريان الاستصحاب في مؤديات الأمارات والأصول 93

[المقام الأوّل: في جريان الحالة السابقة الثابتة بالأمارة] 95

[إشكال في المقام] 95

[الجواب عن الإشكال بعدّة وجوه] 97

الوجه الأول: استصحاب الجامع بين الحكم الظاهري والواقعي 97

الجواب الثاني: أن اليقين بالحدوث ليس ركناً بل ذات الحدوث 101

[التأمل في كلام الشيخ الآخوند] 105

[إشكال السيد الأستاذ على الشيخ الآخوند] 110

الجواب الثالث: [استصحاب روح الحكم الظاهري لا خطابه 112

[في وجود الدليل الاجتهادي الحاكم على هذا الاستصحاب] 115

الجواب الرابع: قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي 117

التقريب الأول: بلحاظ دليل الاستصحاب 119

التقريب الثاني: [بلحاظ دليل حجية الأمارة] 121

[بقية الكـلام في الـوجه الـرابع: قيام الأمارة مقام القطع الـموضوعي] 124

وفذلكة الكلام في المقام 128

صور المسألة أربع 128

الصورة الأولى: [دلالة الأمارة على الحكم والشك بالبقاء كلاهما بنحو ـــــــــــــــــــــــــ[453]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الشبهة الموضوعية] 128

الصورة الثانية: [دلالة الأمارة على الحكم بنحو الشبهة الحكمية والشك بالبقاء بنحو الشبهة الموضوعية] 130

الصورة الثالثة: [دلالة الأمارة على الحكم بنحو الشبهة الموضوعية والشك بالبقاء بنحو الشبهة الحكمية] 132

الصورة الرابعة: [دلالة الأمارة على الحكم والشك بالبقاء كلاهما بنحو الشبهة الحكمية] 133

المقام الثاني: في جريان الاستصحاب في مؤديات الأصول 136

[مناقشة بيان الميرزا للإشكال بلحاظ الشك بالبقاء] 138

[الصيغة المختارة للإشكال] 139

[الشق الأول: هل يمكن إجراء الاستصحاب في الطهارة الواقعية] 139

التقريب الأوّل: [إنكار ركنية اليقين للاستصحاب] 139

التقريب الثاني: [أخذ اليقين بالحدوث في موضوع الاستصحاب لا ذاته] 141

التقريب الثالث: [أخذ اليقين بالحدوث في موضوع الاستصحاب بما هو منجز] 142

[الشق الثاني: في جريان الاستصحاب في الطهارة الظاهرية] 143

[جواب المرزا النائيني عن الإشكال] 143

[بيان السيد الأستاذ للضابط في المقام] 146

يقع الكلام في أصل ما أفاده المحقّق النائيني في مقام دفع الإشكال 148

ـــــــــــــــــــــــــ[454]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

عود إلى فذلكة البحث 149

[دفع وهم] 154

التنبيه الرابع: في جريان الاستصحاب في الكلّي 159

المقام الأوّل: في أصل جريان استصحاب الكلّي 159

الاعتراض الأوّل: وهو على استصحاب الكلّي الجاري في الموضوعات 159

[دفع الاعتراض] 160

[الاعتراض الثاني: وهو على استصحاب الكلّي في الأحكام] 162

[الجواب الأول للمحقق الاصفهاني على الإشكال] 165

[مناقشة ما أفاده المحقق الأصفهاني] 166

الجواب الثاني على الإشكال 169

[مناقشة الجواب الثاني] 170

الجواب الثالث على الإشكال 171

التقريب الأوّل: [استصحاب الواقع بخصوصيته] 171

اختصاص الإشكال بمسلك الحكم المماثل 173

عود لمناقشة الجواب الثاني 174

[مناقشة الجواب الثالث] 176

[إشكال المحقّق العراقي في جريان استصحاب الكلّي في الموضوعات] 178

ثلاثة اتجاهات في توضيح الكلّي 179

[تحقيق الحال في الصحيح من الاتّجاهات الثلاثة] 182

المقام الثاني: في التعرّض إلى أقسام استصحاب الكلي 184

ـــــــــــــــــــــــــ[455]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [إشكال في تصوير استصحاب الكلي وتميّزه عن استصحاب الفرد] 185

[الجواب الأوّل: إرجاع استصحاب الجامع إلى استصحاب الحصة] 187

الجواب الثاني: [الاستصحاب منصب على الصورة الذهنية الحاكية عن الخارج] 189

[تصورات ثلاثة للاستصحاب الكلي] 190

[تحقيق في حال الصور الأربع] 191

الصورة الأولى 191

الجهة الأولى: [في جريان استصحاب الجامع] 191

الجهة الثانية: [في جريان استصحاب الفرد] 194

الجهة الثالثة: [في كفاية استصحاب الجامع لإثبات أثر الفرد] 195

الجهة الرابعة: [في كفاية استصحاب الفرد لتنجيز أثر الجامع] 196

الصورة الثانية 197

الصورة الثالثة: في القسم الثاني من استصحاب الكلي 199

[الجهة الأولى: في استصحاب الكلي] 199

الإشكال الأوّل: [عدم تمامية أركان الاستصحاب] 200

جواب الإشكال الأوّل 201

الإشكال الثاني: [استصحاب الكلي معارض باستصحاب عدم الفرد الطويل] 202

[تحقيق الحال في الإشكال الثاني] 203

الإشكال الثالث: [التمسك بدليل الاستصحاب تمسك بالعام في ـــــــــــــــــــــــــ[456]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الشبهة المصداقية] 206

[مناقشة الإشكال الثالث] 208

الجهة الثانية: [في استصحاب الفرد] 210

في جريان استصحاب الفرد المردّد 210

الجهة الثالثة: [في كفاية استصحاب الكلي لإثبات أثر الفرد] 214

[عود إلى استصحاب الفرد المردد] 216

الجهة الرابعة: [أقسام الفرد المردد] 220

القسم الأوّل: [الخارج معلوم بالتفصيل] 221

[صور موضوع الأثر الشرعي] 221

القسم الثاني: [الخارج معلوم بالإجمال] 225

الجهة الخامسة: [موارد استصحاب الفرد المردد] 226

الجهة السادسة: [في الاحتياج إلى الفرد الـمردد للـوصول إلى النتيجة] 229

القسم الأوّل: [حدوث العلم الإجمالي من البداية] 229

القسم الثاني: [حدوث العلم الإجمالي بعد خروج أحدهما] 232

الجهة السابعة: [تأثير عدم جريان استصحاب الفرد المردد في إبطال الاستصحاب في الشبهة الحكمية] 232

الجهة الثامنة: [النقض على استصحاب الكلّي بالشبهة العبائية] 235

[مناقشة الشبهة العبائية] 238

ثلاثة بيانات لإمكان تقريب استصحاب الطهارة 242

ـــــــــــــــــــــــــ[457]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الجهة التاسعة: إذا كان الكلّي كلّياً بين حكمين 246

[الكلي الجامع بين حكمين في موضوعين] 247

[الكلي الجامع بين حكمين في موضوع واحد] 248

[شبهة في المقام] 250

[الجواب على الشبهة] 250

البيان الأوّل: أننا نستصحب الجامع بين الوجوبين 250

البيان الثاني: أن ننكر أنه من استصحاب الكلّي 252

الجهة العاشرة: [استصحاب كلي لا يجري مع وجود أصل حاكم] 252

[الفرع الأول: لو علم بالحدث المردد بين الأصغر والأكبر] 253

[فروض تعرض لها المحقّق العراقي في المسألة] 253

الفرض الأوّل: الحالة السابقة هي الطهارة 253

الفرض الثاني: فيما إذا لم يكن له حالة سابقة 253

الفرض الثالث: حالته السابقة هي الجنابة 254

الفرض الرابع: حالته السابقة هي الحدث الأصغر 254

أما على التقدير الأوّل: [البناء على عدم التضاد بين الحدثين الأصغر والأكبر] 255

الـتقدير الثاني: [التوقف فـلا يبنى على التـضاد ولا عدمه] 257

التقدير الثالث: [البناء على التضاد بين الحدين لا بين الذاتين] 257

ـــــــــــــــــــــــــ[458]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التقدير الرابع: [البناء على التضاد بين الذاتين] 259

كلام المحقق النائيني في المقام 261

[تفصيل الكلام في التقدير الثاني] 262

الفرع الثاني: [لو دار الأمر بين النجاسة البولية والنجاسة الدميّة] 267

[دعوى حاكمية استصحاب عدم ملاقاة البول على استصحاب بقاء النجاسة] 268

المقام الأوّل: هل يكون هذا الاستصحاب في نفسه، جارياً وحاكماً أو لا 268

المقام الثاني: [في وجود المعارض لاستصحاب عدم ملاقاة البول] 271

الصورة الرابعة: في القسم الثالث من استصحاب الكلّي 274

[استذكار للتصورات الثلاثة في جريان استصحاب الكلي] 274

[بناء على التصور المشهوري للكلي] 277

[بناء على ما حققناه في تصور الكلي] 278

[بناء على التصور الثالث للكلي] 280

[دعوى كفاية التركيب في تعقل جريان استصحاب الكلي] 281

الأمر الأوّل: [في انقسام المفهوم إلى كلي وجزئي] 281

الأمر الثاني: [في انقسام العلم إلى تصور وتصديق] 282

الأمر الـثالث: [انحلال الـعلم إلى علوم متعددة بـعدد ـــــــــــــــــــــــــ[459]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

الـمفاهيم] 283

فرع حول القسم الرابع من الكلّي 286

[في دوران الأمر بين الصورة الثالثة والرابعة] 286

[جريان استصحاب بقاء الطهارة بلا معارض] 288

تكملة واستدراك 291

التنبيه الخامس: في استصحاب الزمان والزمانيات 297

المقام الأوّل: فيما يكون بحسب طبعه حركةً واضطراباً 298

القسم الأوّل: الزمان 298

الـجهة الأولى: في أن استصحاب الزمان، هـل يجري في نفسه، أو لا يجري 299

أما الأوّل: وهو استصحاب الزمان بنحو مفاد (كان) التامّة. 299

[إشكال في المقام] 299

[دفع الإشكال] 299

[جواب المحقق الخراساني عن الإشكال] 300

وأما إجراؤه بنحو مفاد كان الناقصة. 302

[دفع شبهة عدم جريان الاستصحاب بمفاد (كان) التامّة] 304

[الوجه الأوّل]: دعوى الوحدة العرفية. 304

الوجه الثاني: لدفع الإشكال: 305

[مناقشة جواب صاحب الكفاية عن الشبهة] 307

[حاصل المقصود من التفصيل في الوجه الثاني] 308

ـــــــــــــــــــــــــ[460]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

 [حول عدم جريان الاستصحاب بمفاد (كان) الناقصة] 309

الجهة الثانية: إن استصحاب الزمان متى يفيد ومتى لا يفيد 310

المقام الثاني: استصحاب الزمانيات 311

مناشئ الوحدة العرفية 312

[شبهة المعارضة في المقام] 315

المقام الثالث: الفعل المقيد بالزمان 318

تطبيق فقهي للكبريات المحقّقة 320

التطبيق الفقهي للكُبريات بنحو الشبهة الموضوعية 321

الجهة الأولى: إذا أُخِذَ الزمان في موضوع الوجوب 321

الجهة الثانية: [إذا أُخذ الزمان في موضوع الواجب] 328

[مناقشة كلام المحقّق النائيني] 330

[مناقشة كلام المحقق العراقي] 332

كلام المحقق الأصفهاني في المقام 333

الرد على كلام المحقق الأصفهاني 334

الإشكال الأوّل 334

الإشكال الثاني 335

الإشكال الثالث 337

[تنجيز الفعل على المكلف بمنجزات أخرى] 339

التطبيق الفقهي للكبريات بنحو الشبهة الحكمية 345

التنبيه السادس: في جريان الاستصحاب التعليقي في الشبهات الحكمية 349

ـــــــــــــــــــــــــ[461]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

تحرير محلّ النزاع 349

المقام الأوّل: أركان هذا الاستصحاب في نفسها تامّة أو لا 352

إشكال الميرزا على الاستصحاب التعليقي 352

تعميق كلام المحقّ النائيني 354

[ما توهِم في تقريرات المحقق العراقي] 355

[نقض المحقق العراقي على المرزا] 356

[المغالطة التي نشأت لدى صاحب العروة] 358

[مناقشة (المستمسك) لكلام المحقق النائيني] 360

[مواقع للنظر في ما أفاده صاحب (المستمسك)] 362

الموقع الأول 362

الموقع الثاني 363

الموقع الثالث 363

[مناقشة الميرزا على ما ورد في التقريرين] 366

[نقطة الضعف الأولى] 366

[نقطة الضعف الثانية] 368

[نقطة الضعف الثالثة] 369

مناقشة المنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام التعليقية 370

المقام الأوّل: في المناقشة في إطلاق النفي 371

المقام الثاني: في المناقشة في أصل النفي 376

[الـوجه الأول بناءً على جـريان الاستصحاب في الـقضية ـــــــــــــــــــــــــ[462]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التعليقية] 376

الوجه الثاني: [بناءً على جريان الاستصحاب في المجعول] 381

الـوجه الثالث: محاولة المحقق الـعراقي لتصوير جـريان الاستصحاب التعليقي من دون واحدة من الصيغ الثلاث 383

الكلام في مناقشة المحقّق العراقي في كبراه 386

الوجه الرابع: محاولة لتصحيح جريان الاستصحاب التعليقي من قِبَل المحقّق الأصفهاني 389

اشكال على تصحيح جريان الاستصحاب بحيث يستصحب الحرمة التعليقية 391

تنبيه في المقام 393

المقام الثاني: [هل الاستصحاب التعليقي مبتلى بمعارض] 395

الاتّجاه الأوّل: إن الاستصحاب التعليقي حاكم على الاستصحاب التنجيزي 396

[إشكال المثبتية] 398

[عدّة مواقف تجاه هذا الإشكال] 398

وأما الاتجاه الثاني: [لا تعارض بين الاستصحابين] 401

[تنبيهات الاستصحاب التعليقي] 407

التنبيه الأوّل: [جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات] 407

التنبيه الثاني: [الاستصحاب التعليقي في مثال الغليان والعنب] 410

التنبيه الثالث: [في العقود المعلقة] 411

ـــــــــــــــــــــــــ[463]ــــــــــــــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج25 

التقريب الأوّل: تقريب المحقّق النائيني 412

التقريب الثاني: وهو بيان السيّد الأستاذ 412

التنبيه السابع: في جريان استصحاب عدم النسخ 417

المقام الأوّل: فيما إذا شكّ في نسخ حكمٍ متيقّن الثبوت في شريعتنا 417

التحقيق في الشكّ في النسخ 418

[إشكالات على جريان استصحاب عدم النسخ] 420

[جواب المرزا النائيني عن الإشكال] 422

تحقيق الحال في المقام 423

بقي تنبيه مختصر 425

تتمّة الكلام في الاستصحاب 431

وجه تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي 431

البيان الأوّل 431

البيان الثاني 432

البيان الثالث 433

التعليق الثالث: في الأصلين العرضيين المتنافيين 435

بحث في الأصول العرضية 437

المورد الثاني: في الأصلين المتعارضين بالعرض 441

المورد الثالث: التنافي في عالم الامتثال 446

الفهرس 451