محاضرات في علم أصول الفقه
الجزء السادس والعشرون
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج26 (424ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1730/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1730) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
5-48-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء السادس والعشرون
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مبحث التعادل والتراجيح
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
[في تعريف التعارض]
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
[في تعريف التعارض]
ويقع الكلام فيه ضمن جهات(1):
الجهة الأولى: بدأ الآغايون في تعريف التعارض، في بداية هذا البحث، ووجد في تعريفه اتجاهان:
الأوّل: ما سلكه الشيخ، حيث عرّفه بأنه عبارة عن التنافي بين المدلولين، إما بالذات وإما بالعرض.
الثاني: ما ذهب إليه صاحب (الكفاية)، حيث طوّر التعريف فقال: (التعارض هو التنافي بين الدليلين بحسب مقام الحكاية والإثبات والدلالة)، لا بين المدلولين.
وكأنّه يستظهر من كلماته تبرير هذا العدول إلى الاتّجاه الثاني، هو أنه يريد إخراج موارد الجمع العرفي من باب التعارض، كالورود والحكومة والتخصّص والتخصيص. ويدّعى أن التعريف الأوّل شامل لهذه الموارد. فإن مدلول (أكرم كلّ عالم) مع مدلول (لا تكرم فسّاق العلماء) متنافيان، للتنافي بين الموجبة الكلّية والسالبة الجزئية. بينما إذا قلنا بالتعريف الثاني لم يكن بينهما تنافٍ في الدلالة، بل يجمع بين الدليلين عرفاً.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم السبت 8/8/1390 – 10/10/1970.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وفي مقابل هذا التبرير جاءت مدرسة المحقّق النائيني؛ لأجل أن تبرّر الاتجاه الأوّل، وفسّرت التعارض كما فسّره الشيخ، ومع هذا قالت: إنه لا يشمل موارد الجمع العرفي فلا موجب للعدول عنه.
وخلاصة ما ذكره السيّد الأستاذ في المقام هو أن مورد الجمع العرفي هي التخصّص والورود والحكومة والتخصيص.
أما التخصّص، فمن الواضح أنه لا تنافي بين المدلولين: مدلول (رفع ما لا يعلمون) ومدلول ما دلّ على الحرمة، وكان قطعي السند والدلالة والجهة؛ لأن التنافي بينهما فرع انحفاظ موضوعيهما، والمفروض ارتفاع موضوع البراءة بدليل الحرمة. فالتنافي بين المدلولين لا يصدق.
وأما الورود، فواضح أيضاً، كما لو فرض أن دليل البراءة العقلية كان موضوعه عدم الحجّية، فإذا دلّ خبر ثقة مشمول لدليل الحجّية على الحرمة، لا يكون تنافٍ بين المدلولين؛ لأن الخبر ينفي -بلحاظ التعبّد- موضوع البراءة العقلية حقيقية.
والأمر كذلك في الحكومة، فإنها موجبة لإفناء موضوع الدليل المحكوم تعبّداً وتشريعاً، فأيضاً لا تعارض بينهما. كما في مثل: “حرم الله الربا” و”لا ربا بين الوالد وولده“؛ لأن دليل حرمة الربا مرجعه إلى قضيّة شرطيّة هي: (إذا كانت المعاملة ربا فهي حرام)، والشرطيّة لا تستلزم صدق طرفيها. والقضيّة الثانية تنفي شرط تلك القضيّة الشرطيّة.
وكذلك في موارد التخصيص، كـ(أكرم كلّ فقير) و(لا تكرم فسّاق الفقراء)،
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ففي الحقيقة، هنا لا يوجد تعارض، وإن كان هذا المورد أصعب مما سبقه؛ لأن التنافي في غاية الوضوح، لأن العامّ يدلّ على الموجبة الكلّية، والخاصّ يدلّ على نفي تلك الموجبة الكلّية من دون أن يتصرّف في موضوع القضيّة.
ولكن الصحيح أنه لا تنافي بين المدلولين، لا بأن نلحظ دليل التخصيص مع دليل العامّ، ونسبته إليه نسبة التخصيص، بل بأن نلحظ الخاصّ مع دليل حجّية العموم المسمّى بأصالة العموم، ونسبته إليه نسبة الحكومة؛ لأن أصالة العموم فرع الشكّ في المراد وعدم قيام قرينة على الخلاف، ودليل التخصيص يكون رافعاً لموضوع أصالة العموم، غاية الأمر أنه إذا كان قطعيّاً يكون خارجاً بالتخصيص، وإن كان ظنيّاً يكون خارجاً بالحكومة.
إذن فأين التنافي بين الدليلين، هل التنافي بين دليل العامّ ودليل الخاصّ؟ فهذا غير صحيح؛ لأن دليل العامّ ليس بحجّة، فإنه سقط عن الحجّية قبل أن يبارز مع الخاصّ بلحاظ حكومة دليل التخصيص على دليل حجّية العموم. أم التنافي بين الخاصّ ودليل حجّية العموم؟ فهذا غير صحيح أيضاً؛ لِما ذكرناه من أن الحكومة ليست من التعارض في شيء.
قال: ومن هنا -يعنى حيث رجع باب التخصيص إلى باب الحكومة- طبّقوا على التخصيص قوانين الحكومة، وهو أن الحاكم يقدّم على المحكوم وإن كان من أضعف الظهورات. فإنه لا تعارض بينهما فيقدّم عليه، ولهذا نلتزم بأن دليل الخاصّ مهما كان ظهوره ضعيفاً فإنه يخصّص العامّ.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ونحن لنا حول ذلك ثلاث كلمات:
فنحن لا ندري لماذا نعرّف التعارض ليقع التنازع فيه. فلا بُدّ من تعيين الغرض من تعريفه.
نحن في مبحث التعادل والتراجيح عندنا بحثان أساسيان:
البحث الأوّل: أن نرى أن الدليلين الذين لا يمكن أن يشملهما دليل الحجّية، ما هو مقتضى القاعدة فيهما لو بقينا نحن ودليل الحجّية؟
البحث الثاني: أنه هل عندنا دليل ثانٍ بعد دليل الحجّية العامّ، دليل حجّية أصغر في خصوص موارد التعارض المسمّى بالأخبار العلاجية، وما هو مفاده؟
ففي البحث الأوّل لا بُدّ أن نأخذ في موضوعه الحيثيّة، التي بها يستحيل شمول دليل الحجّية لكِلا الفردين -أي: الدليلين-؛ إذ بدون هذه الحيثية لا بأس بأن يقال بأن دليل الحجّية يشملهما معاً، ولا يقع بحث في ذلك. وهذه الحيثية ليست هي التنافي بين المدلولين من حيث هما مدلولان، ولا التنافي بين الدليلين في مقام الحكاية، بل عبارة عن التنافي بين الدليلين في مقام التنجيز والتعذير، يعنى: أنهما يستحيل اجتماعهما عن المنجّزية والمعذّرية وفي تعيين
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الوظيفة العملية، فيستحيل أن يشملهما دليل الحجّية، وأما إذا لم يستحل ذلك فلا بأس بشمول دليل الحجّية لهما، ولو فرض التنافي بين المدلولين أو الدلالتين.
فمثلاً: مثال إمكان الاجتماع في التنجيز مع التنافي في المدلول، استصحاب الإباحة واستصحاب عدم الإباحة، -بالمعنى الأخصّ-(1).
ومثال التنافي في مقام التنجيز مع عدم التنافي في المدلول: الأصول المرخّصة من أطراف العلم الإجمالي مما لا يثبت لوازمه. فإنها متنافية تنجيزاً، إلّا أنها متّفقة مدلولاً، وهو طهارة هذا الإناء وطهارة ذلك الإناء.
ومثال المورد الأوّل أيضاً: ما لو أقرّ أن فلاناً ابنه وأقرّ أنه ليس هو ابنه، فإنه يؤخذ بكِلا الإقرارين بمقدار ما يكون عليه لا ما يكون له. فيمكن اجتماع المنجّزية فيهما بلحاظ أن جعلها إنما يكون لجهة خاصّة، وإن تنافى من حيث المدلول. ونحن إنما نذكر هذه الأمثلة لمجرّد توضيح الفكرة، وإلّا فليس كلامنا في الاستصحاب ولا في الإقرار، وإنما كلامنا في تعارض الأخبار.
فالدليلان المتعارضان هما الدليلان المتنافيان في مقام التنجيز والتعذير وتشخيص الوظيفة العملية. وهو موضوع المسألة الأولى.
وأما المسألة الثانية والموقف تجاه الأخبار العلاجية، فإن أردنا أن نعرف موضوعها ما هو، فلا معنى لأن نبحث عن تعريف التعارض مستقلّاً، بل لا بُدّ أن نفحص هذه الروايات فننظر فيها وفي العناوين المأخوذة فيها، ولم يؤخذ عنوان التعارض فيها إلّا في روايتين منها.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
() فإن استصحاب الإباحة لا يؤثّر في التنجيز. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وإن أردنا أن نجعل عنواناً نبحث عنه، بحيث يكون شاملاً لموارد الجمع العرفي من التخصّص والورود والحكومة والتخصيص، كما يشمل الموارد الأخرى، حتى يقال إن هذه المصاديق خارجة عن باب التساقط وهذا داخل فيه. وحينئذٍ فلا بُدّ من التفتيش عن هذا العنوان الجامع.
*****
البحث الأوّل(1) أن موضوعه هو كلّ دليلين يكون الشمول الاقتضائي لدليل الحجّية، وشموله لكِلا الدليلين، وحينئذٍ نعرف أن موارد الجمع العرفي خارجة بلا إشكال عن مورد التعارض بهذا المعنى؛ لأننا إذا قلنا: إن التعارض بلحاظ موضوع المسألة الأولى وهو التنافي في شمول دليل الحجّية للروايتين المتعارضتين، فهذا التنافي غير موجود في موارد الجمع العرفي. فإن دليل الحجّية (الظهور) لا يشمل العامّ والخاصّ، ولا الحاكم والمحكوم ولا الأظهر والظاهر في وقت واحد، وليس له شمول اقتضائي لكِلا الدليلين أصلاً(2).
مع صاحب (الكفاية)، يعني مع الاتّجاه الثاني، حيث يقول: إن التعارض ليس عبارة عن التنافي في المدلول بل في الدليلين(3) بحسب مقام الدلالة
ــــــــــ[18]ــــــــــ
() تكلّم عن موضوع البحث الأوّل وقال… (المقرِّر).
(2) ثُمّ تكلّم السيد عن موضوع المسألة الثانية كما سبق. (المقرِّر).
(3) وكأنّه يريد أن يخرج بذلك موارد الجمع العرفي؛ لأنها داخلة في التعريف الأوّل دون تعريفه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والإثبات، وكأنّه يريد أن يخرج موارد الجمع العرفي.
حينئذٍ نقول: ما هو مرادكم من الدلالة والإثبات؟ إن كان مرادكم التنافي بين الدليلين بحسب الظهور، يعني التكاذب بين الظهورين التصديقيين: فإن كنتم تقولون: إن موارد الجمع العرفي فيها تنافٍ بين المدلولين، فلا بُدّ من أن تقبلوا: أن هناك تنافياً بين الظهورين؛ لأن المفروض أن كُلّاً منهما انعقد له ظهور على طبق مدلوله؛ لأننا نتحدّث عن الخاصّ المنفصل. فلا يُعقل أن نفترض تنافياً بين المدلولين ولا يكون تنافياً بين الظهورين. إذن فكيف تخرج موارد الجمع العرفي؟
وإن أردت التنافي بين الظهورين في الحجّية، فالأمر كذلك أيضاً؛ لأنه كما أن التنافي بين المدلولين يسري إلى التنافي بين الظهورين، كذلك يسري التنافي بين الظهورين إلى التنافي بين الحجّيتين؛ لأن الظهورين المتكاذبين يستحيل أن تجعل لهما الحجّية معاً.
إلّا أن تريد ما قلناه وهو أن يكون معنى قولك: التعارض هو التنافي بين الدليلين في مقام الدلالة والإثبات، نقل مركز التنافي إلى مركز آخر غير المدلولين والدليلين والحجّيتين، وهو التنافي في دليل الحجّية بين إطلاقين من إطلاقاته، وشمولية للدليلين المتعارضين، إذا أردت ذلك فالأمر كما تقول من خروج موارد الجمع العرفي؛ لأنه لا يوجد في دليل الحجّية إطلاق للعامّ والخاصّ في وقت واحد. وإلّا كان خُلف الجمع العرفي، فإن معنى الجمع العرفي هو أن العرف لا يجعل حجّية لهما معاً في عرض واحد.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلّا أن هذا ليس هو مقصود الآخوند حتماً؛ لأنه لا ينسجم مع قوله: التعارض هو التنافي بين الدليلين بحسب مقام الدلالة والإثبات، إما بحسب التناقض أو التضادّ، فإن التنافي في شمول دليل الحجّية، لا يكون إلّا بنحو التضادّ، ولا يكون بنحو التناقض، وإنما يكون ذلك في الدلالة بمعنى الظهور.
كلامنا الثالث مع أصحاب الاتّجاه الأوّل، الميرزا والسيد الأستاذ، ونقتصر في مناقشة ما ذكروه على مناقشة واحدة فيما يخصّ التخصيص، حتى يظهر الحال في الورود والحكومة من الأبحاث الآتية.
فنقول: كأن مدرسة المحقّق النائيني فهمت من كلمات الشيخ في (الرسائل): أن التخصيص يكون بملاك الحكومة، فإنه قال في مضاعفات بحث التعادل والتراجيح: إن الدليل المخصّص يتقدّم على العامّ باعتبار حكومته على أصالة العموم وإسقاطه لحجّيته؛ لأن أصالة العموم فرع الشكّ في المراد الخاصّ يوجد علماً ولو تعبّدياً بالمراد. فصنعوا برهان التقدّم هكذا. وطبّقوا عليه قاعدة باب الحكومة، وهو أن المخصّص يتقدّم مهما كان ظهوره ضعيفاً.
بينما أن هذه الحكومة التي ذكرها الشيخ في (الرسائل)، ترف وفلسفة، ولم يكن مقصوده بحسب الظاهر بيان نكتة تقدّم الدليل المخصّص على العامّ، بل هو في طول نكتة التقدّم. فإنه لو لم تفرض في المرتبة السابقة نكتة تقتضي التقدّم فهذه الحكومة أمر باختيارنا، فإنه كما أن دليل الخاصّ حاكم على دليل حجّية العامّ، فكذلك الدليل العامّ حاكم على دليل حجّية الخاصّ، فإن كُلّاً من دليلي
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الحجّيتين فرع الشكّ، وكلّ من العامّ في نفسه والخاصّ في نفسه يلقى الشكّ. فيكون التحاكم بين الطرفين. ومن هذه الناحية نعرف أن نكتة التقدّم ليست هي الحكومة، فإنها صياغات أصولية نتفنّن بها كيف نشاء، بل الحكومة في طول نكتة التقدّم. أي إننا بعد أن نبرهن أن الخاصّ مقدّم على العامّ نقول: إن هذا ينتج أن تكون أصالة العموم في العامّ مقيّدة بعدم وجود المخصّص، فيكون الخاصّ حاكماً أو وارداً.
إذن فلا بُدّ أن نعالج الدليلين في المرتبة السابقة، ولا إشكال أن في هذه المرتبة دليلين متنافيين في مدلولهما، فيشملهما تعريف التعارض.
وبهذا انتهى كلامنا الثالث وبه انتهت الجهة الأولى.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المسألة الأولى
في التعارض بلحاظ دليل الحجّية
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المسألة الأولى: في التعارض بلحاظ دليل الحجّية
الجهة الثانية سوف نطرح في هذه الجهة إحدى المسألتين الرئيسيتين في بحث التعادل والتراجيح اللتين سبق أن أشرنا إليهما، وهي: تحقيق ما هو مقتضى القاعدة في مقام التعارض بين الدليلين بالمعنى المتقدّم للتعارض، أي التنافي بين شمولين من شمول دليل الحجّية.
وتحقيق هذه المسألة يكون بتوضيح مقدّمات، ثُمّ بيان أصل المسألة، ثُمّ تنبيهات: أما المقدّمات:
إنه لا إشكال في خروج موارد ما إذا كان أحد الدليلين رافعاً لموضوع الدليل الآخر عن محلّ الكلام في هذه المسألة. فإنه إذا كان رافعاً له وجداناً فلا إشكال؛ لأنه لا يقع أيّ تنافٍ في شمول دليل الحجّية للدليل الرافع والدليل المرفوع معاً، إذ لا تنافي بين المدلولين، بعد فرض أن أحد المدلولين يرتفع بالمدلول الآخر؛ لأنه مشروط ومنوط بعدمه، فيستحيل التنافي بينهما.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وتحت هذا العنوان يُذكر التخصّص والورود، حيث قالوا: إن التخصّص هو ما يكون أحد الدليلين موجباً لارتفاع موضوع الدليل الآخر حقيقة بلا توسّط التعبّد، وإن كان بتوسّط التعبّد فهو الورود. والتخصّص قد يكون بنحو الإخبار عن التخصّص، وأخرى بمعنى توليد التخصّص.
فإنه تارةً يفرض أنه قال: (أكرم كلّ عالم)، وجاءت رواية في مقام بيان (أن أبا حنيفة ليس بعالم)، فهو إخبار عن التخصّص، فهذا الدليل طريق للتخصّص لا مولود له.
وأما المولود له كما لو ورد دليل قطعي على وجوب السورة، فهو موجب للعلم الوجداني بالسورة وخروجه عن دليل البراءة الشرعية.
وحيث إن هذه التقسيمات ليس فيها مزية، فنعبّر عنها بعنوان واحد هو الورود، بمعنى أن يكون أحد الدليلين متكفّلاً لرفع موضوع الدليل الآخر. وهذا الورود بالمعنى الأعمّ يتصوّر له خمس مراتب: الجعل، والمجعول، والوصول، والتنجّز، والامتثال. فتارةً يكون الوارد رافعاً لموضوع المورود بمرتبة امتثاله، وأخرى بمرتبة تنجّزه، وثالثة بمرتبة وصوله، ورابعة بمرتبة مجعوله، وخامسة بمرتبة جعله. وكلّ ذلك له مصاديق في الفقه.
القسم الأوّل: أن يكون الدليل الوارد وارداً على الدليل الآخر بلحاظ مرتبة امتثاله، بمعنى أنه لا يرفع موضوعه بلحاظ جعله ولا مجعولاته ووصوله ولا تنجّزه، وإنما يرفعه بمرحلة امتثاله.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومن هذا القبيل موارد التزاحم بناءً على إمكان الترتّب، فإنه قد يتزاحم واجبان متساويان في الأهمّية كالصلاة والإزالة، كلٌّ منهما أُخذ فيه قيد وهو عدم الاشتغال بواجب مساوٍ أو أهمّ، وهو تقييد عقلي لاستحالة التكليف بشيء حال اشتغال المكلّف بضدّ مساوٍ له في الأهمّية أو أهمّ. فيكون وجوب الإزالة رافعاً لموضوع وجوب الصلاة لا بجعله ولا مجعوله، بل باشتغال المكلّف خارجاً بالإزالة؛ لأنه حينئذٍ يصدق عليه أنه مكلّف اشتغل بضدّ مساوٍ فيرتفع موضوع وجوب الصلاة، وقولوا نفس الشيء إذا اشتغل المكلّف بالصلاة، وأما إذا عصى كِلا التكليفين فكِلا الموضوعين يكون محقّقاً بالفعل.
ومن أمثلة هذا الورود وإن لم يكن من أمثلة التعارض، دليل وجوب صوم شهر رمضان مع دليل وجوب الكفارة، فإنه بامتثاله يرفع موضوع وجوب الكفارة؛ لأن موضوعه هو من أفطر وعصى الوجوب الأوّل. فامتثاله يرفع موضوع وجوب الكفارة.
القسم الثاني: أن يكون أحد الدليلين وارداً على الآخر ورافعاً لموضوعه بمرتبة تنجّزه سواء امتثل أو لم يمتثل، وذلك من قبيل موارد التزاحم بناءً على عدم إمكان الترتب. فإننا حينئذٍ يجب أن نفرض أن وجوب الصلاة أُخذ في موضوعه عدم كون المكلّف مخاطباً بالأهمّ وهو وجوب الإزالة، خطاباً منجّزاً لا بعدم الامتثال، إذ لو أُخذ فيه ذلك فإنه لو عصى لزم عليه الأمران، وهو ما لا يرضى به صاحب (الكفاية) المُنكِر للترتّب. وأما إذا أُخذ فيه عدم تنجّز الأهمّ
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهو تقييد عقلي، والعقل إنما يحكم بضرورة التقييد بعدم تنجّز الأهمّ خاصّة، فيكون الأهمّ بتنجّزه رافعاً لموضوع الآخر.
ومن هذا القبيل موارد أخذ القدرة الشرعية في موضوع أحد الخطابين بالمعنى الاصطلاحي منه، وهو عدم المانع تكويناً، وعدم المانع مولوياً بلحاظ قوانين المولوية، يعنى عدم لزوم العصيان لحكم آخر في امتثاله. وحينئذٍ يكون الخطاب الآخر رافعاً لموضوعه. فلو كان وجوب الحجّ مقيّداً بالقدرة، فإن وجوب الوفاء بالدين لو تنجّز أو أيّ واجب آخر منافٍ مع الحجّ، فيتنجّزه برفع موضوع وجوب الحجّ؛ لأن موضوعه هو القدرة الشرعية.
وكذلك الحال في دليل وجوب الوضوء بناءً على المبنى المشهور: من أنه أُخذ في موضوعه القدرة الشرعية، فلو وجب صرف المال في مطلب آخر، فهذا بتنجّزه يرفع وجوب الوضوء سواء امتثل أو لا.
ومن هذا القبيل أيضاً ما إذا تنجّزت حرمة التصرّف بالنصاب الزكوي خلال العامّ، فبتنجّزه يرفع موضوع وجوب الزكاة، بناءً على أن وجوبها موضوعه مقيّد بالقدرة الشرعية على التصرّف خلال الحول.
القسم الثالث: أن يكون أحدهما وارداً على الآخر بوصوله بقطع النظر عن تنجّزه وامتثاله.
ومن هذا القبيل ورود أدلّة الأحكام الواقعية على أدلّة الأصول الشرعية، فإنه أُخذ فيها عدم العلم -بما هو علم-، فأدلّة الأحكام الواقعية إذا كانت قطعيّة فبإيصالها للحكم الواقعي تكون رافعة لموضوع أدلّة الأصول.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وكذلك أيضاً ما إذا فرض أنه كان عندنا دليل يدلّ على حرمة الإفتاء بغير علم، ودلّ دليل قطعي على إباحة فعل من الأفعال، فهذا يكون وارداً بوصوله على ذلك الحكم.
القسم الرابع: أن يكون أحدهما وارداً على الآخر بلحاظ فعلية المجعول، بمعنى أن مجعوله إذا صار فعلياً في نفس الأمر الواقع -سواء تنجّز أو لم يتنجّز امتثل أو لم يمتثل-، فإنه يكفي في رفع موضوع الدليل الآخر.
كما لو كان وجوب الوفاء بالشرط أن لا يكون محلّلاً للحرام ومحرّماً للحلال، وأن لا يكون مخالفاً للكتاب والسُنّة، وأُخذ في موضوع وجوب الوفاء بالنذر والعهد واليمين، أن يكون راجحاً شرعاً أو غير مرجوح على الأقلّ، فكلّ دليل دلّ على وجوب حكم يستلزم اشتراط تركه أن يكون محلّلاً للحرام، يكون رافعاً لموضوع دليل وجوب الوفاء بالشرط أو النذر بمجرّد فعليته، سواء تنجّز أو لم يتنجّز، وسواء وصل أو لم يصل(1).
القسم الخامس: أن يكون أحدهما رافعاً لموضوع الآخر بلحاظ نفس الجعل، أيّ بلحاظ تشكيل نفس القضيّة الشرطيّة حتى لو لم تصر فعلية. من
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: إذا لم يكن واصلاً فكيف نعلم به؟
فأجاب بما حاصله: أنه لو نذر إكرام الفاسق، ثُمّ انكشف له حرمته، ينكشف له أن النذر من أوّل الأمر لم يكن صحيحاً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
قبيل ما ادّعى من أن الدليل الذي دلّ على أن المال الواحد لا يزكّى مرّتين، فمعناه أن المال الواحد لا يدخل في حولين زكويين في عرض واحد. فلو كان له 25 من الإبل -نصاب يجب فيه تماميّة الحول 5 شياه- ومضت ستة أشهر فصار عنده 26 من الإبل، فانتقل إلى النصاب السادس الذي يجب فيه بنت مخاض. فهنا يقال: إننا لو خلّينا وأدلّة الأنصبة لحكمنا بوجود نصابين، يعنى نحسب حولين الأوّل من أوّل شهر رمضان إلى أوّل شهر رمضان والثاني من أوّل شهر ربيع الأوّل إلى أوّل شهر ربيع الأوّل. ومعناه أن عندنا قضيّتين شرطيّتين زكويتان:
أحدهما: لو بقيت الـ 25 عاماً لوجبت فيها الزكاة.
ثانيهما: لو بقيت الـ 26 عاماً لوجبت فيها بنت مخاض.
وهنا يُقال: إن دليل: (لا يزكّى المال مرّتين) يفهم منه أنه لا يحسب على المال حولان، فلا بُدّ من سقوط أحد الحولين، فتكون إحدى القضيتين بما هي شرطية معارضة للأخرى وإن لم تصرّ فعلية. ويستفيد الفقهاء تقييد الحول المتأخّر زماناً بعدم وجود الحول المتقدّم زماناً. فدليل نصاب 25 يكون رافعاً بجعله وقضيّته الشرطيّة لموضوع دليل نصاب ال 26.
فهذه هي الأقسام التي يترتّب عليها أثر في الفقه والأصول، فلا بُدّ من البحث فيها.
ما سبق أن قلناه في غاية الوضوح فيما إذا كانت الرافعيّة من أحد الجانبين.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وأخرى يفرض أن كُلّاً من الدليلين أُخذ في موضوعه عدم الحكم المخالف. فهنا هل يقال بالتوارد من الجانبين ومعناه انتفاء كِلا الدليلين، ويخرج من باب التعارض. أو يُقال: إن التوارد إذا كان من جانبين فالدليلان يدخلان في باب التعارض، إذا كان التنافي في الجعل، أو في باب التزاحم فيما إذا كان التنافي عالم الامتثال؟
تحقيق الحال في ذلك: أن القيّد المأخوذ في كِلا الدليلين المتواردين يتصوّر فيه عدّة صور:
الصورة الأولى: أن يكون القيد هو طبيعي الحكم المخالف بنحو يشمل ذلك الحكم الآخر، كدليل وجوب الوفاء بالنذر ودليل وجوب الحجّ. فإن من قال: بأن النذر مقدّم، قال إنه قد أُخذ في موضوع وجوب الحجّ القدرة الشرعية، أي لا يوجد مانع شرعي أي حكم مخالف، فوجوب النذر يرفع موضوع وجوب الحجّ. ومن قال بتقديم الحجّ قال إن وجوب الوفاء بالنذر أُخذ في موضوعه أن لا يكون محلّلاً للحرام، أيّ أن لا يكون هناك حكم مخالف، فوجوب الحجّ يرفع موضوع وجوب الوفاء بالنذر.
لو صدق ذلك فعندنا حكمان متواردان، يصلح كلّ منهما أن يكون رافعاً لموضوع الآخر؛ لأنه أُخذ في موضوع كلّ منهما عدم طبيعي الحكم المخالف بنحو يشمل الحكم الآخر. وفي هذه الصورة يقع التعارض بين ظهور الدليلين، لا من ناحية اقتضاء الظهورين للجمع بين كِلا الحكمين، بل لا يقتضيان ذلك أن يستحيل اقتضاؤهما للجمع بين الحكمين. بل من ناحية استحالة هذا النحو
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
من الجعل باعتبار لزوم الدور، فإنه يستحيل أن يكون كِلا الحكمين منوطاً بعدم الآخر، ويستحيل مانعية أحدهما عن الآخر، كما يقال في بحث الضدّ من أنه يستحيل مقدّمية أحد الضدّين للآخر.
إذن فيستنتج أن هناك خللاً في الظهور، إما لم يؤخذ عدم الحكم هناك أو لم يؤخذ هنا، فيقع تعارض بهذا الاعتبار.
الصورة الثانية: أن يكون القيد في كلّ من الدليلين هو طبيعي الحكم المخالف الثابت، لو لا هذا الحكم وبقطع النظر عنه. بمعنى أن كلّ دليل يقول: أغمض نظرك عني وأنظر هل يوجد حكم مخالف؟ فإن كان موجوداً فأنا لا أعارضه ولا أزاحمه، وإن لم يكن فأنا اتنجّز. هذا الذي نسمّيه بالعدم اللولائي والقضيّة التعليقية. وبذلك لا يكون هناك دور؛ لأنه غير منوط بالعدم الفعلي بل بالعدم اللولائي.
حينئذٍ، لا بُدّ من أن تنظر أن هذا القيد متحقّق أو لا. فلو أغمضنا النظر عن وجوب النذر، فهل عدم الحكم المخالف متحقّق؟ كلا. بل الحكم المخالف ثابت، إذن فوجوب الوفاء بالنذر غير منجّز. وقولوا نفس الشيء في دليل وجوب الحجّ. إذن فكِلاهما لم يتحقّق موضوعه، فكِلا دليلي الوجوبين ليس له إطلاق، إذن فلا تعارض بين الدليلين، ومن الخارج نعلم أن الشارع قد استأنف حكماً في هذه الحالة، وأنها لا تخلو من أحد الحكمين، فنطبّق عليه قواعد العلم الإجمالي في موارد التعارض أو قوانينه في موارده.
الصورة الثالثة: أن يفرض أن كُلّاً من الدليلين أُخذ في موضوعه عدم
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الحكم المخالف الفعلي -لا لمطلق الحكم المخالف الشامل للآخر-، بل كُلّاً منهما يكون مشروطاً بالعدم الفعلي لحكم مخالف، لا يكون هذا الحكم صالحاً للورود عليه، يعني أن لا يكون مثله من حيث الاشتراط والمرتبة. أو بتعبير آخر: إنه مقيّد بعدم الحكم المخالف الممتاز.
فالموضوع حينئذٍ لكلّ منهما محقّق -عكس الصورة السابقة- لأن كُلّاً منهما إذا لاحظناه نجد شرطه محقّقاً، فالنذر موضوعه العدم الفعلي لحكم مخالف ممتاز. وليس هناك حكم في معرض التعارض إلّا وجوب الحجّ، وهو ليس ممتازاً؛ لأنه لا يصلح للورود عليه. وقولوا نفس الشيء بالنسبة إلى وجوب الحجّ. إذن فكلّ منهما موضوعه متحقّق، وهذا يجعله من باب التعارض؛ لأن مقتضى الاطلاقين هو ثبوت الحكمين وهما لا يجتمعان.
الصورة الرابعة: أن يفرض أن أحد الدليلين أُخذ في موضوعه العدم بالنحو الثاني، وأُخذ في الآخر العدم بالنحو الثالث. فوجوب الوفاء بالنذر أُخذ في موضوعه أن لا يكون هناك حكم مخالف، ودليل وجوب الحجّ أُخذ في موضوعه عدم حكم مخالف ممتاز. في مثل ذلك يكون الثاني وارداً على الأوّل؛ لأن موضوع الحكم الأوّل غير متحقّق لوجود الحكم المخالف لولاه وهو وجوب الحجّ. وأما الثاني فموضوعه متحقّق؛ لأنه بالفعل لا يوجد حكم مخالف يتقدّم عليه، إذ لا يتصوّر وجوب آخر غير وجوب الوفاء بالنذر، وهو مقيّد بالعدم اللولائي للآخر، وهو تقييد أشدّ من الأوّل.
ومن هنا كان أحد التقريبات الفنّية في تقدّم دليل وجوب الحجّ على الآخر
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التي ذكرناها في بحث التزاحم، هو استظهار أن دليل وجوب الحجّ أُخذ فيه القيد بالنحو الثالث والنذر بالنحو الثاني. وهذا الاستظهار موكول إلى بحثه.
ثُمّ إنه يستثنى من ذلك ما إذا فرض أن التقييد كان بلحاظ مرتبتين من المراتب الخمسة السابقة -لا في مرتبة واحدة-، فإن ما ذكرناه هو ما إذا أُخذ في موضوع كلّ منهما عدم الحكم الآخر، وأما إذا أُخذ في أحدهما عدم الحكم والآخر أُخذ في موضوعه عدم الامتثال، ففي مثله يتقدّم ما أُخذ في موضوعه عدم الامتثال وهو أيضاً من تقريبات تقدّم دليل وجوب الحجّ على وجوب الوفاء بالنذر، وذلك مبنيّاً على استظهار فقهي وهو أن موضوع
وجوب الوفاء بالنذر، قيّد موضوعه بعدم الحكم المخالف، وذلك باعتبار أن لا يكون محلّلاً للحرام. وأما وجوب الحجّ أُخذ في موضوعه القدرة التي نوسعها بحيث تشمل عدم الاشتغال بالضدّ الواجب شرعاً.
والبرهان على تقدّم وجوب الحجّ: أن دليله مقيّد في ظرف عدم امتثال وجوب الوفاء بالنذر، ولا يمكن أن يلغى دليل وجوب الحجّ في ظرف عدم امتثال وجوب النذر؛ لأنه منوط بامتثاله. ولو أمكن لوجوب الوفاء أن يثبت، فهو يثبت في حال امتثاله فقط وهو غير معقول. فوجوب الوفاء بالنذر متى يثبت؟ هل يثبت مطلقاً؟ كَلّا؛ لأنه غير وارد على وجوب الحجّ، بل وجوب الحجّ وارد عليه عند عدم امتثاله. أم يثبت منوطاً بامتثال نفسه؟ فهو غير معقول؛ لأن إناطة الحكم بامتثال نفسه غير معقول. فيتقدّم دليل وجوب الحجّ على دليل وجوب الوفاء بالنذر.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
هذا تمام الكلام المناسب عن شقوق التوارد، وإن كان الإخوان بالتدقيق يمكن أن يستنتجوا صوراً أخرى، إلّا أن القواعد العامة فيها ظهرت مما ذكرناه.
بعد أن تمتّ نظرية الورود، بقيت عدّة ملاحظات:
الأولى: أنه يعمل بالدليل الوارد، ويرفع اليد عن الدليل المورود، ولو كان الوارد في أدنى مراتب الظهور والمورود في أعلى مراتبه.
وهذا مستنبط من نكتة تقدّم الدليل الوارد، فإن النكتة هي أنه لا تعارض بين الدليلين، فإن أحدهما يقرّر شيئاً، والآخر لا يكون قادراً على نفي ذلك الشيء وتكذيبه فيه؛ لأن الدليل المورود يقول بنحو القضيّة الشرطيّة: إذا كان الشيء الفلاني ثابتاً فالحكم ثابت، والدليل الوارد متكفّل لنفي الشيء الفلاني نفياً وجدانياً، فلا يوجد تعارض بينهما. ومعه فيعمل بهما معاً، ولا موجب لإعمال قانون تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما؛ لأنه إنما يكون عند تكاذب الظهورين، ومع عدم التكاذب يعمل بهما معاً.
الملاحظة الثانية: أنه في موارد المورود إذا شكّ في الوارد فلا يجوز التمسّك بإطلاق دليل المورود، سواء في الوارد المتّصل أو المنفصل. وسواء شكّ في أصل الوارد أو في حجمه سعةً وضيقاً من ناحية الشبهة المفهومية أو المصداقية. ففي كلّ هذه الموارد التي قرّرنا في بحث العامّ والخاصّ أنه يتمسّك في بعضها بالدليل العامّ إذا شكّ بالتخصيص، لا يتمسّك هنا بالدليل المورود.
والوجه في ذلك أنه التمسّك بالدليل المورود تمسّك بالعامّ في الشبهة
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المصداقية؛ لأن الشكّ في الورود معناه الشكّ في أن موضوع الدليل المورود محفوظ أو غير محفوظ؛ لأنه إن كان الوارد موجوداً فالموضوع منتفٍ وإن كان منتفياً فالموضوع موجود. فيرجع الشكّ بالورود إلى الشكّ بنحو الشبهة المصداقية.
نعم، في جملة من الموارد يمكن الرجوع إلى الاستصحاب لإحراز عدم الوارد، فلو ورد دليل موضوعه عدم الحجّة الشرعية، وشككنا بوجود مثل هذه الحجّة، فيمكن أن نستصحب عدم الحجّة الشرعية بنحو الشبهة الحكمية أو الموضوعية، في غير موارد الشبهة المفهومية التي قلنا: إن الاستصحاب لا يجري فيها.
[الملاحظة] الثالثة: لا فرق في تقدّم الدليل الوارد على المورود، بين أن يكون متّصلاً أو منفصلاً، فمثلاً في باب العامّ والخاصّ قالوا إن الخاصّ إذا كان متّصلاً فإنه يرفع أصل الظهور، وإذا كان منفصلاً فأصل الظهور ثابت والحجّية مرتفعة. وأما الدليل المورود فله حساب آخر، فإن الوارد إن كان متّصلاً فلا إشكال أنه يرفع الظهور والحجّية معاً، وإن كان منفصلاً، فأيضاً كذلك؛ لأنه مع الوارد لا يبقى ظهور للمورود في نفسه.
والنكتة في ذلك: أن الدليل المورود مفاده بنحو القضيّة الشرطيّة، والوارد إما أن يجعل حجّة شرعية أو يخبر عنها فيخرج مورده عن كونه مصداقاً للموضوع، فلا يبقى إطلاق بالنسبة إليه في نفسه، فينتفي الظهور والحجّية معاً.
وإن شئتم قلتم: إن الدليل الوارد -بحسب الحقيقية- يعارض الاستصحاب
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لا الدليل المورود، فإن الوارد المنفصل لو كان بوصوله يتمّم الورود، فإلى حين وصوله كان الدليل المورود ثابتاً ظهوراً وحجّيةً، ومن حين وصوله يرتفع ظهوراً وحجّيةً، وإذا كان وارداً بمضمونه الواقعي، فهو في الحقيقة ينافي مع الاستصحاب لا مع إطلاق الدليل المورود.
[الملاحظة] الرابعة: لا فرق في تقدّم الدليل الوارد على المورود، بين أن يكون سنده قطعيّاً أو ظنيّاً معتبراً؛ لأن دليل حجّية هذا السند الظنّي، يكون نافذاً ولا يعارضه الدليل المورود؛ لأنه لا يتعرّض إلى جهة ينفيها الدليل المورود؛ لأن دليل حجّية الوارد يتعبّدنا بصدور الوارد والدليل المورود، لا يمكن أن ينفي صدوره، فإنه إنما يتكفّل حكماً على موضوع ولا يمكن أن يتعرّض لإثبات موضوعه.
[الملاحظة] الخامسة: أن الورود ليس بحاجة إلى أن يكون الدليل الوارد ناظراً إلى الدليل المورود، بل حتى لو لم يكن له نظر إليه يكون وارداً عليه لا محالة؛ لأن نكتة الورود هي فناء الموضوع وليس من شرطه أن يكون المفني ناظراً إلى الدليل الذي فني موضوعه.
ويترتّب على ذلك أمران:
الأمر الأوّل: أنه إذا فرض أن الدليل الوارد كان ينفي موضوع عدّة أحكام في عدّة أدلّة. فلا حاجة لنا إلى إثبات الإطلاق في لسانه إلى جميع هذه الأحكام؛ لأن الحاجة إلى الإطلاق فرع الحاجة إلى النظر، لأن الناظر لا بُدّ من إثبات إطلاقه إلى تمام الأحكام. أما الدليل الوارد فبمجرّد تماميّة مدلوله في نفسه
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ترتفع تمام موضوعات الأحكام الثلاثة.
الأمر الثاني: أنه لا يمكن أن يتخيّل هنا -كما تخيّل في باب الحكومة على ما يأتي- من أن الدليل الحاكم حيث إنه ناظر، فالمنظور إليه لا بُدّ أن يكون تامّاً في نفسه وموجوداً، يعنى متقدّماً على الدليل الناظر أو الحاكم. هذه الشبهة لا موضوع لها في باب الورود لعدم احتياجه إلى النظر.
الملاحظة السادسة: أن الورود لا يحتاج إلى لسان لفظي؛ باعتبار أن الورود تصرّف معنوي من واقع موضوع الدليل المورود، فيمكن أن يكون بلسان لفظي، ويمكن أن يكون بدليل لُبّي، وهذا بخلاف أدلّة أخرى يكون طبع تقدّمها يقتضي اللفظية في اللسان، من قبيل أدلّة الحكومة التنزيلية، فإن مرجعها إلى باب اللّفظ وما ليس بلفظ لا معنى للتنزيل فيه.
هذه هي الملاحظات التي يجب أن تطبّق على نظرية الورود، وكلّها قائمة على نكتة واحدة هي نكتة الورود.
في خروج مورد الحكومة من موضوع دليل هذه المسألة.
وهنا لا بُدّ من وضع نظرية للحكومة على حدّ نظرية الورود، نحرز حكم في ثلاث نقاط: في تعريفها، وفي نكتة تقدّم الدليل الحاكم، وفي ما يستنبط من ذلك من الملاحظات.
وهي -على ما أشرنا إليه في بحث الاستصحاب- عبارة عن كون أحد
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الدليلين قد جعل من قبل المتكلّم بجعل شخصي قرينة ومرجعاً في فهم مراده من مجموع الخطابين.
وهذا الجعل الشخصي من المتكلّم يكون قرينته في محاورات هذا المتكلّم هي النظر والشارحية، فإن كان أحد الخطابين يتمتع بخاصية كونه ناظراً إلى خطابه الآخر، فتكون هذه قرينة عرضية على أن المتكلّم جعل هذا الخطاب شارحاً ومحدّداً لكيفية استخراج مقصوده النهائي من مجموع كلماته.
إذن فالناظرية هي روح الحكومة، فصحّ أن تقول: إن الدليل الحاكم هو الخطاب الذي له نحو من الناظرية والشارحية للخطاب الآخر.
وهذه الناظرية تقسّم ثلاثة أقسام باعتبار وسائل إثباتها:
القسم الأوّل: أداة التفسير إما صريحاً أو تقديراً، فإنها تكون قرينة على الناظرية.
القسم الثاني: أن يكون لها لسان التنزيل، مثل “لا ربا بين الوالد وولده” و”الطواف في البيت صلاة“، فهذه العملية بنفسها تكون قرينة على الناظرية ووسيلة إثبات لها؛ لأن التنزيل بلا لحاظ التنزّل لا معنى له.
القسم الثالث: أن تكون هناك مناسبات الحكم والموضوع المعنوية المركوزة في الأذهان تقتضي أن يكون هذا ناظراً إلى ذلك وفارغاً عن وجوده، كناظرية (لا ضرر) لأدلّة الأحكام والواقعية، أو قوله: (لا يفسد الماء الميتة التي ليس لها نفس سائلة)، فإن له نظراً إلى دليل نجاسة الماء بالميتة بحسب مناسبات الحكم والموضوع.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهذه المناسبات من قبيل ما أشرنا إليه من أن المولى حين يقول: (لا ضرر) لا يتوقّع العرف عنوان يشرّع أحكاماً في مورد الضرر بالخصوص، بل الذي يخشاه هو أن يحكم المولى أحكاماً مطلقة حتى لمورد الضرر، ويكون هذا قرينة على أنه يفهم من (لا ضرر) أنه استثناء، والاستثناء ناظر إلى المستثنى منه لا محالة.
وبما ذكرناه ظهر الحال فيما ذكره السيّد الأستاذ، فإنه من دون أن يذكر مقسماً للحكومة، شرع في تقسيمها، فذكر أنها على قسمين:
الأوّل: ما يختصّ بباب أدلّة الأحكام الظاهرية بعضها مع بعض، كحكومة دليل الأمارة على دليل الأصل، ومناطه أن الدليل الحاكم يرفع موضوع الدليل المحكوم لا حقيقة بل بالتعبّد والاعتبار، فإن موضوع دليل الأصل هو عدم العلم، ومفاد الأمارة هو جعل العلم تعبّداً.
والقسم الثاني: هو شأن أدلّة الأحكام الواقعية، كـ(لا ربا بين الوالد وولده) بالنسبة إلى دليل حرمة الربا. ومناطه أن هذا الدليل يكون ناظراً للآخر ومفسّراً له، فإنه لو لا النظر كان الحاكم لاغياً. فكأنّ السيّد الأستاذ يتصوّر مناطين للحكومة، ولا يفرض الاحتياج إلى جامع وحيثية مشتركة بينهما هو المسمّى بالحكومة، فكأنّ الحكومة مشترك لفظي بين الأمرين.
إلّا أن هذا ظهر عدم صحّته؛ لأن النظر الذي جعله مناطاً للقسم الثاني من الحكومة هو مدلول الحكومة وحقيقتها بتمام أقسامها؛ لأنها هي القرينة العرفية على جعل المتكلّم شخصياً هذا الخطاب هو المعوّل عليه في فهم مقصوده، وأما
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ما أُفيد من المناط الأوّل الذي جعل مناطاً في مقابل النظر، وهو أن يكون رافعاً لموضوع الدليل الآخر بالتعبّد والاعتبار. هذا الكلام ليس له محصّل، بل هو إما أن يرجع إلى القسم الثاني في كلامه أو يرجع إلى الورود.
وتوضيحه: أن الدليل المحكوم في هذا القسم الذي دلّ على ثبوت حكم مرتّب على ما هو موضوعه بحسب لسان دليله. ما هو موضوعه؟ هل موضوعه هو عدم العلم بمعناه اللغوي الحقيقي، أو الأعمّ بمعنى عدم ما يراه المولى علماً؟ فإن كان هو الأعمّ، فيكون دليل حجّية الأمارة وارداً لا حاكماً؛ لأنه ينفي الموضوع نفياً حقيقياً بواسطة التعبّد، لا نفياً تعبّدياً. وإن كان موضوعه هو خصوص العلم الحقيقي بأن قال: (كلّ شيء حلال حتى يوجد ما هو علم حقيقيةً). ودليل حجّية البيّنة أو خبر الواحد يعتبره علماً. فدليل الحجّية إما أن ينظر إلى دليل الأصل ويريد أن ينفيه، أو لا يكون له نظر إليه أصلاً. فإن كان له نظر إليه فقد تحقّق النظر الذي هو الميزان في الحكومة، ولم يستقلّ القسم الأوّل بنكتةٍ عن القسم الثاني.
وإن لم يكن له نظر إليه أصلاً، بل فرضه المولى علماً وليس له نظر إلى دليل الأصل، فأيّ موجب لترتّب الأثر الشرعي -وهو انتهاء الأصل- على مثل هذا العلم الاعتباري؟ وهل نتمسّك في ذلك بدليل الأصل، أو بدليل حجّية الأمارة؟ أما دليل الأصل فواضح عدم إمكان التمسّك به؛ لأن لسانه يقول: (إن الإباحة منتهية إذا وجد ما هو علم حقيقة)، وهذا ليس علماً حقيقة. وأما دليل حجّية الأمارة، فأيضاً لا يمكن أن نثبت به انتهاء الأصل؛ لأنه غير ناظر إليه أصلاً، وغير متكفّل لإثباته.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إذن فليس عندنا قسم أوّل في مقابل الثاني، بل مرجع الحكومة إلى النظر، وإنما ينقسم النظر فنّياً بلحاظ وسائل إثباته.
هذا هو تمام الكلام في النقطة الأولى.
الأمر الثاني في بيان ملاك تقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم، وهذا يمكن استيضاحه على ضوء معرفة حقيقة الحكومة، وتوضيحه: أنه في باب الحكومة يوجد دليل محكوم له ظهور، ودليل حاكم له ظهوران:
الأوّل: ظهوره في ما ينافي الحكم المثبت في الدليل المحكوم.
الظهور الثاني: ظهوره في النظر. فإن دليل الربا حرام، يدلّ بظاهره على شمول الحرمة للربا بين الوالد والولد، ودليل: لا ربا بين الوالد وولده، له ظهوران: أحدهما: نفى الحكم بالحرمة في هذا المورد، والظهور الثاني: أن هذا النفي بعنوان النظر إلى دليل إثبات الحرمة.
حينئذٍ نقول: إن هذين الظهورين؛ ظهور المحكوم والظهور الأوّل في الحاكم إما أن يكون كِلاهما حجّة، أو يكون أحدهما حجّة دون الآخر. فالأوّل من قبيل الخطابات الصادرة من المولى، فإن كُلّاً منهما حجّة في نفسه، والثاني من قبيل الظهورين الصادرين من المكلّف في باب الإقرار والنكول بعده، كما لو قال المقرّ: (كلّ ما في البيت لزيد)، ثُمّ قال: (أعني خصوص الكتب الموجودة في الدار)، فإن الظهور الأوّل للحاكم وهو نفي ملكية (زيد) عن غير الكتب لا يكون حجّة في نفسه، بل يكون الظهور للمحكوم حجّة فقط.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فإن كان كِلا الظهورين حجّة، فإنهما يكونان متعارضين، إلّا أن المولى جعل الظهور الثالث قرينة على فهم مراده الواقعي من مجموع الخطابين، فلا معنى لإيقاع التعارض والتساقط. فالظهور الثاني يكون هو الميزان في المعارضة بين الظهورين، وتقديم الظهور الأوّل للحاكم على ظهور المحكوم. وبحسب الحقيقة يدخل ذلك في كبرى عقلائية وهي: أن كلّ متكلّم من حقّه أن يضع النظام الذي يريده في استكشاف مراده من مجموع خطاباته. والظهور الثاني للحاكم يحقّق صغرى لتلك الكبرى.
وأما إذا لم يكن حجّة في نفسه، كما في الإقرار، فلا معنى لأن يجعل المتكلّم ميزاناً في التعارض بين الظهورين؛ لأن أحدهما ليس حجّة في نفسه، فلا يكون للحكومة معنى، إلّا أن هذا خارج عن محلّ الكلام، وما هو محلّ كلامنا وهو الخطابات الشرعية يكون كِلا الظهورين حجّة.
فهذا هو واقع تقدّم نكتة الدليل الحاكم على المحكوم.
وليس الوجه في ذلك الوجهين المشهورين على الألسنة في تقديمه:
أحدهما: أن يُقال: إن الوجه هو أنه لا تعارض بينهما، فيؤخذ بهما معاً؛ لأن دليل حرمة الربا يقول: (إذا كانت هذه المعاملة ربا فهي حرام)؛ لأن كلّ قضيّة حمليّة مجعولة على وجه القضيّة الحقيقية، ترجع إلى قضيّة شرطيّة، والشرطيّة لا تتعرّض بوجه من الوجوه إلى أن شرطها موجود أو غير موجود؛ لأن القضيّة الشرطيّة يستحيل أن تحفظ شرطها. والدليل الحاكم يقول: إن الشرط غير موجود، وإن المعاملة ليست ربا. ولا تعارض بين ثبوت الشرطية ونفي شرطها.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلّا أن هذا الوجه غير تامّ؛ لأن تلك القضيّة الشرطيّة وإن لم تتكفّل لإثبات وجود الشرط، ولكنّها تتكفّل فعلية الجزاء عند إحراز فعلية الشرط من الخارج، والشرط في الشرطيّة هل هو أن تكون المعاملة ربا واقعاً، أو أن تكون ربا بحسب نظر الشارع؟ فإن كان الثاني يكون الدليل وارداً؛ لأنه يتكفّل النفي الحقيقي للشرط. وإن كان الأوّل، فهو محفوظ حتى بعد مجيء الدليل الحاكم، فالبرهان القائم على انحفاظ هذا الشرط بضمه إلى الشرطيّة ينتج ما يعارض الدليل الحاكم وهو فعلية الجزاء. فلا بُدّ من استئناف نكتة لتوضيح أنه لماذا يتقدّم الدليل الحاكم على المحكوم بالرغم من التعارض. فالتعارض بينهما مما لا مناص عن الالتزام به، إلّا إذا أرجعناه إلى الورود.
التقريب المشهور الآخر: أن يقال بأن الدليل الحاكم يتعرّض بمدلوله اللفظي لجهة لا يتعرّض لها الدليل المحكوم بمدلوله اللفظي. وكلّ دليلين إذا تعرّضا لجهتين بهذا النحو يكون المتعرّض إلى ما لا يتعرّض إليه الآخر هو المقدّم على الآخر. فدليل (لا ربا بين الوالد وولده) يتعرّض لنفي الحرمة ونفي الربوية بلسانه اللفظي، وأما دليل حرمة الربا، فلا يتعرّض بلسانه اللفظي، إلّا إلى إثبات الحرمة.
إلّا أن هذا غير صحيح؛ لأن تعرّض أحد الدليلين لأمر لا يتعرّض له الآخر، يستبطن الناظرية لا محالة، وأن الدليل المتعرّض ناظر إلى الدليل المتعرّض له. فتكون نكتة التقديم هي الناظرية المستبطنة، ومن هنا قد تكون الناظرية موجودة بلا وجود هذه النكتة، بمعنى أن كِلا الدليلين يتعرّض إلى جهة لا يتعرّض لها الآخر، وذلك كما في القسم الثالث من الحكومة، التي نكتة النظر فيها هي
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مناسبات الحكم والموضوع، فإن دليل وجوب الوضوء يتعرّض بإطلاقه إلى جعله حال الضرر، ودليل (لا ضرر) يتعرّض بإطلاقه إلى أن الجعل الشرعي الضرري غير موجود ولو كان هو وجوب الوضوء، فتعرّضهما بلسانهما اللفظي على مستوى واحد، ومع هذا يتقدّم أحدهما بمناسبات الحكم والموضوع، كما أسلفنا.
فهذا يوضح أن نكتة التقدّم ليست هي تعرّض أحدهما إلى نكتة لا يتعرّض لها الآخر، وإلّا لزالت عند زوالها.
الأمر الثالث في نكات يمكن أن تستنبط من نكتة التقدّيم:
النكتة الأولى: أن الدليل الحاكم يقدّم على الدليل المحكوم سواء كان الدليل الحاكم متّصلاً أو منفصلاً. غاية الأمر أن الحاكم المتّصل رافع لأصل ظهور المحكوم، وأما المنفصل فظهوره وإن كان مستقرّاً وموضوعه ثابتاً حقيقة، إلّا أن الدليل الحاكم يكون رافعاً لحجّيته؛ لأن ظهور الدليل المحكوم مع الظهور الأوّل للحاكم يتعارضان، والمتكلّم بنفسه جعل نظاماً لفهم مرامه من مجموع كلامه، فيندرج تحت كبرى عقلائية مركوزة فيكون متبعاً.
*****
الملاحظة الثانية(1): أن الدليل الحاكم -كما قلنا- له ظهوران: ظهوره في نفي الحكم الذي يثبته الدليل المحكوم، وظهوره بالنظر. والتعارض بين ظهور
ــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) النكتة الثانية.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المحكوم والظهور الأوّل للحاكم وإن كان موجوداً، إلّا أن المتكلّم جعل الظهور الثاني ميزاناً في معرفة مقصوده من مجموع خطابيه.
وحينئذٍ فيقال: بأن الظهور الأوّل في الدليل الحاكم مهما كان ضعيفاً، يقدّم على ظهور الدليل المحكوم، ولا تجري قاعدة تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما؛ لأن هذه القاعدة، قاعدة نوعية، بمعنى أن طبع القضيّة يقتضي تقديم أقوى الظهورين بجعل عقلائي نوعي، وهذا إنما يكون فيما إذا لم يجعل المتكلّم نفسه ميزاناً آخر للتقدّيم. وإذا جعل ميزاناً فلا بُدّ من اتباعه. والموازين الشخصية حاكمة ومقدّمة على الموازين النوعية.
كما أنه يكفي في مقام الحكومة أن يكون الظهور الثاني في النظر ضعيفاً ما دام بالغاً إلى درجة الظهور، فإن درجة الظهور في النظر تختلف، فقد يكون بالصراحة مثل: (إنما عنيت الشكّ بين الثلاث والأربع)، ويستمرّ بالنزول والضعف، حتى يصل إلى مناسبات الحكم والموضوع.
فظهور الدليل الحاكم لا يلحظ عند الأقوى والأضعف؛ لِما قلناه لا لِما قالوه، من أنه لا تعارض بينهما، فإننا برهنّا على وجود التعارض بينهما.
الملاحظة الثالثة(1): موارد الشكّ في الحكومة أساساّ أو سعة وضيقاً، بنحو الشبهة المفهومية أو المصداقية أو الحكمية، حكمه حكم الشكّ في التخصيص، ففي أيّ مورد جاز التمسّك بالعام ّجاز التمسّك بالمحكوم. لأننا قلنا: إن الدليل الحاكم المنفصل لا يوجب زوال أصلّ ظهور الدليل المحكوم ولا
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) النكتة الثالثة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
-زوال- فناء موضوعه، غاية الأمر أنه يزاحم مع حجّيته، فمتى ما شكّ في ورود الحاكم يبقى المحكوم على حجّيته، إذا بنى على ذلك في باب التخصيص. بخلاف الورود فإن الشكّ ملازم للشكّ بارتفاع موضوع الدليل المورود حقيقة، فالتمسّك به يكون تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.
الملاحظة الرابعة(1): إذا فرضنا أنه كان لمورد الحكومة آثار شرعية متعدّدة، فكان للصلاة آثار متعدّدة، كبطلانها بالحدث والضحك وتعمّد البكاء، فإذا قيل: “الطواف في البيت صلاة“، فحيث إن ملاك الحكومة هو النظر، وحينئذٍ فلا بُدّ أن نثبت أن النظر بأيّ مقدار؟ هل بمقدار دليل واحد من الأدلّة، أو بمقدار كلّ الأدلّة، وحاكمية هذا الدليل على تمام تلك الأدلّة يتوقّف على إثبات إطلاق في هذا الدليل بمقدّمات الحكمة. وأما إذا لم يتمّ وكان هناك قدر متيقّن فلا بُدّ من الاقتصار عليه لعدم جواز إسراء الحكومة إلّا بمقدار النظر، وهذا بخلاف الورود، فإنه يكون وارداً على تمام الأدلّة؛ باعتباره أمراً تكوينياً.
الملاحظة الخامسة(2): أن الحكومة بناءً على ما قدّمناه تكون مخصوصة بالأدلّة اللفظية، ولا معنى لها في الأدلّة العقليّة التي ليس لها لسان. وذلك لأن مواردها هو النظر التفسيري وهو أسلوب في الكلام، أو التنزيلي وهو ليس له معنى إلّا في مرحلة اللفظ، وأما لُبّاً فليس هناك إلّا جعل الحكم على المنزّل عليه. فالتنزيل شأن عالم اللفظ. وكذلك قولوا بمناسبات الحكم والموضوع،
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) النكتة الرابعة.
(2) النكتة الخامسة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فإنها تنشئ ظهوراً في الدليل اللفظي بحسب الحقيقة ولا معنى لإعمالها في الأدلّة العقليّة الصرفة.
وبهذا تنتهي المقدّمة الثانية لمسألة التعارض في إخراج باب الحكومة عن باب التعارض(1).
عرفنا في المقدّمة الأولى خروج مورد الورود عن محلّ الكلام في الدليلين المتعارضين، وعرفنا في المقدّمة الثانية، خروج مورد الحكومة عنه. فهل مورد العموم والتخصيص خارج أيضاً عنه أو لا؟
يقع الكلام في ذلك في مقامين: المقام الأوّل: في المخصّصات المتّصلة، والمقام الثاني: في المخصّصات المنفصلة.
ولا إشكال عملياً وعرفياً في أن المخصّص المتّصل يقدّم على العامّ، إلّا أن البحث يكون فنّياً فقط في أنه كيف يمكن تخريج هذا التقدّيم. ثُمّ بعد فرض تخريجه وتفسيره يقع الكلام في مقتضى تقديمه عليه هو أن العامّ قد استعمل في غير معناه الحقيقي وهو العموم، إذن من قال إنه استعمل في تمام الباقي؟ بل لعلّه استعمل في مرتبة أقلّ من ذلك.
ومن الواضح أن هذه المشاكل الصناعية لا تأتي فيما إذا كان المخصّص
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) عطلة رمضان. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المتّصل من توابع مدخول أداة العموم ومن تقيداته في عالم اللفظ، كالتقييد التوصيفي أو أداة الاستثناء. كقولنا: (أكرم العلماء إلّا الفساق) أو (أكرم كلّ عالم غير فاسق). فإنه يكون موجباً لتضيقّ دائرة المدخول لفظياً بحيث لا يبقى للعموم اقتضاء لتوسيع الحكم أكثر من العلماء غير الفساق؛ لأنه لا يوسّع إلّا مدخوله، ومدخوله مقيّد بنحو النسبة الناقصة بغير الفسّاق. فليس هناك ظهوران ليقع البحث في تقديم أحدهما على الآخر، ومعه يكون هذا المورد خارجاً عن محلّ الكلام.
وانما تبدأ الإثارات الفنيّة فيما إذا لم يكن المخصّص المتّصل من شؤون المدلول اللفظي للعامّ، كما لو كان جملة مستقلّة متّصلة بالعامّ، كـ(أكرم العلماء ولا تكرم فساق العلماء). أو (لا يجب إكرام أيّ عالم ويجب إكرام الفقهاء). فالعموم بحسب طبعه له اقتضاء للشمول إلى تمام العلماء، فلو عملنا بكِلا المقتضيين لوقعنا في تناقض. وكثيراً ما يمكن التخلّص بأحد وجهين:
الأوّل: أن ترفع اليد عن ظهور العامّ في العموم.
الثاني: التصرّف في الخاصّ كحمله على الاستحباب في مثاله الثاني.
ومعه يكون السؤال هو أنه ما المعيّن للتصرّف الأوّل في مقابل التصرّف الثاني؟
وهذا السؤال يستحكم أكثر حين تواجه تفسيراً لتقديم المخصّص على العامّ بملاك الأظهرية، كما ذهب إليه صاحب (الكفاية) وجماعة من المحقّقين.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فإن الأظهرية ليست قاعدة مضبوطة، فإن قلنا بها لا بُدّ أن ندور مدارها، فقد يكون ظهور العامّ بالعموم أقوى من ظهور صيغة (افعل) بالوجوب، إذ قد يكون ظهورها بالإطلاق وظهوره بالوضع. بينما الشيء المفروض صحّته عرفاً وفقهائياً، هو تقديم المخصّص سواء كان أقوى ظهوراً أو أضعف. فمن هنا يتأكّد هذا السؤال، وهو أننا نحتاج إلى تخريج التقدّيم غير مسألة الأظهرية.
وفي مقام التخريج يمكن أن نتصوّر تصوّرين أساسيين:
التخريج الأوّل يحتاج إلى مقدّمة، حاصلها: أن الكلام له مدلول تصوّري هو عبارة عن تلك المعاني التي تنتقش صورها في الذهن عندما نسمع الكلام سواء صدرت من متكلّم شاعر عاقل أو من غيره. والمشهور ما بينهم أن الدلالة التصوّرية هي التي يسبّبها الوضع، كما هو الصحيح.
والكلام تارةً يفرض له صور: واحدة يمكن أن ينقشها في الذهن. وأخرى يكون له عدّة صور. فإذا صدر الكلام من متكلّم شاعر يأتي السؤال أنه أراد أن يثير في ذهني أيّاً من هذه الصور الذهنية؟ وهذا معناه البحث في الإرادة الاستعمالية وهي أجنبية عن المدلول التصوّري.
وهذا نسمّيه المدلول التصديقي من الدرجة الأولى. ونقول: إن المتكلّم أراد أن ينظر إلى المدلول الحقيقي لا إلى المجازي -لو كان الأمر دائراً بينهما-.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهذه الدلالة هي التي ادّعى السيّد الأستاذ أنها هي الناشئة من الوضع، والصحيح أنها ليست كذلك، وإنما هي ظهور حالي في الكلام يكشف عن أن المتكلّم أراد إخطار صورة المعنى الحقيقي في ذهن السامع دون صورة المعنى المجازي. وإنما سمّيناه دلالة تصديقية لأنه يكون كاشفاً عن واقع إرادة المتكلّم.
هذا الظهور ينشأ من أحد ملاكين:
أحدهما: الغلبة، فإن الغالب أن اللّفظ يستعمل لنقش هذه الصورة في الذهن دون تلك. والغلبة أمارة كاشفة.
ثانيهما: التعهّد النوعي من العقلاء، في أنهم متى قالوا لفظاً ولم ينصبوا قرينة على المعنى المجازي فإنهم يريدون المعنى الموضوع له. ويضمّ له غلبة جري الأفراد على طبق التعهدات النوعية العقلائية.
وأما المدلول التصديقي من الدرجة الثانية، كما لو قال: (سافر)، فلماذا أراد المتكلّم أن يثير في ذهني هذه الصورة الذهنية؟ إما لأنه يطلب منّي حقيقة أن آتي بهذا العمل، أو يريد أن يستهزئ، أو يريد الامتحان، أو التعجيز، إلى غيرها من دواعي الأمر. هنا ينشأ ظهور تصديقي في أن المتكلّم يعيش الدافع لهذا الأمر في ذهنه ويوجد في نفسه شوق، وهذا أيضاً ملاكه أحد الأمرين السابقين.
الآن نرجع إلى المدلول التصوري الأوّل، فإنه يتألف من جميع الصور الذهنية التي يقذفها الكلام بأجزائه المختلفة. فمنها المواد، ومنها الهيئات، ومنها: الهيئات السياقية، كالتقدّيم والتأخّير والتأكيد والتماثل. فإنها أيضاً لها دلالات تصوّرية وتصديقية كالموادّ والهيئات. فلو قال: (صلّ صلّ) يُقال: إن التكرار يفيد التأكيد. وهذه الحالة محفوظة في الدلالة التصوّرية ولذا تكون
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
محفوظة في المتكلّم غير الشاعر. وكذلك وحدة السياق الذي يقال بأنه دالّ على الاستحباب.
ثُمّ إنه قد يفرض في مرحلة المدلول التصوّري أن المدلول التصوّري للحالة السياقية يخالف المدلول التصوّري لمفردات هذه الحالة. فتكون المفردات دالّة على شيء والسياق دالّ على شيء آخر. كما لو قال: (صلّ صلّ)، فإن كُلّاً منهما نسبة طلبية مستقلّة، ومقتضى الجمع بينهما أنهما نسبتان طلبيتان. لكن المدلول التصوّري للحالة السياقية هو أنهما يدلّان على نسبة طلبية واحدة مؤكّدة. ومدلول الحالة السياقية للكلام حاكم دائماً على المدلول التصوّري لمدلول المفردات والهيئات، وهو المقرّر للمدلول النهائي للكلام. ونكتة حاكميته هو الغلبة والتعهّد أيضاً.
ونأتي بعد هذه المقدّمة إلى محلّ الكلام فيما إذا قال المتكلّم (لا يجب إكرام أيّ عالم) و(أكرم الفقهاء). ففي مثل ذلك نقول: إن أخصّية أحد الموضوعين من الآخر هو بنفسه حالة سياقية لها مدلول تصوّري في مجموع هذين الكلامين، وهو الذي يعيّن المدلول النهائي للكلام، والذي سوف يكتسب اللون التصديقي الأوّل والثاني.
فلو اقتصرنا على المعاني معزولة عن المداليل النفسية التصديقية، كما لو كان الكلام صادراً من الحجر. نجد مواد وهيئات وحالة سياقية في الكلام أو نسبة أجزاء الكلام بعضها إلى بعض، وهي لها وضع ودلالة كسائر الهيئات، وهي كون موضوع هذا الحكم أخصّ من موضوع الحكم الآخر، وهو دالّ عرفاً على
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
صورة ذهنية ثالثة وهي صورة العموم مقتطعاً منه موضوع الخاصّ. وقد قلنا: إن المدلول التصوّري يستقرّ الكلام فيه بموجب هذه الحالات السياقية. وهو الذي يكتسب المدلول التصديقي الأوّل والثاني بحسب فهم العقلاء.
وبهذا نجيب على الأسئلة التي تثار في المقام: فنلتزم أن كلّ كلمة استعملت في معناها الموضوع له، فاستعملت (كلّ) في العموم، وصيغة (افعل) في الوجوب، والحالة السياقية في معناها، غاية الأمر أن الدلالة السياقية هي التي تعيّن المدلول النهائي للكلام وتكون المداليل التصديقية مطابقة لها.
ووجه تقديم المخصّص على العامّ، هو ذلك، فإن الحالة السياقية هي المعيّنة للمدلول التصوّري النهائي.
ويكون العامّ حجّة في الباقي باعتبار ان هذه الحالة السياقية تقتضي التلفيق بين الصورتين، وتفيد أن الموضوع هو موضوع العامّ مقتطعاً منه موضوع الخاصّ.
ومعه يتقدّم الدليل المخصّص مطلقاً من دون أن يلحظ الظهور الأقوى في المدلول التصوّري؛ لأن الظهور التصوّري الثالث، هو الضابط النوعي للتقدّيم.
*****
إن الصورة(1) التي تستقرّ في ذهن السامع إذا رجع إلى وجدانه، هي الصورة النهائية. فبحسب عالم الالتفات التفصيلي للمستمع -وكذلك المتكلّم
ــــــــــ[53]ــــــــــ
() أعاد السيّد جملة مما كان قاله، فكان مما قال: إن الصورة… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أيضاً- يوجد مدلول تصوّري واحد. وإن كان بحسب التحليل ترجع المداليل التصوّرية إلى ثلاثة.
وبهذا المدلول(1) السياقي الثالث نستطيع أن نجيب على كِلا السؤالين:
أوّلاً: لماذا قدّم الخاصّ على العامّ نقول: لم يقدّم أحدهما على الآخر، بل كِلاهما اندمجا في المدلول السياقي الثالث، وقدّم مدلوله التصوّري عليهما معاً.
وثانياً: لماذا يكون العامّ حجّة في الباقي؟ نقول: لأن هذا الدالّ الثالث يدلّ على عموم مقتطع منه. وهذا هو الاتّجاه المختار.
الاتّجاه الآخر وجامعه عدم الالتفات إلى هذا الدالّ الثالث، والاقتصار في النظر على العامّ والخاصّ. وفي هذا الاتّجاه ثلاث محاولات.
[المحاولة الأولى: التقديم على أساس دعوى إرجاع باب التخصيص إلى باب التقييد]
بأن يُقال: إنه لا تعارض بين المدلولين التصوريين؛ لأن إحدى الدلالتين حاكمة وواردة على الأخرى. ومعه لا تنافي بينهما وهو حكومة دلالة على دلالة لا حكومة مدلول على مدلول.
وهذا مبنيّ على بحث في معنى أداة العموم، وهل معناها إسراء الحكم إلى تمام أفراد مدلول مدخولها وهو كلمة (عالم) واقعاً، أو إسراؤه إلى تمام أفراد ما
ــــــــــ[54]ــــــــــ
() ثُمّ قال: وبهذا المدلول… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يريد المتكلّم من كلمة (عالم)؟ فإن فرض الأوّل فمن جملة أفراد النحوي الخارج بالتخصيص -بالفرض -، فيقع تعارض بين المدلولين التصوّريين. وأما إذا كان معناها إسراء الحكم إلى تمام ما يراد من الدخول، فما يراد منه لا يستفاد من (كل)، بل نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات أن المدخول هو المطلق لا المقيّد. ومن المعلوم أن من مقدّمات الحكمة عدم وجود ما يصلح لبيان القيد والخاصّ صالح لذلك، وبذلك ينهدم موضوع الدلالة العمومية، وتكون دلالة الخاصّ حاكمة على دلالة العامّ. فالدلالة العمومية في طول مقدّمات الحكمة، فكلّ ما يثلمها يكون حاكماً على الدلالة العمومية.
وبهذه الفرضية يمكن الجواب على كِلا السؤالين:
أما السؤال الأوّل: وهو لماذا تقدّم الخاصّ على العامّ؟ فلأن دلالة الخاصّ واردة على دلالة العامّ وتنفي موضوعها؛ لأنها في طول جريان مقدّمات الحكمة، فما يهدمها يرفع موضوع دلالة العموم.
وأما السؤال الثاني: وهو أنه لماذا أصبح العامّ دالّاً على تمام الباقي؟ فلأنه لم ينثلم العموم؛ لأن معناه هو ما يراد بالمدخول، وهو لم ينثلم بل أصبح ضيقاً.
يبقى سؤال واحد في هذه المحاولة لا بُدّ لنا من إبرازه: وهو أن هذا التخريج مبنيّ على افتراض أن أداة العموم موضوعة لإسراء الحكم إلى تمام ما يراد من المدخول، يعني أن العموم في طول مقدّمات الحكمة، فيمكن أن يُقال: إنه بناءً على هذا تكون الدلالة العمومية لغواً؛ لأنه إن جرت مقدّمات الحكمة فهي وحدها كافية لإثبات المطلب، وإن لم تجرِ فلا تنفع أداة العموم. فما هي
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فائدة وضعها لإثبات العموم. فهذا يبرهن أنها موضوعة لإسراء الحكم إلى تمام ما هو المدخول واقعاً لا تمام ما يراد منه.
وقد يقال في جوابه: إننا حتى لو بنينا على أن أداة العموم موضوعة لإسراء الحكم إلى تمام أفراد ما يراد من المدخول، وكانت في طول مقدّمات الحكمة، مع هذا يكون لها فائدة. ويتمّ تصويرها ببيانات اقتصر على واحد منها: وهو أننا ذكرنا في بحث المطلق والمقيّد أنه فرق بين الإطلاق الثابت من مقدّمات الحكمة، والعموم الثابت بأداة العموم، فإن الإطلاق معناه تعلّق الحكم بالطبيعة من دون نظر إلى الأفراد. وأما مفاد أداة العموم فهو إسراء الحكم إلى تمام أفراد الطبيعة وهي صورة ذهنية غير الأولى، ونحن لغوياً نحتاج لغواً إلى كِلتا الصورتين، وإن كانت النتيجة العملية واحدة. فإنكم إن أردتم النتيجة الفقهية، فهي وإن لم تكن موجودة إلّا أن عدمها غير مهمّ، وإن أردتم النتيجة اللغوية فهي متحقّقة، فإن (كلّ) توجد صورة لغوية جديدة(1).
وبهذا تتمّ هذه الفرضية في هذه المحاولة.
إلّا أن هذه الفرضية غير صحيحة، وتفصيله موكول إلى بحث العموم والخصوص، وإجماله أن نشير إلى النكتة في عدم صحّتها وهي: أنها تخلط بين المدلول التصديقي والمدلول التصوّري. فإن كلّ كلمة في اللغة لها مدلول
ــــــــــ[56]ــــــــــ
() ونقل عن السيّد أنه ذكر بعد الدرس فائدة أخرى، وهو أن العموم يدلّ على الاستغراقية تارةً والمجموعية أخرى والبدلية ثالثة، وهو مما لا يتأتّى من الإطلاق. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
محفوظ في نفسه بقطع النظر عن صدور هذا الكلام عن متكلّم شاعر مريد للاستعمال. ولهذا سمّيناه بالمدلول التصوّري المحفوظ قبل طروّ أيّ إرادة استعمالية عليه. وهذه الفرضية تقول: إن أداة العموم موضوعة لإسراء الحكم إلى تمام أفراد ما يراد من المدخول، ومقدّمات الحكمة تعيّن المراد من المدخول، يعنى أنها تجري في مرتبة المراد الاستعمالي التصديقي، فقد أخذت الإرادة التي تعيّنها مقدّمات الحكمة في موضوع أداة العموم. فلو صدر هذا الكلام من لافظ بلا شعور، فماذا يكون معنى أداة العموم ومدلولها التصوري؟ إن أريد مفهوم ما يراد، فمن الواضح أن مفهوم الإرادة لا يأتي إلى الذهن من العبارة، وإن أريد واقع ما يراد، فهو غير موجود.
فهذا ربط للمدلول التصوّري لكلمة بالمدلول التصديقي لكلمة أخرى. وهذا لا معنى له؛ لأننا حين ننظر إلى المدلول التصوّري لكلمة لا بُدّ أن نقطع النظر عن كلّ المداليل التصديقية. مضافاً إلى أنه خلاف الوجدان، كما ذكر صاحب (الكفاية) والسيد الأستاذ.
وهذه المحاولة ارتضاها الميرزا، وإن كانت سابقة عليه.
[المحاولة الثانية: قانون تقديم أقوى الظهورين]
هو أن يُقال: إن تقديم الدليل المخصّص على العامّ هو صغرى من صغريات قانون أعمّ يأتي الكلام عنه هو قانون تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما. والدليل المخصّص أقوى ظهوراً من الدليل العامّ؛ لأن شمول المخصّص لدائرته بالصراحة والنصوصية تقريباً أو تحقيقاً، وأما شمول العامّ
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لتلك الدائرة فهو بالعموم، ولا شكّ أن النصوصية أقوى من العموم. وهذا التخريج نسب إلى الشيخ الأعظم.
وإذا اقتصرنا على هذا المقدار من البيان ففيه نقطتان من الضعف:
أوّلهما: أنه لا يكون قادراً على تفسير التقدّيم في تمام موارده. فإن الأقوائية؛ بالمعنى الذي يلحظها هذا المخرج وإن كانت موجودة دائماً لكنّها تعارض بأقوائية ثانية بأن يُقال: إن العموم إذا لوحظ مع الخصوص فلا شكّ أنه أضعف، لكن إذا لوحظ مع صيغة (افعل) في الوجوب فقد يكون العموم أضعف منها بناءً على بعض المباني فيها. ولكن مع كلّ ذلك لا يلحظ هذا، بل يلحظ جانب الموضوع دون المحمول.
وإن شئتم قلتم: إن الارتكاز العرفي يطرح من الحساب كلّ الخصوصيات الراجعة إلى المحمول، ويقصر النظر على ظهور الموضوع. مع أنه لو كان تقديم العامّ على الخاصّ من باب أنه أقوى الظهورين لكان اللّازم إدخال تمام هذه الظهورات في الحساب. وحينئذٍ فقد يتّفق أن الظهور المحمولي أقوى فيتقدّم، مع أن هذا غير مطابق للفهم العرفي. ومعه فلا يكون هذا تفسيراً كافياً للظاهرة التي نبحثها.
ثانيهما: أن هذا البيان يعالج أحد السؤالين الأساسيين اللذين كنّا نعالجهما وهو: لماذا يتقدّم الخاصّ على العامّ؟ وأما السؤال الثاني فهو قاصر عن جوابه وهو: أنه لماذا يستعمل العامّ في تمام الباقي؟ ولهذا يستأنف أصحاب هذا الجواب بياناً آخر للجواب على هذا السؤال.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وحاصل ما يقال في المقام: أن التمسّك بالدليل العامّ في تمام الباقي من باب بقاء الدلالة التضمّنية على الحجّية بعد سقوط الدلالة المطابقية. فإن المدلول المطابقي للعامّ هو تمام الأفراد. ومقتضى القاعدة حجّيته فيه، والمفروض عدم بقائه على ذلك وسقوط جزء منه. ولكن لا يجوز لنا أن نرفع اليد عن تمام الأفراد الأخرى التي لم يشملها التخصيص؛ لأن العامّ له دلالات تضمّنية بعدد أفراده، وما يسقط بالتخصيص نرفع اليد عنه، والباقي لا موجب لرفع اليد عنه.
هذا هو المقدار الذي نقل عن الشيخ، وحمل هذا البيان على أنه بلحاظ الدرجة الأولى من الظهور التصديقي، وهي الإرادة الاستعمالية. فكأنّه يريد أن يقول: إن مقتضى ظهور العامّ استعماله في تمام ما وضع له وهو تمام الأفراد، فيكون تمامها داخلاً في المستعمل فيه، فإذا خرج بعض الأفراد بظهور أقوى عن هذه الدائرة فليبق الباقي داخلاً في دائرة المستعمل فيه. وإذا سقطت بعض الدلالات التضمّنية، بقيت الدلالات الأخرى سارية المفعول.
وبناءً عليه اعترض عليه بما هو واضح، حيث إن دخول الدلالة التضمّنية لهذا الفرد في المعنى المستعمل فيه كان باعتبار أن اللّفظ مستعمل في المعنى الموضوع له باعتبار أصالة الحقيقة. فإن الظهور التصديقي من الدرجة الأولى وحداني بسيط، وهذا المعنى الوحداني له اقتضاءات متعدّدة لدخول كلّ فرد، والمفروض أن المخصّص كشف عن بطلان هذا الظهور وأن هذا اللّفظ لم يستعمل في المعنى الموضوع له وهو العموم، فلم تبقَ دلالة تضمّنية بعد ذلك؛ إذ يتعيّن أن يكون العامّ قد استعمل في معنى مجازي، والمجازات كثيرة لا معيّن لأحدها.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ولهذا زحفوا إلى الظهور التصديقي من الدرجة الثانية، كالآخوند وتبعه السيّد الأستاذ. فقالوا: بأن مجيء الدليل المخصّص وتقديمه على العامّ لا يعني بطلان المدلول التصوري ولا الظهور الاستعمالي، إذن فالدلالة التصوّرية من الدرجة الأولى محفوظة بحالها، ولكن لهذا العامّ ظهورات جديّة بعدد قطعات المراد الاستعمالي، وهذه ليست ظهوراً واحداً، وحينئذٍ إذا سقطت بعض هذه الظهورات عن الحجّية فليبقَ البعض الآخر على الحجّية. وبهذا تمّ الجواب على السؤال الثاني مثلاً. وبهذا تداركوا الإشكال الذي كان يرد على ظاهر كلام الشيخ.
والفرق الأساسي بين هذا التخريج والتخريج الذي ذهبنا إليه: هو أنه هنا يفرض أن الكلام في مرحلة المدلول التصوّري بل وحتى في المدلول الاستعمالي لا يزال يدلّ على العموم، غاية الأمر إنه في المدلول الجدي تبعّضت حجّيته. وأما بناءً على ما قلناه فنحن بيّنا أن الكلام ابتداء وبحسب المدلول التصوّري لا يدلّ على العموم، وإنما مدلوله التصوّري النهائي هو العامّ المقتطع منه الخاصّ.
والأثر العملي الذي يظهر ويحسم النزاع بين التخريجين هو ما أشرت إليه في بعض تنبيهات الاستصحاب في استصحاب حكم العامّ بعد انتهاء زمان التخصيص، فقد فصّل الشيخ بين ما إذا كان الزمان مفرداً وبين ما إذا أُخذ ظرفاً. وفسّره السيّد الأستاذ بما إذا كان العامّ استغراقياً أو مجموعياً. وهناك قلنا: إن التخريج الذي يبني عليه الآغايون في حجّية العامّ في الباقي يختصّ بالعمومات الاستغراقية، ولا يشمل العمومات المجموعية، بينما تخريجنا يشملها معاً.
توضيح ذلك: أن العامّ المجموعي عبارة عن حكم واحد متعلّق بالمركّب
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بحيث يكون كلّ فرد جزء مقيّد بباقي الأجزاء على حدّ الوجوب الارتباطي. وأما العامّ الاستغراقي فهو مشتمل على أحكام متعدّدة متعلّقة بكلّ فرد بحيث يكون كلّ فرد موضوعاً مستقلّاً للحكم.
وحينئذٍ فيقال: إذا كانت أداة العموم دالّة على العموم الاستغراقي في مرحلة المدلول التصوّري وانعقد عليه ظهور تصديقي استعمالي. وأما في الظهور التصديقي الثاني فالأصل أن المتكلّم جادّ في استعماله وحيث ثبت أن بعض هذه الظهورات ليس على طبقها جدية، فنقتصر على القطعات الأخرى.
وأما إذا دلّت أداة العموم على العموم المجموعي في مرحلة المدلول التصوّري وعلمنا من المخصّص المتّصل أن أحد هذه الأجزاء لا يتّصف بالوجوب، فمعناه أننا علمنا بعدم وجوب كلّ المراد الاستعمالي؛ لأن مفاده هو وجوب كلّ واحد في ضمن المجموع المركّب، وقد علمنا أن هذا المضمون غير جدي وأن كلّ فرد لا يجب في ضمن الألف، بل هو واجب في ضمن التسعمائة لو وجبت. فهذا يعني أننا علمنا بعدم جدية تمام المراد الاستعمالي. لكنّنا نحتمل أن المتكلّم جادّ في تكليفٍ متعلّق بالتسعمائة لكن ليس عليه مدلول تصوّري ليأتي عليه مدلول تصديقي استعمالي أو جدي.
وهذه المشكلة لا تأتي على تخريجنا فإننا نتصرّف في المدلول التصوّري للكلام من أوّل الأمر، فإن المدلول النهائي له هو العامّ المقتطع منه سواء كان مجموعياً أو استغراقياً.
وإذا ثبت أن التخريج المشهوري لا يفيد في العمومات المجموعية، وتخريجنا يفيد، فإنه تثبت صحّته؛ لأن هذا المطلب المبحوث فيه والمفروغ عنه،
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لا يفرّق فيه بين النحوين للعموم باعترافهم، على نكات وتفاصيل ذكرناها في بحث العامّ والخاصّ.
المحاولة الثالثة: دعوى عنوانية القرينية
المحاولة الثالثة لتخريج هذه الظاهرة التي نبحث في تفسيرها:
هي دعوى عنوان القرينية، فبينما كان التخصيص صغرى من صغريات تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما، ذكروا هنا أنه صغرى من صغريات قانون أعمّ هو تقديم ظهور القرينة على ظهور ذيها(1). وفي هذا لا يفرّق بين ما إذا كان دلالة القرينة على المعنى الذي يخالف ذي القرينة أضعف من دلالة ذيها أو مساوٍ أو أقوى. بل على كلّ حال يكون مقدّماً. وهذه هي نكتة تقديم الخاصّ على العامّ على الإطلاق، فإن القرينة من شأنها التقدّم على كلّ حال.
وكأنهم شعروا أن هذا لا يكفي لإثبات حجّية العامّ في تمام الباقي. فإنه إذا قدّم الخاصّ من باب القرينية، فلماذا يجب العمل بتمام الباقي، ولذا تمسّكوا بالتتميم الذي ذكرناه في المحاولة الثانية.
إلّا أننا يجب أن نفهم معنى القرينية وكون شيء قرينة على شيء آخر. وتوضيح الكلام في ذلك: أن القرينية تتصوّر في المراحل الثلاث: مرحلة المدلول التصوري ومرحلة المدلول التصديقي من الدرجة الأولى ومرحلة المدلول التصديقي من الدرجة الثانية.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
() اختارته مدرسة الميرزا. (المقرر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
[المرحلة الأولى] أما القرينية في المدلول التصوري فمرجعها إلى أن عاملاً يتدخل في الموقف يكون موجباً لتغير المدلول التصوّري وتبدله إلى مدلوله النهائي. فما هو هذا العامل؟ يكون هو أحد أمرين:
الأمر الأوّل: ما شرحناه في تخريجنا تقديم الخاصّ على العامّ، وهو أن يكون هناك حالة سياقية أو ما يشبهها تكون دالّة دلالة لغوية تصورية على صورة ذهنية مزيج من المعنيين التصوّريين. وهذا الدالّ له وضع لغوي كالدوالّ الأخرى، وهو في المقام: أخصّية موضوع إحدى الجملتين من موضوع الأخرى.
العامل الثاني: الألفة الذهنية للمستمع كما هو أحد الوجهين في قرينية المجاز. فإنه حين يقال: رأيت أسداً يرمي. لا إشكال على مستوى المدلول التصوري ان الصورة الذهنية للسامع هي رجل شجاع في يده سهم وقوس. فقد تقول إن هذه الصورة نشأت من الحالة السياقية وقد تقول ان العامل في إيجادها هو الألفة الذهنية للسامع لأن السامع إذا انساق مع الطبع الأوّلي للكلمات لكان لا بُدّ أن يتصور أسداً مفترساً في يده قوس وسهم، وهي صورة غريبة لم يعشها السامع فلا تتبادر إلى ذهنه ويرفضها رفضاً آنيّاً ويُحل محلها الصورة المألوفة للرجل الشجاع. فإن كلمة (أسد) لها مدلولان بحسب حالها الأوّلي: مدلول تصوري ينسبق إلى الذهن -وهو معنى التبادر- وهو المعنى الحقيقي، ومدلول لا ينسبق إلى الذهن إلّا إذا أصبحت الألفة الذهنية حائلا دون المعنى الحقيقي.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومثل هذا الكلام لا ينطبق على العامّ والخاصّ؛ إذ لا يوجد هناك تناقض في الألفة. في أن يتصور السامع صورة الموجبة الكلّية وصورة السالبة الجزئية، فإنه لا تنافي بين السلب والإيجاب بحسب المدلول التصوري وان تنافيا في عالم التصديق. كما إنه في قرائن المجاز يتعيّن العامل الثاني، ومعه لا حاجة إلى الاول.
المرحلة الثانية: القرينية في مرحلة المدلول التصديقي من الدرجة الأولى: بأن نفرض أن شخصاً يفسر كلامه ويقول أردت بكلامي المعنى الفلاني، يعني يأتي بكلام له نظر إلى المدلول الاستعمالي لكلام آخر، كما لو قالوا: (أردت من الأسد الرجل الشجاع). وروح ذلك هو النظر والحكومة.
المرحلة الثالثة: ان يوجد كلام ناظر ومفسر لمرحلة المدلول التصديقي من الدرجة الثانية، كما هو الحال في كلّ موارد الحكومة السابقة. فقوله: لا ربا بين الوالد وولده لا نظر له إلى باب الاستعمال بل إلى باب الأحكام.
وبهذا يتّضح ان القرينية في المدلولين التصديقيين مرجعهما إلى الحكومة، يعني جعل المتكلّم كلامه مسفراً لكلامه الآخر.
وهنا نقول: كيف يكون الخاصّ قرينة على العامّ في قوله: لا يجب إكرام أيّ عالم وإكرام كلّ فقيه. فإننا إذا نظرنا لا نجد المتكلّم قد جعل هذا الكلام مفسّراً لذلك الكلام. حينئذٍ فمعنى القرينية هو أن يُقال: إن هناك تبانٍ نوعي عقلائي على أن يجعل الكلام الأخصّ قرينة على الأعمّ، والأصل في كلّ عاقل أنه يجري على طبق التعهّدات العقلائية؛ فيكون الخاصّ قرينة بكاشف نوعي لا بكاشف شخصي.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهذا هو الذي سبق أن قلناه من أن الحكومة والتخصيص كِلاهما يعود إلى القرينة، لكن الحكومة بجعل شخصي من المتكلّم، وذاك بجعل نوعي. فيرجع باب التخصيص إلى باب القرينية.
هذا هو التحليل الصناعي لهذا الوجه. وهو وجه صحيح لو لم يتمّ ما قلناه من القرينية في المدلول التصوري.
*****
ثُمّ أن هذا الكاشف النوعي المجعول قرينة من قبل العقلاء، وهو الخاصّ، قد يكون قرينة سلباً أو مفسّراً سلبياً بالعامّ، يعنى أن شيئاً مّا كان يحتمل دخوله في المدلول التصديقي للعامّ فيدلّ الخاصّ على أنه غير داخل. وأخرى يكون الخاصّ قرينة سلباً وإيجاباً فيكون قرينة على عدم دخول الخاصّ في دائرة العامّ، ويدلّ على أن الباقي يكون حجّة، فيكون هذا من قبيل الذي له مفهوم وهو مفهوم على مستوى المدلول التصديقي وإن لم يكن هناك أداة للمفهوم على مستوى المدلول التصوري.
فإن كان الخاصّ قرينة سلبية فقط، احتاج إثبات حجّية العامّ في تمام الباقي إلى ظهور آخر، وهو ما أشير إليه من أن سقوط بعض الظهورات لا يلزم منه سقوط الظهورات الأخرى. وإن كان قرينة سلباً وإيجاباً كان هو القرينة على حجّية العامّ في الباقي.
على ضوء هذه المحاولات نحاول أن نفهم هذه العبارة المشهورة في كلماتهم وهي: أن المخصّص المتّصل يمنع عن انعقاد أصل الظهور رأساً من
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
العامّ، وأما المنفصل فيعارض حجّية العامّ لا أصل الظهور. فما هو أصل الظهور الذي يسقطه المخصّص المتّصل على ضوء هذه المحاولات؟ وكلّ صاحب محاولة يجب أن يريد به ما ينسجم مع محاولته.
فبناءً على المحاولة المختارة، وهو وجود دالّ ثالث زائد على العامّ والخاصّ وله صورة ثالثة وبه يتعيّن المدلول النهائي التصوّري، صاحب هذه المحاولة يريد من أصل الظهور: الظهور في مرحلة المدلول التصوّري فيتعلّق الذهن بتلك الصورة الثالثة، وينقطع عن صورة العامّ، وهو معنى سقوط الظهور ابتداءً.
وأما بناءً على المحاولة الأولى في الاتجاه الثاني للميرزا من أن أداة العموم ظهورها اللغوي في طول جريان مقدّمات الحكمة في المدخول، فما يكون مخلّا بالمقدّمات يكون مخلّاً بالظهور العمومي. صاحب هذه المحاولة ينبغي أن يريد من أصل الظهور: الظهور الوضعي التصوّري؛ لأن أداة العموم في عالم المدلول التصوّري تابعة لجريان مقدّمات الحكمة، فإذا تحدّدت المقدّمات تتحدّد أداة العموم بتبعه وهذا واضح.
وأما بناء على المحاولة الثانية وهي دعوى تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما، فماذا يريد صاحب هذه المحاولة من أصل الظهور؟ هنا لا بُدّ من تحقيق كبرى أن أقوى الظهورين يقدّم على ضعفهما. وهنا نقول: بأن هذا الشخص صاحب هذه المحاولة إن أراد بذلك أن مقتضى الظهور التصوّري أقوى من مقتضي الظهور التصوّري للآخر. بأن أوقع التزاحم بين الظهورين التصوّريين وقدّم أحدهما على الآخر. فمعنى ذلك أن الظهور التصوّري لم
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ينعقد وأنه يريد بأصل الظهور: الظهور التصوّري. وأما أن يوقع التزاحم بين اقتضائي الظهورين التصديقيين، فمعناه أنه يسقط الظهور التصديقي، ويكون هو المراد من أصل الظهور.
وأما المحاولة الثالثة وهي القرينية، وقد قلنا: إن القرينية في عالم المدلول التصديقي، ومعه فلا إشكال أنه ليس مراد صاحب هذه المحاولة من أصل الظهور عالم المدلول التصوّري، وإلّا لرجع إلى التخريج الأوّل، بل يريد به الظهور في عالم المدلول التصديقي.
وإن شئتم قلتم: إن القرينة في أيّ عالم تسقط الظهور في ذلك العالم لا فيما قبله، وحيث إن المدّعى هنا هو القرينية في عالم المدلول التصديقي، فالذي يفنى هو الظهور التصديقي لا التصوري(1).
هذا تمام الكلام عن المخصّصات المتّصلة.
الجهة الثانية في الحديث عن المخصّصات المنفصلة: كما لو قال: (لا يجب إكرام أيّ عالم) وقال بعد شهر: (أكرم كلّ فقيه) والمكلّف لا يدري هل هذا تخصيص لذلك العامّ، أو صيغة الأمر محمولة على الاستحباب دون الوجوب.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
() وقال السيد جواباً على سؤال: إنه وإن كان يظهر من الخلط في كلمات الميرزا أن ما سمّيناه بالدرجة الثانية من المدلول التصديقي هو عبارة عن الحجّية، إلّا أنه في الواقع ليس كذلك، وإنما هو ظهور من الظهورات يكون موضوعاً للحجّية في نفسه، فالظهور التصوّري يكون موضوعاً للظهور التصديقي الأوّل، وهذا الظهور يكون موضوعاً للظهور التصديقي الثاني، وهذا الثاني يكون موضوعاً للتنجيز والتعذير. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أولّاً، لا بُدّ أن نرجع إلى تلك المحاولات التي خُرّج بها تقدّم المخصّص المتّصل على العامّ، حتى نرى أنها هل تنطبق على المخصّص المنفصل أو لا. فإن انطبق كلّها فهو، وإن انطبق بعضها دون بعض احتجنا إلى إقامة قرينة على صحّة ما انطبق منها على الموردين.
أما التخريج المختار: وهو أن اجتماع الخاصّ والعامّ يولّد دالّاً لغوياً ثالثاً هو حالة سياقية لها مدلول تصوّري هو عام مقتطع منه، وهو الذي يقرّر المدلول التصوّري النهائي للكلام.
فواضح أن هذا التخريج لا يستطيع تخريج تقديم المخصّص المنفصل؛ لأنه ليس كلاماً واحداً له سياق واحد لكي ينطبق عليه ذلك، فإنه ما دام يوجد كلامان فلا بُدّ له من مدلولين تصوّريين ولا يتصوّر أن يكون لهما سياق واحد.
وأما المحاولة الأولى في الاتّجاه الثاني القائلة بأن أداة العموم موضوعة لتوسعة تمام أفراد ما حدّدته مقدّمات الحكمة في المدخول، إذن فما يخلّ بالمقدّمات يكون رافعاً للدلالة العمومية.
شمول هذه المحاولة للمخصّص المنفصل مبنيّ على بحث في مقدّمات الحكمة، في أنه هل أحدها عدم وجود بيان متّصل، أو مطلق ما يصلح للتقييد سواء كان متّصلاً أو منفصلاً؟ فإن كان الأوّل كما هو الصحيح فتكون المقدّمات تامّة -تكون تامّة في المنفصل-؛ لأنه لا يوجد بيان متّصل. وقوله: (أكرم الفقهاء) وإن كان صالحاً للتقييد إلّا أنه منفصل. فإذا جرت المقدّمات كان ظهور أداة العموم محفوظاً فلا يتمّ هذا التخريج.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وإن قلنا: إن مقدّمات الحكمة تنثلم ببيان التقييد ولو منفصلاً كما عليه جماعة منهم السيّد الأستاذ، فيكون مجيء المخصّص المنفصل، موجباً لانهدام المقدّمات، ومِن ثَمّ انهدام الظهور العمومي.
المحاولة الثانية: القائلة بأن الدليل الخاصّ يقدم من باب تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما. إن كانت تريد أن تقول إن مقتضى الظهورين قد تزاحما ومقتضى التزاحم تقديم الأقوى سواء كان المقصود الظهور التصوّري أو الظهور التصديقي، ومع تقديم الأقوى فالمقتضي الأضعف لا يؤثّر حينئذٍ، ولذا قالوا إن المخصّص يوجب سقوط أصل الظهور. ومن المعلوم أن هذا لا يأتي في المنفصل، فإننا ما لم نضمّ ضميمة أخرى إليه فالظهورات كلّها موجودة ولا يوجد تزاحم بينها.
نعم، لو كان يقول: إن الظهورين كِلاهما فعليين، لكن تقديم الأقوى منهما بحسب عالم الحجّية، فهو تقديم بحسب عالم الحجّية لا بحسب عالم المقتضيات. فهذه المحاولة يمكن تطبيقها على المخصّصات المتّصلة والمنفصلة معاً. إلّا أن صاحب هذه المحاولة لا يقول بذلك، بل يقول بالأوّل، إذن فهذه المحاولة بحدّها لا تشمل المخصّصات المنفصلة.
المحاولة الثالثة: وهي القرينية بمعنى رجع بعد التحليل إلى أن هناك تبانياً نوعياً عقلائياً في أن يؤتى بهذا الكلام كمفسّر لذلك الكلام، وهذا يمكن بيانه بنحو يكون شاملاً للمتّصل والمنفصل معاً؛ لأنه تابع لسعة وضيق هذا التباني من حيث تعلّقه بهما معاً أو اختصاصه بالمتّصل.
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وتفصيل الكلام في المخصّصات المنفصلة: أن الكلام العامّ مع الخاصّ الصادر من شخص واحد يفرض فيه عدم العدول والبداء وتبدّل الرأي، يتصوّر هذا الشخص على أقسام:
أن يكون هذان الكلامان رغم انفصالهما بحسب الحسّ أحدهما متّصلاً بالآخر بحسب اللغة.
توضيح ذلك: أن كلّ شخص ما دام مشغولاً بكلامه فمن حقّه بلا إشكال أن ينصب قرائن تقيّد ظهور كلامه من أيّ مرحلة من مراحل الظهور كانت. وأما إذا كفّ عن الكلام فيستقرّ الظهور ويتحصّل معنىً له على كلّ مستويات الظهور، وهذا الكفّ يُعرف عادة بسكوت المتكلّم وانصرافه عن تعقيب كلامه. وأما إذا سكت ولكنّه لم ينصرف عن كلامه، كما لو ابتلي بسعال، ونحتمل أنه سكت لكنّه لم ينصرف عن كلامه، فلا نقول: إنه كفّ عن كلامه وانعقدت ظهوراته، بل ننتظر متى نرى أنه هل يسكت عن طيب نفس أو لا. فلو انتهى من السعال وألحق بكلامه قيداً، فهذا القيد وإن كان منفصلاً حسّاً إلّا أنه ليس منفصلاً بحسب الظهورات اللغوية. وكذلك لو أصيب بإغماء لمدّة نصف ساعة أو خمس ساعات ثُمّ أضاف إلى كلامه السابق ما شاء.
وإذا توسّعنا أكثر من هذا وفرضنا أنه بدلاً عن الإغماء، صرّح بعادته وقال: إن سكوتي عن الكلام لا يعنى أني كففت عن الكلام، فإني أتكلّم كلاماً
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
واحداً لكنّه متقطّع بحسب ظروفي وملابساتي. فهذا يكون متّصلاً بحسب الفهم اللغوي وإن لم يكن كذلك حسّاً. فإذا كان كذلك فلا إشكال أن مخصّصاته المنفصلة تصبح متّصلة لغة، وتتقدّم على العامّ بنفس الملاك الذي اوجب تقدّم المتّصل بأيّ محاولة من المحاولات السابقة.
أن يفرض أن هذا الشخص لم يقل هكذا، ولم يلغِ أمارية السكوت على انتهاء كلامه -التي هي أمارة عقلائية نوعية- فظهورات كلامه مستقّرة، ولكنّه يخصّص أدلّة الحجّية فينزّل منفصلات كلامه منزلة متّصلاته تنزيلاً تعبّدياً.
وفرق هذا عن القسم السابق: أنه هناك يكون المخصّص المنفصل بقرار المتكلّم متّصلاً حقيقة بحسب اللغة. وأما هنا فيتعبّدنا أنه كالمتّصل على خلاف القرار العقلائي العامّ -مثلاً-. فيكون وارداً أو حاكماً على دليل حجّية الظهور.
وفي مثله أيضاً لا ينبغي الإشكال في أن المخصّصات المنفصلة تقوم على العامّ بلا حاجة إلى استئناف أيّ نكتة وراء المحاولات السابقة؛ لأنه نزّل المنفصل منزلة المتّصل، فيكون أيضاً مبطلاً لحجّية العامّ، إن كان ظهور العامّ محفوظاً في نفسه.
متكلّم أو مشرّع لم ينزّل منفصلاته منزلة المتّصلات حقيقة ولا تعبّداً، وإنما
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
هو سنخ مشرّع تعلم من عادته الاعتماد على المخصّصات المنفصلة وجعلها قرائن على تقييد عموماته، ولكن لم نعلم من عادته أن يقول مثل: (أكرم الفقهاء)، ثُمّ ينصب قرينة على استحبابه عموماً متأخّراً فيقول: لا تكرم أيّ عام. وإنما هو لو أراد أن ينصب مثل هذه القرينة فإنه يقول: (لا يجب إكرام الفقهاء) لا أنه يعتمد على العامّ الفوقاني.
وهذا ينتج أننا نعلم إجمالاً بكذب بعض العمومات المائة بينما لا يوجد علم إجمالي بكذب بعض ظهورات الأدلّة الخاصّة المائة؛ لأننا لم نعلم أصلاً أن الشارع صدرت منه هذه الطريقة من البيان وهو أن ينصب قرينة على الاستحباب بعام فوقاني.
حينئذٍ يقال بصورة بدوية: بأن تلك الظهورات العمومية تسقط عن الحجّية جميعاً باعتبار التعارض؛ لأن حجّيتها غير معقولة وحجّية بعضها ترجيح بلا مرجّح، وأما الأدلّة الخاصّة فلا بأس بجعل الحجّية لها جميعاً. ففي أيّ مورد يجئ صيغة (افعل) بدليل خاصّ، وتكون في مقابل عموم فوقاني، فيقع العموم طرفاً للعلم الإجمالي للكذب بين العمومات، بينما لا تقع صيغة (افعل) تبقى على الحجّية.
القسم الرابع أن تكون كلّ الخصوصيات السابقة غير موجودة، فلا بُدّ أن نرى أنه ماذا تكون الوظيفة في مثل هذين الظهورين المتعارضين؟ وهذا القسم يختلف عن الأقسام السابقة، فإنها لم تكن تحتاج إلى إضافة مؤونة زائدة على
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المخصّص المتّصل الذي ذكرناه. إلّا أن هذا القسم يحتاج إلى مؤونة زائدة، فلا بُدّ من استئناف بيان زائد على النكات السابقة في مقام توجيه تقديم ظهور صيغة (افعل) على عموم العامّ.
وبيان ذلك: هو أن الأصل العقلائي في كلّ متكلّم هو أن لا يؤجّل تمام القرائن الدخيلة في بيان المطلب، وأن يذكرها عقيب المطلب. وهذا ينحلّ إلى ظهورين:
الأوّل: أن المتكلّم بمقتضى الطبع لا بُدّ أن يذكر ما يوضّح مراده متّصلاً لا منفصلاً.
الثاني: أن طبع المتكلّم يقتضي أن يوضّح مراده بما يكون قرينةً عليه، لا ما يكون موجباً للإيهام والإجمال. فمثلاً لو كان يريد بالعلماء العلماء العدول. فلو قال: (أكرم العلماء) وسكت، فهذا على خلاف الأصل؛ لأنه لم يوضّح مراده الواقعي. فلو قال: (أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق)، فأيضاً هذا على خلاف الأصل؛ لأن النسبة بين العلماء والفسّاق هو العموم من وجه، فلا يتقدّم أحدهما على الآخر، بل يبقى الكلام مجملاً. وإنما وجه المطلب أن يقول: (أكرم العلماء العدول). وهذا مرادنا بأنه ينصب قرينة على توضيح مراده متّصلاً بكلامه.
فالمتكلّم الذي قال: (لا يجب إكرام أي عالم وأكرم كلّ فقيه) وهو غير غافل ولم يحصل له البداء. إذن فهذا الشخص ارتكب شيئاً على خلاف الأصل العقلائي؛ لأنه أجّل بيان مراده سواء كان مراده العموم أو الخصوص. فإنه إن
ــــــــــ[73]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
كان مراده الخصوص فقد أجّله عن العامّ، وإن كان مراده الاستحباب إذن فقد أجّل بيانه إلى حين بيان العامّ. لكن لو فرض أن مراده كان هو الخاصّ ولكنّه قال: (لا يجب إكرام أيّ عالم) ومراده فيه غير الفقيه وأوضحه بعد ذلك، إذن لم يرتكب إلّا محذور(1) واحد وهو تأجيل ما من حقّه التقديم، بحيث لو ضمّ العبارة الثانية إلى الأولى لم يكن عليه إشكال ولوضح مقصوده.
وأما لو عكس المطلب، فكان مراده العموم حقيقةً، وأنه حين قال: (أكرم كلّ فقيه) أراد الاستحباب لا الوجوب، لكنّه أجّله إلى حين صدور العامّ، يكون قد ارتكب محذورين عقلائيين أحدهما التأجّيل. وهناك محذور آخر بدليل أنه لو ضمّ العامّ المتأخّر إلى الخاصّ، وارتفع التأجّيل لم يكن ذلك موضحاً لمقصوده عرفاً حتى لو كان متّصلاً.
فالأمر دائر بحسب الحقيقة في عالم المحذور العقلائي بين الأقلّ والأكثر؛ لأن محذور التأجّيل موجود على كلّ حال، والمحذور الثاني على خلاف الأصل وتشكّ أن المتكلّم ارتكبه، فيتعيّن أن يكون مراده الخاصّ، وأن يكون الخاصّ قرينة على العامّ.
وهذا هو التحليل الفنّي للقاعدة الميرزائية التي ذكرها بعنوان الرواية وهي: أن كلّ ما يكون على فرض اتّصاله مسقطاً للظهور، يكون على فرض انفصاله مسقطاً للحجّية ومقدّماً في مقام التعارض. فإنه كلّما دار الأمر في كلامين منفصلين في أن هذا قرينة على هذا أو العكس، وكانا لو اجتمعا لكان
ــــــــــ[74]ــــــــــ
() سواء كان العامّ قرينة على الخاصّ أو الخاصّ على العامّ. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
هذا قرينة على ذلك دون العكس، فالأمر دائر بين الأقلّ والأكثر في باب المؤونة، فيتعيّن ما يكون في فرض اتّصاله قرينة(1).
ــــــــــ[76]ــــــــــ
() أقول: ذكر السيّد بعد البحث: أنه يوجد على القسم الثالث إشكال لا بُدّ من ذكره مع جوابه.
وحاصل الإشكال: أن كلّ عام من العمومات يشار إليه فيقال: هذا العامّ سوف يكون طرفاً للمعارضة مع العمومات الأخرى، فإنه يدلّ بالالتزام على أن الكاذب غيره لا هو، وله معارض آخر وهو الخاصّ الدالّ على الوجوب، فلهذا العامّ معارضان. وحينئذٍ، فإذا لم يثبت بملاك آخر أن ظهور (أفعل) اقوى وبقينا نحن وقوانين العلم الإجمالي مقتضى القاعدة هو التساقط.
وجوابه: أنه في مثل هذا المورد يوجد تعارض بين طائفتين:
الأولى: مائة خاصّ يقول: (افعل).
والثانية: مائة عام أو (كلّ). لكن تمتاز إحداهما؛ لأن الطائفة الأولى لا يوجد بينها تعارض، لكن الطائفة الثانية بعضها يكذّب بعضها. فالخواص منسجمون فيما بينهم والعمومات متكاذبة، فتكون كالبشر تتقدّم الطائفة المنسجمة على الطائفة المتكاذبة.
والوجه في ذلك: أن ملاك التعارض هو الترجيح بلا مرجّح. فلو كانت نسبة أحدهما إلى الآخر على حدّ واحد لتساقطا. وأما إذا كانت نسبة أحدهما تختلف بمعنى أن أحد المتعارضين لو أمكن ترجيحه بلا مرجّح فإنه لا يبقى محذور على إعماله. لكن الآخر لو أمكن فيه ذلك فإنه يبقى ترجيح بلا مرجّح. فلا يكون برهان الاستحالة على حدّ واحد، فالأول هو الذي يتعيّن للسقوط والآخر يبقى على الحجّية.
وفي المقام كذلك: فإنه لو كان في المخصّص مرجّح على العامّ لم يكن هناك أيّ محذور في تقدّم كلّ الخواصّ على عموماتها. وأما لو فرض أنه أمكن ترجيح هذا العموم على ظهور (أكرم). مع هذا لا يمكن إعمام هذا الممكن؛ لأنه يبتلى أيضاً بترجيح بلا مرجّح آخر وهو التعارض بين نفس العمومات، فإنه لا يمكن أن نلتزم بتقدّم كلّ العمومات على الخصوصات، إذ تبتلى بالتعارض في ما بينها، ولا بعضها دون بعض لعدم إمكان الترجيح بينهما.
وهنا قيل للسيد: إن نفس هذا التقريب يأتي لو كان عندنا عامّان وخاصّ مخصّص لأحدهما. فإنه أيضاً يقال: لو قدّمنا العامّ الذي لا مخصّص له للزم ترجيح بلا مرجّح واحد، وهو ترجّحه على العامّ الآخر، وأما لو قدّمنا العامّ الآخر للزم ترجيحين بلا مرجّح وهو ترجيحه على العامّ الآخر وترجيحه على الخاصّ. فيتعيّن تقدّم العامّ غير المخصّص على العامّ والخاصّ.
وقد تحصّل من كلام السيّد في جوابه: أن هذا وإن كان صحيحاً في الصورة المذكورة في السؤال وهو ما إذا كان المخصّص واحداً. وأما إذا كان المخصّص متعدّداً فلا يتمّ؛ لأن تقديم كِلا العامّين أو الأكثر يكون ترجيحاً بلا مرجّح مرّتين، بخلاف الخواصّ. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فهل هذا خارج عن موضوع المسألة أو لا؟ هنا أيضاً يقع الكلام في المتّصل وأخرى في المنفصل. والبحث في المتّصل ليس واقعياً وإنما هو تخريجي، وإلّا فلا إشكال في تقديمه عرفاً.
وخلاصة ما ينبغي أن يقال في هذا الباب: إن الظاهر والأظهر المتّصلين، تارةً يكون أحدهما أقوى من الآخر في المدلول التصوّري كظهور (أسد) في الحيوان المفترس، وظهور (الرمي) بالرمي بالسهم. وأخرى أقوى في المدلول
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التصديقي، كما لو كان المدلول التصوّري للكلام تامّاً في نفسه، لكن لو أراد الظاهر للزم التهافت في عالم الإرادة. وبتعبير آخر: إن السامع تارةً لا يتحمل الجمع بين المدلولين تصوّراً فضلاً عن التصديق. وأخرى نفرض أنه لا يتحمل الجمع بينهما تصديقاً.
فإن كان ذلك في عالم التصوّر، فهو تنافٍ بين دلالتين تصوّريتين كما هو الحال في سائر قرائن المجاز التي تقدّم الكلام عنها، فإنه كلّ لفظ يخلق الصورة على طبقه، وهذا أمر تكويني وليس أمراً تشريعياً، وإنما يرجع إلى باب الأسباب والمسبّبات، فإن هذا الكلام يكون بقوانين الاشتراط والتنبيه سبباً لأن يقذف في ذهن السامع صورتين غير ملتئمتين، فأيّهما يكون الأقدم تاريخاً والأرسخ في الذهن يكون هو الأقوى تأثيراً وسببيّةً، فيدخل في باب تزاحم الأسباب، ويتقدّم الأقوى بلا حاجة إلى أيّ عناية زائدة.
وأما التزاحم في عالم الظهور التصديقي، فلا إشكال أن الظهور التصديقي الأقوى يكون هو المقدّم. وهذه العبارة لها معنيان:
المعنى الأوّل: أن أقوائية ظهور تصديقي من ظهور تصديقي، معناها بحسب النتيجة أقوائية مدلول تصوّري من مدلول تصوّري. فإنه كما أن الأصل في كلّ متكلّم يطلق كلاماً فيه مدلول تصوّري أنه يريد هذا المدلول. كذلك كلّما كان المدلول التصوّري أقوى يكون ظهور حاله السياقي في أنه يريد ذلك المعنى آكد. فكلّما ازدادت درجة الظهور التصوّري ازدادت درجة الظهور التصديقي الاستعمالي، ولا معنى لأن يفرض أن الدلالة التصديقية بنفسها
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
تكون أقوى، بل ملاكها هو قوّة الظهور التصوّري.
وحينئذٍ فمن الواضح أن العامّين من وجه إذا كان أحدهما بالإطلاق والآخر بالعموم، وكان أحدهما أقوى ظهوراً، فالدلالة التصديقية للعامّ تكون أقوى من الدلالة التصديقية للإطلاق، فيقدّم العامّ على المطلق، ويكون الظهور الفعلي على طبقه.
المعنى الثاني: هو أن نلتزم في هذه الموارد جميعاً بما التزمنا به في العامّ والخاصّ، من وجود دالّ ثالث في الدلالة التصورية، يحدّد دائماً المدلول النهائي للكلام على طِبق مدلول الظاهر. وهذا أيضاً معقول، لكنّه محتاج إلى عنايات وتدقيقات لا مجال للخوض فيها(1). هذا في المتّصل.
وأما المنفصل فليس فيه نكتة زائدة على ما عرفناه في المخصّصات المنفصلة، فإنه بعد أن ثبت أن الأظهر المتّصل قرينة فيقال في المنفصل: هل الأظهر قرينة على الظاهر، أو العكس؟ وفي قرينية الأظهر مؤونة واحدة وفي عكسه مؤونتان، فيتعيّن أن يكون الأظهر قرينة بنفس التقريب السابق.
هذا تمام الكلام في المقدمة الرابعة.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
() ومن نكاته أنه لا يمكن أن يفرض أن اللّفظ موضوع للحالة السياقية للاقتران بين الأظهر والظاهر؛ لأنه بالوجدان لا يخطر على بالنا عنوان الأظهر والظاهر. فلو فرض وضع من هذا القبيل فلا بُدّ أن يكون لواقع الأظهر والظاهر، وحيث إن واقعهما يختلف باختلاف اللّفظ والمعنى والمتكلّم، وليس محدّداً كالعامّ والخاصّ، فلا بُدّ من الالتزام إما بأوضاع متعدّدة أو بالوضع العامّ، والموضوع له الخاصّ يعنى استحضار مفاهيم تكون طريقاً إلى الوضع. (منه). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
تمّ الكلام في تقدّم الدليل الوارد على المورود، والحاكم على المحكوم، والخاصّ على العامّ، والأظهر على الظاهر. وثبت أن هذه الموارد خارجة عن مسألة تأسيس الأصل عند التعارض بين الدليلين، وأن التقدّم يتعيّن للدليل الوارد والحاكم والخاصّ والأظهر. بقي بعد هذه المقدّمات الأربع تنبيهان:
إن ما تقدّم من الكلام في هذه المقدّمات الأربع، كان في ملاحظة النسبة بين الخطابين. فما هي النسبة بين الدليل المتقدّم أو الأفضل وبين دليل حجّية المفضول؟ بحث تعرّضوا له في كلماتهم.
ومختصر الكلام في ذلك: أنه بعد فرض تعيّن التقدّم وتبرهنه للحاكم والوارد والخاصّ والأظهر، فالخطاب المتقدّم تارةً يفرض كونه مخلّاً بأصل الظهور في الدليل المفضول، كما في الدليل الوارد متّصلاً كان أو منفصلاً، وفي الخاصّ والحاكم والأظهر بالنسبة إلى الآخر لو كانت متّصلة. فإنه لا أقلّ من أنه يزيل الظهور التصديقي في جانب مفضوله، ففي مثل ذلك تكون نسبة الخطاب الأفضل إلى دليل حجّية الخطاب المفضول هو نسبة المورود، يعنى أن الخطاب الأفضل وارد على دليل حجّية الظهور في الدليل المفضول؛ لأن دليل حجّيته فرع تمامية الظهور، والمفروض أنه يفني أصل الظهور. وأما إذا لم يكن الدليل الأفضل مفنياً لأصل ظهور الدليل المفضول لكنّه استحقّ التقدّم عليه بالتخريجات المتقدّمة كما هو الحال في الحاكم والخاصّ والأظهر المنفصلة، فإنه
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يستحقّ التقدّم مع استقرار الظهور في المفضول. فما هي نسبة هذا الخطاب الأفضل إلى دليل حجّية الظهور المفضول!
هنا بحث فيما بينهم وهو مجرّد بحث اصطلاحي وعلمي بحث بأن هذا التقدّم بالورود أو بالحكومة. والصحيح هو الورود؛ لأن معنى الالتزام في البحث السابق بتقديم الخطاب الأفضل المنفصل على المفضول معناه: أن موضوع دليل حجّية الظهور بحسب السيرة العقلائية أُخذ في موضوعه جزءان: ظهور وعدم قيام حاكم أو مخصّص أو أظهر منفصل. فهذا الدليل يكون مفنياً للجزء الثاني، ولو كان متّصلاً يذهب بالجزء الأوّل.
خلافاً لمدرسة المحقّق النائيني حيث يظهر من بعض كلماتها أن التقدّم بالحكومة لا بالورود.
بدعوى: أن موضوع دليل حجّية الظهور مركّب من جزأين: أحدهما: الظهور والثاني: عدم العلم بالخلاف. والأوّل ثابت بالوجدان أن والثاني وإن كان ثابتاً وجداناً إلّا أن دليل حجّية الحاكم أو المخصّص أو الأظهر يوجب التعبّد بالعلم بالخلاف، فيكون بابه باب الحكومة؛ لأنه يزيل جزء الموضوع لدليل حجّية الظهور بالتعبّد لا بالوجدان.
غير صحيح لِما بُيّن في بحث الحكومة من أن الحكومة الواقعية تختصّ بالأدلّة اللفظية ولا تجري في الأدلّة اللُبّية، فلو كان دليل حجّية الظهور للدليل المرجوح لفظياً لأمكن تصوير الحكومة بالنحو الذي ذكرته مدرسة الميرزا
-مثلاً-. ولكن دليل حجّية الظهور لُبّي وهو لا يتصوّر فيه الشرح والتفسير؛ لأنه لا بُدّ أن يفرض كونه مأخوذاً بنحو لا يلزم التهافت بينه وبين ما يقدّم
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
عليه، ومعناه: أنه أُخذ في موضوعه عدم وجود حاكم أو مخصّص أو أظهر.
فإذا وجد ذلك يكون وارداً حقيقة، ولولا ذلك لو لم يؤخذ عدم الأظهر أو نحوه، بل أُخذ فيه عدم العلم، فهذا ليس علماً وجداناً، فيقع التهافت بين السيرة الدالّة على حجّية العموم وبين السيرة على ظهور صيغة (افعل) في الوجوب.
وعلى أيّ حال، فالبحث نظري ولا إشكال في تقدّم الخطاب الأفضل على المفضول.
وبما ذكرناه اتّضح أكثر فأكثر ما أشرنا إليه في أوّل مسألة التعادل والتراجيح بأن ما تشعّ به بعض كلمات مدرسة النائيني في تفسير تقدّم الخاصّ على العام، بأن الخاصّ حاكم على دليل حجّية العموم أو أصالة العموم في غير محلّه؛ لأنه ظهر مما ذكرناه أن حكومة أو ورود الخاصّ على أصالة الظهور في العامّ إنما هو بعد الفراغ عن التقديم، فالورود أو الحكومة صياغات فنّية فرغ فيها عن التقديم، لا أنها ملاك التقديم.
نحن حتى الآن كنّا نفترض خطابين صادرين عن الإمام ، وتحدّثنا عن نسبة الخطابين إلى بعضهما ونسبة الأظهر إلى دليل حجّية المفضول. الآن نفترض أن الخطاب الخاصّ الذي ثبت أنه يستحقّ التقدّم على العامّ لو كان ثابتاً بسند ظنّي معتبر، وافرضوا -لأجل تعقيد المطلب- أن سند العامّ يكون قطعياً.
فهنا يوجد عندنا نسبتان جديدتان:
الأولى: نسبة دليل حجّية هذا الخطاب الخاصّ -يعنى: دليل حجّية سنده- إلى ظهور العامّ.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والثانية: نسبة دليل التعبّد بالخاصّ إلى دليل حجّية ظهور العامّ.
فيقع الكلام في أمرين بهذا الاعتبار:
وهنا لا بُدّ أن نرى مدلول هذين الأمرين: أما دليل التعبّد بالسند فيقول: قد صدر من الإمام كلام يقول: (أكرم كلّ فقيه)؛ لأن الثقة أخبر بذلك وهو حجّة تعبّداً ووثاقته أمارة على صدقه. ويوجد في مقابل وثاقته أمارة تدلّ على عدم صدور الخاصّ عن الإمام، وهي نفس ظهور العامّ في عدم التخصيص وهو ظهور عقلائي راجع إلى ظهور العامّ في العموم، فالعامّ بنفسه ينفي التخصيص، وكنّا نظنّ ظنّاً نوعياً على الأقلّ أنه سوف لن يصدر الخاصّ. فالخطاب الخاصّ أصبح مورداً لأمارتين نوعيتين متعارضتين. فلا بُدّ أن نرى هل كِلا الأمارتين لهما دليل حجّية ليقع التعارض بين دليليهما ويتساقطان؟ وأما لو كان أحدهما حجّة دون الآخر، فيصير من باب تعارض الحجّة واللاحجّة، وحينئذٍ يقال: بأن الصحيح هو أن الأمارة النوعية على صدور الخاصّ لها دليل حجّية، وأما الأمارة التي تقول لم يصدر الخاصّ فليس لها حجية.
ويمكن أن يقرب ذلك بأحد تقريبين:
أن يقال منطلقاً من افتراض أن دليل حجّية خبر الواحد هو السيرة العقلائية، ودليل حجّية الظهور العمومي هو السيرة العقلائية أيضاً -ونقصد
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بها الأعمّ من سيرة المتشرعة-. فإذا كانت السيرة دليلاً لكلٍّ منهما فلا ينبغي الإشكال في أمثال المقام في أن السيرة العقلائية بل والسيرة المتشرّعية منعقدة على حجّية الأمارة المثبتة لصدور الخاصّ، وغير منعقدة على العمل بالأمارة النافية لصدوره. فإنها منعقدة على حجّية خبر الواحد بنحو يخصّص العامّ ويكون قرينة عليه، والمعاملة مع ما ينقله الثقة معاملة المخصّص للعموم جزماً، وما يترتّب عليه من قرينية وهدم للظهورات الفوقانية. على أنه ليس هناك سيرة على العمل بالظهور العمومي في مقابل الخاصّ.
وأوضح من ذلك السيرة للمتشرعة من أصحاب الأئمة، وهي من عمدة دليل حجّية خبر الواحد، ولا ينبغي الشكّ أنهم كانوا يعتمدون على أخبار الثقات ويعملون بها، ليس فقط فيما إذا لم يكن في مقابلها عامّ، بل كانوا يعاملونها معاملة الأدلّة المقطوعة، ويجعلونها قرائن يقدّمونها على الظهورات الفوقانية.
إن السيرة العقلائية لو فرض أنها مجملة، وليس لها حدود واضحة ارتكازية، نجزم على أساسها بهذا المطلب، بل كان بعض العقلاء يقدّمون الخاصّ على العامّ وكان بعضهم يقدّم العامّ على الخاصّ. حينئذٍ نقول: نتمسّك بإطلاق الدليل اللفظي الذي يدلّ على حجّية خبر الواحد، فإن دليل حجّيته لا ينحصر بالسيرة بل هناك دليل لفظي عليه، بينما حجّية الظهور ينحصر دليلها بالسيرة. فإذا وقعت السيرة مجملة فلا يمكن أن يثبت لها حجّية الظهور، وأما الدليل الخاصّ فدليل حجّيته لفظي نتمسّك بإطلاقه اللفظي، وليس للعقلاء
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ارتكاز ضدّه. غايته أن لهم مسلكين، فليكن مسلك الشارع من المسلك الذي يقدّم الخاصّ على العامّ.
وعلى أيّ حال، فيكون لأحدهما دليله فيكون حجّة، والآخر لم يثبت له دليل حجّية، فنأخذ بأحدهما دون الآخر.
دليل حجّية العامّ موضوعه مركّب من جزأين:
أحدهما: صدور عامّ.
ثانيهما: عدم صدور مخصّص ولو منفصلاً.
وصدور الخطاب العامّ قطعي على الفرض. وأما الجزء الثاني فهو أمر مشكوك فيه ويكون دليل التعبّد محرزاً لنفيه بمعنى كونه محرزاً لصدور الخطاب الخاصّ، فيكون التعبّد بالسند حاكماً حكومة ظاهرية على دليل حجّية العامّ، بمعنى أنه يتعرّض لإثبات أجزاء موضوعه حاله في ذلك حال دليل حجّية البيّنة الدالّة على أن الثوب غسل بالماء الطاهر على دليل (كلّ ثوب غسل بالماء الطاهر فهو طاهر)، وهي حكومة في مرحلة الإثبات لا الثبوت. فإن الفرق بين الحكومتين الواقعية والظاهرية: أن الحاكم الواقعي رافع لموضوع دليل المحكوم، وأما الحاكم الظاهري فهي الحجج والأمارات التي تكون محرزة لوجود الموضوع عند الشكّ في ذلك.
وبهذا تمّ التنبيه الثاني بعد المقدّمات الأربع.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إذا تعارض فردان من دليل الحجّية، ولم يكن عندنا أدلّة خاصّة وبقينا نحن ودليل الحجّية، فما هو مقتضى القاعدة المستفادة من دليل الحجية؟ وهنا نواجه دليلين من أدلّة الحجّية، هما: دليل حجّية الظهور، ودليل حجّية الصدور، يعني: دليل حجّية الدلالة، ودليل حجية السند. فمتى تكون مواجهتنا مع هذا الدليل، ومتى تكون مواجهتنا مع ذاك الدليل. حتى يكون التعارض تعارضاً في داخل دائرة دليل حجّية الظهور، أو تعارضاً في داخل دائرة دليل حجّية السند؟ فلا بُدّ أن نفحص كُلّاً منها على حدة؛ إذ لعلّ في أحدهما نكتة تختلف عن الآخر.
من الواضح أن الدليلين المتعارضين لهما ثلاث صور: فإنهما إما أن يكونا قطعيين سنداً ظنّيين دلالة، وإما بالعكس، وإما ظنّيين من الجهتين. أما القطعيان سنداً ودلالة فلا يفرض تعارضهما.
فإن كانا قطعيي السند ظنّيي الدلالة ولم يكن بينهما جمع عرفي ليستحقّ أحدهما التقديم بأحد الوجوه السابقة، فلا شكّ ولا ريب في أننا نواجه تعارضاً في دليل حجّية الظهور لا في دليل حجّية السند. وحيث يفرض أن الظهورين متكافئان لا أولوية لأحدهما على الآخر، فما هو مقتضى القاعدة هل هو التساقط، أو التأويل بمعنى ما يقال: بأن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح؟
وإن كانا قطعيي الدلالة ظنّيي السند، فهنا نواجه المعارضة في إطار دليل
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التعبّد بالسند محضاً، ولا شغل لنا بدليل حجّية الظهور. فما هو مقتضى القاعدة عند تعارض السندين؟ هل هو التخيير أو التساقط أو الترجيح؟
وأما إذا كانا ظنّيين سنداً ودلالة، فكانا منقولين بخبر الواحد، وكانا بالظهور، وكان ظهوراهما متكافئين. فهنا نحتاج إلى كِلا الدليلين: دليل حجّية السند ودليل حجّية الظهور.
وهنا قد يُقال: إن التعارض في هذه الصورة إنما هو في فلك دليل حجّية الظهور لا في فلك دليل حجّية السند. إلّا في صورة واحدة وهو ما إذا علم إجمالاً أن أحد الراويين كاذب فيحصل التعارض بينهما؛ لأن كُلّاً منهما يكون مكذّباً للآخر بالدلالة الإلتزامية. وأما في غيرها من الصور فلا تعارض في السند، وإنما المانع في الجمع بين الظهورين، فيكون التعارض في فلك دليل حجّية الظهور، فتكون ملحقة في الصورة الأولى.
ويمكن الجواب عليها بعدة تقريبات بحيث يثبت أن التعارض هو في فلك دليل التعبّد بالسند، وليس فقط في دليل التعبّد بالظهور.
هو ما ذكره المحقّق الخراساني -وإن لم يذكره بهذا العنوان-، من أن التعارض أوّلاً وبالذات وإن كان بين الظهورين، فنحن نواجه تعارضاً بين فردين من دليل حجّية الظهور، وإذا لم يمكن العمل بكِلا الظهورين تعارضا وتساقطا. إلّا أنه بعد التساقط يسري التعارض إلى السندين؛ لأن التعبّد بسند
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
قد سقط ظهوره عن الحجّية لغو وغير مفيد.
هذا هو ظاهر العبارة. وهو جوابه واضح فإن هذا التقريب لم يستطع أن يتصوّر تعارضاً في فلك دليل حجّية السند، بل فرض هذا التعارض بعد تساقط الظهورين. ومن المعلوم أنه بعد تساقط الظهورين لا يكون كِلا السندين حجّة. فإن من شروط حجّية كلّ واحد منهما أن يكون واجداً للأثر العملي، وهذا الأثر لا يكون موجوداً بعد التساقط. فيكون السند في كلّ منهما ساقطاً وخارجاً تخصّصاً عن دليل التعبّد بالسند؛ لأن دليل التعبّد بالسند مشروط عقلاً بتمامية التعبّد بالدلالة؛ إذ بدونها يكون التعبّد به لغواً، فإذا تساقطت الدلالتان، يخرج كِلا السندين تخصّصاً عن دليل التعبّد بالسند؛ لأن كُلّاً منهما قد فقد شرطه. إذن فلم ننتهِ إلى التعارض بينهما.
هذا الجواب يمكن أن يناقش، فيقال –دفاعاً عن الآخوند-: إن هذا الجواب مبنيّ على زعم أن التعبّد بالسند مشروط بتمامية التعبّد بالدلالة، فلو زال التعبّد بها ولو بالتعارض يكون التعبّد بالسند بلا موضوع. ونحن لا نسلّم ذلك، بل هو أمر غير معقول؛ لأنه لماذا يؤخذ تمامية التعبّد بالدلالة شرطاً في التعبّد في السند؟ يقال: لأجل اللغوية. فيقال: إن هذه اللغوية أيضاً تستوجب أن يؤخذ في موضوع التعبّد بالدلالة تمامية التعبّد بالسند؛ لأنه بدون التعبّد بالسند يكون التعبّد بالدلالة لغواً. وهذا يلزم منه الدور؛ لأن كُلّاً منهما أُخذ شرطاً في الآخر، إذن لم يؤخذ أيٌّ منهما في موضوع الآخر، إذن فدليل التعبّد بالسند لم يؤخذ فيه تمامية التعبّد بالدلالة، حتى يكون سقوط
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الدلالتين مؤدّياً إلى خروج التعبّد بالسند تخصّصاً عن دليل حجّيته. بل يؤول الحال بهما إلى التعارض.
وجواب ذلك واضح: وذلك لأنه بالإمكان أن يُقال: إنه يؤخذ في كلّ منهما التعبّد لكن من غير ناحيته، أي: يؤخذ في كلّ منهما أن يكون التعبّد بالآخر تامّاً من سائر الجهات لولا هذا ومن غير ناحيته. ومعه فيستفحل الإشكال على عبارة (الكفاية)، فإن التعبّد بالسند أُخذ في موضوعه تمامية التعبّد بالدلالة، فيكون خروجهما تخصصياً لا من باب التعارض.
إننا سلّمنا أن التعبّد بالسند يكون مقيّداً بتمامية التعبّد بالدلالة، إلّا أن هذا التعبّد ليس لفظياً بل عقلياً؛ لأن العقل يحكم باستحالة التعبّد بالسند عند عدم التعبّد بالدلالة للزوم اللغوية ودلالة الاقتضاء. والقيود اللُّبّية العقلية يمكن إثباتها بنفس إطلاق الخطاب، فإنه يكون كاشفاً عن وجدانه لقيوده. وهذا مطلب مبنيّ على بحث ذكرناه في بحث التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، وهو أن العامّ أو المطلق إذا كان مقيّداً بدليل لُبّي وشكّ في أن القيد موجود أو لا، وكان القيد سنخ قيد يرجع إحرازه إلى المولى لا إلينا فيمكن التمسّك بنفس العموم لإثبات هذا القيد؛ ولذا فصّلنا هناك في القيود بين ما يكون راجعاً إحرازه إلى المولى وما لا يكون. وفي أمثال المقام يرجع القيد تشخيصه إلى المولى؛ لأن الحكم حكمه والجعل جعله، فيتمسّك بإطلاق نفس دليل الحجّية للتعبّد بالسند لإثبات التعبّد بالدلالة، فيحصل التعارض بين إطلاق دليل الحجّية لهذا السند وإطلاقه للآخر.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
توضيح هذا الإشكال(1): أن التعبّد بالصدور أو السند له تصويران:
التصوير الأوّل: أن يفرض أن تمامية التعبّد بالسند مشروط بتمامية التعبّد بالدلالة، ببرهان اللغوية، كما أن العكس يكون لغواً، فيكون التعبّد بكِلا الأمرين مشروطاً بتمامية التعبّد بالآخر على وجه لا يلزم منه الدور كما سبق بالأمس.
إذا انطلقنا بالإشكال من هذا التصوّر فيقال: إن التعبّد بالسند في كِلا الخبرين مشروط بتمامية التعبّد بالدلالة في ذلك الخبر، ففي المرتبة السابقة حين التعارض بين الظهورين في فلك دليل حجّية الظهور فيتساقطان. ويكون التعبّد بالسند في كلٍّ منهما خارجاً تخصّصاً عن دليل الحجّية لفقدان شرطه اللُبّي، من دون أن تنتهي النوبة إلى التعارض بينهما، فلا يتعارض السندان بل يصير التعارض في الدلالة منشأ للتخصّص في دليل حجّية السند.
إذا انطلقنا من هذا المنطلق، فالجواب عليه ما ذكرناه بالأمس من أننا لو سلّمنا أن دليل التعبّد بالسند أُخذ في موضوعه تمامية التعبّد بالدلالة، وفرضنا وقوع التعارض بين حجّية الظهور، فهو لا يوجب سريان التعارض إلى دليل حجّية السند، لأن القيد الذي أُخذ في السند أُخذ بمخصّص لُبّي وهو سنخ قيد يمكن للمولى إحرازه، فيتمسّك بنفس إطلاق الخطاب لإحراز القيد، فنفس
ــــــــــ[89]ــــــــــ
() أعاد السيد بعض ما كان قاله، وقال فيما قال: توضيح هذا الإشكال:… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
دليل التعبّد بالسند يكون دالّاً على أن قيده أيضاً تامّ، كما لو قال المولى: (يجب عليك الحجّ)، أو كنت أعلم من الخارج أن الحجّ لا يكون واجباً إذا وجد له مزاحم أهمّ. فيمكن التمسّك بإطلاق هذا الخطاب لنفي وجود مزاحم أهمّ.
وأما إذا انطلقنا في الشبهة من منطلق آخر لدليل التعبّد بالسند، وهو أننا نقول: إن التعبّد بالسند لم يؤخذ في موضوعه تمامية التعبّد بالدلالة لكن تمامية التعبّد بالدلالة، أي دليل حجّية الظهور أُخذ في موضوعه تمامية التعبّد بالسند، ببيان: أن دليل حجّية الظهور موضوعه ليس هو كلّ ظهور -وإن كان صادراً من الكذّابين-، وإنما هو الظهور الصادر من المولى، ويقول: إذا كان الظهور صادراً من المولى فهو حجّة. وشرط هذه القضية تارةً يحرز وجداناً وأخرى بدليل التعبّد بالسند والصدور؛ فيكون دليل التعبّد بالصدور محرزاً لموضوع حجّية الظهور، ففي الروايتين المتعارضتين هذا الظهور إذا كان صادراً من المولى فهو حجّة، أما أنه صادر أو لا، فليس هذا من وظيفة دليل حجّية الظهور، وإنما يحرزه دليل التعبّد بالسند. وكذلك الحال في الظهور في الطرف الآخر.
فلو بقينا نحن ودليل حجّية الظهور فلا تعارض أصلاً؛ لأن مفاده قضيّتان مشروطتان لا أثر لهما بالفعل، ما لم يحرز شرطهما معاً، كما أنه لا تعارض في دليل التعبّد بالسند لو قطع النظر عن التعبّد بالظهور، وإنما ينشأ التعارض من ضمّ أحد الدليلين إلى الآخر. ومعنى ذلك: أن الأثر العملي هنا يتحصّل من ضمّ مفاد دليل حجّية الظهور إلى دليل حجّية السند، يعنى ضمّ القضية الشرطية
-مفاد حجّية الظهور- إلى القضية التنجيزية -مفاد حجّية السند-. فهذان الدليلان بضمّهما ينتجان أثراً عملياً هنا وأثراً عملياً هناك.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومعه فمجموع هذين الدليلين هنا يعارض مجموع الدليلين هناك. إلّا أن مجموع هذين الدليلين يدلّ على أن ذلك المجموع غير ثابت وبالعكس، ومعناه أنه يكفي كذب أحدهما. إذن فتتمحّض المعارضة بالقضية الشرطية؛ لأنها تكون معلومة الانتفاء إما تخصيصاً أو تخصّصاً، فإن هذا المجموع يقول لنا: بأن الشرطية هناك إما لا شرط لها فهو باطل تخصّصاً، أو لها شرط ولكن لا جزاء لها فهو باطل تخصيصاً. وكذلك الحال في المجموع من الطرف الآخر بالنسبة إلى الدليل الأوّل. فهذا المجموع يبطل تعييناً دليل حجّية الظهور هناك إما تخصيصاً أو تخصّصاً، وبالعكس في المعارض الآخر، فدليل حجّية الظهور يتعيّن للسقوط في كِلا الطرفين. وأما دليل حجّية السند فغير متعيّن للسقوط في كِلا الطرفين، فيخرج عن طرفيته للمعارضة.
إلّا أن هذا البيان غير صحيح؛ لأن هذا التحليل وإن كان صحيحاً، إلّا أنه حين تقع المعارضة بين هذا المجموع وهذا المجموع، ومعناه أن هذا المجموع يكذّب أحد هذين تخييراً وينحلّ إلى تكذيب الظهور إما تخصيصاً أو تخصّصاً، وكذلك المجموع الآخر. لكن بحسب الحقيقة المعارضة بين الظهور ومجموع الاثنين؛ لأن أيّاً من الظهورين لو لوحظ في نفسه لم يعلم بسقوطه إما تخصيصاً أو تخصّصاً حتى يمتنع التمسّك بدليل حجّيته. ولكن يوجد فيه احتمال ثالث وهو أنه يكون الظهور باقياً غير ساقط شرطاً وجزاءً، ومعه يكون دليل حجّية الظهور شاملاً له في نفسه، وإنما يسقط إذا لم يكن هذا الاحتمال الثالث، وكان الظهور متعيّناً للسقوط. نعم، نعلم إجمالاً أن أحد الظهورين ساقط إما تخصيصاً أو تخصّصاً، وفي مثل ذلك لا بأس بالتمسّك بدليل حجّية الظهور في
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إثبات القضية التعليقية، ويكون معارضاً مع المجموع هناك.
إلّا أن هذا كلّه تطويل للمسافة بلا موجب، فإن الصحيح أن دليل التعبّد بالسند ليس مجرّد إثبات عملي للصدور بحيثية الصدور لتتولّد الشبهة، بل هو العمل بمدلوله العرفي، فكأنّ الظهور مطعّم في نفس دليل التعبّد بالسند، والمفروض أن الظهور العرفي لكلّ منهما يعارض الآخر، فمفاد دليل التعبّد بالسند يكون متعارضاً. ومعه يسري التعارض من الدلالة إلى السند، بل إن التعبير بالسراية غير صحيح، بل يكون التعارض ابتداءً بين دليل حجّية السند؛ لأن مدلوله حدّ التعبّد بالمدلول العرفي للخبرين، وهما متعارضان على الفرض.
وبحسب الحقيقة أن هذه الأقسام الثلاثة غير مستوعبة لتمام الصور، فإن الدليلين المتعارضين إما أن يكونا قطعيي الدلالة معاً، أو ظنّيي الدلالة معاً، أو مختلفين وعلى جميع التقادير، فالسندان إما قطعيان أو ظنّيان أو مختلفان. فالصور تسع، اتّضح حالهما مما سبق. وتفصيلها:
1- أن يكون السندان قطعيين والدلالتان قطعيتين. وفي هذه الصورة يستحيل التعارض.
2- أن تكون الدلالتان قطعيتين والسندان ظنّيين. فيكون التعارض في دليل حجّية السند محضاً.
3- أن تكون الدلالتان قطعيتين والسندان مختلفين أحدهما قطعي والآخر ظنّي، فيصير من باب تعارض القطعي مع الظنّي في السند، فيكون القطعي مقدّماً.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
4- أن تكون الدلالتان ظنّيتين والسندان قطعيين. ومعه يكون التعارض في دائرة دليل حجّية الظهور محضاً.
5- أن تكون الدلالتان ظنّيتين والسندان ظنّيين أيضاً. وهذه هي الشبهة التي بحثنا عنها أخيراً وقلنا فيها شبهة.
6- أن تكون الدلالتان ظنّيتين والسندان مختلفين، فالتعارض بين دليل حجّية الظهور ودليل حجّية السند في الآخر.
7-8-9- أن تكون الدلالتان مختلفتين أحداهما ظنّية والأخرى قطعية، ومعه يكون الظهور القطعي قرينة على الظنّي، سواء كان السندان قطعيين أو ظنيان أو مختلفين.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
اتّضح مما أسلفناه إننا نواجه التعارض تارةً بلحاظ دليل حجّية السند، وأخرى بلحاظ دليل حجّية الظهور، وأخرى نواجه التعارض في كِلا الدليلين، كما لو كان أحدهما قطعي السند ظنّي الدلالة، والآخر بعكسه(1). فإن القطعيين لا يعقل أن يتعارضا، وإنما يقع الظنّي منهما طرفاً للمعارضة.
فيقع البحث عنها في ثلاث نقاط:
أن يكون التعارض بلحاظ دليل حجّية الظهور، كما لو كان الدليلان قطعيي السند ظنّيي الدلالة، أو كانا ظنّيي السند والدلالة معاً، وليس بين الدلالتين جمع عرفي بالنحو السابق. فلا بُدّ من حلّ هذا التعارض، فهل مقتضى القاعدة هو التساقط بين هذين الظهورين؟ مثاله: ما إذا ورد: “ثمن العذرة سحت“، وورد: “لا بأس بثمن العذرة“. ولم يكن جمع عرفي بينهما.
هنا قد يُقال: إن مقتضى القاعدة التساقط؛ لأن العمل بهما معاً غير ممكن،
ــــــــــ[94]ــــــــــ
() لا يخفى أن هذا مندرج في الصورة التاسعة السابقة، وقد سبق أن قدّم السيد الظهور القطعي بلا لحاظ السندين، وهنا حكم بوقوع التعارض. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وتقديم أحدهما على الآخر خُلف، لأن المفروض أنه لا ميزان للتقديم لخروجه عن موارد الجمع العرفي. وفي مقابله أن يقال كلام آخر موروث تاريخياً، وهو عبارة: (أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح).
وهذه العبارة يمكن تقريبها فنّياً بأحد وجهين، فإن تمّ واحد منهما فإنه يكون جواباً على تقريب التساقط، وإلّا فيتبرهن ذلك التقريب.
إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية هو وجوب العمل بالحجّة في تمام مدلوله ومؤدّاه، فإذا تعذّر ذلك وحيث إن الضرورات تقدّر بقدرها، فيرفع اليد عن بعض مدلوله، بمقدار تندفع به الضرورة. وأما طرح تمام المدلول فغير صحيح؛ لأن ما لا يدرك كلّه لا يترك كلهّ. وحينئذٍ فيقال: إن مقتضى دليل حجّية الظهور هو وجوب العمل بهذا الظهور في تمام المدلول، ومقتضاه أيضاً وجوب العمل بذلك الظهور في تمام المدلول، ولكن حيث يتعذّر العمل بالظهورين لأداء ذلك إلى التناقض فلا بُدّ من العمل في كلّ منهما بجزء من مدلوله، فنحمل (ثمن العذرة سحت) على عذرة غير مأكول اللحم، ونحمل (لا بأس بثمن العذرة) على عذرة ما يؤكل لحمه. وهذا الوجه هو الذي قاله الشيخ ومن بعده في مقام تخريج هذا المدّعى.
وجوابه ما قالوه أيضاً: من أنه عندنا بالانحلال دليلان: دليل حجّية هذا الظهور، ودليل حجّية الظهور الآخر. وحيث لا يمكن العمل بهما معاً بتمامهما،
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يكون من الممكن أن نعمل على أحد شكلين:
أحدهما: أن نعمل بالنصف الاعتباطي لكلٍّ منهما.
ثانيهما: أن نختار أحدهما اعتباطاً ونعمل به ونطرح الآخر.
وكِلا الشكلين اعتباطي ونسبته إلى دليل الحجّية على حدّ واحد. فيقع التعارض بين أن نعمل بتمام هذا المدلول وبين أن نعمل بشيء من ذلك المدلول، وهذا معناه أن دليل وجوب العمل بأحدهما يعارض أصل شموله للآخر، وهذا التعارض يوجب التساقط لا محالة. فالتبعيض في العمل استناداً إلى نفس دليل حجّية الظهور لا موجب له(1).
أن نحاول أن نطبق في المقام قاعدة الجمع العرفي، الذي فرغنا عن صحّته كبروياً، وذلك بجعل أحدهما قرينة على الآخر كبروياً فيدخل في باب تقديم
ــــــــــ[96]ــــــــــ
() أقول: لو أخذنا هذه العبارة الموروثة كنتيجة للقواعد تكون باطلة بالبيان المتقدّم، إلّا أن ظاهرهم أخذها كمقدّمة مفروغاً عن صحّتها –بحكم العقل مثلاً- وحينئذٍ فلهم أن يناقشوا قائلين: إننا نختار الشكل الأوّل من التصرفين؛ لأن فيه حفظاً للعمل بهما معاً في الجملة، ولا نأخذ بالشكل الآخر؛ لأن فيه إسقاطاً لأحدهما (والجمع مهما أمكن أولى من الطرح). ولا يكون الأمر مردّداً بين هذين الشكلين من العمل ليقع التعارض بينهما. وحينئذٍ فينحصر الجواب بإنكار المفروغية عن صحّة هذه القاعدة، لا عقلاً ولا شرعاً كما هو واضح، فإن لم يتمّ البرهان عليها كانت ساقطة لا محالة. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
القرينة على ذي القرينة. وقد كان الوجه الأوّل يسلّم أننا نواجه دليلين متعارضين بلا جمع بينهما، وأما هذا الوجه فهو يريد أن يناقش في أصل هذه المسلّمية، ويقول: إنه بالإمكان أن يحصل الجمع العرفي بينهما.
أما كيف يكون ذلك؟ فيمكن توضيحه ضمن مثالين: أوّلهما لإطلاق الموضوع، والآخر لإطلاق المحمول.
الأوّل: قوله: (لا بأس بثمن العذرة) و(ثمن العذرة سحت). فإنهما مطلقان متعارضان بنحو التباين؛ لأن موضوعهما واحد ومحمولهما متنافٍ. فنحاول هنا أن نجعل حمل (سحت) على ما لا يؤكل لحمه، وحمل (لا بأس) على ما يؤكل، حملاً بقرينة لا مجرّد حمل تبرعي.
وذلك بأن يُقال: إن كُلّاً من المطلقين له دلالتان، دلالة وضعية ودلالة بمقدّمات الحكمة. فالدلالة الوضعية هي الدلالة على الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، والدلالة بالمقدّمات هي الدلالة على أن المراد هو المطلق لا خصوص ما لا يؤكل لحمه. وكذلك الحال في الدليل الآخر.
ولا شكّ في أن هذين الخطابين لو قطعنا النظر عن مقدّمات الحكمة في كلِا الدليلين، لم يتعيّن أيٌّ منهما للإطلاق، كما لو لم يكن المولى فيهما في مقام البيان، ولم يكن في كِليهما إلّا الدلالة الوضعية. وهاتان الدلالتان لا تعارض بينهما؛ لأن مفادهما قضية مهملة، وقد قرأنا في منطق أرسطو: أن المهملة في قوّة الجزئية. فلا يكون هناك تنافٍ بين صدقيهما، وإنما التنافي بين الدلالة الوضعية في أحدهما
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والدلالة الإطلاقية في الآخر. وقد قرأنا في الأصول: أن الدلالة الوضعية تتقدّم على الدلالة الإطلاقية، كما ذهب إليه جماعة منهم السيّد الأستاذ.
وحينئذٍ فيقال: إن دلالة دليل (لا بأس) على ثبوت الجواز للطبيعة المهملة بالوضع شموله للطبيعة المطلقة بالإطلاق، وكذلك الآخر، فشمول دليل الجواز لِما يؤكل لحمه بالوضع وشمول الآخر له بالإطلاق، كما أن شمول دليل الحرمة لمِا لا يؤكل لحمه بالوضع وشمول الآخر له بالإطلاق. فنرفع اليد عن الإطلاق، بالوضع في كِلا الدليلين. والنتيجة هي أننا نرفع اليد عن الإطلاق ويبقى عندنا الظهوران الوضعيان، فينتجان قضيتين مهملتين مجملتين: أن ثمن بعض العذرة سحت وثمن بعضها جائز.
وحينئذٍ فيقال: إن كِلا الدليلين يكون حجّة بهذا المقدار من المدلول، وحينئذٍ يرفع الفقيه الإجمال بأن يقول: إن ثبت نهي عن ثمن العذرة في بعض الأحيان فالقدر المتيقّن منه هو ما لا يؤكل لحمه، وإن ثبت جواز أحياناً فالقدر المتيقّن هو ما يؤكل لحمه. فنأخذ في كلٍّ منهما بالقدر المتيقّن. ولو فرض أن القدر المتيقّن في كلٍّ منهما أخصّ أخذنا به(1).
ــــــــــ[98]ــــــــــ
() أقول: هذا الوجه يتوقّف على عدّة أمور:
منها: الاعتراف بكبرى تقديم الدلالة الوضعية على الإطلاقية. وهو ما ينكره السيّد في بعض الموارد.
ومنها: أن يكون كِلا الدليلين بالإطلاق. فلو كانا معاً بالعموم لتساقطا.
ومنها: أن يوجد هناك قدر متيقّن، فلو لم يكن كان هذا التقريب غير شامل لهما. إلّا أن السيّد ذكر أن مثل هذين الدليلين اللذين ليس لهما قدر متيقّن فرض مثالي لا واقع له في الفقه.
ومنها: أن يكون القدر المتيقّن مستوعباً لتمام الأفراد، كما في عذرة ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل. فإن الحيوان لا يخلو من أحدهما. فلو كان القدر المتيقّن أخصّ كما لو كان هو عذرة نجس العين، ولم يكن في الباقي قدر متيقّن آخر، لكان الدليلان حجّة في القدر المتيقّن الضيّق، ويتساقطان في الباقي لا محالة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فهذا مثال الإطلاق في طرف الموضوع.
المثال الثاني: في طرف الحكم، بأن يأتي دليلان أحدهما يقول: (افعل) وهو ظاهر في الوجوب، والآخر يقول: (سيّان فعلت أو لم تفعل) وهو ظاهر بالإباحة بالمعنى الأخصّ وهي تساوي الطرفين. وكِلاهما يمكن أن يحمل على خلاف ظاهره، فالأوّل يحمل على الاستحباب أو مطلق الطلب، والثاني يحمل على الإباحة بالمعنى الأعمّ، فيلتقيان على الاستحباب في نصف الطريق. فكيف يمكن أن يكون ذلك؟
بأن يُقال: إن دليل (افعل) -في غير موارد توهمّ الحظر- له أحد مدلولين: الوجوب أو الاستحباب. فهو نصّ في نفي الإباحة بالمعنى الأخصّ؛ لأنها تنافي أصل الطلب الدالّ عليه. كما أن دليل (سيّان) نصّ في نفي الوجوب وظاهر بالإباحة بالمعنى الأخصّ. فكلّ منهما نصّ في شيء وظاهر في شيء آخر، فنرفع اليد عن ظهور كلّ منهما بنصوصية الآخر، ونحملهما على الاستحباب. فيدخل هذا تحت قاعدة من قواعد الجمع العرفي وهي تقديم النصّ على الظاهر.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أن نأخذ المثال الثاني، ونحن في دليل الإباحة نحتمل مدلولين: أحدهما: الإباحة بالمعنى الأخصّ، والثاني: الإباحة بالمعنى الأعمّ. فإن كان مفاده الإباحة بالمعنى الأعمّ فهو يصلح قرينة على ظهور (افعل) في الوجوب، وأما إذا كان مدلولها هو الإباحة بالمعنى الأخصّ، فهو وإن كان يدلّ بالالتزام لا محالة على نفي الوجوب، كما يدلّ على ذلك لو كان دالّاً على الإباحة بالمعنى الأعمّ، لكن هذا النفي لا يصلح أن يكون قرينة على عدم الوجوب، بل هو دليل معارض وهادم لقولنا: (افعل) وليس شارحاً له، فإنه إنما يدلّ على عدم الوجوب الناشئ من وجود الإباحة بالمعنى الأخصّ، وإنه لم يرد، ومثل هذا النفي هدم لدليل (افعل) وليس تفسيراً لها. فأمره دائر بين أن يكون قرينة أو معارضاً.
ونفس الشيء نقول في دليل (افعل) فإن مفاده إما الوجوب وإما أصل الطلب، وعلى كِلا التقديرين فهو يدلّ بالالتزام على عدم الإباحة بالمعنى الأخصّ، لكن إذا كان مفاده هو الوجوب فهو هادم لقوله (سيّان)، فإنه يدلّ على نفي الإباحة بالمعنى الأخصّ، ذلك الهدم الناشئ من أن هناك وجوباً. وهو هدم لقوله (سيّان) لا أنه قرينة عليه. وأما إذا كان مفاده أصل الطلب المسمّى بالاستحباب فهو يدلّ بالالتزام على نفي الإباحة بالمعنى الأخصّ ويصلح قرينة؛ لأنه يحفظ أصل الظهور لا يهدمه. فأمره أيضاً دائر بين القرينية والهادم.
فنسأل سؤالاً كلّياً: وهو أنه إذا تعارض دليلان وكان في مفاد أحدهما
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
احتمالان، وعلى تقديرٍ يكون قرينة، وعلى تقدير آخر يكون معارضاً، فما هو التكليف تجاه هذين الدليلين؟
تحت هذا السؤال الكلّي ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون احتمال القرينة هو المطابق للظهور العرفي، ويكون الاحتمال الآخر المعارض على خلاف الظهور، كما لو فرض أن (افعل) جاء معه دليل آخر يكون معيّناً للإباحة بالمعنى الأعمّ ابتداءً.
الثانية: أن يكون المفاد الصالح للقرينية خلاف الظاهر، والآخر هو الظاهر، ومثاله محلّ الكلام وهو ما إذا فرضنا أن دليل الإباحة ظاهره الإباحة بالمعنى الأخصّ وإن أمكن أن نحمله على خلاف ظاهره فيما يصلح أن يكون قرينة.
الحالة الثالثة: أن يكون الدليل مجملاً لا ظهور له من هذه الناحية. وقد يصحّ أن نمثّل لهذه الحالة الثانية بالروايتين الواردتين من باب الكرّ: صحيحة محمّد بن مسلم: “الكرّ ستمائة رطل”، ومرسلة ابن أبي عمير: “الكرّ ألف ومئتا رطل”. والرطل فيه ثلاثة اصطلاحات للعراق ومكّة والمدينة، والرطل العراقي نصف الرطل المكّي. فلو قال في الصحيحة: (ستمائة رطل مكّي) فتصلح أن تكون قرينة ورافعة للإجمال في المرسلة بأن يُقال: إن المرسلة قالت: (ألف ومئتا رطل) وفسّرت الصحيحة الستمائة بالمكّي، فإذا قرنّاهما يكون ذلك على حمل المرسلة على العراقي، فلا يبقى بينهما تهافت عرفاً.
لكنّه لم يقل ذلك، فيبقى الأمر مردّداً بين الرطل المكّي والعراقي، فإن كان
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المراد به المكّي في الصحيحة كانت ملائمة مع المرسلة، فلا يوجد بينهما تعارض، بحيث يمكن للفقيه الجمع بين الجملتين. وأما إذا كان المراد بكلٍّ منهما الرطل المكّي أو بكلّ منهما الرطل العراقي، فلا محالة يقع تعارض بين التحديدين.
أما الحالة الأولى: فيها إذا كان مفاد أحد الدليلين ظاهره العرفي في المدلول الذي يصلح للقرينية، فلا إشكال أن هذا الظهور يكون حجّة ويكون مقدّماً على ظهور ذيها.
وأما الحالة الثانية: بأن يفرض أن الدليل الذي يراد جعله قرينة يكون ظهور فيما لا يصلح أن يكون قرينة، كدليل الإباحة في المثال. ففي مثل ذلك لا يمكن العمل بهذا الدليل الذي يراد جعله قرينة؛ لأننا نعمل به بلحاظ أيّ مفاديه؟
إن كنّا نعمل به بلحاظ مفاده الظاهر الذي لا يصلح للقرينية، فهو معارض لذاك الدليل الآخر، فقد عملنا بأحد المتعارضين بلا موجب، وليس هذا جمعاً بين الدليلين. وإن عملنا بالمفاد الآخر الصالح للقرينية فما هو الدليل والمسوّغ على حمل هذا اللّفظ على المفاد الآخر الصالح للقرينية، مع كونه خلاف الظاهر عرفاً، والمسوّغ إنما هو الظهور العرفي والمفروض عدمه، إذن فلا يمكن العمل بدليل الإباحة ورفع اليد عن ظهور (افعل) في الوجوب. وهذه هي نكتة بطلان هذه المغالطة.
ومنه يظهر الحال في المثال الأوّل (مثال العذرة)، فإن أحدهما يدور بين القرينية والتعارض، بعد العلم أن حمله على القضية الممهلة لا يعيّن الجزئية، بل
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
هو في الحقيقة مردّد أمرها بين الجزئية والكلّية(1).
وأما حكم الحالة الثالثة: فنتكلّم فيها من خلال مثال (الكرّ). وحكمه أن نقول بحجّية كلٍّ من الروايتين فينتج أن الكرّ ألف ومئتا رطل بالعراقي وستمائة رطل بالمكي، ولا ينطبق عليه حكم الحالة الثانية. والوجه فيه: أننا هنا حين نتمسّك في كِلا هذين الخطابين لا نتمسّك بلحاظ هذا المدلول أو ذاك المدلول، بل نتمسّك به على إجماله، والمفروض أنه على إجماله لا يوجد علم إجمالي بكذب أحدهما لاحتمال أن يكون المراد بأحدهما العراقي وبالآخر المكّي. ومعه فلا تعارض، فليشمل دليل الحجّية كُلّاً منهما على إجماله من دون أن نعيّن. فنلتزم بحجّية كِلا الخطابين لا من باب القرينية فإن جعل أحدهما قرينة فرع التعارض ولو بدواً. أما في الحالة الثانية فكان يقال بشمول دليل الحجّية لهما بجعل القرينية لأحدهما على الآخر، وإلّا فلا يعقل شموله لهما للعلم حينئذٍ إجمالاً بكذب أحدهما. أما هنا فنقول: إن دليل الحجّية يشملهما معاً لا من باب القرينية، بل من باب أنه لا تعارض أصلاً، لأن التعارض فرع العلم الإجمالي بكذب أحدهما وهو غير موجود؛ لأن كُلّاً منهما مجمل في نفسه وهو على أحد التقديرين يلائم الآخر فيشملهما دليل الحجّية، فتثبت عندنا قضيتان مجملتان صادقتان. وضمّ هاتين القضيتين مستلزم عقلاً نتيجة حقيقية منطقية وهي أن الكرّ ألف ومئتا رطل بالعراقي وستمائة رطل بالمكّي، كما عليه المشهور(2).
ــــــــــ[103]ــــــــــ
() وضابطها كلّ متعارضين لا يعلم إجمالاً بكذب أحدهما. (منه). (المقرِّر).
(2) أقول: قال السيّد في تفصيل هذه النقطة: -ما مؤدّاه- إنه في اللّحظة التي يكون الكرّ ستمائة رطل ويكون فيها ألف ومئتا رطل –، والمفروض أنهما يشيران إلى كمّية واحدة، فيتعيّن منطقياً ورياضياً أن تكون إحدى الكمّيتين راجعة إلى الأخرى ومشابهة لها وذلك لا يكون إلّا بحمل الالف والمائتين على العراقي والستمائة على المكّي. وقيل في تقريب هذه النقطة ببيان آخر وحاصله: أنه بعد أن شملت الحجّية كِلا الخبرين، فكلٌّ منهما على إجماله يدلّ على قضية مفصّلة لا إجمال فيها، وبالجمع بين هاتين القضيتين ينتج المطلوب. فقوله: “الكرّ ألف ومئتان رطل” يدلّ على أن الكرّ ليس أقلّ من ألف ومئتان رطل عراقي، سواء كان المقصود من الرواية الرطل المكّي أو العراقي. كما أن الرواية الأخرى تدلّ على أن الكرّ ليس أكثر من ستمائة رطل مكّي سواء كان المراد به الرطل العراقي أو المكّي. ومع الجمع بين هاتين القضيتين نعرف أن الكرّ ليس أقلّ من ألف ومئتان رطل عراقي وليس أكثر من ستمائة رطل مكّي، وكِلا الظهورين حجّة، فيتعيّن أن يكون الكرّ هو ذلك إلى ألف ومئتان رطل عراقي وستمائة رطل مكّي. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
هذا هو الكلام في النقطة الاولى من دليل حجّية الظهور.
صحيح أن (سيّان) صريح بعدم الوجوب، إلّا أن هذه الصراحة في طول الجمع بين احتمال المعارضة والقرينية، وهي لا تبطل المعارضة ولا تعيّن القرينية، وإنما تبطل المعارضة الصراحة التي تنشأ من القرينية، إذن فيتعيّن التعارض بين الظهورين ومنه يسري التعارض إلى السند بمعنى من معاني السريان.
إلّا أن هذا الذي قلناه لا بُدّ وأن نستثني منه صورة واحدة، يصحّ منها
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الجمع التبرّعي، لكن لا من باب القرينية والجمع العرفي، بل من باب قيام العلم الوجداني الخارجي بسقوط الإطلاق في كِلا الدليلين بالنحو المناسب.
توضيح ذلك: أننا تارةً نفرض الدليلين المتعارضين ظنّيين سنداً وجهة ودلالة، ونحاول أن نجمع بينهما جمعاً تبرّعياً، وندّعي أنه يدخل تحت الجمع العرفي من باب القرينية فهذا هو الذي أجبنا عنه.
وإذا فرضنا أنهما قطعيين سنداً وجهةً لكنّهما غير قطعيين دلالة، فتحتاج دلالتهما على ثبوت إطلاق الحكم بنحو الموجبة الكلّية إلى دليل حجّية الظهور. في مثل ذلك يكون الجمع التبرعي للشيخ الطوسي لا باعتبار القرينية بل باعتبار العلم الوجداني الخارجي، فإننا حين نواجه هذين الخطابين: (ثمن العذرة سحت) و(لا بأس بثمن العذرة) نقول: إن هناك فرضيات كثيرة يمكن أن نتصوّرها:
أحدها: أن دليل المنع -سحت- صدر من المولى صدوراً واقعياً وقد أريد منه مطلق أفراد هذا المفهوم ما يؤكل منه وما لا يؤكل. وهذه فرضية غير محتملة وجداناً بحسب مقام الإثبات؛ لأن لازمه إلغاء دليل الجواز رأساً، وحمله أنه إما لم يصدر من الإمام أصلاً أو صدر لا بداعي الجدّ. والأوّل خُلف قطعية السند، والثاني خُلف قطعية الجهة.
[الفرضية الثانية]: وأما أن المعصوم تناقض في كلامه وهو مستحيل. ومعناه أننا نعلم علماً وجدانياً أن إطلاق المنع لِما لا يؤكل لحمه ساقط، وكذلك نقول في دليل الجواز، فإننا إذا بنينا على أن الجواز ثابت بنحو الموجبة الكلّية
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
حتى لِما لا يؤكل لحمه فدليل المنع إما أنه لم يصدر أو صدر تقية أو تناقض المعصوم وكلّه غير محتمل. إذن فإطلاق دليل الجواز ساقط أيضاً وجداناً.
والفرضية الثالثة: -التي تبقى بعد بطلان الفرضيتين- هي أن نعمل بكِلا الخطابين في غير الحدود التي علمنا وجدانا بسقوط الإطلاق فيها. فنرفع اليد عن كِلا الاطلاقين، فينتج نفس الجمع على طريقة الشيخ الطوسي، لكن باعتبار العلم الوجداني لا القرينة العرفية.
ونفس الشيء تقريباً متحقّق فيما إذا كان أحدهما قطعياً من حيث السند والجهة دون الآخر، كما لو كان دليل المنع قطعياً دون دليل الجواز بل كان ظنّياً سنداً وجهة أو من أحدهما. فنقول: إطلاق دليل الجواز لثمن عذرة ما لا يؤكل لحمه معلوم السقوط وجداناً إما بمعنى أنه لم يصدر أو أنه إذا صدر فإنه لم يرد منه الاطلاق؛ لأنه لو صدر وأراد منه الاطلاق فماذا تصنع بدليل المنع، هل هو لم يصدر أو لم يرد الإطلاق، أو المعصوم تناقض؟ وكلّه غير محتمل(1). إذن فإطلاق دليل الجواز ساقط وحينئذٍ لا بأس أن نتمسّك بدليل المنع لإثبات كون ثمن ما لا يؤكل لحمه حراماً؛ لأنه لا مانع منه إلّا إطلاق دليل الجواز والمفروض سقوطه.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
() أو يراد به حرمة خصوص ما يؤكل لـحمه وهو باطل بالضرورة من الفقـه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما عن عذرة ما يؤكل لحمه، فلا علم وجداني لنا؛ لأننا نحتمل أن يكون ممنوعاً عنه بلحاظ دليل المنع ويكون دليل الجواز غير صادر، أو أنه غير ممنوع عنه ويكون دليل الجواز على حقّ، ويكون إطلاق دليل المنع ساقطاً. وهذا معناه حصول التعارض بين إطلاق دليل المنع القطعي سنداً وجهةً وبين دليل الجواز. يعنى التعارض بين ما هو ظنّي في كِلا الدليلين.
فإن بنينا على انقلاب النسبة بين المتعارضين المتباينين، إذا سقط إطلاقه عن بعض الموارد يصبح أخصّ مطلقاً من معارضه ويكون مخصّصاً له. فيكون دليل الجواز أخصّ مطلقاً من دليل المنع، والأخصّية هي ملاك القرينية، فيدخل في باب الجمع العرفي بين الدليلين. ومثل هذا الجمع لا بُدّ من إعماله سواء كان سنده قطعياً أو ظنّياً، وأما إذا لم نقل بانقلاب النسبة فلا أخصّية ولا قرينية فيستحكم التعارض بين الجهتين الظنّيتين في الطرفين، فنواجه الحالة الثالثة للتعارض وهي تعارض دليل حجّية الدلالة مع دليل حجّية السند. وسوف يأتي في الحالة الثالثة أنه متى ما حصل هذا التعارض يتقدّم دليل حجّية الظهور على دليل حجّية السند؛ لأن الدليل الظنّي لا يصلح لمعارضة الدليل القطعي السند.
واما إذا فرضناهما قطعيين سنداً ولكن أحدهما ظنّي جهةً والآخر قطعياً، فيتحصّل التعارض بين دليل حجّية الظهور جهةً ودلالةً هنا ودليل حجّية الظهور دلالةً هناك، وهذا التعارض مستحكم بوجوب التساقط، فإن قلنا بانقلاب النسبة تقدّم الأخصّ، وإلّا فيستحكم التعارض بين الجهتين.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مسألتنا هي تأسيس الأصل في مورد التعارض بلحاظ دليل الحجّية، وقد عرفنا أن موارد الجمع العرفي خارج عن موضوع المسألة. فالبحث عن أن الجمع التبرّعي هل يمكن إرجاعه إلى الجمع العرفي أو لا، هو في الحقيقة بحث صغروي في أنه: هل يدخل في موضوع المسألة أو لا؟
وقد توضّح أن الجمع التبرعي لا يرجع إلى الجمع العرفي، إذن فالتعارض مستحكم بين الدليلين، وعليه فيدخل تحت موضوع مسألتنا.
وقد كنّا نتكلّم بلحاظ حجّية الظهور، ولكن بعد هذا لا يفرّق بين دليل حجّية الظهور ودليل حجّية السند، يعني سواء نواجه هذا الدليل أو ذاك. فنطرح -بعد فرض إحراز الصغرى- هذا السؤال: أنه هل الأصل التساقط المطلق أو التساقط الجزئي الملازم مع العمل بكِلا الدليلين في الجملة، وهذا ينحلّ إلى وجهين:
أحدهما: أن نعمل بأحدهما كلّية وندع الآخر، وهو معنى الترجيح.
ثانيهما: أن نعمل بكلّ منهما في حالة مخصوصة وهو التخيير.
فهل الأصل التساقط أو الترجيح أو التخيير؟!!
حينئذٍ هكذا ينبغي أن يُقال: إن الارتكاز العقلائي لا بُدّ من الرجوع إليه أوّلاً؛ لأننا نعالج حجّيتين عقلائيتين لا حجّيتين تأسيسيتين شرعاً، فإن حجّية الظهور وحجية السند بوثاقة الراوي -سواء قلنا بأن الدليل عليها منحصر بالسيرة
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أو كان عليها دليل لفظي- على أي حال، القضية عقلائية ثابتة عند العقلاء.
فإن فرضنا أن العقلاء في مورد التعارض بين الحجّيتين يبنون على سقوط كِلتيهما عن ملاك الحجّية وهو الكشف النوعي، بحيث يرون أنه غير موجود باعتبار اقتران كلّ منهما بالمعارض، فبمقدار ثبوت التعارض لا بُدّ من البناء على التساقط، ولا موجب للترجيح والتخيير حتى لو كانت صناعات الألفاظ مناسبة معهما؛ لأنه بعد فرض ارتكازية عدم وجود نكتة الحجّية عند العقلاء
-والدليل اللفظي الدالّ على الحجّية مرجعه إلى هذه النكتة العقلائية- فيكون ارتكاز عدم وجود نكتة قرينة عرفية على تقييد دليل الحجّية.
وأما إذا فرضنا أنه كان هناك ارتكاز الكشف النوعي عند العقلاء، وأنهم يرون في مورد التعارض الترجيح أو التخيير، فلا بُدّ من الرجوع إلى السيرة لإثبات الترجيح أو التخيير حتى لو فرض أن الدليل اللفظي كان قاصراً عن إثباته.
نعم، يوجد حالة ثالثة وهي أن لا نجد عند العقلاء كِلا الارتكازين. بل كان العقلاء في حالة لا بشرطية تجاه ذلك لا يأبى ارتكازهم عن التساقط ولا التخيير ولا الترجيح. حينئذ يتعيّن التساقط؛ لأنه لا يجزم بالتخيير والترجيح؛ لأنه لا دليل على الحجّية ترجيحاً أو تخييراً والأصل عدم الحجّية. وأما إن كان لنا دليل لفظي على الحجّية وكانت السيرة حيادية لا تثبت ولا تنفي، حينئذٍ ينفتح مجال للبحث في أننا لو بقينا نحن وصناعات الألفاظ وكان إطلاق دليل الحجّية له إطلاق يشمل سائر الموارد، فلا بأس بالعمل بإطلاقه. ولا يوجد ارتكاز منافٍ له؛ لأنه لا ارتكاز على خلافه. وحينئذٍ فينحصر الكلام في استنباط المعنى من اللفظ.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وحينئذٍ لا بُدّ أن نرى البرهان المشهوري على التساقط، فإن المشهور ذهب إلى ذلك، وأن مقتضى القاعدة لو بقينا نحن وصناعات الألفاظ لم يمكن إثبات الحجّية ترجيحاً ولا تخييراً. وهو ما ذكره السيّد الأستاذ واعتمد عليه وهو أن دليل الحجّية نتمسّك به لإثبات الحجّية بأحد صور أربع كلّها باطلة:
الصورة الأولى: أن نتمسّك به لإثبات الحجّية التعيينية لكلٍّ منهما وهو غير معقول؛ لأن المفروض التعارض بينهما: إما بالذات كالدليل الدالّ على الوجوب والدالّ على عدم الوجوب، أو بالعرض كما في الدليل الدالّ على وجوب الظهر والدليل الدالّ على وجوب الجمعة، لأنه دالّ بالالتزام على نفي الآخر للعلم الإجمالي بعدم وجوبهما معاً، فلا يمكن إعمال دليل الحجّية فيهما معاً.
الصورة الثانية: العمل بدليل الحجّية في أحدهما بعينه دون الآخر، وهو ترجيح بلا مرجّح.
الصورة الثالثة: أن نتمسّك بدليل الحجّية في كِلا الخبرين لا مطلقاً، بل في حال مخصوص وهو حال عدم الأخذ بالآخر بأن نقول: إن مقتضى إطلاق دليل الحجّية هو حجّية هذا الخبر وحجّية الآخر أيضاً، ولكن المفروض أن هذا أمر غير معقول لبطلان الشق الأوّل، فلا بُدّ أن نرفع اليد عنها ولو في بعض الأحوال، فإن اندفع المحذور بذلك فالضرورات تقدّر بقدرها، فنرفع اليد عنها في بعض الأحوال، وإعمال خبر زرارة حتى مع إعمال خبر محمّد بن مسلم يعارض إعمال خبر محمّد بن مسلم حتى مع إعمال خبر زرارة، فلنرفع اليد عن
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إطلاقي الإعمالين لا عن أصلهما.
وهذا له وجهان، وبهما تكون الصور أربعاً:
الصورة الثالثة(1): أن يكون الإعمال هنا مقيّداً بعدم الأخذ بالآخر. والمفروض في الأخذ الالتزام والبناء على مضمونه، فنجعل حجّية الخبر الدالّ على الوجوب مشروطاً بأن لا يلتزم بالخبر الدالّ على الحرمة وبالعكس. هذا يلزم منه أنه في حال عدم الالتزام بكلّ منهما اجتماع الحجّتين معاً؛ لأن شرط كِلتا الحجّيتين يكون متحقّقاً، فتكون الحجّيتين فعلية في حقّه وهو أمر مستحيل، لأنهما متعارضان وحجية المتعارضين بالفعل مستحيلة.
الصورة الرابعة(2): أن نرفع اليد عن إطلاق الإعمال بأن نقول: إن حجّية كلّ منهما مقيّدة بالأخذ به لا بعدم الأخذ بالآخر. ويُصار إلى هذا القيد بنكتة دفع ذاك الإشكال؛ لأنه لا يمكن اجتماع القيدين، لأنه يمكن الالتزام بالوجوب والحرمة معاً، فيكون منتجاً للتخيير.
أشكلوا عليه: بأن هذا وإن كان صحيحاً في الأخبار العلاجية، فإنه إذا دلّ دليل على التخيير في الأخبار العلاجية بني على هذا الوجه، لكنّه لا يمكن الالتزام به؛ لأن لازمه أنه لو لم نلتزم بهما ترتفع كِلتا الحجّيتين وهو غير محتمل فقهياً. وأما في الأخبار العلاجية فمقتضى هذه الأخبار وجود حكمين أحدهما: الحجّية المشروطة كما قلنا. وثانيهما: وجوب الالتزام بأحدهما. فلو لم يلتزم
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) بناءً على الوجه الأول.
(2) بناءً على الوجه الثاني.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بأحدهما فإن المكلّف يبتلى بعصيان حكم ظاهري هو الحكم الثاني.
طبعاً هذا البيان لا يمكن الاكتفاء به في إثبات التساقط؛ إذ إن أقلّ ما يقال في الإشكال عليه هو أننا نختار الشقّ الرابع، وهو أن حجّية كلّ منهما مشروطة بحال الأخذ به. وحينئذٍ يقال: إننا إن احتملنا أن يكون ملاك هذه الحجّية التي أوجبت اهتمام الشارع بجعلها مقصوراً بحال الالتزام به، بحيث لو لم يلتزم به المكلّف فلا اهتمام للمولى بكِلا الحكمين. إذن فلا بأس بالالتزام بحجّية من هذا القبيل ولا يكون أيٌّ منهما حجّة -في حال عدم الالتزام به-، ولا يكون هذا لازماً باطلاً. وإن كنّا لا نحتمل هذا المطلب -كما لا نحتمله- وهو أن يكون التزام العبد له دخل في اهتمام المولى بأحكامه، ولهذا جعل ذلك نقضاً على صاحب هذا الفرض.
فمعناه أنه على تقدير جعل حجّية من هذا القبيل فاهتمام المولى مطلق فيجعل وجوب الأخذ بأحدهما. فيكون دليل الحجّية دالّاً بالمطابقة على حجّيتين مقيّدتين وبالالتزام على وجوب الأخذ بأحدهما.
وعلى أيّ حال لا بُدّ من طرح آخر للبحث لنصل إلى أبعاد المطلب، وسوف يتّضح أن الموارد تختلف، ففي بعض الموارد يقوم برهان قطعي على التساقط، وفي بعضها نختار التخيير، وفي بعضها نختار الجمع بينهما، وفي بعضها الترجيح.
حينما نريد أن نؤسّس الأصل ومقتضى القاعدة عند التعارض بين دليلين فتارةً نفرض وجود مؤونة من الخارج ودليل على نفي التساقط كالإجماع ونحوه،
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بل أمر الحجّية يدور بين الترجيح والتخيير، من دون تعيين من ناحية هذا الدليل. وأخرى نفرض أنه لا توجد مثل هذه المؤونة، بحيث لو كان يمكن إثبات ملاك الحجّية فينحصر في نفس نفس دليلها. والأصل الذي ينقّح بلا مؤونة زائدة يسمى بالأصل الأوّلي في كلماتهم، والذي ينقّح بمؤونة يسمى بالثانوي.
الكلام الآن في الأصل الأوّلي، وهذا معناه أن ملاك الحجّية مشكوك في نفسه؛ إذ لعلّ المعارضة أوجبت سقوطهما عن ملاك الحجّية. وهنا يوجد عندنا فرضيات أربع لا بُدّ من علاجها:
أن نفرض الشكّ في وجود ملاك الحجّية بحيث لا نعلم أن ملاكها متحقّق في مورد التعارض أو لا. ولكن ملاكها على تقدير وجوده في مورد التعارض فهو في هذا الطرف بعينه أقوى من ذلك الطرف بعينه. فعندنا قضيتان إحداهما مشكوكة وهي أن ملاك الحجّية موجود، والأخرى شرطية متيقّنة وهي أنه لو كان موجوداً فهو أقوى في هذا الطرف.
ففي مثل هذا الفرض مقتضى إطلاق دليل الحجّية هو الترجيح، وتعيّن هذا الطرف للحجّية دون الآخر من دون أن يلزم الترجيح بلا مرجّح.
والوجه في ذلك. أن إطلاق دليلها للطرف الآخر ساقط بالعلم التفصيلي؛ لأنه إما لا ملاك للحجّية في مورد التعارض، فكِلاهما في عدم الحجّية سواء، أو أن هناك ملاك إذن فنعلم أنه لا يحتمل أن يكون هذا الطرف واجداً له في مقابل
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الآخر، بل نعلم بأقوائية الأوّل. فملاك الحجّية إما غير موجود أو موجود وعليه أقوى يغلبه فإطلاقه ساقط على أيّ حال. وأما إطلاق دليل الحجّية لهذا الطرف فهو مشكوك؛ لأنه إن كان ملاك الحجّية موجوداً فالإطلاق ثابت، وإن لم يكن موجوداً فهما في عدم الحجّية سواء. والإطلاق المعلوم السقوط لا يعارض الإطلاق المحتمل الثبوت. فيتعيّن ترجيح الأقوى ويكون مقتضى دليل الحجّية هو الترجيح.
إننا لا ندري أن ملاك الحجّية ثابت أو لا، كما هو المفروض في هذا المقام. ولكنّنا نعلم على نحو الشرطية أن الملاك لو كان موجوداً فهو موجود فيهما على نحو التساوي؛ لأن كِلتا الروايتين على حدّ واحد في تمام الخصوصيات الدخيلة في الحجّية والكاشفية عن الواقع. وهذا معناه أن إطلاق الحجّية لكلٍّ من هذين الخبرين وتعيينية الحجّية فيه، وإطلاقها لصورة الالتزام بالآخر ساقط جزماً. لأنه إما أنه لا ملاك للحجّية أصلاً وإما أن ملاكها موجود، فالمفروض أننا أحرزنا التساوي، وعلى هذا التقدير فترجيح إطلاق الحجّية لهذا الطرف ترجيح بلا مرجّح من قبل المولى؛ لأن نسبة الطريقية إليها على حدّ واحد. إلّا إذا احتمل المولى نكتة نفسية في ترجيح أحدهما على الآخر. حينئذٍ يبتنى على نفي النكات النفسية باستظهار الطريقية المحضة من دليل الحجّية، فاحتمال أنه اختار ترجيح أحدهما لملاك نفسي منفي. ومعه لا يحتمل جعل الإطلاق للحجّية التعيينية لكلّ منهما؛ لأنه إما لا ملاك للحجّية وإما موجود والترجيح بملاك طريقي وهو خلاف
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المقرّر من القطع بالتساوي أو بملاك نفسي فهو منفي بإطلاق دليل الحجّية.
واما الالتزام بكلّ منهما مقيّداً بعدم الآخر، فهو مشكوك لا يعلم بعدمه؛ لأنه إما لا ملاك له فلا حجّية لكلّ منهما. وإما أن هناك ملاك، فكلّ منهما يؤثّر في حال الالتزام به. ولا تعارض بين مطلق الحجّية هنا ومطلق الحجّية هناك، وإنما التعارض بين الحجّية المطلقة في الطرفين وهو معنى الحجّية التخييرية.
إننا لا ندري أنه هناك ملاك الحجّية أو لا، ولا نعلم بالتساوي على تقدير وجود الملاك ولا نعلم بأقوائية أحدهما، ولكن نحتمل أنه على تقدير وجود الملاك أن يكون هذا بعينه أقوى دون احتمال العكس، ومعنى هذا أنه عندنا ثلاث حالات محتملة:
أحدها: أن لا يكون ملاك أصلاً.
ثانيهما: أن يكون ملاك ويكون محتمل الأقوائية هو الأقوى حقيقة.
ثالثها: أن يكون هناك ملاك ويكونان متساويين. وأما احتمال أن يكون الآخر هو الأقوى، فغير موجود.
ومعنى هذا أن الأمر يدور بين السقوط المطلق بناءً على الاحتمال الأوّل وبين حجّية تعيينية مطلقة في الأقوى بناء على الاحتمال الثاني. وبين حجّية تخييرية فيهما بناء على الاحتمال الثالث. ومعناه أننا نعلم تفصيلاً أن إطلاق دليل الحجّية لهذا الطرف -غير المحتمل الأهمّية- ساقط جزماً إما لعدم وجود الملاك
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أو لوجود الأقوى أو لوجود المساوي -بعد نفي النكتة النفسية-، فلا تكون حجّية هذا الطرف حجّية مطلقة بل إطلاقه لغرض الالتزام بالآخر -محتمل الأهمّية- ساقط جزماً، ومعه فلا مانع لإثبات إطلاق دليل الحجّية، حين الالتزام به، فإنه في مثل ذلك لا يعارض بإطلاق الآخر؛ لأننا في مثل ذلك نعلم وجداناً أن الآخر ليس بحجّة.
وأما في فرض الالتزام بالآخر فيوجد تعارض، لأن دليل الحجّية بلحاظ هذا الخبر يحتمل شموله لهذا الحال، فإنه على تقدير الاحتمال الثالث يكون هذا حجّة، كما أن شموله للآخر أيضاً محتمل؛ لأنه يحتمل أنه هو الأقوى على تقدير الاحتمال الثاني فيحصل تعارض بين شمول دليل الحجّية للدليلين. وشمول دليل الحجّية لأيّ منهما يدلّ بالالتزام على وجود ملاك الحجّية فيه وثبوت الحجّية إما تعييناً أو تخييراً، فلا نحكم بالتساقط. وإنما يكون ذلك ملحقاً بالأصل الثانوي الآتي باعتبار إحراز ملاك الحجّية فيه.
أن نفرض احتمال التعيين في كلٍّ منهما: إما لأن كُلّاً منهما يمتاز بنكتة طريقية عن الآخر، كما لو كان محمّد بن مسلم أعدل وكان زرارة أعلم. وإما أن نحتمل في كلّ منهما نكتة نفسية، ولا نستظهر من دليل الحجّية الطريقية المحضة. وحينئذٍ يستقطب التعارض بين هذا وهذا؛ لأننا سواء التزمنا بهذا أو بهذا نحتمل حجّية هذا ونحتمل حجّية الآخر بدلاً عنه، فيتعارض إطلاق دليل الحجّية لهما. وحينئذٍ نقول -كأوّل طرح للبحث- أنه يحكم بالتساقط؛ لأنه يوجد ثلاث احتمالات كلّها باطلة.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الأوّل: الجمع بين الدليلين في الحجّية، وهو خُلف التعارض واستحالة جعل الحجّية للمتعارضين.
الثاني: ترجيح أحدهما على الآخر، وهو بلا مرجّح بعد أن كانت نسبة كلّ منهما إلى دليل الحجّية عين نسبة الآخر.
الثالث: التخيير وهو التمسّك بكلّ منهما مشروطاً بالالتزام به أو بعدم التمسّك بالآخر. فهذا باطل لا بالإشكال الذي أورده السيّد الأستاذ لكن نقول: إن دليل الحجّية حين يجعل الحجّية على هذا الدليل حين الأخذ به يعارض إطلاق دليلها للثاني حين الأخذ بالأوّل. يعني أن إطلاق دليل الحجّية لخبر محمّد بن مسلم حين الأخذ به يعارض إطلاقه لخبر زرارة حين الأخذ بخبر محمّد بن مسلم؛ لأن كلّ حالة هي حالة يحتمل فيها أن يكون هذا حجّة ويحتمل أن يكون هذا حجة.
وإن شئتم قلتم: إن التعارض يقع بين إطلاق دليل الحجّية للآخر وشمول دليل الحجّية لهذا بنحو التخيير. ومقتضاه التساقط. فقد حصلنا على النكتة الحقيقية لأجل إبطال التخيير.
إن الحجّية المطلقة(1) في أحدهما ينافي مطلق الحجّية في الآخر، فإن مطلق الحجّية في أحدهما المناسبة مع التقييد بالالتزام به ينافي مع الحجّية المطلقة الشاملة لصورة العمل بالآخر-متنافيان-.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
() قال السيّد عن المطلب الأخير: إن الحجّية المطلقة… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ثُمّ إنه لا بُدّ من الدخول في البحث بأسلوب جديد فنقول: إن المتعارضين: إما أن يكون تعارضهما ناشئاً من التنافي العرضي بينهما الناشئ من العلم الإجمالي بكذب أحدهما، بحيث لو خلّينا ونفس الدليلين لم يكن مانع من الأخذ بهما معاً، وإنما نشأ التهافت بينهما من العلم الإجمالي بأن كِليهما غير ثابتين.
وإما أن يكون تعارضهما ذاتياً ناشئاً من نفس مدلولي الدليلين بقطع النظر عن العلم الإجمالي الخارجي. وفي هذا التنافي الذاتي تارةً يفرض أن المدلولين متضادّان وأخرى يفرضان متناقضين. فالمتضادّان من قبيل الدليل الدالّ على الوجوب والدالّ على الحرمة، فإن مضادّهما متضادّ؛ لأن الوجوب والحرمة أمران تشريعيان ثبوتيان يستحيل اجتماعهما. والمتناقضان هما الدليلان على السلب والإيجاب كالوجوب وعدم الوجوب. ومن ذلك نعرف أن الأقسام ثلاثة:
أولها: التنافي بالعرض.
وثانيها: التضادّ.
وثالثها: التناقض.
فلا بُدّ من الكلام في كلّ قسم على حدة:
القسم الأوّل: التعارض بالعرض
القسم الأوّل وهو ما إذا كان التعارض بالعرض، كالدليل الدالّ على وجوب الظهر والدليل الدالّ على وجوب الجمعة.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فلكي يتمّ ذلك البرهان لا بُدّ أن نتأكّد أنه ليس بالإمكان اختيار أيّ واحد من الشقوق الثلاثة: التعيين أو الترجيح أو التخيير، بحيث يتعيّن التساقط. وهنا يمكن أن نفترض محاولة تقول إنه بالإمكان إعمال الشقّ الأوّل من هذه الشقوق، وهو إعمال كِلا الدليلين معاً، ومعه لا تصل النوبة إلى التساقط.
وتعرض هذه المحاولة على درجات ثلاث:
[الصيغة الأولى لإعمال كِلا الدليلين]
في البداية تطرح هذه المحاولة بصيغة بدائية ويقال: إن هذين الدليلين المتعارضين بالعرض وإن كان يعلم إجمالاً بكذب أحدهما، ولكن مجرّد العلم الإجمالي بكذب إحدى الحجّتين لا يمنع عن جعل الحجّية لهما معاً والجمع بينهما في الحجّية، لوضوح ان العلم الإجمالي إذا لم يلزم من إعمال الحجّيتين معاً محذور الترخيص القطعي بالمخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمالي، فأيّ مانع من جعل الحجّية لهما معاً، كما هو المبنى في دليل الاستصحاب، فإن الاستصحابين إذا علم إجمالاً بكذب أحدهما وليس في جريانهما محذور الترخيص في المخالفة القطعية فإنهما يجريان، كما لو علمنا أن هذين الإناءين نجسين، ثُمّ علمنا بارتفاع النجاسة عن أحدهما، فإن استصحاب النجاسة فيهما يعلم إجمالاً بكذب، أحدهما، إلّا أنه لا بأس بجعل الحجّية لهما؛ لأننا قلنا بأن جريان الاستصحابين لا يؤدّي إلى محذور الترخيص بالمخالفة القطعية للمعلوم إجمالاً؛ لأن العلم الإجمالي هو علم بارتفاع الإلزام والاستصحاب يؤدّي إلى ثبوت الإلزام وموافق للاحتياط، فكما يجمع بين الحجّيتين في الاستصحاب كذلك يجمع بين الحجّيتين بلحاظ حجّية خبر الواحد.
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
نعم، في مورد يلزم من الجمع بين الحجّتين الجمع بين تكليفين منجّزين نلتزم بالتساقط -مثلاً- كما في قوله: (لا يجب صلاة الظهر) مع قوله: (لا تجب صلاة الجمعة)، فإن امتثالهما يؤدّي إلى ترك التكليف الواقعي.
وجوابها واضح: أننا لو لم نلتزم بأن الخبر الواحد أو الأمارة لها دلالة التزامية معتبرة بدليل الحجّة، لكان ما قيل صحيحاً ولكان حاله حال الاستصحاب، ولكن بعد البناء على حجّية مثبتاتٍ، يكون كلّ من الدليلين مكذّباً للآخر بالدلالة الإلتزامية. وحينئذٍ يقال: بأن الدلالتين المطابقيتين للدليلين وإن لم يتعارضا؛ لأنه يمكن الجمع بين حجّيتيهما لكن تقع كلّ دلالة مطابقية طرفاً للمعارضة مع الدلالة الإلتزامية للآخر.
وتوضيح ذلك على وجه الإجمال: أن استحالة الجمع بين الحجّيتين ينشأ من منشأين:
أحدهما: أن يكون جعلهما مؤدّياً إلى الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي.
وثانيهما: أن تكون إحدى الحجّتين منجّزة والحجّة الأخرى معذّرة عن نفس ما نجّزته الأولى.
ونحن لو لاحظنا الدلالتين المطابقيتين وحدهما لَما وجدنا كِلا هذين المحذورين منهما، فإن الجمع بينهما لا يؤدّي إلى المخالفة بل إلى الاحتياط والجمع بين الصلاتين: الظهر والجمعة. ولا المحذور الثاني لأن كِلاهما حجّة منجّزة. ولكن حين تتعارض الدلالة المطابقية لأحدهما مع الدلالة الإلتزامية
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
للآخر نجد أن المحذور الثاني موجود؛ لأن المطابقية لهذا الدليل تقول بوجوب الظهر، والالتزامية للآخر تقول بنفي وجوب الظهر، وكذلك العكس. فتحصل عندنا معارضتان بالتحليل:
إحداهما: بين الدلالة المطابقية لدليل (أ) مع الإلتزامية لدليل (ب).
وثانيتهما: بين الدلالة المطابقية لدليل (ب)مع الإلتزامية لدليل (أ).
[الصيغة الثانية لإعمال كِلا الدليلين]
الصيغة الثانية بأن نعترف بوجود المعارضتين ولكن نقول: إنه في هذا التعارض، يتعّين علينا رفع اليد عن كِلا الدلالتين الالتزاميتين والتحفّظ على الدلالتين المطابقيتين، فينتج حجّية كِلا المدلولين بلحاظ دلالتهما المطابقية وسقوط حجّيتهما بلحاظ الدلالة الإلتزامية. ويكون ذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: سقوط الدلالتين الالتزاميتين سواء سقطت المطابقيتان أو لا
أن الدلالة الالتزامية -كما هو أصحّ الوجهين في محلّه- تابعة للدلالة المطابقية، بمعنى أنها لا يمكن أن تبقى على الحجّية مع سقوط المطابقية عن الحجّية، إذن فالدلالتان الالتزاميتان متعيّنتان للسقوط على أيّ حال سواء سقطت الدلالتان المطابقيتان أو لا. فإن المطابقيتين: إن سقطتا فالالتزاميتان تسقط حجيتهما بقانون التبعية، وإن ثبتتا فلا بُدّ من رفع اليد عن الالتزاميتين حتى لا نقع بالتعارض.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهذا نقوله لئلا يقال: لِمَ أبقيتم تشهياً على الدلالتين المطابقيتين وأسقطتم الالتزاميتين، دون العكس. فإنه يقال: إن ذلك غير ممكن لعدم إمكان بقاء الدلالة الإلتزامية بعد سقوط المطابقية.
وإن شئتم قلتم: إننا نعلم بسقوط الدلالتين الالتزاميتين إما تخصيصاً أو تخصّصاً. فإن الدلالتين المطابقيتين إن كانت ساقطة إذن فالالتزاميتين ساقطة تخصّصاً لانتفاء شرطهما. وإن كانتا موجودتين كانت الالتزاميتان ساقطة تخصيصاً لاستحالة اجتماع الحجّيات مع التعارض. ومعه فلا يبقى مانع من الأخذ بالدلالتين المطابقيتين.
هذا التقريب غير صحيح؛ لأن مقتضى صناعة باب التعارض هو النظر إلى كِلا المتعارضين في أنفسهما لنرى أنه هل هناك ترجيح لأحدهما على الآخر يوجب تقدّمه أو لا. والمفروض أننا في هاتين المعارضتين لو حسبنا حساب أيّ منهما في نفسها لم نرَ مرجحاً لأحد طرفيها على الآخر؛ لأن الدلالة الإلتزامية لدليل (ب) وإن كانت فرع الدلالة المطابقية، إلّا أنها ليست فرعاً عن المطابقية التي تقع طرفاً للمعارضة معها، بل طرف للمعارضة مع المطابقية التي تقع طرفاً للمعارضة مع أختها. ولو كانت قد وقعت طرفاً للمعارضة مع ما هي فرع عنه لتمّ التقريب إلّا أن الأمر ليس كذلك، وحين ننظر إلى إحدى المعارضتين معزولة عن الأخرى ولا نجمع الأطراف الأربعة سوية، نرى أنه لا ترجيح لأحد الطرفين على الآخر. إذن فكما يمكن أن نقول بتقديم الدلالة المطابقية اعتباطاً كذلك يمكن أن نقول بتقديم الدلالة الإلتزامية.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التقريب الثاني: بلحاظ المعارضات الثلاث
أنه بحسب الحقيقة يوجد عندنا ثلاث معارضات:
الأولى: المعارضة بين الدلالة المطابقية لدليل (أ) مع الإلتزامية لدليل (ب). الثانية: بالعكس. الثالثة: المعارضة بين الدلالتين الالتزاميتين لدليلي (أ) و(ب)؛ لأن الدلالة الالتزامية لـ (أ) يقول: (لا تجب صلاة الظهر)، والدلالة الإلتزامية للآخر تقول: (لا تجب صلاة الجمعة). ولا يمكن الجمع بينهما؛ لأنه ترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي بكذبه. إذن فتسقط الدلالتان الالتزاميتان للتعارض بينهما، وتبقى المطابقيتان بدون معارض.
وجوابه: أن غاية ما يقتضي إبراز هذا العنصر الجديد أن الدلالة الإلتزامية في كلّ من الطرفين تقع طرفاً للمعارضة مع دلالتين هما: الدلالة المطابقية والالتزامية للطرف الآخر. بينما الدلالة المطابقية لكلّ منهما ليس لها إلّا طرف واحد للمعارضة، فإنه ليس بين الدلالتين المطابقيتين تعارض، إذن فيعود الكلام في أنه لو وجد معارض له معارضان، إذن لا بُدّ من سقوطه مع الآخرَين، ولماذا يسقط مع أحدهما دون الآخر(1)؟
الصيغة الثالثة: الالتزام بالترجيح بحسب صناعة باب المعارضة
المحاولة الثالثة لأجل إعمال كِلا الدليلين:
يحتاج توضيحها إلى مقدّمة: وهي أننا حين نواجه تعارضاً بين دليلين إنما
ــــــــــ[123]ــــــــــ
() قال السيّد في جواب التقريب الأوّل: إن الدلالة الالتزامية ليست في طول معارضها، بل في طول الدلالة المطابقية الأخرى. إذن فحين ننظر إلى كلّ من المعارضتين في نفسها نرى أن طرفيها عرضيان ولا مزيّة لأحدهما لترجيحه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
نلتزم بسقوطهما معاً فيما إذا كان ترجيح كلّ منهما على الآخر بلا مرجّح. وأما إن كان ترجيحه بمرجّح فلا نلتزم بالمعارضة بل نلتزم بترجيح ما يكون له مرجّح بحسب صناعة باب المعارضة.
وإنما يتحقّق هذا الشرط وهو كونه بلا مرجّح فيما لو فرض أن كُلّاً من الدليلين لو لوحظ في نفسه يرى أنه تامّ الجهات من جميع الجهات وإنما توقّفه عن الجريان والإعمال هو أن ترجيحه عن الآخر بلا مرجّح بحيث لو ارتكب محذور الترجيح بلا مرجّح فإنه لا يبقى حاجة إلى ارتكاب أيّ مؤونة أخرى. والآخر أيضاً كذلك. ففي مثل ذلك تصير نسبة برهان التساقط وهو الترجيح بلا مرجّح إليهما على حدّ سواء، فيتعيّن التساقط.
وأما لو فرض أنهما كانا بنحو بحيث إن أحدهما لو أريد ولو محالاً ارتكاب الترجيح بلا مرجّح معه فلا بُدّ أن نواجه محذوراً آخر ولوجدنا فيه عيباً آخر، بينما الآخر ليس فيه عيب سوى هذا الترجيح بلا مرجح. هنا يكون ترجيح فاقد العيب على واجده ترجيحاً بمرجّح؛ لأن نسبتهما إلى دليل التساقط ليس على حدّ واحد.
هذه الكبرى وجدنا لها مصداقاً وهو ما إذا وجدت عندنا طائفتان -كلّ واحدة مكوّنة من دليلين على الأقلّ- وكان بين كلّ فرد من هذه الطائفة وبين فرد بعينه من تلك الطائفة تعارض. ونفترض أن طائفة (أ) أفرادها في نفسها غير متعارضة داخلياً بينما يوجد في داخل طائفة (ب) تعارض. ففي مثل ذلك تتقدّم طائفة (أ) على طائفة (ب).
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وحينئذٍ تنطبق عليه الكبرى التي قلناها ونقول: إننا لو أردنا أن نقدّم الدلالة الإلتزامية على المطابقية المعارضة لها فإننا نواجه الترجيح بلا مرجّح، وبقطع النظر عن ذلك يوجد محذور آخر. لأننا لو رُخصنا بالترجيح بلا مرجّح مرّة واحدة، ورجّحنا إحدى الالتزاميتين فسوف نبتلي بالترجيح بلا مرجّح مرّة أخرى وهو أن يقال: لماذا قدّمتم هذه الدلالة الالتزامية على هذه المطابقية، قدّموا تلك الالتزامية على تلك المطابقية، حيث لا يمكن تقديم كِلتا الدلالتين الالتزاميتين. ففي تقديم أيّ دلالة التزامية على معارضها يوجد جزافان لا جزاف واحد. وأما إذا جئنا إلى الدلالتين المطابقيتين وقدّمنا هذه الدلالة المطابقية على هذه الإلتزامية، هنا لا يوجد إلّا محذور الترجيح بلا مرجّح، فلو سمح لنا في جزاف واحد فإنه لا يأتي إشكال: أنكم لماذا قدّمتم هذه المطابقية دون تلك؛ لأننا نقدّم كِلتا المطابقيتين على كِلتا الالتزاميتين. حيث لا تعارض بين المطابقيتين. وحينئذٍ يخرج التقديم عن كونه ترجيحاً بلا مرجّح بمقتضى المقدّمة التي قلناها، وهي أن الدليل الذي ليس له محذور مع غضّ النظر عن الترجيح بلا مرجّح يتقدّم على الدليل الذي فيه عيب آخر، ويكون الترجيح بمرجّح، ومعه فتتقدّم الدلالات المطابقية على الإلتزامية.
وهذا هو الحقّ لو تعاملنا مع دليل الحجّية كدليل لفظي له إطلاق، كما عليه الآغايون. ولكن أشرنا أن هذه الحجّية سواء كان عليها دليل لفظي أو لم يكن هي حجّية عقلائية مركوزة، ولهذا نحكّم عليها الارتكاز. ولا شكّ أن الارتكاز يأبى في باب الأمارات التفكيك بين الدلالة المطابقية والالتزامية، وإن
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
كان ذلك في باب الأصول عرفياً وهذا الارتكاز هو الشفيع الأخير الذي يشفع لنا في الالتزام بالتساقط، وإلّا فالعمل بهما معاً متعيّن لو كان الدليل لفظياً وهذا بحسب الحقيقة رجوع إلى الفرض السابق، وهو ضمّ الارتكاز، لا أنه اختيار على فرض هذا القسم. هذا هو تمام الكلام في الصورة الأولى.
إيضاح
ويمكننا أن نلبس الذي قلناه ثوباً أوضح فنقول:
إنه هنا يوجد عندنا معارضتان: معارضة بين الدلالة المطابقية لدليل وجوب الظهر مع الدلالة الإلتزامية لدليل وجوب الجمعة. ومعارضة بين الدلالة المطابقية لدليل الجمعة مع الإلتزامية لدليل الظهر. والتساقط بين المتعارضين معناه أن كُلّاً منهما يكون اقتضاؤه تامّاً في نفسه وصالحاً للمانعية عن وجود الآخر باعتبار كونه مثله، فيكون ترجيحه عليه بلا مرجّح. فإذا أخذنا إحدى المعارضتين كمعارضة الدلالة المطابقية للظهر مع الإلتزامية للجمعة التي تنفي وجوب صلاة الظهر، فهل يعقل مانعية اقتضاء دليل الحجّية للشمول للدلالة الإلتزامية عن فعلية شموله للمطابقية، فإنه لو لا باب التعارض يكون دليل الحجّية مقتضياً للشمول لهما، فهل اقتضاؤه للشمول للالتزامية مانع عن شموله للمطابقية أو لا؟ نرى أنه إذا كان مانعاً هل يلزم محذور باطل أو لا؟!
فإن معنى هذه المانعية هو أن فعلية حجّية الدلالة المطابقية للظهر موقوفة على عدم اقتضاء دليل الحجّية للشمول للدلالة الالتزامية لدليل الجمعة؛ لأن
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المفروض تمانعهما وأن شمولها للالتزامية تحرم ذاك عن التأثير.
ومعنى ذلك: أن عدم فعلية الحجّية للدلالة المطابقية للظهر فرع تمامية اقتضاء شموله للدلالة الالتزمية لدليل الجمعة، واقتضاء دليل الحجّية للشمول للدلالة الالتزامية لدليل وجوب الجمعة موقوف على شمول دليلها للدلالة المطابقية لدليل الجمعة؛ لأننا بيّنا أن الدلالة الالتزامية فرع الدلالة المطابقية وتابعة لها في الحجّية، فإذا لم تكن المطابقية حجّة بالفعل إما لعدم المقتضي أو لوجود المانع، فلا اقتضاء لحجّية الدلالة الإلتزامية أصلاً. فأنتج أن سقوط حجّية الدلالة المطابقية للظهر موقوف على ثبوت الحجّية الفعلية للدلالة المطابقية لدليل الجمعة لكن بواسطة.
ونقول نفس الشيء في عكس المطلب أيضاً، فإن سقوط الدلالة المطابقية لدليل الجمعة فرع اقتضاء دليل الحجّية للشمول للدلالة الالتزامية لدليل الظهر، إذ لولاه لا موجب لسقوط تلك الدلالة المطابقية، وهذا الاقتضاء في الدلالة الالتزامية للظهر فرع فعلية الحجّية في المطابقية للظهر بدليل التبعية. إذن فأصبح كلّ من الحجّيتين سقوطاً وثبوتاً موقوفاً على الآخر، وهذا هو الدور وهو مستحيل. إذن ففرض المانعية فيهما معاً -أي: فرض أن هذه الدلالة الالتزامية تمنع عن تلك المطابقية وبالعكس- مستحيل فإنه ينتج التوقّف الطرفيني ما بين حجّيتي الدلالتين المطابقيتين، وهو معنى الدور. إذن فيستحيل أن يكون في دليل الحجّة اقتضاء لكِلتا المانعيتين.
فإذا تمّت هذه المرحلة وتعيّن أن كِلتا المانعيتين مستحيلة، ولا يمكن أن
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يكون لدليل الحجّية اقتضاء للشمول لكِلتا الدلالتين الالتزاميتين، وإنما يعقل أن يكون له اقتضاء واحد للشمول لدلالة التزامية واحدة؛ لأنه لا يلزم الدور حينئذٍ. لكن هذا بنفسه مبتلى ببرهان الترجيح بلا مرجّح؛ إذ بعد فرض أن أحد الاقتضائين لدليل الحجّية لا بُدّ من رفع اليد عنه ولا معيّن لإحدى الالتزاميتين في مقابل الأخرى، يسقط اقتضاؤه لكِلا الدلالتين الالتزاميتين، ومعه لا يبقى مانع من إعمال الدلالتين المطابقيتين معاً. هذا تمام الكلام في القسم الاول.
القسم الثاني: ما إذا كان التعارض ذاتياً على وجه التناقض
وأما القسم الثاني وهو ما إذا كان التعارض تعارضاً بالذات وكانت النسبة بينهما هو التناقض لا التضادّ، كدليل دلّ على الوجوب ودليل دلّ على عدم الوجوب. فالشقوق المتصوّرة فيه أربع: إعمالهما وترجيح أحدهما بعينه والتخيير والتساقط. والمدّعى هو أن الشقوق الثلاثة الأولى كلّها غير معقولة فيتعيّن التساقط.
أما أن إعمال كِليهما غير معقول فلأن أحدهما مثبت والآخر نافٍ، ومقتضى اجتماعهما في الحجّية اجتماعهما في التنجيز والتعذير. وقد قلنا: إن أحد المنشأين للتنافي بين الحجّتين هو استحالة الاجتماع في التنجيز والتعذير وهو موجود في المقام. وهذا هو الذي فرّقه عن القسم الثاني، فإنهما معاً مثبتان فلم يكن الجمع بينهما جمعاً بين التنجيز والتعذير بل جمعاً بين التنجيزين.
وأما ترجيح أحدهما بعينه فهو ترجيح بلا مرجح، وهو غير معقول، ولا ينبغي أن يقصد من ذلك أن الترجيح بلا مرجّح قبيح، بل مقصودنا أنه إفتاء
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بغير علم من قبل الفقيه؛ لأن وظيفته اكتشاف مراد المولى والمفروض أنه لا يمكن أن يريد كِلا الخطابين. وحيث إن مراده مردّد بين الدليلين، فلو اختار الفقيه أحدهما وقال إن هذا هو مراده، كان قد قال بغير علم.
التخيير
وأما التخيير، ففيه وجوه عديدة لا بُدّ من إبطالها جميعاً:
1- أن نقيّد حجّية كلّ منهما بعدم حجّية الآخر.
2- أن نقيّد حجّية كلّ منهما بعدم صدق الآخر وكذبه الواقعي.
3- أن نقيّدها بعدم الالتزام بالآخر.
4- أن نقيّد حجّية كلّ منهما بعدم الالتزام بنفسه.
5- أن دليل الحجّية يشمل أحدهما لا بعينه، فهي حجّية واحدة لا حجّيتان -كما في الوجوه السابقة-، بل حجّية واحدة موضوعها عنوان أحدهما.
6- أن الحجّية ثابتة لواقع معيّن هو غير المعلوم إجمالاً كذبه.
وكلّ هذه الوجوه باطلة وسيأتي توضيحها. وهي باطلة لأن كلّ واحد منها فاقد شرطاً أو أكثر من شروط التخيير المعقولة وهي أربعة شروط، وبإتمامها يظهر الحال في الفروض المتخيّلة للتخيير التي لا حاجة إلى استقصائها في المقام.
شروط أربعة لفرضية التخيير
لكي نحصل على قرينة للتخيير معقولة ووافية بغرض الأصولي من حيث
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
رفع التنافي بين دليلي الحجّية، لا بُدّ أن تتوفّر في فرضية التخيير أربعة شروط:
الشرط الأوّل: أن تكون الحجّية المقيّدة المدّعى جعلها في كلّ من القسمين، معقولة. وأما إذا كان القيد للحجّية المشروطة سنخ شرط يوجب عدم معقوليته منها. فهي لا تكون كافية لتصوير التخيير على القاعدة في المقام.
الشرط الثاني: أنه بعد فرض أن الحجّية المشروطة معقولة في نفسها فلا بُدّ أن لا يكون بين الحجّيتين المشروطتين في الطرفين أيّ تنافٍ أو تعارض. وأما إذا كان هناك تنافٍ بين الحجّيتين المشروطتين فنقع مرّة أخرى في الاشكال؛ لأننا نكون قد دفعنا التنافي بين الحجّيتين المطلقتين بحجّيتين مشروطتين متنافيتين أيضاً. إذن فلا بُدّ أن يفرضا غير متنافيتين.
الشرط الثالث: أن لا تكون الحجّية المشروطة هنا منافية مع الحجّية المطلقة هناك. فلو كان هناك تنافٍ على هذا النحو، وكان إطلاق دليل الحجّية يقتضي الحجّية المطلقة، وإطلاقه ينافي الحجّية المشروطة هناك، فالحجّية المشروطة هنا كما يجب أن لا تنافي الحجّية المشروطة هناك، كذلك يجب أن لا تنافي الحجّية المطلقة هناك. فإنه أيضاً يقع تعارض بين الحجّية المطلقة ومطلق الحجّية.
الشرط الرابع: أن تكون الحجّية التخييرية التي نريد أن نلتزم بها سنخ حجّية بحيث تكون داخلة تحت دليل الحجّية، يعني: أنها من بعض حصص المطلق لدليل الحجّية، ويكون التمسّك به لإثبات الحجّية من باب التمسّك بدليلها لبعض حصصه، لا أننا نتبرّع بإعطاء مدلول له من الخارج. فلا بُدّ أن تكون هذه الحجّية شيء ثابت بدليلها حتى في غير مورد التعارض، غاية الأمر
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أننا في مورد التعارض نرفع اليد عن الزائد، فيكون استثناء من دليل الحجّية، لا أننا نعطيه مدلولاً جديداً بلا قرينة، ولا قرينة.
وهذه الشروط غير متوفرة في فرضية التخيير لهذا القسم (الثاني):
الصورة الأولى للتخيير: أن نقيّد كلّاً منهما بعدم حجّية الآخر
أن يُقال: إن حجّية كلّ من الخبرين مشروط بعدم حجّية الآخر، فهما حجّيتان مشروطتان، وشرط كلّ منهما عدم الحجّية الأخرى.
ولو استثنينا الشرط الأوّل فالشرائط الثلاثة الأخرى متوفّرة في هذه الصورة:
أما الشرط الثاني: فلان كلّاً منهما مشروط بعدم الأخرى، فلا يعقل التنافي بينها؛ لأن ظرف فعلية كلّ منهما هو ظرف عدم الآخر، فلا يعقل التمانع بينهما.
واما الشرط الثالث: فلأنه لا تنافي بين القضية المشروطة هنا والمطلقة هناك؛ لأن الحجّية المشروطة ترجع إلى القضية الشرطية: (إن لم يكن ذاك حجّة فهذا حجّة)، والمطلقة تكذّب شرط هذه الشرطية. ومن المعلوم أن صدق الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها.
وأما الشرط الرابع: فمتوفّر أيضاً؛ لأن كِلا الحجّيتين داخلة تحت حصص المطلق، فإن دليل الحجّية يدلّ على حجّية كلّ خبر سواء كان الآخر حجّة أو لا.
ولكن الشرط الأوّل غير موجود، فإن الحجّيتين المشروطتين هنا غير معقولة، فإنه لا يعقل جعل حجّيتين مشروطتين من هذا القبيل بحيث يكون كلّ منهما مانعاً عن الآخر ويتوقّف وجوده على عدم الآخر، فإنه من الدور
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المستحيل، حيث قرأنا في (الكفاية): أن أحد الضدّين لا يكون مانعاً عن الضدّ الآخر. فهذه الفرضية بنفسها غير معقولة.
الصورة الثانية: أن نقيّد حجّية كلٍّ منهما بعدم صدق الآخر
إن كُلّاً من الحجّيتين مشروطة بعدم صدق الآخر، يعنى عدم ثبوت مدلول الخبر الآخر. فخبر زرارة حجّة إذا كان مفاد خبر محمّد بن مسلم كاذباً، وبالعكس. وحيث نعلم إجمالاً بكذب أحدهما نعلم إجمالاً بحجّية أحدهما. فلا دور. لكن مع هذا يقال: إن الشرط الأوّل غير موجود؛ لأن جعل الحجّية بهذا النحو أمر غير معقول في نفسه لا باعتبار محذور الدور بل باعتبار اللغوية وتحصيل الحاصل؛ لأن مدلول الخبرين متناقضان أحدهما يفيد الوجوب والآخر عدمه، فإذا كانت حجّية خبر زرارة الدالّ على الوجوب مشروطة بكذب مدلول خبر محمّد بن مسلم الدالّ على عدم الوجوب، فيرجع ذلك إلى أن خبر زرارة مشروطة حجّيته بكذب اللاوجوب، -يعنى بثبوت الوجوب- يعنى مشروطة بثبوت مدلولها. ويستحيل مثل هذه الحجّية أن تكون منجّزة أو معذّرة؛ لأنه إن لم يصل الوجوب من غير طريقها فهي حجة مشكوكة، وإن وصل من غير طريقها فلا حاجة إليها(1).
ــــــــــ[132]ــــــــــ
() أقول: ولم يذكر السيّد انطباق الشرائط الثلاثة الأخرى عليها بعد بطلان هذه الصورة بفقدان الشرط الأوّل. إلّا أنه أشار إلى توفّر الشرط الثالث، فقال ما حاصله: إن الخبر الذي يفرض حجّيته مطلقة إما أن يصل كذبه فيكون شرط حجّية الآخر محقّقاً، فيكون حجّة دون الأوّل لاستحالة جعل الحجّية مع العلم بالكذب. وإن لم يصل كذبه فيكون هو الحجّة، ولا يكون شرط الآخر محقّقاً.
أقول: وأما عدم التنافي بين الحجّيتين المشروطتين فواضح باعتبار العلم بوجود حجّية واحدة على أيّ حال للعلم بكذب أحدهما. ومعه فيقطع بعدم وجود حجّتين ليتعارضا. أما توفّر الشرط الرابع، وهو كونها مصداقاً من مصاديق دليل الحجّية فواضح. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصورة الثالثة: أن نقيّدها بعد الالتزام بالآخر
إن كلّ حجّية مشروطة بعدم الالتزام بالآخر. يتوفّر هنا الشرط الأوّل والأخير دون الثاني والثالث:
أما الثاني: فلأنه يوجد تنافٍ بين الحجّتين المشروطتين؛ لأنه يمكن اجتماع كِلا الشرطين، وبه يحصل التنافي بينهما فيما إذا لم يلتزم بكِليهما فيصبح الحكم منجّزاً ومعذّراً عنه. وهذا مبني على أن نقصد من الالتزام معنى الموافقة الإلتزامية التي سوف نشير إليها فيما يلي.
وأما الشرط الثالث: فهو غير متوفّر؛ إذ من الواضح أن إطلاق دليل الحجّية لخبر زرارة المقتضي للحجّية المطلقة سواء التزم بالآخر أو لا، يكون معارضاً لحجّية الآخر حال الالتزام به.
وبتعبير آخر: إنه عند الالتزام بخبر محمّد بن مسلم يحصل التعارض؛ لأن خبر محمّد بن مسلم يكون حجّة باعتبار توفّر شرطه، ويكون خبر زرارة حجّة باعتبار إطلاق حجّيته لصورة الأخذ بخبر محمّد بن مسلم. فتتعارض الحجيتان بالتنجيز والتعذير.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصورة الرابعة: أن نقيّد كلّاً منهما بعدم الالتزام بنفسه
أن نلتزم بحجّيتين مشروطتين والشرط في كلّ منهما هو الالتزام بنفسه. فهنا ماذا نعنى من الالتزام؟ فإننا تارةً نريد به ما يرجع إلى الالتزام التشريعي أو عقد القلب المسمّى بالموافقة الإلتزامية. وأخرى يراد به الالتزام العملي، يعني أن أعمل عملاً موافقاً مع الدليل.
فإن فرض أن المراد بالالتزام الالتزام العملي فالشرط الأوّل غير متوفّر؛ لاستحالة جعل الحجّية في نفسها، لأنه من قبيل جعل الحجّية على تقدير الامتثال، ولا يراد بالحجّية إلّا التوصّل إلى الامتثال. كما أن الشرط الثاني غير متوفّر للتنافي بين الحجّيتين المشروطتين؛ لإمكان وجود الشرط لكِلا الحجّيتين، فإنه يكفي أن يأتي بالفعل برجاء المطلوبية، فلم يخالف دليل الوجوب ولا دليل الإباحة؛ لأن دليل الإباحة لا يحتّم الترك(1).
وأما إذا فرضنا أن المراد بالالتزام الالتزام بمضمون الدليل فقد يدّعى التنافي بينهما؛ لأنه لا يصدر من العاقل البناء على الوجوب وعلى عدمه. وعلى أيّ حال فلا أقلّ من بطلان هذه الفرضية بلحاظ عدم توفّر الشرط الثالث، فإن الحجّية المطلقة هنا تنافي الحجّية المشروطة هناك. ويكفي هذا في إبطال التخيير -ولا حاجة إلى التنافي بين الحجّيتين المشروطتين- فإن الحجّية المطلقة لخبر محمّد بن
ــــــــــ[134]ــــــــــ
() أقول: ولعلّ الشرط الثالث أيضاً غير متوفّر بنفس البيان الذي ذكرناه في الصورة الثالثة. نعم، الشرط الرابع متوفّر بوضوح. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مسلم لحال الالتزام بخبر زرارة يعارض مع حجّية خبر زرارة عند الالتزام به وتوفّر شرطه(1).
ولا حاجة في إبطاله إلى ما ذكره السيّد الأستاذ من أنه على هذا الوجه لو لم يلتزم بهذا ولا بذاك فلا يكون كِلاهما حجّة وهو بعيد ان يختاره القائل بالتخيير، لا حاجة إلى ردّه بالاستبعاد بعد إمكان إلزامه برهانياً ببطلانه.
الصورة الخامسة: أن دليل الحجّية يشمل أحدهما على وجه الترديد
أن نتصوّر حجّية واحدة قائمة بأحد الخبرين على وجه الترديد المعبّر عنه بقولنا: إما هذا وإما هذا. كالذي ادّعي في بعض نظريات الوجوب التخييري من أن الوجوب متعلّق بأحدهما المردّد، كذلك في المقام فإن موضوع الحجّية هو خبر شخصي لكنّه غير معيّن.
الصورة السادسة: أن موضوع الحجّية هو عنوان أحدهما الكلّي الانتزاعي
أن يكون موضوع الحجية هو عنوان أحدهما القابل للانطباق على هذا الفرد وهذا. وفرقه عن السابق هو في الفرق بين واقع أحدهما المردّد ومفهوم أو عنوان أحدهما الذي هو كلّي انتزاعي جامع قابل للانطباق على كلّ منها، وهو موضوع الوجوب التخييري. على مسلك آخر فيه.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
() أقول: هذا هو نفس التقريب السابق لعدم توفّر الشرط الثالث. وأما الشرط الثاني فيستحيل عدم توفّره لاستحالة الالتزام بكِلا الخبرين. ومعه لا يمكن اجتماع شرطي الحجّيتين. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصورة السابعة: أن موضوع الحجّية هو ما لم يكشف العلم الإجمالي عن كذبه
أن يكون موضوع الحجّية هو غير ما يُعلم إجمالاً كذبه أو ما لم يكشف العلم الإجمالي عن كذبه. فإننا لا محالة نعلم بكذب واحد منهما، فيكون الآخر منهما هو الحجّة بناء على هذا الوجه.
[إشكال مشترك الورود على الصور الثلاث الأخيرة]
هناك إشكال مشترك الورود على هذه الصور الثلاث في هذا القسم الذي نتكلّم عنه، وهو التعارض بالذات بنحو التناقض، ولذا ذكرناها متتالية. وهو: أن جعل الحجّية بأحد هذه الانحاء إن أريد بها إيصال أحد الحكمين بعينه إلى مقام العمل تضييقاً أو توسيعاً، فهو غير معقول؛ لأن نسبة الحجّية إلى كِلا الطرفين -بحسب إحراز المكلّف- على حدّ واحد. وإن أريد بها تثبيت أحد الحكمين لا بعينه على المكلف، فهذا حاصل بالعلم الوجداني للعلم باستحالة ارتفاع النقيضين، والعلم وإن كان موجوداً إلّا أنه لا أثر له في مقام العمل، فكيف تجعل الحجّية في مورد العلم، وهل في الإمكان أن تزيد عليه في الأثر؟!
إشكالات خاصّة بكلّ صورة على حدة
وهناك إشكالات خاصّة بكلّ صورة على حدة:
أما الفرضية الخامسة: وهي أن يكون موضوع الحجّية هو واقع أحدهما المردّد.
هذا له تقريبان:
فتارةً يقرّب ببيان: أن دليل الحجّية يشمل تمام أفراد الخبر، وأفراد الخبر على
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
قسمين -كأفراد أيّ كلّي-: أفراد معيّنة وأفراد مردّدة، ومقتضى الإطلاق في دليل الحجّية الشمول للفرد التعييني والترديدي من طبيعي الخبر، وحيث إن شموله للفرد المعيّن هنا والفرد المعيّن هناك غير معقول لوجود التعارض، إذن فيشمل الفرد المردّد -الفرد الثالث- بلا معارض.
التقريب الثاني: أننا نثبت جعل الحجّية لأحدهما المردّد ببرهان ثبوتي وحاصله: أن المقتضي للحجّية في كلّ منهما موجود في نفسه، وهو الكاشفية، والمانع وإن كان موجوداً وهو العلم الإجمالي، إلّا أنه عن حجّية أحدهما لا عن حجّية كِليهما. فالعلم الإجمالي مانع عن حجّية أحدهما لا بعينه، وحيث إن نسبة المانع إلى كِلا المقتضيين على حدّ سواء، فأحدهما لا بعينه يكون ممنوعاً وأحدهما لا بعينه يكون حجّة.
وكِلا التقريبين يشتركان بإشكال: وهو ما بُيّن مراراً من أن أحدهما المردّد مصداقاً أمر غير معقول، فإن التردّد واللا تعيّن مساوق دائماً مع الكلّية. وأما في الأمور الجزئية فغير معقول. وقد بُرهن على ذلك في بحث تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، وغيره. إذن فلا مجال لكِلا التقريبين.
أما الاشكال المختصّ بالتقريب الأوّل: وهو التقريب الاثباتي، فهو إشكال عرفي، فإن الفرد المردّد إذا كان معقولاً في أذهان الفلاسفة فالعرف لا يرى إلّا فردين لدليل الحجّية، ولا يرى فرداً ثالثاً مردّداً ليشمله دليل الحجّية.
وأما التقريب الثاني الثبوتي: فهو أيضاً باطل؛ لأنه يفترض أننا أحرزنا تمامية المقتضي لكِلا الخبرين، مع أننا لا نعرف ذلك إلّا بلحاظ دليل الحجّية،
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والمفروض أنه بمدلوله اللّفظي لا يساعد على التعيين ولا على التخيير في كلّ منهما، وإنما يساعد على التساقط، إذن فلا كاشف عن تمامية مقتضى الحجّية فيهما، إلّا بناءً على مبانٍ باطلة كالبقاء على بقاء الدلالة الالتزامية مع سقوط المطابقية(1).
الفرضية السادسة: أن تكون الحجّية لعنوان الجامع، وهذا نتصوّر له معنيين:
أحدهما: أن تكون الحجّية متعلّقة بالجامع بين الخبرين بحيث يدّعى أن الجامع بين الخبرين خبر، كما أن الجامع بين الإنسانين إنسان، فيكون حجّة.
ثانيهما: أن كلِا الإخبارين إخبار عن الفرد وإخبار عن الجامع، كما لو أخبرني شخص: (أن زيداً في المسجد) فأعلم أن الإنسان في المسجد، فهذا الخبر إخبار عن الوجوب وعن الجامع بينه وبين مدلول الآخر. والإخبار بالخصوصية لا يمكن أن يكون حجّة للتعارض، وأما الإخبار بالجامع فيمكن أن يكون حجّة، فيكون كلّ خبر حجّة بمقدار الجامع.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
() أقول: يريد السيّد بذلك: دلالة دليل الحجّية التزاماً على وجود الملاك، فإذا سقطت دلالته المطابقية للتعارض أمكن التمسّك بالدلالة الالتزامية لإثبات وجود المقتضي أو الملاك، إلّا أنه مسلك باطل. على أنه في الإمكان أن يستكشف الملاك بطريق فهم العرف، فإن كِلا الخبرين كاشف نوعي في نفسه، والمفروض أن أحدهما لم يحصل له مانع فيكون حجّة. فقد نقّحنا موضوع الحجّية بالنظر العرفي فيشمله الدليل. إلّا أن يقال: بأن العرف أيضاً لا يرى تمامية المقتضي في صورة التعارض بنحو التناقض، ويرى قلّة كاشفية الخبر في مثل ذلك. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما التصور الأوّل: فلا معنى له؛ لأن الجامع بين الخبرين ليس إخباراً عن شيء حتى يكون حجّة في مدلوله، لأنه ليس له مدلول أصلاً. فإن ما يكون له مدلول هو فرد الخبر لا الجامع بينه وبين غيره. مضافاً إلى أن الجامع بين الخبرين بهذا العنوان لا يشمله دليل الحجّية؛ لأن الحجّية فيه علّقت على الخبر بما هو وليس من أفراده الجامع بين الخبرين لأنه ليس فرداً ثالثاً.
وأما التصور الثاني: فهو يكون معقولاً بناء على إمكان التفكيك بين المدلولات التضمّنية التحليلية، فإن الدلالات التضمّنية على قسمين: فبعضها غير تحليلي كـ(إكرام العلماء) الشامل للفقهاء والنحويين، فإذا سقطت دلالته في النحويين، تبقى دلالته على وجوب إكرام الفقهاء جارية. وأما في المقام فهي دلالة تضمّنية تحليلية، كما لو أخبرني بوجود زيد في المسجد وأنا أعلم بخروجه ولكنّي أعلم أن الإنسان في المسجد. ولا إشكال في بطلانه حتى عند من يدّعي إمكان التفكيك في الدلالات التضمّنية، فإنه إنما يدّعيه في غير التحليلية.
وأما الفرضية السابعة: وهي أن الحجّية تجعل على غير المعلوم بالإجمال، فإشكالها أن عنوان غير المعلوم بالإجمال لا يكون له تعيّن حتى في الواقع، فإننا تارةً نعلم وجداناً بكذب أحدهما وصدق الآخر، وحينئذٍ نواجه الإشكال العامّ من أن الحجّية التعبّدية ليست أشد من العلم الوجداني، فإننا نعلم بصدق أحدهما ولم يكن لهذا العلم أثر في مقام العمل، فكيف بالحجّية؟! وأما إذا لم نعلم إجمالاً بصدق التالي ولو في صورة غير التناقض، يعنى مع احتمال كذب الاثنين وحينئذٍ فقد تكون نسبة العلم الإجمالي إليهما على حدّ واحد ولو في علم
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
جبرئيل، وحينئذٍ لا يكون تعيّن للمعلوم بالإجمال، فغيره لا يكون له تعيّن أيضاً، ولا معنى لحجّية غير المتعيّن في الواقع.
وبهذا تبيّن عدم معقولية التخيير بصوره السبع، كما تبيّن عدم معقولية التعيين والجمع، فيتعيّن المصير إلى التساقط في هذا القسم، وهو ما إذا كان التعارض ذاتياً على وجه التناقض.
القسم الثالث: التعارض بنحو التضادّ
هو أن يكون التعارض ذاتياً بين الخبرين، بنحو التضادّ بحيث يحتمل ارتفاعهما ولا يحتمل اجتماعهما، كالدليل الدالّ على الوجوب والدليل الدالّ على الإباحة بالمعنى الأخصّ.
هنا لا إشكال أن الشقّ الأوّل من الشقوق الأربعة، وهو إعمال الدليلين معاً، غير معقول؛ لاستحالة جعل الحجّية على الحكمين المتضادّين لأن جعل الحجّية لكلّ منهما يقتضي جرياً عملياً في مقام التنجيز والتعذير يختلف عن الآخر، فالوجوب تنجيز كامل والاستحباب تنجيز ناقص والإباحة تعذير كامل وهكذا.. فكلّ مرتبة يستحيل أن تجتمع مع المراتب الأخرى، وإعمال أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح. يبقى الشقّ الثالث، وهو التخيير، وإذا أبطلناه يتعيّن التساقط، فلا بُدّ أن نرجع إلى فرضيات التخيير التي برهنّا على إبطالها في القسم الثاني لنرى أنها كلّها لا تصحّ حتى يتعيّن المصير إلى التساقط، أو يتمّ واحدة منها في هذا القسم، فيبنى عليها، كما هو الصحيح.
الفرضية الأولى: أن تكون حجّية كلّ منهما مشروطة بعدم حجّية الآخر،
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
باطلة؛ لأن محذور توقّف كلّ من الحجّيتين على الأخرى […](1).
الفرضية الثانية: جعل الحجّية في كلّ منهما مشروطة بكذب الآخر، وهي فرضية يتميّز بها القسم الثالث عن سابقه، فإنها لم تكن معقولة هناك؛ لأن التنافي بين الدليلين كان بنحو السلب والإيجاب، فإن جعل لأحدهما حجّية مشروطة بكذب الآخر فمعناه أنه مشروط بصدق نفسه وهو تحصيل للحاصل. ويستحيل أن تكون هذه الحجّية مؤثّرة في مقام العمل؛ لأن صدقه إن أحرز من جهة أخرى فهو كافٍ، وإلّا فلا يكون موضوعها متحقّقاً.
وأما في هذا القسم، فهي فرضية معقولة، وهذا القسم من التخيير لا مناص لهم من الالتزام به وإن لم يلتزموا به. بتقريب: أن مقتضى دليل الحجّية هو أن كِلا الخبرين حجّة مطلقاً سواء كان الآخر صادقاً أو كاذباً. ولكن نقيّدها بحال كذب الآخر، وهي تتوفّر فيها الشروط الأربعة المعقولة للتخيير:
الشرط الأوّل: أن تكون الحجّية مشروطة في نفسها معقولة. وهو متوفّر في المقام إذ لا يلزم أن تتوقّف أيّ من الحجّيتين على الأخرى ولا يتوقّف صدق دليل على نفسه؛ لأن كذب الآخر لازم أعمّ من صدق هذا لاحتمال أن يكون كِلاهما كاذباً.
الشرط الثاني: أن لا يكون تنافٍ بين الحجّيتين المشروطتين. كذلك هنا إذ يستحيل وصول كِلا الشرطين بأن أعلم بكذب كلّ منهما؛ إذ مع العلم بكذبهما معاً يزول الشكّ والحجّية مشروطة به، ومع العلم بكذب أحدهما يكون الآخر حجّة.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) كلمة غير واضحة في النسخة الخطية.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الشرط الثالث: أن لا يكون تنافٍ بين الحجّية المطلقة والمشروطة، كذلك هنا فإن الحجّية المطلقة هنا لا تعارض الحجّية المشروطة هناك، إذ يعقل ثبوتاً أن تجعل الحجّية لخبر الإباحة مطلقاً سواء كذب الآخر أو صدق، وتجعل الحجّية لدليل الوجوب حجّية مشروطة بكذب الآخر؛ لأنه إن وصل كذب الدليل الذي حجّيته مطلقة يكون شرط المشروطة متحقّقاً ولا يكون الآخر حجّة، وإن لم يصل كذبه فالحجّة المطلقة موجودة. فيستحيل أن تصل كِلتا الحجّتين وصولاً مؤثّراً.
وهذا يبرهن على أنه لا تنافي بين المشروطين ولا بين المشروط والمطلق، وإنما التنافي منحصر بين المطلقين، فلماذا نرفع اليد عن المشروط فيهما؟!
والشرط الرابع: أيضاً موجود؛ لأن حجّية أحدهما حال كذب الآخر حصّة من حصص إطلاق دليل الحجّية في نفسه.
وهذا أحسن ما يمكن أن يقال في توضيح كيفية نفي الثالث في مورد التعارض؛ لأن الوجدان الفقهي يقتضي التوصّل إلى نفي الثالث في مقام المعارضة، إلّا أن الصناعة الأصولية عجزت عن ذلك حتى فكّكوا بين الدلالتين المطابقية والالتزامية. فإنه وإن لم يفد تعيين الوجوب أو الإباحة لكنّه يفيد في كذب الثالث؛ لأن الفقيه يعلم إجمالاً بأن أحدهما حجّة، لأنه يعلم بكذب أحد الخبرين، ومعناه أن الحجّة الشرعية قائمة إما على الوجوب أو على الإباحة، فالحرمة منفية.
الفرضية الثالثة: أن تكون حجّية كلّ منهما مشروطة بعدم الالتزام بالآخر. يأتي فيها نفس الإشكال السابق في القسم السابق.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الفرضية الرابعة: أن تكون حجية كلّ منهما مشروطة بالالتزام بنفسه، يأتي عليها نفس الاشكال السابق، أو على الأقلّ أن الشرط الثالث غير متوفّر فيها بالبيان المتقدّم.
تبقى الفرضيات الثلاث الأخيرة:
الخامسة: أن تكون هناك حجّية واحدة على أحدهما المردّد.
السادسة: أن تكون الحجّية مجعولة على الجامع بين الخبرين.
السابعة: أن تكون على عنوان غير المعلوم بالإجمال كذبه.
وقلنا: إن هذه الفرضيات مبتلاة في القسم السابق بإشكال مشترك الورود وهو اللغوية؛ لأننا نريد أن نثبت بها شيئاً في الجملة وهو ثابت بالعلم الوجداني. وهذا لا يأتي في المقام، فإننا قد لا نعلم إجمالاً بصدق أحد الخبرين، فيمكن أن نثبت بهذه الفرضيات أمراً زائداً عما يثبت بالعلم الوجداني.
ولكن مع هذا فإن هذه الفرضيات إما غير صحيحة أو ليست بجديدة.
أما الفرضية الخامسة: فيأتي عليها الإشكال ثبوتاً وإثباتاً كما بيّناه بالأمس.
وأما الفرضية السادسة: وهي الحجّية على الجامع فيرد عليها نفس الإشكالات السابقة بالتشقيق السابق.
وأما الفرضية السابعة: فلها صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون عندنا علم إجمالي بالكذب وتكون نسبته إلى كِلا الطرفين على حدّ واحد، بحيث لو فرض كذبهما معاً فلا تعيّن للمعلوم بالإجمال عن الإجمال عن الآخر أصلاً في الواقع. إن نظرنا بنظر ثبوتي فالشرط الأوّل غير
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
موجود، وإن نظرنا بنظر إثباتي فالرابع غير موجود.
الصورة الثانية: أن أعلم إجمالاً بكذب أحدهما بنحو متميّز، بحيث لو كانا كاذبين لكان الآخر متميّزا، كما لو كنت أعلم بكذب الراوي الذي من قرية كذا ولكنّني لا أميّزه منهما، وكان كِلاهما كاذباً، فهنا يكون مصداق معلومي الإجمالي متميّزاً في الواقع، بحيث لو سئل عنه جبرئيل لقال: من يُعلم بكذبه إجمالاً هو هذا.
أما الصورة الأولى فلا يعقل فيها جعل الحجّية التخييرية بهذا المعنى؛ لأن موضوع الحجّية -وهو غير المعلوم بالإجمال- غير متعيّن في الواقع. وأما الصورة الثانية فمرجعها بحسب الحقيقة إلى الفرضية الثانية التي قلنا بإمكانها؛ لأن مرجعه إلى أنه إذا لم يكن ابن القرية كاذباً فهذا حجّة، أو إن كان الآخر ابن القرية بهذا حجّة، وهو يرجع إلى أنه إذا كان الآخر كاذباً فهذا حجة، فيكون معقولاً؛ لأنه من فرضية قديمة لا جديدة.
[تلخيص وتحصيل]
فبهذا تبرهن الموقف العامّ في دليل الحجّية في باب التعارض، فإن كان التعارض بالعرض فمقتضى الأصل الأوّلي هو إعمال كِلا الدليلين، وإن كان من باب التناقض فمقتضى الأصل الأوّلي التساقط، وإن كان بنحو تعارض الضدّين فهو يقتضي التخيير. ومن هنا ظهر وجوه الخلل فيما أفاده المشهور الذاهبين إلى التساقط في الجميع.
*****
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومن هنا يظهر أنه في القسم الأوّل إذا كان التعارض بالعرض للعلم الإجمالي بكذب أحدهما من الخارج الذي قلنا: إن مقتضى القاعدة هو إعمالهما معاً بإسقاط الدلالتين الالتزاميتين وبقاء المطابقيتين ببرهان بيّناه.
ولو قطعنا النظر عن ذلك البرهان وقلنا: إن القاعدة تقتضي استحالة كِلا الدليلين، إذن فتنتهي النوبة إلى التخيير الذي قلناه في القسم الثالث. فيكون إعمال كِلا الدليلين غير معقول بحسب التنزّل وإعمال، أحدهما بعينه ترجيح بلا مرجّح. أما التخيير فالكلام فيه عين الكلام في القسم الثالث فما يعقل فيه يعقل في القسم الأوّل.
الفرضية الثانية(1) أن تكون حجّة كلّ منهما مشروطة بكذب الآخر، كما لو دلّ دليل على وجوب القراءة الجهرية، ودليل على وجوب الإخفاتية، وعلمنا من الخارج بعدم وجوب القراءتين معاً. فيقيّد حجّية كلّ منهما بكذب الآخر، وتكون الشروط الأربعة للتخيير كلّها متوفّرة.
الأوّل: أن تكون الحجّيتان معقولتين في أنفسهما، كذلك هنا، فإنه لا يلزم من جعلهما محذور الدور؛ لأن أحدهما غير متوقّف على عدم الحجّية الأخرى. ولا محذور تحصيل الحاصل؛ لأن كُلّاً منهما مشروط بكذب الخبر الآخر، وكذب الآخر ليس مساوقاً مع صدق نفسه -يعنى الأوّل- لاحتمال أنه لا يجب شيء من القراءة لا الجهرية ولا الإخفاتية.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
() وقد طبّق السيّد لمجرّد التمرين الفرضيات السبعة كلّها إلّا أننا نقتصر على ذكر الفرضية الثانية التي كانت ممكنة في القسم الثالث، وأصبحت ممكنة في القسم الأوّل بعد التنزّل… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الثاني: أن لا يكون تعارض بين الحجّتين المشروطتين: كذلك هنا؛ لأن هاتين الحجّيتين المشروطتين إنما يتنافيان فيما إذا أحرز شرطهما في وقت واحد؛ لأن تنافيهما فرع التنجيز والتعذير معاً، وهما فرع إحراز الشرط، فإذا لم يحرز الشرط فلا تنجيز ولا تعذير، فلا تعارض بين الحجّيتين. وذلك لأنه لا يمكن إحراز الشرطين معاً؛ لأن المكلّف إما أن يعلم بكذب الخبرين معاً فيكون كِلاهما ليس بحجةّ لعدم توفّر موضوع الحجّية أساساً وهو الشكّ فلا تعارض. وإذا علم تفصيلاً بكذب أحدهما المعيّن فالحجة هو الآخر ولا تعارض. وإذا لم يعلم تفصيلاً بشيء فلم تصل إليه كِلتا الحجّيتين حتى يترتّب عليه التعارض.
نعم، هو يعلم إجمالاً أن أحدهما تحقّق شرط حجّيته في الواقع؛ لأنه يعلم أن أحدهما كاذب. وهو وإن كان يحتمل أن كِلتا الحجّتين تحقّق شرطهما في الواقع إذ يحتمل كذب كِلا الخبرين، إلّا أنه احتمال الاجتماع، وهو لا يوجب التعارض ما لم يصلا.
الشرط الثالث: أيضاً موجود، فإن أيّاً من الخبرين يمكن أن تكون حجّيته مطلقة والآخر حجّيته مشروطة بكذب الآخر ولا يلزم التعارض؛ لأن التعارض فرع وصول الحجّيتين معاً وهما لا يعقل وصولهما معاً؛ لأن المكلّف إن علم بكذب الحجّة المطلقة فإنها تسقط ولا تبقى إلّا المشروطة لتحقّق شرطها، وإن لم يعلم بكذب الحجّية المطلقة فهي التي تكون حجّة فقط ولا يكون شرط المشروطة متحقّقاً، إذن فلا تنافي بين المشروطتين ولا بين المطلق والمشروط وإنما التنافي بين المطلقتين، فإذا رفعنا اليد عن الإطلاق فقد استرحنا من المعارضة.
والشرط الرابع: أيضاً متوفّر، فإن حجّية خبر وجوب القراءة الإخفاتية،
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
حال عدم صدق الآخر، هو إحدى الحالات التي كانت مشمولة لإطلاق دليل الحجّية.
إذن فهذه الفرضية معقولة أيضاً في هذا القسم الأوّل، مع تنزّلنا عما قلناه من أن مقتضى الأصل الجمع بين الدليلين، وتكون النتيجة الفقهية هي نفي الثالث؛ لأن الفقيه يعلم وجداناً أن إحدى الحجّيتين متحقّق شرطها.
ففرضية التخيير محكومة بدعوى قبلها وهي دعوى إعمال كِلا الدليلين، ومعه لا تصل النوبة إلى التخيير، وأما في القسم الثالث فلا يوجد دعوى إعمال كِلا الدليلين فتصل النوبة إلى التخيير.
قال الآغايون: إننا إذا أردنا تأسيس الأصل الأوّلي للتعارض فإننا نتعامل فقط مع دليل الحجّية ويكون مقتضى الأصل حينئذٍ هو التساقط؛ لاستحالة الجمع والتعيين والتخيير.
وهناك أصل آخر يمكن الانتهاء إليه بلحاظ دليل الحجّية ودليل آخر يدلّ على وجود الحجّية في الجملة في باب التعارض على نحو التعيين أو التخيير، ويكون هذا الدليل نافياً لنتيجة الأصل الأوّلي وهي التساقط. وافرضوا أن هذا الدليل هو الإجماع، فما هو مقتضى الأصل بعد رفع اليد عن الأصل الأوّلي؟!
وهنا قالوا: إن المسألة تكون من باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فإن الدليل دلّ على ثبوت الحجّية إما تعييناً أو تخييراً، وفي مثل ذلك يمكن أن يفرض أربعة فروض:
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أحدها: أن نعلم من الخارج أن أحد الخبرين أقوى ملاكاً من الآخر.
ثانيها: أن نعلم بتساويهما ملاكاً.
ثالثها: أن لا نحتمل أن ذاك أقوى من هذا، ولكن نحتمل أن هذا أقوى من ذاك.
رابعها: أن نحتمل أن كلّ واحد منهما أقوى من الآخر.
أما في الفرض الأوّل: فيتعيّن الأقوى لا محالة؛ لأننا نعلم أن ملاك الحجّية ثابت بمقتضى هذا الدليل الثاني، ونعلم أنه على هذا التقدير يكون هذا أقوى فلا بُدّ من جعل الحجّية له تعييناً.
وأما في الفرض الثاني: حيث نعلم بالتساوي في ملاك الحجّية فهذا معناه أننا نعلم بالحجّية التخييرية.
وأما على الثالث: وهو احتمال التعيين في طرف واحد. فيكون من باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير في طرف واحد، فلا بُدّ من استئناف بحث في أنه في مثل ذلك هل تجري أصالة التعيين أو أصالة التخيير؟
وأما الفرض الرابع: فمعناه دوران الأمر بين التعيين والتخيير من الطرفين؛ لأنه يدور الأمر بين تعيين كلّ واحد وتساويه. فلا بُدّ من استئناف بحث في ذلك أيضاً.
والتحقيق: بناء على ما تقدّم من الأبحاث أن تأسيس الأصل الثانوي بافتراض دليل ثانٍ يدلّ على وجود الحجّية في الجملة لا أثر له بالنسبة إلى
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الفروض الثلاثة الأولى من هذه الفروض الأربعة؛ إذ في الإمكان أن نستفيد نفس ما يستفيده المشهور من الدليل الثاني نستفيده من دليل الحجّية الأوّلي، بلا حاجة إلى دليل آخر، وقد ذكرنا ذلك سابقاً ونعيده هنا للتوضيح:
أما على الفرض الأوّل: وهو ما إذا كانت الحجّية على تقدير وجودها أقوى في هذا الطرف، ولم يكن عندنا إلّا دليل الحجّية الأوّلي، فنحن نثبت به تعيّن الأقوى للحجّية وإن لم نملك دليلاً خاصّاً على وجود الملاك. وذلك: لأننا نعلم تفصيلاً في الآخر بسقوط دليل الحجّية بالنسبة إليه؛ لأنه إما لا ملاك للحجّية أو أنه موجود ولكن هذا مغلوب بالأقوى. وأما إطلاق دليل الحجّية لِما نعلم أنه أقوى على تقدير ثبوت الملاك، فلا نعلم بسقوط الإطلاق بالنسبة إليه، لاحتمال أن يكون الملاك ثابتاً وهذا أقوى على هذا التقدير فيكون متعيّناً للحجّية، إذن نتمسّك بإطلاق دليلها للأوّل بلا معارض، لوجود المقتضي وهو الإطلاق وعدم المانع وهو المعارض. فنتوصّل إلى نتيجة الأصل الثانوي بنفس الدليل الأوّلي.
الفرض الثاني: أن نعلم بالتساوي بين الخبرين في الملاك على فرض وجود الحجّية، قالوا: إن الأصل الثانوي يقتضي التخيير، ونحن نتوصّل إلى ذلك بنفس الأصل الأوّلي فنقول: إن إطلاق دليل الحجّية لكلّ من الخبرين -لكلّ من الالتزام بالآخر- معلوم الكذب وجداناً؛ إما لأنه لا ملاك للحجية، وإما إذا كان ملاك فنحن نقطع بالتساوي والتخيير في كلّ منهما. فالحجّية في كلّ منهما لحال الالتزام بالآخر ساقطة على كلّ حال، وأما حجّية كلّ منهما لحال الالتزام بنفسه فهو غير معلوم السقوط، فنلتزم بحجّية كلّ منهما حال الالتزام
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
به، فينتج حجّيتين تخييريتين مشروطتين بحال الالتزام بمتعلّقهما. ونحن نعلم من الخارج أنه يجب الالتزام بأحدهما تخييراً.
الفرض الثالث: أن نحتمل أن أحدهما المعيّن أقوى. قالوا: إنه يدخل في باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير؛ لأن الأوّل في حال الالتزام به حجّة على كلّ حال، لكن لا ندري أنه حجّة تعيينية مطلقة حتى في حال الالتزام بالآخر، أو تخييراً بينه وبينه.
هذا بنفسه يثبت بدليل الحجّية الأوّلي، بأن نقول: إن إطلاق دليلها لمحتمل الأقوائية لحال الالتزام به ليس معلوم الكذب ولا معارض له: أما أنه ليس معلوم الكذب فواضح؛ لأننا نحتمل حجّيته في حال الالتزام به تخييراً كما نحتمل حجّيته المطلقة، كما يحتمل عدم الحجّية رأساً، ففيه ثلاثة احتمالات. وأما الثاني ففيه احتمالان لا غير: أن لا يكون حجّة، وأن يكون حجّة حال الالتزام بنفسه يعني تخييراً. وأما حجّيته المطلقة فغير محتملة، فلو بقينا نحن ودليل الحجّية فشموله لدليل الحجّية للأوّل لحال الالتزام بنفسه ليس له معارض؛ لأن إطلاق دليلها للثاني لحال الالتزام بالأوّل معلوم الكذب وجداناً. فعند الالتزام بالأوّل لا يحتمل حجّية الثاني ويحتمل حجّية الأوّل، فنتمسّك به بهذا المقدار، فيقع التعارض بين إطلاق دليل الحجّية للأوّل في حال الالتزام بالثاني وبين إطلاقها للثاني لحال الالتزام بالثاني؛ لأن الأوّل إذا كان أقوى فالثاني يسقط مطلقاً وإن كانا متساويين فأحدهما حجّة حال الالتزام بنفسه. فنعلم أن إطلاق دليل الأوّل ساقط أو أصل دليل حجية الثاني ساقط. وبعد التساقط يكون الأمر من الدوران بين التعيين والتخيير.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فالصحيح أن إدخال هذا العامل الجديد على أن الحجّية ثابتة في الجملة لا يغيّر من الموقف والنتيجة شيئاً؛ لأننا نتوصّل بالأصل الأوّلي إلى نفس ما توصّلوا إليه بالأصل الثانوي.
نعم، يختلف الحال في الفرض الرابع وهو احتمال التعيين في كلّ منهما، فإننا إذا بقينا ودليل الحجّية الأوّلي يكون مقتضاه هو التساقط المطلق، على الأقلّ في القسم الثاني وهو التعارض على وجه التناقض. هنا لا بأس بأن نفترض دليلاً ثانياً يدلّ على أن التساقط المطلق باطل، وأن الحجّية ثابتة في الجملة ترجيحاً أو تخييراً، وببركة هذا الدليل يصير أمامنا دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فهذا معناه أن ضمّ الدليل الثاني يحدث فرقاً في الفرض الرابع فقط.
فيبقى علينا أن نبحث عن حكم هذا الشكّ الجديد وهو دوران الأمر بين التعيين والتخيير فإننا نواجهه في الفرض الثالث بلحاظ دليل الحجّية وفي الفرض الرابع حين يضمّ الدليل الثاني إليه. المعروف هو أصالة التعيين، إلّا أن الصحيح هو التفصيل على ما سيأتي.
قسّموا ذلك إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: دوران الأمر بين التعيين والتخيير في باب التكليف، بمعنى أن يعلم بوجود تكليف أو وجوب ويتردّد أمره بين كون متعلّقه هو خصوص الظهر تعييناً أو أحد الأمرين تخييراً: الظهر أو الجمعة. وهنا نفترض كأصل موضوعي أننا اخترنا في مثل ذلك البراءة كما اخترناه، وبحثه في باب الأقلّ
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والأكثر الارتباطيين. ونشير إليه إجمالاً: أنه في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير في التكليف يتشكّل علم إجمالي بأحد وجوبين إما الوجوب التعييني للظهر أو الوجوب التخييري للجامع بين الظهر والجمعة. وهما -في عالم الجعل- متباينان وليست النسبة بينهما نسبة الأقلّ والأكثر. وهنا قد يُقال: إن هذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً؛ لأنه لا ينحلّ إلى علم تفصيلي بالأقلّ وشكّ في الزائد. فيكون منجّزاً وتكون البراءة من الوجوب التعييني معارضاً مع البراءة من الوجوب التخييري. ومعه فيجب الاحتياط.
وأجبنا هناك أن هذا العلم الإجمالي وإن لم يكن منحلّاً حقيقة ولكن مع هذا لا تتعارض الأصول في أطرافه، فتجري البراءة عن التعيين بلا معارض؛ لأن الوجوب التخييري مع الوجوب التعييني وإن لم يكونا أقلّ وأكثر بحسب عالم الجعل إلّا أنهما أقلّ وأكثر بحسب عالم المؤونة، فإن المؤونة(1) التي يترتّب حصولها من ناحية التخيير يترتّب حصولها على كلّ حال إما من ناحيتها أو من ناحية التعيين. فلا يعقل إجراء البراءة عن الوجوب التخييري، وأما أصالة البراءة عن الوجوب التعييني فتكون جارية بلا معارض.
القسم الثاني: دوران الأمر بين التعيين والتخيير في عالم الامتثال. والمعروف بينهم -هو الصحيح-: أن أصالة التعيين والاحتياط والإتيان بما يحتمل أنه أهمّ. وتحقيقه في بحث التزاحم، ولا نذكر وجهه الآن لعدم الحاجة إليه في المقام.
ــــــــــ[152]ــــــــــ
() وهو عدم جواز ترك كِلتا الصلاتين. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
القسم الثالث: دوران الأمر في عالم الحجّية، بمعنى أننا نعلم إجمالاً بحجّية مردّدة بين الحجّية التعيينية والحجية التخييرية. قد يُقال: إن مقتضى القاعدة هو أصالة التعيين؛ لأن الخبر الذي تحتمل أنه متعيّن معلوم الحجّية على كلّ حال إما تعييناً أو تخييراً، والخبر الثاني غير معلوم الحجّية، فإنه على تقدير تعيّن الأقلّ فهو ساقط عن الحجّية، فيرجع إلى الشكّ في أصل حجّية الثاني، وكلّما شكّ في حجّية شيء فمقتضى الأصل عدم الحجّية. إلّا أن هذا يحتاج إلى بحث وتفصيل.
وقبل أن ندخل في هذا البحث لا بُدّ أن نشير إلى حالتين رئيسيتين:
فإننا تارةً: نفرض أن علمنا الإجمالي الكبير بمجموعة من التكاليف في الشريعة تارةً يفرض أنه قد انحلّ عندنا قبل أن نعالج مسألتنا هذه بأن نكون قد علمنا تفصيلاً بمقدار من الأحكام الشرعية الإلزامية يصلح ذلك المعلوم الإجمالي بالانطباق عليه. وأخرى نفرض أنه لم ينحلّ العلم بمقدار يصلح للانطباق على معلومنا الإجمالي.
الحالة الأولى: عدم انحلال العلم الإجمالي الكبير
أما إذا لم يكن العلم الإجمالي الكبير منحلّاً، فيكون عندنا علم إجمالي بوجود احكام الزامية في ألف شبهة أحدها: وجوب الدعاء عند رؤية الهلال. وقد ورد خبران: أحدهما يقول: يجب الدعاء عند رؤية الهلال والآخر يقول: لا يجب..، وكان الخبر الدالّ على الوجوب محتمل الأقوائية، ومعنى أصل التعيين ان الاحوط ان نعول على هذا الخبر ومعنى أصالة التخيير ان لنا ان نأخذ بأيّ
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
منهما شئنا. ففي مثل ذلك لا إشكال ان العقل يحكم بوجوب الاحتياط لأن مقتضى العلم الإجمالي هو وجوب الاحتياط في تمام الشبهات إلّا الشبهة التي أحرز فيها قيام الحجّة على الرخصة، واما بدون قيام الحجّة على الرخصة، فاللازم هو الاحتياط لتساقط الأصول في الاطراف. والمفروض في المقام الحجّة المعذرة عن الوجوب لعدم إحراز حجّية الخبر الدالّ على عدم الوجوب، فيجب الاحتياط. غاية الأمر أننا إذا التزمنا(1) بالرواية الدالّة على الوجوب
-التي نحتمل كونها أقوى- فنجزم حينئذٍ بحجّيتها، يعنى جواز الإفتاء بمضمونها. وأما إذا لم نلتزم بها فلا جزم لنا حتى بحجّية الخبر الدالّ على الوجوب؛ إذ لعلّه ليس أقوى، وعلى هذا التقدير فحجّيته تخييرية، إذن فحجّيته مشروطة بالالتزام به، ومعه لا يمكن الإفتاء بمضمونه. ولكن مع هذا لا بُدّ من إيجاد الدعاء لقاعدة الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي. فتجري أصالة التعيين بهذا المعنى.
هذا فيما إذا كان الأمر دائراً بين التعيين والتخيير من طرف واحد.
واما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير من كِلا الطرفين، فحتى لو التزمنا بالخبر الدالّ على الوجوب نحتمل أنه لا حجّة على الوجوب لاحتمال أن يكون الآخر هو الحجّة التعيينية المطلقة، فيكون معنى أصالة التعيين هو وجوب الاحتياط للعلم الإجمالي، فتجري في الصورتين أصالة التعيين بهذا المعنى.
هذا فيما إذا فرض أن محتمل الاقوائية هو الخبر الدالّ على الوجوب، وأما
ــــــــــ[154]ــــــــــ
() بمعنى الموافقة الالتزامية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إذا كان محتمل الاقوائية هو الخبر الدالّ على عدم الوجوب، فإذا التزمنا بخبر الإباحة فقد قطعنا بقيام الحجّة على الإباحة واسترحنا من العلم الإجمالي فيجوز لنا ترك الدعاء عند رؤية الهلال والإفتاء بعدم الوجوب. أما في حالة عدم الالتزام(1) به فلا قطع عندنا بوجود حجّة دالّة على عدم الوجوب؛ لأنه من المحتمل أن يكون خبر الإباحة حجّة تخييرية، وهي مشروطة بالتزام بالخبر، فلا بُدّ من مراعاة وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي.
وأما إذا احتملنا التعيين في كلّ منهما، فلا يحصل لنا جزم بوجود حجّة على الإباحة حتى بعد الالتزام به، فلا بُدّ من الاحتياط على كلّ حال. هذا تمام الكلام فيما إذا لم يكن العلم الإجمالي الكبير منحلّاً.
الحالة الثانية: انحلال العلم الإجمالي الكبير
وأما إذا كان العلم الإجمالي الكبير قد انحلّ وأصبحت الشبهات بدوية ومجرىً للأصول المؤمّنة في نفسها. هنا أيضاً يوجد صورتان:
الأولى: أن يكون أحد الخبرين دالّاً على الالتزام والآخر دالّاً على الإباحة، أو الوجوب واللاوجوب.
الثانية: أن يكونا دالّين على الإلزام لكن بنحو متعاكس، كما لو كان أحدهما للوجوب والآخر للحرمة.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
() فإن لم يلتزم بالخبرين يحتمل أن خبر الإباحة هو الحجّة، وكذلك لو التزم بخبر الوجوب. وعلى أيّ حال فلا يعلم بقيام حجّة على التعذير. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصورة الأولى: أحد الخبرين يدلّ على الوجوب والآخر على عدم الوجوب
أما في الصورة الأولى: وهو ما إذا كان أحد الخبرين دالّاً على الوجوب والآخر على اللاوجوب: فتارةً يكون محتمل التعيّن والاقوائية هو الخبر الدالّ على الوجوب، وأخرى يكون هو خبر اللاوجوب، وثالثة يعلم بالتساوي بينهما.
أما في الصورة الأولى وهو ما إذا احتملنا تعيّن خبر الوجوب دون العكس. ففي مثل ذلك يكون مقتضى القاعدة هو نتيجة التخيير لا التعيين؛ لأننا نعلم إجمالاً بجعل مولوي ظاهري مردّد بين المتباينين: وهما الحجّية التعيينية لخبر الوجوب والحجّية التخييرية. فلو لاحظنا عالم الجعل لهذين الطرفين فهما متغايران متباينان؛ لأن معنى جعل الحجّية التعبّدية لخبر الوجوب يعنى جعل الحجّية له مطلقاً سواء التزم بالآخر أو لا. ومعنى جعل الحجّية التخييرية هو جعل حجّيتين مشروطتين كلّ منهما بالالتزام بنفسه مع العلم بوجوب الأخذ بأحدهما. وهذا الوجوب -للأخذ بأحدهما- ينجّز الواقع على المكلّف، وإنما نحتاجه في تصوّر الحجّية التخييرية بعد انحلال العلم الإجمالي الكبير. وأما إذا فرض عدم انحلاله فيكفي هو في التنجيز عند عدم الالتزام بأحدهما. فافتراض وجوب الأخذ بأحدهما هو افتراض انحلال العلم الإجمالي الكبير.
وعلى أيّ حال فيرجع الأمر وجداناً إلى العلم إما بجعل واحد للحجّية
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التعيينية أو بجعول ثلاثة للحجّية التخييرية. وهذا الجعل مباين للجعول الثلاثة. ومن هنا قد يتخيّل أنه علم بالمتباينين فيكون منجّزاً، إلّا أن نسبة هذا الجعل الواحد إلى تلك الجعول الثلاثة، هي نسبة الأقلّ والأكثر في عالم المؤونة؛ لأنه يتصوّر للمكلّف ثلاث حالات:
الحالة الأولى: الالتزام بخبر الوجوب المحتمل التعيّن. وفي هذه الحالة تكون كِلتا الحجّيتين منجّزة ومجملة، أما لو كانت تعيينية فواضح(1)، وأما إذا كانت تخييرية فلتحقّق شرطها وهو الالتزام بخبر الوجوب. فيعلم بأن الوجوب منجّز على أيّ حال، وتكون الحجّيتان مشتركتين في التأثير.
الحالة الثانية: حالة عدم الالتزام بكِلا الخبرين. وفيها نعلم بوجوب منجّز على المكلّف على أيّ حال سواء كانت الحجّية تعيينية أو تخييرية. أما على التعيينية فواضح؛ لأنه لا يحتمل التعيّن إلّا في خبر الوجوب. وأما بناء على التخييرية فباعتبار الحكم الثالث وهو وجوب الأخذ بأحدهما.
الحالة الثالثة: أن يلتزم بخبر الإباحة، هنا يوجد فرق بين الحجّية التعيينية والحجّية التخييرية، فإن التعيينية تستدعي تنجّز الوجوب حتى لو التزم بالإباحة. والحجّية التخييرية تستدعي عدم تنجّزه. فإن كانت تعيينية فهي في طرف الوجوب، وأما إذا كانت تخييرية فقد تمّت الحجّة على الإباحة لتحقّق شرطها وهو الالتزام به، فتختلف الحجّيتان في التنجيز.
وإن شئتم قلتم: إننا نجري البراءة عن الوجوب الواقعي في الحالة الثالثة
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) إذ لا يحتمل التعيّن إلّا فيه. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
دون الأولى والثانية. أما في الحالة الأولى وهي حالة الالتزام بخبر الوجوب فلا يمكن إجراء البراءة لقيام الحجّة والمنجّز الحاكم على البراءة. وكذلك فيما إذا لم نلتزم بأحدهما للعلم بالتنجيز وهو الحكم الثالث وهو وجوب الأخذ بأحدهما. وأما في الحالة الثالثة وهو الأخذ بدليل الإباحة، فلا علم لي بوجود منجّز عن الحكم الواقعي فأجري البراءة هنا. -وبتعبير آخر: إن الإباحة هي التي تكون منجّزة للإباحة ومعذّرة عن الواقع على تقدير وجوده؛ باعتبار تحقّق شرطها وهو الالتزام بدليلها، ومعه لا حاجة إلى إجراء البراءة-.
وبهذا اتّضح أن النتيجة هي نتيجة التخيير؛ لأننا نصنع كما نصنع لو كانت الحجّية تخييرية.
ومنه يعرف ما إذا كان الحكم المحتمل التعيين هو الخبر الدالّ على عدم الوجوب، فإننا نجري البراءة في كلّ الحالات الثلاث؛ لأننا لا نحرز وجود تنجّز فيها جميعاً لاحتمال أن يكون الخبر الدالّ على الإباحة هو الحجّة تعيّناً.
وإن شئتم قلتم: إننا نجري البراءة عن قيام الحجّة على الوجوب؛ لأن الحجّية التخييرية من ذات مؤونة زائدة فتجري البراءة عنها ولا يعارضها أصالة البراءة عن الحجّية التعيينية؛ لأن محتمل التعيّن هو خبر الإباحة وهي خالية من المؤونة فلا تجري عنها البراءة. وعلى أيّ حال فتجري البراءة فيهما إذا لم نلتزم بشيء أو التزمنا بخبر الوجوب، وأما إذا التزمنا بخبر الإباحة فيكون هو الحجّة على الترخيص سواء كانت الحجّية تعيينية أو ترخيصية.
ومنه يعرف الحال فيما إذا كان الدوران من الطرفين، فإننا نجري أصالة
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
البراءة في جميع الحالات عن الحجّية التعيينية للخبر الدالّ على الوجوب وعن حجّيته التخييرية أيضاً. ولا تعارض بالبراءة عن الحجّية التعيينية للخبر الدالّ على الإباحة؛ لأنها ليس فيها مؤونة.
وبالبيان المعمق: أننا نجري البراءة عن التكليف الواقعي على كلّ حال؛ لأننا سواء التزمنا بهذا أو بهذا أو لم نلتزم بشيء لا علم لنا بالحجّية. والمفروض أن العلم الإجمالي الكبير قد انحلّ فلا تتعارض هذه البراءة مع غيرها من الأطراف فلا يبقى إشكال في جريانها.
وبهذا اتّضح أن الأمر يوافق مع نتيجة التخيير، يعني السعة وعدم وجوب الاحتياط، سواء كان المتعيّن من طرف واحد أو طرفين، وسواء كان محتمل التعيّن هو خبر الوجوب أو الإباحة، فما ذكره المشهور من أن الأصل هو التعيين مما لا أساس له.
[الصورة الثانية: أحد الخبرين يدلّ على الوجوب والآخر على الحرمة]
وأما إذا كان العلم الإجمالي الكبير قد انحلّ وكان أحد الخبرين دالّ على الوجوب والآخر دالّاً على الحرمة، كما لو دلّ دليل على أن صلاة الجمعة واجبة ودل آخر على أنها حرام..
هنا أيضاً توجد شقوق ثلاثة؛ لأن احتمال التعيين إما في خبر الوجوب أو في خبر الحرمة أو فيهما.
فإن كان احتمال التعيين في الخبر الدالّ على الوجوب دون العكس. فهنا أيضاً ثلاث حالات هي:
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
1- الالتزام بخبر الوجوب.
2- عدم الالتزام بكلّ منهما.
3- الالتزام بخبر الحرمة.
أما الحالة الأولى: وهي الالتزام بخبر الوجوب الذي نحتمل تعيّنه، فلا إشكال في تنجّز هذه الحجّة؛ لأنها معلومة الحجّية على أي حال، سواء كانت حجّة تعيينية أو تخييرية. وتكون بنفسها معذّرة عن الحرمة.
الحالة الثانية: عدم الالتزام بكِليهما، ففي مثل ذلك يتنجّز عليه الواقع على إجماله، وذلك لا للعلم إجمالاً بوجود وجوب أو حرمة في الواقع؛ لأننا لم نفرض الباب من دوران الأمر بين المحذورين، بل لعلّه في الواقع لا وجوب ولا حرمة. ولكنّه يعلم إجمالاً بوجود تنجّز في الواقع للحكم الالزامي وإن لم يعلم بوجود حكم الزامي في الواقع؛ لأن المولى إن كان قد جعل الحجّية على نحو التعيين فالوجوب منجّز، وإن كان قد جعلها على نحو التخيير فالمنجّز للواقع هو وجوب الأخذ بأحدهما وهو يكون منجّزاً للواقع على إجماله. وبهذا يخرج عن مجرى أصالة البراءة، ومعنى هذا هو العلم بأن دليلها مخصّص.
ولا يتوهّم أن هذا التنجيز غير معقول؛ لأنه تنجيز للإلزام المراد بين الوجوب والحرمة، وهو غير معقول على ما يقال في مبحث دوران الأمر بين المحذورين. بل هذا التوهّم غير تامّ والتنجيز معقول؛ لأنه لو كان محرّكاً نحو الجمع بين الفعل والترك لم يكن معقولاً، وإنما هو محرّك نحو تعيين هذا الإلزام في أحد الطرفين. فإن المكلّف في إمكانه أن يعيّن الحجّة بأحدهما باختيار الالتزام
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بالوجوب أو الالتزام بالحرمة. فتكون النتيجة نتيجة التعيين.
فهذا المقام من قبيل منجّز جامع الإلزام في موارد الشكّ قبل الفحص. وليس من قبيل دوران الأمر بين المحذورين. فإنه في موارد الشكّ قبل الفحص يكون التكليف الواقعي منجّزاً عليه يدفعه إلى الفحص وتعيّن أحد فردي الجامع.
الحالة الثالثة: أن يلتزم بالخبر الدالّ على الحرمة، هنا ينشأ علم إجمالي بوجود أحد منجّزين: إما الحرمة باعتبار الحجّية التخييرية مع تحقّق شرطها، وإما الوجوب باعتبار الحجّية التعيينية. وفي مثل ذلك لا يمكن له إجراء البراءة؛ لأن كلّاً من الحجّتين فيها مؤونة زائدة. فإن إجراء البراءة عن الحجّية التعيينية يؤمّن من ناحية الوجوب، وإجراءها عن الحجّية التخييرية يؤمّن من ناحية الحرمة، مع أنه يعلم بوجود أحد الحجّتين. والخروج عن هذا المأزق ينحصر بأن يدخل المكلّف نفسه في الصورة الأولى، يعني أن يلتزم بخبر الوجوب، فتكون النتيجة نتيجة التعيين. فهو ملزم عقلاً أن يختار محتمل التعيين، وإلّا علم إجمالاً بوجود تكليف منجّز عليه لا يمكنه الخروج عن عهدته. ومعه يرشده العقل إلى جعل نفسه متمكّناً من الخروج عن عهدة التكليف وهو معنى أصالة التعيين.
ونفس الكلام يأتي فيما لو كان دليل الحرمة محتمل التعيين.
نعم، لو كان الأمر دائراً بين التعيينين في الطرفين. فهذا الكلام لا بأس به؛ لأن أيّ حالة التزم بها فهو بين محذورين: بين وجوب منجّز وحرمة منجّزة. ويكون من قبيل دوران الأمر بين المحذورين، غاية الأمر أن الحكم هناك
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
واقعي وهنا ظاهري. فتجري البراءة عن الحجّية التعيينية والحجية التخييرية، أو -بالبيان المعمق- عن الوجوب الواقعي والحرمة الواقعية. كما في دوران الأمر بين المحذورين إذا لم يلزم من جريان البراءة في الطرفين مخالفة قطعية عملية لعلم إجمالي منجّز.
فالصحيح في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجّية أنه إذا دار الأمر بين الإلزام واللا إلزام، هو أصالة التخيير، وإذا دار الأمر بين الإلزاميين تجري أصالة التعيين.
وهذا بنفسه ينطبق على موارد دوران الأمر بين قول الأعلم والأقلّ علماً، فيما لو لم يقم دليل على وجوب تقليد الأعلم، وانتهى الأمر إلى الأصول العملية. فتجري البراءة بالنحو الذي يؤدّي إلى نتيجة التخيير.
وتقارن هذه المسألة بمسألة التقليد فيما لو دار أمر الحجّة في نظر المقلّد بين التعيين والتخيير؛ لأن الحجّية بالنسبة إلى الأعلم تكون معلومة الثبوت على كلّ حال إما تعييناً أو تخييراً، لعدم اختصاص الحجّية بالمفضول، وأما المفضول فالحجّية المحتملة بالنسبة إليه هي الحجّية التخييرية، ففي مثل ذلك -بعد أن نفرغ عن أصل موضوعي في باب التقليد وهو وجود حجّة في البين، وعدم التساقط المطلق، والرجوع إلى قواعد أخرى كالاحتياط- قالو بأصالة التعيين.
هنا يمكن أن نطبّق كلامنا فنقول: إن العامّي يعلم إجمالاً بوجود إحدى الحجّيتين: الحجّية التعيينية للأعلم والتخييرية بينه وبين الآخر، وهاتان
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الحجّيتان وإن كانتا متباينتين بحسب عالم الجعل إلّا أنهما أقلّ وأكثر بحسب عالم المؤونة، فإن كان الأعلم يفتي بوجوب السورة والمفضول بعدم وجوبها. فهما مشتركان في حصّة من المؤونة، وتمتاز الحجّية التعيينية بحصّة أخرى. فإنه لو التزم بقول المفضول فعلى فرض التعيينية تكون المؤونة ثابتة وهي تنجّز وجوب السورة على كلّ حال، سواء التزم بقول الأعلم أو لم يلتزم. بينما التخييرية مقتضاها السعة. وهذا يعنى أن الحجّية التعيينية فيها مؤونة زائدة عن التخييرية. وأما في حالة عدم الالتزام بأيّ منهما أو الالتزام بقول الأعلم فالمؤونة ثابتة لكِليهما. أما لو التزم بقول الأعلم، فالمؤونة واضحة فإن التكليف يكون منجّزاً إما بالحجّية التعيينية أو التخييرية مع تحقّق شرطها. وكذلك لو لم يلتزم بأحدهما فإنه إن كان الأعلم متعيّناً فهو حجّة والتكليف منجّز، وإن كانت الحجّية تخييرية فمعناه وجوب الأخذ بأحدهما. فقد تنجّز عليه الواقع بعصيانه للمنجّز الظاهري. ففي الصورتين الأخيرتين الحجّيتان متساويتان في المؤونة، وفي الصورة الأوّلى -وهو الالتزام بقول الأعلم- تكون التعيينية مؤونة زائدة دون الأخرى. إذن فأصالة البراءة عن الحجّية التعيينية تجري ولا تعارضها البراءة عن الحجّية التخييرية.
إلّا أن الذي يمنع عن فعلية ذلك ثلاث نقاط:
الأولى: أن البحث في تأسيس الأصل العملي عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجّية، وهو فرع عدم الدليل الاجتهادي على وجوب تقليد الأعلم، ويدّعى وجود مثل هذا الدليل، فيكون حاكماً على الأصل العملي الذي يقتضي نتيجة التخيير.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الثانية: أن ما قلناه تامّ -لو تمّ- فيما لو كان الأعلم يفتي بالإلزام والمفضول بعدم الإلزام وكان العلم الإجمالي الكبير منحلّاً. فلا بُدّ أن نرى أن العامي هل انحلّ عنده هذا العلم أو لا؟ فإن العامي -ولو بتوسّط مقلَّده- لا إشكال بوجود العلم الإجمالي الكبير عنده. تارةً يفرض أن العامي يواجه مجتهدين أحدهما أعلم من الآخر. ويدور أمره بين التعيين والتخيير. وهما يتّفقان على عدد من الأحكام الإلزامية ويختلفان في عدد منها. وهما في مورد الاجتماع كِلاهما حجّة لعدم التعارض، والمفروض أنه بمقدار المعلوم إجمالاً فقد قامت الحجّة التعيينية على هذا العدد فانحلّ العلم الإجمالي، فيبقى حاله بالنسبة إلى ما هو محلّ الاختلاف، فإن كان الأعلم يقول بالإلزام في مورد أو موارد يقول فيها الآخر بالإباحة، كان للمقلِّد أن يجري البراءة عن الحجّية التعيينية ويلتزم بقول المفضول.
واما إذا خرجنا عن هذا الفرض فيقع الإشكال في إجراء أصالة التخيير، كما إذا كان محلّ الاتفاق أقلّ من المعلوم بالإجمالي فلم ينحلّ العلم الإجمالي، فيكون منجّزاً ويجب عليه الاحتياط.
الثالثة: فيما إذا لم يفتِ الأعلم بالإلزام والآخر بالجواز. كما لو انعكس الامر، أو كان أحدهما يفتي بالوجوب والآخر بالحرمة، فإنه تجري أصالة التعيين، على التفصيل والتحقيق السابق.
هل يمكن تصحيح نفي الثالث مع البناء على التساقط
بعد هذا نرى أننا لو بنينا على التساقط المطلق وأبطلنا التخيير، بتمام صوره،
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فهل بالإمكان التوصّل إلى نفي الثالث بطريقةٍ، أو لا يمكن ذلك؟ فإننا بنينا على ما حقّقناه من صحّة التخيير وقلنا: إن مقتضى الأصل عند التعارض هو حجّية كلّ منهما مشروطاً بكذب الآخر وهو يعلم إجمالاً بكذب أحدهما فيعلم بحجّية أحدهما، فلا إشكال في نفي الثالث. لكن مع فرض بطلان ذلك فهل يمكن تصحيح نفي الثالث مع البناء على التساقط؟
الوجه المعروف في ذلك: هو التمسّك بالدلالة الالتزامية، فإن كِلا الدليلين يدلّ بالالتزام على عدم الحرمة. وهما وإن كانا متنافيين بلحاظ الدلالة المطابقية، وما يستلزمه كلّ منهما مما ينافي الآخر، يعنى دلالة دليل الوجوب التزاماً على نفي الإباحة، ودلالة دليل الإباحة على نفي الوجوب. فتتعارض هذه الدلالات فتبقى الدلالتان الالتزاميتان على نفي الحرمة، فلا بأس بالأخذ بهما. مع رفع اليد عن المطابقيتين وسائر الدلالات الالتزامية الأخرى التي تكون منشأ للتعارض بين الخبرين. ولا يكون في هذا المحذور إلّا شبهة تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية.
ويجيب عنها المشهور قائلين: بأن هذه التبعية في مرحلة الوجود لا في مرحلة الحجّية، بمعنى أنها وجوداً تابعة للمطابقية؛ لأنها معلولة لها، وأما في مرحلة الحجّية، فأوّل الكلام تبعيتها فيها. ويمكن أن يدّعى العرضية بينهما في الحكم بحجّيتهما، وفي محلّ الكلام لم تسقط الدلالة المطابقية وجوداً وإن سقطت في الحجّية، وحيث بقي أصل وجودها فأصل وجود الدلالة الالتزامية ثابت؛
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لأن الوجود تابع للوجود، فتكون حجّة، لأن الحجّية ليست تابعة للحجّية.
*****
وهذا الطرح طرح ابتدائي، ينتج أن الدلالة الالتزامية حجّة لوجود المقتضي وعدم المانع، أما وجود المقتضي فهو فعلية الدلالة الالتزامية الموجودة بوجود المطابقية، وخروج المطابقية عن الحجّية لا يوجب فناءها ذاتاً، فإنها تابعة لها وجوداً -وهو محفوظ- لا حجيةً. وأما المانع فلعدم المعارض، فإن الدلالة المطابقية وسائر الدلالات الالتزامية وإن وقعت طرفاً للمعارضة، إلّا أن هذه الالتزامية على نفي الثالث ليس لها معارض، بل هما متكاتفان ومتكافلان في نفي الثالث. وهذا الطرح ينتج إمكان فرض الحجّية للدلالة الالتزامية مع سقوط المطابقية عن الحجّية.
كلام السيد الأستاذ في المقام
السيد الأستاذ ذهب إلى أن الدلالة الالتزامية تابعة للمطابقية بالحجية، فتسقط بسقوطها. وذكر في توضيح ذلك: أن سقوط الالتزامية بسقوط المطابقية ليس أمراً مربوطاً باستظهار العرضية أو الطولية من دليل الحجّية، بل هو سقوط على القاعدة، فإنه حتى لو استظهرنا العرضية من دليل الحجّية للدلالة المطابقية والالتزامية، مع هذا يكون سقوط الالتزامية، عن الحجّية بسقوط المطابقية عنها.
وذلك: لأن نفس الملاك الذي يقتضي سقوط المطابقية عن الحجّية، يقتضي بنفسه سقوط الدلالة الالتزامية، وهو التعارض. فإذا وجد عندنا دليلان: دليل
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يدلّ على مطابقة الوجوب ويدلّ بالالتزام على نفي الحرمة، ودليل يدلّ على مطابقة على الإباحة وبالالتزام على نفي الحرمة. فهنا وإن كان يتراءى أن هذه الدلالة الالتزامية بنفي الثالث ليس لها معارض. لكن بالدقّة نجد أن ملاك المعارضة يوجب سقوط هذه الدلالة أيضاً، وهذا مربوط بتشخيص المدلول الالتزامي. فهل يدلّ دليل الوجوب بالالتزام على عدم الحرمة الملائم مع الإباحة؟ ويدلّ دليل الإباحة على عدم الحرمة الملائم مع الوجوب؟ كلّا. بل يدلّ كلّ منهما على عدم الحرمة الملائم مع حكمه، أي على عدم حصّة خاصّة من الحرمة إذن فهناك حصّتان من عدم الحرمة، وكلّ من الدليلين يدلّ على حصّة من جامع العدم. ومعه يكون المدلول الالتزامي لكلٍّ منهما معارضاً مع المدلول المطابقي للآخر؛ لأن دليل الوجوب يدلّ بالالتزام على نفي عدم الحرمة المقارن مع الإباحة، ودليل الإباحة يدلّ على نفي عدم الحرمة المقارن مع الوجوب. إذن فسقوط الدلالة الالتزامية على القاعدة بملاك التعارض.
نعم، لو أمكن التفكيك في الدلالة الواحدة بين الأجزاء التحليلية، لأمكن بقاؤها، فإن كلّ دلالة التزامية تنحلّ إلى جامع وخصوصية. فيقال: إنها بلحاظ أصل الجامع لا معارض لها، وبلحاظ الخصوصية لها معارض فتتساقط، وتبقى الدلالة على الجامع. لكنّنا نأخذ هذا أمراً مفروغاً عنه بيننا وبين صاحب التقريب، وهو أن هذا التفكيك غير ممكن وغير مطابق للارتكاز العرفي في فهم دليل الحجّية. ومعه يكون سقوط الدلالة الالتزامية على القاعدة تتعارض بلا حاجة إلى استظهار العرضية من دليل الحجّية.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
تحقيق في المقام
إلّا أن هذا الكلام يحتاج إلى تحليل؛ لأن، المداليل الالتزامية على قسمين:
القسم الأوّل: أن يكون المدلول الالتزامي سنخ شيء يتحصّص حقيقة من ناحية المدلول المطابقي. بحيث تكون له حصّتان في الواقع: حصّة تنشأ من المدلول المطابقي وحصّة تنشأ من ناحية شيء آخر.
كما لو دلّ دليل الوجوب التزاماً على وجوب مقدّمته. ولكن ليس المدلول الالتزامي هو جامع وجوب المقدّمة، بل هو الوجوب الغيري للمقدّمة وهو حصّة خاصّة. فالغيرية هنا ليست قيداً تبرّعياً للمدلول الالتزامي، بل هي مقدّم ذاتي لتلك الحصّة التي تنشأ من المدلول المطابقي.
القسم الثاني: ما لا يكون طرف الملازمة في عالم الملازمة هو الحصّة، بل هو الجامع، كما في دليل الوجوب الدالّ على عدم الحرمة. فإن عدم الحرمة لا يتحصّص بما هو طرف للملازمة مع وجوب الصلاة إلى حصّتين؛ إلى حصّة عدمها المساوق مع الوجوب، والى حصّة أخرى. فإن ما هو ملازم لوجوب الصلاة هو ذات عدم الحرمة، وأما التقارن مع وجوب الصلاة فهذا لازم آخر بحسب الحقيقة، وهذا اللازم الثاني في طول اللازم الأوّل؛ لأن هذا التقارن عنوان انتزاعي مركّب من مجموع عدم الحرمة والوجوب، فهنا قضيتان ملازمتان:
الأولى: ثابتة ببرهان استحالة اجتماع الضدّين، وهو عدم الحرمة الملازم للوجوب.
الثانية: أن الوجوب مع لازمه يستلزم التقارن، من باب أن العلّة تستلزم
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المعلول، أو منشأ الانتزاع يستلزم العنوان الانتزاعي. فإنه كلّما اجتمع أمران انتزع منهما عنوان التقارن. فإذا كان هناك دلالتان التزاميتان ومدلولان التزاميان، فالثاني هو الذي وقع طرفاً للمعارضة مع دليل الإباحة، والأوّل ليس له معارض. فهذا الطرح لا يمكن المساعدة عليه.
نعم، هنا تصعيد حاكم على الطرح الأوّل، منتج لِما أراده السيّد الأستاذ وهو الملازمة بين الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية، ولعلّ ما ذكره السيّد الأستاذ هو البيان العرفي لذلك.
وحاصله: أننا حين نريد أن نتصوّر الدلالة المطابقية والالتزامية، اعتدنا أن نتصوّر لفظاً له دلالتان طوليتان، ولذا يقال إن الدلالة الالتزامية تابعة في وجودها للدلالة المطابقية، فالدالّ واحد وهو اللّفظ والمدلولان طوليان. إلّا أن هذا غير صحيح إذا استثنينا موارد الدلالة الالتزامية اللّفظية التي يكون اللازم فيها بيّناً بالمعنى الأخصّ، واقتصرنا في النظر على موارد الدلالة الالتزامية العقلية. فإنه لا يوجد عندنا دالّ واحد له مدلولان، بل عندنا دالّان لهما مدلولان. الدالّ الأوّل هو اللّفظ ومدلوله الوجوب، والدالّ الثاني هو المدلول المطابقي وهو الوجوب ومدلوله هو المدلول الالتزامي. فإن الوجوب بنفسه يدلّ -باعتبار الملازمة- على عدم الحرمة. ولذا نقول إنها دلالة عقلية؛ لأنها دلالة معنى على معنى، لا دلالة لفظ على معنى.
وحينئذٍ فيقال: إن الدلالة المطابقية إذا فرض أنها كانت حجّة، وثبت بها المدلول المطابقي، فيكون دالّاً على المدلول الالتزامي بناءً على استفادة حجّية مثبتات الأمارات من دليل حجّية الأمارة. وأما إذا سقطت الدلالة المطابقية عن
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الحجّية، فمعناه حتماً عدم وجود الدلالة الالتزامية؛ لأننا إذا أردنا أن نثبت المدلول الالتزامي فما هو الدالّ عليه؟ فإن الدالّ على عدم الحرمة هو الوجوب بقانون الملازمة، والوجوب غير ثابت لا وجداناً ولا تعبّداً: أما وجداناً فواضح. وأما تعبّداً فلسقوط الدلالة المطابقية عن الحجّية. فإن الذي يبرهن على عدم الحرمة هو وجود الوجوب خارجاً لا تصوّره المدلول عليه باللّفظ.
وأما إذا كانت الدلالة الالتزامية بيّنة بالمعنى الأخصّ فسقوطه عن الحجّية موقوف على استظهار الطولية في الحجّية من دليلها. فإن التزمنا بالطولية نلتزم بالسقوط، وإلّا فلا بأس بالالتزام ببقاء الدلالة الالتزامية مع سقوط المطابقية، وإن كان المستظهر هو التبعية.
وبذلك يتمّ الكلام في تأسيس الأصل العملي عند التعارض، بين فردين من دليل حجّية الظهور أو دليل حجّية السند(1).
*****
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() قلت له بلحاظ بيانه الأخير: إنّ ما هو دالّ على المدلول الالتزامي هو: أن الوجوب ثابت بزعم المتكلّم، فإن بيان الوجوب بهذا المقدار هو بيان لعدم الحرمة. وهذا المقدار من البيان ثابت سواء كان الظهور الحجّة أو لا.
فأجاب بعد تسليمه بالدالّ الذي قلته: بأن هذا الدالّ إنما يثبت على تقدير حجّية المدلول المطابقي، وإلّا لو فرض أنه كان في مقام الاستهزاء لم يكن دليل على أن الوجوب ثابت بزعم المتكلّم، فلا بُدّ من حجّية المدلول المطابقي حتى يثبت به ذلك حتى يكون دالّاً على المدلول الالتزامي وهو عدم الحرمة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
تمّ الكلام في صورتين للدليلين المتعارضين، وهما ما إذا كان السندان قطعيين وما إذا كانا معاً ظنّيين سواء كانت الدلالة قطعية أم لم تكن.
يقع الكلام فيما إذا كان أحد الدليلين قطعي السند والآخر ظنّياً. فما هي الوظيفة تجاه هذا القسم الثالث من التعارض؟ ولا بُدّ أن نفرض أن قطعي الصدور غير قطعي الدلالة، فإنه لو كان كذلك لأفاد العلم بكذب الدليل الآخر.
ويندرج تحت هذا العنوان ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: أن الدليل الذي ليس قطعي الصدور يصلح لسانه للقرينية عرفاً على الآخر، كما لو كان قطعي الصدور مطلقاً وهذا مقيّد أو فيه أمر والآخر قرينة على حمله على الاستحباب.
القسم الثاني: أن لا يكون لسان الدليل غير القطعي الصدور صالحاً للقرينية، ولكن يكون مفاده قطعياً من حيث الدلالة. غاية الأمر أن نسبة هذا النصّ إلى ظهور الآخر ليست نسبة القرينة إلى ذي القرينة. فإنه ليس كلّ نص يكون قرينة على الظاهر، فإن الظهور قد يكون بنحو من الوضوح بحيث لا يصلح الآخر قرينة عليه.
القسم الثالث: أن لا يصلح قرينة كالثاني، ولكن ليس لسانه قطعي بل ظاهراً أيضاً.
ويقع الكلام في هذه الأقسام في مقامين:
الأوّل: فيما هو مقتضى القاعدة لو خلّينا نحن والدليل الأوّلي للحجّية.
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الثاني: في الأخبار الخاصّة الدالّة على طرح ما خالف كتاب الله عزّ وجلّ.
أما المقام الأوّل: وهو التكلّم بلحاظ مقتضى القاعدة، فيقع الكلام بلحاظ الأقسام الثلاثة:
أما القسم الأوّل: وهو ما إذا كان الدليل الظنّي الصدور يصلح لسانه للقرينية على الدليل القطعي الصدور. فلا إشكال في تقدّمه على القطعي وحجّيته. وهذا معنى أن الدليل القطعي كـ(الآية) يقيّد بخبر الواحد لو دلّ على تقييده. وقد سبق أن تكلّمنا في ذلك. وخلاصة ما ذكرناه أنه يمكن تخريج هذا المدعى بأحد طريقين:
الأوّل: أن يُقال: إن التعارض بحسب الحقيقة بين دليل حجّية الظهور في قطعي الصدور وبين دليل حجّية السند في ظنّي الصدور، لا بين دليل الظهورين؛ لأنه يصلح قرينة عليه، والقرينة لا تصلح أن تكون معارضة لذيها. وحينئذٍ يدّعى أن دليل حجّية السند يكون مقدّماً على دليل حجّية الظهور، لأن دليل حجّية الظهور منحصر بالسيرة العقلائية، ولا يوجد عليه دليل لفظي إلّا الأمر بالأخذ بأقوال الكتاب والعترة، وهي تقتضي حجّية الكتاب والعترة في نفسها ووجوب الأخذ بتعاليم الدين، وليست في مقام بيان التعبّد بالظهور،
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وأنه كيف يرجع إلى الكتاب والعترة في أخذ التعاليم. فدليل حجّية الظهور منحصر بالسيرة، وأما المدرك للتعبّد بالسند فلا ينحصر بالسيرة، وإنما هو دليل لفظي له إطلاق في نفسه، ومعه لا تكون السيرة شاملة لمورد التعارض؛ لأنها دليل لُبّي، ويتمسّك بإطلاق الدليل اللّفظي لإثبات حجّية خبر الواحد.
التخريج الثاني، وهو الأمتن والأصحّ: أن الدليل على كلٍّ منهما هو السيرة العقلائية، وحتى لو وجد دليل لفظي فهو في مقام إمضاء ذلك الارتكاز، وهو يقتضي في المقام تقدّم الصدور على الظهور، يعني تقدّم الأمارة الدالّة على صدور القرينة على ظهور ذي القرينة، ولذلك بنينا في ما سبق أن الدليل الظنّي سنداً إذا كان لسانه لسان القرينة يقدّم على القطعي.
ففي مثل ذلك يمكن تقديم بيانين متعاكسين:
البيان الأوّل: يقتضي حجّية الرواية القطيعة الدلالة الظنّية السند المتعارضة مع الآية القطعية السند الظنّية الدلالة. وذلك: بالتخريج المتقدّم، بأن يُقال: إن المعارضة بين دليل حجّية الظهور في الآية ودليل حجّية الصدور في الرواية، وحيث إن الأوّل لُبّي والثاني لفظي له إطلاق فيتمسّك به.
البيان الثاني: يشبه التخريج الثاني السابق وإن لم يكن عينه بأن نقول: إن الدليل في كلّ منهما إنما هو الارتكاز العقلائي الممضى ولو بالأدلّة اللفظية.
وحينئذٍ فيقال: إن الارتكاز العقلائي لم ينعقد على حجّية خبر ثقة من هذا ــــــــــ[173]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
القبيل بينما انعقد على حجّية ظهور من هذا القبيل.
أما أنه لم ينعقد على حجّية خبر من هذا القبيل فلِما قلناه من أن الارتكازات المقتضية للحجّية، لم يؤخذ فيها عنوان وثاقة الراوي بنحو الجمود والتعبّد الصرف، بل بما هو طريق إلى الوثوق بمضمون الخبر، فيشترط في موضوع الحجّية أن لا تكون هناك أمارة أخرى في مقابل الوثاقة توجب الخلل بالكاشفية. ويكفي في وجود ذلك: ظهور كلام المولى القطعي الصدور عنه، والذي لا يصلح أن يكون خبر الثقة للقرينية عليه. فإنه من أقوى الأمارات التي تسلب الوثوق بخبر الثقة به فيسقط خبره عن الحجّية.
وأما أن الارتكاز العقلائي انعقد على حجّية ظهور من هذا القبيل. فلأن حجّية الظهور ليست منوطة بما انيطت به حجّية خبر الثقة، فإن ظهور كلام المولى واجب الاتباع ما لم يطمئن بخلافه، ولذا لم يدّعِ أحد إسقاط ظهور الآية بإعراض الأصحاب ووجود أمارة ظنّية على الخلاف. إذن فوجود أمارة ظنّية نوعية على أن المولى لا يريد من الكلام ظاهره ليس معذّراً.
إذن فنكتة الحجّية للظهور محقّقة وللصدور غير محقّقة، فنبقى على حجّية الآية دون الرواية.
وأما القسم الثالث وهي ما إذا كانت الرواية غير صالحة للقرينية على
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ظهور الآية، ولم تكن صريحة أيضاً بل ظنّية. فالانتهاء هنا إلى النتيجة التي تقتضي تقديم الآية أوضح من الأوّل على كِلا البيانين السابقين:
أما لو بنينا على التخريج الثاني فواضح؛ لأنه مع تقديم الآية على النصّ يكون تقديمها على غير النصّ أولى.
وأما لو بنينا على التخريج الأوّل وقلنا بتقديم الرواية على الآية، من باب أن دليل حجّية ظهور الآية لُبّي ودليل السند لفظي. فهذا الكلام لا يأتي في المقام؛ لأن المعارضة هناك كانت بين حجّية الظهور في الآية ودليل الصدور في الرواية، لأن دلالتها قطعية فلا تقع طرفاً للمعارضة. وأما هنا فدلالتها ظنّية أيضاً، فيقع التعارض بين ظهور الآية من طرف وبين المجموع المركّب من سند الرواية وظهورها. فانتهى الأمر إلى أن يتعارض اللُبّي مع اللُبّي، ومعه لا موجب لتقديم الرواية، فيقال بالتساقط حينئذٍ(1).
هذا تمام الكلام على مقتضى القاعدة.
*****
ــــــــــ[175]ــــــــــ
() أقول: وبعبارة أخرى إنه يعلم في هذه المعارضة بكذب أحد الأمرين: إما دليل سند الرواية أو دليل ظهورها. وكذب دليل السند وإن كان مدفوعاً بإطلاقه؛ لأنه لفظي
–على الفرض- إلّا أن كذب دليل الظهور لا دافع له، إن لم يكن متعيّناً فيه بعد نفي كذب الأوّل بإطلاقه –ومثبتات الأمارات حجّة-. ومعه فلا دليل على حجّية ظهور الرواية، فتسقط عن الحجّية. وهذا معنى أن النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أنه(1) منقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما إذا كانت الرواية تعارض أصل الظهور في الآية، وهو ما تقدّم الكلام فيه بالأمس.
ثانيهما: ما إذا لم يكن كذلك، بل كان معارضاً مع إطلاق ظهورها أو عمومه كالعامّين من وجه، إذا كان أحدهما قطعياً والآخر خبر واحد. وخبر الواحد لا يصلح للقرينية، ودلالته في مورد الاجتماع ليس بالنصوصية بل بالظهور.
وهذا القسم يختلف عن الأوّل في نكتة وهي: أنه في الشق الأوّل، حين نفترض أن ظهور الآية يكون معارضاً مع أصل ظهور العامّ، فلا محالة يسري التعارض إلى السند إذ لا معنى للتعبّد بالصدور مع سقوط المدلول، فإن ذلك يكون قرينة على عدم صدوره من المعصوم؛ لأن فرض صدوره هو أنه يريد معنى غير ظاهره وهو بعيد في نفسه. وإذا زال الوثوق بذلك خرجت عن موضوع دليل الحجّية.
وأما هنا فمدلول الآية لا يقتضي أكثر من أنه لم يرد الإطلاق في الرواية أو في الآية، وهذا أمر رائج في لسان الشرع بحيث لا يشكّل قرينة على عدم الصدور؛ إذ ما أكثر الروايات التي صدرت ولم يُرَد منها الإطلاق حتى قيل: (ما من عامّ إلّا وقد خصّ). إذن فدليل حجّية السند يكون باقياً على حاله؛ لأنه لم توجد أمارة على نفيه. فتنتهي النوبة إلى التعارض بين الدليلين(2).
ــــــــــ[176]ــــــــــ
() أشار السيّد إلى القسم الثالث الأخير وذكر ما حاصله: أنه… (المقرِّر).
(2) قال السيّد في جواب على سؤالٍ لي: إن الرواية إن كانت نصّاً دخلت في القسم الأوّل، وإن لم تكن دخلت في القسم الثاني. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ويمكن أن نقسم هذه الروايات إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الاولى: هي التي تستنكر صدور ما يخالف كتاب الله.
الثانية: التي لسانها لسان الحكم الشرعي وأن ما خالف كتاب الله لا تعمل به.
الثالثة: ما اناطت العمل بالخبر بأن يكون موافقاً للكتاب ولم نكتف بعدم المخالفة.
منها: ما رواه (الكافي)، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن النظر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن حرّ -معتبرة عندنا-، قال: “سمعت أبا عبد الله يقول: كلّ حديث مردود إلى كتاب الله (الكتابُ) والسُنّة. وكلّ شيء يوافق كتاب الله (القرآن) فهو زخرف“(2).
و(زخرف) يعطي معنى الاستنكار ونحاشي أن يصدر منهم ما لا يوافق كتاب الله. ويراد بعدم الموافقة، عدمها بنحو السالبة بانتفاء المحمول لا السالبة بانتفاء الموضوع، يعني أن الخبر يتعرّض إلى نفس ما يتعرّض له الكتاب، ويحكم بحكم مخالف. وليس مثل (هندسة إقليدس) التي ليس لها في كتاب الله أيّ
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() حتى نرى أن ما ذكرناه على القاعدة يتغيّر أوّلاً بأن كانت الروايات تعطي نفس مقتضى القاعدة. (المقرِّر).
(2) رواية 9 من باب 6 ص 63 من جامع أخبار الشيعة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ذكر، فتكون عدم الموافقة مساوقة للمخالفة.
ومنها: ما رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أيوب بن راشد -كلهم ثقات- عن أبي عبد الله قال: “ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف“(1). رواية:1.
ومنها: ما رواه الكافي، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد الله، قال: “خطب النبي بمِنَى فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته وما جاءكم يخالف كتاب الله (القرآن) فلم أقله“. رواية 15.
فهذه الطائفة موضوعها: ما خالف كتاب الله. وعندنا أن المخالفة لا إشكال أنها تصدق على كلّ دلالتين كانت أحدهما دالّة على ما ينافي الدلالة الأخرى، سواء كانت مما يكون أحدهما مقدّماً على الآخر في الحجّية، كما في موارد القرينية والجمع العرفي، أو لا يكون مقدّماً. فإن الدلالتين بعد أن استقرّ لكلّ منهما ظهور ببركة الانفصال عن الآخر، فإنه يصدق أن لكلّ منهما مدلوله. فإذا كان المدلولان متنافيين بأيّ أنحاء المنافاة، فإنه يصدق عليه أنه مخالف لذلك الكلام. وسيأتي مزيد توضيح لذلك.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() غير معتبرة، بمحمّد بن اسماعيل فإنه مردّد بين الثقة وغيره. فالثقة هو محمّد بن اسماعيل بن بزيع، وهو لا يناسب أن يروي عنه الكليني لعدّة قرائن، والآخر ليس بثقة. وقد ورد بهذا السند في (كامل الزيارات) فيكون ثقة عند من يقول به. ولا نقول به. (منه). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فقد يتبادر التمسّك بإطلاق عنوان المخالفة ويقال: إنه يشمل تمام الروايات المخالفة للكتاب سواء كانت مخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه أو العموم المطلق، وسواء أمكن الجمع العرفي بينهما وكان أحدهما مقدّمة في مقام الحجّية على الآخر أو لم يكن؛ لأن المخالفة حاصلة على كلّ حال فإنها منتزعة من مقام الدلالة.
لكن في هذه الطائفة يوجد قرينة على أن المخالف ليس بهذا العرض العريض، بل يراد به نحو خاصّ من المخالفة. وهذه القرينة هي لسان الاستنكار، وذلك لأن المخالف على قسمين:
الأوّل: مخالف لا ينبغي صدوره من المعصوم، وهو الذي يكون موجباً لتعطيل الآية واسقاط دلالتها العرفية، بحيث لا يبقى لها إلّا محامل وتأويلات صوفية أو سفسطائية بعيدة غير عرفية. بحيث يكون تكذيباً بحسب النظر العرفي وإن لم يكن بالدقة كذلك.
القسم الثاني: المخالفة مع ظهور الآية مع عدم إلغائها بحسب النظر العرفي، بحيث يبقى لها محمل عرفي ومدلول عرفي ثانوي صالح لأن يكون هو المقصود من الآية، وهذا لا بأس بصدوره من المعصوم. وهذا أيضاً على شقّين:
الأوّل: ما يكون لغة البيان وأسلوب الكلام صالح للقرينية على الآية.
والثاني: ما كان بأسلوب لا يصلح للقرينية كالعامّين من وجه، فإن الإمام حين يصدر البيان تارةً يجعله بعبارة صالحة للقرينية، وأخرى بعبارة لا تصلح لها وإن اتّحد مقدار المخالفة في الشقّين، وليس الفرق باعتبار أن
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المخالفة فيما يصلح للقرينية أقلّ منها فيما لا يصلح لها، فإن اختلاف التعبير لا دخل له بمقدار المخالفة.
حينئذٍ نقول: إنه بقرينة الاستنكار في لسان هذه الروايات يختصّ موضوع هذه الطائفة بالقسم الأوّل من المخالفة، وهو ما يكون موجباً لإلغاء الآية عرفاً، فإن التأويل غير محتمل في القرآن الكريم الذي نزل بياناً للأمة، فإذا صدر من شخص علمنا أنه كاذب، إذن فهو لا يصدر من المعصوم وإلّا كان منافياً لعصمته. وأما القسم الثاني من المخالفة فلا بأس بصدوره عنه سواء كان قرينة كالعامّ والخاصّ أو لم يكن كالعامّين من وجه، فلا يشملها الاستنكار.
*****
يتصوّر للكلام أنحاء ثلاثة من المدلول:
النحو الأوّل: مدلوله الأوّلي وهو الذي يفهمه العرف عند سماعه، فالمدلول الأوّلي للإطلاق والعموم هو الموجبة الكلّية.
النحو الثاني: المدلول الثانوي وهو جارٍ على ذوق العرف أيضاً كالمقيّد بالنسبة إلى دليل المطلق، والاستحباب بالنسبة إلى دليل الوجوب.
النحو الثالث: أن يكون مدلولاً غير عرفي، بل يحتاج فهمه إلى نحو من التأويل، كتأويل: (اذبحو بقرة)(1) بذبح شهوة البطن. ونحن بعلم بشواهد لا مجال لذكرها أن القرآن نزل وهو يحمل أحد المدلولين الأوّلين، أما الثالث فلا وجود له فيه.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() إشارة إلى قوله تعالى من سورة البقرة، الآية 67: وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فالكلمات التي تصدر من الائمة لا يناسب أن تكون موجبة لحمل القرآن على النحو الثالث، فإنه لا يناسب كونه مدلولاً للقرآن. ومعه فلا يناسب صدوره من المعصومين. وأما إذا صدر منهم كلام يكون تصديقه موجباً لحمل القرآن على النحو الثاني فهو مناسب مع طبع القرآن وشأنه.
وبناءً عليه نعلم أن اللّسان الاستنكاري يكون قرينة على اختصاص موضوع هذه الطائفة بخصوص تلك الروايات التي يكون التصديق بها موجباً لحملها على المدلول الثالث. ولا تشمل ما يكون موجباً لحمله على النحو الثاني من المدلول، فإنه من شأن القرآن سواء كان الخبر مبيّناً بنحو يصلح للقرينية، أو بعبارة يتحيّر الفقيه بين الأخذ بها أو الأخذ بطاهر القرآن.
منها: ما رواه الكليني محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: وحدثّني الحسين بن أبي العلاء أنه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس، قال: “سألت أبا عبد الله عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به. قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله وإلّا فالذي جاءكم به أولى به” -صحيحة-.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
() كانت هي الطائفة الثالثة وقدّمها السيّد. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما صدر الرواية -يعنى: السؤال- ففيه عدّة احتمالات:
الأوّل: أن يكون سؤالاً عن مختلف الأحاديث -يعنى: بأقسامها وأنواعها-.
الثاني: أن يكون المراد الأحاديث المتعارضة.
الثالث: أن يكون المراد تعارضها مع القرآن الكريم -أي: مع ما هو مسلّم-، فإن الرواة كانوا يسمعون الأئمة روايات على خلاف ما هو الثابت كتاباً وسُنّة، فيستغربون فيسألونهم عن ذلك.
لكن على كلّ حال كلام الإمام مطلق، وليس خاصّاً بمورد السؤال؛ لأنه قال: “إذا ورد عليكم حديث…”.
وقوله: “فالذي جاءكم به أولى به“، يعنى: ليس بحجّة، فأعرضوا عنه. فكلام الإمام ظاهر في ضرب القاعدة العامّة، والمورد لا يخصّص الوارد.
وقوله: “إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله“، فيه احتمالان:
الأوّل: أن يكون المراد: إن وجدتم دليلاً في القرآن أو السُنّة القطعية -على ما يأتي- يدلّ على نفس ما يدلّ عليه الخبر ولو بعموم أو إطلاق (فخذوا به، وإلّا فدعوه).
فإن أخذنا بهذا الاحتمال فترجع القاعدة المضروبة في هذه الرواية إلى إسقاط حجّية خبر الواحد، إلّا إذا كان على طِبقه دالّ قطعي. فالخبر إذا لم يكن متعرّضاً لها تعرّض له القرآن والسُنّة القطعية وثابتاً في المرتبة السابقة، فإنه لا يكون حجّة.
ــــــــــ[182]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومن المعلوم أن هذا الغاء بالمرّة لِما هو المتيقّن من دليل حجّية خبر الواحد وهو السُنّة القطعية المتواترة عنهم في الأمر بالأخذ بما ينقل عنهم، فإن المتيقّن منها إنما هو الشيء الذي لولاه لا يكون عليه دليل في المرتبة السابقة، ولا يمكن تخصيصها بما إذا كان المضمون ثابتاً في نفسه، فإنه إلغاء لتلك الروايات، لا أنه يكون تخصيصاً لها. فإنها كالنصّ في أن الأئمة في معرض أن يستفاد منهم مطالب جديدة لم تكن ثابتة في القرآن والدليل القطعي.
بل إن هذا خلاف الارتكاز المتشرّعي لأصحاب الأئمة، فإنهم كانوا يسمعون تفاصيل الأحكام مما لا يوجد في القرآن، وكانوا يرتّبون عليها الأثر، وكان بناؤهم العملي والديني على ذلك(1).
فهذه قرينة لُبّية متّصلة على خلاف ذلك.
فمن هنا يمكن أن يُقال: إن هذه القرينة المتّصلة المدعمة بأخبار حجّية خبر الواحد تكون قرينة على تقييد وتخصيص هذا العموم بغير باب الأحكام، فإن القدر المتيقّن من تلك السُنّة المتواترة والارتكاز المتشرّعية هو باب الأحكام. وأما غير هذا الباب من العقائد وغيرها فلا يوجد سُنّة قطعية ولا ارتكاز على حجّيته. ومعه فيكون الحديث خاّصاً بأصول الدين ونحوها، وهي التي كانت مصدر قلق الأئمة من حيث إن أهل البدع والخطابية وغيرهم كانوا يزوّرون الأحاديث في الأصول إلى الأئمة قبل الفروع. ومن هنا
ــــــــــ[183]ــــــــــ
() أقول: يقصد السيد –والله العالم- أنهم كانوا يأخذون ذلك بالواسطة عنهم، وإلّا فسماع الرواة عنهم مباشرة لا يكون شاهداً لمحلّ الكلام. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
نقول: إن خبر الواحد لا يكون حجّة في أصول الدين ونحوها. هذا كلّه فيما إذا حملنا الشاهد على الشاهد بهذا المعنى.
احتمالات ثلاثة في الرواية
حتى الآن لم نعرف أن سياق هذه الرواية، هو سياق نفي الحجّية عما ليس عليه شاهد من كتاب الله، أو استنكار صدوره كالطائفة الاولى. والذي أراه أن هذا أمر مربوط بالتفسير لكلمة “أولى به“، هل المراد بها: (أولى به منك)، فيكون لسانها لسان سلب الحجّية، بمعنى أنه في عهدته إن كان صادقاً أو كاذباً، فإنه هو الذي يتحمّل مسؤوليتها ويكلّف تطبيقها، إذا كان صادقاً. وإن أريد بها: (أولى بها منّي)، يعني ليس هذا كلامي بل كلامه. فإنه شيء هو جعله، وأنا لا أقول شيئاً ليس عليه شاهد من كتاب الله فيستفاد منه الاستنكار.
وعلى أيّ حال فنحن نتكلّم على الاحتمالات الثلاثة:
1- استفادة سلب الحجّية.
2- استفادة الاستنكار.
3- الإجمال من هذه الناحية.
أما الاحتمال الأوّل: -وهو أصحّ الاحتمالات- فيرجع إلى أن جعل الحجّية للخبر الواحد، منوط وموقوف بأن يكون عليه شاهد من كتاب الله وسُنّة رسوله، وبدونه لا يكون حجّة(1).
ــــــــــ[184]ــــــــــ
() وهنا ذكر السيّد القرينيتين السابقتين لدفع هذا الاحتمال وهو الروايات المتواترة على حجّية خبر الواحد حجّية تأسيسية لإفادة مطالب جديدة لم يكن عليها دليل سابق، وارتكاز المتشرّعة في الأخذ بهذه الأخبار. حتى ابن أبي يعفور الذي كان هو الراوي لهذا الخبر، قد سجّل عشرات الروايات في الفقه وغيره مما لم يتعرّض له القرآن. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وأما الاحتمال الثاني: وهو الاستنكار بأن يصدر منه الخبر الذي ليس عليه شاهد من كتاب الله، وليس المراد -طبعاً- بالشاهد ما كان شاهداً بحسب اللّغة الخاصّة التي لا يفهمها إلّا الأئمة والراسخون في العلم، وإنما المراد هو الدليل الذي يفهمه العرف، يعنى: (أن الخبر الذي ليس له شاهد يفهمه العرف من القرآن، لا يناسب أن يصدر منّي). وهذا المضمون مقطوع الكذب في أصول الدين وفروعه معاً. فإن كثيراً من التفاصيل ليس فيهما أي حرج بأن تصدر من الإمام وهو المرجع في إيضاح خصائص الشريعة للناس، وقد صدرت منهممثل هذه الكلمات كثيراً بحسب التواتر الإجمالي للروايات في العقائد والفروع، وليس عليها شاهد من الكتاب. ومعه يتعيّن أن يحمل الاستنكار على غير محمل الجدّ وهو التقية، وأن الإمام فرض نفسه إنساناً كسائر الناس، وحينئذٍ فلابد أن يكون كلامه مطابقاً للكتاب والسنة.
ومنه يظهر الحال في الاحتمال الثالث، فإن الإجمال لا ينتج إلّا ما تقتضيه أخسّ المقدّمتين.
إذن فلا تصلح هذه الرواية لتقييد حجّية الأخبار المنقولة عنهم في الحلال والحرام(1).
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() أقول: تحدث السيّد في المحاضرة التالية (يوم الثلاثاء) عن الطائفة الثالثة، ثُمّ تحدّث في يوم الاربعاء عن الطائفة الثانية أيضاً فلابد من ذكر ذلك فيما يلي وإن اختلف عن تقريره البحثي. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
[إشكالات على الطائفة الثانية]
وما يمكن(1) أن يعترض به على الاستدلال بهذه الطائفة(2) أمور:
الإشكال الأوّل
ما يمكن تقريبه بهذا التقريب: أن قوله: “أولى به” يلغي حجّية خبر الواحد رأساً، وأن مرجعه إلى أن خبر الواحد إن لم يكن عليه شاهد في القرآن فلا تعمل به، وإن كان موجوداً فاعملوا به؛ لأنه حكم موجود في القرآن لا من باب الحجّية التاسيسية المستقلّة. فهذا إلغاء لحجّية خبر الواحد.
وحينئذٍ فيقال: إنه يستحيل أن تُلغى حجّية خبر الواحد بخبر الواحد. فإن هذا الخبر بالنسبة إلينا خبر واحد، وإن سمعه ابن أبي يعفور من الإمام. وذلك: لأننا في المرتبة السابقة على هذا الإلغاء إما أن نفرض دليلاً قطعياً على حجّية خبر الواحد، أو لا. فإن فرضنا قيامه إذن فإلغاء حجّية خبر الواحد بهذا الخبر خُلف الدليل القطعي. وإن لم نفرض ذلك إذن فخبر الواحد ليس بحجّة حتى هذا الخبر.
إلّا أن هذا غير تامّ؛ لأنه بإمكان الخصم أن يختار قيام الدليل على حجّية
ــــــــــ[186]ــــــــــ
() قـال في يـوم الأربعـاء: 21 / 12 / 1390- 17 /2/1971: وما يمكن… (المقرِّر).
(2) يعني رواية ابن أبي يعفور. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
خبر الواحد في المرتبة السابقة بدون لزوم الخُلف. بأن نقول: بأن الدليل عليه هو السيرة العقلائية مع فرض عدم الردع، ومقتضى السيرة هو حجّية كلّ الأخبار الآحاد بما فيها هذا الخبر. فإثبات حجّية هذا الخبر بالسيرة لا مانع منه؛ إذ لا يوجد رادع عنه، والمقتضى موجود وهو السيرة، فيكون خبر ابن أبي يعفور حجّة بالفعل. وأما سائر الأخبار فالمقتضي لحجّيتها وإن كان موجوداً إلّا أن المانع عنها موجود أيضاً وهو خبر ابن أبي يعفور الرادع عن السيرة، فصار بالإمكان الردع عن حجّية خبر الواحد بخبر الواحد(1).
الإشكال الثاني
إنّ هذه الطائفة يلزم من حجّيتها عدم حجّيتها.
أو بتعبير آخر: تكون رادعة عن نفسها فيتعيّن سقوطها؛ إذ يلزم من وجودها عدمها، وكلّ ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال. أما الكبرى فواضحة، وأما الصغرى: فلأنها ليس عليها شاهد في كتاب الله. وتتميم هذا المدّعى يتوقف على إثبات: أن الكتاب لم يدلّ على النهي عن العمل بالظنّ، ونفسّر الآيات بأن نجعلها غير دالّة على سلب الحجّية، كما هو المختار. ولكن إن فسّرنا الآيات بسلب الحجّية، فتصير بهذا شاهداً على خبر ابن أبي يعفور، فلا يردع عن نفسه؛ لأنه لا يشمل نفسه. وأما إذا لم نقبل ردع الآيات عن حجّية الظنّ فلا بأس أنه يلزم من حجّية هذا الخبر سقوط كلّ رواية ليس عليها شاهد
ــــــــــ[187]ــــــــــ
() قلت له: يعني إذن بالإمكان الردع عن السيرة بمثل هذا الخبر؟
فقال: نعم، نفترض هذا ممكناً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومنها نفس هذا، الخبر فيلزم من حجّيتها عدم الحجّية.
جوابه: أن هذه الرواية حيث إنها متكفّلة لقضية انحلالية، فهي تنحلّ إلى قضايا متعدّدة بعدد الأخبار التي ليس عليها شاهد من كتاب الله، ومنها نفس هذا الحديث. والمحذور يلزم لو بنينا على حجّية هذه الرواية في تمام مدلولها حتى لنفسها، وأما لو استثنيناها بنفسها فلا يلزم المحذور. ونحن نرفع اليد عن الحجّية بمقدار المحذور العقلي؛ لأن الضرورات تقدّر بقدرها وتعمل بالعامّ في الباقي. ومعه نبني على أنها حجّة في غير شخص هذه الرواية. وهي حجّية لا يلزم منها محذور.
[الإشكال الثالث]
الوجه الثالث للمناقشة: أنه في هذه الرواية احتمالان:
أحدهما: أن يكون لسانها لسان الاستنكار والترفّع عن الصدور.
الثاني: أن يكون لسانها لسان سلب الحجة.
على الاحتمال الأوّل(1) لا بُدّ من حمل الرواية على التقية -كما سبق-.
وعلى الاحتمال الثاني(2) لا بُدّ من تقييدها بغير باب الأحكام بقرينة لُبّية متّصلة هي السيرة العقلائية -كما سبق أيضاً-.
(3)فقد يصبح هذا الحديث أخصّ مطلقاً من أدلّة حجّية خبر الواحد المطلقة
ــــــــــ[188]ــــــــــ
() ثُمّ ذكر السيّد: أنه على الاحتمال الأوّل… (المقرِّر).
(2) ثُمّ ذكر أنه على الاحتمال الثاني… (المقرِّر).
(3) ثُمّ قال: فقد يصبح… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الشاملة لأصول الدين وفروعه، لو كان هنا الإطلاق موجود وينتج التفصيل في خبر الواحد بين أصول الدين وفروعه.
وأما إذا كانت الرواية مجملة، فتكون مردّدة بين معنى يتعيّن حمله على التقية، وبين معنى يمكن العمل بعد تقييده بخصوص أصول الدين، فالنتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.
تبقى شبهة واحدة: وهو أن يُقال: إن أصالة الجدّ تعيّن لنا أحد هذين المعنيين بعينه. فإن مقتضاها صدور الكلام بداعي الجدّ، فيتعيّن أن يكون مدلول الكلام هو الذي يحمل على الجدّ دون الآخر. إلّا أن أصالة الجدّ في أمثال المقام غير صحيحة. فإن مرجعها إلى قضية شرطية وهي: إذا كان هذا هو المراد استعمالاً فهو مراد جدّي. ففي المورد الذي يكون للكلام مدلول واحد مبيَّن، يكون المدلول الاستعمالي مبيّناً، ويكون شرط الشرطية محرزاً فيترتّب عليه الجزاء وتجري أصالة الجدّ.
وأما إذا كان للكلام مدلولان وكان يحتمل أن يكون هذا هو المراد الجدّي أو ذلك، فهنا لو كانت كِلتا القضيتين الشرطيتين حجّة، فقد نضمّ إليها القطع بأن هذا ليس مراداً جداً، فيتعيّن أن يكون الآخر جدّياً. ولكنّنا نقول: إن قضية (لو كان الاستنكار مراداً استعمالياً فهو مراد جدّي) لا يعمل بها العقلاء؛ لأنها سنخ قضية ساقطة إما تخصيصاً -بكذب جزائها- وإما تخصّصاً -بكذب شرطها-. فلا يمكن أن يثبت بأصالة الجدّ أنه على كلّ محتملات مراده الاستعمالي فهو مراد جدّي. هذا الكلام المطلق، الثابت على كِلا التقديرين غير
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
موجود؛ للعلم بسقوطه في أحد الطرفين، فتبقى قضية واحدة يتعبّد بها العقلاء وهي أنه لو كان سلب الحجّية مراداً استعمالاً فهو مراد جداً، إلّا أن شرط هذه القضية غير محرز.
الإشكال الرابع
إن هذه الرواية بالإمكان أن نتعامل معها بأحد وجهين:
الأوّل: أن نقول: إنها تدلّ على الغاء حجّية خبر الواحد وإن لسانها العرفي هو الردع عن العمل بكلّ خبر إلّا إذا كان موافقاً لكتاب الله، وهو يستفاد منه عرفاً الإلغاء رأساً؛ لأن سلب الحجّية عمّا ليس موافقاً مصرّح به في الرواية، وأما جعل الحجّية على خصوص الموافق فهو لغو بالنظر العرفي أو شبه اللغو؛ إذ يكون جاعلاً للحجّية لِما هو موافق للحجّة دائماً. إذن فليس المراد من “خذوا به” جعل الحجّية لخصوص ما يوافق، بل المراد لزوم الاعتماد على بقية الحجج غير الخبر، فيرجع إلى إسقاط كلّي لحجّية خبر الواحد. وهذا الاحتمال هو الصحيح.
الثاني: أن يكون المراد التنويع، وأن خبر الواحد قسمان: موافق وغير موافق. وقد أثبت الحجّية للأوّل ونفاها عن الثاني. ونحن نتكلّم على كِلا الاحتمالين.
أما على الاحتمال الأوّل، فتكون الرواية معارضة مع تمام أدلّة حجّية خبر الواحد، وحيث إن كلّ دليل يستدلّ به على الخبر الواحد لا بُدّ وأن يكون قطعي السند؛ لأنه يستحيل الاستدلال بالخبر الظنّي على الخبر الظنّي، فدليل
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
حجّية خبر الواحد أدلّة قطعية إما كتاباً وإما سُنّة متواترة، فلا بُدّ أن ننظر النسبة بينه وبينها. وعلى سبيل النموذج نقدّم ثلاثة أشكال من الأدلّة:
الشكل الأوّل: أن يكون دليل حجّية خبر الواحد، دالّاً على حجّيته فيما ينقل عن الأئمة بإطلاقه لا بذاته، كمفهوم (آية النبأ)(1)، الشامل للشبهات الموضوعية والحكمية معاً. وعلى هذا الشكل يكون خبر ابن أبي يعفور مقيّداً
-مثلاً- لهذا الإطلاق ومخرجاً للشبهة الحكمية منه.
الشكل الثاني: ما يدلّ على حجّية الخبر الواحد، في الشبهات الحكمية، فيما ينقل عنهم، كما في قوله: “ما أدّى اليك فعنّي يؤدّي“. ومع هذا فيكون مساوياً لموضوع حديث ابن أبي يعفور، فإنهما معاً شاملان للأحكام ولأصول الدين معاً، فيكون تعارضهما بنحو التباين. فيكون خبر ابن أبي يعفور ساقطاً عن الحجّية، لِما يأتي في الطائفة الثالثة من أن ما خالف كتاب الله أو الدليل القطعي يسقط عن الحجّية.
الشكل الثالث: أن يكون دليل الحجّية دالّاً على الحجّية في خصوص ما ينقل عنهم في فروع الدين، كما لو استدللنا على حجّية خبر الواحد، بـ(آية النفر)(2)، فإنها خاصّة بالفروع فإنها هي التي ينفر من أجلها وتكون مراداً
ــــــــــ[191]ــــــــــ
() الحجرات، الآية 6: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.
(2) التوبة، الآية: 122 وَمَا كَانَ ٱلمؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
للثواب والعقاب. حينئذٍ يكون دليل الحجّية أخصّ مطلقاً من حديث ابن أبي يعفور؛ لأنه يشمل الأصول والآية خاصّة بالفروع.
هذا كلّه بناء على ما إذا فرضنا أن لسان الحديث كان هو الغاء الحجّية رأساً. وأما إذا اخترنا الاحتمال الثالث وهو أن يكون في مقام تصنيف خبر الواحد إلى قسمين أحدهما حجّة والآخر ليس بحجة، فلا بُدّ من التكلّم عن النسبة خلال الأشكال الثلاثة السابقة.
أما الشكل الأوّل فلا تختلف النسبة فيه، وهو كون حديث ابن أبي يعفور أخصّ.
وأما الشكل الثاني: فقد يتوهمّ أن الحديث يصبح أخصّ مطلقاً من دليل حجّية الخبر؛ لأن قوله: “ما أدّى فعنّي يؤدّي” يشمل الأصول والفروع سواء كان عليه شاهد أو لا. وخبر ابن أبي يعفور يقول: (إذا لم يكن عليه شاهد فليس فيه حجّية). ونحتاج إلى نفي هذا التوهمّ إلى ضمّ دعوى: أن دليل الحجّية لا يمكن تقييده بما إذا كان عليه شاهد من كتاب الله؛ لأن هذا فرد نادر جداً. إذن فدليل الحجّية كالنصّ في غير هذا المورد -يعني: نصّ فيما لا يكون له شاهد-، فتقع المعارضة بنحو التباين ويتساقطان.
وأما الشكل الثالث: فقد يقال: إن النسبة هي العموم من وجه حينئذٍ؛ لأن (آية النفر) تشمل خبر الواحد في فروع الدين سواء كان عليه شاهد أو لا. وخبر ابن أبي يعفور بنفي حجّية ما ليس عليه شاهد سواء كان في أصول الدين أو فروعه. وحينئذٍ يدخل في (ما خالف كتاب الله) فيسقط.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لكنّنا نستطيع أن نقول: إن النسبة هي العموم المطلق؛ لأن تقييد (آية النفر) بخصوص ما عليه شاهد من كتاب الله غير ممكن؛ لأنه فرد نادر، فهي كالنصّ في القسم الثاني فيكون أخصّ مطلقاً من حديث ابن أبي يعفور. فالنسبة تبقى هي النسبة على كِلا الاحتمالين.
إذن فالحديث معارض مع الدليل القطعي إما بنحو التباين أو العموم من وجه أو أنه أخصّ، ويؤخذ بالدليل القطعي على جميع التقادير(1).
الإشكال الخامس
أن نفرض أن دليل حجّية خبر الواحد يعارض مع حديث ابن أبي يعفور بنحو العموم من وجه، بأن يكون -مثلاً- دليل الحجّية دالّاً على حجّية الخبر في الشبهات الحكمية من فروع الدين، سواء كان عليه شاهد أو لا، والحديث دالّ على عدم حجّية ما لا يكون عليه شاهد سواء كان من فروع الدين أو أصوله.
فإن قلنا بأن ما يعارض الدليل القطعي يسقط عن الحجّية، رجعنا إلى الإشكال السابق، فالآن نغضّ النظر عن هذه القاعدة، فيكون مقتضى القاعدة
ــــــــــ[193]ــــــــــ
() أقول: الأخصّية إما أن تكون في جهة دليل الحجّية، كـ(آية النفر) بناءً على الاحتمال الثاني، فيكون مخصّصاً لحديث ابن أبي يعفور، ولا يكون ذلك مضرّاً بالمطلوب. وإما أن تكون الأخصّية في جهة الحديث، كنسبته إلى (آية النبأ)، فقد يقال بتخصيصه لها فتختصّ بالشبهات الموضوعية ولا محذور في ذلك. ويمكن أن يجاب أن هذا فرع بقاء الحديث، والمفروض سقوطه مع معارضه، فلا تصل النوبة إلى هذا التخصيص، فتبقى (آية النبأ) سالمة عن المقيّد. (المقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
سقوط كِلا الدليلين في محلّ الاجتماع. وهنا نقول: إنه يمكن تحصيل الدليل على حجّية خبر الواحد ببيانين:
البيان الأوّل: أننا نوقع المعارضة ويتساقطان ونرجع إلى مرجع فوقاني هو مفهوم (آية النبأ) وما كان من قبيلها، فإن (آية النبأ) تدلّ على حجّية خبر الواحد مطلقاً، سواء كان في أصول الدين أو فروعه عليه شاهد أو لم يكن في شبهة حكمية أو موضوعية، وقد ورد عليه مخصّص لِـ”ما لم يكن عليه شاهد من كتاب الله“. ولكن هذا الخاصّ ابتلي بالمعارض في بعض حصصه؛ لأنه لا معارض له في اخبار الآحاد في الأصول، ولكن في الفروع ابتلي بمعارض وهو (آية النفر)، وبعد سقوطه بمقدار التعارض يكون الرجوع إلى العامّ الفوقاني وهو مفهوم (آية النبأ)، وما كان من قبيله. ولا يمكن أن يقال: إننا نوقع المعارضة بين الحديث وبين دليل حجّية خبر الواحد على نحو المجموع، ويتعيّن الرجوع إلى أصالة عدم الحجّية. بل إن أدلّة حجّية خبر الواحد على نحوين: منها ما يسقط مع الحديث بالتعارض، ومنها ما يصلح أن يكون عامّاً فوقانياً بعد التساقط.
*****
البيان الثاني، أو اجعلوه إشكالاً سادساً: وهو أنه لو فرض أن الأدلّة القطعية على حجّية خبر الواحد انحصرت في دليل واحد، وكانت نسبته إلى رواية ابن أبي يعفور هي العموم من وجه، كما لو فرضنا أن الدليل على الحجّية هي (آية النفر)، وقلنا إنها تدلّ على وجوب قبول قول (المنذر)، واقتضى
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إطلاقها لِما إذا حصل العلم، أو لم يحصل بحجّية خبره في ما إذا لم يحصل العلم. فتكون دليلاً على الحجّية في باب الحلال والحرام فقط بقرينة الحذر والعقاب. فتكون دالّة على ذلك بالإطلاق. نعم، لا يكون على قول المنذر شاهد؛ لأنه لا معنى لأن يكون قوله على طبق شاهد من القرآن، فإن الأولى -على هذا التقدير_ أن يأمر برفع نسخة من القرآن إليهم. ومعه فتكون النسبة بينها وبين الحديث هي العموم من وجه، يجتمعان في خبر الآحاد في الشبهات الحكمية مما لا يكون عليه شاهد، فإن مقتضى إطلاق الآية حجّيته، ومقتضى إطلاق الحديث عدم الحجّية. وتفترق الآية عن الحديث بصورة حصول العلم، ويفترق الحديث عنها في باب أخبار الآحاد في أصول الدين ونحوها. وهنا لا بُدّ أن نقطع النظر عن تقديم الدليل القطعي؛ لئلّا نرجع إلى جواب سابق، كما نقطع النظر عن عامّ فوقاني، لغرض انحصار دليل الحجّية بالآية، لئلّا نرجع إلى الجواب السابق. فيكون مقتضى القاعدة هو التساقط، ونرجع إلى أصالة عدم الحجّية. وهذا صحيح.
لكن يبقى هنا شيء، وهو أنه لو حصّلنا في أخبار الآحاد نفسها على ما يصلح أن يكون دليلاً على حجّية خبر الواحد التأسيسي في باب الحلال والحرام، بحيث يكون أخصّ مطلقاً من حديث ابن أبي يعفور. وافرضوا أن هذا الدليل هو: “العمري وابنه ثقتان… فاسمع لهما وأطع”، حيث إن القدر المتيقّن منه هو الأحكام.
قد يقال في بادئ الأمر: إن هذا الخبر أو الدليل لا يفيدنا شيئاً؛ لأن هذا
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
خبر واحد، فيحتاج في جعله مخصّصاً لحديث ابن أبي يعفور إلى إثبات حجّية سنده، ونحن بماذا نثبت حجّية سنده؟ هل نثبته بدليل الحجّية وهو إطلاق (آية النفر)؟ وقد فرضنا سقوطه بالمعارضة مع إطلاق حديث ابن أبي يعفور، فلا دليل على حجّية سنده حتى نخصّص به. وحينئذٍ نرجع إلى أصالة عدم الحجّية.
هنا نقول: إن هذا الخبر الواحد -كخبر (العمري وابنه ثقتان)- له تأثير؛ لأنه بعد أن يقع التعارض بنحو العموم من وجه بين دليل الحجّية ودليل عدم الحجّية، كـ(آية النفر) وحديث ابن أبي يعفور، نقرأ في الفقه أنهما يتساقطان إذا لم يكن هناك نكتة موجبة للتساقط. لكن في خصوص المقام يتقدّم دليل الحجّية على الحديث.
والوجه في ذلك: أن الأمر يدور بين رفع اليد عن إطلاق الآية بإطلاق الحديث أو العكس. أما رفع اليد عن إطلاق الآية من أجل إطلاق الحديث، فهذا بلا موجب؛ لأن نسبة الحديث إلى مادّة الاجتماع كنسبة الآية إليه وليس أحدهما أقوى.
وأما العكس، وهو ما إذا عملنا بإطلاق (آية النفر) ورفعنا اليد عن إطلاق حديث ابن أبي يعفور، فيكون رفعاً لليد بالقرينة؛ لأننا لو عملنا بإطلاق الآية يصبح ذاك الخبر الواحد حجّة، وهو في نفسه صالح للقرينية وتخصيص حديث ابن أبي يعفور، فيكون رفع اليد عن إطلاق هذا الحديث بالقرينة، وهو تخصيص خبر الواحد له بعد تتميم سنده واكتسابه الحجّية من الآية. وكلّما دار الأمر بين تقديم أحد التعارضين بلا قرينة وبين تقديم الآخر بقرينة تعيّن الثاني لا محالة.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وإذا تكلّمنا بمنطق الدور قلنا: إن معارضة الحديث بإطلاق (آية النفر) متوقّف على عدم كونه مخصّصاً بخبر الواحد، -أي: في طول عدم القرينة-، وعدم التخصيص والقرينة، في طول سقوط إطلاق (آية النفر) عن الحجّية، إذ لو كان إطلاقها ثابتاً لكان هذا الخبر المخصّص حجّة. إذن فاقتضاء الإطلاق في حديث ابن أبي يعفور موقوف على عدم الإطلاق في (آية النفر)، فلا يعقل أن يكون مسقطاً له(1).
وصغرى هذا المطلب وإن كانت متحقّقة في علم الأصول، إلّا أننا لا نعرف لها نظيراً في الفقه، في العبادات على الأقلّ.
هي الروايات التي أُخذ في موضوعها عنوان المخالفة، وكان لسانها لسان إسقاط الحجّية، لا لسان الاستنكار، من قبيل “ما خالف كتاب الله فذروه، وما وافق كتاب الله فخذوا به“. فالموضوع هو المخالفة لا الموافقة -كما في الطائفة
ــــــــــ[197]ــــــــــ
() أقول: وبعبارة اخرى: إن وجود الإطلاق في الحديث موقوف على عدم القرينة، وعدمها موقوف على عدم وجود المخصّص، وعدمه موقوف على عدم وجود الإطلاق في الآية، وعدم هذا الإطلاق موقوف على وجود الإطلاق في الحديث، فتوقّف وجود الإطلاق في الحديث على نفسه وهو الدور. وحيث استحال ذلك، فينتج استحالة إسقاط إطلاق الحديث لإطلاق الآية. انتهى. (المقرِّر).
(2) نسجّل في هذه الطائفة ما قاله السيّد في يوم الثلاثاء 25/12/عن هذه الطائفة، مضافاً إلى ما قاله في هذا اليوم وما بعده. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الثانية-، وليس لسانه لسان الاستنكار كما في الطائفة الاولى.
والكلام يقع في العقدين السلبي والايجابي لهذه الطائفة:
[الكلام في العقد السلبي]
أما العقد السلبي: فلا إشكال في ظهوره بإسقاط حجّية الخبر الذي خالف كتاب الله، وأن المخالفة مانعة عن حجّيته. فكأنّ هذا البيان يريد أن يضيف قيداً جديداً إلى الحجّية، ومقتضى الإطلاق في الموضوع أن المخالفة بأيّ نحو كانت فإنها توجب السقوط عن الحجّية. ومن المعلوم أن المخالفة صادقة على كلّ مورد اختلف فيه المدلول، ولو كان الجمع العرفي ممكناً. وبذلك ينتقل الأصل، فبينما كان الأصل هو الحجّية في خبر الواحد، يصبح الأصل هو عدم الحجّية في كلّ خبر مخالف للكتاب، ونحتاج إلى دليل في بعض أقسام المخالفة، كالمخالفة بنحو الإطلاق والتقيّد إلى دليل على الحجّية(1).
ــــــــــ[198]ــــــــــ
() أقول: وقبل الاستمرار في الكلام لا بُدّ أن نشير إلى أن السيّد ذكر روايتين كمصداق لهذه الطائفة:
منها: ما رواه (الكافي)، بسنده عن النوفلي، عن السكوني -ضعيفة بالنوفلي-، عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله: إن على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نور فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه“.
ومنها: ما رواه من (الوسائل)، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج -صحيحة-، عن أبي عبد الله قال: “الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة إن على كلّ حقّ حقيقة“. وذكر مثله.
أقول: انظرهما في جامع أحاديث الشيعة جـ1 ص63 المقدّمة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وقد أجاب الآغايون كالسيد الأستاذ عن هذا الإشكال بجوابين:
أحدهما: دعوى أن موارد الجمع العرفي خارجة تخصّصاً عن مفهوم المخالفة، فإن المخالفة هو ما يتحيّر العرف في الجمع بين الدليلين، وموارد الجمع العرفي لا يتحيّر العرف في فهم المقصود. فتكون هذه الطائفة خاصّة بموارد عدم الجمع العرفي، كالتباين والعموم والخصوص من وجه.
الثاني: أننا نعلم إجمالاً بصدور روايات عن الأئمة مخالفة للكتاب بنحو يغتفر بالجمع العرفي. ومن المعلوم أن هذا العلم الإجمالي يكون قرينة صادقة لإطلاق هذه الروايات للشمول لهذا المورد من المخالفة.
وتحقيق الحال في ذلك هو أن معنى المخالفة فيه ثلاثة احتمالات:
الأوّل -وهو الأقرب-: أن يكون المراد بالمخالف ما كان مخالفاً للقرآن الكريم بما هو لفظ دالّ على معنى، بحيث تكون المخالفة منتزعة عن مرحلة الدلالة اللفظية محضاً، بلا نظر إلى مرحلة الحجّية أصلاً.
الثاني: ما كان مخالفاً للقرآن بما هو حجّة فعلية، ولا تريد بذلك الحجّة الفعلية حتى بعد صدور الخبر المخالف؛ لأنه يصبح من الضروريات وقضية بشرط المحمول ولغواً صرفاً، فإنه من المعلوم أن كلّ ما خالف لِما هو حجّة بالفعل لا يجوز العمل به. بل نريد فعلية الحجّية الاقتضائية وملاك الحجّية، فيعود المعنى إلى قولنا: لا نعمل بالخبر المخالف للقرآن الذي له اقتضاء الحجّية لو لا هذا الخبر. فيجب أن نلتفت في كلّ مورد مورد إلى أنه -لولا هذا الخبر- هل في القرآن حجّية اقتضائية أو لا؟
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الثالث: ما كان مخالفاً للقرآن الذي يكون حجّة اقتضاءً، وتكون حجّيته الاقتضائية ثابتة حتى بعد ورود الخبر المخالف.
فإذا أخذنا بالاحتمال الأوّل: فإن كِلا الجوابين لا يكونان تامّين:
أما الجواب الأوّل: فلوضوح صدق المخالفة على موارد الجمع العرفي؛ لأنها منتزعة عن مرحلة الدلالة اللّفظية فقط، وإنما لا يتحيّر العرف باعتبار تقديمه القرينة على ذيها في مقام الحجّية، لا أنه لا يرى المخالفة صادقة.
وأما الجواب الثاني: فلأن لسان هذه الروايات هو لسان سلب الحجّية، ولا ملازمة بين الحجّية وبين العلم الإجمالي بالصدور، فإن مجرّده لا يقتضي جعل الحجّية للمعلوم بالإجمال. فإننا نعلم إجمالاً بصدور بعض أخبار الفسّاق وبعض أخبار (صحيح البخاري)، ولا نقول بجعل الحجّية لها. إذن فلا يصلح هذا العلم الإجمالي مقيّداً لإطلاق هذه الطائفة.
وأما إذا أخذنا بالاحتمال الثاني:
فالجواب الأوّل غير تامّ، فإن الخبر المخالف بنحو الإطلاق والتقييد يصدق عليه أنه مخالف للقرآن الذي هو حجّة فعلية لو لا هذا الخبر؛ إذ لولا المقيّد لكان إطلاق الآية حجّة، فالحجّية اللولائية ثابتة، فيكون الخبر ساقطاً عن الحجّية بناءً على هذا الاحتمال.
وأما الجواب الثاني: وهو العلم الإجمالي فهو تامّ على تفصيل.
وذلك: لأن هذا العلم الإجمالي بصدور بعض الأخبار المخالفة، يوجب لا محالة العلم الإجمالي بسقوط بعض ظواهر القرآن عن الحجّية بالتقييد
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والتخصيص والتفسير، ومقتضى قواعد تنجيز العلم الإجمالي سقوط جميع ظواهر القرآن عن الحجّية، فتكون في نفسها ليست بحجّة. وكنّا نعالج هذا العلم الإجمالي عادة بأن نبني على حجّية الأخبار المخالفة للكتاب، ونجمع منها بمقدار المعلوم بالإجمال، من المخصّصات والمقيّدات، فينحلّ العلم الاجمالي. فإذا حسبنا حساب القرآن لو لا الاخبار المخالفة، فإن ظواهره لا تكون حجّة، بلحاظ العلم الإجمالي. نعم، لو انحلّ العلم الإجمالي بمحلّ آخر، -على ما هو المظنون- كالإجماعات والإجماعات المنقولة بنحو يكون حجّة والشهرات إذا كانت حجّة والسير العقلائية، وحصلنا بها على مجموعة من المخصّصات لظهواهر القرآن بمقدار المعلوم الإجمالي، انحلّ العلم الإجمالي، ويكون الجواب الثاني غير تامّ.
وأما بناء على الاحتمال الثالث:
وهو ما خالف القرآن بما هو حجّة اقتضائية حتى بعد ورود الخبر، فيكون كِلا الجوابين تامّاً:
أما الجواب الأوّل: فلأنه من المعلوم أنه إذا ورد خبر مقيّد لإطلاق القرآن فبقطع النظر عن حديث (ما خالف كتاب الله) فالقرآن لا يكون له حجّية حتى اقتضاءً؛ لأن اقتضاء دليل الحجّية للشمول بظهوره معلّق على عدم القرينة، وهذا الخبر قرينة تامّة في نفسها، فالحجّية الاقتضائية حتى بعد حجّية الخبر المخالف غير صادقة في موارد الجمع العرفي، فيكون الجواب الأوّل تامّاً، كما أن الجواب الثاني تامّ على التفصيل المتقدّم.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وحيث لم يتمّ هذان الجوابان فأحسن ما نراه مخلصاً عن هذه العويصة ما أشرنا إليه في بحث الخبر الواحد، من أن هناك رواية مقيّدة لهذا الإطلاق، وهي الرواية العلاجية الواردة في مقام الترجيح لِما وافق كتاب الله على ما لم يوافق. وهو ما رواه الراوندي، بسنده عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله، قال: “قال الصادق : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه..”(1) الحديث.
فقد فرض وجود خبر معارض للقرآن حجّة في نفسه، فإنه يفرض وجود خبرين كلّ منهما حجّة في نفسه، وإنما يكون منشأ التحيّر هو ابتلاؤه بالمعارض، وفي هذه الحالة فرض الإمام أن أحدهما مخالف للكتاب. فمن هنا يعرف بنحو القضية المهملة أنه يوجد خبر مخالف لكتاب الله وهو حجّة(2). إذ لو كان كلّ خبر مخالف للكتاب ساقط من الحجّية، لَما كان معنى لهذا التفصيل.
ولكن هذه القضية المهملة ليس لها إطلاق؛ لأن الإمام لم يكن في مقام بيان أن أيّاً من الخبر المخالف يكون حجّة وأيّاً لا يكون حجّة. والقضية المهملة يقتصر فيها على القدر المتيقّن، وهو أقلّ أنحاء المؤونة عرفاً في مقام المخالفة، بحيث يفهم العرف أنه لو جاز واحد لجاز الجميع، وهو ما كان بنحو الإطلاق والتقييد ونحوه.
وأما ما يكون زائداً على هذا المقدار فيبقى تحت عدم الحجّية وإن كان جمعاً
ــــــــــ[202]ــــــــــ
() جامع الأحاديث ص66 جـ1. (المقرِّر).
(2) وإن بعض أنحاء المخالفة لا تكون مانعة عن الحجّية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
عرفياً في نفسه. فما كان معارضاً للكتاب بنحو العموم من وجه أو بنحو التباين أو كان مخصّصاً لعموم قوي أو مقيّداً لإطلاق قوي، بحيث يكون لسانه آبياً عن التخصيص والتقييد، ففي مثل ذلك لا يعمل بالأخبار المخالفة للكتاب الكريم.
وبتعبير آخر: إنه عندنا عامّ وهو دليل حجّية خبر الواحد المقتضي لحجّية كلّ خبر على الاطلاق، خرج منه بالتخصيص (ما خالف كتاب الله عزّ وجلّ)، وطرأ مخصّص على هذا المخصّص وهو الرواية العلاجية، وحيث لم تكن في مقام البيان فيقتصر فيها على القدر المتيقّن ويبقى الباقي تحت التخصيص المنتج لعدم الحجّية.
هذا كلّه هو الكلام في العقد السلبي(1).
الكلام في العقد الإيجابي
وهو قوله: “فما وافق كتاب الله فخذوه“. فهذا فيه احتمالان بدواً:
الأوّل: أن يكون في مقام تأسيس حجّية جديدة على ما يوافق كتاب الله، بحيث تكون موافقة الكتاب أمارة معتبرة على صدوره ولو كان الراوي كذاباً.
وهذه الحجّية معقولة، ولا يتوهّم كونه أمراً غير معقول بدعوى اللغوية؛ لأن العمل حينئذ يكون على الكتاب لا على الخبر، لأن بالإمكان دفع هذه اللغوية بعدة بيانات في مقام تصوير الأثر لمثل هذه الحجّية التأسيسية، كما إذا
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() اندرجت هذه المحاضرة بما سجّلناه في محاضرة أمس؛ للترابط العضوي بين المطالب، كما اندرجت محاضرة يوم الثلاثاء 20/12/ فيها أيضاً. وليس هذا مهمّاً بعد حفظ المطلب. والحمد لله رب العالمين. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فرضنا لو كانت الآية مطلقة ولها خبر واحد ثقة مقيّد، وجاء خبر موافق للكتاب ومقيّد لهذا المقيّد، ولكن راويه غير ثقة، كما في وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) ورد عليه خبر ثقة مقيّد يقول مثلاً: (لا يحلّ بيع الصبي) ثُمّ أخبر فاسق كذّاب: (أن بيع الصبي المراهق صحيح)، فهذا الخبر موافق للكتاب فيكون حجّة، ولحجّيته أثر؛ لأنه لو لم يكن حجّة لكان المعوّل على المخصّص لا على إطلاق الآية، فجعل الحجّية ليس لغوا ًعقلاً بل هو أمر ممكن في نفسه.
الاحتمال الثاني: أن لا يكون في مقام بيان حجّية جديدة، بل هو في مقام بيان أن الموافق ينطبق عليه مقتضى أدلّة الحجّية الأوّلية. فهذا الخبر ناظر إلى أدلّة الحجّية، ويشترط أن لا يكون مخالفاً، فإن كان موافقاً فإنه يبقى على حاله من الحجّية، كما في قوله: “لا صلاة إلّا بطهور” وأما بعد الطهور فلا بأس بصلاتك. فليس معناه أنه لا بأس بها حتى لو لم تتوجّه إلى القبلة، بل معناه أن هذه الصلاة بشرائطها تصحّ مع الطهور. ومعه يكون العقد الايجابي راجعاً إلى كونه تأكيداً وتوضيحاً للعقد السلبي.
ولا إشكال أن المتعيّن من هذين الاحتمالين هو الثاني، بحسب ظاهر الحديث. وذلك: أن عنوان الموافق الذي أُخذ موضوعاً للعقد الايجابي إما أن يراد به الموافق بالمعنى الأخصّ يعني دالّاً على شيء يدلّ عليه الكتاب الكريم. وإما أن يراد به الموافق بالمعنى الأعمّ -أي مجرّد كونه غير مخالف مع القرآن-. وعلى كلّ من التقديرين يوجد قرينة على تعيين الاحتمال الثاني.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما إذا كان موضوعه هو الموافق بالمعنى الأخصّ، فالقرينة على تعيين الاحتمال الثاني وإن الأمر بالأخذ ليس في مقام إنشاء حجّية تأسيسية، هو: أن جعل هذه الحجّية على ما وافق القرآن بالمعنى الأخصّ، وإن لم يكن لغواً عقلاً. ولكنّها لغو عرفاً؛ لأن آثارها آثار دقيّة لا يلتفت إليها الذهن العرفي، فتكون هذه اللغوية العرفية بدلالة الاقتضاء قرينة على صرف الأمر عن كونه مؤسّساً لحجّية جديدة، بل هو في مقام التحويل على طبع المطلب في نفسه، إذا لم توجد المانعية.
وأما إذا حملنا الموافق على الموافق -بالمعنى الأعمّ-، فتلك القرينة لا تأتي، لكن هناك قرينة أخرى على صرف الكلام عن الاحتمال الأوّل إلى الثاني، وهو وضوح أن مجرّد عدم المخالفة للكتاب ليس ملاكاً للحجّية، فبمناسبات الحكم والموضوع المركوزة في أذهان العرف؛ لأنه يرى أن مجرّد كونه غير منافٍ مع الكتاب لا يكفي في جعل الحجّية، بل يحتاج إلى نحو من الكاشفية والطريقية ومعه يتعيّن الاحتمال الثاني في مقابل الأوّل.
إذن فعلى كِلا التقديرين نستظهر من العقد الإيجابي الاحتمال الثاني، وليس فيه معنى زائد على العقد السلبي.
بعد هذا نتكلّم عن نقاط أربع في فقه الحديث:
النقطة الأولى: شبهة وجوابها
إنه قد يُقال: إن هذه الرواية فيها ما يلفت النظر، وهو أن الأخبار بحسب تقسيمها الواقعي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: موافقة للكتاب، ومخالفة له، ولا
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
موافقة ولا مخالفة. والذي يظهر بالاستقراء أن القسم الثالث أكثر من القسمين الآخرين بأضعاف مضاعفة، مع أن هذه الرواية سكتت عن القسم الثالث مع كونه أكثر بمراتب وأشيع وأدخل في محلّ الابتلاء، فهذا بنفسه يكون قرنية على أن الرواية لم تسكت عن ذلك وأنها تعرّضت للقسم الثالث فعلاً.
وهذا يتوقّف على أحد تأويلين: إما أن تأوّل عنوان (ما وافق) بغير المخالف، فنجعل عنوان المخالف هو الركن، ونرجع الموافق إلى غير المخالف. أو أن نجعل عنوان الموافق هو الركن، ونرجع المخالف إلى غير الموافق. فالأمر دائر بين هذين الأمرين، والنتيجة تختلف باختلاف الاحتمالين: أما الاحتمال الأوّل فهو مطلوبنا؛ إذ تكون المخالفة مانعة عن الحجّية. وأما على الاحتمال الثاني فتكون الرواية دليلاً على شرطية الموافقة لا على مانعية المخالفة. وهذا بعد الالتفات إلى النكات التي قلناها يكون مرجعها إلى الغاء الحجّية راساً، فيكون حالها حال الطائفة الثانية. وحيث يكون نسبة الاحتمالين إلى الحديث على حدّ واحد فتكون مجملة.
وجواب هذه الشبهة: أن هذه القرينة وإن كانت نسبتها إلى الاحتمالين على حدّ واحد، إلّا أن غرابة أحد التأويلين بالارتكاز المتشرعي بنفسه يصلح قرينة على الاحتمال الآخر؛ إذ لو جعلنا العقد الايجابي هو الركن فمرجعه إلى تخصيص الحجّية بالموافق، ومرجع ذلك إلى إلغاء الحجّية رأساً، مع أنه كلّ من استدلّ بالارتكاز المتشرّعي على حجّية الخبر يمكنه أن يقول إن هذا الارتكاز بنفسه يوجب انصراف ذهن المتشرّعة عن هذا الاحتمال، وتعيّن الاحتمال الآخر، باعتباره غير منافٍ مع الارتكاز. وبذلك يتمّ ظهور الطائفة في ما هو المقصود.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
النقطة الثانية: أنّ هذه الطائفة ليست ناظرة إلى أخبار الآحاد بالخصوص
إنه قد يُقال: إن هذه الطائفة ليست ناظرة إلى أخبار الآحاد بالخصوص؛ لأنها لم يؤخذ في موضوعها عنوان الحديث والخبر، بل قال: (ما خالف..) و(ما وافق…)، واسم الموصول مفهوم مبهم كلّي ينطبق على أخبار الآحاد وغيرها ممّا يصلح أن يكون أمارة، كالشهرة الفتوائية والاجماع المنقول وكذلك الأمارات الظنّية غير المعتبرة. وحينئذٍ تكون النسبة بينها وبين أدلّة حجّية خبر الواحد هي العموم من وجه، لا أنه يكون وارداً في أخبار الثقات حتى يكون أخصّ، ومعه لا يمكن الالتزام بالتخصيص بل لا بُدّ من معاملته معاملة العامّين من وجه.
جوابها: أن هذه الطائفة حتى لو كانت بهذا العرض العريض، المدّعى، فإنها تتقدّم على دليل حجّية خبر الواحد، وذلك من باب الحكومة؛ لأنها دليل من أدلّة المانعية، ودليل المانعية له نظر إلى أدلّة الممنوع ويكون مقدّماً عليها. فلو قيل: (لا عبادة إلّا بطهور)، فنسبته إلى دليل كلّ عبادة وإن كان هو العموم من وجه، إلّا أنه باعتبار إفادته للمانعية، يكون حاكماً على إطلاقات كلّ أدلّة العبادة. فهذه الطائفة حاكمة على كلّ دليل دلّ على حجّية أمارة من الأمارات إذا كانت مخالفة للكتاب- أو إذا لم(1) تكن موافقة-. بما في ذلك أخبار الثقات.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() غاية الأمر أنها على ذلك تكون من أدلّة الشرطية، وتكتسب الحكومة بلحاظ ذلك أيضاً، فإن أدلّة الشرطية ناظرة الى دليل المشروط. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
النقطة الثالثة: أنّ هذه الطائفة لسانها لسان الاستنكار لا نفي الحجّية
قد يُقال: إن هذه الطائفة لسانها لسان الاستنكار لا لسان نفي الحجّية، وذلك بلحاظ الصدر وهو قوله: “إن على كلّ حق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً“. بدعوى أن هذه الطائفة في مقام نفي صواب ما خالف الكتاب؛ لأنه لو كان صواباً لكان عليه نور من كتاب الله، وحيث إنه ليس كذلك -لمكان المخالفة أو عدم الموافقة-، فهو إذن ليس صادراً. فتكون من قبيل الطائفة الأولى.
إلّا أن الجواب هو: أن المستظهر من هذه الجملة: الأمارية لا الملازمة الواقعية، بحيث إن كلّ صواب لا بُدّ أن يكون عليه نور، وإن كلّ ما عليه نور فهو صواب. بل المراد أن الأشياء الصحيحة تظهر عادة بالدلائل ويظهر فساد ما خالفها، وهذا يكون مقرّباً ومؤيّداً للنهي عن الأخذ بما خالف الكتاب. فهي نكتة نوعية وأمارة ظنّية، لا بنحو الملازمة الواقعية.
ويؤيّد ذلك قوله في صدر الرواية: “الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة“، فكأنّه يفترض أن الخبر الذي ليس عليه نور هو (شبهة) لا أنه باطل يقيناً، وهذا يناسب مع الأمارية. ومعه فلا موجب لخروج الرواية عن هذه الطائفة.
النقطة الرابعة: هل تختصّ المخالفة بالعامّ الوضعي أو تشمل الإطلاق بمقدّمات الحكمة؟
هي أننا قلنا: إن هذه الرواية تشمل كلّ ما يكون مخالفاً -مما لم يخرج برواية الراوندي- إذن فالمخالفة بنحو العموم من وجه داخلة في هذه الرواية، فيقع
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الكلام في أن المخالفة هل تختصّ بما إذا كانت المخالفة بنحو العموم الوضعي في القرآن، أو تشمل المخالفة لإطلاق ثابت في القرآن بمقدّمات الحكمة؟
ذهب السيّد الأستاذ إلى الاختصاص بالعامّ الوضعي، وذكر في وجهه: إنه إذا كان العامّ وضعياً فيكون الإطلاق لمورد الاجتماع مدلولاً لنفس اللّفظ القرآني، وقد فرض أن الخبر الذي يخالف المدلول القرآني ليس بحجّة. وأما إن كان الإطلاق ثابتاً بمقدّمات الحكمة، ونحن لا نقول بأن أسماء الأجناس موضوعة للمطلق بما هو مطلق، بل للماهيّة الجامعة بين المطلق والمقيّد، ويستفاد الإطلاق من مقدّمات الحكمة، وهي كون المولى في مقام البيان ولم يقيّد، فيكون إفادة الإطلاق بتعدّد الدالّ والمدلول. إذن فليس الإطلاق مدلولاً للفظ القرآني، بل مدلول لعدم وجود لفظ آخر في القرآن وهو القيد، فحليّة البيع المعاطاتي ليس مدلولاً للفظ وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1)، بل لعدم التقييد، فإذا لم يكن مدلولاً للّفظ القرآني فلا يكون الخبر مخالفاً للّفظ القرآني إذا كان مخالفاً مع الإطلاق الحكمي. فلا يكون مشمولاً لوجوب طرح (ما خالف الكتاب).
إلّا أن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه: لأن التحليل الفلسفي لدلالة الالفاظ على الإطلاق، وإن كان يقتضي أن الجزء الاخير من العلّة في استفادة الإطلاق هو أمر عدمي وهو عدم القرينة، ولكن بحسب النظر العرفي يُرى أن السكوت أو عدم ذكر القيد حيثية تعليلية لا حيثية تقييدية، بمعنى أنه يرى السكوت سبباً لاتّصاف الكلام نفسه بالظهور الإطلاقي، لا أن السكوت بما
ــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
هو سكوت يكون مقيّداً للإطلاق -وإن كان بالدقّة كذلك- لارتكازية أن الدلالات منصوبة إلى نفس اللفظ. ولا يرى العرف أن السكوت بما هو أمر منحاز عن المتكلّم أو كونه في مقام البيان بما أنه صفة من صفات المتكلّم، يكون دخيلاً في استفادة الإطلاق، بل يعتبر هذه الاسباب جهات تعليلية لظهور الكلام بالمعنى المتحصّل منها.
ولذا لا يستشكل العرف في أننا نستفيد من القرآن الكريم حلّية بيع المراهق والمعاطاة، لارتكازية الجهة التعليلية. وأظنّ أن السيّد الأستاذ رفع اليد عن هذا المطلب. ومعه فلا فرق بين العامّ القرآني الذي يكون بالوضع أو بمقدّمات الحكمة في صدق المخالفة عليه.
النقطة الخامسة: هل يلتزم بسقوط الخبر الواحد رأساً أو يسقط في مادة الاجتماع فقط؟
إنه في موارد التعارض بنحو العموم من وجه بين القرآن الكريم والخبر الواحد، هل يلتزم بأن الخبر الواحد يسقط راساً أو يسقط في مادّة الاجتماع فقط؟!
لو كان المدرك في مقام إسقاط العمل بهذا الخبر المخالف هو الروايات الدالّة على استنكار الصدور، وقلنا بشمولها للعامّين من وجه -ولا نقول به- فمقتضاه أن هذا العامّ من وجه لم يصدر أصلاً؛ لأن مفاد هذه الروايات هو استنكار الصدور والصدور لا يتبعّض. وإن كان المدرك هو الطائفة الثالثة التي لسانها لسان إسقاط الحجّية عن الخبر المخالف للقرآن الكريم، فكأنّه قال: (إذا
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
كان الخبر مخالفاً للكتاب فلا تعمل به)، وهذه المخالفة موجودة في العموم من وجه، لكنّها تتصوّر على نحوين:
النحو الأوّل: أن تؤخذ حيثية تقييدية في موضوع النهي عن العمل بالخبر.
النحو الثاني: أن تؤخذ حيثية تعليلية كذلك، بأن يقال: (لا تعمل بالخبر المخالف) أو يقال: (لا تعمل بالخبر؛ لأنه مخالف).
فإن أخذت حيثية تعليلية وكان مصبّ النهي هو الخبر، فمقتضى الإطلاق سقوط الخبر بتمامه؛ لأنه مخالف للكتاب ولو بلحاظ بعض مدلوله، وأما إذا كانت الحيثية تقييدية، بحيث انصبّ النهي على عنوان المخالف، فبمناسبات الحكم والموضوع يتقيّد موضوع النهي بمقدار المخالفة لا أكثر، فيرى أن المخالفة محصّصة لموضوع السقوط. ومعه فيسقط مدلول الخبر في محلّ الاجتماع ونعمل بالإطلاق الآخر.
ولكن الرواية لم تقل: (لا تعمل بالخبر المخالف)، ولم ترد بهذا اللسان، وإنما ورد في موضوعها اسم الموصول، ولذا قلنا: إنها لا تختصّ بباب الأخبار بل تشمل سائر الحجج العقلائية التي يُعمل عليها في أنفسها. وفي المقام عندنا حجّتان عقلائيتان فيهما اقتضاء العمل: أحدهما: صدور الخبر، والآخر إطلاقه. وكلّ منهما بنكتة عقلائية غير الأخرى، فالأولى بنكتة وثاقة الرواي، والأخرى بنكتة الأخذ بالظهور.
وحينئذٍ فيقال: بحسب ظاهر الرواية-: إذا كان الصدور مخالفاً للكتاب فلا تأخذ به، وإذا كان الظهور مخالفاً فلا تأخذ به. وإنما يكون الصدور مخالفاً
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
للقرآن الكريم فيما إذا كان مبايناً مع القرآن، وأما إذا كان بنحو العموم من وجه، فلا يكون الصدور مخالفاً، بل يكون الإطلاق مخالفاً. إذن فالذي يسقط بهذا الميزان هو حجّية إطلاق الكلام لا أصل صدور الكلام المطلق. ومعه فيلتزم بإسقاط مادة الاجتماع منه والعمل بمادّة الافتراق.
النقطة السادسة: هل يلحق بالكتاب السُنّة القطعية؟
إن الرواية جعلت الميزان هو المخالفة مع الكتاب الكريم، فهل يلحق به السنة القطعية أيضاً أو لا؟
للكتاب عدّة مزايا:
المزية الأولى: أنه تنزيل من قبل الله عزّ وجلّ بنحو الإعجاز، ذو شرف ذاتي خاصّ بصفته كلام الله عزّ وجلّ، وهي خصوصية يتميّز بها القرآن الكريم على سائر كلام البشر حتى السنة القطعية.
المزية الثانية: أن القرآن الكريم قطعي الجهة لا يحتمل فيه التقية، بينما كلام الأئمة يحتمل فيه التقية غالباً. وهي مزيّة مشتركة مع كلام رسول الله، ومع كلّ سنة قطعية الجهة.
المزية الثالثة: قطعية سنده، وهي جهة مشتركة مع كلّ سُنّة متواترة سواء عن النبي أو الأئمة.
حينئذٍ لا بُدّ من أن نرى أنه بمناسبات الحكم والموضوع التي توجب انعقاد ظهور للّفظ ماذا تقتضي؟ ويفهم العرف بأن القرآن أخذ ميزاناً بأيّ هذه الخصوصيات؟ فإن فرض أن العرف لا يأبى ارتكازه من أن القرآن أُخذ ميزاناً
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لشرفه الذاتي، فلا بُدّ حينئذٍ من الاقتصار على خصوص كتاب الله ولا يمكن التعدّي منه إلى السُنّة القطعية؛ لأنها أقلّ شرفاً منه.
إلّا أنه لا ينبغي الإشكال في أن ذلك خلاف مناسبات الحكم والموضوع، فإن الحكم تارةً يكون احترامياً كحرمة تنجيس القرآن، أو لزوم الاستماع إليه، فإنه يحتمل بمناسبات الحكم والموضوع اختصاصه بالقرآن، لكن الحكم هنا ليس احترامياً بل حجتياً طريقياً، يعني أن المجعول فيه هو الإيصال إلى الواقع، وفي مقام الموصّلية إلى الواقع لا يناسب أن يكون الشرف الذاتي دخيلاً في الموضوع، بل يناسب ذلك هذا، هو أن كلّ ما يكون موصولاً إلى الواقع بدرجة القرآن سواء كان شرفه الذاتي مساوياً له أو لم يكن، فإنه يكون مشمولاً للقاعدة.
يبقى الاحتمال الثاني وهو أن يكون القرآن مأخوذاً في الموضوع؛ باعتبار أنه حاوٍ لكِلا الميزتين الثانية والثالثة، قطعية الجهة والسند. ومعه ينبغي الاقتصار في التعدّي إلى كلام النبي: إذا كان متواتراً، فإنه قطعي الجهة، وأما أخبار الأئمة فلا.
إلّا أن هذا الاحتمال بعيد أيضاً؛ لأن القرآن وإن كان قطعي الجهة، إلّا أن هذا الامتياز بحسب الانظار العرفية للمسلمين تحت الشعاع بالنسبة إلى الامتياز الآخر وهو قطعية السند. فالتبادر الذهني لهم فيما إذا أُخذ القرآن موضوعاً في حكم من هذا القبيل يكون إلى قطعية السند دون قطعية الجهة.
والذي يؤكّد ذلك: أن هذه الرواية بأحد طريقيها وردت عن أبي عبد
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الله ينقلها عن رسول الله، إذن فالنبي قال ذلك بلحاظ الأخبار المنقولة عنه، مع أنه لا يحتمل فيها التقية، فتكون نكتة أُخذ القرآن موضوعاً من جهة قطعية السند، وهو أمر لا يفرّق فيه بين أن يكون الدليل قرآناً أو سُنةً متواترة.
ويحتمل أن يكون المراد من هذه الروايات حين جعلت مخالفة الكتاب وموافقته ميزاناً، هي الموافقة للمزاج العامّ أو الروح العامّة للقرآن الكريم، لا الموافقة والمخالفة لألفاظه. يعني هل في القرآن ما يكون منسجماً مع هذا الحكم من تشريع أو مثيل، أو أنه حكم شاذّ نادر لا يناسب مع تشريعات القرآن؟ فالحكم الوارد في زكاة التجارة عليه شاهد من القرآن، باعتبار أن المستفاد من القرآن مشروعية فرض الضرائب أحياناً، والحكم بذمّ بعض الأقوام ومدح أقوام آخرين كقريش مخالف مع القرآن؛ لأن المستفاد منه عدم التمييز بين الناس باللغة أو الجنس أو العنصر.
ويؤيّده ما ورد في بعض الروايات من أنه “إذا وجدت عليه شاهداً أو شاهدين“، فإنه لو كان المراد به الشاهد اللفظي لَما كان هناك وجه لاعتبار الشاهد الثاني، بخلاف ما لو كان هو الشاهد بالمعنى الذي ذكرناه، فإن وجود الشاهد الثاني مما يعزّز انسجام الخبر مع روح القرآن الكريم.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
انتهت فيما سبق المسألة الأولى الرئيسية في بحث التعادل والتراجيح بقي الكلام في تنبيهات المسألة، وقد تحصّل عندنا منها ومن مقدّماتها كبريان:
أحدهما: أن موارد الجمع العرفي خارجة عن قانون التعارض.
الثانية: أن غير موارد الجمع العرفي ينطبق عليها قانون التعارض الذي هو التساقط مثلاً.
حينئذٍ يوجد حالات مشتبهة لا يُدرى أنها تدخل تحت الكبرى الأولى أو الثانية -أي تحت موارد الجمع العرفي أو غيرها-.
فهذه التنبيهات تحقيقات لصغريات كبريات سابقة.
فيما إذا تعارض عامّ ومطلق، وكان عندنا عامّ بالوضع ومطلق بمقدّمات الحكمة وتعارضا بنحو العموم من وجه، كما لو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) وقال (لا تكرم الفاسق). وكان شمول الأوّل لمادّة الاجتماع بالوضع وشمول الثاني لها بمقدّمات الحكمة.
وقع البحث بينهم في أنهما هل يدخلان تحت كبرى التعارض، فينتهي الحال إلى التساقط مثلاً؟ أو تحت كبرى الجمع العرفي، فيكون العموم قرينة على تقييد الإطلاق؟
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ذهب الآغايون(1) إلى الثاني، وقالوا في توجيهه: إن إطلاق (لا تكرم الفاسق) موقوف على عدم صدور بيان دالّ على التقييد، والعموم في نفسه بيان صالح للتقييد. ولا يمكن أن يعكس المطلب ويقال ذلك في العموم؛ لأن ظهوره ليس معلّقاً على جريان مقدّمات الحكمة، بل هو بالوضع وهو موجود على أيّ حال.
الآخوند ذكر أن هذا الكلام صحيح في حال اتّصال المطلق بالعامّ، لا في حال الانفصال. فإنه مع الاتّصال لا ينعقد الإطلاق أساساً في جانب المطلق؛ لانهدامه بالظهور العمومي على خلافه. وأما إذا فرض أن المطلق كان منفصلاً عن العموم، فالظهور الإطلاقي يتنجّز، ولا يصلح أيّ منهما لأن يكون رافعاً لموضوع الظهور في الآخر.
وقال في توضيح ذلك: إن الظهور الإطلاقي في طول مقدّمات الحكمة، فهل من مقدّمات الحكمة عدم صدور بيان على التقييد ولو منفصلاً، أو عدم صدور بيان متّصل؟ إن فرض الأوّل، فنعم. إلّا أنه ليس صحيحاً، بل الصحيح هو الثاني وهذا محقّق في المقام لفرض عدم وجود القرينة المتّصلة. إذن فملاك العموم والإطلاق تامّ وهو الوضع في العموم ومقدّمات الحكمة في الإطلاق، وكِلاهما ثابتة لعدم القرينة المتّصلة. فلا يكون العموم مقدّماً على الإطلاق، إلّا إذا استظهر في موردٍ أن العموم أظهر من الإطلاق فيقدّم لنكتة الأظهرية لا لمجرّد كونه عامّاً.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
() قبل الآخوند. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلّا أن مدرسة المحقّق النائيني لم تقبل هذا الكلام، بل بقي مصرّاً على ما ذكره أشياخ الآخوند. وما ذكره السيّد الأستاذ في مقام توجيه ذلك يرجع إلى هذا التعبير: وهو أننا نتصوّر مقدّمات الحكمة بنحو من التصوّر بحيث ينتج حاكمية العموم ولو كان منفصلاً عن الإطلاق. فكأنّه شعر أنه بين محذورين: فإنه إن قال: إن إحدى مقدّمات الحكمة هو وجود القرينة المتّصلة فقط، ثبت صحّة كلام الآخوند وعدم تقدّم العموم على الإطلاق. وإن قال: إن إحداها عدم القرينة ولو منفصلاً فإنه لا يمكن إحراز الإطلاق في أيّ كلام. ولذا أراد أن يتصوّر صورة ثالثة في مقابل هاتين الصورتين فتكون الصور ثلاث:
الصورة الأولى: أن يكون الإطلاق مشروطاً بنحو الشرط المقارن بعدم القرينة المتّصلة، وهي الصورة التي يتمّ فيها كلام الآخوند.
الصورة الثانية: أن يكون الظهور الإطلاقي مشروطاً بعدم القرينة إلى الأبد على نحو الشرط المتأخّر، بحيث لو جاءت القرينة بعد سنة أو ألف سنة لكشفت عن عدم وجود الإطلاق من أوّل الأمر، ومحذورها سقوط الظهور الإطلاقي لكلّ كلام.
الصورة الثالثة: إن الظهور الإطلاقي في كلّ زمان مشروط بنحو الشرط المقارن بعدم القرينة في ذلك الزمان، فلا يلحظ القرينة المتّصلة ولا القرينة المنفصلة بنحو الشرط المتأخّر، بل يلحظ كلّ زمان زمان، ويكون الكشف الإطلاقي في كلّ زمان مشروطاً بعدم القرينة المتّصلة في ذلك الزمان. فلو قال:
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
(لا تكرم الفاسق)، بقي ظهوره الإطلاقي نافذاً ما لم يصدر المقيد، فإذا صدرت القرينة بعد ذلك يزول الظهور من حين صدورها. والمفروض أن العامّ قرينة صالحة للتقييد، ففي مرحلة البقاء تحصل حكومة وورود.
وبذلك يكون إشكال الصورة الاولى قد ارتفع وهو عدم تقدم العامّ على المطلق، فإنه قد تقدّم عليه في الصورة الثالثة. كما ارتفع إشكال الصورة الثانية وهو عدم إمكان إحراز الظهور الإطلاقي في أيّ كلام، فإنه في هذه الصورة الثالثة ما لم يرد القرينة يكون الظهور الإطلاقي نافذاً؛ لأنه إنما يكون مشروطاً بعدم صدور القرينة في ذلك الزمان لا مطلقاً(1).
ــــــــــ[218]ــــــــــ
() أقول: فإن قيل فإن هذه الصورة الثالثة تبتلى بنفس هذا الاشكال ولا يكون مرتفعاً، لاحتمال صدور القرينة ثبوتاً وارتفاع الكشف الإطلاقي في نفس الأمر
قلنا: كلّا، فإن عدم الوجدان بعد الفحص كافٍ في تثبيت الظهور الإطلاقي، وقيام الحجّة على عدم وجود القرينة.
فإن قيل: فإن هذا جارٍ أيضاً في الصورة الثانية أيضاً.
قلنا: كلّا، فإن الفرض فيها سقوط الإطلاق بوجود القرينة الواقعية، وإن لم تصل فيكون الشكّ فيها شكاً في تحقّق موضوع الإطلاق، فلا يمكن التمسّك به.
فإن قيل: فإننا نثبت عدم القرينة باستصحاب عدمها.
قلنا: هذا لا يمكن؛ لكونه مثبتاً، فإن ترتّب وجود الظهور الإطلاقي على عدم القرينة ترتّب عقلي وليس شرعياً.
فإن قيل: فكما يكون هذا الاستصحاب مثبتاً في الصورة الثانية كذلك هو يكون مثبتاً في الصورة الثالثة.
قلنا: كلّا، فإن استصحاب عدم القرينة وإن كان مثبتاً إلّا أن استصحاب بقاء الظهور بنفسه غير مثبت، فإن فرض الصورة الثالثة هو وجود الظهور الإطلاقي إلى زمان صدور القرينة، فإذا شكّ في صدورها في زمان أمكن استصحاب الظهور الإطلاقي نفسه، فلا يكون مثبتاً لإمكان ترتّب الآثار الشرعية مباشرة عليه. فالاستصحاب في الصورة الثانية مثبت إلّا أنه هنا ليس مثبتاً. فتأمّل*. انتهى.
* إشارة إلى أنه لا يترتّب عليه أثر شرعي، وإنما يترتّب عليه التنجيز والتعذير وهو أثر عقلي أيضاً. والعمدة في كلتا الصورتين هو الاطمئنان بعدم صدور القرينة، يعني عدم الوصول، فالإشكال على كلا الصورتين غير وارد. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلّا أنّني(1) لا أعرف لهذا الكلام معنى حتى أشكل عليه.
وتوضيحه يتوقّف على أن نستذكر شيئاً نبّهنا عليه في كلمات الميرزا فإنه يقول: بأن مراتب الظهور ثلاث:
الأولى: الدلالة التصورية.
الثانية: الدلالة التصديقية للكلام بما هو كلام.
الثالثة: الكشف الفعلي عن الإرادة الجدّية الواقعية. وهذا الكشف يبطله المخصّص المنفصل.
حينئذٍ نقول: إن هذا الظهور الإطلاقي الذي قلتم إنه مشروط في كلّ زمان بعدم القرينة إلى ذلك الزمان، هل تريدون به المرتبة الثانية أو المرتبة الثالثة؟ إن أردتم المرتبة الثالثة فهذا صحيح. فإن الكشف الفعلي عن المراد الجدّي منوط
ــــــــــ[219]ــــــــــ
() قال سيدنا الأستاذ: إلّا أنّني… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
دائماً بعدم كشف أقوى منه. إلّا أن هذه المرتبة ليست من مراتب الظهور، بل هي مرتبة الحجّية، حجّية الظهور الثاني، كما نبّهنا عليه فيما سبق. والمخصّص المنفصل يهدم حجّية الظهور، لا أنه يهدم ظهوراً من الظهورات. ومعه فمزاحمة العموم لهذه الحجّية أوّل الكلام، فإنه بعد فرض استقرار الإطلاق بعدم القرينة المتّصلة. فمن قال بأن العامّ المنفصل مخلّ بحجّيته، فإن هذه المرتبة الثانية من الظهور في العامّ مقدّم على المرتبة الثانية عن الظهور في المطلق، فلا معنى لأن نتكلّم في المرتبة الثالثة فإنها مرتبة الحجّية لا الظهور، ونحن كلامنا في نفس الظهورين. فلا بُدّ من أن نلتزم بتقدّم الظهور العمومي حتى تتقدّم حجّيته. وهذا أوّل الكلام.
وإن كان المراد هو الدلالة التصديقية الثانية، فهي لا يتصوّر فيها الصورة الثالثة التي قالوها، بل إنها أمر غير معقول فيها؛ لأننا في مقام انتزاع الظهور الإطلاقي من كلام المتكلّم نقول: إن ظاهر حال المولى أنه في مقام بيان تمام مراده وأنه لم يبيّن القرينة والتقييد إذن فليس التقييد مراداً. وهنا لا يخلو الأمر بالحصر العقلي من أحد شقّين: إما أنه في مقام بيان تمام مراده يشخص ذلك الكلام فينتج أنه بمجرّد عدم القرينة المتّصلة يتحقّق الظهور الإطلاقي -فعلاً-، ومجرّد صدور قرينة بعد ذلك لا تزعزع وجود هذا الظهور وإن زعزعت حجّيته.
وإن كان ظاهر حال كلّ انسان أنه في مقام بيان تمام مراده من مجموع كلماته، إذن فلا يوجد ظهور دالّ على الإطلاق إلّا بعد الجزم بأن تمام كلماته
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الآتية ليس فيها بيان على التقييد، فإما الصورة الأولى متعيّنة أو الثانية. وأما الثالثة فغير معقولة. إذن فلا معنى لهذا الكلام. إذن فتوجيه إشكال الشيخ الانصاري بهذا النحو لا يتمّ. ويكون إشكال الآخوند وارداً. فتقديم العموم المنفصل على الإطلاق بما هو عموم غير صحيح. إلّا إذا كان في مورد أظهر من الإطلاق. كما أنه قد يكون الإطلاق أظهر وأقوى كما في قوله: (لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاثاً -أو أربعاً-: الطعام والشراب والنساء -وفي رواية الارتماس-). وعلي أيّ حال فلا بُدّ أن يحسب لكلّ مورد حسابه.
*****
نعم، يمكن أن يدّعى وجود نكتة أخرى تستدعى-لو لم يوجد مزاحم- أن الظهور العمومي أقوى من الإطلاق. فيتقدّم من باب الاقوائية لا من باب الحكومة.
وحاصلها: يتوقف على توضيح مقدّمة وهي: أن المتكلّم له ظهوران حاليان:
أحدهما: أن تمام ما يريده سوف يقوله ويأتي بدالّ عليه، لا أنه يأتي بدالّ على بعض مراده ويسكت عن البعض الآخر. وهذا الظهور هو أساس الظهورات الإطلاقية ومقدّمات الحكمة. فإننا نقول: لو كان مراده القيد لكان قد سكت عن بعض مراده، فيدلّ عدم وجود القيد في الكلام على عدم دخله في المراد.
ثانيهما: ظهور حال المتكلّم في أن ما يذكره في كلامه وما يدللّ عليه فيه يكون دخيلاً في مراده الجدي، لا أنه مجرّد مراد استعمالي وهزلي.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهذا الظهور هو الأساس في استفادة التقييدية في مورد التقييد. كما لو قال: (أعتق رقبة مؤمنة)، فإنه لو لم يكن قيد الايمان دخيلاً لكان بعض كلامه غير مطابق لمراده وهو خلاف هذا الظهور الثاني. وهذا ما يسمّى بأصالة الاحترازية في القيد.
وهذا الظهور أقوى من الظهور الأوّل، والشاهد على ذلك أن هذه الاقوائية هي منشأ ما اتّفق عليه العرف والفقهاء من تقديم المقيد على المطلق، كقوله: (أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة)، فإن مقتضى الظهور الأوّل في المطلق أن الإيمان ليس دخيلاً، ومقتضى الظهور الثاني في المقيد أن الإيمان دخيل، وحيث إن الظهور الثاني أقوى استقرّ البناء على تقديم المطلق على المطلق.
إذا تمّ ذلك فنقول: إن باب العموم والإطلاق من قبيل باب المطلق والمقيّد وإن كان أضعف بمقدار ما. فلو قال: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم الفاسق)، فإننا إنما نستفيد الإطلاق من الدليل الثاني؛ لأنه سكت عن القيد ومقتضى الظهور الحالي الأوّل عدم دخل القيد الذي سكت عنه. وما هو منشأ الدلالة على العموم في الدليل الأوّل هو الظهور الثاني؛ لأنه أتى بدالّ على الشمول وظاهره أن ما يأتي به بلسانه يكون مراداً له جداً في جنانه. فيدور الأمر بين رفع اليد عن الظهور الأوّل في طرف الإطلاق أو الظهور الثاني في طرف العموم. وبعد فرض ارتكازية أن الظهور الثاني أقوى يتعيّن -بنكتة نوعية- تقديم العامّ على المطلق. إلّا إذا وجدت مؤونة خاصّة أوجبت في مورد أقوائية المطلق.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهي أيضاً صغرى لا يدري أنها تدخل تحت كبرى باب التعارض أو تحت موارد الجمع العرفي. كما لو قال: (أكرم عالماً)، وقال: (لا تكرم الفاسق). فالأوّل مطلق بدلي والآخر شمولي، وفرضنا أننا نفرغ عن استحالة اجتماع هذين الحكمين في مبحث اجتماع الأمر والنهي.
هنا ادّعى الشيخ: أن المطلق الشمولي مقدّم على المطلق البدلي. يعنى يكون المقام مندرجاً في الجمع العرفي، إذ يكون الشمول قرينة على البدلي.
بينما ذكر صاحب (الكفاية): أنه لا موجب لذلك بعد فرض أن كِليهما بمقدّمات الحكمة
وقد صار الميرزا بصدد توجيه مدّعيات القدماء في تقديم الشمولي على البدلي. نقتصر على وجه واحد هو العمدة -وباقي الوجوه التي ذكرها في هذا الصدد غير قابلة للفهم!-:
إن الأمر دائر بين التصرّف في المطلق الشمولي والتصرّف في المطلق البدلي، والتصرّف الثاني أهون من الأوّل فيتعيّن في الفهم العرفي أهونهما وهو المطلوب. وتقريب كونه أهون هو: أن المطلق الشمولي باعتبار شموليته يتضمّن أحكاماً متعدّدة بعدد الأفراد، وأما المطلق البدلي فلا يتضمّن إلّا حكماً واحداً ذا موضوع واحد وهو طبيعة العالم. فإن قيّدنا المطلق الشمولي فقد رفعنا اليد عن جزء من مدلول الخطاب؛ لأن مدلوله عبارة عن مجموعة من التشريعات بعدد الأفراد، فلو قيّدناه بالفاسق الجاهل فقد رفعنا اليد عن جملة من التشريعات
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التي هي جزء من مدلوله. وأما تقييد المطلق البدلي، فلا يلزم منه رفع اليد عن جزء من المدلول؛ لأنه حكم واحد على موضوع واحد. غايته أنه كان وسيعاً وصار أضيق دائرة، فأصبح التصرّف الثاني أهون فيتعيّن عرفاً.
وقد اعترض عليه السيّد الأستاذ باعتراضين:
الأوّل: أن الميزان في تقديم دليل على دليل هو القرينية العرفية ومجرّد أن تقديم الشمولي على البدلي لا يوجب الغاء حكم بخلاف العكس، لا يكون ملاكاً للتقديم إلّا بنحو الاستحسان الذي لا دليل على حجّيته.
الثاني: أنه بحسب الحقيقة، تقديم كلّ منهما يلزم منه إلغاء الحكم من الآخر، وذلك لأن الإطلاق البدلي عند السيّد الأستاذ يستلزم ترخيصات عديدة شمولية بعدد أفراد الطبيعة، إذن فعندنا أحكام شمولية في الترخيص، إذن فتقدّم المطلق الشمولي على البدلي يلزم منه رفع اليد عن أحكام عديدة أيضاً غاية الأمر أنها ترخيصية لا الزامية.
ولكن الصحيح أنه لا يمكن المساعدة على كِلا الجوابين للسيّد الأستاذ، ولا على كلام المحقّق النائيني ولا على طرح المسألة أساساً، بل لا بُدّ من طرح جديد للمسألة.
*****
أما الاعتراض الثاني للسيّد الأستاذ: فلأننا لو قبلنا أصله الموضوعي المدّعى، وهو أن الإطلاق البدلي يستلزم ترخيصات عرضية عديدة بعدد أفراد الطبيعة، فغايته أنه يكون للمطلق البدلي مدلول مطابقي وهو حكم وجوبي واحد قائم على
ــــــــــ[224]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
صرف الوجود، ومدلول التزامي وهو أحكام ترخيصية متعدّدة بعدد أفراد العامّ من باب استلزام الأوّل للثاني على ما هو المفروض -مثلاً-. ومن المعلوم عندنا وعند السيّد الأستاذ أن الدلالة الالتزامية في طول الدلالة المطابقية، وفرع فعلية حجّيتها. إذن فنحن في المرتبة السابقة على الدلالة الالتزامية نلحظ الدلالة المطابقية للخطابين، فإن الخطابين متعارضان بمدلوليهما المطابقيين بناء على استحالة الجمع بين الحكمين. ومعنى ذلك أن الدلالة المطابقية للمطلق الشمولي أقوى من المطابقية في البدلي. فإذا كانت أقوى كانت مقدّمة عليه بدلالته المطابقية والالتزامية.
وبتعبير آخر: إننا إذا سلّمنا بكلام الميرزا من أن المطلق الشمولي أقوى من البدلي فمعناه أن الدلالة المطابقية للشمولي صالحة لهدم حجّية الدلالة المطابقية في البدلي. فإذا انهدمت المطابقية في البدلي ينهدم حينئذٍ بالتبع حجّية الدلالة الالتزامية له، بناء على التبعية. فإن الحاكم على الأصل حاكم على الفرع.
وأما الاعتراض الأوّل للسيّد الأستاذ: فهو غير مفهوم في مقام الاعتراض على الميرزا، لأنه لا يريد بيان وجه استحساني في مقابل القرينية العرفية، وإنما يريد أن يدّعى وجود نكتة عرفية مسوغة للتقديم.
وحاصل ما تصوّره: أن التصرّف في المطلق الشمولي يستلزم طرح جزء من مدلوله بخلاف المطلق البدلي، فالتصرّف الثاني أهون من الأوّل. وهذا لو تمّ يكون ملاكاً للقرينية العرفية وأظهرية الأخذ وكونه قرينة في مقام الجمع العرفي. فلا يتمّ الإشكال عليه بأنه وجه استحساني غير عرفي، وإنما لا بُدّ أن نتكلّم عن صحّة هذه النكتة في نفسها.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهنا ندخل في الكلام مع الميرزا فنقول: إنه يمكن أن يكون لنكتة صورة بناء على الخلط بين المطلق الشمولي والعامّ الشمولي.
توضيح ذلك: أن الفرق بين المطلق الشمولي كـ(لا تكرم الفاسق) والعامّ الشمولي كـ(لا تكرم كلّ فاسق)، كما حقّقناه في بحث العامّ والمطلق هو: أن المطلق الشمولي يعلّق فيه الحكم بحسب مدلول الخطاب على الطبيعة الملحوظة بما هي فانية من دون نظر تفصيلي إلى الافراد.
غاية الأمر: أنه في مرتبة متأخّرة عن الخطاب يحكم العقل بانحلال الحكم على الأفراد، فيحصل في مدلول الخطاب أحكام متعدّدة بعدد الأفراد، إلّا أن الخطاب نفسه غير دالّ على الأفراد إذ لا يوجد فيه ما يدلّ عليها؛ لأن اسم الجنس لا يدلّ إلّا على الطبيعة دون الافراد.
واما العامّ الشمولي كلا تكرم كلّ فاسق، فقد علق الحكم فيه على الأفراد بما هي إفراد، وكان ثبوت الحكم لكل فرد ملحوظاً ولو باللحاظ الاجمالي.
حينئذ نقول: إن الشمولي الذي كان معارضاً للمطلق البدلي لو كان عامّاً شمولياً، بحيث كان النظر فيه إلى الأفراد وكان الحكم متّجهاً إليهم فقد يُقال:
إن تقييد العامّ الشمولي معناه رفع اليد عن حصّة من النظر الخطابي، فإنه كان متوجّها إلى الأفراد وقد رفعنا اليد عن حصّة منها. وهذا بخلاف ما لو قيّدنا الإطلاق البدلي، فإن النظر الخطابي فيه اتّجه إلى الطبيعة لا إلى الأفراد فغايته أن نقول: إن سكوت المولى لم يكن كاشفاً كشفاً صحيحاً عن عدم القيّد
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهذا أقلّ مؤونة من أن المولى نظر إلى الأفراد نظراً خطابياً ومع ذلك لم يرده، كما قلنا فيما سبق.
ولكن إذا كان الشمولي المعارض مطلقاً لا عامّاً فالنظر الخطابي في كلّ منهما متوجّه إلى الطبيعة لا إلى الأفراد. وتقييد المطلق الشمولي وإن كان يلزم منه رفع اليد عن أحكام برأسها، ولكنّها ليست أحكاماً تحت النظر الخطابي، بل حصلت من التحليل العقلي بعد مرتبة الخطاب، إذن فالمؤونة في الخطابين على حدّ واحد. وكان كلامه خلطاً بين العامّ الشمولي والمطلق الشمولي.
على أن هناك خطأ أساسي في أصل طرح المسألة؛ لأن صاحب هذا الطرح تصوّر أنه يوجد عندنا دالّان: الأوّل: دالّ على الإطلاق الشمولي، والآخر: دالّ على الإطلاق البدلي. وقد تعارضا فصار في مقام تقديم أحدهما على الآخر بنكتة أن أحدهما شمولي والآخر بدلي في مدلوله.
والتحقيق: أنه عندنا في كلّ من الخطابين دالّان: ففي (لا تكرم الفاسق) عندنا دالّ على أصل الإطلاق وهو مقدّمات الحكمة، بمعنى أنه نظر إلى الطبيعة بما هي دون قيد زائد. ودالّ آخر على شمولية هذه الطبيعة بمعنى أنها ملحوظة في مطلق وجودها لا في صرف وجودها. وهناك في المطلق البدلي دالّان: دالّ على الإطلاق مثل سابقه، ودالّ آخر هو أن هذه الطبيعة لوحظت بما هي فانية في صرف الوجود لا في مطلق الوجود. والدالّ الأوّل في الخطاب الشمولي هو عين الدالّ الأوّل في الخطاب البدلي ومقدّمات الحكمة، وإنما الفرق بينهما في الدالّ الثاني.
وسواء قلنا: إن الشمولية والبدلية كِلاهما يحتاج إلى دالّ بخصوصه، أو أن
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أحدهما يحتاج دون الآخر، لأن الآخر هو مقتضى الأصل وهو الشمولي. فعلى أيّ حال يقع التعارض بين الدالّين الأوّلين أي بين إطلاقي الخطابين دون الخصوصيتين من الشمولية والبدلية، وحيث إن الدالّين الأوّلين من سنخ واحد ولهما سنخ مدلول واحد فلا معنى لأن يقال إن هذا يتقدّم على ذاك، والشمولية والبدلية ينبغي إخراجهما عن دائرة التعارض(1).
نعم، قد يتّفق وجود نكتة أخرى تقتضي تقدّم قوله: (لا تكرم الفاسق) على قوله: (أكرم عالماً)، غير نكتة الشمولية والبدلية، وهي: أن المقام قد يدخل صغرى تحت كبرى هي: أنه متى وجد عامّان من وجه يكون مفاد أحدهما حكماً الزامياً والآخر حكماً ترخيصياً، فالعرف يقدّم دليل الحكم الالزامي على دليل الحكم الترخيصي.
ــــــــــ[228]ــــــــــ
() قلت له: لماذا يخرجان عن دائرة التعارض ويخصّ التعارض بالإطلاقين؟
فأجاب بما حاصله: تنحمل إلى مقدّمتين:
المقدمة الأولى: أن البدلية والشمولية ليست ملازمة للإطلاق وجوداً وعدماً، بل قد ينتفي الإطلاق بطروّ القيد، ومع ذلك تبقى الشمولية والبدلية كما لو قال: (أكرم عالماً عادلاً) أو (لا تكرم الفاسق الهاشمي). فإن دلالة الأوّل على صرف الوجود، والثاني على مطلق الوجود محفوظة بعد القيد أيضاً.
المقدمة الثانية: أننا لو قيّدنا –بعد التعارض- الدالّ على الإطلاق في أحد الدليلين، فإن التعارض يرتفع. ولو كان الدالّ على الشمولية والبدلية طرف للمعارضة لَما ارتفعت بتقييد أحد الإطلاقين، كما هو واضح. إذن فالمعارضة خاصّة بين الإطلاقين، ولا تشمل الدالّ على الشمولية والبدلية. (المقرر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما الصغرى: فواضحة باعتبار أن (لا تكرم الفاسق) يدلّ على حرمة إكرام الفاسق العالم الذي هو مادّة الاجتماع وهو حكم إلزامي. وأما (أكرم عالماً) فإطلاقه لمحلّ الاجتماع يستلزم إطلاق العنان والتوسعة على المكلّف في مقام الامتثال في تطبيق الواجب على أيّ فرد من أفراده، فهو في نظر العرف مسوق مساق الحكم الترخيصي.
وأما الكبرى: وهي أن العامّين من وجه، إذا كان أحدهما ترخيصياً والآخر إلزامياً، فقد يدّعى أن دليل الحكم الإلزامي يكون مقدّماً على دليل الحكم الترخيصي وإطلاق العنان. بل قد يفرض أن كِليهما شمولي ومع هذا يدّعى وجود قرينة نوعية مستفادة من سنخ الإلزام والترخيص في تقديم دليل الحكم الإلزامي على الترخيصي، كما لو ورد دليل يقول: (يجوز أكل الجبن) ودليل يقول: (لا يجوز أكل المضرّ) أو (لا يجوز أكل الأبيض) وكان من الجبن أبيض وأصفر، فيقدم دليل الحرمة على دليل الترخيص.
فهل هناك نكتة عرفية تقتضي صحّة هذه الكبرى؟ فهذا جوابه بالإجمال: نعم. وتفصيله موكول إلى بحث اجتماع الأمر والنهي.
في انقلاب النسبة، وهي أيضاً من الصغريات المشتبهة المردّد دخولها في كبرى التعارض أو كبرى الجمع العرفي، فإننا قد نفرض دليلين إذا لاحظنا النسبة بينهما قبل أن نتصرّف في أحدهما بتخصيص أو تقيّد، فإنهما يدخلان تحت كبرى استحكام التعارض وإذا لاحظنا النسبة بينهما بعد هذا التصرّف، فتكون
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
النسبة بينهما موجبة لدخولهما -مثلاً- تحت كبرى الجمع العرفي. فيقع الكلام أنه كيف نلحظ النسبة بينهما قبل أن نتصرّف في أحدهما أو بعدهما؟
مثاله: ما إذا ورد: (إكرام العالم)، وورد: (لا تكرم العالم)، وورد دليل ثالث: (لا تكرم فسّاق العلماء). فلو لاحظنا الأوّلين في أنفسهما قلنا: إنهما من صغريات كبرى التعارض. ولا إشكال أنه لو لاحظنا النسبة بين (أكرم العالم) و(لا تكرم فسّاق العلماء)، فإنهما يدخلان تحت كبرى الجمع العرفي، وأما إذا خصّصنا (أكرم العالم) بغير الفاسق ثُمّ لاحظناه بعد ذلك مع (لا تكرم العالم)، فهل تكون النسبة هي التعارض أيضاً أو ببركة هذا التخصيص يخرج المورد من كبرى التعارض ويدخل في كبرى الجمع العرفي، بدعوى أنه أصبح بعد التخصيص أخصّ مطلقاً من (لا تكرم العالم) فيخصّصه.
والبحث يقع في أربعة مقامات:
الأوّل: في أنه لو وجد عندنا مسوّغ يسوّغ أن نخصّص (أكرم العالم) بـ(لا تكرم فسّاق العلماء) -وهو مخصّصه- في المرتبة السابقة على لحاظه مع معارضه. فأصبحت عندنا نظرتان مترتّبتان. فهل بهذه النظرة الثانية نرى أن هذا الذي فرغنا من تخصيصه في النظرة الأولى هل يصبح مخصّصاً وقرينة على معارضه أو يبقى معارضاً له.
الثاني: أننا لو اخترنا -كما اختارت مدرسة المحقق النائيني- كونه مخصّصاً وقرينة، يقع الكلام في أنه ما الذي سوّغ لنا أن ننظر أوّلاً إلى المخصّص ثُمّ إلى المعارض. هل هذا أمر اشتهائي أو يوجد له ميزان عامّ؟ وهنا يتبيّن حال
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصغريات، من حيث إنه متى يكون انقلاب النسبة الذي فرغنا عنه في المقام الأوّل صحيحاً ومتى لا يكون صحيحاً.
الثالث: فيما إذا فرضنا أننا لم نقل بانقلاب النسبة فما الذي يقع، وهل يقع التعارض بين الأدلّة الثلاثة؟
وهناك تنبيه في آخر المسألة، هو المقام الرابع.
في المقام الأوّل ذهب المحقّق النائيني والسيّد الأستاذ إلى أن العامّ بعد أن يتخصّص يصبح أخصّ مطلقاً من معارضه، وتكون نسبته إليه كنسبة الخاصّ إلى العامّ.
ويبيّنون ذلك ببيانات يمكن إرجاعها إلى واحد من تعبيرين:
التعبير الأوّل: أن يقال: بأننا فرغنا فيما سبق عن كبرى: أن التعارض بين دليلين أحدهما أخصّ مطلقاً من الآخر فإنه يكون قرينة على الآخر الذي يعارضه. وهذه القرينة موجودة في المقام، بمعنى أن العامّ بعد تخصيصه يصبح صغرى من صغريات هذه الكبرى.
لأن التعارض إنما يعقل أن يقع بين حجّتين في أنفسهما، أي بين دليلين يكون كلّ منهما حجّة لولا التعارض، وإلّا لو كان أحد الدليلين في نفسه ليس بحجّة بقطع النظر عن المعارض، فإنه لا يقع طرفاً للمعارضة. فيكون طرف المعارضة في كلّ دليل هو بمقدار الحجّية الثابتة لو لا هذه المعارضة.
ففي المثال لا بُدّ أن نرى ما هو طرفا المعارضة؟ هل طرفها (أكرم كلّ عالم)
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
و(لا تكرم كلّ عالم) بتمام مدلوليهما، أو طرفها (لا تكرم كلّ عالم) بتمام مدلوله، وطرفها الآخر (أكرم كلّ عالم) ببعض مدلوله؟ الصحيح هو الثاني؛ لأن ما يكون حجّة لو لا المعارض إنما هو قطعة من مدلوله لا تمام مدلوله، فإنه إنما يكون حجّة في الزائد عن الخارج بالتخصيص، وأما الطرف الآخر للمعارضة فلم يرد عليه مخصّص فيكون طرفاً لها بعرضه العريض.
فإذا اتّضح هذا طبّقنا عليه الكبرى السابقة، وهو أن طرف المعارضة إذا كان أخصّ من الآخر فإنه يكون مقدّماً عليه بالقرينية.
وهذا التعبير غير تامّ؛ لأنه يتضمّن مقدّمتين أو أمرين:
أحدهما: أن طرف المعارضة هو ما يكون حجّة لو لا المعارضة، وهذا صحيح.
ثانيهما: أن الأخصّ من طرفي المعارضة يقدّم على الأعمّ منهما.
وحيث إنه هنا أخصّ فيقدّم على الآخر؛ لأنه اندرج في المعارضة بقطعة من مدلوله لا بتمام مدلوله. وهذا ما لم نفرغ عنه فيما سبق؛ لأنه لم ترد آية أو رواية تقول: إنه إذا كان أحد طرفي المعارضة أخصّ فيتقدّم عليه، حتى يُقال: إن طرفا المعارضة بما هما طرفان لها أحدهما أخصّ من الآخر. ويقال: إن مجرّد تصوّره كافٍ في التصديق به كما ذكر السيّد الأستاذ. بل لا بُدّ من بحث في أنه ما هو ملاك تقدّم وقرينية الخاصّ على العامّ؟ وأنه هل يكتفي بالأخصّية لطرف المعارضة بما هو طرف لها، وإن كان بصفته لفظاً دالّاً على معنى ليس بأخصّ؟ والأخصّية التي توجب القرينية هل هي الأخصّية باعتباره لفظاً دالّاً على معنى، أو هي الأخصّية باعتباره طرفاً للمعارضة؟
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فإن (أكرم كلّ عالم) له اعتباران: فإننا تارةً نلحظه بما هو لفظ دالّ على معنى، وأخرى نلحظه بما هو حجّة. وطرفيّته للمعارضة وإن كانت بالاعتبار الثاني فقط، ولكن الأخصّية والقرينية الموجبة للجمع العرفي هل يلزم أن تكون بلحاظ الاعتبار الثاني أيضاً، أو تكون بلحاظ الاعتبار الأوّل فقط؟ فإن كان الثاني فهو هنا أخصّ بما هو حجّة. وإن كان الأوّل فهو ليس أخصّ بل مساوٍ له.
فهذا البيان ناشئ من الخلط بين القرينية وبين الطرفية للمعارضة.
فهنا لا بُدّ من أن نستأنف بحثاً؛ لنرى أن الدليل الذي دلّ على التقديم بالأخصّية هل دلّ على تقديم الأخصّ بالقرينية باعتباره حجّة أو باعتباره لفظاً دالّاً على معنى؟ فهذا التعبير الأوّل لا يكون تامّاً.
التعبير الثاني: نواجه فيه التقسيم الميرزائي الثلاثي للدلالات التي ذكرناها في ما سبق. حيث ذكر أن للكلام مراتب ثلاث من الدلالة:
المرتبة الأولى: وهي الدلالة التصورية، وهي محفوظة حتى مع طروّ القرينة المتّصلة على خلافها فضلاً عن المنفصلة.
المرتبة الثانية: وهي الدلالة التصديقية، وهي تنهدم بالقرينة المتّصلة ولا تنهدم بالقرينة المنفصلة.
المرتبة الثالثة: وهي الكشف الفعلي للكلام عن الإرادة الجدّية، وهي تنهدم بالقرينة المتّصلة والمنفصلة معاً.
حينئذٍ يقال: بأن العامّ الأوّل وهو (أكرم كلّ عالم) دلالته التصورية ودلالته التصديقية على العموم محفوظة لغرض وجود المخصّص المنفصل.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ولكن المرتبة الثالثة وهو الكشف الفعلي عن الإرادة الجدّية للمتكلّم منهدمة بالمنفصل، بمعنى أنها لا توجد إلّا في الأفراد الزائدة عن التخصيص.
وحينئذٍ يقال: بأن طرف المعارضة الذي ثبت أنه يوجب القرينية فيما إذا كان أحد الظهورين أخصّ. لو كان المراد بالظهور الدلالتين الأوليين، فهما محفوظتان، فلا يكون أخصّ من العامّ الثاني. ولكن لو كان المراد أخصّيته بلحاظ المرتبة الثالثة من الظهور، فهو أخصّ من العامّ الثاني؛ لأنه ينهدم حتى بالمخّصص المنفصل.
وهذا الكلام أيضاً يرجع إلى أمرين:
الأوّل: أن العامّ له ظهورات ثلاثة، وأنه بلحاظ الأوّلين ليس أخصّ من العام الثاني، لكنّه بلحاظ الظهور الثالث أخصّ.
الثاني: أن يراد من القرينة أخصّية أحد الظهورين على الآخر، بلحاظ الظهور الثالث.
ونحن أيضاً لا نتعقّل ظهوراً ثالثاً في التقسيم الميرزائي وراء الدلالة التصوّرية والتصديقية، وتوضيحه: اّنه ماذا يريد الميرزا بالمرتبة الثانية من الظهور؟ هل يريد الظهور التصديقي في الإرادة الاستعمالية، أو الظهور التصديقي بالإرادة الجدّية؟ فإن أراد به الظهور التصديقي بالإرادة الجدّية إذن فما وراء عبادان قرية، ولم يبقَ بعد هذا الظهور إلّا الحجّية، غاية الأمر أنه عبّر الميرزا عنها بعبارة ملتوية فقال: الكشف الفعلي. ومعه يرجع هذا التعبير الثاني إلى التعبير الأوّل. باعتبار أن العامّ الأوّل إنما يكون أخصّ بما هو حجّة.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وإن أراد بالدلالة التصديقية: الظهور الاستعمالي المحفوظ في موارد الهزل، فهناك إذن مرتبة أخرى وراءها وهي ظهور اللّفظ بالإرادة الجدّية. لكن هذا الظهور الثالث لا ينهدم بالقرينة المنفصلة وإن انهدمت حجّيته؛ لأنه ظهور حالي للمتكلّم: بأن كلّ من يصدر منه كلام فهو جاء به غير هازل. وهو ينعقد للكلام بانتهائه، ومجيئ القرينة المنفصلة لا توجب سقوطه وإن أوجبت سقوط حجّيته. إذن فلم يصبح الظهور أضيق دائرة ليصبح مخصّصاً.
إذن فالتعبير الثاني لا يرجع إلى محصّل.
فلا بُدّ من فهم آخر، في أن ننظر إلى ما سبق من مرجّحية الأخصّ على الأعمّ، ما هو محصله وهل ينطبق على المورد أو لا.
لا بُدّ أن نستأنف بحثاً لإثبات أن العامّ بعد تخصيصه يكون قرينة على الدليل الآخر ومقدّماً عليه بالأخصّية أو لا.
والصحيح هو الثاني، ومقصودنا أن قرينية العامّ المخصّص للعامّ الثاني لا يمكن استنباطها من نفس الكبرى السابقة، فإنها لا تكفي في مقام إثبات هذا المدّعى، بل يحتاج إلى إثبات عناية جديدة لم تفرغ منها إلى حدّ الآن. فالكبرى السابقة لا تنطبق على محلّ الكلام بل يحتاج إلى تطبيق كبرى أخرى. وهم لم يدّعوا كبرى جديدة، بل يدّعون فقط كون المقام من صغريات الكبرى السابقة. وهو غير صحيح على ما سنرى.
ولا بُدّ أن نرجع إلى تلك الكبرى السابقة ماشين حسب وضع أصول
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الميرزا؛ لنرى أنها هل تنطبق في المقام أو لا؟ ويقع الكلام في ذلك في مرحلتين:
الأولى: في قرينية المخصّص المتّصل وتقديمه على العامّ.
الثانية: في قرينية المنفصل وتقديمه على العامّ.
المرحلة الأولى: المخصّص المتّصل:
تارةً: يفرض كونه مستفاداً من مدخول أداة العموم، كما لو قال: (أكرم كلّ عالم عادل) أو (عالم غير فاسق). ففي مثل ذلك لا إشكال في حاكمية هذه القرينة المتّصلة بنحو لا يبقى معه ظهور للعموم أصلاً حتى في مرحلة التصوّر، فضلاً عن الدلالات المتأخّرة التصديقية؛ لأن أداة العموم موضوعة لإسراء الحكم لأفراد مدخولها، ومدخولها هو (العالم العادل) أي العالم المقيّد، فيتضيّق مدخولها بنفس التقييد.
وأخرى: يكون لسان التقييد لسان جملة مستقلّة معطوفة على جملة العموم كـ(أكرم كلّ عالم ولا تكرم فسّاق العلماء). فإنها لا توجب تضييق دائرة المدخول، فالمخصّص بهذا النحو لا يوجب هدم الدلالة التصوّرية بلا إشكال. إلّا أنه قد يقال -كما سبق أن قلنا- بأن سياق هاتين الجملتين بنفسه موضوع بوضع آخر وراء وضع الجملتين بأنفسهما: موضوع العامّ المخصّص. فيتّصل بذلك مدلول تصوّري جديد ببركة المدلول السياقي وهو العامّ بعد التخصيص، فتنهدم بذلك أيضاً الدلالة التصوّرية وتنشأ دلالة تصورية في العامّ المخصّص، لكن إذا لم نبنِ على هذا المبنى فلا بُدّ أن نقول: إن الدلالة التصورية محفوظة على أيّ حال.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما الدلالة التصديقية بمعنى كون العموم مراداً جداً، فهو غير موجود جزماً بعد ورود القرينة المتّصلة؛ لأن ظهور الكلام بالإرادة الجدّية فرع عدم نصب القرينة على خلاف ظاهر كلامه والمقيّد صالح للقرينية. وهنا يوجد بحث أنه لماذا كان الأخصّ يوجب ذلك؟ هل لمجرّد كونه أظهر، أو لأن الأخصّية بنفسها نكتة تقتضي عقلائياً الاعتماد عليها في مقام تفسير المراد؟ وعلى هذا بنى الميرزا، وأنه قام ديدن العقلاء على أنهم يفسرون الأعمّ بالأخصّ دون عكس.
ومن هنا قال: إن المخصّص المتّصل يقدّم على العامّ دائماً من دون أن يلحظ أنه أقوى ظهوراً أو أضعف.
المرحلة الأولى: وأما إذا جاء الخاصّ منفصلاً(1) فلماذا يقدم على الخاصّ ولا يقدم الخاصّ عليه؟ هنا قال الميرزا: إنه يوجد عند العقلاء قاعدة تقتضي ذلك، وهي أن الخاصّ المنفصل يكون قرينة على العامّ أيضاً، وهي: أن كلّ ما كان على فرض اتّصاله قرينة هادمة للظهور، يكون على فرض انفصاله قرينة هادمة للحجّية.
وهذا مرجعه إلى أمرين:
أحدهما: أن العقلاء في محاوراتهم إن أمكنهم تفسير مراداتهم في نفس كلامهم بقرينة متّصلة، فهم يفسّرون الأعمّ بالأخصّ.
الثاني: أنه إذا ألجأتهم ضرورة للتأجيل منهم يعتمدون على سنخ كلام
ــــــــــ[237]ــــــــــ
() هذه هي المرحلة الثانية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يذكرونه في نفس كلامهم لا على سنخ كلام آخر. فكما كانوا يعتمدون على الأخصّ المتّصل في تفسير العامّ كذلك في المنفصل. ومعه يكون الخاصّ المنفصل قرينة على العامّ.
فلو اقتصرنا على ذلك فهل يمكن أن نستنبط من ذلك مدّعى الميرزا أو لا؟ كلّا؛ لأن ما يكون قرينة على العامّ الثاني ما هو؟ هل هو ذات العامّ الأوّل، أو هو بعد تخصيصه -أي: المجموع المركّب منه ومن مخصّصه-؟
إن أردتم أن ذات العامّ قرينة فالبناء العقلائي الثاني لا ينطبق عليه، وهو أن ما يكون باتّصاله سبباً في رفع أصل الظهور يكون بانفصاله سبباً في رفع حجّية الظهور. ومن الواضح أن العامّ الأوّل على فرض اتّصاله بالعامّ الثاني يكون متهافتاً معه لا أنه يكون له قرينة، فكيف يعقل جعله قرينة.
وأما إذا أردتم جعل الأوّل والثالث معاً، أي العامّ ومخصّصه بمجموعه قرينة، فمن الواضح أن هذا المجموع لو أنهما اتّصلا بالعامّ الثاني لكان قرينة عليه، فهو على فرض اتّصاله يكون قرينة فيكون على فرض انفصاله قرينة بالبناء العقلائي الثاني. لكنّه إنما يكون قرينة فيما إذا جاء الدليلان منضمّان مجموعاً لا ما إذا جاء نفس المجموع متوزّعاً أيضاً. فإن ما باتّصاله يرفع الظهور هو المجموع المركّب من العامّ ومخصصه. وأما لو كان المخصّص منفصلاً، فما يرفع الظهور على تقدير اتّصاله غير موجود وهو المجموع المركّب. فإنه لم يوجد مجموعاً بل مجزّأً فلا يكون صغرى للبناء العقلائي الثاني. ومن هنا يحتاج إثبات دعوى الميرزا إلى وجود بناء عقلائي ثالث من عقلاء آخرين، وهذا ما لا ندّعيه ولا يدعيه
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الميرزا نفسه. بل كان يتخيّل أن نفس البناءات العقلائية التي فرغنا عنها صالحة لتتميم المطلب. ومعه لا يتمّ دعوى انقلاب النسبة وللحديث تتمّة(1).
ــــــــــ[239]ــــــــــ
() أقول: الشيء الذي يخطر بالبال القاصر هو أن تمامية انقلاب النسبة موقوف على مطلب، وهو أن التخصيص هل يخدش الإرادة الاستعمالية أو لا؟ فإن قلنا بأنه يخدشها وينفيها كان انقلاب النسبة تامّاً. وذلك: بدعوى أن التعارض والتخصيص يكون بمرتبة الدلالة الاستعمالية، ومن الواضح أن ما يكون ملاكاً للتعارض مع التباين بنفسه يكون ملاكاً للتخصيص عند العموم المطلق. والمفروض في المقام طروّ المخصّص على الإرادة الاستعمالية للعامّ الأوّل، فقد انعدمت الإرادة الاستعمالية له في مورد التخصيص، وبقيت فقط في الزائد، فأصبح أخصّ من العامّ الثاني فيقدّم عليه.
وبتعبير آخر: إن هناك تلازماً بحسب الفهم العقلائي بين التعارض وبين القرينية على تقدير كون أحدهما أخصّ، وهذا التلازم إذا طبّقناه في ملاحظة النسبة بين العامّ الأوّل ومخصّصه انتجت القرنية وتضيّق مدلوله، وإذا طبّقناه في ملاحظة النسبة بين العامّ الأوّل بعد تضييق مدلوله والعامّ الثاني تكون النتيجة هي القرينية أيضاً.
وهذا قد ينتج من أمرين معترف بهما في المتن هما:
أوّلاً: التلازم بين الحجّية والتعارض.
ثانياً: التلازم بين التعارض والقرينية.
إذن فيكون ملازمة بين الحجّية والقرينية.
وبتعبير آخر: بين سقوط المدلول المخصّص وبين قرينية الباقي على معارضه.
إلّا أن أساس هذا المطلب غير تامّ، وهو: أن المخصّص والمعارض يخدش الإرادة الاستعمالية، بل إنه يخدش الحجّية فقط مع انحفاظ الإرادة الاستعمالية. ومعه لا يتمّ انقلاب النسبة؛ لأن ما هو المخدوش وهو الحجّية لا يؤثّر في التقديم، وما هو المؤثّر في ذلك غير مخدوش وهو الإرادة الاستعمالية. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إننا لو ذهبنا مذهب الميرزا في انقلاب النسبة، وعملنا عملين أوّلهما: التخصيص للعام الأوّل، وثانيهما: تخصيص العامّ الثاني به ثانياً. حينئذٍ يقع هذا السؤال وهو أننا لماذا نخصّصه أوّلاً ثُمّ نلحظه مع معارضه ليصبح قرينة عليه، فنعكس ولنلحظه مع معارضه فيسقط، ثُمّ ننتهي إلى المخصّص فلا يصحّ انقلاب النسبة. فنتكلّم عمّا إذا قبلنا انقلاب النسبة فهل يجب علينا أن نلحظ العامّ الأوّل مع مخصّصه، ثُمّ نلحظه مع معارضه، أو لا يجب ذلك؟
هنا يوجد برهانان على هذا المطلب:
إنّنا لو قمنا بهذه العملية لم يلزم إلغاء دليل برأسه، ونكون قد عملنا بالأدلّة الثلاثة. أما المخصّص فقد خصّصنا به العامّ الأوّل، وأما العامّ الأوّل فقد خصّصنا به -بعد تخصيصه- العامّ الثاني. وأما العامّ الثاني: فقد عملنا به في غير العلماء العدول، فلا يلزم إلغاء دليل برأسه، بل عملنا بكلّ دليل في الجملة. وهذا بخلاف ما إذا عكس المطلب، فإننا إذا لاحظنا العامّين فإنهما يتعارضان ولا بُدّ من رفع اليد عنهما رأساً، وننتهي إلى العمل بدليل واحد وهو (لا تكرم فسّاق العلماء).
وهذا الكلام أيضاً يأتي في العامّين من وجه، وهو مورد آخر لانقلاب النسبة، كما لو قال: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم كلّ فاسق). والنسبة بينهما هي العموم من وجه، ثُمّ ورد خاصّ يخرج مورد الافتراق من أحد العامّين كقوله: (لا تكرم الفساق الجهال).
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فهنا أيضاً نقول: بأننا لو جرينا وفق متطلّبات انقلاب النسبة ومرام الميرزا، وهو أن نخصّص العامّ بمخصّصه ثُمّ نخصّص به العامّ الثاني، فقد عملنا بكلّ الأدلّة الثلاثة. وأما لو أوقعنا المعارضة بين العامّين، والتزمنا بالتساقط في مادّة الاجتماع، فقد أسقطنا العامّ المخصّص بالكلّية، أما مادّة الاجتماع فباعتبار التعارض، وأما في الزائد عنها فبالمخصّص إذا عملنا بالمخصّص، وإن لم نعمل بالمخصّص فقد أسقطناه من رأس. فننتهي على أيّ حال إلى محذور إلغاء دليل برأسه.
إلّا أن هذا البرهان ليس فنّياً؛ لأن إلغاء الدليل برأسه؛ لأنه ليس بهذا النحو يكون محذوراً، بل المحذور هو إلغاء الدليل برأسه بلا موجب، وأما إلغاؤه بموجب فلا محذور فيه. ففي مثالنا الأوّل لو لاحظنا العامّين المتعارضين فيلزم من ذلك إلغاؤهما من رأسٍ، ولكنّه إلغاء بموجب وهو قانون التعارض. إذن فلا بُدّ من إقامة البرهان على هذا القيد وهو كونه بلا موجب. وأما لو كان بموجب فلماذا تجبروننا على أن نعكس المطلب؟
ومن هنا ينتهي الكلام إلى البرهان الثاني:
وتوضيحه: أن إلغاءه لا موجب لتوهّمه إلّا معارضته (لا تكرم كلّ عالم). ومن الواضح أن وقوع المعارضة بين هذين العامّين إنما هو فرع تمامية المقتضي في كلّ منهما، فإن تمّ المقتضي تعارضا وتساقطا مع عدم المرجّح. إذن فإلغاء العامّ من رأس فرع الموجب والموجب فرع المعارضة والمعارضة فرع وجود مقتضى الحجّية في كلّ منهما. ووجود مقتضى الحجّية في العامّ الثاني -(لا تكرم
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
العلماء)- فرع عدم وجود قرينة عليه حاكمة على ظهوره؛ إذ مع وجود القرينة فإنه ينهدم اقتضاء ذي القرينة لا محالة. وهذا معناه أن تمامية مقتضى الحجّية في الثاني متوقّفة على عدم قرينية العامّ الأوّل عليه -بناء على انقلاب النسبة-. وقرينيته عليه فرع عدم وجود القرينة المخصّصة، ومعه فلا يعقل أن تكون المعارضة مانعة عن المخصّصية؛ لأنها متوقّفة على عدمها بل يكون التخصيص رافعاً لموضوع المعارضة.
إذن ينتج أننا لا بُدّ أوّلاً من أن نخصّص العامّ الأوّل بمخصّصه ثُمّ نخصّص العامّ الثاني به، فلو تمّ مدّعى الميرزا في المقام الأوّل، فلا تأتي عليه هذه الشبهة.
المقام الثالث: أننا لو قبلنا من الميرزا انقلاب النسبة وتمّ مدّعاه في المقام الأوّل خلافاً لِما اخترناه، وتمّ مدّعاه في المقام الثاني وِفاقاً لِما اخترناه. يقع الكلام في تشخيص موارد انقلاب النسبة. وهنا يذكر عدّة صور:
وتحت هذه الصورة أربعة أقسام:
القسم الأوّل: أن يفرض وجود مخصّص واحد لأحد العامّين المتباينين. وتحت هذا القسم فرضان:
ــــــــــ[242]ــــــــــ
() يندرج مضمون هذه المحاضرة فيما سنكتبه عن المحاضرات الآتية؛ لطروّ بعض التغيير الجزئي على منهج البحث. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الفرض الأوّل: أن يفرض أن يكون مخصّصاً لكِلا العامّين كما لو قال: (يستحب إكرام العراقي)، وقال: (يكره إكرام العراقي). وورد مخصّص يقول: (يحرّم إكرام العراقي الشمالي). وهنا لا إشكال من تقديم الخاصّ عليهما معاً وقرينيته عليهما. فيبقى تحت كِلا العامّين: العراقي الجنوبي، فيبقيان على التعارض بنحو التباين، وهذا تامّ سواء قلنا بانقلاب النسبة أو لم نقل.
الفرض الثاني: أن يفرض أنه مخصّص لأحد العامّين دون الآخر. كما لو كان المخصّص في المثال يقول: (لا يستحب إكرام العراقي الشمالي). فيكون مخصّصاً لدليل الكراهة.
وهذا الفرض من الموارد المتيقّنة لانقلاب النسبة. فإن قلنا بها خصّصنا العامّ الدالّ على الكراهة بمخصّصه ثُمّ خصّصنا به العامّ الآخر.
القسم الثاني: أن يكون هناك مخصّصان كلّ واحد منهما مخصّص لكِلا العامّين. كما إذا ورد على العامّين في المثال مخصّصان أحدهما: (يحرّم إكرام العراقي الشمالي)، ثانيهما: (يحرّم إكرام العراقي الكافر). فنعامل معهما معاملة العامّ والخاصّ، فإن كان الخاصّان متعارضين في أنفسهما نحلّ المعارضة في المرتبة الأولى ثُمّ نقدّمهما على كِلا العامّين، ولا يوجد هنا انقلاب نسبة، بل تبقى نسبتهما هي التباين؛ لأن كلّ ما يخرج من أحدهما يخرج من الآخر.
القسم الثالث: أن يطرأ مخصّصان أحدهما مخصّص لكِلا العامّين والآخر مخصّص لأحدهما. كما لو قال المخصّص: (يحرّم إكرام الكافر العراقي)، وهو مخصّص لكِلا العامّين. وقال الآخر: (لا يستحب إكرام الشمالي) وهو مخصّص
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لدليل الاستحباب بغير الشمالي. وهذا يظهر حاله مما سبق، فإن ما يكون مخصّصاً لهما نخصّص به كِلا العامّين فيصير موضوعهما (العراقي غير الكافر). ثُمّ نأتي إلى المخصّص الثاني ونخصّص به العامّ الذي يخصّصه. وهنا تنقلب النسبة بناء على انقلابها؛ إذ نخصّص دليل الكراهة أوّلاً ونخصّص به العامّ الآخر.
القسم الرابع: أن يفرض مخصّصان كلّ واحد منهما مخصّص لأحد العامّين. وهذا يندرج تحته عدّة شقوق:
الشق الأوّل: أن تكون النسبة بين المخصّصين هي التباين بين موضوعيهما، ويكون الموضوعان مستوعبين لتمام موضوع العامّين، وأخرى لا يكونان كذلك، فهنا فرضان.
الفرض الأوّل: أن يكون مجموع المخصّصين مستوعباً لتمام موضوع العامّين، من دون أن يكون بين محموليهما تعارض. كما لو كان الخاصّان: يقول: (لا يستحب إكرام الشمالي العراقي)، ويقول: (لا يكره إكرام الجنوبي العراقي). وفي مثله يخصّص كلّ واحد عامّه وحينئذٍ يرتفع التعارض بين العامّين، وإن لم نقل بانقلاب النسبة؛ لأن دليل (يستحب إكرام كلّ عراقي) يختصّ بغير الشمالي، ودليل (يكره إكرام كلّ عراقي) يختصّ بغير الجنوبي. فلا يبقى تعارض.
الفرض الثاني: أن لا يكون موضوع المخصّصين مستوعباً لتمام موضوعي العامّين. وفي مثله يخصّص كلّ واحد بمخصّصه وتكون النسبة بينهما حينئذٍ هي العموم من وجه. كما لو قال الخاصّ: (لا يستحب إكرام العراقي الموصلي)، وقال الآخر: (لا يكره إكرام أهل العمارة)، فدليل الاستحباب يختصّ بالعراقي
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
غير الموصلي، ودليل الكراهة يختصّ بغير العمارتي. والعراقي غير الموصلي تارةً يكون عمارتياً، وأخرى لا يكون، كما أن العراقي غير العمارتي تارةً يكون موصلياً وأخرى لا يكون. ونتعامل معهما معاملة العموم من وجه، سواء قلنا بانقلاب النسبة أو لا. ومعنى ذلك أن المتعارضين إذا كانا متباينين فالتعارض بينهما سندي، وإذا كان بينهما نسبة العموم من وجه فالتعارض بينهما ليس سندياً وإنما هو في مادّة الاجتماع، ويمكن أن نتعبّد بسند كلّ منهما في مادّة الافتراق.
الشقّ الثاني: هو ما إذا كانت النسبة بين موضوعي المخصّصين هو العموم من وجه. كما لو قال أحدهما: (لا يستحب إكرام الشمالي)، وقال الآخر: (لا يكره إكرام الشيعي). وتحت هذا الشقّ فرضان:
الفرض الأوّل: ما إذا لم يكن بين الخاصّين تعارض كالمثال نفسه، ومعه يكون كِلا الخاصّين حجّة في مفاده، فيكون مخصّصاً لعامّه. وبعد التخصيص تكون النسبة بين العامّين هي العموم من وجه.
إذ يختصّ دليل الاستحباب بغير الشمالي، ويختصّ دليل الكراهة بغير الشيعي. فنعامل بينهما معاملة العموم من وجه. وهذا تامّ حتى بناء على عدم القول بانقلاب النسبة. ولا يكون التعارض سندياً بل دلالياً.
الفرض الثاني: ما إذا كان بين الخاصّين تعارض كما لو قال أحدهما: (يكره إكرام الشمالي) -وهو مخصّص لدليل الاستحباب-، وقال الآخر: (لا يكره إكرام الشيعي)- وهو مخصّص لدليل الكراهة. فيتساقط الخاصّان في مورد التعارض وهو مورد اجتماعهما. ويبقيان حجّتين في موردي الافتراق -فيكره إكرام الشمالي
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
غير الشيعي ولا يكره إكرام الشيعي غير الشمالي- فنخصّص بهما العامّين. وبعد ذلك تكون النسبة بين العامّين هي العموم من وجه ويعامل بينهما معاملة العامّين من وجه. فدليل (يستحب إكرام العراقي) نخرج منه الشمالي السني فيشمل غيره، سواء كان شمالياً شيعياً أو لم يكن شمالياً. كما أن دليل (يكره إكرام كلّ عراقي) نخرج منه الشيعي غير الشمالي فيشمل غيره كذلك.
الشقّ الثالث: أن تكون النسبة بين موضوعي المخصّصين، هو العموم المطلق، كما لو قال أحد الخاصّين: (لا يستحب إكرام الشمالي السني) -وهو مخصّص لدليل الاستحباب-، وقال الآخر: (لا يكره إكرام الشمالي). وهو أعمّ من السني ويكون مخصّصاً لدليل الكراهة.
وتحت هذا الشقّ فرضان أيضاً:
الفرض الأوّل: أن نفرض أن الخاصّين غير متعارضين محمولاً كالمثال نفسه، إذ قد لا يكون إكرام الشمالي السني لا مستحباً ولا مكروهاً. ومعه نخصّص دليل الاستحباب بمخصّصه، ونخرج منه الشمالي السني ونخصّص دليل الكراهة بمخصّصه ونخرج منه الشمالي. فبناء على انقلاب النسبة يكون العامّ الثاني أخصّ موضوعاً من العامّ الأوّل. فإن المخصّص بأعمّ المخصّصين أخصّ من المخصّص بأخصّ المخصّصين(1).
ــــــــــ[246]ــــــــــ
() أقول: لا بُدّ أن يكون مراده أنه بناء على الانقلاب يخصّص به وبناء على عدمه لا يخصّص به. وإلّا فنسبة الأخصّية –وإن لم نعمل التخصيص– موجودة قهراً بعد البناء على تعنون العامّ بنقيض عنوان الخاصّ على مبنى السيّد نفسه. فإن العامّين يصبحان هكذا: (يستحب إكرام العراقي غير الشمالي السني) و(يكره ا إكرام كرام العراقي غير الشمالي). والنسبة بينهما هي العموم المطلق كما هو واضح، وإن لم نقل بانقلاب النسبة. غاية الأمر أنه بناء عليها يكون الأخصّ صالحاً للقرينية على الأعمّ. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الفرض الثاني: ما إذا كان بين نفس هذين المخصّصين تعارض، ومثاله في نفس العامّين: أنه يقول أحد الخاصّين: (إكرام الشمالي السني مرجوح) -وهذا مخصّص لدليل الاستحباب- و(إكرام الشمالي ليس مرجوحاً) -وهو مخصّص لدليل الكراهة-. وفي مثل ذلك يخصّص أعمّ الخاصّين بأخصّهما، ثُمّ يخصّص كلّ من العامّين بمخصّصه.
فيخصّص دليل الاستحباب بأخصّ الخاصّين ودليل الكراهة بأعمّهما بعد فرض كونه مخصَّصاً. فيصبح موضوع دليل الاستحباب: (العراقي غير الشمالي السني). وموضوع دليل الكراهة: (غير الشمالي الذي لا يكون سنياً). فيكون كلّ منهما حجّة بالفعل في إخراج ما يقابله من العامّ.
الشقّ الرابع: أن تكون النسبة بين المخصّصين هي التساوي: مثل أن يقول أحد الخاصّين: (لا يستحب إكرام العراقي الشمالي). ويقول الآخر: (لا يكره إكرام العراقي الشمالي). فنخصّص كلّاً من العامّين بمخصّصه، وتبقى نسبة التباين بينهما على حالها.
لكي يتّضح أنه أيّ من مقدار من الآثار في هذه الصور مبتنٍ على انقلاب النسبة، وأيّ مقدار لا يبتني عليها، وما هو الميزان الكلّي في ذلك، هناك كبريان:
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إحداهما: كبرى انقلاب النسبة، التي وقعت بيننا وبين الميرزا محلّاً للكلام.
والثانية: كبرى بقاء أحد المتعارضين على الحجّية، بالمقدار الذي سقط الآخر فيه عن الحجّية، وهي كبرى متّفق عليها.
ففيما إذا وجد عندنا عامّان متعارضان وفرض أنه سقط أحد العامّين المتعارضين، عن الحجّية في جزء مدلوله، فأريد جعله في الحصّة الأخرى قرينة على العامّ الآخر، فهذا هو انقلاب النسبة.
وإذا وجد عامّان متعارضان، وسقط أحدهما في جزء مدلوله. فيكون العامّ الآخر في هذه الحصّة بلا معارض، فلا بأس بأن يكون حجّة. وهي قضية قياساتها معها؛ لأن العامّ الآخر لا مانع من حجّيته إلّا المعارضة، فإذا سقط الآخر لنكتة أخرى غير المعارضة لا يبقى مانع عن حجّية العامّ الثاني.
وحينئذٍ فأيّ أثر يكون مترتّباً على الكبرى الأولى لا نقبله، وأيّ أثر يتوقّف على الكبرى الثانية يكون من الآثار الصحيحة. وفي تلك الشقوق السابقة نواجه أربع نتائج:
النتيجة الأولى: أنه إذا ورد عامّين متعارضين وأتى مخصّص لأحدهما فيصبح أخصّ من الثاني فيخصّصه. وهذا من نتائج انقلاب النسبة؛ لأن أحد العامّين سقط عن الحجّية بجزء من مدلوله ونريد أن نجعله في الجزء الآخر قرينة على الآخر.
النتيجة الثانية: أن يرتفع التعارض بين العامّين. بأن يأتي مخصّصان لهاذين العامّين ويكون مجموع موضوعي الخاصّين مستوعبين لموضوع العامّين
-كالفرض الأوّل من الشقّ الأوّل من القسم الرابع- فإنه يبقى في المثال بعد
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التخصيص استحباب إكرام الجنوبي وكراهة إكرام الشمالي. فلا تعارض.
وانتفاء التعارض مربوط بالكبرى الثانية دون الأولى؛ لأن كلّ عام سقط عن الحجّية بمقدارٍ فلماذا لا يكون العامّ الآخر حجّة فيما سقط فيه الآخر عن الحجّية.
النتيجة الثالثة: أن ينقلب التعارض بالتباين إلى التعارض بنحو العموم من وجه. وهذا كان متحقّقاً في عدّة صور -منها الفرض الثاني من الشقّ المشار إليه-. وهذه مربوطة بالكبرى الثانية وأجنبية عن الكبرى الأولى، وإن احتمل السيّد الأستاذ ذلك، وذلك: لأنه عندنا عامّان بنحو التباين، ونحن نعرف أن المتعارضين المتباينين يكون التعارض بينهما سندياً؛ لعدم إمكان التعبّد بسند أيٍّ منهما؛ لأننا لا نجد له مدلولاً لنتعبّد به.
وأما إذا كان التعارض بينهما بنحو العموم من وجه، فيكون التعبّد بسند كلّ منهما ممكناً؛ لأننا نجد له مدلولاً ولو بلحاظ مادّة الافتراق. وإنما يكون التعارض بينهما دلالياً. ففي المقام هذان العامّان لو لا المخصّصين لكان التعارض بينهما تباينياً سندياً، ولكن بعد فرض حجّية المخصّصين تصير النسبة بينهما هي العموم من وجه، فيخرج عن كونه تعارضاً سندياً ويكون دلالياً. وهذا من نتائج الكبرى الثانية؛ لأن التعارض السندي إنما يكون فيما لو أننا تعبّدنا لم نجد له مدلولاً، وهنا نجد له مدلولاً؛ لأن كُلّاً منهما سقط عن الحجّية بمقدار مخصّصه، وبهذا المقدار لا بأس بالعمل الآخر، فيكون التعبّد بالسند معقولاً في كلّ منهما.
النتيجة الرابعة: أن يبقى التعارض بنحو التباين على حاله -كالشقّ الرابع
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
من القسم الرابع-. وهو أيضاً غير مربوط بانقلاب النسبة، فإن ما كان العامّ حجّة فيه لا يصلح أن يكون قرينة على الآخر(1).
إذا عرفنا ذلك نقول: إنه قد سبق أن ذكرنا صور وشقوق الصورة الأولى الخاصّة بالعامّين المتباينين.
وهذا يكون على عدّة شقوق:
الشقّ الأوّل: أن يأتي مخصّص يخرج مادّة الافتراق لأحد العامّين. مثاله: أن يرد عامّ يقول: (يكره إكرام الكافر)، وعام آخر يقول: (يستحب إكرام العراقي). وخاصّ يقول: (يحرّم إكرام الكافر غير العراقي). وبعد التخصيص
ــــــــــ[250]ــــــــــ
() أقول*: اقتصر السيّد على هذه النتائج، وأجد أن هناك:
النتيجة الخامسة: وهي أن تصبح النسبة بين العامّين بعد تخصيصهما هي نسبة العموم المطلق، كالفرض الأوّل من الشقّ الثالث من القسم الرابع. حيث أصبح العامّ المخصّص بأخصّ المخصّصين أعمّ من العامّ المخصّص بأعمّ المخصّصين. وبعد التخصيص يكون القسم الزائد من أعمّ العامّين بلا معارض طبقاً للكبرى الثانية فيؤخذ به. وتكون دعوى تخصيصه بأخصّ العامّين مبنية على انقلاب النسبة -أي الكبرى الأولى-؛ لوضوح أن المطلوب هو جعل العامّ المخصّص قرينة بجزء مدلوله. وهو الأمر الأساسي المرفوض من قبل منكر الانقلاب. (المقرِّر).
* ذكر السيد حين سألته بأن هذه النتيجة مندرجة في النتيجة الأولى؛ لأنها من انقلاب النسبة، لأن عنوان النتيجة الأولى هو أن يصبح ما ليس بقرينة قرينة فيكون هذا مثالاً له. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يصبح موضوع دليل الكراهة هو الكافر العراقي، فيصبح أخصّ مطلق العراقي، فتكون قرينيته على العامّ الآخر مبنية على انقلاب النسبة. فإنه بعد أن سقط دليل الكراهة عن الحجّية في الكافر غير العراقي أردنا أن نجعله قرينة على الآخر.
الشقّ الثاني: أن نفرض أن الخاصّ يخرج مادّة الاجتماع لكِلا الدليلين، فيما إذا تضمّن حكماً مخالفاً لكِلا الحكمين، فقال: (يحرّم إكرام العراقي الكافر). فيكون مخصّصاً لهما معاً ومقدّما على كِلا العامّين، فيصبحان بعد إخراج مادّة الاجتماع متباينين موضوعاً ومحمولاً فيرتفع التعارض بينهما. وهذا غير مربوط بانقلاب النسبة؛ لأنه نشأ من سقوطهما عن الحجّية في أنفسهما في مادّة الاجتماع.
الشقّ الثالث(1): أن نفرض أن الخاصّ يخرج مادّة الاجتماع لأحد العامّين، وذلك فيما إذا كان موافقاً في الحكم لأحدهما ومخالفاً للآخر، كما لو قال: (يكره إكرام العراقي الكافر). فيكون مخصّصاً لدليل الاستحباب ويخرج مورد الاجتماع منه، ويسقط عن الحجّية فيه، ومعه فيكون داخلاً في الكبرى الثانية، إذ لا يبقى مانع من شمول دليل الكراهة لمادّة الاجتماع، بعد سقوط الآخر فيها، ولا مجال لإيقاع المعارضة حينئذٍ. وهذا صحيح أيضاً وإن لم نقل بانقلاب النسبة.
الشق الرابع: أن يوجد مخصّصان كلّ منهما يخرج مادّة الافتراق لأحد
ــــــــــ[251]ــــــــــ
() ذكر السيد: أن هذا الشق مندرج في الشقّ الثاني من حيث الملاك، وهو إزالة التعارض بين العامّين. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
العامّين، كما لو قال أحد المخصّصين: (يجب إكرام العراقي المسلم) وهو مخصّص لدليل الاستحباب، وقال الآخر: (يحرّم إكرام الكافر غير العراقي). فهنا لا إشكال أننا لو لاحظنا المخصّصين في أنفسهما فليس بينهما تعارض، كما أنه لا إشكال أنه بين العامّين في أنفسهما تعارض، إلّا أنه في حالة اجتماع هذه الأدلّة الأربعة. ماذا تكون الوظيفة؟
هناك تصوّران لذلك:
التصوّر الأوّل(1): تصوّر الميرزا، وهو أن نخصّص كلّ واحد من العامّين بمخصّصه، فيخرج (المسلم العراقي) عن دليل الاستحباب و(الكافر غير العراقي) عن دليل الكراهة، ويبقى تحت العامّين مادّة الاجتماع، فيتعارضان ويتساقطان.
التصوّر الثاني: للسيّد الأستاذ وهو أنه لا موجب للتخصيص أوّلاً ثُمّ إيقاع المعارضة بين العامّين، بل نوقع المعارضة بين الأدلّة الأربعة من أوّل الأمر. فإن التعارض ملاكه هو العلم الإجمالي بكذب أحد الأدلّة. فيكون كلّ واحد دالّاً بالالتزام على أن الكاذب غيره، وفي المقام الأمر كذلك؛ لأننا نعلم أن المولى لا يعقل أن يصدر منه مجموع هذه الأدلّة الأربعة. فيكون كلّ واحد مكذّباً لمجموع الثلاثة الأخرى.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
() قلت له: أنه يلزم منه إلغاء العامّين بتمام مدلولهما؛ إذ يسقط جزء منها بالتخصيص وجزء منها بالتعارض.
فقال ما حاصله: أنه سقوط بموجب، وهو لا محذور فيه.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والصحيح أن تصوّر الميرزا هو الصحيح، وهو يتمّ سواء قلنا بانقلاب النسبة أو لم نقل.
*****
وقد يتخيّل في بادئ الأمر أن هذا التصوّر الثاني أمر غير صحيح؛ لأننا لا يمكن أن نتصوّر أن يكون كلّ من العامّين معارضاً مع مجموع الأدلّة الثلاثة الأخرى معارضة تردّيدية، مع العلم أنه معارض مع العامّ الآخر معارضة تعيينية، وبه تنحلّ تلك المعارضة ويخرج الخاصّان عن طرفيتها.
إلّا أن هذا غير صحيح؛ لأن المعارضة التعيينية القائمة بين العامّين معارضة غير سندية، بل هي معارضة دلالية في مادّة الاجتماع فقط. ومدّعى السيّد الأستاذ أن المعارضة سندية بين الأدلّة الأربعة، فلا تكون منحلّة بالمعارضة التعيينية بين العامّين؛ لأنهما معارضتان من سنخين، فلا يمكن أن تنحلّ إحداهما بالأخرى.
اذن يتّضح أن دعوى السيّد الأستاذ هو حصول التعارض السندي بين الأدلّة الأربعة للعلم الإجمالي بكذب واحد منها.
إلّا أن الصحيح كما قلنا هو التصوّر الأوّل الذي ذهب إليه الميرزا، وهو تخصيص كلّ من العامّين بمخصّصه، وإيقاع المعارضة بين العامّين لا بين الأدلّة الأربعة.
وتوضيحه: أننا ينبغي أن نلتفت إلى نقطة سبقت منّا لكيفية سريان التعارض الدلالي إلى السند. حيث قلنا: إنه توجد شبهة هي أن التعارض بين
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الأدلّة إنما هو بلحاظ الظهور والدلالة لا بين السندين؛ إذ لا تنافي بين صدور قوله: (ثمن العذرة سحت) وصدور قوله: (لا بأس بثمن العذرة)، ولو من باب التقية. إذن فكيف يسري التعارض من الدلالة إلى السند؟! وقلنا: إن لسريان التعارض أحد تقريبين:
الأوّل: ما هو مستظهر من كلمات صاحب (الكفاية) من: أننا حين نواجه أدلّة متعارضة نقطع النظر عن أسانيدها، ونوقع المعارضة بين ظهوراتها، فإن كان بعضها قرينة على الآخر لا يسرى التعارض إليه، بل نتعبّد بالسندين؛ لأن التعبّد بسند كلّ منهما يوصل إلى مطلب وليس لغواً. وأما إذا لم يكن بعض الظهورات قرينة على بعض فيوجب ذلك تساقطها وإجمالها، فيسري التعارض إلى السند؛ لأن التعبّد بكلام مجمل لا معنى له. فيكون سريان التعارض إلى السند في طول إسقاط الظهورين وعدم وجود قرينة فيها(1).
والآن نتكلّم على أساس هذا التقريب مؤقّتاً، ثُمّ نذكر التقريب الآخر.
وحينئذٍ نقول: إنه إذا كان عندنا عامّ ومخصّص أو مخصّصات غير مستوعبة للعامّ، فنستطيع أن نحلّ التعارض بالقرينية والتخصيص فلا يسري. وأما إذا
ــــــــــ[254]ــــــــــ
() أقول: وربما يفهم من السيّد الأستاذ: أنه إن بقيت بعد إعمال القرينة بقيّة في مدلول العامّ أمكن التعبّد بسنده ولم تسر المعارضة، وأما لو أوجبت القرائن سقوطه بتمام مدلوله، فيعود الأمر إلى المعارضة التامّة بينهما أو بينها –لو كانت متعدّدة- فيسري التعارض إلى السند. ولعلّ التعبير الأوّل باعتبار أن القرينية دائماً تكون لجزء المدلول، والتعارض قد يكون لكلّ المدلول، فيكون التعبّد بالسند مع القرينية ممكناً دائماً بخلافه في التعارض. فيكون حاصل كِلا التعبيرين تقريب واحد. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ابتلى بمخصّصات كانت مستوعبة للعامّ فلا يمكن أن نحلّ التعارض الدلالي بالقرينية، فيسري التعارض إلى السند، فيحصل تعارض سندي بين العامّ ومخصّصاته. وهذا بخلاف ما إذا وجد عامّ واحد وخاصّ واحد، فإن تعارض الظهورين يمكن حلّه بالقرينية، وكذلك في الخاصّين غير المستوعبين، فلا يسري إلى السند، فهذا هو المميزان العامّ في السريان.
ففي المثال: قولنا: (يستحب إكرام العراقي) في قباله ظهوران معارضان له:
أحدهما: (يجب إكرام العراقي المسلم)، وهو معارض له بالأخصّية.
والآخر: (يكره إكرام الكافر)، وهو معارض له بنحو العموم والخصوص من وجه.
أما الأوّل فلا إشكال في قرينيته في نفسه فيكون صالحاً لتخصيص دليل الاستحباب العامّ. والدليل الآخر فهو لا يعقل أن يكون قرينة للعامّ لا على القول بانقلاب النسبة ولا على عدم القول بها. أما على عدم القول بها فواضح؛ لأنهما عامّان من وجه، وأما على القول فالانقلاب فإن دليل الكراهة لو لوحظ قبل التخصيص مع دليل الاستحباب بعد التخصيص لكان قرينة عليه، إلّا أن هذا جزاف محض؛ لأننا بين أحد صور ثلاث: فإننا إما أن نلحظ العامّين بما قبل التخصيص، أو هما بعد التخصيص، أو أحدهما قبل التخصيص والآخر بعده. وعلى أيّ حال لا تتمّ القرينية: أما إن لاحظناهما قبل التخصيص فهما عامّان من وجه. وإن لاحظناهما بعده فهما متعارضان. وإن لاحظنا أحدهما قبله والآخر
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بعده كان جزافاً وتحيّزاً ظاهراً؛ إذ لماذا لا نعكس فنجعل الآخر بعد تخصيصه قرينة؟ ومعه فيستحيل قرينية أحد العامّين على الآخر.
ومعه فيقال: إن دليل الاستحباب العامّ إن كان كِلا الدليلين الآخرين قرينة له لكانا مستوعبين لمدلوله، ولوقعت المعارضة بين الأدلّة، وتمّت المعارضة الرباعية المدعاة. إلّا أن هذا تبرهن عدم صحّته، فليس في مقابل دليل الاستحباب إلّا قرينة واحدة وهو المخصّص، وأما دليل الكراهة فيستحيل أن يكون مخصّصاً. ومن المعلوم أن كلّ ظهور عمومي إذا كان في مقابله قرينة غير مستوعبة فإنها تبطل اقتضاء الحجّية بمقدارها من العامّ، ولا يبقى فيه اقتضاء الحجّية إلّا في الزائد الخالي من القرينة. إذن فيسقط موردا الافتراق من العامّين بالتخصيص، ويبقى اقتضاء الحجّية لهما في مورد الاجتماع.
وهذا معناه أنه قد انحلّت المعارضة بين الظهورين في كلّ عامّ ومخصّصه، قبل أن تصل النوبة إلى السند، والذي بقيت المعارضة فيه لم تنحلّ هو التعارض بين العامّين، وحيث بقيت المعارضة في الظهور مستحكمة فهي تسري إلى السند. ومعه فيختصّ التعارض السندي في الدائرة التي لم ينحلّ التعارض الظهوري فيها بالقرينية، وهو ظهورا العمومين في أنفسهما لا الظهورات الأربعة.
إذن فالتعبّد بسند العامّين غير ممكن؛ لسقوطهما بتمام مدلولهما بالتخصيص تارةً وبالمعارضة تارةً أخرى، وليست المعارضة السندية بين الأدلّة الأربعة.
*****
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لكلام الراوي(1) دالّان ومدلولان:
أحدهما: كلام الراوي نفسه، ومدلوله كلام الإمام.
والثاني: كلام الإمام، ومدلوله هو الحكم الشرعي والإرادة الحدسية. فقد يتّفق أنه يحصل علم إجمالي بكذب أحد الراويين، كما لو أخبرنا معصوم بذلك، فيحصل علم إجمالي في مرحلة الدالّين الأوّلين قبل أن نصل إلى الدالّ الثاني. وحينئذٍ يقع التعارض بين الراويين، مطلقاً حتى لو فرض أن أحد الكلامين كان مطلقاً والآخر مخصّصاً أو عامّاً وخاصّاً، ولا يمكن جعل أحدهما قرينة ومخصّصاً للآخر؛ لأن التعارض ليس في مرحلة دلالة كلام الإمام في الحكم الواقعي حتى يجعل الخاصّ الصادر منه قرينة على العامّ الصادر منه، فإنه إنما يجعل قرينة إذا فرغ عن الصدور. وفي المقام لم نفرغ عن الصدور حين نعلم إجمالاً بكذب أحدهما.
وأخرى يفرض أننا لا نعلم إجمالاً بكذب أحد الراويين فيما نقل كما هو العادة خارجاً، حتى لو نقلا المتباينين لاحتمال صدور أحدهما تقية لا بداعي الجدّ، فلا نعلم بكذب أحد الصدورين، ولكن نعلم بكذب أحد الظهورين، يعني أنه على تقدير صدورهما منه فهو لا يريد أحدهما جدّاً، لعدم معقولية ذلك.
وهنا توجد شبهة هي: أنه لا علم لنا بكذب أحد الصدورين، وإنما لنا علم
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() أفاد السيد ما كان قاله بالأمس بعرض جديد فقال: لكلام الراوي… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بكذب أحد الظهورين، فالتعارض إنما هو في دليل حجّية الظهور لا في دليل التعبّد بالسند. وقد دفع المشهور ذلك: بأن التعارض مركزه أوّلاً دائرة الظهور، فنعمل قواعد باب التعارض، فإن أمكن حلّه بالجمع العرفي والقرينية فهو، وإذا لم ينحلّ تساقطت الظهورات، وجاءت الأدلّة مجملة، فيسري التعارض إلى دليل التعبّد بالسند. فهذا هو المبنى الثاني لتعارض السند.
ومبنّياً عليه نقول للسيّد الأستاذ: إنك تقول: إنه يحصل تعارض سندي بين الأدلّة الأربعة للعلم الإجمالي بكذب أحدها، إن أردتم العلم الإجمالي بأن أحدها لم يصدر أصلاً من الإمام. إن كان كذلك فما تقوله صحيح من وقوع التعارض السندي بينها، ولا ينفع في المقام أن يكون هناك مخصّص وعامّ كما بيّنا. فإنه لو كان هناك عامّ واحد ومخصّص واحد لتعارضا، فكيف بالمقام! إلّا أن هذا العلم الإجمالي غير مفروض في المقام ولا يحصل بحسب العادة؛ إذ من المحتمل أنها صادرة وأنها تقية، ونحن في صورة التباين لا نعلم بالكذب فكيف في المقام..!
وإن أردتم العلم الإجمالي بالكذب بالمعنى المصطلح، أيّ العلم بالتكاذب بين الظهورات، يعنى أنها على فرض صدورها لم يرد من بعضها ما هو الظاهر منها، فهذا صحيح، وهذا معناه أن مصبّه التعارض أوّلاً وبالذات هو عالم الظهور لا السند، وحينئذٍ فإن استحكم هذا التعارض في الظهور سرى إلى السند وإلّا فلا.
وحينئذٍ(1) نقول: إن (يجب إكرام العراقي المسلم) يعارض الثلاثة الباقية
ــــــــــ[258]ــــــــــ
() فإذا جرينا مع صيغة السيد الأستاذ في التعارض الرباعي. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومنه العامّ الذي يخصّصه، ومن المعلوم أنه حاكم ومقدّم عليه، فإذا كان مقدّماً عليه فهو مقدّم على المجموع المركّب منه ومن غيره؛ لأن النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، والمجموع المركّب من المحكوم وغيره محكوم. فيتقدّم الخاصّ عليها، ونفس الشيء نقوله في دليل الحرمة -الخاصّ الآخر- بالنسبة إلى معارضيه. وبعد تقدّم الخاصّين لا يبقى إلّا التعارض بين العامّين فيسري إلى سندهما.
إلّا أن العبارة في نفسها ليست صحيحة، وهي كونها معارضة واحدة ذات أطراف أربعة، بل هي ثلاث معارضات ذات أطراف ثلاثة، فإن الخاصّ وهو دليل الوجوب يعارض مع جنبة أو جزء من دليل الاستحباب، وهو شموله للعراقي المسلم. وهما متعارضان سواء وجد شيء آخر أو لا. ومعارضة أخرى بين ظهور الخاصّ المبيّن للتحريم وعامِّه. ومعارضة ثالثة بين العامّين من وجه في مادّة الاجتماع. وحينئذٍ ففي معارضتين من هذه الثلاث توجد قرينية، وهي الأولى والثانية؛ لكونها معارضة بين العامّ وخاصّه. وأما في المعارضة الثالثة فليس أحدهما قرينة على الآخر لاستحالة ذلك كما بيّنا بالأمس، فيتحوّل التعارض إلى السند في حدود هذين المتعارضين. وهو معنى التعارض بين العامّين فقط.
وهذه الصورة تحتها عدّة شقوق؛ لأن النسبة بين الخاصّين إما أن تكون هي التباين أو العموم من وجه أو العموم والخصوص المطلق.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ولا إشكال في أن كُلّاً منهما في نفسه قرينة على العامّ. وحينئذٍ فلا بُدّ من ملاحظة النسبة بين العامّ ومجموع المخصّصين، فإن فرض أنها أيضاً نسبة العموم المطلق، فالعامّ كما يكون أعمّ مطلقاً من كلّ واحد يكون أعمّ مطلقاً من مجموعها. كما لو قال: (يستحب إكرام كلّ عراقي)، وقال: (لا يستحب إكرام زيد العراقي ولا يستحب إكرام عمرو العراقي). ولا معنى لانقلاب النسبة في المقام. فإننا حتى لو خصصناه بأحدهما تبقى النسبة مع الآخر هي العموم المطلق أيضاً. فمقتضاها تقديم مجموع المخصّصين على العامّ.
وأما إذا كانت النسبة بين المجموع والعامّ هي التساوي تحقيقاً أو تقريباً، وإن كان كلّ منهما في نفسه أخصّ مطلقاً من العامّ. كما إذا كان المخصّصان في المثال: (لا يستحب إكرام الشمالي العراقي) و(لا يستحب إكرام الجنوبي العراقي). فمقتضى القاعدة قيام التعارض الثلاثي بين الثلاث لحصول العلم الإجمالي بأن أحدها كاذب، إذ لا يمكن الجمع بين العامّ وكِلا المخصّصين.
وتوضيحه: أن وقوع المعارضة بين مجموعة من الأدلّة، يتوقّف على أمرين:
الأوّل: أن يكون هناك علم إجمالي بكذب واحد من موجوع الظواهر.
الثاني: أن لا يكون بعض هذه الظواهر صالحاً للقرينية على البعض الآخر.
وكِلاهما تامّ في المقام؛ أما الأوّل فواضح؛ لأننا نعلم إجمالاً بأن واحداً من الظواهر الثلاثة غير صحيح، فلا يمكن أن تعمل بالظواهر الثلاثة للعلم بكذب بعضها. وكذلك الأمر الثاني فإن بعض هذه الظواهر ليست قرينة على
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الآخر؛ لأن نسبة أحدهما إلى الآخر وإن كان نسبة العموم المطلق، إلّا أنه يستحيل قرينيته بالبرهان فينسلخ عن القرينية.
وبرهانه: أننا إذا لاحظنا أيّ واحد من المخصّصين فنقول: إنه يكون قرينة جمعاً مع الآخر أو بدلاً عنه. أما الجمع فغير معقول؛ لأنه يوجب إلغاء العامّ والملغي لا يكون قرينة على الملغى، قرينية الخاصّ جمعاً خُلف. وأما كونه قرينة بدلاً عن الآخر فهو ترجيح بلا مرجّح، إذن فقد تمّ ملاك وقوع التعارض بين المجموع.
وبهذا اختلف هذا الفرض عن الفرض السابق في الصورة الثانية التي ناقشنا فيه السيّد الأستاذ، وهي ما إذا كان هناك عامّان من وجه وورد مخصّصان يُخرجان مادّتي الاجتماع منهما، حيث ذهب السيّد الأستاذ إلى أن التعارض رباعي وذهبنا إلى أن التعارض بين العامّين فقط. فإن الأمر الأوّل من ملاك التعارض وإن كان موجوداً في كِلتا المسألتين ولكنّ الأمر الثاني غير موجود في تلك المسالة، حيث كانت قرينية الخاصّين ممكنة بخلافه في المقام(1).
ــــــــــ[261]ــــــــــ
() أقول: ولم يتعرّض السيّد إلى مسألة انقلاب النسبة في هذا الفرض. ومن الواضح عدم جريانه لأمرين:
الأوّل: أن البدء بالتخصيص في أحد المخصّصين دون الآخر ترجيح بلا مرجّح وجزاف محض، على ما سبق أن عبّر به السيّد في بعض الصور السابقة، وسيعبِّر به في الشقّ الآتي.
الثاني: أنه مع الغض ّعن المناقشة الأولى وتخصيص العامّ بأحد المخصّصين، فإن الباقي من العامّ سيكون معارضاً بالتساوي مع الخاصّ الآخر ولا يكون أحدهما قرينة على الآخر كما هو المطلوب في انقلاب النسبة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
كما لو قال: (يجب إكرام العراقي العادل ويجب إكرام العراقي العالم). وكلّ واحد نسبته إلى العامّ هي العموم المطلق، فتارةً نفرض أنهما وردا في وقت واحد، وأخرى نفرض أنهما وردا في وقتين متعاقبين بأن ورد أحدهما عن الإمام الباقر والآخر عن الصادق.
الفرض الأوّل: أن يرد المخصّصان في وقت واحد
فإن وردا في وقت واحد فمقتضى القاعدة تخصيص العامّ بكِلا الخاصّين؛ لأن كُلّاً منهما يكون قرينة على العامّ، ولا مانع من إعمال القرينتين بعد فرض أنهما لا يستوعبان العامّ.
وهذا الفرض يختلف عن الفرض السابق في نكتة وحاصلها: أن انقلاب النسبة هناك بديهي البطلان؛ باعتبار أننا حتى لو خصّصنا بأحد المخصّصين وأخرجنا (زيداً) أيضاً، يبقى العموم المطلق، فسواء لاحظنا العامّ قبل التخصيص بالمخصّص الآخر أو بعده، فإن النسبة على أيّ حال هي العموم المطلق. وأما في هذا الشق فالعامّ لو لاحظناه قبل التخصيص فالنسبة هي العموم المطلق، وإن لاحظناه بعد التخصيص تكون النسبة هي العموم من وجه؛ لأن (العراقي الجاهل) قد يكون عادلاً وقد لا يكون، كما أن (العراقي الفاسق) قد يكون عالماً وقد لا يكون. فقد يتخيّل ولو تصوّراً أنه تنقلب النسبة على هذا النحو، إلّا أنه غير صحيح؛ لأن نسبة الخاصّين إلى العامّ على حدّ واحد، فملاحظة هذا المخصّص مع العامّ قبل التخصيص وملاحظة ذلك
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الخاصّ مع العامّ بعد التخصيص جزاف محض، بل لا بُدّ أن يلحظ الخاصّان مع العامّ في رتبة واحدة، فيرى أن كلّ واحد أخصّ من الآخر فيقدّم عليه.
ومثل هذا الجزاف جزاف آخر وهو أن المخصّصين اللذين يكون بينهما عموم من وجه يتّفقان على إخراج مادّة الاجتماع وهو (العالم العادل)، فنحن لا نعمل جزافاً وإنما نخرج ذلك ببركة كِلا المخصّصين عن العامّ.
ثُمّ نلحظ العامّ بعد خروج مادّة الاجتماع منه مع كلّ واحد من المخصّصين، فتكون النسبة مع كلّ واحد هي العموم من وجه، فتنقلب النسبة ويقع التعارض، وهذا التصور أقلّ سخفاً من التصوّر الأوّل بلحاظ إعمال كِلا المخصّصين بلا جزاف من ذاك القبيل.
لكنّه أيضاً جزاف؛ لأنه تمييز بين مادّة الاجتماع ومادّة الافتراق بلا موجب؛ لأن كلّ واحد من المخصّصين قرينة بلحاظ مادّة الاجتماع يعيّن قرينيته بلحاظ مادّة الافتراق، فإن قرينتيه فيهما على حدّ واحد، فالأخذ بهذه القرينة بلحاظ مادّة الاجتماع ثُمّ في مادّة الافتراق جزافي. بل لا بُدّ من إعمال القرينية في تمام مدلول القرينة في عرض واحد. إذن فالمتعيّن إجراء كلِا المخصّصين ولا تنقلب النسبة(1).
الفرض الثاني: أن يرد المخصّصان في وقتين متعاقبين
الفرض الثاني: أن يأتي المخصّصان اللذان بينهما نسبة العموم من وجه متعاقبة، فيرد في السنة الأولى (اكرام العراقي) ويرد في السنة الثانية: (يجب
ــــــــــ[263]ــــــــــ
() تعطل الدرس في يوم الاثنين لحضور تشييع جنازة المرحوم السيد هادي الحكيم الخطيب المشهور. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إكرام العادل العراقي) وفي الثالثة (يجب إكرام العالم العراقي).
وإنما ميّزنا هذا الفرض -بالرغم من أن مقتضى القاعدة فيه هو نفس ما قلناه في الفرض الأوّل-؛ لأجل أن السيّد الأستاذ أثار شبهة لانقلاب النسبة وتصدّى للجواب عليها.
شبهة وجوابها
وحاصل الشبهة: أن العامّ ورد عليه أوّلاً مخصّص واحد وهو (يجب إكرام العالم العراقي) فأخرج (العالم) من عموم العراقي، ومقتضى التخصيص سقوط حجّيته في (العالم للعراقي) وبقاء حجّيته في الجاهل. فإذا جاء مخصّص آخر يقول: (أكرم العادل العراقي) فهل يقع طرفاً للمعارضة مع العامّ بعرضه العريض؟ أو بعد أن سقطت حجّيته في العالم ولاحظنا نسبته إلى العامّ بمقدار ما بقيت له من الحجّية، لكانت النسبة بينهما هي العموم من وجه. فإن النسبة بين غير العالم وبين العادل هي ذلك.
حينئذٍ يقال: بأنه يتعيّن إيقاع المعارضة بينهما بناء على انقلاب النسبة؛ لأن معنى انقلاب النسبة أن المعارضة تقع في مقدار دوائر حجّية الأدلّة، لا بمقدار دوائر دلالتها ولو لم تكن حجّة. إذن فلا بُدّ أن نلحظ المخصّص الثاني مع العامّ بمقدار حجّيته لا بعرضه العريض، فيقع بينهما التعارض.
ثُمّ إن السيّد الأستاذ تصدّى للجواب، فقال ما صورته: أن هذين المخصّصين وإن بدا للناظر أن أحدهما متأخّر عن الآخر زماناً. لكن بحسب الحقيقة ليس متأخّراً، فإن كِلاهما ناظر إلى زمن التشريع وهو زمان النبوّة. فحين
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يقول الإمام: (يجب الوضوء) لا يعني أنه من الآن بل من أصل الشريعة فكلّ الأئمة ألسنة عن مطلب واحد وبلحاظ زمان واحد. فيتبيّن أن المخصّصين وإن وردا متتاليين ولكنّهما في زمان واحد. إذن فهما متعارضان ولا موجب لأن نخصّص العامّ بأحدهما دون الأخر، بل كِلاهما يخصّصه في عرض واحد.
والصحيح أنه لا أساس للجواب ولا للشبهة المجاب عنها. فهنا كلامان:
الكلام الأوّل: في أن جواب السيّد الأستاذ غير تامّ. فإنه عندنا مطلبان: أحدهما زمان المدلول للمخصّص، وثانيهما: زمان حجّية المخصص. والشبهة مبتنية على الثاني والجواب مبتنٍ على الأوّل.
توضيح ذلك: أن هناك إشكالاً في نفسه قد يورد على عكس مسألتنا هذه، وهو أن يرد المخصّص في السنة الأولى والعامّ في السنة الثانية. فالنسبة بين العامّ المتأخّر والخاصّ المتقدّم ليست هي العموم المطلق، بل هي العموم من وجه، يعني أننا لو لاحظنا المدلولين فالنسبة بينهما هي العموم من وجه. لو أن الخاصّ الوارد أوّلاً له إطلاق أزماني يقول: (لا تكرم فسّاق العلماء لا في السنة الأولى ولا في الثانية). والعامّ المتأخّر يقول: (يجب إكرام كلّ عالم سواء كان عادلاً أو لم يكن). فمحلّ الاجتماع هو فسّاق العلماء في السنة الثانية. ويفترق الخاصّ عن العامّ في حكم السنة الأولى ويفترق العامّ عن الخاصّ في عدول العلماء. إذن فلماذا لا نوقع المعارضة بينهما بنحو العموم من وجه؟
هنا ننقل جواب السيّد الأستاذ فيكون جواباً صحيحاً.
إذ يُقال: إن العامّ المتأخّر نظره إلى الزمان الأوّل أيضاً لا إلى خصوص الزمان الثاني، فإن نظر الدليلين معاً إلى ثبوت الحكم الشرعي من ابتداء الشريعة
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلى انتهائها، فلا معنى لأن يُقال: إن الخاصّ يشمل السنة الأولى دون الثانية، ومعه فلا بُدّ من التخصيص.
وأما في محلّ الكلام فالشبهة لم تنشأ من تخيّل أن مدلول المخصّص الثاني ثابت من حينه، ومدلول المخصّص الأوّل ثابت من حينه، والعامّ ثابت من حينه حتى يُقال: إن مدلولاتها ناظرة إلى تمام عمود الشريعة الزماني، بل نشأت من الاعتقاد بأن حجّية كلّ دليل تكون من حين صدوره، ومدلوله وإن كان ثابتاً من الأوّل إلّا أن حجّيته من حين صدوره أو وصوله، فحين صدر المخصّص الأوّل وجدت حجّيته وحكمت على العام، والمخصّص الثاني تحقّقت حجّيته من حين صدوره أيضاً. والتعارض مربوط بالحجّية فيقع التعارض بين العامّ بمقدار ما بقي له من الحجّية وبين الخاصّ. وحينئذٍ فلماذا لا نوقع المعارضة بينهما بنحو العموم من وجه؟ فلا يتمّ جواب السيّد الاستاذ.
الكلام الثاني: في حلّ هذه الشبهة: والتحقيق أن يُقال: إن العامّ الأوّل حين صدر منفصلاً عن الخاصّ انعقد له الظهور وأصبح موضوعاً للحجّية، فحصلت عندنا قضية شرعية موضوعها الظهور ومحمولها الحجّية. وببركة المخصّص تنثلم حجّية العامّ. لكن هنا نكتة واحدة، وهي: أن العامّ الذي كان حجّة في تمام مدلوله وسقط عن الحجّية في بعضه ببركة المخصّص الأوّل، هل سقوطه آني بحيث لا يكون قابلاً للعودة؟ أو هو يحتاج إلى أن نحسب حساب كلّ زمان بحياله؟ الصحيح هو الثاني، بمعنى أن مقتضى القاعدة هو أن العامّ حجّة في كلّ زمان وحجّيته مقيّدة بعدم مجيء حجّة أقوى. فإذا جاءت السنة الثانية وصدر المخصّص الأوّل، سقطت حجّيته بمقداره. وفي السنة الثالثة حين
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يصدر المخصّص الثاني لا بُدّ أن نحسب من جديد أن هذه الحجّة الأقوى هل بقيت على الحجّية أو لا، بحيث لم يحصل للمخصص الأوّل مخصّص أو معارض أو حاكم. فسقوط العامّ عن الحجّية بقاءً منوط ببقاء المخصّص على الحجّية، فلو سقط المخصّص عن الحجّية عاد العامّ إلى الحياة مرّة ثانية.
وبهذا يتّضح أنه حين يرد المخصّص الثاني لا ينبغي أن نحسب حسابه مع العامّ المفروغ عن تخصيصه بالمخصّص الأوّل؛ لأنه بلحاظ هذا الزمان يكون سقوطه عن الحجّية بالمخصّص الأوّل على حدّ سقوطه عن الحجّية بالمخصّص الثاني. فإن بقاء المخصّص الأوّل في عرض حدوث المخصّص الثاني، وهما يسقطان حصصاً عرضية من العامّ على حدّ واحد. فلا موجب لا نقلاب النسبة.
ولو كانت هذه الشبهة مستحكمة لكان اللّازم تأسيس فقه جديد، فلو ورد ثلاثة أدلّة متعارضة مترتّبة زماناً لكان اللّازم أن نقول: إن الدليلين الأوّلين تعارضا وتساقطا ونعمل بالثالث بلا معارض. وهذا لا يقول به أحد.
وعليه فلا فرق بين أن يكون المخصّصان واردين في زمان واحد أو في زمانين. هذا تمام الكلام في الشقّ الثاني من هذه الصورة.
مثل: (يستحب إكرام كلّ عراقي) و(لا يستحب إكرام الفاسق العراقي) و(لا يستحب إكرام المخالف العراقي). ويتلخّص الكلام في هذا الشقّ في أربع كلمات:
ــــــــــ[267]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الكلمة الأولى: لو فرض أن هذين المخصّصين متعارضين في أنفسهما، بأن كان لأحدهما مفهوم يدلّ على عدم خروج غيره، كما لوكان أحد المخصّصين: (لا يستحب إكرام الفاسق)، والآخر: (لا يستحب إكرام الفاسق إذا كان مخالفاً). فيدلّ على انتفاء هذا التخصيص فيما إذا لم يكن الفاسق مخالفاً. فيصبح أعمّ الخاصّين كخاصّهما، فإن مقتضى القاعدة أن نبدأ بأخصّ الخاصّين فنخصّص به أعمّهما، ونخصّص بأعمّ الخاصّين المخصّص العامّ. فينتج خروج خصوص الفاسق المخالف من تحت العامّ.
الكلمة الثانية: أن لا يوجد بين هذين المخصّصين تعارض، بحيث لا يكون الأخصّ نافياً ومخصّصاً للآخر، بأن كان كلّ منهما ناظراً إلى مفاده وغير ناظر إلى مفاد الآخر، كالمثال الأوّل. فهل يجوز بناء على انقلاب النسبة أن نخصّص العامّ بأخصّ الخاصّين فيخرج منه الفاسق المخالف، ثُمّ نلحظ نسبته إلى أعمّ الخاصّين فتكون هي العموم من وجه؟ هذا لا يجوز حتى بناء على القول بصحة انقلاب النسبة، إذ لا موجب لإعمال قرينة أخصّ الخاصّين في المرتبة السابقة على إعمال أعمّ الخاصّين؛ إذ في أيّ مرتبة نريد فيها أن نعمل ذلك يكون المقتضي لإعمال قرينية أعمّ الخاصّين موجود والمانع مفقود. فلا معنى لجعل إعمال الخاصّ الأعمّ في طول إعمال الخاصّ الأخصّ. إذن فلا بُدّ من إعمالهما في عرض واحد، ولو لوحظا مع العامّ في مرتبة واحدة، فيخصّص العامّ بهما معاً.
الكلمة الثالثة: لو فرض أن أخصّ الخاصّين كان متّصلاً بالعامّ وكان أعمّ
ــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الخاصّين منفصلاً. بأن قال المولى: (يستحب إكرام العراقي ولا يستحب إكرام المخالف)، وبعد زمان قال: (لا يستحب إكرام الفاسق العراقي)، فإنه تقع المعارضة بين العامّ والخاصّ المنفصل عنه بنحو العموم من وجه، وهذا المطلب غير موقوف على انقلاب النسبة. ونحن الذين لا نقول بها نقول به؛ لأن أخصّ الخاصّين حين اتّصل بالعامّ أوجب تضييق أصل ظهوره التصديقي وانحصاره في غير المخالفين. فيكون طرف المعارضة بلحاظ عالم الظهور هو العامّ المخصَّص، فتكون النسبة هي العموم من وجه. ومعه فلا يلحظ الطرفان بما هما حجّة، كما بقول صاحب انقلاب النسبة، بل باعتبار ظهورهما التصديقيين أساساً.
نعم، هنا شبهة لا بُدّ من التعرّض لها وحاصلها: أنه قد يُقال: إن القاعدة التي أعطاها الميرزا وهي: أن كلّ شيء يكون على تقدير اتّصاله رافعاً لأصل الظهور يكون على تقدير انفصاله رافعاً للحجّية، تقتضي جعل الخاصّ المنفصل مخصّصاً لا معارضاً. فإن الخاصّين معاً إذا اتّصلا بالعامّ بأن قال: (يستحب إكرام العراقي، ولا يستحب إكرام المخالف، ولا يستحب إكرام الفاسق العراقي) لقلنا: إن كِلا المخصّصين قرينة على تخصيص العامّ، لا أننا نخصّص العامّ بأخصّ الخاصّين، ثُمّ نوقع المعارضة بينه وبين الخاصّ الآخر؛ لأن هذين الخاصّين المتّصلين بالعامّ على حدّ واحد وفي عرض واحد. وهذا معناه أن أعمّ الخاصّين على فرض اتّصاله بالعامّ المخصّص يخصّصه ويهدم ظهوره، فيكون مقتضى القاعدة الميرزائية أنه على فرض انفصاله يكون هادماً لحجّية العامّ، إذن فمقتضى القاعدة جعل أعمّ الخاصّين المنفصل قرينة لا معارضاً.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وأما حلّ الشبهة: فهو أن هذه القاعدة الميرزائية صحيحة، لكنّها إنما تطبّق في شيء يكون على فرض الاتّصال والانفصال طرف معارضته ظهور واحد. وأما إذا فرضنا أن هذا الكلام على فرض اتّصاله يكون طرفاً للمعارضة مع (أ)، ومع انفصاله يكون طرفا للمعارضة مع (ب)، فلا يأتي هذا الكلام، فإنه على فرض انفصاله لا يعارض مع (أ) ليهدم حجّيته.
ففي المقام لو كانت الأدلّة الثلاثة متّصلة لكان طرف المعارضة هو الظهور العمومي بعرضه العريض، لا هذا الظهور بعد انثلامه بأخصّ الخاصّين؛ لان نسبتهما إلى العامّ في هذا المقام على حدّ واحد. فلا معنى لأن نلحظ المخصّص الثاني مع العامّ بعد تخصيصه بالأوّل. وأما إذا اتّصل أخصّ الخاصّين وانفصل أعمّهما، فقد انعقد ظهور تصديقي للعامّ المخصّص بأنه (يستحب إكرام العراقي غير المخالف). فحين يجئ الخاصّ المنفصل الآخر: (لا يستحب إكرام الفاسق العراقي)، لا يكون طرف المعارضة هو الظهور العمومي بعرضه العريض؛ لأنه لا وجود له لانهدامه بالقرينة المتّصلة، وكيف تقع المعارضة مع شيء لا وجود له. فتكون النسبة بين الخاصّ والمنفصل والعامّ المخصّص بالمتّصل هي العموم من وجه. وهذا معنى أن الخاصّ على فرض اتّصاله يكون معارضاً مع شيء، وعلى فرض انفصاله يكون معارضاً مع شيء آخر. ومعه فلا تنطبق قاعدة الميرزا. فإنها لا تنطبق إلّا مع وحدة الظهور الذي يقع طرفاً للمعارضة.
وبذلك تمّت الكلمة الثالثة.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الكلمة الرابعة: أنه ظهر من الكلمة الثالثة أن العامّ لو كان قد اتّصل به أخصّ الخاصّين فإنه يتضيّق ظهوره من أوّل الأمر، فتكون النسبة بينه وبين أعمّ الخاصّين هي العموم من وجه. وهو أمر ثابت سواء قلنا بانقلاب النسبة أو لم نقل.
وهنا نزيد فرضية جديدة وهو وجود عامّ آخر لم يتّصل به مخصّص. فيوجد عندنا أربعة أدلّة:
الأوّل: (يستحب إكرام كلّ عراقي).
الثاني والثالث: (يستحب إكرام كلّ عراقي ولا يستحب إكرام الشمالي).
الرابع: (لا يستحب إكرام المخالفين العراقيين).
فهل يقع العامّ الأوّل طرفاً للمعارضة مع أعمّ الخاصّين، أو يكون مرجعاً بعد تساقط الخاصين؟
اختار الميرزا أن أعمّ الخاصّين يعارض كِلا العامّين، ولا يكون مخصّصاً للعامّ الأوّل؛ لأن أعمّ الخاصّين لو لوحظت نسبته إلى العامّ فهي وإن كانت العموم المطلق، ولكن حيث إن أعمّ الخاصّين ابتلي بالمعارض. ومن المعلوم أن الخاصّ إذا ابتلى بالمعارض لا يكون مخصّصاً.
وهذا غير صحيح، وذلك: لأن الخاصّ وإن كان لا يكون مخصّصاً للعامّ الأوّل في مادّة تعارضه مع العامّ الثاني، إلّا أنه ليس معناه أنه يكون معارضاً بحيث يكون موجباً لسقوط الجميع بالمعارضة. بل الصحيح أن أعمّ الخاصّين يتعارض مع العامّ الثاني فقط ويكون العامّ الثاني مرجعاً بعد ذلك.
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وبرهان ذلك: أن حجّية العامّ الأوّل موقوفة على عدم القرينة، أي على سقوط أعمّ الخاصّين؛ إذ لو كان حجّة لكان قرينة عليه. فحجّية العامّ الأوّل موقوفة على عدم حجّية أعمّ الخاصّين، أي على سقوط أعمّ الخاصّين. إذن فحجّية العامّ الأوّل في طول سقوط أعمّ الخاصّين، فكيف يعقل أن يكون طرفاً للمعارضة معه بحيث يكون من مبادئ سقوطه. فلا بُدّ من إيقاع المعارضة في المرتبة الأولى مع العامّ الثاني، ثُمّ يرجع بعد التساقط إلى العامّ الأوّل. ويستحيل أن يكون أعمّ الخاصّين مخصّصاً ولا معارضاً؛ أما المخصّصية فلأنها فرع حجّيته في نفسه مع أنه مبتلى بالمعارض في مادّة الاجتماع. وأما المعارضة فلما قلناه. فإذا بطل كونه مخصّصاً ومعارضاً فيكون مرجعاً بعد التساقط.
وبهذا انتهى المقام الثالث من مقامات انقلاب النسبة.
إننا -الذين لا نقول بانقلاب النسبة- ماذا نصنع في الموارد التي قيل بها؟
فلو ورد عامّان متباينان ومخصّص لأحدهما، فقال: (يستحب إكرام العراقيين) ولا (يستحب إكرام العراقيين) و(لا يستحب إكرام الشمالي من العراقيين). يقول الميرزا: إنه يخصّص دليل الاستحباب فيختصّ بالجنوبي فيصبح أخصّ مطلقاً من العامّ المقابل له فيخصّصه. ونحن لم نقبل ذلك فماذا نصنع؟!.
تحقيق الحال في ذلك: أن العامّ الذي ابتلي بالتخصيص فيه أربعة احتمالات، فإنه مضافاً إلى العموم فيه سند وجهة. بمعنى أنه هل صدر أو لا؟
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهل صدر بداعي الجدّ أو لا؟ فإما أن نفرض كِليهما ظنّي ونحتاج إلى دليل الحجّية، أو كِليهما قطعي، أو أحدهما قطعي والآخر ظنّي. فالصور أربع.
الصورة الأولى: أن يكون العامّ المخصّص غير قطعي سنداً ولا جهةً، وإنما يثبت بدليل الحجّية، فهنا لا بُدّ من إيقاع المعارضة بينه وبين العامّ الآخر، خلافاً لأصحاب انقلاب النسبة؛ إذ يجعلون دليل الاستحباب بعد تخصيصه قرينة على العامّ الآخر. وبعد التعارض فإن كان العامّ الآخر قطعي السند قدّم العامّ الآخر على دليل الاستحباب في مورد التعارض وهو (غير الشمالي)، وإن فرض كون الآخر غير قطعي السند فيتعارضان ويتساقطان في مادّة التعارض، ولا يكون أحدهما قرينة على الآخر.
الصورة الثانية: أن يكون العامّ المخصّص قطعي الصدور والجهة معاً. فيكون لهذا العامّ -بحسب الحقيقة- مدلولان: الأوّل: ظهوره في العموم بنحو الموجبة الكلّية، والآخر: ظهوره في ثبوت القضية المهملة، وهو ثبوت استحبابٍ ما على إكرام بعض العراقيين، وهذا قطعي بقطعية الصدور والجهة. وبعد ضمّ المخصّص إليه تثبت هذه القضية المهملة في غير الشماليين، فمن مجموع الدليلين تتحصّل لنا قضية مهملة تقول: (يستحب إكرام عراقيين ليسوا شماليين). وهذا المدلول أخصّ مطلقاً من العامّ الثاني الذي يقول: (لا يستحب إكرام أيّ عراقي سواء كان شمالياً أو لم يكن)، فتكون مخصّصة له بمقدارها حدودها.
وهذا معناه أن العامّ الأوّل بلحاظ دلالته الأولى يقع طرفاً للمعارضة مع العامّ الثاني، ولكن بلحاظ الدلالة الثانية يكون مخصّصاً له. وهذا مطلب ثابت
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بقطع النظر عن انقلاب النسبة. فإن صاحب انقلاب النسبة يريد جعل الدلالة الأولى بعد التخصيص قرينة، ونحن نجعل القرينة دلالة عقلية بلا توسيط الظهورات(1).
ــــــــــ[274]ــــــــــ
() قلت له: إن هذا هو ما ادّعاه صاحب انقلاب النسبة وهو قرينية المجموع
فقال: إذا كانت أصالة الجهة ظنّية –كما في الصورة الأولى- تسقط كلِا الدلالتين ولا يمكن التخصيص. وأما إذا كانت قطعية، فلا سبيل إلى إسقاطها فتكون مخصّصة.
فإن قيل: فإن الدلالة على القضية المهملة أخصّ من الدلالة على الموجبة الكلّية، فلا بُدّ من تقديمها ولو كانت الحجّية ظنّية ولا يتوقّف على كونها قطعية.
قلنا: كلّا. فإن الدلالة على القضية المهملة دلالة تحليلية لا يقبلها العرف بحيالها، ما لم تثبت بالقطع فتتعيّن.
وقد يقال: بأننا إذا أوقعنا المعارضة بين العامّ المخصّص والعامّ الآخر سقط العامّ الآخر، فما معنى تخصيصه بالقضية المهملة بعد ذلك؟
وقد يقال في جوابه: إن العامّ الثاني لم يسقط بالمعارضة، بل بالتخصيص.
فإن قيل: فعلى ذلك تبقى الدلالة الأولى للعامّ المخصّص موجودة.
قلنا: نعم.
فإن قيل: إنه لا تصل النوبة إلى دلالته على القضيّة المهملة إلّا بعد سقوط الدلالة الأولى على الموجبة الكلّية بالمعارضة.
قلنا: كلّا، فإن القضية المهملة ثابتة، وبها يكون التخصيص، سواء كانت الموجبة الكلّية ثابتة أو لا.
فإن قيل: فإن الموجبة الكلّية قضيّة تحليلية لا يقبل العرف استقلالها بالدلالة.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ــــــــــ[275]ــــــــــ
=قلنا: نعم، هذا في الظهورات، ولكنّنا لا ندّعي أنها قضية ظهورية، بل قضية عقلية، فالتخصيص يكون بالقطع بحسب الحقيقة لا بالطهور. ومعه يكون عدم توقّف القضية المهملة المقطوع بها على ارتفاع الموجبة الكلّية أوضح.
فإن قيل: فإن كونها عقلية منافياً لِما سيذكره السيّد في الصورة الثالثة، من ضمّ دليل حجّية السند إليها فيما إذا لم يكن قطعياً، ومن الواضح أن حجّية السند إنما تتمّم القضية اللفظية دون العقلية.
قلنا: فإن القضية اللفظية هي سبب القضية العقلية ومنشأ انتزاعها، ومعه يمكن تصحيحها بدليل حجّية السند.
أقول: هذا الجدل كان قائماً على أن سقوط العامّ الثاني يكون بالتخصيص لا بالمعارضة، كما أكّد عليه الإخوان الطلاب. إلّا أن الصحيح أنه لا تنافي بين المعارضة والتخصيص في المقام؛ لتعدّد المركز، ولا تأتي شبهة أن العامّ الثاني إذا سقط بالمعارضة فكيف تنتهي النوبة إلى التخصيص؟ وذاك: لأن المعارضة تقع بين المدلول الأوّل للعامّ المخصّص والمدلول الأوّل للعامّ الآخر -أي بين الموجبتين الكليتين-، فتتساقط. ولو كانت الجهة في كِلا العامّين ظنّية لسقطت أيضاً بالتعارض، إلّا أنها في العامّ المخصّص قطعية فلا تسقط. ومعه فلا موجب لسقوط القضية المهملة من العامّ الآخر أيضاً لعدم تنافي المهملتين.
وحينئذٍ فنخصّص القضية المهملة للعامّ المخصّص بغير الشماليين. ونخصّص بها بعد التخصيص العامّ الآخر الدالّ على القضية المهملة في الشماليين وغيرهم، فيختصّ بغيرهم أيضاً. فتتّفق الأدلّة الثلاثة على هذه النتيجة ويرتفع التعارض.
إذن فبعد التعارض والتساقط بين الموجبتين الكلّيتين يبقى مجال للتخصيص في حدود القضية المهملة. والشبهة كانت مبتنية على أن العامّ الثاني يسقط بكلّ مدلوله عند معارضته مع الموجبة الكلّية في العامّ المخصّص. وهذا ما لا موجب للالتزام به؛ لعدم= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصورة الثالثة: أن يكون السند ظنّياً وتكون الجهة قطعية، بأن يرد حديث بخبر الواحد عن النبيفنعلم بنحو القضية الشرطية: لو كان هذا العامّ قد صدر من النبي لكان هناك حكم بالاستحباب في الجملة، يعنى أن القضية المهملة تكون معلومة على تقدير الصدور. وحينئذٍ فدليل التعبّد بالصدور يكون كافياً لإثبات هذا المطلب. فإنه يحتاج إلى أثر في مقام العمل ليشمل الرواية. وهنا وإن لم يكن بلحاظ الدلالة الأولى على الموجبة الكلّية أثر باعتبارها ساقطة بالمعارضة، لكن بلحاظ الدلالة الثانية على القضية المهملة ينتهي إلى الأثر في مقام العمل. ومعه فلا بأس بالتعبّد بالصدور، فيتحقّق شرط القضية الشرطية، فتثبت القضية المهملة، وتكون مخصّصة لدليل الاستحباب(1).
الصورة الرابعة: أن يكون السند قطعياً والجهة غير قطعية. فإن فرضنا أن العامّ الثاني كان غير قطعي السند، فيقدم القطعي في مادّة التعارض. وإن كان قطعي السند فيتعارضان ويتساقطان في مادّة التعارض، ولا موجب لانقلاب النسبة.
ــــــــــ[276]ــــــــــ
=كون القضية المهملة طرفاً للمعارضة مع الموجبة الكلّية في الحقيقة. وإنما تتساقط الموجبتان الكلّيتان في العامّين وتنتهي النوبة إلى التخصيص في القضية المهملة فيهما. وهذا معنى ما قلناه أن مركز التساقط غير مركز التخصيص.
وهذ معنى قول السيّد: إن العامّ الأوّل بلحاظ دلالته الأولى يقع طرفاً للمعارضة مع العامّ الثاني ولكن بلحاظ الدلالة الثانية يكون مخصّصاً له، أي إنه يعارض الدلالة الأولى للعامّ الثاني ويخصّص دلالته الثانية. (المقرِّر).
() وقال جواباً على سؤال: إن المعارضة إنما تسري إلى السند فيما إذا لم يكن للمدلول أثر عملي، وهنا ينتهي إلى أثر عملي فلا تسري المعارضة إلى السند. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فنحن الذين أنكرنا انقلاب النسبة يظهر أثره في الصورة الأولى والرابعة، وجامعها ان تكون الجهة ظنية، فنقول فيها بالتعارض والتساقط وعدم القرينية، واما إذا كان كِلاهما قطعياً أو الجهة قطعية، فنحن ننتهي إلى نتيجة مقاربة إلى نتيجة انقلاب النسبة وإن لم تكن مبنيّة عليها.
انتهى مبحث انقلاب النسبة.
وبه انتهت المسألة الأولى في مبحث التعادل والتراجيح، وهو البحث في التعارض بلحاظ دليل الحجّية(1).
ــــــــــ[277]ــــــــــ
() ويبقى البحث في المسألة الثانية في التعارض بلحاظ الأخبار العلاجية بعد العطلة إن شاء الله تعالى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المسألة الثانية
في التعارض بلحاظ الأخبار العلاجية
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المسألة الثانية: في التعارض بلحاظ الأخبار العلاجية
المسألة الثانية في بحث التعادل والتراجيح في تعيين حال التعارض بين الخبرين المشمولين لدليل حجّية خبر الواحد في أنفسهما، لا بلحاظ الدليل الأوّل للحجية، كما كان في المسألة الأولى، بل بلحاظ الأخبار العلاجية التي قد يستفاد منها حكم لا بُدّ من النظر إليه؛ ليرى أنه هل هو على طبق القاعدة المستفادة من المسألة الأولى، أو على خلافها؟ فإن كان على طبقها فهو، وإلّا رفعنا اليد عن مقتضى القاعدة في المسألة الأولى، بمفاد الأخبار العلاجية في المسالة الثانية.
والكلام في هذه المسألة يقع في ثلاث جهات:
الأولى: في تحقيق حال أخبار التخيير التي استدلّ بها المشهور على ثبوته، لا بُدّ أن نرى أنها هل هي تامّة الدلالة والسند، فتكون حجّة في إثبات أصالة التخيير في مورد التعارض أو لا؟
الثانية: فيما يمكن أن يقع طرفاً للمعارضة مع أخبار التخيير، كأخبار التوقّف والاحتياط.
الثالثة: فيما يكون مخصّصاً لأخبار التخيير، وهي الأخبار التي استدلّ بها على ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى ببعض المزايا، بحيث لو تمّت لكانت مقيّدة لإطلاق أخبار التخيير، ثُمّ بعض التنبيهات بعد ذلك.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ما رواه الكليني في (الكافي)، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى والحسن بن محبوب جميعاً، عن سماعة، عن أبي عبد الله قال: “سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كِلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ فقال: يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه“.
والاستدلال يكون بالجملة الأخيرة وهي قوله: “في سعة حتى يلقاه“. حيث استفاد المشهور منها أنه مخيّر بين الأخذ بهذه الرواية أو تلك. فإن الإمام بيّن له أمرين: أحدهما: “يرجئه حتى يلقى من يخبره” ولعلّه كناية عن الإمام. والآخر: أن الوظيفة الفعلية فهي كونه موسعاً عليه بين الخبرين المتعارضين، فيستفاد منه التخيير بينهما.
السيد الأستاذ اعترض على الاستدلال بهذه الرواية، وقال: إنه لا يمكن أن يستفاد منها قاعدة عامة على خلاف القاعدة الأوّلية. وذلك بنكتة ورود هذه
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الرواية في مورد دوران الأمر بين المحذورين، لقوله: “أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه”. والتخيير في مثل ذلك على القاعدة، وعليه فلا يمكن أن يستفاد من هذه الرواية ما هو خلاف مقتضى القاعدة في نفسه، بمعنى استفادة حكم تعبّدي بالتخيير على خلاف مقتضى القاعدة الأوّلية.
وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه لعدّة وجوه، فإنه يرد عليه:
أوّلاً: من قال بأن الرواية واردة في مورد دوران الأمر بين المحذورين؟! فإن ذلك إنما يكون في مورد العلم بجنس الإلزام ويتردّد بين كونه وجوباً أو تحريماً، فيستقلّ العقل -مثلاً- بالتخيير. وتحقّق ذلك في الرواية أوّل الكلام: فإنه لا دليل على ثبوت أصل جنس الإلزام. فإنه إن فرض أن الراوي كان له علم إجمالي صدفة بصدق أحد الخبرين، فهو أمر يحتاج إلى قرينة، وإن فرض استفادة ذلك من نفس الرواية، من باب أن أحدهما حجّة على كلّ حال، فهذا هو القول بالتخيير، وقد فرغنا في المسألة السابقة من التساقط المطلق، فكيف يثبت جنس الالزام؟!
ثانياً: أنه لو فرض أن هناك علم إجمالي بأن أحد الخبرين كان صادقاً مع هذا لا يمكن تخريج الجواب على مقتضى القاعدة الأوّلية، بل يمكن أن يُقال: إن فيه تأسيس جديد يخرجنا عن القاعدة الأوّلية؛ لأن القاعدة الأوّلية تقتضي التساقط والرجوع إلى دليل آخر، فقد يكون الدليل الآخر معيّناً للوجوب وقد يكون معيّناً للحرمة، إذن فإطلاق التخيير في الجواب حتى لفرض وجود دليل فوقاني من عموم أو أصل لا يناسب القاعدة، بل مرجعه إلى أن الإمام
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يجعل الحجّية لأحد الخبرين، بحيث يكون حاكماً على الدليل السابق على ما فهم المشهور.
ثالثاً: أننا لو تنزّلنا عن ذلك، فإنه لا يتمّ ما أفاده أيضاً؛ لأن التخيير الذي يقول به المشهور ويراد إثباته بهذه الرواية هو أحد معنيين: إما التخيير في المسألة الأصولية وهو التخيير في تعيين الحجّة من الخبرين، أو التخيير في المسألة الفقهية بمعنى أن المكلّف يجوز له أن يطبّق عمله على هذا الخبر وعلى ذاك الخبر متعبّداً به. وأما التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين، فليس هو شيئاً من ذينك التخييرين، أما فرقه عن المسألة الأصولية فواضح، فإنه في موارد دوران الأمر بين المحذورين لا يكون أحد الاحتمالين حجّة، وأما فرقه عن التخيير في المسألة الفقهية، فلأن معناه هناك أنه يجوز أن يطبّق المكلّف عمله على أحد الخبرين متعبّداً به ومجرّد دوران الأمر بين المحذورين لا يثبت ذلك.
وحينئذٍ فإن كان المستظهر من الرواية التخيير من القسم الثالث وهو العملي الصرف، فهو أجنبي عن المدّعى، وتكون الرواية قاصرة عن إثبات المطلوب. وإن فرض أن المستظهر من الرواية هو أحد النحوين الأوّلين، فتكون دالّة على تخيير لا تقتضيه القاعدة.
هذا تمام كلامنا مع السيّد الاستاذ.
وأما كلامنا مع المشهور فالإنصاف أن الرواية لا تكون دالّة على ما قرّره المشهور من التخيير بين الخبرين المتعارضين فيما هو محلّ الكلام: فإن الأمر
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بالإرجاء ظاهر بإرجاء اكتشاف الواقع وتبيّن حقيقة الحال، فكأنّه بيان لعدم وجوب الفحص عليه فوراً.
ثُمّ يقول بعد ذلك: ” فهو في سعة حتى يلقاه“، وفيه ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أن تكون هذه الجملة المتفرّعة على ما قبلها بـ(الفاء)، تأكيداً للجملة الأولى وتكراراً لمضمونها، يعنى لا يجب عليك الفحص فإنه ضيق على الفرد. فمعه تكون الرواية -بلسانها اللّفظي- ساكتة عن تشخيص الوظيفة العملية للمكلّف، وإنما تقول: (أنت في سعة عن الفحص حتى تلقاه). والإطلاق المقالي السكوتي للإمام يحمل على أن الوظيفة العملية بعد مجيء الخبرين هي نفسها الوظيفة العملية قبلهما، يعني أنه من ناحيتهما لم يحدث شيء؛ إذ لو كانت الوظيفة قد حدثت لكان عليه أن يبيّن، ومعه تكون الرواية أجنبية عن التخيير بالمعنى الذي يقول به المشهور. ويكون المرجع هو القواعد الأخرى.
الثاني: أن تكون جملة تأسيسية، فكأنّه يريد أن يقول: إنه في مقام تشخيص الواقع لا يلزم أن تبادر بالسؤال، بل إذا رأيت الإمام صدفة -عند ذهابك إلى المدينة- فيجب أن تبادر إلى السؤال، وإلّا فلا يلزم، ويكون في سعة من الناحية التي تطلب علاجها من الإمام، وهي تعيين الواقع. فهو قبل أن يرى الإمام في سعة من ناحية تعيين الواقع، فالضيق والسعة ملحوظان بالنسبة إلى تعيين الواقع، فهو قبل أن يرى الإمام يكون في سعة؛ لأن له أن يعيّن الواقع عن طريق أحد الخبرين، وبمجرّد رؤية الإمام لا بُدّ أن يعيّن الواقع بسؤاله.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وبناء عليه يثبت مدّعى المشهور وهو التخيير، ولعلّهم فهموا ذلك من الخبر.
لكن تأتي مناقشة وحاصلها: احتمال أن لا يكون مورد الرواية من الأحكام العملية، بل من الأمور الاعتقادية، كالجبر والاختيار والقضاء والقدر. بقرينة كلمة (الأخذ)، فإنها مناسبة مع الاعتقاديات وأما متعلّقات الأحكام فيؤتى بها لا أنها تؤخذ. والغالب في موارد دوران الأمر بين الوجوب والحرمة هو ذلك لا في الأمور العملية إلّا نادراً.
فإن قيل: فإن الحكم أيضاً مما يؤخذ.
قلنا: نعم، ولكن المراد به التعلّق بقرينة قوله: (يأمر)، فإن الأمر يتعلّق بالمتعلّق لا بالحكم.
فإن قيل: إن المراد من هذ الأمر: الأمر بالمعروف قبل الراوي الذي يروي الوجوب، فيكون آمراً بأخذ الوجوب.
قلنا: هذا خلاف الظاهر، فإن الظاهر صدور الأمر من الراوي بما هو راوٍ لا بما هو أمر بالمعروف.
ومعه يكون المراد من (الإرجاء) عدم الاعتقاد بالأمر حتى يلقاه، والمراد من (السعة) -بعد ارتكازية عدم التخيير بين الهدى والضلال – عدم الجزم بأحد الأمرين خلال المدّة.
وعلى أيّ حال فكلمة (الأخذ) إن لم تكن قرينة جزماً على ذلك فلا أقلّ من كونه موجباً للإجمال بحيث لا يمكن التمسّك بإطلاقه.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد مطلق السعة، بمعنى إطلاق العنان المساوق مع قاعدة البراءة، ونحوها. ومعه فمن الواضح أن هذا ليس هو مدّعى المشهور؛ لأن مرجعه هو التعارض والتساقط والرجوع إلى البراءة، وإنما مدّعاهم هو التخيير الأصولي والفقهي، فيكون مفادها أجنبياً عن المدّعى.
هذا حسابنا مع المشهور وبه تمّ الكلام في هذه الرواية(1).
*****
ما رواه الشيخ الطوسي، بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، قال: “قرأت في كتاب لعبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن: اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم: (صلِّها في المحمل)، وروى بعضهم: (لا تصلِّها إلّا على الأرض). فوقع: موسّع عليك بأية عملت“.
الاستدلال المشهوري يكون بجواب الإمام فإنه واضح في التخيير بالمعنى المطلوب، ولا يحتمل أن تكون (سعة) بمعنى الرجوع إلى أصالة البراءة؛ لأنها أضيفت إلى العمل، فهو تخيير بالعمل بأيّ من الخبرين. غاية الأمر أنه يقع الكلام أنه تخيير في المسألة الأصولية أو في المسألة الفقهية.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
() اندرجت مطالب هذه المحاضرة بما سبق ان ذكرناه. (المقرِّر).
(2) الوسائل كتاب القضاء. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلّا أن الصحيح في المقام: أنها لا تدلّ على التخيير لأمرين:
الأوّل: أن المستظهر من جواب الإمام أنه في مقام بيان الحكم الواقعي لا في مقام بيان الحكم الظاهري. وهذا لو تمّ لكانت الرواية أجنبية عن غرض المشهور؛ لأنه أفتى بالواقع، أي الرخصة والتخيير الواقعي، دون الظاهري. لكن لا بُد من إبراز نكتة هذا الاستظهار.
له نكتتان في الرواية:
النكتة الأولى: أن السائل لم يسأل عن روايتين متعارضتين بوجه كلّي، بل شخّص الروايتين، إذن فهو قد شخّص مادّة التعارض في هاتين الروايتين. ويحتمل -ابتداء- في سؤاله أمران:
أحدهما: أن يكون استيضاحاً عن واقع المطلب.
والآخر: أن يكون سؤالاً عن الوظيفة تجاه التعارض بين الخبرين، وأن الحكم الظاهري ما هو.
ولو كان السؤال كلّياً فإنه ينحصر أن يكون سؤالاً عن الحكم الظاهري؛ لأنه لم يذكر أمراً معيّناً حتى يطلب الجواب الواقعي عليه. وأما حين يسأل عن مطلب معيّن، فالاحتمالان وإن كانا موجودين، إلّا أن المستظهر عرفاً هو الأوّل، فإن الغرض النوعي للمكلّف هو اكتشاف الواقع، وإنما يتعلّق الغرض بالحكم الظاهري في طول الجهل بالحكم الواقعي وعدم إمكان الوصول إليه، فهذا يوجب انصراف السؤال إلى كونه مطابقاً للأغراض النوعية، للعقلاء، وهو الكشف عن الواقع. فينعقد له ظهور في أن السؤال عن الحكم الواقعي.
ــــــــــ[288]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وبمقتضى التطابق بين السؤال والجواب يتعيّن أن يكون جواباً عن الحكم الواقعي. فلا يكون دالّاً على التخيير الظاهري المطلوب.
التقريب الثاني(1): أن نستعين بظهور حال الإمام من حيث إن الأنسب بحال الإمام أن يتصدّى لبيان الواقع لا الظاهر. يعني أن ظهور حال الإمام أنه في مقام إيصال الشريعة يجعل الأنسب هو أن يرفع الإمام الشكّ ببيان الواقع لا أن يبيّن حكم الشكّ.
الجواب الثاني(2): أننا لو تنزّلنا وقلنا: إن الإمام ناظر إلى مقام الظاهر لا الواقع. إلّا أن قوله: “موسع عليك بأية عملت” من قال بأنه إفتاء بالحجّية التخييرية بين الخبرين، بل لعلّه إفتاء بحجّيتهما الجمعية.
توضيحه: أنه فرض وجود خبرين أحدهما يرخّص والآخر ينهى. وإذا مشينا على مشرب الميرزا والسيد الأستاذ، فإنهم قالوا بعدم دلالة الأوامر والنواهي بمدلولهما اللفظي على الإلزام، وإنما يستفاد ذلك من حكم العقل. ومعه لا يوجد أيّ تعارض بين المدلولين؛ لأن النهي لا يدلّ على أكثر من المنقصة بالنحو الذي نتصوّره في العبادات، ودليل الرخصة لا يدلّ على أكثر من عدم الإلزام. فلا يوجد تعارض بين الروايتين. نعم، يوجد تعارض بين رواية الرخصة وحكم العقل بالإلزام إلّا أنه من المعلوم أن حكمه معلّق على عدم
مجيء الترخيص من الشارع، وقد وجد الترخيص. إذن فلا تعارض بين ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) هذه هي النكتة الثانية في الأمر الأوّل.
(2) هذا هو الأمر الثاني.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الروايتين أصلاً ولو بدواً، بناء على مشرب الميرزا. ومعه يمكن أن يكون مقصود الإمام جعل الحجّية لهما في عرض واحد، وهو غير جعل الحجّية التخييرية، في موارد الروايتين المتعارضتين.
وبهذا يظهر أن هذه الرواية غير تامّة.
عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، في بعض مكاتباته للحجّة عن طريق الحسين بن روح: عن المصلّي إذا قام من التشهّد الأوّل للركعة الثالثة، هل يجب عليه أن يكبّر؟ فإن بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير ويجزيه أن يقول: بحول الله وقوّته أقوم وأقعد. (الجواب) “قال: إن فيه حديثين أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه تكبير. وأما الآخر فإنه روي: أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبّر ثُمّ جلس ثُمّ قام فليس عليه للقيام بعد القعود تكبير. وكذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى. وبأيّهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً“(2).
*****
نلاحظ في هذه الرواية أن الراوي لم يذكر فرضية روايتين متعارضتين، بل جاءت هذه الفرضية في جواب الإمام. فيجب أن نلاحظ هذين الحديثين اللّذين رواهما الإمام في أنفسهما ما هو حالهما حتى يرى مفاد كلامه بشأنهما.
ــــــــــ[290]ــــــــــ
() كتاب الغيبة ص 232 ط النجف. (المقرِّر).
(2) أقول: ورويت في الاحتجاج: ص304 ج2 بنصّها أيضاً. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهنا قد يقال ثلاثة أمور:
أوّلاً: إنهما في أنفسهما ليسا متعارضين أصلاً؛ لأن أحدهما يدلّ على الأمر والآخر يدلّ على الرخصة، فلو مشينا على مشرب مدرسة المحقّق النائيني، فلا يكون هناك أيّ تعارض بين الحديثين، فإنه لا تعارض بين الطلب والرخصة، وإنما التعارض بين الإلزام والرخصة، إلّا أن الإلزام ليس مفاداً للّفظ، بل ثابت بحكم العقل، وهو معلّق على عدم وجود المرخّص، فلا تعارض بين الحديثين. ومن هنا يكون كلام الإمام بشأنهما أجنبياً عن محلّ الكلام؛ لأن محلّه هو الخبران المتعارضان، لا ما إذا كانا من هذا القبيل، ولا يتصوّر التخيير بينهما بعد فرض عدم التعارض بينهما. وإنما يحمل على التخيير الواقعي.
ثانياً: إن التعارض وإن كان موجوداً في الجملة بينهما. ولكنّه بالنسبة إلى ما هو محلّ الكلام والسؤال وهو القيام بعد التشهد الأوّل، غير موجود. فإن هذا القيام مشمول للعامّ الوارد في الرواية الأولى وهي قوله: “إذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه تكبير“، وليس مشمولاً للخاصّ الوارد في الرواية الثانية وهي قوله: “إذا رفع راسه من السجدة الثانية فكبر ثُمّ جلس ثُمّ قام فليس عليه للقيام بعد القعود تكبير“. إذا استظهرنا أن الحديث الثاني ينتهي إلى هنا، وأن قوله: “وكذلك التشهد…” ليس جزءاً منه، بل هو كلام من صاحب الأمر. فإن الرواية الأولى تشمل القيام بعد التشهد بإطلاقها ولا تشمله الرواية الثانية؛ لأنها ناظرة إلى التحوّل من القعود إلى القيام لا من التشهد إلى القيام إلّا بإيضاح من الإمام . ومعه فلا بُدّ من التمسّك بالعامّ في مورد السؤال دون الخاصّ.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والإمام حين يتصدّى إلى تكميل الحديث الثاني، إنما يتصدّى لذلك باعتباره عالماً بحكم المسألة، فلا بُدّ أن يكون مقصوده من التخيير هو التخيير الواقعي. فتكون الرواية أجنبية عن علاج الخبرين المتعارضين. فإن التعارض بين كلام المعالج والحديث الأوّل لا بين الخبرين بأنفسهما(1).
ثالثاً: أن نقول: إن الحديثين متعارضان إما باعتبار أن الذيل جزء من الحديث الثاني، وإما لأنه تفسير للعبارة. فيقع تعارض بين الحديثين، إلّا أنه تعارض مقرون بالجمع العرفي لا من ناحية العامّ والخاصّ فقط، بل من ناحية الحكومة، فإن الخاصّ ناظر إلى العامّ وواضح أن لسانه لسان النظر إلى حكم مفروغ عنه، ويقول إنه غير ثابت في هذه الحالة، والجمع العرفي في باب الحكومة هو من أقوى أنحاء الجمع العرفي. فلو استفدنا منها الحكومة وانحصر الأمر بالتخيير الظاهري(2)، فلا بُدّ من طرح الرواية؛ لأن العمل بها في موردها
ــــــــــ[292]ــــــــــ
() وهنا أجاب السيّد على عدّة أسئلة:
فقال أوّلاً: هذا الوجه صحيح، ولا أقلّ من الإجمال، وإن كان المستظهر أن يكون قوله “وكذلك التشهّد” من الإمام الحجّة.
وقال ثانياً: إن الإمام تصدّى لبيان واقع المطلب لا إلى تفسير العبارة، وإلّا فمن الواضح عدم شمولها له عرفاً.
وقال ثالثاً: مقتضى الصناعة في الحديثين أن التشهّد بما هو جلوس لا يستوجب التكبير وإن كان بما هو تشهّد يستوجبه، وهذا لا محذور فيه. انتهى. (المقرِّر).
(2) وكان عندنا دليل قطعي على عدم جواز العدول عن الجمع العرفي إلى غيره. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لا يمكن، وإسراءها من موردها إلى الموارد الأخرى أيضاً لا يمكن، وأما إذا لم يكن عندنا دليل قطعي على عدم جواز العدول عن الجمع العرفي إلى غيره، فهذا يكون من قبيل التخيير الواقعي لا التخيير الظاهري، لأمرين:
الأمر الأوّل: ظهور حال الإمام.
والأمر الثاني: ظهور حال الراوي بالنحو الذي أوضحناه في الرواية السابقة.
هذا إذا لم نقل إن الحديثين من مرويات نفس الإمام. وإلّا فهما حديثان قطعيان ويخرجان عن محلّ الكلام، فإن محلّه الأخبار الظنّية السند.
إلّا أن هذه الرواية غير تامّة السند؛ لوقوع: احمد بن إبراهيم النوبختي في سندها، وهو لم يذكر بتوثيق في كتب الرجال.
عن أبي عبد الله قال: “إذا سمعت من أصحابك الحديث، وكلّهم ثقة، فموسّع عليك حتى ترى القائم فترد إليه“.
استدلّ بها على التخيير؛ لأن الإمام أمر بالتوسعة المساوقة مع التخيير المدّعى.
وقد يعترض على ذلك -كما ذكر السيّد الأستاذ-: بأنها من أدلّة حجّية خبر الثقة، وليست من أخبار علاج التعارض بين الخبرين الموثوقين؛ لأنه لم يفرض فيها التعارض بين الروايات.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
() الوسائل كتاب القضاء. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلّا أنه لو سلّم انفهام عدم التعارض من هذا اللسان -بغضّ النظر عن قرينة سوف نشير إليها- إلّا أنه يكفي لإثبات المطلوب.
وتوضيح ذلك: أن الدليل على حجّية خبر الواحد:
تارةً: يكون لسانه لسان جعل الحجّية بعنوان كونه منجّزاً، أو بعنوان كونه علماً وكاشفاً عن الواقع، أو بعنوان الوجوب التعييني للعمل عليه. فحينئذٍ يستحيل شموله للخبرين المتعارضين؛ لأن شموله لأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، وشموله لهما غير معقول؛ لاستحالة تنجيز النقيضين أو كاشفيتهما أو وجوب العمل بهما. ولا يمكن أن يثبت بهذا اللّسان الحجّية التخييرية في مورد التعارض؛ لأنها بلا موجب بعد أن يكون لسانه لسان الحجّية التعيينية. فإن أمكن الالتزام بها، وإلّا فلا بُدّ من المصير إلى التساقط.
وإن كان لسانها لساناً يمكن شموله للمتعارضين، كما في قوله: “موسّع عليك“، أو لو قال: (يجوز لك أن تعمل بكلّ خبر ثقة عن الإمام).
حينئذٍ نقول: إنه يجوز العمل بأيّ من المتعارضين؛ إذ لا تنافي بين الجوازين وإن حصل التنافي بين الوجوبين. وهذا من قبيل حجّية قول المفتي لو كان دليلها قوله: (من كان من الفقهاء صائناً لدينه… فللعوام أن يقلّدوه). فإنها شاملة حتى لصورة التعارض؛ لأنه حكم للعوام لا عليهم. لإمكان اجتماع (له) مع (له) وإن لم يجتمع (عليه) مع (عليه). ومعه فلا يتمّ هذا الاعتراض.
كما أنه قد يستشكل ويقال: إنه لم يقل: (موسّع عليك بالعمل بأيّهما شئت).
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بل قال: “موسع عليك“، ولعلّ ذلك لأجل الرجوع إلى القاعدة بعد التساقط، فيكون مناسباً مع التساقط أيضاً فلا تكون دليلاً على التخيير.
إلّا أن هذه المناقشة أيضاً لا مجال لها: لأن القاعدة التي يرجع إليها بعد التساقط ليست مساوقة مع السعة، بل قد يكون فيها الضيق كأصالة الفساد واستصحاب الحرمة والعلم الاجمالي. فلو كان المراد الإرجاع إلى القاعدة الأوّلية لم يكن المناسب أن تكون بلسان: “موسع عليك“؛ لأنها لا تتناسب مع السعة في كثير من الموارد. فيصبح ذلك قرينة على أن السعة لوحظت بالنسبة إلى الأخبار والروايات.
ومما يدلّ على ذلك قوله: “وكلّهم ثقة“. فإنها ظاهرة بأن وثاقتهم لها دخل في المحمول وهو جعل هذه التوسعة، وإنما يكون ذلك فيما إذا كان المراد بها الحجّية التخييرية. وأما إذا كان المراد بها الرجوع إلى القاعدة، فيمكن الرجوع إليها وإن لم يكونوا ثقات.
وهذه النكتة يمكن أن تقرّب بتقريبين تكون بأحدهما قرينة على نفي المناقشة الثانية، وتكون بالآخر قرينة على نفي المناقشة الأولى؛ لأننا إن استفدنا منها الشرط الانحلالي يعني أن السعة في كلّ مورد مربوط بوثاقة رواية. فيصبح قرينة على دفع المناقشة الثانية؛ لأن التوسعة في كلّ حديث إنما تكون متوقّفة على الوثاقة في ذلك المورد بالخصوص إذا كان المراد بها الحجّية التخييرية. أما إذا أريد منها البراءة فهي ثابتة على أيّ حال، فيكون قرينة على أن المراد بها الحجّية التخييرية.
ــــــــــ[295]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وأما إذا أخذناه بنحو شرط الاجتماع، يعنى أنه يشترط في التوسعة اجتماعهم في الوثاقة. فهذا بنفسه قرينة على أن الفرض هو فرض التعارض، فيكون قرينة على نفي المناقشة الأولى؛ إذ لو كانت هذه الرواية من أدلّة حجّية خبر الثقة، فلماذا يشترط وثاقة الجميع؟! فجعل ذلك شرطاً يناسب فرض التعارض؛ لأنه لا يحصل إلّا بضمّ البعض إلى البعض. إذن فكِلا المناقشتين على خلاف الفهم العرفي.
ومعه فالرواية لا بأس بدلالتها على الحجّية التخييرية لو لا ضعف السند؛ لأن الطبرسي رواها مرسلاً في (الاحتجاج) عن ابن المغيرة.
عن الإمام الرضا . قال: “قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة. فقال: ما جاءك عنّا فقس على كتاب الله عزّ وجلّ وأحاديثنا. فإن كان يشبهها فهو منّا، وإن لم يكن يشبهها فليس منّا. قلت: يجيئنا الرجلان وكِلاهما ثقة بحديثين مختلفين، ولا نعلم أيّهما الحقّ. قال: فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت“.
وهي أحسن روايات الباب في الدلالة على المطلوب، لأنه لا يرد عليها شيء من المناقشات السابقة، إلّا أنها ساقطة سندا لأنها مرسلة الاحتجاج عن ابن الجهم فلا حجّية لها.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
() (الوسائل: القضاء). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لابن أبي جمهور الاحسائي، قال: رفعها العلّامة إلى الإمام بدون سند، وقالوا إنها لم توجد في كتب العلّامة:
زرارة، قال: “سألت أبا جعفر فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ. فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودعِ الشاذّ النادر. فقلت يا سيدي إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم. فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك -إلى أن يقول-قال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك الآخر. قلت: إنهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟ فقال. إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به ودعِ الآخر“.
استُدلّ بها على التخيير. وذكر السيّد الأستاذ أنها اجنبية عن المقام؛ لأن الرجوع إلى التخيير فُرض بعد فرض كونهما روايتين مشهورتين، يعنى شهرة روائية، والرواية المشهورة تكون قطعية الصدور. إذن فهو تخيير في القطعيين، وهو خارج عن محلّ الكلام.
إلّا أن ذلك مما لا يمكن المساعدة عليه، لأن الشهرة الموجودة في هذا الحديث، لا تكون مساوقة مع قطعية الحديث بقرينة أنه أمر بأخذ أوثقهما وأصدقهما، ولو كان السند قطعياً لَما كان إلى ذلك حاجة. فهذا قرينة على أن الشهرة يجب أن تفهم بمعنى لا يكون الخبر فيها قطعي الصدور.
نعم، لا يمكن للقائل بالتخيير الاستدلال بها، بل هي على خلاف
ــــــــــ[297]ــــــــــ
() فرائد الأصول، باب التعادل والتراجيح. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مقصوده أدلّ؛ لأنها علّقت التخيير على عدم إمكان الاحتياط، فإن أريد الاستدلال بها على أصل التخيير مع إلغاء الخصوصية فهو غير ممكن؛ لأنها نصّ بالاحتياط. وإن أريد الاستدلال بتمام مدلولها يكون ذلك معارضاً مع الروايات الأُخر؛ لأن موردها هو مورد إمكان الاحتياط.
وأما سندها فهي في غاية الضعف؛ لأنه لو صحّ نقل ابن أبي جمهور الاحسائي، فالعلّامة ذكرها مرفوعة، على أن نقله غير معلوم الصحّة. وبهذا نكون قد استوفينا كلّ الروايات، ولم يبق إلّا الضعيف السند وغير تامّ الدلالة مثل رواية الفقيه الرضوي ومرسلة الكليني، وقد ظهر الكلام فيهما مما قدّمناه. وبذلك ظهر أنه لا دليل على التخيير بين الروايتين المتعارضتين.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لو تمّت تلك في أنفسها. وهذه الاخبار نذكرها بأحد منظارين: فإننا لو قلنا بأخبار التخيير، نذكرها باعتبار كونها معارضة لها، ونتصدّى لعلاج التعارض. وإذا لم نقل بها -كما نحن عليه-، فهل تدلّ على خلاف القاعدة الأوّلية وهو التساقط أو لا؟ وهذه الأخبار على طوائف:
وهو لسان منافٍ لأخبار التخيير؛ لأنها تدلّ على وجوب أو جواز العمل بالمتعارضين ولو تخييراً، وهذه تدلّ على الإرشاد إلى سقوطهما. إلّا أن هذه الأخبار ليست منافية مع مقتضى القاعدة وهو التساقط بل مؤكّدة له.
منها(1): ما نقله ابن إدريس في (السرائر) نقلاً عن كتاب (مسائل الرجال) لمحمد بن على بن عيسى، بسنده إلى الإمام الكاظم: “وسألته عن العلم
ــــــــــ[299]ــــــــــ
() جامع الأحاديث. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك قد اختلف علينا فيه كيف العمل به على اختلافه، أو الردّ اليك فيما اختلف فيه؟ فكتب : ما علمتم أنه قولنا فالزموه وما لم تعلموه فردّوه إلينا“.
وهذا اللّسان وارد في عدّة روايات، إلّا أن ميزة هذه الرواية هي أن الروايات الأخرى وردت في طبيعي الخبر، وهذه وردت في المتعارضين. ففي تلك الروايات يمكن أن يُقال: إن أدلّة حجّية خبر الثقة تكون مخصّصة لها أو أنها معارضة معاً. وأما هذه الرواية فقد وردت في الأخبار المختلفة والمتعارضة.
فإن قيل: إن لفظ (ما) موصول له إطلاق وشامل لغير المتعارضين.
قلنا: كلّا، فإن المراد به الخبر الذي فرض في السؤال وهو خصوص الخبر المبتلى بالتعارض.
إلّا أن الصحيح انه بالإمكان أن يُقال: إنها مطلقة من حيث إن هذه الروايات واجدة لشرائط الحجّية في نفسها أوّلاً. ومعه تكون أخبار التخيير أخصّ مطلقاً منها؛ لأنها مختصّة بخصوص ما كان واجداً لشرائط الحجّية، فيمكن للقائلين بالتخيير أن يقيّدوها بها. أما بالنسبة إلينا فلا إشكال فيها؛ لأنها على طِبق القاعدة الأوّلية.
إلّا أنها غير تامّة السند؛ لأننا إذا لم نناقش في سند (السرائر) إلى صاحب كتاب (مسائل الرجال)، فلا أقلّ من أن صاحبه محمّد بن علي بن عيسى لم يثبت توثيقه.
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
منها: رواية أبي عمرو الكناني، قال: “قال أبو عبد الله : يا أبا عمرو أرأيت لو حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا، ثُمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك، أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيّهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما وأدعِ الآخر. فقال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبى الله إلّا أن يعبد سرّاً. أمَا والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم، وأبى الله عزّ وجلّ لنا ولكم في دينه إلّا التقية“.
ومنها: ما في (الكافي) بسنده عن الحسين بن المختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله، قال: “أرأيتك لو حدّثتك بحديث العامّ، ثُمّ جئتني مِن قابلٍ فحدّثتك بخلافه فبأيّهما كنت تأخذ؟ قال كنت آخذ بالأخير. فقال: رحمك الله“.
قد يتوهّم: أنهما -بما أنهما يدلّان على لزوم الأخذ بالأحدث من الروايتين المتعارضتين- إذا نسبناهما إلى مقتضى القاعدة الأوّلية فهي على خلافها، فتكون علاجاً تأسيسياً لا بُدّ من تحقيقه سنداً ودلالة. وأما إذا نسبناهما إلى أخبار التخيير، فهل هي معارضة معها أو لا؟!
الصحيح في تحقيق ذلك أن يقال: لا إشكال ولا ريب أنه يوجد عندنا حكم ظاهري بوجوب الأخذ بالأحدث -مثلاً-، ويوجد في أخبار التخيير
ــــــــــ[301]ــــــــــ
() هذا العنوان من المقرّر لا من السيد الأستاذ. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
-على فرض تماميتها- حكم ظاهري بالأخذ بأحدهما تخييراً. وهما حكمان ظاهريان في مرتبة واحدة؛ لأنهما يعالجان واقعة واحدة.
فإن بنينا -كما هو الصحيح- على أن الأحكام الظاهرية -كالأحكام الواقعية- متنافية بوجوداتها الواقعية وإن لم تصل. ففي المقام يلزم أن يقال بالتعارض بين الروايتين وأخبار التخيير؛ لأنها تقتضي الحجّية التعيينية للأحدث، فإذا عملنا بها لا يبقى إلّا مورد نادر جداً، كما لو صدر الحديثان من إمامين دفعة واحدة، كالحسن والحسين، هذا فرض نادر ملحق بالعدم ومعه يكون التعارض مستحكماً بينهما.
وأما إذا بنينا على المباني المشهورية، وهي أن الأحكام الظاهرية تكون متعارضة بوجوداتها الواصلة، فإنه يمكن أن يُقال: إنه لا تعارض بين الطائفتين. فإنه لا يلزم من العمل بأخبار الأحدث إلغاء أخبار التخيير؛ لأن الغالب في مورد صدور الروايتين من الإمام الواحد أن لا يعرف الأحدث إلّا بالنسبة إلى نفس المشافه. فمن الممكن أن يجعل حكم ظاهري بجعل الحجّية التخييرية، وإلى جانبه حكم ظاهري يجعل الحجّية للأحدث. ولكن الحجّية التخييرية لا تشمل بإطلاقه مورد العلم بالأحدث.
وإن شئتم قلتم: إن هاتين الروايتين تكونان منافيتين مع إطلاق أخبار التخيير لصورة العلم بما هو الأحدث، فيخرج منها ذلك، ويبقى تحتها صورة عدم العلم بما هو الأحدث وهو كثير، فيكون بابه باب التقييد مثلاً. والعلم بجعل الحجّية للأحدث -ولو إجمالاً- واقعاً لا يكون طرفاً للمعارضة بناء على
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المسلك المشهور، فلا بأس بالتمسّك بإطلاق أخبار التخيير حينئذٍ. فيكون قد اجتمع كِلا الحكمين الظاهريين في الواقع، لكن لا بأس بذلك ما لم يصلا بوصول منجّز.
وأما مفاد هاتين الروايتين:
أما من حيث السند: فهما ساقطتان:
أما أحدهما: فللإرسال عن بعض أصحابنا.
وأما الثانية: فهي وإن عبّر عنها السيّد الأستاذ بصحيحة الكناني، إلّا أنها غير تامّة سنداً؛ لأنه لم يثبت توثيق الكناني. نعم، نقل السيّد البروجردي عن (الوسائل) سنداً عن هاشم بن سالم عن الإمام الصادق، ولم أجدها في (الوسائل)، وهذا السند صحيح، إلّا أنه من المظنون أنه قد أُسقط منها (أبو عمرو) اشتباهاً؛ لأنه موجود في ضمن الرواية، حيث يقول: “يا أبا عمرو“. ولا أقلّ من التهافت.
وأما دلالتهما: فيرد على الاستدلال بهما على محلّ الكلام:
أوّلاً: أنهما خارجتان عن محلّ الكلام؛ لأنهما قد فرض فيهما الحديثان القطعيان، لأن موردهما السماع المباشر من الإمام. وما هو محلّ الكلام هو أخبار الآحاد. فليكن حكماً خاصّاً بالقطعيين.
وثانياً: أنه لو فرض شمول محلّ الكلام للقطعيين، فإن محلّ الكلام هو علاج التعارض بين الروايتين في الكشف عن الحكم الواقعي الأوّلي، وهاتان الروايتان لم تُساقا لتعيين الأخذ بالأحدث من ذلك، وإنما سيقتا لأجل بيان أن الأحدث فيه
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مزيّة تقتضي الأخذ به. وذلك: لأن للأحدث ظهورين بحسب التحليل:
أحدهما: الكشف عن الحكم الأوّلي الواقعي المشترك بين المسلمين.
ثانيهما: في تشخيص ما هو الوظيفة الفعلية للمكلّف السامع الجامع بين الواقعي الأوّلي والواقعي الثانوي التقيّتي.
ونحن إذا لاحظنا الظهور الأوّل في الأقدم والأحدث، فلا موجب لترجيح أحدهما على الآخر، ولم يبنِ الإمام تقديمهما من هذه الناحية. ولكن بنى على تقديم الأحدث بناء على الظهور الثاني الذي لا يقع طرفاً للمعارضة أصلاً. فإن الرواية الأولى ليس لها نظر إلى الوظيفة الفعلية للسامع. فهذا ليس من باب تقديم أحد المتعارضين بالأحدثية، بل من باب العمل بما ليس له معارض، فهذا هو المراد من الرواية.
والقرينة على ذلك عدّة أمور:
منها: أنه لو كان المراد تقديم الأحدث بلحاظ ظهوره الأوّلي لَما كان على خلاف أخبار التخيير فقط ولا قاعدة التساقط فقط، بل لقاعدة أقوى وأوضح عقلائياً من ذلك.
يقع الكلام فيها في أمور(1):
الأمر الأوّل: في سند هاتين الروايتين. وقد سبق الكلام فيه.
ــــــــــ[304]ــــــــــ
() عنون السيّد في هذه المحاضرة أخبار الأخذ بالأحدث مرّة ثانية، وقال إنه يقع الكلام فيها في أمور… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الأمر الثاني: في نسبتهما إلى أخبار التخيير وقد سبق أيضاً.
الأمر الثالث: بعد أن تحقّق التعارض بين الطائفتين، بناء على تنافي الأحكام الظاهرية وإن لم تصل. قد يقال بتعيّن تقديم أخبار التخيير على أخبار الأحدث؛ لأن بعض أخبار التخيير وردت عن الإمام الأخير.
وإن شئتم قلتم: إنه في الواقع إن كانت أخبار التخيير هي الصحيحة فلنعمل بها، وإن كانت أخبار الترجيح بالأحدث هي الثابتة فلنعمل بها أيضاً بأخذ الأحدث وهو أخبار التخيير، فتكون النتيجة مع أخبار التخيير على أيّ حال.
وهذا غير صحيح لأمرين:
الأوّل: أننا لو كنّا نعلم إجمالاً بصدور إحدى الطائفتين، فافرضوا أن هذا الكلام يصحّ -لو لا الإشكال الثاني-؛ لأننا نعلم حينئذٍ بصدور ما يثبت التخيير على أيّ حال. ولكنّنا لا نعلم بصدور أحدهما إجمالاً، والمفروض أنهما تعارضا سندياً. ففي مقام العمل بأخبار التخيير نحتاج إلى دليل يدلّ على حجّيتها وصدورها. فإن كان هذا الدليل هو دليل الحجّية الأوّلي فهو لا يشمل المتعارضين؛ لأن نسبة الطائفتين إليه على نحو واحد. وإن كان هو روايات الأحدثية، فننقل الكلام إليها في السؤال عن دليل حجّيتها، فإن كان هو دليل الحجية الأوّلي، فهو لا يشمل المتعارضين، وإن كان هو أخبار التخيير فقد رجعنا مرّة أخرى إلى أخبار التخيير التي نريد أن نثبت صحّتها.
الأمر الثاني: أن لأخبار الأخذ بالأحدث إطلاقين متنافيين:
أحدهما: إطلاقها لمورد الكلام من حيث كونه مقتضياً لتقديم أخبار التخيير.
ثانيهما: إطلاقها لسائر الموارد الفرعية فيما إذا تعارضا وكان أحدهما
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أحدث. وهذان الإطلاقان متنافيان، لا يمكن الأخذ بهما معاً؛ لأن الأخذ بالإطلاق الأوّل يقتضي إلغاء أخبار الأحدث في سائر الموارد.
ومعه يستبعد أن تكون الرواية صادرة لإثبات حصّة واحدة من الإطلاق، مع إلغاء سائر الموارد.
وبتعبير آخر: أن تكون صادرة لإلغاء نفسها في ثوب الأخذ بها(1).
ــــــــــ[306]ــــــــــ
() أقول: قد يستشكل في ذلك بوجهين:
الأوّل: ما ذكره بعض الإخوان من أن أخبار الأحدث يدور أمرها بين التخصّص والتخصيص، أي: إما أن تكون أخبار التخيير مقدّمة عليها ابتداء أو مقدّمة عليها لأنها أحدث. وكلّما دار أمر أحد المتعارضين كذلك كان الآخر المعارض له أولى بالتقديم.
الثاني: ما ذكره هذا الكاتب من أن المقتضي موجود والمانع مفقود بالنسبة إلى أخبار التخيير، أما المقتضي فهو دليل الحجّية الأوّلي. وأما عدم المانع فلأن المانع ليس هو إلّا التعارض، وهو فرع التنافي ولا تنافي فيكون التعارض مرتفعاً. والوجه في عدم التنافي هو أن الأخذ بأخبار التخيير –في واقعه- عمل بكِلا الطائفتين. أما بأخبار الأحدث فلأنها أحدث. وأما بأخبار التخيير فلأنها أحد طرفي التخيير. وذلك بخلاف العكس فإننا لو علمنا بأخبار الأحدث فقد ألغينا إحدى الطائفتين لا محالة. وكلّما دار الأمر كذلك يتعيّن الأخذ بالطائفة التي يرتفع معها التعارض، وهو أخبار التخيير في المقام.
فإن قيل: فإن هذا يستلزم إلغاء الإطلاق الثاني لأخبار التخيير.
قلنا: نعم، ولكن ينبغي غضّ النظر عنه بصفته جواباً مستقلّاً.
كما غضضنا النظر أساساً عن ضعف سند الروايتين. وعلى أيّ حال فالظاهر أن هذا الإشكال -في حدوده- صحيح، ولم يتحصّل لي عنه جواب شافٍ بالرغم من السؤال والمناقشة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الأمر الرابع: في دلالة الروايتين على تقديم الأحدث. لا إشكال أنه لو ثبت الأخذ بالأحدث لكان ذلك أمراً تعبّدياً لا يساعد عليه الفهم العرفي، بعد أن كان الخطابان ناظرين إلى زمان واحد، وصادرين من شخصين متماثلين في العصمة عن الخطأ. ومعه فيجب الاقتصار فيه على مورده.
ومن هنا يمكن أن يُقال: إنه لا يمكن الاستدلال بهما لعدّة وجوه:
أوّلاً: لأن موردهما الخبران القطعيان وهو خارج عن محلّ الكلام كما سبق.
ثانياً: أن موردهما كون هذا المكلّف بالأخذ بالأحدث معاصراً مع البيان الأحدث، بحيث يكون البيان مضارعاً له لا ماضياً. ومعه فلا بُدّ من الاقتصار على مورده ولا نعمّم لِما هو محلّ الكلام من كون كِلا البيانين ماضياً بالنسبة إلينا.
وهذا الأمر الثاني يرد على رواية ثالثة للمعلّى بن خنيس، قال: “قلت لابي عبد الله: إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم بأيّهما نأخذ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحيّ. فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله. قال: ثُمّ قال أبو عبد الله: إنّا والله لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم“.
فإنه قد يُقال: إنها ليس موردها الحديثين القطعيين، فلا يرد عليها الأمر الأوّل. ولكن يأتي عليها الأمر الثاني وخاصّة بعد أن قال: “حتى يبلغكم عن الحيّ“.
هذا كلّه فيما لو كانت الروايتان في مقام تقديم أحد المتعارضين على الآخر. ولكن الصحيح خلافه، والقرينة على ذلك عدّة أمور:
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
منها: أنه لو كان مقصود الإمام تقديم أحد المتعارضين على الآخر بملاك الأحدثية، فهو خلاف الارتكاز العرفي، وخلاف سياق الرواية من أنها بيان لأمر معقول مقبول عقلائياً.
ومنها: قوله : “أبى الله إلّا أن يعبد سرّاً. أمَا والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم، وأبى الله عزّ وجلّ لنا ولكم في دينه إلّا التقية“. فإنه واضح على أن المراد من تقديم الأحدث تقديمه ولو بلحاظ التقية لا بلحاظ كشفه عن الحكم الواقعي الأوّلى.
ومنها: أنه لو قطع النظر عن ذلك فهي تتكلّم عما إذا كان الصدور والظهور قطعياً، فإنه قال: “أرأيتك لو حدّثتك بحديث العامّ“. أو يقول: “أرأيت لو حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا…“. وإذا كان الصدور والظهور قطعياً وكانا متعارضين يتعيّن حمل ما وافق العامّة على التقية ويحدث قطع عرفي بذلك، فكيف يجعل ميزان آخر في مقابله وهو تقديم الأحدث؟!
هذا تمام الكلام فيما ينبغي الكلام فيه من هاتين الروايتين.
اتّضح مما ذكرناه بالأمس أن روايات الأخذ بالأحدث أجنبية عن إفادة التخيير بالمعنى المقصود. بل يكون سياقها سياق روايات أخرى وردت في الباب تحث على الأخذ بأحكام التقية، وتعتبر غير الآخذ بها آثماً. مثل رواية جعفر بن عبيدة، ورواية الخثعمي. وهو لسان سيّال عنهم. فلتكن روايات الأخذ بالأحدث منها.
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومن جملة ما يمكن جعله معارضاً مع أخبار التخيير هي مقبولة عمر بن حنظلة، فإنها بعد أن فرغت عن المرجّحات وفرضت التساوي فيها قال: “فأرجئه حتى تلقى إمامك “.
وهي لو تمّت دلالتها على المرجحات فإنها لا تكون معارضة مع أخبار التخيير، بل تكون مقيّدة لها بصورة عدم وجود هذه المرجّحات. ولكن ما فيها بعد فرض التساوي هو الأمر بالإرجاء، فقد يدّعى منافاته لأخبار التخيير، فتقع طرفاً للمعارضة معها، كما أنه ينافي قاعدة التساقط الأوّلية. أما منافاته مع التخيير، فلأن المراد بالتخيير جواز العمل بأحدهما وهو خلاف إرجاء المطلب. وأما منافاته مع قاعدة التساقط، فلأنها تقضي بالرجوع إلى القواعد الأوّلية، مع أن ظاهر الإرجاء هو التوقّف عن الفتوى إلى حين لقيا الإمام، فكأنّ القواعد الأوّلية قد جمّدت.
والكلام في هذه الرواية تارةً يقع في السند وأخرى في الدلالة.
أما سنداً: فعمر بن حنظلة لم يوثّق في كلماتهم. وعليه فلا بُدّ من الالتزام بعدم حجّية رواياته. نعم، لو بنينا على الطريق الذي أشرنا إليه مراراً وهو أن كلّ من يروي عنه أحد الثلاثة: صفوان، واحمد بن محمّد بن أبي نصر، ومحمد بن أبي عمير، يكون روايته عنه توثيقاً له. يمكن المصير حينئذٍ إلى توثيق عمر بن حنظلة؛ لأنه وإن لم يروِ عنه أحد الثلاثة إلّا أنه توجد رواية في توثيقه عن يزيد بن خليفة يسأل الإمام عن الخبر الذي يأتي به عمر بن حنظلة، فقال : “إذن لا يكذب علينا“. وليس معنى ذلك الشهادة بصدقه في خصوص هذا الكلام،
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بل ظاهره أنه ما دام الناقل هو عمر بن حنظلة فهو ثقة لا يكذب. فإن الظاهر توثيقه في حدود السؤال، ولم يذكر في السؤال إلّا شخصية الرواي، فحين يقول الإمامإنه لا يكذب، يكون ظاهراً في أن شخصية الرواي مقتضية بطبعها لنفي الكذب، وهو عبارة أخرى عن التوثيق.
ولكن الشأن في راوي هذا التوثيق وهو يزيد بن خليفة، وهو لم يذكر بتوثيق في كلماتهم. إلّا أنه روى عنه صفوان بطريق صحيح في (الكافي) في باب كفاية الصوم وفديته، فيثبت أن يزيداً ثقة فيثبت أن عمراً بن حنظلة ثقة أيضاً.
هذا تمام الكلام فيما أردنا التعرّض له في الجهة الثانية. وبهذا اتّضح أنه لا يتمّ أخبار التخيير ولا معارضها، ولم نخرج حتى الآن عن مقتضى القاعدة الأوّلية، وهو التساقط.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فيما يصلح أن يكون مقيّداً لأخبار التخيير في نفسها وهي أخبار التخيير، ونجعل محور هذه الروايات هي رواية الراوندي.
وهي ما رواه صاحب (الوسائل) عن سعيد بن هبة الله الراوندي، في رسالته التي ألّفها في أحوال أحاديث أصحابنا وإثبات صحّتها، عن محمّد وعلي ابني علي بن عبد الصمد، عن أبيهما، عن أبي البركات علي بن الحسين، عن أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله، قال: “قال الصادق : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه. فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فردّوه وما خالف أخبارهم فخذوه“.
ويقع الكلام في هذه الرواية ضمن ثلاثة أمور:
الأوّل: من حيث سندها.
الثاني: من حيث دلالتها.
الثالث: في مقايستها بالروايات الأخرى واحدة بعد الأخرى. فإن وجد
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فيها مقيّد قيّدناه أو مقيَّد قيّدناه أيضاً، وإن وجد فيها معارض نظرنا في نتيجته.
فإنه قد يستشكل في سندها هذا بعدّة إشكالات:
استبعاد نسبة هذا الكتاب: (رسالة في أحوال أحاديث أصحابنا وإثبات صحّتها) إلى سعيد بن هبة الله الراوندي، الذي هو من العلماء الأجلّة والمشايخ. ومعه لا يبقى هناك وثوق يعوّل به على نقل صاحب (الوسائل) الرواية عنه.
ولا منشأ لهذا الاستبعاد إلّا أن الذين ترجموا الراوندي من طلابه لم يشيروا إلى هذا الكتاب. وهما اثنان:
أحدهما: ابن شهراشوب في (معالم العلماء).
والآخر: منتجب الدين في فهرسته. وقد ذكر منتجب الدين الكثير من كتبه، ومع هذا لم يأتيا على ذكرها.
فكيف لم يطّلعا عليها واطّلع عليها صاحب (الوسائل) بعد هذا الزمان الطويل؟!
وهذه القرينة في نفسها شيء بالآخرة، ولكنّها لا توجب الوثوق، بخلاف ما نقله صاحب (الوسائل) بحيث يسقط خبره عن الحجّية. إذ لا استبعاد في أن يكون للرواندي بعض المؤلّفات لم تصل إلى هذين الشخصين، ووصلت إلى تلميذ ثالث تلقّاها صاحب (الوسائل) عنه. والحرّ العاملي في (أمل الآمل) بعد أن يذكر ترجمة الراوندي يقول: رأيت له قصص الأنبياء وثلاثة كتب. ولا يلزم في
ــــــــــ[312]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
شخص أن يكون كلّ كتبه معروفة لكلّ طلابه ولعلّه ألّفها بعد انفصالهم عنه.
خصوصاً أن ابن شهراشوب ليس في مقام الحصر(1) جزماً حيث ذكر له ثلاثة كتب، ومنتجب الدين ذكر له حوالي عشرة كتب. فلعلّ منتجب الدين أيضاً لم يكن في مقام الحصر، بل ذكر المهمّ منها وهذه رسالة لم تكن مهمّة حتى إنها ليس لها اسم، حتى قال صاحب (الوسائل) إنها رسالة في (رسالة في أحوال أحاديث أصحابنا…).
والتستري ذكر احتمال أن بعض ما ذكره صاحب (الوسائل) لقطب الدين الراوندي هي من كتب السيّد الراوندي المعاصر له، ولكنّه مدفوع إذا كان له سند صحيح إليها.
إنه ما هو طريق صاحب (الوسائل) إلى كتاب سعيد بن هبة الله الراوندي بعد أنه لم يعاصره؟ صاحب (الوسائل) في الفائدة السادسة من آخر (الوسائل) يعيّن طرقه إلى الكتب التي أخذ منها الروايات، ولا يعيّن طريقه إلى هذه الرسالة. فإنه يعيّن طريقه إلى (قصص الأنبياء) و(الخرايج والجرايح) للراوندي، ولا يذكر هذه الرسالة. فتسقط الرواية عن الحجّية، ولعلّه أهمّ الإشكالات.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
() بل يعلم بعدم تصدّيهم للحصر، فقد ذكر كلّ منهم ما لم يذكره الآخر من الكتب، وذكر المجلسي رسالة للراوندي سمّاها (رسالة الفقهاء)، وأظّن أنها نفس الرسالة التي ذكرها صاحب(الوسائل) باسم (رسالة في أحوال أحاديث أصحابنا). (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والمخلص ينحصر بالجمع بين كلمتين لصاحب (الوسائل) في الفائدة الخامسة. فإنه بيّن مجموعة من الكتب التي أخذ منها الروايات ولم يستقصِ كلّ الكتب، ثُمّ بيّن طرقه إلى أصحاب هذه الكتب مفصلّة ومنها طريقه إلى (الخرايج) و(قصص الأنبياء). حيث قال: “ونروي كتاب (الخرائج والجرائح) وكتاب (قصص الأنبياء) لسعيد بن هبة الله الراوندي بالإسناد السابق، عن العلّامة الحسن بن المطهّر، عن والده، عن الشيخ مهذب الدين الحسين بن ردة، عن القاضي أحمد بن علي بن عبد الجبار الطبرسي، عن سعيد بن هبة الله الراوندي”. وقال في آخر هذه الفائدة: “ونروي باقي الكتب بالطرق المشار إليها والطرق المذكورة عن مشايخنا وعلمائنا رضي الله تعالى عنهم جميعاً وجزاهم عنّا وعن الإسلام خيراً”.
فليس من البعيد أن نستظهر العهد من (اللام)، يعنى (الكتب التي أخذنا منها الروايات في كتابنا). ونعرف من (الكتاب) أنه نقل الروايات عن ثلاثة كتب للراوندي. فيضم العرف بمناسبات الحكم والموضوع أن هذا الطريق طريق أيضاً إلى ذلك الكتاب، فيسري حكم هذا السند إلى الكتاب الثالث ويندفع هذا الإشكال.
*****
ومما يؤيّد ذلك ويعزّزه طريق العلّامة إلى سعيد بن هبة الله الراوندي، في إجازته المعروفة لبني زهرة. فإنه ذكر أنه يروي جميع كتب الراوندي بسند هو عين سند صاحب (الوسائل) إلى (قصص الأنبياء) و(الخرايج). فهذا مما يعزّز أنه طريق واحد.
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إن هذه الرواية بناء على هذا الطريق، قد وصلت إلى الشيخ الحرّ عن طريق العلّامة ووالده وأمثاله من علمائنا، بينما لا نراها انعكست في كتب العلّامة كـ(التهذيب) في الأصول وكتب المحقّق كـ(المعتبر) و(المعارج). فإنه ليس فيها أيّ إشارة إلى هذه الرواية. فكيف يفرض أن صاحب (الوسائل) تبلغه الرواية عن طريقهم ثُمّ لا تروى في كتبهم. فهذا من القرائن التي تبعّد وجود هذا الكتاب في أيدي العلّامة والمحقّق.
إلّا أن هذا الإشكال قابل للذبّ، من حيث إن عدم وجدان الرواية في كتبهم لا يدلّ على أنهم لم يجدوها أصلاً. فإن العلّامة والمحقّق لم يذكرا أكثر روايات الباب. وإنما اقتصر المحقّق في (المعارج) على أن قال: إذا كان أحد الخبرين المتعارضين مخالفاً للكتاب دون الآخر قدّم على المخالف؛ لأن المخالف لو لم يكن معارضاً لم يكن حجّة، فكيف مع التعارض؟! وأما إذا كان أحدهما مخالفاً للعامّة فقد قال شيخنا أبو جعفر: أنه يقدّم عملاً منه بأخبار الآحاد، وإثبات المسألة العلمية بها، وهو غير صحيح. إذن فسكوتهم عن ذكر الرواية لا يدلّ على أنهم لم يطّلعوا عليها.
في الوسائط المتخلّلة بين الشيخ الراوندي والإمام، حيث ابتدأ السند بمحمد وعلي ابني علي بن عبد الصمد. فقد يُقال: إنه وقع خطأ في كلمة (علي) الثانية، وإنما هما محمّد وعلي ابنَي عبد الصمد. فإن محمّد وعلي ابني عبد الصمد
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
شخصان معروفان يعتبران من مشايخ بن شهراشوب وأساتذته. وقد وقعا في طرق صاحب (الوسائل)، بينما لم يقع محمّد وعلي ابني علي بن عبد الصمد في طرقه وطرق الإجازات المتعارفة. ومن البعيد أن الراوندي يروي عن محمّد وعلي ابني علي بن عبد الصمد، وهم أولاد من يروي عنه ابن شهراشوب، وهو بعيد؛ لأنه من الطبقة المتأخّرة عن الراوندي، وهو يروي عنه. فيحصل دخل في الوثوق بكلمة (علي) وأن هناك خطأ وقع في السند. وبناء عليه فمحمّد وعلي ابني عبد الصمد لا إشكال من وثاقتهما. إلّا أنه لا يعلم وقوعهما في هذا السند، فتسقط الرواية عن الحجّية.
إلّا أن هذا الإشكال مما لا يمكن تصوّره؛ لوضوح أن الراوندي إنما يروي عن محمّد وعلي ابني علي بن عبد الصمد، لا محمّد وعلي ابني عبد الصمد. وقد تكرّر في (قصص الأنبياء) ذلك على ما شهد به مؤلّف (رياض العلماء)، فإنه ينقل منه مقتطفات فيها هذا السند. وقد ذكر في ترجمته: (سعيد بن هبة الله الراوندي من شيوخه: محمّد وعلي ابني علي بن عبد الصمد).
الحرّ العاملي في (أمل الآمل) ترجم لعدّة أشخاص فقال: (محمّد بن علي بن عبد الصمد النيسابوري، فاضل جليل من مشايخ ابن شهراشوب.
علي بن عبد الصمد النيسابوري التميمي، فاضل عالم، يروي عنه ابن شهراشوب. محمّد بن عبد الصمد النيسابوري، عالم فاضل جليل القدر من مشايخ ابن شهراشوب.
علي بن علي بن عبد الصمد التميمي النيسابوري، فقيه ثقة، قرأ على والده وعلى ابن الشيخ الطوسي.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
علي بن عبد الصمد التميمي النيسابوري، فقيه ديّن ثقة، قرأ على الشيخ أبي جعفر، قاله منتجب الدين. والشيخ ابو الحسن علي بن عبد الصمد، فاضل عالم، يروي عنه ابن شهراشوب، ولا يبعد اتّحاده مع التميمي السبزواري السابق بل هو الأظهر).
والظاهر أن هذه الأسماء قد وقع فيها اختلاط، فلا بُدّ من توضيح سلسلتها.
فهناك علي بن عبد الصمد، جدّ الأسرة، فقيه جليل، شخّصنا أنه في طبقة الشيخ الطوسي والسيد المرتضى، وهو يروي عن الصدوق بواسطة واحدة فيما اطّلعنا عليه، ونقل عنه أنه يروي عنه بلا واسطة. له أولاد ثلاثة كلّهم علماء، هم: محمّد بن علي بن عبد الصمد، وعلي بن علي بن عبد الصمد، والحسين بن علي بن عبد الصمد. ومحمد وعلي منهما من مشايخ الراوندي.
ثُمّ إن هناك حفيد لعلي بن عبد الصمد اسمه عبد الصمد، لا ندري أنه ابن علي أو الحسين، أو ابن شخص آخر من أولاده. ولكنّه ليس ابن محمّد؛ لأنه يعبّر عنه ابنه أنه عمّ أبيه. وعبد الصمد هذا له ولدان أحدهما محمّد والآخر علي، وابن شهراشوب يروي عن هذين الحفيدين.
وقال ابن طاووس في (مهج الدعوات): قال علي بن عبد الصمد -وهو الذي يروي عنه ابن شهراشوب-: أخبرني جدّي -وهو أحد الأولاد الصلبيين لعلي بن عبد الصمد الجدّ-، قال: حدّثنا والدي الفقيه أبو الحسن -يعنى: علي بن عبد الصمد الذي يكنّى بذلك- قال: حدّثنا جماعة من أصحابنا منهم السيّد
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أبو البركات -وهو الذي وقع في طريق هذه الرواية- عن الصدوق). فهو يروي عن الصدوق بواسطة واحدة، كما هو الحال في هذه الرواية التي هي محلّ الكلام أيضاً.
وأما ما ذكره الشيخ الحرّ فالظاهر أنه اشتبه، حيث قال عن علي بن عبد الصمد: أنه من مشايخ ابن شهراشوب. وكأنّه وقع خلط بين علي بن عبد الصمد الحفيد والجدّ، مع أن الجدّ لا يمكن أن يكون من مشايخ ابن شهراشوب. وكذلك فيما قاله من أنه لا يبعد اتّحاده مع التميمي السابق. فإنه غير محتمل، غاية الأمر أن كِليهما يكنّى بأبي الحسن. واشتبه أيضاً في أن شيخ ابن شهراشوب هو علي بن علي بن عبد الصمد؛ لأني لم أجده إلّا في (أمل الآمل). فإن صحّ هذا فابن شهراشوب مشايخه هم الحفيدان محمّد وعلي ابنا عبد الصمد، وعلي بن علي بن عبد الصمد، فيكون الجدّ والحفيد شيخاً لابن شهراشوب وهو في غاية البعد.
وعلى أيّ حال فالرواية تكون واضحة السند واضحة الصحّة.
التشكيك في وثاقه واحد من هؤلاء الرواة الذين بين الراوندي والصدوق، وهو أبو البركات علي بن الحسين الخوزي. وعلى أساس أنه لم يشهد له بالوثاقة من علماء معاصرين له، كمنتجب الدين في فهرسته، وابن شهراشوب في معالمه. نعم، شهد صاحب(الوسائل) بوثاقته، إلّا أنه بعيد عنه فترة زمنية حوالي سبعمائة سنة، فلا يمكن التعويل على شهادته؛ لأن التعويل إنما يكون على الشهادة إذا كان هناك
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
احتمال الحسّ والاستناد إلى مدرك عرفي عقلائي. وأما إذا تعيّن أن الشهادة ضرب من الاجتهاد والحدس، فيسقط عن الحجّية. ولا يمكن أن يكون للشيخ الحرّ مدرك عقلائي، بل لا بُدّ أن يكون حدساً ناشئاً من أن أبا البركات وقع في أسناد بعض الكتب كـ(امالي الصدوق) فظنّ أنه من المشايخ الموثوقين. وهذا بخلاف الشيخ الطوسي بالنسبة إلى الرواة، فإنه لا يوجد مثل هذا الفاصل الزمني الكبير حتى بالنسبة إلى أبعد راوي كأصحاب أمير المؤمنين ، فإن الفاصل أربعة قرون فقط، فضلاً عما هو أقلّ وأقرب.
إلّا أن هذا مما لا يمكن المساعدة عليه: وذلك لأن المناط في احتمال الاستناد إلى مطلب عرفي -وهو المسمى بالحسّ في مقابل الحدس والتخمين- لا يتحكّم فيه فقط طول الزمان وقصره، بل كيفية هذا الزمان، فقد يكون الزمان قصيراً ولكنّه من حيث الكيفية لا يوجد فيه مدارك عرفية واضحة، وقد يكون طويلاً ولكن فيه مدارك واضحة، كالتسلسل النسبي لأسرة علوية معروفة قد يكون محفوظاً خلال مئات السنين منذ دخل النسب في عالم التدوين.
وحينئذٍ لو لاحظنا الأربعمائة سنة التي تفصل بين الشيخ الطوسي والرواة، والسبعمائة سنة التي تفصل بين صاحب(الوسائل) والعلماء الذين يشهد بوثاقتهم، نرى أنه لا فرق بين المطلبين بعد الالتفات إلى كيفية الزمانين. فإن زمان الشيخ الطوسي كان زماناً مجدباً من حيث التأليف، حتى لم ينقل فهرست لأصحابنا إلّا للبرقي. فمن هنا كانت معرفة الرجال في تمامية المحدودية والضآلة. ومع قلّة منافذ المعرفة يصبح احتمال وجود المدارك أبعد وأضيق.
وأما إذا نظرنا إلى العصر المنتهي بصاحب(الوسائل) نرى أن الزمان
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أطول، إلّا أنه في مقابل ذلك هناك سعة في المدارك وانتشارها واشتهارها في الكتب والإجازات والتعليقات والهوامش، التي يعلم منها وثاقة فلان وعدمها منذ دخل الفقه الشيعي في عالم التدوين الحسابي إلى زمان الشيخ الحرّ. فهذا يجعل هذه السبعمئة سنة لا تقلّ في احتمال الاستناد إلى مدارك عرفية من تلك الأربعمائة.
وقد وجدنا في (رياض العلماء) في ترجمة علي بن أبي طالب بن محمّد بن أبي طالب: (فاضل عالم محدّث فقيه)، ويظهر من ترجمته أنه متأخّر عن ابن شهراشوب. ويقول المؤلّف: في عدد من نسخ (عيون أخبار الرضا) إسناد يرجع إلى علي بن أبي طالب بن محمّد بن أبي طالب، يرويه بسنده إلى الواسطة التي قبل الصدوق. قال: (حدثنا الإمام الزاهد أبو البركات الخوزي عن الصدوق).
وأنا لا أريد بذلك أن أثبت وثاقته بذلك، وإنما أثبتها بشهادة الشيخ الحرّ، ولكنّي أريد أن أوضح أن انتشار المدارك وتوسّعها لا يبعد أن يصل إلى صاحب (الوسائل). فقد شهد صاحب (الوسائل) باعتبار ذلك، وإن لم يطّلع عليه منتجب الدين، وليس توفّره له فرض غير عادي. والتعبير بـ(الإمام) من أعلى أنحاء التوثيق، فإنه لا يوصف به إلّا أجلّة العلماء.
الجهة الثانية في دلالة هذه الرواية، لا إشكال أنها جعلت المرجّح الأوّل في موارد التعارض موافقة كتاب الله، فيؤخذ بالموافق ويطرح المخالف.
ــــــــــ[320]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهنا لا بُدّ من الالتفات إلى نكتة: وهي أنه فرض أن أحد الخبرين المتعارضين مخالف للكتاب والآخر موافق. ولكن مخالفة أحدهما لا يلزم منه موافقة الآخر، فقد يكون كذلك، كما لو وردت رواية تجيز بيع الصبي وأخرى تمنعه، فإن أحدهما موافقة للكتاب والأخرى مخالفة له. وثانية يفرض أن أحدهما مخالف والآخر ليس موافقاً. كما لو فرض أن إحدى الروايتين تدلّ على حكم حرجي فتكون مخالفاً للكتاب، ولكن القرآن لم يتعرّض لحكم الرواية المعارضة، وحينئذٍ يشكل شمول إطلاق هذا المرجّح له. وهذا الفرض كما قد يكون من أجل غلبة التلازم بين موافقة الكتاب ومخالفته، كذلك يمكن أن تكون لعناية مخصوصة.
فالمرجّح الأوّل: هو اجتماع مجموع الأمرين، وهو كون أحدهما موافقاً والآخر مخالفاً.
المرجّح الثاني: مخالفة العامة. وهنا أيضاً لا بُدّ من الالتفات إلى نكتة، وهو أنه جعل المرجّح مخالفة أخبار العامّة لا فتاواهم. ولا يوجد تلازم بينهما، فإنه قد تكون فتاواهم مستندة إلى الأخبار، وقد تكون مستندة إلى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة. فهل الميزان هو مخالفة أخبارهم أو مخالفة فتاواهم؟
لا ينبغي الاستشكال في أن الميزان هو الأعمّ؛ لأنه ليس مرجّحاً بنكتة غير عرفية ليقتصر على المورد، بل بنكتة عرفية ارتكازية وهي أن الإمام يتّقي من العامّة، فبهذه القرينة تلغى خصوصية الخبر ويفهم العرف الموافقة مع الوضع الفعلي العامّ للعامّة، سواء كان مستنداً إلى الأخبار أو غيرها. ويكون هذا المرجّح الثاني في طول الأوّل.
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ثُمّ بعد هذا يقع الكلام في أن هذين المطلبين اللذين يستفادان من هذه الرواية، هل يمكن تخريجهما على القاعدة أو لا؟
يمكن تخريجهما عليها، لو لم تكن هذه الرواية موجودة. ونعنى بالقاعدة الالتفات إلى غير الروايات الواردة في علاج المتعارضين بما هما متعارضان.
أما تطبيق موافقة الكتاب على القاعدة، فباعتبار أن عندنا دليلين: دليل حجّية الخبر ودليل أخصّ منه دلّ على عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب الكريم في نفسه وإن لم يكن له معارض.
وحينئذٍ يُقال: إن مقتضى إطلاق هذا الدليل الثاني إسقاط الأخبار المخالفة للكتاب عن الحجّية، حتى لو كانت مخالفة بنحو الإطلاق والتقييد، كما سبق أن قلنا.
غاية الأمر قلنا: إنه نرفع اليد عن إطلاقه لصورة واحدة، وهي ما إذا كان مخالفاً للكتاب بالإطلاق والتقييد، ولم يكن له معارض. بدعوى أنه داخل في المتيقّن من عمل أصحاب الأئمة الذي هو أحد أدلّة حجّية خبر الثقة، ويبقى تحت النهي غير هذه الصورة. وهي ما إذا كان مخالفاً بنحو الإطلاق والتقييد، وكان له معارض، أو كان مخالفاً بنحو العموم من وجه أو التباين. وبهذا يثبت المدّعى بلا حاجة إلى شخص هذه الرواية.
وأما تخريج المرجّح الثاني: وهو مخالفة العامّة وموافقتهم، فيمكن أن يدّعى بهذا النحو، وهو أن لكلّ دليل مرتبتين من الظهور:
إحداهما: ظهوره في الإرادة الاستعمالية.
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والآخر: ظهوره بالإرادة الجدّية.
فإن صدر خطابان متنافيان من حيث الظهور من متكلّم واحد، فنبدأ أوّلاً بمعالجة التنافي بلحاظ المرتبة الأولى، فإن كان أحدهما يصلح أن يكون قرينة ومفسّراً للآخر في هذه المرتبة عالجناه، ولا تصل النوبة إلى المرتبة الثانية. من حيث إن كلّ ما كان قرينة رافعاً للظهور عند اتّصاله يكون رافعاً للحجّية عند انفصاله طِبقاً للقاعدة الميرزائية.
وأما إذا لم يكن في هذه المرتبة جمع عرفي واستحكم التعارض فيها، فقد يدّعى حينئذٍ أن العرف يعمل في المرتبة الثانية نفس ما عمله في المرتبة الأولى. فيقول: إن الرواية المخالفة للعامّة تعتبر كالصريح عرفاً، وأما الموافقة للعامّة فليس هو كالصريح بل هو ظاهر. فما كنّا نقوله في المرتبة الأولى من جعل الصريح قرينة على الظاهر كذلك في المقام. وهذا جمع عرفي في سنخ متكلّم يقع تحت ظروف التقية، فبذلك نبني على تقديم ما خالف العامّة على ما وافقهم.
إذن فيمكن تخريج كِلا المرجّحين بغضّ النظر عن هذه الرواية.
فمنها(1): ما عن محمّد بن عيسى، عن رجل، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحسين بن السري، قال: “قال أبو عبد الله: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم “.
ــــــــــ[323]ــــــــــ
() رواية 30 من باب 9 من القضاء. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما من حيث السند فساقطة لإرسالها. وأما من حيث الدلالة فهنا نذكر المرجّح الثاني وهو الأخذ بما خالف القوم. نعم، فيها مزيّة وهي أنها اخذت عنوان مخالفة القوم لا أخبارهم بخلاف رواية الراوندي. وهذه الرواية لو تمّت في نفسها فمقتضى القاعدة تقييدها بالرواية السابقة، فإنها تأمر بأخذ ما وافق القوم، سواء كان موافقاً للكتاب أو مخالفاً، فتقيّده تلك الرواية بما إذا لم يكن مخالفاً. فلا يتحصّل بعد التقييد أكثر مما تدلّ عليه تلك الرواية.
ومنها(1): رواية الحسن بن الجهم، قال: “قلت للعبد الصالح: هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلّا التسليم لكم؟ فقال: والله لا يسعكم إلّا التسليم لنا. فقلت: فيروى عن أبي عبد الله شيء ويروى عنه خلافه فبأيّهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتنبه“.
لسانها لسان الرواية السابقة، ومقتضى القاعدة تقييدها برواية الراوندي. فيكون مرجّحاً ثانياً.
ومنها(2): رواية محمّد بن عبد الله، قال: “قلت للرضا: كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ فقال: إذا ورد عليكم خبران مختلفان، فانظروا إلى ما يخالف منهما العامّة فخذوه، وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه“.
والكلام فيها نفس الكلام السابق. وهنا يوجد في طرف المخالف: (العامة)، وفي طرف الموافق: (أخبارهم). فنعرف أن المناط هو العامّة.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
() رواية 31. (المقرِّر).
(2) رواية 34. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومنها(1): مرسلة الطبرسي، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله: “قلت يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه. قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله. قلت: لا بُدّ أن نعمل بواحد منهما. قال: خذ بما فيه خلاف العامّة“.
فيها جنبتان:
الأولى: أنها تجعل المرجّحات في طول ضرورة العمل بواحد منها، وأما إذا لم تكن ضرورة فلا بُدّ من التريث وعدم إعمال الترجيح، وهي بهذه الجنبة معارضة مع رواية الراوندي. فإن صحّت سنداً -وأغمضنا عن إرسالها- فإنها تكون مقيّدة لرواية الراوندي. إلّا أنها تكون مخصوصة بخصوص إمكان لقاء الإمام، فتخرج هذا الغرض من رواية الراوندي، ويبقى تحتها ما إذا لم يكن بالإمكان ذلك.
الجنبة الثانية: الأخذ بما خالف العامّة، حيث جعلته المرجّح الأوّل. فتكون رواية الراوندي مقيّدة لها، فيصبح مرجّحاً ثانياً، إلّا أنها لا حجّية لها؛ للإرسال.
ومنها(2): رواية عبيد الله بن زرارة، عن أبي عبد الله قال: “ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه“.
قد يُقال: إنها تدلّ على تقديم ما ليس موافقاً مع قول الناس على الآخر، فيكون مساقها مساق الروايات السابقة، فنقيّدها بوجود المرجّح الأوّل. إلّا أن
ــــــــــ[325]ــــــــــ
() رواية 42. (المقرِّر).
(2) رواية 46. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصحيح أنها أجنبية عن محلّ الكلام، فإنه لم يفرض فيها التعارض، بل ظاهرها أنه يعطي ضابطاً عامّاً للأخبار، فقد يكون مقتضى القاعدة أن كلّ خبر مخالف للعامّة ساقط عن الحجّية، سواء كان له معارض أو لا.
ولكن قد يمكن أن يُقال: إن قوله “يشبه قول الناس” ليس معناه أنه يوافقهم، بل معناه أنه جارٍ على حسب تعبيراتهم واستدلالاتهم، ولا بأس بأن يجعل هذا قرينة نوعية على أن الكلام فيه التقية. وهي قرينة لا بأس بالأخذ بها، بل لعلّها عقلائية ثابتة على مقتضى القاعدة بلا حاجة إلى هذه الرواية.
ومنها(1): مرسلة الطبرسي، قال: “وروي عنهم أنهم قالوا: إذا اختلف أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا، فإنه لا ريب فيه “.
فقد دلّت على مرجّح في مورد اختلاف الحديث وهو اجتماع الشيعة، والمقصود منه إما اجتماعهم على الرواية، أو اجتماعهم على العمل، فإن كان المقصود منه اجتماعهم على الرواية فهذا معناه تواتر الخبر، فلا إشكال في التقديم. وإن كان المقصود الاجتماع العملي، كما هو الظاهر حيث أضيف الاجتماع إلى الشيعة دون الرواة أو الفقهاء، والشيعة ليسوا كلّهم محدّثين وحملة علم،. فناسب ذلك مقام العمل. وسند الرواية ضعيف، إلّا أنه في نفسه مطلب صحيح، فإنه إذا اجتمعت الطائفة على العمل بإحدى الروايتين فإنه يوجد الاطمئنان الشخصي للفقيه على طِبقه، فيكون التعبّد بالاطمئنان. لا أنه مرجّح تعبّدي في هذه الرواية.
ــــــــــ[326]ــــــــــ
() رواية 43. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ومنها: ما عن الحسن بن الجهم، عن الرضا قال: “قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة. فقال: ما جاءكم عنّا فقس على كتاب الله عزّ وجلّ، وأحاديثنا، فإن كان يشبهها فهو منّا، وإن لم يكن يشبهها فليس منّا. قلت: يجيئنا الرجلان وكِلاهما ثقة بحديثين مختلفين، ولا نعلم أيّهما الحقّ. قال: فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت“.
فقد سأل سؤالين، أجابه في جواب السؤال الأوّل بمقياس عامّ، وهو أن الحديث الذي يكون مشابهاً في مبانيه وطراز تعبيره مع أقوالهم يؤخذ به ويطرح الآخر. فهنا قد يُقال: إن الإمام جعل ضابطاً في مقام التمييز بين الصحيح وغيره، وهو مزاج التعبير وأسلوبه، فإن كان مطابقاً في مزاجه مع الكتاب والسُنّة أخذنا به وإلّا فلا. وحيث إن هذا المزاج لا يصل إليه إلّا الأوحدي من الناس، وأين ذاك الأوحدى؟ ولهذا قال له: “يجيئنا الرجلان…“. يعنى لا أستطيع أن أطبّق ذلك الضابط ولا أعرف ما هو الحقّ من المتعارضين. فأفتاه بالتخيير، وهذا التخيير يكون منافياً مع روايات الترجيح فيقدّم عليها. نعم، يستفاد منها أنه لا بُدّ من تحصيل هذا المزاج العامّ النوعي، فإنه حجّة في مقام معرفة ما قاله الإمام مما لم يقله، إلّا أنها غير معتبرة؛ لأنها من مرسلات الطبرسي. وقد اتّضح أنه لا يتحصّل شيء في مقابل رواية الراوندي.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ثُمّ إنه لا بُدّ من التعرّض إلى روايات الترجيح بالصفات والشهرة وقد ورد ذلك في المقبولة والمرفوعة.
*****
لم نقرأ روايات طرح ما خالف كتاب الله بألسنتها المختلفة؛ لأنه من المعلوم أنها ليست في مقام علاج التعارض بين الخبرين، بل في مقام إضافة شرط جديد إلى دليل حجّية الخبر مضافاً إلى الوثاقة وهو عدم مخالفة الكتاب. وقد تقدّم الكلام عنها مفصّلاً.
أقول: المقبولة هي ما رواه في (الفقيه)، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله قال: “قلت: في رجلين اختار كلّ واحد منهما رجُلاً، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، فاختلفا فيما حكما، وكِلاهما اختلفا في حديثنا (حديثكم). قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه. قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه أصحابك،
ــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه. وإنما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فمتبع، وأمر بيّن غيّه فمجتنب، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى الله تعالى. قال رسول الله: “حلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم“.
قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم. قال: ينظر فما (فيما) وافق حكمه حكم الكتاب والسُنّة وخالف العامة أخذ به. قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسُنّة فوجدا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لها، بأيّ الخبرين يؤخذ؟ قال: بما يخالف العامّة، فإن فيه الرشاد. قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً. قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم فيترك، ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكّامهم وقضاتهم الخبران جميعاً. قال: إذا كان كذلك فارجه حتى تلقى امامك. فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات“.
والمرفوعة هي ما رفعه (عوالي اللئالي) إلى زرارة بن أعين، قال: “سألت الباقر فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ قال: يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك ودعِ الشاذّ النادر. فقلت: يا سيدي إنهما معاً مشهوران مرويان مأثوران عنكم. فقال: خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك.
فقلت: إنهما معاً عدلان مرضيان موثّقان. فقال: انظر ما وافق منهما مذهب
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
العامّة فاتركه، وخذ بما خالفهم. قلت: ربما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال: إذاً فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط. فقلت: إنهما معاً موافقين للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال: إذاً فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر“. وفي رواية أنه قال: “إذاً فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله“.
يقع الكلام(1) في هاتين الروايتان في جهات:
الأولى: في دلالتهما في أنفسهما.
الثانية: في علاقة إحداهما بالأخرى.
والثالثة: في نسبتهما إلى رواية الراوندي.
فهما يمتازان عن رواية الراوندي في أنهما تتعرّضان لمرجّحين غير مذكورين هناك هما: الترجيح بالشهرة عند التعارض، والترجيح بصفات الراوي كالأعدلية والأوثقية والأفقهية. فلا بُدّ من التكلّم في أنهما هل يستفادان من هذين المرجّحين أو لا؟
أما المرجّح الأوّل وهو الشهرة فقد جاء في كِلا الروايتين، غاية الأمر أنه اختلف موضوعهما. ففي المرفوعة وقع أوّلاً قبل صفات الرواي، وفي المقبولة وقع بعده.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
() قال السيد: يقع الكلام… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وقد أفاد بعض الآغايون كالسيد الأستاذ وغيره: أن الترجيح بالشهرة في هاتين الروايتين ليس مرجّحاً لأحد المتعارضين على الآخر، وإنما هو من تمييز الحجّة عن اللاحجّة؛ لأننا نحمل الشهرة على معناها اللغوي وهو الاشتهار والوضوح والمعروفية المساوق للاستفاضة والتواتر. ومن المعلوم أنه لو كان أحد الخبرين متواتراً والآخر من أخبار الآحاد فيكون التواتر حجّة دون الآخر، لأن من شرائط حجّية خبر الواحد عدم معارضته للدليل القطعي. وهذه المناقشة قائمة على أساس دعوى أن المراد من قوله: (ما اشتهر بين اصحابك)، أو (المجمع عليه) لا ريب فيه هو اشتهار الأخبار، المساوق للاستفاضة والتواتر.
وتوضيح الحال في ذلك: أن الخبر يستبطن جهتين أو أمرين:
أحدهما: حكاية الراوي.
والثاني: النصّ المحكي.
والشهرة تارةً تكون مضافة إلى الأوّل وأخرى إلى الثاني. فإن أضيفت إلى النصّ المحكي كان معناه استفاضة وتواتر نقله، فيصبح قطعي السند، فإذا عارضه خبر من أخبار الآحاد لم يكن حجّة. وإن كانت الشهرة مضافة إلى حكاية الراوي، فلا ينبغي أن يراد -بمناسبات الموقف- ثبوت الرواية عن هذا الراوي وكثرة نقلها عنه، وذلك لفرض أن السائل في هذه الرواية هو الذي سمعها من الراوي، لا أنه نقلها له أناس كثيرون. فيكون معنى اشتهارها تقبّلها في الفقه والاعتماد عليها، وأخذها بنظر الاعتبار من قبل الفقهاء، في مقابل
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
رواية رُميت بالشذوذ والهجران، وكان للفقهاء حساسية ضدّها. ولذا قد يعبّر الشيخ الطوسي وغيره عن الرواية بكونها شاذّة، ويريد به هذا المعنى، يعنى انقباض الفقهاء عنها واشمئزازهم منها ولو بمقتضى شمّ الفقاهة.
فإن فرض أن المراد من الشهرة هو شهرة النصّ المحكي تمّت المناقشة، وإن أريد بها شهرة حكاية الراوي، كانت مرجّحاً تعبّدياً لأحد المتعارضين على الآخر. فيؤخذ بما عمل عليها الفقهاء واستساغوها دون الأخرى. فما هو ظاهر الروايتين:
أما المرفوعة فيمكن أن نقول: إن ظاهرها الثاني بقرينتين:
الأولى: أنه بعد أن فرض زرارة أنهما معاً مشهوران أمره بالترجيح بالصفات، وهو لا يناسب مع المعنى الأوّل وإنما ينسجم مع المعنى الثاني؛ إذ بعد تواتر كِلا الكلامين يصبح كِلاهما قطعياً، فلا يبقى مجال عرفي لأن يعالج التعارض بين القطعيين بالصفات كالأعدلية والأوثقية، فإنه لا أثر لها بعد القطع بالصدور. فيتعيّن أن تكون الشهرة بالمعنى الآخر.
وهذه القرينة تامّة، ليس في مقابلها إلّا دغدغة واحدة وحاصلها: أن يُقال: إن الشهرة حين تكون موجودة في إحدى الروايتين دون الأخرى توجب القطع، فيكون من باب تمييز الحجّة عن اللاحجّة، ولكن حين تصبح الشهرة لكِلا الروايتين فإنها لا تكون موجبة لليقين للتزاحم بين الشهرتين. وهذا أمر وجداني فإنه إن أخبرنا خمسة عن شيء حصل لنا يقين به، ولكن إذا أخبرنا خمسة آخرين عن خلافه لم يحصل اليقين. وحينئذٍ فلا بأس بالترجيح بالأعدلية والأوثقية.
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وجواب ذلك: أن هذا صحيح لو كان الإمام في وضع لا يصدر منه كلمات متعارضة، في ظروف لا يستشعر فيها التقية كصاحب (الجواهر). فلو نقل خمسة عن صاحب (الجواهر) شيئاً ونقل خمسة خلافه لم يحصل لنا يقين بهما. وأما بحسب ظروف الإمام وإمكان صدور المتعارضين منه، فلا يزول الوثوق بهما، بل يحصل لنا اليقين بهما معاً. فالقرينة الأولى تامّة.
القرينة الثانية: أنه بعد أن فرضهما معاً مشهوران قال: “خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك”. فلو كانت الشهرة بالمعنى الذي ذكره السيّد الأستاذ وهو شهرة كلام الإمام ينقله الكثيرون عنه، لكان الأنسب أن يقول: (خذ بالأوثق من جميع الرواة)، لا من خصوص راويين فقط. مع أن ظاهره النظر إلى راويين شخصيين متعارضين. بينما لو كانت شهرة كثرة الرواة، لكان اللّازم تشخيص أعدل الطائفتين لا الشخصين. ومعه تكون الرواية ظاهرة بالترجيح التعبّدي.
وأما المقبولة فاحتمال أن تكون الشهرة بمعنى تواتر كلام الإمام وجيه جداً، حيث قال: “ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه“. فإنه واضح أن نظره إلى شهرة الكلام المحكي لا شهرة الحكاية.
وليس في مقابل ذلك إلّا دغدغة واحدة، وهي أن يُقال: إن الشهرة إن كانت بالمعنى الأوّل لكان اللازم جعلها المرجّح الأوّل، مع أنها جعلت مرجّحاً
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بعد الصفات. فهذا يناسب أن تكون الشهرة بمعنى لا يساوق مع القطع واليقين.
وأما جوابها: فبناءً على ما سوف يأتي من أن المرجّح الأوّل في المقبولة هو هذا لا الترجيح بالصفات؛ لأن ذلك خاصّ بالحكمين لا بالراويين… فلا مجال لهذه المناقشة. وإن كان هذا مرجّحاً ثانياً، فيبقى السؤال في محلّه، من حيث إن الشهرة لو كانت مساوقة مع اليقين فكيف نجعل مرجّحاً في طول صفات الراوي؟!
ولا جواب عليه إلّا أن يُقال: إن الشهرة وإن كانت مقتضية لإيجاد اليقين، ولكنّها قد تقترن بالمانع، وهو أن يكون لها معارض له عدالة أعلائية، فإذا أخبرنا خمسة بشيء وأخبرنا عادل أعلائي بخلافه، فنقول: ربّ مشهور لا أصل له. ولا يحصل الاطمئنان على طبق الشهرة. فلعلّ تقديم صفات الراوي لأجل ذلك.
وبهذا اتّضح أن الشهرة التي تكون مرجّحاً تعبّدياً لأحد المتعارضين على الآخر، تفي به المرفوعة ولا تفي به المقبولة.
وأما الترجيح من ناحية الصفات، فقد اتّفقت الروايتان عليه أيضاً، غير أن المقبولة بدأت بالصفات، والمرفوعة بدأت بالشهرة وثنّت بالصفات. فهل يمكن الاستدلال بهما على الترجيح بالصفات أو لا؟
أما المقبولة، فيعترض على الاستدلال بها على ذلك باعتراضين:
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
[الاعتراض] الأوّل: أنها واردة في مورد التمكّن من لقاء الإمام، فكلّ الأحكام المجعولة فيها مخصوصة بذلك، وعليه فلا يمكن الاستدلال بها على غير هذه الحال، ولا تصلح المرفوعة لتقييدها. ويدّعى أن القرينة على ذلك ما جاء في آخر الرواية: “إذا كان كذلك فأرجه حتى تلقى إمامك“. وهذا الإشكال لو تمّ لا يختصّ بمرجّحية الصفات، بل يشمل الشهرة وكلّ حكم مجعول في هذه الراوية.
إلّا أنه في غير محلّه:
أوّلاً: لأن قوله: “فأرجه“، وإن كان بقرينة جعل لقاء الإمام غاية، يكون مخصوصاً بخصوص تيسُّر لقائه، لكن هذا خاصّ بخصوص الفقرة الأخيرة، ولا يشمل الخطابات السابقة أيضاً. وورود القيد على الخطاب الثاني لا يلزم منه وروده على الخطاب الأوّل. كما لو قال: (أكرم الهاشمي وأكرم العالم إذا كان عادلاً) فنفهم رجوعه إلى الثاني لا محالة. والقضية فرضية حقيقية وليست شخصية، حتى يقال إنها مخصوصة بصورة التمكّن.
ثانياً: أننا لو سلّمنا أن هذا التقييد يوجب عدم انعقاد الإطلاق في الخطابات القبلية في الرواية. إلّا أن احتمال دخل التمكّن من لقاء الإمام في الأحكام التي هي محلّ البحث ليس احتمالاً عرفياً، بل على خلاف الارتكاز العرفي.
توضيحه: أن الحكم بالإرجاء والاحتياط يحتمل العرف أنه حكم مخصوص بخصوص المتمكّن من لقاء الإمام، وأما غير المتمكّن فلعلّه لا
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يجب عليه الاحتياط؛ إذ يلزم أن يكون محتاطاً طيلة حياته. وأما احتمال الترجيح بالأصدق والأعدل فليس احتمالاً عرفياً تقييده بخصوص التمكّن من لقاء الإمام فإنه لا دخل له عرفاً به. فتقييده بذلك يكون على خلاف مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهن العرف.
الاعتراض الثاني: أن الترجيح بالصفات ليس ترجيحاً لأحد الراويين على الآخر، بل لأحد الحكمين على الآخر؛ لأنها وردت في مسألة تعارض الحاكمين -كما يدلّ عليه سياقها-، فتكون أجنبية عن المقام. وهذا الإشكال قد يسرّى إلى كلّ أحكام الرواية حتى ما يأتي من الأحكام بعد هذا.
وهذا الاعتراض صحيح بمقدار ما يتعلّق منه بمرجّحية الصفات، وغير صحيح فيما يتعلّق بالمرجّحات البعدية، فهنا دعويان:
[الدعوى] الأولى: أن الترجيح بلحاظ الصفات ترجيح لأحد الحكمين على الآخر. وهو واضح من سياق الكلام؛ لأنه صبّ الترجيح على الحكم فقال: “الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر“.
وهناك نكتة في الرواية تكون قرينة على ذلك وحاصلها: أن الأصدقية لو كانت مرجّحاً لإحدى الروايتين على الأخرى لكان لا بُدّ من ملاحظتهما في آخر السلسة، لا في أوّلها، بينما لو كانت مرجّحاً لأحد الحكمين فلا بُدّ من ملاحظتهما في أوّل السلسلة لا في آخرها.
وتوضيح ذلك: أنه لم يفرض في هذين الحاكمين أنهما سمعا الرواية من
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الإمام، وإنما قال: “وكلاهما اختلفا في حديثنا“. فلو فرضنا أن كِلاهما كان يروي بالواسطة عن الإمام. فإن كان الترجيح بالأصدقية لأحد الحاكمين على الآخر، فيجب أن ينظر إلى أوّل السلسلة، يعني بين نفس الحاكمين اللذين حكما في هذه الواقعة. ولا ينظر إلى من هو فوقهما من الرواة. وأما لو كان ترجيحاً لأحد الراويين على الآخر، فلا بُدّ من ملاحظة أوّل السلسلة، إن لم يكن لا بُدّ من ملاحظة تمام السلسلة. كما هو مبناهم خارجاً أولئك الذين يقولون بالترجيح بالأصدقية، فإنهم ينظرون إلى آخر السلسلة وهو الراوي المباشر عن الإمام، فيقدّمون روايته ولو كان الحاكم على طبقها أعدل وأصدق، وذلك: لأن التعارض إنما يكون في آخر السلسلة؛ لأنه لا تعارض بين شخص يقول: (قال زرارة)، وآخر يقول: (قال محمّد بن مسلم). وإنما التعارض بين الراويين المباشرين في مقام انتزاع الكلام من الإمام(1).
ــــــــــ[337]ــــــــــ
() أقول: فإن قلت: فأيّ فرق بين المباشر وغيره، فإننا لا يخلو إما أن ننظر إلى جهة النقل والرواية أو إلى جهة المنقول، أو المدلول. فإن نُظر إلى النقل لم يكن تعارض حتى في الراوي المباشر؛ لاحتمال صدقهما معاً. وإن نظرنا إلى جهة المدلول كان التعارض ثابتاً حتى في الرواة المتأخّرين؛ لفرض انحفاظ التعارض الدلالي. وحيث إن نظر السيّد إلى جهة الرواية، فلا تعارض بين الراويين المباشرين أيضاً. بل التعارض مباشرة منسوب إلى الإمام؛ باعتبار صدور المتنافيين منه ولو بغير قصد الجدّ لتقية ونحوها.
قلنا: إنه يتحصّل الفرق بعد إجراء أصالة الجهة في كلام الإمام، وفي طول ذلك نعلم بكذب أحد النقلين، وهذا الكذب منسوب إلى الراويين المباشرين ابتداءً؛ لوضوح عدم تكاذب النقل منهما.
أقول: هكذا قال بعض الاخوان.
ولكنّه لا يكاد يتمّ:
أوّلاً: أن هذا إنما يتمّ لو تمّ عند قطعية الجهة لا مع ثبوتها بالأصل؛ إذ مع ثبوتها بالأصل
–كما هو الأعمّ الأغلب- تقع طرفاً للمعارضة مع النقل. بمعنى أننا نعلم إجمالاً بكذب أحد الإطلاقات الأربعة: إطلاق دليل حجّية خبر الواحد لهذا الراوي، واطلاقه لذاك الراوي، وإطلاق دليل حجّية أصالة الجدّ لهذا المدلول، وإطلاقه لذاك المدلول. ومعه فلا يتعيّن التعارض في الراويين المباشرين لاحتمال صدقهما على أيّ حال وكون الكذب في أحد الأصلين.
ثانياً: إن إجراء أصالة الجدّ هنا مما لا معنى له؛ لأنها إنما تجري في كلام معيّن لا ندري أنه جدّي أو لا. لا أنها تثبت بجريانها أنه لم يصدر من الإمام كلام غير جدّي كما هو المراد في المقام، ليستفاد منها في إثبات كذب أحد النقلين. وهذا من قبيل ما قيل: (إنها تجري في حال الشكّ في المراد لا الشكّ في الاستناد). ودعوى القطع بأنه لم يصدر من الإمام كلام بداعي غير الجدّ.. عهدتها على مدّعيها، لا في مطلق كلامه ولا في خصوص هذين الكلامين.
إذن فالإشكال الذي ذكرناه ثابت، والتكاذب في النقل غير موجود، حتى بين الراويين المباشرين. انتهى. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وحيث إنه في المقبولة طبّق الترجيح على أوّل السلسلة من دون تفصيل بين أن يكون الحاكمين راويين مباشرين أو بالواسطة، فهو قرينة على تقدّم الحاكمين أحدهما على الآخر بصفتهما حاكمين لا بصفتهما راويين. وهذا الإشكال صحيح، ونحن لا نقول بالترجيح بالصفات.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الدعوى الثانية: أن المرجّحات الأخرى هي لإحدى الروايتين على الأخرى، لا لأحد الحكمين. فإنه بعد أن رجّح الحاكمين بالصفات انتقل إلى المدَرَك فقال: “ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه أصحابك فيؤخذ به…“. فقد أضيف الأمر بالأخذ إلى الخبر لا إلى الحكم. وهذا فيه احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأوّل: أن يكون الأمر بالأخذ مضافاً إلى الرواية بالعرض، ومضافاً إلى الحكم بالذات، يعنى الحكم الذي تعرب عنه الرواية وهو أشهر. وإنما أضيف إلى الرواية باعتبار أن الأمر بالأخذ بها أمر بالأخذ به. وهذا محتمل ثبوتاً، إلّا أنه لا إشكال أنه خلاف الظاهر إثباتاً؛ إذ لا إشكال أن ظاهره أن مضاف إلى الرواية حقيقة، لا أنه مضاف إليها عناية بلحاظ حال المتعلّق.
الاحتمال الثاني: أن يكون الأمر بالأخذ بها بمعنى أنه بعد أن سقطت حاكمية الحكمين جعلت الحاكمية لنفس الرواية. وهذا أيضاً خلاف الظاهر؛ لأن الأمر بالأخذ بكلّ شيء يفهم منه حسب ما يناسب ذلك الشيء. والأمر بالأخذ بالرواية وإن كان يعقل الأخذ بها في مقام كونها حاكماً في الخصومة وفضّ المنازعة، إلّا أنه يناسب الأخذ بها بمناسبات الحكم والموضوع بما هي رواية، يعنى الأخذ بجهة كشفها لا بجهة فصلها للخصومة ومعه فيتعيّن:
الاحتمال الثالث: وهو الأخذ بالرواية بما هي كاشفة، وهو معنى ترجيح أحد الخبرين في مقام الحجّية، وبهذا تثبت الدعوى الثانية.
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بقي مرجّحان آخران: هما:
[الأوّل:] مخالفة العامّة وقد اتّفقت عليه الروايتان.
والآخر: موافقة الكتاب، وهو لم يذكر في المرفوعة، بل انتقل رأساً من الشهرة إلى صفات الراوي، ثُمّ إلى مخالفة العامّة، ولم يذكر مسألة موافقة الكتاب.
إلّا أن التعبير الذي ورد في المقبولة: “ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسُنّة وخالف العامّة أخذ به“، فقد جمع بين المرجّحين.
فقد يتوهّم: أنها لا تدلّ على الترجيح بموافقة الكتاب وحده؛ لأنه لم يقتصر عليه في التعبير، فإنه ظاهر في أن المرجّح هو مجموع الأمرين لا أحدهما بخصوصه.
وجوابه: أن المقصود هو الترجيح بموافقة الكتاب، بقرينة أنه في الفقرة التالية جعل موافقة العامّة بذاتها مرجّحاً. فلو كانت الفقرة السابقة بصدد الترجيح بالمجموع لكان هذا لغواً؛ لأن مخالفة العامّة وحده مرجّح، فيكون ضمّ موافقة الكتاب بلا نكتة. وإنما بيّن كِلا العنوانين لبيان أن كُلّاً منهما مرجّح، لا أنهما معاً مرجّح واحد.
فتحصّل أن المقبولة تدلّ على ثلاثة مرجحات: الشهرة، وموافقة الكتاب، ومخالفة العامّة. والمرفوعة تدلّ على ثلاثة مرجحات هي: الشهرة، والصفات، ومخالفة العامّة. وحيث إننا لا نقول بحجّية المرفوعة؛ لعدم تماميتها سنداً،
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
والمقبولة نقول بحجّيتها فنعمل بها، وهي لا يتحصّل منها شيء زائد على رواية الراوندي؛ لأن الترجيح بالصفات يرجع إلى الحاكمين، والشهرة إلى تمييز الحجّة عن اللاحجّة، إذن لم يبق إلّا المرجّحان الراونديان!!
الجهة الثانية في النسبة بين الروايتين لو تمّتا معاً من حيث السند. هناك بينهما تعارضان:
إن المرفوعة لم تذكر مخالفة الكتاب وموافقته، وإنما تطفر من صفات الراوي والشهرة إلى مخالفة العامّة. وأما المقبولة فتذكر مخالفة الكتاب، وتذكر مخالفة العامّة مقيداً بعدم الترجيح من مخالفة الكتاب. وفي هذا التعارض تقيّد المرفوعة بالمقبولة؛ لأن إطلاق المرفوعة أنه بعد عدم إمكان التمييز من ناحية الشهرة يؤخذ بما خالف العامّة، سواء خالف الكتاب أو لا، فيقيّد بالمقبولة(1).
إن المقبولة بناء على أن الترجيح بالصفات فيها ناظرة إلى الراوي والرواية لا إلى الحاكم. فقد بدأت بالترجيح بالصفات وثنّت بالشهرة، والمرفوعة بدأت بالترجيح بالشهرة وثنّت بالصفات، بناء على تتميم دلالتها بالنحو الذي أراده الآغايون بغضّ النظر عن الإشكالات التي قلناها.
ــــــــــ[341]ــــــــــ
() ألغى السيد هذه الفقرة. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ذكر الشيخ: أنه يمكن أن يُقال: إن المقبولة تتقدّم على المرفوعة عملاً بالمرفوعة نفسها؛ لأن المقبولة تقول: المرجّح الأوّل هو صفات الراوي، والمرفوعة تقول: هو الشهرة. فنعمل بالمرفوعة في علاج هذا التعارض؛ لأن المقبولة أشهر، بينما المرفوعة ليست مشهورة، وإنما رواها ابن أبي جمهور الاحسائي في (غوالي اللئالي).
وأشكل عليه حاج شيخ(1): أنه يلزم من وجوده عدمه؛ لأنه يلزم من العمل بالمرفوعة عدم العمل بها وهو محال.
وتحقيق الحال في المقام: أن نرى أن التعارض بين هاتين الروايتين من أيّ سنخ من التعارض؟ هل هو سندي أو دلالي؟ وإذا كان دلالياً فهل هناك جمع عرفي بينهما أو لا؟ يمكن أن نتصوّر التعارض بينهما بأحد نحوين:
[النحو الأوّل]: أن يكون التعارض بينهما بنحو العموم من وجه؛ لأن المرفوعة تقول: خذ بالمشهور سواء كان الراوي الآخر أصدق أو لا. والمقبولة تقول: خذ بالأصدق سواء كان الآخر أشهر أو لا. ومادّة الاجتماع ما إذا كان أحدهما أشهر والآخر أصدق. ومعنى ذلك أنه تعارض دلالي؛ لأن التعارض بنحو العموم من وجه لا يسري إلى السند. وحينئذٍ فإن بنينا على أنه في التعارض الدلالي لا معنى لإعمال المرجّحات وإنما المرجّحات مجعولة في الأخبار العلاجية لخصوص التعارض السندي. فلا معنى لإعمال هذا الترجيح
ــــــــــ[342]ــــــــــ
() يعنى الشيخ محمّد حسين الاصفهاني. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
في المقام. وأما إذا بنينا على أن العلاجات شاملة لموارد التعارض الدلالي أيضاً، فهل يمكن أن ترجّح المقبولة باعتبار الشهرة أو لا؟
هنا ينبغي أن يفصل بين صورتين:
الأولى: أن يكون راوي المرفوعة أصدق مع كون المقبولة أشهر.
الثانية: أن يكون مثله في الصدق. فإن لم يكن أصدق فكلام الشيخ تامّ ولا يلزم من وجوده عدمه؛ لأن هذا التعارض في الحقيقة مصداق من القاعدة المعطاة في مادّة الافتراق التي تحكم بتقديم الأشهر مع التساوي في الصدق. فيلزم من الأخذ بمادّة افتراقها رفع اليد عن مادّة اجتماعها. فليس هنا شيء واحد يلزم من وجوده عدمه.
واما إذا كان الآخر أصدق وذاك أشهر، -يعني: المقبولة أشهر وراوي المرفوعة أصدق-. فتكون شخص هذه المعارضة مصداقاً من مادّة التعارض والاجتماع، وفي مثله يستحيل التمسّك بالمرفوعة؛ لأننا في كلّ مرتبة تمسّكنا بها بالمرفوعة كانت المقبولة معارضة لها ومانعة عن التمسّك بها، فهذا هو المحذور، وليس محذوره هو أنه يلزم من وجوده عدمه. فيكون كلام الشيخ غير تامّ، فإن إطلاق المرفوعة بكلّ مراتبه معارض بإطلاق المقبولة، وإعمال أحد المتعارضين دون الآخر بلا موجب.
المرتبة الأولى (1) خبر زرارة الدالّ على وجوب السورة وهو أصدق، وخبر عمّار الساباطي الدالّ على عدم وجوب السورة وهو أشهر. فالمرفوعة تدلّ على
ــــــــــ[343]ــــــــــ
() وحين سئل السيد عن المراتب التي أشار إليها قال: المرتبة الأولى… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
تقديم الأشهر وهو خبر عمّار والمقبولة تدلّ على تقديم الأصدق وهو خبر زرارة. فتحصّل عندنا دلالتان متعارضتان، وهي مرتبة ثانية من التعارض. وهذا الفرد الثاني من التعارض تعالجه الروايتان بشكل متعاكس، فالمرفوعة تأمر بالأخذ بالأشهر وهو المقبولة، والمقبولة تأمر بالأخذ بالأصدق وهو المرفوعة. فيحصل عندنا فرد جديد من التعارض، تحلّه الروايتان بشكل متعاكس أيضاً، وهكذا إلى ما لا نهاية.
إذا عرفنا ذلك، فالمحذور هو أنه في أيّ مرتبة نعمل بالمرفوعة نكون قد عملنا بأحد المتعارضين دون الآخر جزافاً؛ لأن إطلاق المرفوعة لكلّ مرتبة ممنوع بإطلاق معارضه. وليس محذوره أنه يلزم من وجوده عدمه، لأن الحجّية في كلّ مرتبة تسقط الحجّية في المرتبة التي قبلها لا حجّية نفسها. فمثلاً حجّية خبر زرارة يسقطها دلالة رواية المرفوعة على تقديم الأشهر، وهذه الدلالة تسقطها الدلالة المتأخّرة للمرفوعة نفسها على تقديم الأشهر -أي: إطلاق المقبولة- فكلّ دلالة تسقط الحجّية الأخرى المتكّونة في طولها وهكذا.
هذا تمام الكلام فيما إذا كان التعارض بينهما بنحو العموم من وجه.
[النحو الثاني للتعارض]: أن التعارض بينهما بنحو يؤدّي إلى الجمع العرفي، بأن يُقال: إن المقبولة نصّ في الترجيح بالصفات، وظاهرة في تقدّم الترجيح بها على الترجيح بالشهرة. والمرفوعة نصّ بالترجيح بالشهرة، وظاهرة في تقدّمه على الترجيح بالصفات. فيرفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر، ومقتضى الجمع بينهما هو الالتزام بكونهما مرجّحين عرضيين.
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بيان ذلك: أنه في الأدلّة العلاجية ثلاث صور للتعارض:
الصورة الأولى: أن تأتي روايتان تقتصر كلّ منهما على ذكر مرجّح واحد. أحدهما يرجح بالأصدق والآخر بالأشهر. فالصحيح هنا ما ذكرناه في التقريب الأوّل، من أنه تقع المعارضة بنحو العموم من وجه بينهما؛ لأن أحدهما يقول: (خذ بالأصدق سواء كان الآخر أشهر أو لم يكن). والآخر بالعكس. فيعامل معاملة المتعارضين بنحو العموم من وجه.
الصورة الثانية: أن يفرض أن أحدهما يذكر مرجّحين طوليين، والآخر يقتصر على المرجّح الثاني. فيكون بابه باب المطلق والمقيّد. كما في رواية الراوندي مع بعض الروايات التي ترجّح بمخالفة العامّة.
الصورة الثالثة: أن كُلّاً منهما يذكر مرجّحين لكن بنحو التعاكس، وذلك كما في المقبولة والمرفوعة. فهنا تارةً يفرضان كلامين ابتدائيين من قبل الإمام بدون سؤال، وأخرى يفرضان مأخوذين من الإمام عن طريق السؤال.
فإذا كانا كلامين ابتدائيين، فنقول: إن كُلّاً من الدليلين يدلّ على أمرين:
أوّلهما: أنه يدلّ بالإطلاق على أن المرجح الأوّل هو ما ذكرته أوّلاً. فالمقبولة تقول: خذ بالأصدق سواء كان الآخر مشهوراً أو لم يكن. والمرفوعة تقول: يأخذ بالأشهر سواء كان الآخر مشهوراً أو لم يكن. فالدالّ على الأولوية فيهما هو الإطلاق، وهما إطلاقان متعاكسان متعارضان.
الدالّ الآخر: أن ما ذكره الإمام أوّلاً ليس مفضولاً بالنسبة إلى المرجّح
ــــــــــ[345]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الثاني، وليس الثاني متقدّماً عليه. بل الأوّل إما مثله أو متقدّم عليه. والدالّ على هذا المطلب ليس هو الإطلاق، بل هو تقدّمه في الكلام؛ لأنه لو كان مفضولاً لَما كان معنى لأن يقدّمه الإمام ويجعل الآخر في طوله. فهذا كالصريح عرفاً في أن الأوّل ليس مفضولاً ومتأخّراً عن الثاني.
وهذا لا يأتي إذا ذكر مرجّحاً واحداً؛ لاحتمال أن الإمام ذكر الثاني ابتداء لنكتة. ومقتضى الجمع بين الروايتين حينئذٍ رفع اليد عن الدالّ الأوّل في كلّ منهما بقرينية الدالّ الثاني في الآخر. فيقال: إنه وإن كان مقتضى إطلاق المقبولة هو الأخذ بالأصدق سواء كان الآخر أشهر أو لا، ولكن يرفع اليد عن هذا الإطلاق بدلالة الرواية الأخرى بأن الشهرة ليست متأخّرة عن الأصدقية. وكذلك الحال في المرفوعة. فيسقط الإطلاق في كلّ منهما ويبقى الدالّ الثاني. ونتيجته أن يصبحا مرجّحين عرضيين. وهذا جمع عرفي صحيح. ومعه لا تصل النوبة إلى علاجات التعارض.
وهذا يبدو بوضوح لو كان كلاماً ابتدائياً من قبل الإمام. وأما إذا كان السائل هو الذي ينتزع الكلام من الإمام انتزاعاً، فذاك الوضوح غير موجود؛ إذ لقائل أن يقول: إن الأشهرية -التي ذكرها أوّلاً- في طول الأصدقية، لكن الإمام أراد أن يذكر في جواب السؤال الوجه الثاني للترجيح لنكتة، ولم يكن يعلم بتوجّه سؤال آخر إليه. ولذا لم نكن نضايق لو ورد في الرواية المرجّح الثاني وحده. فلو سأله من جديد عن صورة التساوي في الشهرة فالإمام حينئذٍ يذكر المرجّح الأوّل؛ لأنه لا يوجد تخطيط سابق لدى
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الإمام يريد بيانه، وإنما هي كلمات متقطّعة سببها إصرار الراوي على أن يعرف الحكم الشرعي. فلا يكون ذاك الوضوح محفوظاً.
لكن مع هذا يمكن أن يقال: أن أصل المطلب ثابت؛ لأن ظاهره هو أن المرجح الثاني على الأقلّ ليس مقدّماً على المرجح الأوّل.
أنه وقع اختلاف بين المقبولة والمرفوعة في نوعية هذه الصفات، ففي المقبولة قيل: “الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما“. فهذه أربعة عناوين، فلو فرض أن الأورعية ترجع إلى الأعدلية فتحصل ثلاثة. وأما في المرفوعة فقال: “خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك“. فهذه صفتان، فإذا رجعت الأوثقية إلى الأصدقية، صارت المقبولة زائدة عليها بصفة واحدة وهي الأفقهية، فيحصل التعارض بينهما بلحاظ ذلك.
وحينئذٍ فإن فرض أن المرجّحات في المقبولة هي لأحد الحاكمين لا لأحد الراويين على الآخر، فلا تعارض. وأما إذا فرضنا أنه ترجيح بلحاظ الراويين، فإن فرض أننا استفدنا منهما معاً إلغاء خصوصية الصفات وكونها من باب المثال، وأن المستفاد عرفاً لزوم الأخذ بقول شخص يكون فيه مزيّة توجب أقوائية احتمال روايته على الآخر. فأيضاً سوف يتطابقان ولا يقع بينهما تعارض.
وهنا لا ينبغي الإشكال في أن الأفقهية من مقوّمات الرواية فإنها ضمان
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
صحّة نقل الرواية؛ لأن الغالب نقلها بالمعنى، فيكون للفقاهة والفهم دخل في صحّة النقل. وأما لو فرض أننا لم نلغِ الخصوصية في الروايتين فيحصل تعارض بينهما بلحاظ الأفقهية.
وكذلك يحصل التعارض لو ألغينا الخصوصية في المقبولة دون المرفوعة، حيث يوجد بينهما فرق، إذ قد تحمل المقبولة على المثالية بقرينة قوله في المقبولة: “ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه “. فقد فهم الراوي من هذه الصفات مطلق التفاضل، وقد أمضى الإمام فهمه هذا. ولكن لا توجد في المرفوعة هذه القرينة. فيحصل التعارض، بل يستفحل التعارض، في كلّ صفة يكون لأحد الراويين امتياز على الآخر، من غير المذكور في المرفوعة.
وحينئذٍ فمقتضى القاعدة العمل بالزائد، فيلتزم أن الأفقهية من المرجحّات أيضاً؛ لأن كُلّاً منهما ذكر عدّة صفات في عرض واحد، وظاهره أن كلّ صفة ملاك مستقلّ للترجيح، وأحدهما يذكر اثنين والآخر ثلاثاً، فلا محالة يبنى على الثلاث، وتكون النتيجة عدم المصير إلى المرجّح الطولي إلّا بعد التساوي في كلّ المرجّحات الثلاثة.
انظر الباقي في الدفتر السابع والعشرين.
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
(بقيّة مبحث التعادل والتراجيح: الروايات العلاجية)
إننا لو قلنا بأن الترجيح بالصّفات عائد إلى الراويين، فيحصل التعارض الأوّل. وأما إذا بنينا على أنه عائد إلى الحاكمين، فتبطل تلك المادّة، ولكن تحدث مادّة أخرى للتعارض، وهو أن كِلا الروايتين بدأت بالترجيح بالشهرة، ولكنّ المقبولة انتقلت منها إلى الترجيح بموافقه الكتاب، وأما المرفوعة فانتقلت إلى الترجيح بالصّفات. وإن كان المرجّح الثالث فيهما مشتركاً وهو مخالفة العامّة. فقد تعارضا بالمرجّح الوسط، فلم يذكر في المقبولة الترجيح في الصّفات.
ومن هنا قد يقال: إن المقبولة إنما لم تذكر الترجيح بالصّفات من ناحية أنها فرضت من أوّل الأمر تساويهما من حيث الصّفات ولو بلحاظ الحاكمين، فلم يكن هناك معنى لأن يقول الإمام بعد ذلك: “خُذ بقول أصدقهما وأورعهما“.
إلّا أن هذا مورد غير صحيح بناءً على النكتة التي أشرنا إليها، وهي أن الموجود في المقبولة هو ترجيح أحد الحاكمين على الآخر بما هما حاكمان، وقد فرض تساويهما من حيث الصّفات الأربع. وأما الترجيح الصفاتي الذي كان
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مرجّحاً في طول الشهرة، فهو بالنسبة إلى الراوي الأخير المباشر للإمام كما هو مقتضى الصّناعة وعمل الفقهاء، أو على مجموع السلسلة، لا على خصوص الراوي الأوّل. وحينئذٍ لا يأتي هذا الكلام من أن المقبولة إنما أسقطت الصّفات؛ لأنها فرضت التساوي قبل ذلك.
فإنها إنما فرضت التساوي في الراويين الأخيرين دون الراويين الأوّلين، وما هو المناط هو الثاني. فسكوت المقبولة عن الصّفات بلا موجب، ويكون معارضاً مع المرفوعة.
وحينئذٍ فتنطبق عليه قواعد التعارض التي تقدّمت. فإن الروايتين متّفقتان في المرجّح الأوّل والثالث، ومختلفتان في الثاني، فيصير حالهما حال ما إذا ذكر في أحد الروايتين مرجّح واحد وفي الأخرى مرجّح واحد في عرض واحد.
إن المقبولة ذكرت الترجّيح بموافقة الكتاب، ولم تتعرّض المرفوعة إلى ذلك.
والكلام في ذلك يقع في أمور:
فقد يُستشكل في ذلك ويقال: إنها تدلّ على مرجّحية المجموع المركّب من موافقة الكتاب ومخالفة العامّة. فلا يكون فيها دلالة على كون موافقة الكتاب مستقّلاً مرجّح.
وجواب ذلك: أننا لو جمدنا على هذه العبارة في نفسها، فهي وإن كانت
ــــــــــ[350]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
تقتضي _باعتبار العطف بالواو_ على جعل المرجّح هو المجموع المركّب، لكن بعد أن جعل مخالفة العامّة مرجّحاً مستقّلاً في خبرين نسبتهما إلى الكتاب واحدة، كان هذا دليلاً على أن موافقة الكتاب بنفسها مرجّح مستقلّ، فإنه لو كانت المقبولة ترجّح بالمجموع المركّب من الكتاب والعامّة، لكان ضمّ الكتاب إلى جنب العامّة كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، وهذا لا يناسب شأن الكتاب العزيز الذي هو الثّقل الأكبر؛ لأن مخالفة العامّة وحدها كافية في الترجيح، إذن فموافقة الكتاب وحدها مرجّح استقلالي.
في أنه هل يستفاد من المقبولة في نفسها تقدّم موافقة الكتاب على مخالفة العامّة، كرواية الراوندي، أو لا يستفاد منها ذلك، بل غايته أنه يوجد مرجّحان عرضيان، والثمرة ما بين الطوليّة والعرضيّة فيما إذا كان أحد المتعارضين موافقاً للكتاب والآخر مخالفاً للعامّة، فإنه بناءً على الطوليّة يقدّم الأوّل، وعلى العرضيّة يتكافأ الترجيحان.
لو كانت العبارة هكذا: (خُذ بما وافق الكتاب. فقال: فإن كانا معاً موافقين للكتاب؟ قال: فخُذ بما خالف العامّة) لاستفدنا الطوليّة. ولكنّه قال: (خُذ بما وافق الكتاب وخالف العامّة)، فجمع ما بين المطلبين. وهذه الواو فيها أحد احتمالين: إما أن نحتمل أنها في مقام بيان مرجّحية المجموع المركّب، أو أنها في مقام بيان مرجّحية كلّ منهما على حدة، بمنزلة (أو)، والأوّل نفيناه سابقاً،
ــــــــــ[351]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فيتعيّن الثاني، فكأنّه ذكر مرجّحين استقلاليين في عرض واحد.
ولا يمكن أن نستفيد الطوليّة من المقبولة إلا ببيان واحد، وذلك بأن نقول: بأنه يوجد في (الواو) احتمال ثالث، وهو أن تكون الجملة المعطوفة وهي (مخالفة العامّة) حشواً في الكلام، ذكرت بنكتة الاعتراض على العامّة، من حيث إن ما يوافق الكتاب غالباً يخالفهم، وإن ما يوافقهم غالباً يخالف الكتاب. أو للتمهيد النفسي للسائل إلى المرجّح الآتي. ومعه فيكون النظر الاستقلالي إلى الكتاب، فكأنّه قال: (خُذ بما وافق الكتاب) وسكت.
ومما يؤيّد هذا الاحتمال: أن الراوي سكت عن السؤال عن صورة ما إذا كان أحدهما موافقاً للكتاب والآخر مخالفاً للعامّة. مع أنه استوعب تمام الصور الأُخر، وذلك لأنه توجد في الخبرين المتعارضين ست عشرة صورة محتملة، ناتجة من ضرب أربع في أربع، فإن كلّ خبر: إما أن يكون موافقاً للكتاب والعّامة، وإما أن يكون مخالفاً للكتاب والعامّة، وإما أن يكون مخالفاً للكتاب موافقاً للعامّة، أو موافقاً للكتاب مخالفاً للعامّة. فلو ضربناها في مثلها من صفات معارضه أصبحت الصور ست عشرة، تسقط ست منها مكرّرة فتبقى عشر صور غير مكرّرة، ويظهر بالتأمّل أن السائل استطاع أن يعرف حكم تسع صور من هذه العشر، وبقيت صورة واحدة وهي ما إذا كان أحدهما مخالفاً للعامّة والآخر موافقاً للكتاب، فإن استفدنا من كلامه الطوليّة فهي مفهومٌ حكمُها أيضاً، وإن لم نستفد الطوليّة فلا. وحيث إنه سكت عن السؤال عن هذه الصورة، فيستشم أنه عرف حكم هذه الصورة العاشرة أيضاً.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصور المحتملة(1) في الخبرين المتعارضين(2)
الصورة الأولى: أن يكون أحد الخبرين واجداً لكِلا المزيّتين، والآخر فاقداً لهما معاً. بمعنى أن الأوّل موافق للكتاب ومخالف للعامّة، والآخر مخالف للكتاب وموافق للعامّة. حكمها استُفيد من التصريح في الفرض الأوّل، وهو قوله: (خُذ ما وافق الكتاب وخالف العامّة).
الصورة الثانية: أن يكون كِلا الخبرين واجداً للمزيّة الأولى، وهي موافقة الكتاب، وفاقداً للمزيّة الثانية، أي: إنهما موافقين للعامّة. وحكمها تبيّن صريحاً من الفرض الثالث، وهو قوله: “فأرجِه حتى تلقى إمامك“. فإنه وارد في هذا الفرض.
ــــــــــ[353]ــــــــــ
() جعل السيّد ترتيب التقسيم هكذا: وهو أن كلّ خبر من المتعارضين إما واجد للمزيّتين معاً- يعني موافقة الكتاب ومخالفة العامّة-، أو فاقد لهما معاً، أو واجد للمزيّة الأولى دون الثانية، أو العكس. فهذه أربع صور، وللخبر الآخر مثلها، فتكون ست عشرة، تخرج ست مكرّرة فتبقى عشر. (المُقرِّر).
() أقول: وبهذا التقسيم يظهر الحال في أقسام تفصيلية كثيرة، قد تحدث في تقسيم آخر، وذلك بأن يقال: إن الخبر الواحد إما أن يكون موافقاً للكتاب، أو مخالفاً له، أو غير مذكور منه. فهذه ثلاث صور. ومن ناحية المخالفة للعامّة ثلاث صور، وهي: أن يكون الخبر موافقاً لهم، أو مخالفاً لهم، أو غير مذكور عندهم. ومن ضرب ثلاث في ثلاث تكون تسعاً، ليس فيها مكرّر. فهذا حال الخبر الواحد من الاثنين المتعارضين. وتسع صور مثلها في الخبر الآخر، فينتج من ضرب تسع في تسع إحدى وثمانون صورة. إلّا أن هذا التقسيم مندرج -بالدقّة- في ذلك التقسيم. انتهى. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الصورة الثالثة: أن يكون أحد الخبرين واجداً لكلتا المزيّتين، والثاني واجداً للمزيّة الأولى فقط، يعني: أن الأوّل موافق مع الكتاب ومخالف مع العامّة، والآخر موافق للكتاب والعامّة. وهذه الصورة صرّح الإمام بحكمها في الفرض الثاني، وهو قوله: (فخذ بما خالف العامّة)، بعد فرض الاتّفاق في موافقة الكتاب.
الصورة الرابعة: أن يكون أحد الخبرين واجداً لكِلتا المزيّتين، والآخر واجداً للمزيّة الثانية فقط، فكان مخالفاً للعامّة وغير موافق مع الكتاب. حكمه يفهم من الفرض الأوّل، بعد استفادة المرجّحية الاستقلالية منه -كما عرفنا-، ومعناه: أنهما متى تساويا في شيء آخر يبدو أثر الترجيح بموافقة الكتاب. والمقام من هذا القبيل.
الصورة الخامسة: أن يكون كِلاهما واجدين لكِلتا المزيّتين: موافقاً للكتاب ومخالفاً للعامّة. يفهم حكمه من بيان الإمام في الفرض الثالث؛ لأنه ورد عند فرض الراوي ما إذا كان الخبران معاً موافقين للكتاب والعامّة. والعرف يفهم من ذلك: المثاليّة، وأن المناط هو التساوي والتكافؤ في الصّفات أيّاً كان منشؤه. فيكمله قوله: “فأرجِه حتى تلقى إمامك“.
الصورة السادسة: أن يكون الخبران معاً فاقدين لكِلتا المزيّتين: بمعنى أنهما مخالفين للكتاب وموافقين للعامّة. وحكمه يظهر من الفرض الثالث؛ لأنها من صور التكافؤ.
الصورة السابعة: أن يكون أحدهما واجداً للمزيّة الأولى فقط والآخر فاقداً لكِلتا المزيّتين. فكان الأوّل موافقاً للكتاب غير مخالف مع العامّة، والآخر لا
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
موافق للكتاب ولا مخالف للعامّة. وحكمها يفهم من الفرض الأوّل؛ لأننا فهمنا منه مرجّحية موافقة الكتاب استقلالاً حيث لا يوجد مرجّح آخر.
الصورة الثامنة: أن يكون كِلا الخبرين واجدين للمزيّة الأولى وفاقدين للمزيّة الثانية. يعني موافقين للكتاب وغير مخالفين مع العامّة. وهذه يفهم حكمها من الفرض الثالث؛ لأنهما متكافئان في الترجّيح، والمفروض أن الفرض الثالث شامل لكلّ صور التكافؤ.
الصورة التاسعة: أن يكون الأوّل واجداً للمزيّة الثانية فقط، وهي مخالفة العامّة والثاني فاقداً لكِلتا المزيّتين. وحكمها يفهم من الفرض الثاني وهو مرجّحية مخالفة العامّة، حيث لا يوجد مرجّح من الكتاب الكريم.
الصورة العاشرة: أن يكون أحدهما واجداً لمزيّة، والآخر واجداً للمزيّة الأخرى. فكان أحدهما موافقاً للكتاب غير مخالف للعامّة، والآخر مخالفاً للعامّة غير موافق للكتاب. وحكمه يستفاد من الرواية بناءً على الطوليّة بين المرجّحين؛ إذ يكون الترجيح حينئذٍ بموافقة الكتاب لأنه الأسبق. وأما إذا لم نستفد الطوليّة فيلزم أن لا تكون هذه الصورة معروفاً حكمها من الرواية، بل يبقى السائل متحيّراً.
تارة يفرض أن كِلا الروايتين قد ذكر مرجّحين هما: الشهرة والصّفات، ولكن اختلفا في التقدّم والتأخّر بينهما. وأخرى يفرض أن المقبولة تذكر أحد هذين المرجّحين وهو الشهرة، دون الصّفات، والمرفوعة تذكرهما معاً. فإن بنينا
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
على الأوّل تكون موافقة الكتاب هي المرجّح الثالث في المقبولة، ومخالفة العامّة هي المرجّح الرابع فيها، بناءً على استظهار الطوليّة. وأما في المرفوعة فالمرجّح الثالث هو مخالفة العامّة، فمخالفة العامّة في المرفوعة قيّدت بقيدين هما: التساوي بالصّفات والشهرة. وفي المقبولة قيّدت بثلاثة قيود: هي الصّفات، والشهرة، وموافقة الكتاب. فلا محالة تكون المقبولة مقيّدة للمرفوعة، ومقتضى القاعدة إضافة تقييد زائد على مخالفة العامّة، فينتج أنها إنما تكون مرجّحات بثلاثة قيود، اثنين منها مذكورين في المرفوعة، وواحد نستفيده من مقيّد منفصل وهو المقبولة؛ فينتج نتيجة العمل بالمقبولة.
وأما إذا بنينا على أن المقبولة لم تذكر الصّفات، بل كِلاهما بدآ بالشهرة وخُتما بمخالفة العامّة، وإنما يختلفان بالمرجّح الوسط. فينطبق عليهما القانون الذي ذكرناه وهو أنه: أيّ خبرين صارا في مقام علاج التعارض في رتبة واحدة، فذكر كلّ منهم مرجّحاً واحداً غير ما ذكره الآخر، فإنه يحصل التعارض بينهما بنحو العموم من وجه، ومقتضى الجمع العرفي الالتزام بالعرضيّة فيما بينهما، إذن فيبنى على العرضيّة في المقام. ولكنّهما معاً يكونان قبل مخالفة العامّة.
إنه في المقبولة فرض الراوي أن الخبرين كِلاهما موافق للعامّة، فقال الإمام “دع ما يكون حكامهم وقضاتهم إليه أميل وخُذ بالآخر”. فالأميلية مرتبة من مرجّحية مخالفة العامّة، وقد سكتت عنها المرفوعة، ومقتضى الجمع العرفي أن هذا السكوت يفيد بذلك النطق؛ لأنه يفهم عرفاً منها أنها مرتبة من هذا المرجّح.
ــــــــــ[356]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما نسبة المقبولة إليها، فقد ذكرت رواية الراوندي مرجّحين، كِلاهما موجود في المقبولة، هما موافقه الكتاب ومخالفة العامّة. ولكنّهما اختلفا بلحاظ المرجّحين القبليين.
فإذا بنينا على إلغائهما باعتبار أن الترجيح بالصّفات للحاكمين لا للراويين، وأن الشهرة من باب تمييز الحجّة عن اللاحجّة، إذن فقد اتّفقت المقبولة مع الراوندي.
فإن استفدنا الطوليّة بين المرجّحين فهما متّفقتان في هذه الجهة أيضاً. وإن لم نستفد الطوليّة من المقبولة، فلا أقلّ من إجمالها، فتكون رواية الراوندي حاكمة على هذا الإجمال.
وأما إذا بنينا على أن الترجيح بالصّفات خارج عن محلّ الكلام، ولكنّ الترجيح بالشهرة داخل في محلّ الكلام، فقد وُجِد في المقبولة ثلاثة مرجّحات، وفي الراوندي مرجّحان، ومقتضى القاعدة هو التقييد بها.
وأما إذا بنينا على أن المرجّحات في المقبولة أربعة هي: الترجيح بالصّفات، وبالشهرة، وبموافقة الكتاب، ومخالفة العامّة. فمقتضى القاعدة تقييد رواية الراوندي بكِلا المرجّحين بحيث لا تنتهي النوبة إليها إلّا بعد فرض التكافؤ من ناحية الصّفات والشهرة معاً. ولكن يقع الكلام في أن هذا التقييد ممكن أو أنه تقييد بفرد نادر؛ لعدم وجود راويين متكافئين تماماً في الصّفات، وخاصّة فيما إذا
ــــــــــ[357]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
حُملت الصّفات على المثاليّة.
وفي مقام علاج ذلك لا بُدّ أن يقال: بأن هناك نزاعاً أشرنا إليه بيننا وبين المشهور، من أن الأحكام الظاهرية الواقعة في مرتبة واحدة، هل تكون متناهية بوجوداتها الواقعيّة أو بوجوداتها الواصلة؟ والأوّل مختارنا، والآخر المشهور.
فإذا بنينا على مبنانا، فمقتضى صناعة التقييد في المقام هو أن نرفع اليد عن إطلاق المرجّح بموافقة الكتاب في رواية الراوندي، ونقيّده بصورة تكافؤ الراويين واقعاً وفي نفس الأمر وتساويهما في الصّفات، وهذا تقييد بفرد نادر، فيكون الإشكال محكماً.
وأما إذا بنينا على المبنى الثاني فقد يقال: بأن رواية الراوندي لا نقيّدها بصورة التساوي الواقعي ليلزم الإشكال، بل نقيدها بصورة عدم وصول التفاضل إلى المكلّف؛ لأن التنافي إنما يكون بين الحكمين الظاهريين، -وهما في المقام مرجّحية الكتاب ومرجّحية الصّفات- إنما يكون -على مبنى المشهور- فرع الوصول. إذن فليقيّد مرجّحية موافقة الكتاب بعدم إحراز الأصدقية والأفقهية في أحدهما(1).
ــــــــــ[358]ــــــــــ
() أقول: لا يخفى أن وثاقة الراوي وأصدقيته، إنما هو موضوع للحكم الظاهري، وليس هو بعينه. وسواء أخذنا هذا الموضوع بوجوده الواقعي أو الظاهري، فإنه يمكن أن ينطبق عليه كِلا المسلكين في المحمول.
غاية الأمر: أننا إذا أخذنا الوثاقة بوجودها الواصل في موضوع الترجيح أو الحجيّة، كان تحقّق الموضوع مساوقاً مع وصول الحكم، ولا يتصوّر عدم وصوله حينئذٍ فينسجم المسلكان في النتيجة، ومنها عدم ورود الإشكال في المقام كما ذكر المتن.
وأما لو أخذنا الموضوع بوجوده الواقعي، فإن التزمنا بمسلك السيّد، انطبق ما قاله السيّد في المتن؛ لإمكان تصوّر وجود الحكم وموضوعه ثبوتاً لا إثباتاً. وأما لو التزمنا بمسلك المشهور أمكن تصوّر الحكم ثبوتاً عند وجود موضوعه الواقعي، إلّا أنه لا أثر له في المقام؛ باعتبار عدم التزاحم في الوجود الواقعي للأحكام الظاهرية. وإنما يصل بوصول موضوعه، فيترتّب الأثر وهو المنجزيّة والتعارض عند الوصول على أيّ حال.
ومن هنا يتّضح أنه على مسلك المشهور لا يرد الإشكال على كِلا التقديرين، كما لا يرد على مسلك السيّد لو كان الموضوع هو الوجود الواصل. وإنما يرد فيما إذا كان الموضوع هو الوجود الواقعي على مسلكه. انتهى. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وحينئذٍ فالغالب أننا لا ندري بالأوثقية، فيبقى تحت الإطلاق أفراد كثيرة، ولا يكون تقييداً بفرد نادر.
ولكن هذا إنما يتمّ فيما إذا لم يكن الغالب هو العلم الإجمالي، وإلّا كان هذا العلم وصولاً في المقام، كما لو كنّا نعلم بأن واحداً من هؤلاء الرواة الذين رووا ما يخالف الكتاب هو أصدق. ومعه فيختّل التمسّك بالإطلاق؛ لأن العلم الإجمالي يكون منجّزاً.
إما أن نقول: إن المرفوعة مشتملة على مرجّحين من المرجّحات فقط، بأن ندّعي أن الشهرة هي من تمييز الحجّة عن اللاحجّة، والمرجّحات العلاجية لإحدى الحجّتين على الأخرى هي (الصّفات) و(العامّة)، وحينئذٍ فيتساوى عدد المرجّحات في الروايتين، وهما متّفقتان في المرجّح الثاني، وهو (مخالفة العامّة).
ــــــــــ[359]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ويختلفان في الأوّل؛ فيحصل التعارض بلحاظه بنحو العموم من وجه.
فأما أن نبني على استحكام التعارض، فيتساقطان في مادّة الاجتماع، وهو ما إذا كان أحدهما أصدق والآخر موافق للكتاب. ونتيجته عدم إعمال المرجّحين، فينتج أنهما كأنّهما مرجّحان عرضيّان لا طوليّان.
وأما أن نبني على الجمع العرفي بينهما، وأن مقتضاه هو الحمل على العرضيّة ابتداءً، بجعل كلّ منهما قرينة على أن الآخر في عرضه، وأنه في عرض الآخر. بتقريب: أن هذين المرجّحين المنفصلين لو اجتمعا في كلام واحد بدون ما يدلّ على الترتيب، لاستفدنا منهما العرضيّة وكل ما كان رافعاً للظهور عند الاتصال يكون قرينة عند الانفصال، – طبقاً للقاعدة المرزائية-، فينتج أنهما عرضيّان. وعلى أيّ حال لا يثبت الطوليّة بينهما.
وأما المرجّح الثاني: فالروايتان متّفقتان عليه، فتارة نفرض أن كِلا المرجّحين الأوّلين مفقودين من الروايتين المتعارضتين، وحينئذٍ فلا إشكال في الرجوع إلى المرجّح الثاني. وأخرى بفرض أن أحدهما موجود دون الآخر، فلا إشكال أنه يعمل بالموجود منهما. وثالثة يفرض أن المرجّحين الأوّلين موجودان معاً، وأنهما متعارضان، فهل يرجع هنا إلى المرجّح الثاني أو لا؟
قد يقال: إنه لا يرجع إلى المرجّح الثاني، وذلك: جموداً على حاقّ اللفظ في الروايتين؛ لأن ظاهر المرفوعة هو أن الرجوع إلى مخالفة العامّة مشروطة بالتكافؤ في الصدق، وهو غير متحقّق، وظاهر الراوندي أن الرجوع إلى ذلك مشروط بالتكافؤ في المرجّح الكتابي، وهو غير متحقّق، فكِلا الشرطين غير متحقّق، فلا يرجع إلى مخالفة العامّة.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن ظاهر الروايتين هو الرجوع إلى مخالفة العامّة فيما إذا لم يمكن الترجيح من ناحية فوقانية، وهو كما يكون من ناحية التساوي في الأصدقية، كذلك يكون عند تعارض المرجّحين.
ومن مجموع ما ذكرناه ظهر الحال فيما لو كانت المرفوعة ذات ثلاثة مرجّحات، فإن مقتضى القاعدة أن الأخير يكون محكوماً لكلّ المرجّحات القبليّة، تقييداً لإحدى الروايتين بالأخرى.
وأما في المرجّحين اللذين قبل مخالفة العامّة فيقع التعارض، ويظهر فيهما العلاج مما سبق.
هذا هو الكلام في نسبة الروايتين إلى الراوندي
وبهذا تمّ الكلام في مسألة الأخبار العلاجية.
وبه تمّ الكلام في أصل مبحث التعادل والتراجيح ويثبت بعض التنبيهات.
ــــــــــ[361]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهو أمر فرضي؛ لأنها مبنيّة على القول بأخبار التخيير، فيقال: هل التخيير في المسألة الأصولية أو في المسألة الفقهية؟ والمطلب الأصولي هو الحجّية، والمطلب الفقهي هو الحكم التكليفي. والكلام في ثلاث جهات:
الجهة الأولى: في تقدير التخييرين بحسب مقام الثبوت.
الجهة الثانية: في أن أخبار التخيير لو تمتّ دلالتها على التخيير فهل يستفاد منها التخيير في المسألة الأصولية أو الفقهية؟
الجهة الثالثة: بعد الفراغ عن أن التخيير في المسألة الأصولية، فهل يفتي المفتي بالمسألة الأصولية أو الفقهية؟
في تصوير التخيير في المسألتين ثبوتاً: إما التخيير في المسألة الأصولية أو الحجّية، فكيف نتصوّره؟ هنا لا بُدّ أن نتذكّر أن الوجوب التخييري على نحوين: إما أن يكون وجوباً متعلّقاً بالجامع المأخوذ بنحو صرف الوجود، وإما بأن يكون مرجعه إلى وجوبين مشروطين. فهل يعقل هذان النحوان في باب
ــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الحجّية أو لا؟ والنحو الأوّل وإن كان معقولاً في باب الوجوب إلّا أنه غير معقول في الحجّية. وتوضيح الفرق بينهما يكون ببيان أمرين:
الأوّل: أن كلّ حكم تعلّق بالجامع، فإن كان الجامع ملحوظاً بنحو مطلق الوجود، يسري الحكم إلى الأفراد سرياناً عرضيّاً، كـ(أكرم العالم). وأخرى يفرض أن الحكم يتعلّق بصرف وجود الجامع، كما إذا قال (أكرم عالماً)، فإن موضوعه صرف الوجود المقيّد بقيد الوحدة. ومعه يستحيل سريانه إلى الأفراد، بل يبقى واقفاً على الجامع ولا يسري إلى الأفراد؛ ببرهان أنه لو سرى إلى الأفراد، فإن سرى إلى كِلا الفردين فهو خُلف كونه صرف الوجود، وأخذ بقيد الوحدة في الموضوع. وإن سرى لأحدهما دون الآخر فهو ترجيح بلا مرجّح. ونسبتهما إلى الجامع على حدّ واحد(1).
الأمر الثاني: أنه متى ما كان الغرض المعقول المرغوب للمولى لا يتوقّف على سريان الحكم إلى الأفراد، بل يحصل بوقوفه المعقول على الجامع، إذن فيعقل جعل الحكم على الجامع. ومتى كان الأثر المطلوب للمولى لا يعقل تحقّقه إلّا بعد فرض
ــــــــــ[363]ــــــــــ
() أقول: هناك شقّ ثالث، وهو: سريان الحكم إلى الأفراد، سرياناً بدليّاً بحكم العقل. فإن سريان الجامع المقيّد بقيد الوحدة إلى الأفراد وانطباقه عليها، يكون بدليّاً بحكم العقل؛ لأن نحوي السريان الأخرى محال كما هو مقتضى البرهان، فيكون انطباقه على كلّ فرد مشروطاً بعدم انطباقه على الفرد الآخر. ومن هنا يحكم العقل والعرف أن كلّ فرد هو مصداق من الجامع المقيّد بقيد الوحدة، مع عدم إمكان أن ينظمّ إليه فرد آخر، وهذا معنى السريان البدلي. وحيث يكون الحكم متعلّقاً بهذا الجامع يسري إلى الأفراد بسريان المفهوم إلى الأفراد، سرياناً بدليّاً. انتهى. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
سريانه إلى الأفراد، إذن فلا يعقل تعلّق الحكم على الجامع بنحو صرف الوجود؛ لأنه لا يسري إلى الأفراد حينئذٍ كما بيّنا، والأثر لا يترتّب إلّا بعد السريان.
إذا اتّضح هذان الأمران نقول: إن الأثر المطلوب للمولى في باب الوجوب لا يتوقّف على سريان الوجوب من الجامع إلى الأفراد. بل لو وقف على الجامع ولم يسرِ فإنه يحصل الأثر أيضاً؛ لأن الأثر المطلوب في مورد الحكم بالتخيير هو أن يحصل المولى على أحد الأمرين على أقلّ تقدير، فيمكنه أن يعلّق الحكم على الجامع، وهو يكفي لتحقّق غرض المولى؛ لأن امتثال هذا الحكم لا يكون إلّا بإيجاد الجامع، وهو لا يكون إلّا بالإتيان بأحد أفراده خارجاً.
وأما في عالم الحجّية فلا يعقل جعل الحجّية على الجامع بين مدلولي الخبرين؛ لأن الجامع الذي يراد جعل الحجّية بلحاظه لو جعلت له الحجّية بنحو صرف الوجود، إذن فلا تسري الحجّية إلى أيٍّ من الخبرين، والأثر المطلوب لا يترتّب على وقوف الحجّية على الجامع وعدم سريانه إلى الأفراد.
وذلك: لأن الحجّية إن جعلت للجامع بين الوجوب واللا وجوب(1) أو النفي والإثبات، فهو مما لا أثر له، حتى لو علم وجداناً، فضلاً عن جعل الحجّية له. وأما لو كان جامعاً بين وجوبين فحجّية الجامع مرجعها إلى علم إجمالي تعبّدي، ويترتّب عليه آثار العلم الإجمالي، وهو غير المطلوب. بل المطلوب هو أن يجعل المولى المكلّفَ مخيّراً بين أن يتمسّك بهذا الخبر أو بذاك، لا أن يكون له علم إجمالي بحيث ينتهى إلى الاحتياط في مقام العمل. ومعه يكون
ــــــــــ[364]ــــــــــ
() وكذلك لو كان جامعاً بين وجوب وحرمة، فإنه لا أثر له أيضاً. (المُقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
جعل الحجّية على صرف وجود الجامع غير معقول؛ لأنه لا أثر له(1).
وأما التخيير بالمعنى الثاني، وهو الحكمين المشروطين، فهو أمر معقول في باب الوجوب وفي باب الحجّية، لكن بنحو لا يستلزم الجمع بينهما.
ويبقى الكلام في تحقيق هذه النكتة، وهو أنه كيف نتصوّر هذا الاشتراط بنحو لا يؤدّي إلى الجمع بين الحجّيتين؟
قالو: بأنه يجعل حجّيتين مشروطتين بالالتزام، بمعنى: أنه يجعل الخبر الدالّ على الحرمة حجّة مشروطاً بأن يلتزم بالحرمة، وكذلك الخبر الآخر الدالّ على الإباحة. فلو التزم بأحدهما ترتّب على ذلك فعليّة هذه الحجّية، وحيث لا يعقل من العاقل الالتزام بهما معاً، فلا تتحقّق الحجّيتان في آنٍ واحد.
وهذا مطلب صحيح في نفسه، إلّا أنه غريب في نفسه؛ لأن الالتزام ليس لازماً بوجه من الوجوه في الأخبار غير المتعارضة، فضلاً عن المتعارضة. مضافاً إلى أن الالتزام بشيء يحتاج إلى أن يكون مستنداً إلى حجّة، والحجّة في المقام
ــــــــــ[365]ــــــــــ
() أقول: قد يقال: إن تخلّف الغرض المطلوب إنما يحدث فيما إذا كان الاحتياط موجباً للجمع بين الواجبين. وأما إذا كان احتياطاً ناقصاً يقتصر فيه على فرد واحد، فلا يكون الغرض متخلّفاً؛ لأن مراد المولى الإتيان بأحد الفردين، وهو حاصل سواء سرت الحجّية إلى الأفراد أو لم تسرِ. وأما نقصان الاحتياط فنفهمه من أدلّة التخيير نفسها.
ولا يرد على هذا الوجه إلّا ما قد يقال من أن الغرض المطلوب ليس هو ذلك، بل هو تنجيز أحد الخبرين على المكلّف وامتثاله على أساس أنها حكم الله عزّ وجلّ، وهو مما لا يحصل مع الإتيان بالاحتياط الناقص.
ويرده: أن هذا غرض (أصولي) وليس غرضاً عمليّاً، ووضوح اتّحاد الأثر العملي بينهما. انتهى. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
تكون في طول الالتزام وليس قبله. فهذا التقييد غريب.
فلا بُدّ من أن يبدّل بقيد آخر، وذلك بأن يقال: بأن المولى في مقام جعل الحجّية التخييرية، يجعلها لخبر لا بعينه، ويوكلها إلى المكلّف بأن يقول له: (أيٌّ منهما تختار(1) يصبح حجّة)، فكأنّه يوكل التشريع إليه. وعلى أيّ حال فهو أمر معقول.
وأما التخيير في المسألة الفقهية ثبوتاً، فيمكن تصويره بأن يكون مرجعه إلى حكم تكليفي ترخيصي في تطبيق العمل على مفاد أيّ واحد من الخبرين، أي: (أرخصك أن تعمل عملاً لا ينافي أحد الخبرين)(2).
إنه بعد فرض معقولية كلٍّ من التخيير الأصولي والفقهي، فما هو المستظهر من أخبار التخيير منهما.
لا ينبغي الإشكال في أن المستظهر منها التخيير الأصولي، بأحد تقريبين:
[التقريب] الأوّل: يختصّ ببعض ألسنة التخيير، كلسان “بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك“. بأن يقال بأن الأخذ بالخبر كما يكون أخذاً عمليّاً كذلك يكون أخذاً مفاديّاً، بمعنى البناء على أن هذا هو المفاد الصحيح. والإطلاق يشمل كِلا نحوي الأخذ. والأخذ المفادي ملازم عرفاً مع الحجّية؛ إذ لا معنى
ــــــــــ[366]ــــــــــ
() فيختار ما هو الأوفق بطبعه، وهذا أمر متحقّق تكويناً، ولا يحتاج معه إلى إيجاب الالتزام بأحدهما؛ لأن ما هو الحجّة يكون هو الأقرب إلى طبعه. وإن لم يلتزم بأيٍّ منهما فيكون منجزاً عليه. (منه)..
(2) قيل للسيّد: بأن ما معنى التخيير بين الوجوب والإباحة؟
فقال: معناه التخيير بين المدلولين، وهذا لا ينافي كون أحد الطرفين متعيّناً عليه تكويناً..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
له بدونها، فينكشف منه الحجّية التخييرية بالمعنى المعقول.
وهذا لا يأتي في مثل قوله: (موسّع عليك)؛ إذ لعلّ المراد التوسعة في مقام العمل دون الالتزام بمفاد الخبر، ومعه فلا يمكن، إذ يستفاد منها التخيير بالحجّية.
التقريب الآخر: أن أخبار التخيير هي (متمّم جعل) لدليل حجّية خبر الواحد بحسب الفهم العرفي، فإن دليل الحجّية لم يستطع أن يعالج المطلب حال التعارض، فهي _أي: أخبار التخيير _ في مقام بيان كيفيّة تطبيق دليل الحجّية في مقام التعارض. وسياقها سياق متمّم الجعل لدليل حجّية خبر الواحد، فيكون في مرتبتها. وهذا معناه التخيير في المسألة الأصولية، وهو تقريب عامّ إلى تمام الألسنة(1)
هذا تمام الكلام في هذه الجهة.
*****
ــــــــــ[367]ــــــــــ
() أقول: ولكن الحجّية لا تستفاد من أدلّة التخيير حينئذٍ، بل من أدلّة الحجّية الأوّلية*. فإنها تشمل الخبرين المتعارضين في نفسيهما بحسب المقتضى، وأما المانع وهو التعارض، فأخبار التخيير ترفعه. إذن فهي رافعة لمانع الحجّية، لا مؤسّسة لمقتضى الحجّية، حيث لا يشملها الدليل الأوّلي؛ لأن عدم شموله لها ليس لعدم المقتضي، بل لوجود المانع. وعلى أيّ حال فالحجّية ناتجة من ضمّ الدليلين إلى بعضهما البعض. انتهى. (المُقرِّر).
* قال السيّد: هذا ادّعاء صحيح؛ فيتحصل بذلك فرق هذا التقريب عن السابق. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وهنا تقريب ثالث لإثبات التخيير في المسألة الأصولية -حتى لو كانت أخبار التخيير المجملة من ناحية القرينتين السابقتين-، وذلك: بضمّ أخبار التخيير إلى أدلّة حجّية خبر الواحد، لو كان لها دليل لفظي حسابي.
بأن يقال: بأننا لو لا أخبار التخيير لقلنا: إن شمول دليل حجّية الخبر الواحد لهما غير ممكن، ولأحدهما غير ممكن؛ فيتساقطان.
فإن قيل: فإن دليل الحجّية يشمل كلّاً منهما مشروطاً بالالتزام به، فيثبت حجّيتين مشروطتين.
قلنا: إن هذا غير صحيح؛ لأن إثبات الحجّية المشروطة لهذا الفرد ينافي إثبات الحجّية المطلقة لذاك. كما أوضحنا في ما سبق.
لكن بعد أن جاءت أخبار التخيير المجملة -من ناحية المسألة الأصولية والفقهية، ولكنّها- على أيّ حال تدلّ على أن الشارع لم يجعل الحجّية المطلقة لهذا الخبر ولا لذاك؛ إذ مع جعل الحجّية المطلقة لأحدهما يستحيل جعل التخيير، لا في المسألة الأصولية ولا الفقهية؛ لأنه خُلف التخيير، فالحجّية الشاملة لحال عدم الالتزام لم تجعل. وأما الحجّية المقيّدة بحال الالتزام فلا تنفيها أخبار التخيير؛ لأن مفادها لم يتعيّن: أن مفادها هو التخيير في المسألة الأصولية أو الفقهية. فإطلاق دليل حجّية الخبر الذي يقتضي الحجّية المطلقة الشاملة لحال عدم الالتزام ساقط جزماً بقرينة أخبار التخيير، فيرتفع إطلاق الحجّية في كلٍّ من الخبرين، فإذا كان ذلك فلا بأس حينئذٍ بالتمسّك بنفس دليل حجّية خبر
ــــــــــ[368]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الواحد الأوّلي لإثبات حجّية غير مطلقة في الخبرين(1)، وهذا هو معنى الحجّية في المسألة الأصولية.
فهذه النكتة تثبت التخيير في المسألة الأصولية، حتى مع إجمال أخبار التخيير من هذه الناحية.
إن الفقيه بماذا يفتي في موارد التخيير، هل يفتي بالمسألة الأصولية أو المسألة الفقهية.
إذا قلنا: إن التخييرَ تخييرٌ فقهي، يعني أن المجعول عبارة عن منع الشارع المكلّف عن أن يعمل عملاً يخالف كِلا الخبرين. إذن فالفقيه ليس بإمكانه إلّا إعطاء هذا المجعول للمكلّفين؛ لأنه تكليف عملي، وحينئذٍ فلا بأس أن يختلف الفقيه مع مقلّديه، فيصلّي هو الظهر ويصلّي الآخر الجمعة مثلاً، فكلٌ منهما يوجد مصداقاً غير ما يوجده الآخر.
وإذا كان التخيير أصولياً، واختار الفقيه أحدهما فأصبح الخبر حجّة عليه، فهل يفتي بالتخيير بحيث يصبح العامّي أيضاً مخيًراً؟ فربما اختار الخبر الآخر غير الذي اختاره الفقيه، وصلّى صلاة الظهر، أو يفتي بوجوب صلاة الجمعة بعد قيام الحجّة عليه؟ فهنا كلامان.
الأوّل: أن إفتاءه بالتخيير أمر على القاعدة؛ لأنه حكم شرعي إلهي يفتي به الفقيه، ويرجع العامّي إليه في إثباته، وليس فيه إشكال إلّا دعوى أن الأحكام
ــــــــــ[369]ــــــــــ
() ولا موجب لرفع اليد عنه أكثر من هذا المقدار. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الأصوليّة مختصّة بالفقيه دون العامّي، فلا يصحّ هذا الإفتاء. لكنّه غير صحيح، وقد تكلّمنا في ذلك مفصّلاً في أوّل الأدلّة العقليّة، وقلنا: إن الأحكام الأصوليّة لا تختصّ بالمجتهد، فلا إشكال من هذه الناحية.
الثاني: أن إفتاءه بما اختاره وهو وجوب صلاة الجمعة على الفرض، نفس الإفتاء لا بأس به لقيام الحجّة عليه، فيجوز له أن يخبر أن حكم الله هو كذا.
وأما إفتاؤه وإلزام العامّي به، فهو محلّ الإشكال عندي؛ لأن التقليد ليس متابعة تعبّدية، بل بملاك رجوع الجاهل إلى العالم، وهذا الملاك يكون متحقّقاً في حدود الرجوع إلى المجتهد بما أنه بصير وخبير، بمعنى أن العامّي يجعل خبرة المجتهد هي الأساس لعمله. وتعيين المجتهد في المقام لخبر صلاة الجمعة، لم ينشأ من خبرة المجتهد، بل من اختياره الشخصي جزافاً؛ فيشكل رجوع العامّي إليه.
إن التخيير هل هو ابتدائي أو استمراري على فرض ثبوته؟ فإذا اختار الفقيه في اليوم الأوّل وجوب صلاة الظهر، فهل يمكنه أن يختار في الأسبوع الآخر وجوب صلاة الجمعة؟
يقع الكلام في ذلك في مقامين: الأوّل: بلحاظ الدليل الاجتهادي. والثاني: بلحاظ الأصل العملي.
وتوضيح الحال في ذلك: أن الأخذ تارةً يكون مورداً للإطلاق الشمولي لأخبار التخيير، كما لو وقع مورداً لقضيّة حملية، فقيل: (ما أخذت به) أو (الخبر
ــــــــــ[370]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المأخوذ حجّة). فينطبق الإطلاق على المأخوذ به في اليوم الثاني، كما ينطبق على المأخوذ في اليوم الأوّل، فيكون مقتضياً للتخيير الاستمراري.
وأما إذا كان الأخذ متعلّقاً للأمر، بحيث يكون الإطلاق بنحو صرف الوجود، كقوله: (خُذ بأحدهما)، ومادّة الأمر إطلاقها بنحو صرف الوجود مثل (صلِ)؛ ولهذا تنطبق على الوجود الأوّل ويسقط الأمر، وحينئذٍ فلا بُدّ أن يلتفت إلى أن هذا الأمر هل هو انحلالي بعدد أزمنة الوقائع، أو لوحظت مجموع الوقائع شيئاً واحداً وقيل: (خُذ)؟ فإن كان انحلالياً ثبت التخيير الاستمراري، وإن لم يكن انحلالياً انطبق صرف الوجود على الوجود الأوّل، فإذا أخذ أوّلاً فقد امتثل الأمر، ولا يبقى مجال لإمكان الأخذ الثاني وإثبات حجّية المأخوذ الثاني.
في تنقيح الأصل فقد يتمسّك باستصحاب التخيير، فإنه بعد أن أخذ المكلّف بأحد الخبرين يشكّ بأن التخيير باقٍ أو ارتفع. فإنه إن كان استمرارياً فهو باقٍ، وإن كان ابتدائياً فقد ارتفع، فيشكّ في بقائه فيستصحب.
وقد استشكل في جريانه لعدم إحراز بقاء الموضوع؛ لأن التخيير الثابت حدوثاً كان حكماً للتحيّر، والتحيّر بعد اختيار أحدهما مرتفع؛ لأنه أصبح أحد الخبرين حجّة بالنسبة إليه، فلا حيرة. وأجيب بأن عنوان المتحيّر لم يُؤخذ في الدليل، وإنما أُخذ عنوان من حصل عنده خبران متعارضان، وهو صادق فيما بعد الأخذ. إلى الآخر الكلمات التي قيلت في الكتب.
وتحقيق الكلام أن يقال: إن التخيير الذي نستصحبه تارةً هو التخيير في
ــــــــــ[371]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المسألة الأصوليّة. وأخرى هو التخيير في المسألة الفقهية.
فإن كان مدّعى المحقّق الخراساني من استصحاب التخيير استصحاب التخيير الأصولي، فنقول: إن التخيير في الحجّية مرجعه إلى خطابين:
أحدهما: الحجّية المشروطة للخبرين.
والآخر: إيجاب الالتزام بأحدهما.
فالاستصحاب المدّعى هل مصبّه وجوب الأخذ بأحدهما، بأن يقال: إن هذا المكلّف كان يجب عليه أن يلتزم بأحدهما تخييراً فيستصحب؟
فيرد عليه: أن وجوب الأخذ بأحدهما: إما أن تقول إنه إرشادي مرجعه إلى الإرشاد إلى حجّية المأخوذ به. وإما أن يكون مولويّاً طريقيّاً بداعي إلزام المكلّف بأن لا يهرب من الخبرين. فإن كان إرشاديّاً فلا معنى لاستصحابه؛ لأنه ليس حكماً شرعيّاً ليجري فيه الاستصحاب، وان كان مولويّاً طريقيّاً، فهو وإن كان حكماً شرعياً لكن لا يثبت باستصحابه أنه لو أخذ بالخبر الآخر لكان حجّة، فإن حجّية المأخوذ ليس أثراً شرعياً لوجوب الأخذ. فبقاء وجوب الالتزام ملازم مع جعل الحجّية للمأخوذ، وليس من آثاره الشرعية.
المصبّ الآخر للاستصحاب: هو أن يجري الاستصحاب في الحجّية، وهو استصحاب تعليقي؛ لأنه كان إذا التزم بالخبر الدالّ على وجوب صلاة الجمعة، لكان حجّة، فيستصحب هذا المطلب التعليقي. وليس هناك حجّية فعليّة للخبر غير المأخوذ أوّلاً. ومعه فيبتنى جريان هذا الاستصحاب على القول بجريان الاستصحاب التعليقي.
ــــــــــ[372]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وصاحب (الكفاية) وإن كان يقول بجريان الاستصحاب التعليقي، إلّا أنه ليس من حقّه أن يجري هذا الاستصحاب؛ لأنه كان يرد عليه إشكالان في إجراء الاستصحاب التعليقي أساساً:
أحدهما: أنه لا يقين بالحدوث. وأجيب: بأن اليقين بكلّ شيء بحسبه، وهنا اليقين بالقضيّة التعليقيّة موجود.
ثانيهما: معارضته بالاستصحاب التنجيزي، فاستصحاب: (إذا غلى ينجس) معارض باستصحاب الحليّة التنجيزية قبل الغليان. وأجاب صاحب (الكفاية) عنه بانهما معاً يجريان؛ لأن هذا الزبيب قبل أن يصبح زبيباً كان فيه كِلا المطلبين: حليّة فعليّة وحرمة معلّقة، ولم يكن بينهما تنافٍ؛ لأن الحليّة مغيّاة بما علق بما علّقت عليه الحرمة وهو الغليان، فإذا لم يكن بينهما تنافٍ حدوثاً فلا بأس باستصحابهما.
وهذا الجواب لو تمّ هناك لا يجري في المقام؛ لأننا نستصحب حجّية الخبر الدالّ على وجوب صلاة الجمعة على تقدير الالتزام به، وهذا الاستصحاب معارض باستصحاب الحجّية الفعليّة المتعلّقة بخبر الظهر بعد الالتزام به. وهذه الحجّية غير مغيّاة بالأخذ بخبر الجمعة، وإلّا فمعناه أننا أحرزنا التخيير الاستمراري، فنحن لا نستصحب الحكم التخييري بما هي مغيٍّ حتى يقال: إنه لا يعارض استصحاب الحكم المعلّق بما هو معلّق. بل نستصحب الحجّية الفعليّة بما هي فعليّة، فتعارض القضيّة التعليقيّة بعد حصول شرطها. ولا يتمّ ما قاله الآخوند هناك.
ــــــــــ[373]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
هذا إذا كان التخيير في المسألة الأصوليّة، وأما إذا كان التخيير في المسألة الفقهية، فلا بأس بإجراء الاستصحاب.
وهو أن الخبر العلاجي الذي دلّ على جعل المرجّحات لأحد المتعارضين على الآخر، هل هو شامل لمورد الجمع العرفي أو لا؟
فإننا ذكرنا في المسألة السابقة أن موارد الجمع العرفي لا تدخل تحت قانون التساقط، فهل تشملها الأخبار العلاجية أو لا؟ قد يدعى ابتداءً: الشمول بالإطلاق؛ لأن موارد الجمع العرفي وإن كان لا يوجد تعارض بين العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد، لكون الخاصّ والمقيّد قرينة، والقرينة حاكمة على ذيها، ولكنّنا بيّنا وجود التنافي في الدلالة، وحينئذٍ يقال: بأن موضوع هذه الأخبار هو الخبرين المتنافيين في الدلالة، وهو متحقّق في موارد الجمع العرفي. نعم، لو كان الموضوع هما الخبران المتنافيان في الحجّية، فهذان غير متنافيان في الحجّية؛ لأن أحدهما قرينة والآخر ذيها، والقرينة حاكمة على ذيها.
*****
فبناءً على أن موضوعها التنافي في الحجّية، فلا تكون شاملة موارد الجمع العرفي، وإن كان موضوعها التنافي في الدلالة فيشملها؛ لوجود التنافي في الدلالة والحكاية. نعم، يستثنى من ذلك باب الورود؛ لأننا قلنا إن التنافي غير موجود حتى في عالم الحكاية والدلالة. ثمّ يستظهر الشقّ الثاني ويقال: إن ظاهر العناوين المأخوذة في الأخبار العلاجيّة كقوله: (حديثان مختلفان أو متعارضان
ــــــــــ[374]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أو أحدهما يأمر والآخر ينهى). فإن ظاهره التعارض والتنافي بين الحديثين بما هما حديثان، بقطع النظر عن حكمه الشرعي وهو الحجّية.
وما قيل وما يمكن أن يقال في الجواب على ذلك عدّة وجوه، نقتصر على أربعة:
الوجه الأوّل: إن مقتضى الجمود على العنوان المأخوذ في السؤال وإن كان هو ما ذكر، ولكن يوجد قرينة حاليّة على تقييد الكلام، وهي ظهور حال السائل بالتحيّر، والتحيّر من الإنسان العرفي لا تناسب موارد الجمع العرفي، فإن الإنسان العرفي بما هو عرفي لا يتحيّر فيها.
إلّا أن هذا مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك:
أوّلاً: لأن المضمون ورد في بعض الروايات العلاجيّة ابتداء من قبل الإمام، لا كجواب على سؤال كان عمدة الروايات وهي صحيحة الراوندي.
وثانياً: أن تحيّر الإنسان العرفي له معنيان:
أحدهما: تحيّره في مقام الجمع وتكوين مدلول عرفي لكِلا الدليلين. وهو غير موجود للإنسان العرفي في مقام الجمع العرفي.
ثانيهما: أن يكون تحيّراً حول ما إذا كان هذا المدلول العرفي المقتنص من الأدلّة بالكسر والانكسار ممضىً من قبل الشارع أو لا. وكون الإنسان عرفياً لا يقتضي جزمه بإمضاء الشارع، فيكون تحيّره أمراً معقولاً. والسؤال من الإمام بما هو إمام لا يكون قرينة إلّا على التحيّر بالمعنى الثاني، فلا يكون في الكلام دلالة على أن نظر السائل إلى خصوص موارد غير الجمع العرفي.
ــــــــــ[375]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الجواب الثاني(1): أن يقال بأن الأخبار العلاجيّة شاملة لموارد الجمع العرفي بالإطلاق –طبعاً–، وليست نصّاً فيها، فيحصل هناك تصادم بين مطلبين.
أحدهما: إطلاق الأخبار العلاجيّة.
والآخر: السيرة العقلائية القائمة على حجّية الجمع العرفي ولزوم إعماله والأخذ به في المتعارضين.
فيدور الأمر بين أن يكون الإطلاق وارداً عن السيرة أو أن تكون السيرة مخصّصة. سنخ ما سبق من صاحب (الكفاية) في الأدلّة الدالّة على عدم حجّية خبر الواحد، حيث استدلّوا بإطلاقات الردع عن العمل بالظنّ. وبعد فرض التكافؤ بين المطلبين-مثلاً– فلا يثبت حجّية الإطلاق بنحو الردع، ولا حجّية السيرة بنحو التخصيص، لا بُدّ أن نرجع إلى الأصل العملي فيجري استصحاب بقاء حجّية الخاصّ وبقاء سقوط حجّية العامّ. فإن قواعد الجمع العرفي القائلة بأن الخاصّ حجّة دون العامّ أمضيت في صدر الشريعة. فإذا كانت الأخبار العلاجيّة تردع عن ذلك فهو نسخ في الحقيقة، فإذا أسقطت إطلاقاتها ترجع إلى استصحاب ذلك الإمضاء.
وهذا التقريب غير صحيح كما شرحناه مفصّلاً في بحث الخبر الواحد، ونقتصر هنا على نكتة واحدة، وهي: أنه إذا دار الأمر بين رادعيّة الإطلاق ومخصّصية السيرة تتعيّن الرادعيّة.
والوجه في ذلك: أن اقتضاء السيرة للحجّية فرع إحراز عدم الردع،
ــــــــــ[376]ــــــــــ
(1) هذا هو الوجه الثاني.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
بخلاف اقتضاء الإطلاق فإنه محفوظ سواء ورد مخصّص أو لا. فالإطلاق يكون رافعاً لاقتضاء السيرة، ولا تكون السيرة رافعة لاقتضائه، وكلّما دار الأمر بين دليل رافع لاقتضاءٍ ولآخر -للحجّية- دون العكس، يتقدّم الرافع لا محالة؛ فيتعيّن الالتزام بالردع.
وإن شئتم قلتم: إن المقتضي للردع موجود وهو الإطلاق، والمانع مفقود، فإن ما يتصوّر أن يكون مانعاً ليس إلّا مخصّصية السيرة، ومخصّصيتها فرع حجّيتها، وحجّيتها فرع عدم الردع. وأما مخصّصية السيرة فالمقتضي لها غير موجود؛ لأنه فرع عدم الردع والردع متحقّق (1).
الجواب الثالث(1): إن السيرة العقلائية المنعقدة على الأخذ بالجمع العرفي، حيث إنها مركوزة في الأذهان وعليها العمل في مقام التفهيم والتفهم، لو أراد الشارع أن يردع عنها فإنه لا يكتفي بإطلاق خطاب، بل يحتاج إلى خطاب برأسه. بل قد يقال: إن ارتكازية هذه السيرة تصلح لأن تكون قرينة لُبّية متّصلة توجب تقييد الإطلاق، فكيف يكتفي المولى بإطلاق تصلح السيرة أن تكون قرينة متّصلة على تقييده؟ وهذا الوجه صحيح في نفسه.
الجواب الرابع(3): وهو ألطف الأجوبة، وهو أننا نستفيد من نفس الأخبار
ــــــــــ[377]ــــــــــ
() وقال السيّد جواباً على سؤال: إذا كانت السيرة كالقرينة المتّصلة فإنها تقيّد الإطلاق، لكنّه يدعى في هذا الوجه أنها كالقرينة المنفصلة.
(2) هذا هو الوجه الثالث.
(3) هذا هو الجواب الرابع.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
العلاجيّة تفوّق الجمع العرفي وعدم شمول المرجّحات له. وتوضيح ذلك: أن عمدة هذه الأخبار وهي صحيحة الراوندي قد فرضت أوّلاً حديثين متعارضين لا بُدّ من علاجهما، وظاهرها أنها لولا المعارضة لكان حجّة في نفسه، وإنما وقع التحيّر في العمل بهما من ناحية المعارضة.
وإذا لاحظنا المرجّحات نجد أوّلها موافقة الكتاب. إذن تدلّ على أن هذا الخبر المخالف لكتاب الله حجّة في نفسه، بحيث لو كان وحده لعملنا به. والقدر المتيقّن من هذه المخالفة هي المخالفة بنحو الجمع العرفي، كمخالفة الخاصّ مع العامّ والمطلق مع المقيّد، فيثبت بهذه الرواية أن ما يكون مخالفاً للكتاب بنحو الجمع العرفي يكون حجّة ومقدّماً على العامّ الكتابي، فيثبت لا محالة بالأولوية والارتكاز العرفي حجّية هذا الخبر المخالف للكتاب فيما إذا كان في مقابله خبر آخر، وبينهما جمع عرفي.
وإن شئتم قلتم: إن رواية الراوندي تدلّ على حجّية الخبر في نفسه إذا كان مخالفاً للدليل القطعي، فيثبت أيضاً الحجّية عند التعارض بين الدليلين الظنّيين.
في أن المرجّحات العلاجيّة هل تعمل في مورد العموم من وجه، كما تشمل مورد التعارض بنحو التباين، فلو ورد متباينان نطبّق عليهما هذه الأخبار؟ فهل كذلك لو ورد متعارضان بنحو العموم من وجه، كما لو قال: (أكرم العالم) أو (كلّ عالم) وقال: (لا تكرم المخالف) أو (كلّ مخالف).
ــــــــــ[378]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
نقل السيّد الأستاذ عن المحقّق النائيني أنه فصل في المقام بين المرجّحات السندية وغيرها. فذكر: أن كلّ مرجّح استفدنا من دليله أنه ترجيح بلحاظ السند لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا الترجيح لا يأتي في مورد العموم من وجه، وكلّ ترجيح لم نستفد منه ذلك، بل كان ترجيحاً بلحاظ المفاد والمدلول، فلا نقول بشموله له.
وذكر في وجه ذلك: أن الترجيح إذا استفدنا من دليله أنه ترجيح سندي، ففي مورد العامّين من وجه تسأل وتقول: كيف تطبقون هذا الترجيح؟ هل ترجّحون صدور هذا العامّ على ذاك العامّ بحيث تسقطون الآخر رأساً؟ فهذا بلا موجب؛ لأن مادّة الافتراق منه لا معارض لها، فيكون إسقاطاً للحجّية بلا معارض. أما كونه حجّة فلدلالة الإطلاق على مادّة الافتراق وهو حجّة في نفسه، وأما كونه بلا معارض لفرض أنه مادّة الافتراق. وإن طبّقتم الترجيح على خصوص مادّة الاجتماع فهذا غير معقول؛ لأن التبعيض في الصدور غير معقول، فإنه لا معنى لأن يقال: إنه صادر بلحاظ مادّة الاجتماع وصادر بلحاظ مادّة الافتراق؛ لأن الصدور شيء واحد لا يتخصّص ولا يتبعّض.
إننا بالإمكان(1) أن نختار الشقّ الثاني ولا يرد إشكال؛ لأن التبعيض في المقام أمر معقول، وتوضيحه: أن يوجد في الكلام دالّ ودلالة، ولا شكّ أن اللفظ الدالّ واحد، ولكن دلالته متعدّدة منحلّة بانحلال المدلول إلى أجزائه،
ــــــــــ[379]ــــــــــ
() ثُمّ ناقش السيّد الأستاذ في ذلك وقال: إننا بالإمكان…(المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فتكون هناك دلالات تضمّنية متعدّدة بتعدّد الأفراد.
ففي قولنا: (خرج مَن في البلد) اللفظ واحد، ولكنّ المدلول ينحلّ إلى أفراد متعدّدة بعدد أهل البلد. وقال في مقام التمثيل بأن هناك أحكاماً شرعيّة تتعلّق باللفظ الدالّ بما هو لفظ دالّ، فيكون حكماً شرعياً واحداً ولا يتكثّر، كحرمة الكذب فإنه شأن اللفظ. فلو قال: (خرج كلّ من في البلد) ولم يكن خرج أحد، لا يقال: إنه كذب بمقدار الدلالات التضمّنية؛ لأنه لم يقل إلّا جملة واحدة. وهناك أحكام شرعية تتعلّق بالدلالة بما هي دلالة كحرمة الغيبة، فإن موضوعها كشف العيب المستور، والكشف شأن الدلالة، فلو استغاب أهل البلد فقد أوجد كشوفاً متعدّدة وأفراداً عديدة من الغيبة بعدد أفراد أهل البلد.
ثُمّ طبّق هذا المطلب على محلّ الكلام وقال: إن الحجّية من شؤون الدلالة لا من شؤون اللفظ الدالّ. ومعه فبالإمكان التبعيض فيها، فتكون بعض الدلالات الضمنية حجّة وبعضها ليس بحجّة، وهذا بعينه مما لا بُدّ من القول به لو قلنا بالتساقط في محلّ الاجتماع، فإن معناه هو العمل بمادّة الافتراق دون مادّة الاجتماع، فنحن نعمِل الترجيح في بعض الدلالات التضمّنية وهي المبتلاة بالمعارض دون غيرها. ولا بأس بالتفكيك بين الدلالات التضمّنية في الحجّية، وليس من قبيل التفكيك في الدلالة الالتزامية.
إلّا أن التحقيق في المقام أن كُلّاً من هذين الكلامين لا يمكن المساعدة عليه:
ــــــــــ[380]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
أما ما أفاده السيّد الأستاذ في جواب الميرزا: فنحن لا بُدّ أن نميّز بين مطلبين: كلام الراوي وكلام الإمام. فإن كلام زرارة لا يحكي عن الأحكام الشرعية ابتداءً، وإنما هو يحكي عن كلام المعصوم، وكلام المعصوم يحكي عن الأحكام الشرعية. فكلام الراوي ابتداءً ليس له دلالات تضمّنية بقدر الأحكام الشرعية؛ لأنه يحكي كلام الإمام لا الأحكام. ونحن كلامنا في الترجيح السندي ليس هو كلام الإمام حتى يقال: بعض الدلالات التضمّنية حجّة وبعضها ليست حجّة، فإن هذا إنما يصحّ فيما لو علمنا بكلام الإمام وجداناً أو تعبّداً. ولكن كلامنا في حكاية زرارة عن كلام الإمام؛ لأن المرجّحات السندية إنما تعمل في ذلك لا في ظهور كلام الإمام. وكلام كلٍّ من الراويين حجّة في نفسه، يأمرنا دليل الحجّية بالتعبّدية، والمفروض أن كُلّاً منهما نقل جملة واحدة، وفي هذه المرتبة لا يوجد إلّا دالّ واحد ودلالة واحدة -مثلاً-، وهذه الجملة إما واردة أو لا، ولا معنى لأن يقال: إنها صادرة من جهة وغير صادرة من جهة. فيكون إشكال المرزا وارداً.
وأما حساب المحقّق النائيني: فيرد عليه:
أن هذه الصياغة في الإشكال ليست فنيّة؛ إذ لا معنى لأن يستدلّ على عدم شمول المرجّحات السندية لحمل الكلام بعدم إمكان التبعيض في الدلالة، بل
ــــــــــ[381]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لا بُدّ أن يرى أن أخبار الترجيح هل هي شاملة لموارد العامّين من وجه أو لا؟ فإن(1) كان التبعيض ممكناً فهو، وإلّا كانت أدلّة الترجيح دالّة على إسقاط العامّ رأساً، فيكون إسقاطاً مع الموجب، وهو شمول تلك الأدلّة للمقام، وليس إسقاطاً بلا موجب.
فلأن التبعيض ممكن في المقام؛ لأن كلّ واحد من هذين الراويين بحسب الحقيقة ينقل واقعتين عن الإمام، إحداهما إثباتية والأخرى سلبية، فالإثباتية هي أنني سمعتُ أن الإمام قال كذا. والسلبية أنه لم يقل إلّا كذا، يعني لم يقيّد أو يخصّص بالمتّصل. وبحسب عالم الثبوت يمكن أن يكون الراوي صادقاً فيهما معاً، كما يمكن أن يكون صادقاً في الأولى كاذباً أو مخطئاً في الثانية. وما هو طرف المعارضة بحسب الحقيقة هو الشهادة الثانية منهما دون الأولى، فإنه لا تعارض بين الدلالتين الأوليين في أنفسهما، لو لم يشهد الراوي بعدم التقييد بل قال: (لا أدري).
فإن قيل: بأنه لا تعارض بين الدلالتين السلبيتين في أنفسهما أيضاً.
قلنا: نعم، ولكنّ الجزء الأخير من علّة التعارض هو الدلالة السلبية.
فإن قيل: فإن التعارض يقع بين الدلالتين الإثباتيتين من ناحية والسلبيتين من ناحية أخرى.
ــــــــــ[382]ــــــــــ
() فإن لم تكن شاملة فقد استرحنا، وإن كانت شاملة وكان التبعيض ممكناً… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
قلنا: كلّا؛ لعدم قيام الدلالة الثانية مستقلّة في مقابل الأولى، فإن الدلالة الثانية ليست عبارة عن مطلق العدم أو مطلق السكوت، بل هي السكوت بعد الكلام، ومن هنا تكون متوقّفة في وجودها على الكلام السابق، ولا يكون الكلام متوقّفاً في وجوده عليها.
فالشهادتان الأوليان حيث لا تعارض بينهما، فلا بأس من التمسّك بدليل الحجّية الأولى لهما. وهذا هو الذي يصحّح حجّية مورد الافتراق، بدليل أنه يكون ثابتاً، سواء ورد التخصيص المخرج لمورد الاجتماع أو لا. وأما الشهادتان الثانيتان: فتتعارضان تعارضاً صدورياً، فنطبّق عليهما المرجّحات الصدورية، ولا يلزم من ذلك التبعيض؛ لأنه في الحقيقة تطبيق لدليل الترجيح على خبر دون خبر. فإن رجّحنا أحداهما على الأخرى فتكون إحدى الروايتين بكِلا دلالتيها حجّة، والأخرى حجّة بدلالتها الأولى دون الثانية. وبذلك تثبت مادّة الافتراق من جهته كما أوضحنا.
إذن فالصحيح -مبدئياً- أن أدلّة الترجيح تشمل العامّين من وجه.
هناك كلمات أخرى نجعلها في مناقشة الميرزا :
هل عندنا مرجّحات سندية أو لا؟ فإن محطّ إشكال المرزا هو المرجّحات السندية، فهل عندنا ذلك أو لا؟ ليكون الإشكال بلا موضوع.
بحسب الحقيقة كون المرجّح سندياً أو لا، مربوط بالاستظهار من دليل الترجيح.
ــــــــــ[383]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
توضيحه: أن عندنا في المقام أمران: نقل الراوي، والكلام المنقول عن الإمام. فتارةً يكون مصبّ الترجيح في لسان دليله هو ترجيح نقل على نقل، وأخرى يكون مصبّه ترجيح مفاد على مفاد. فإن كان مصبّ الترجيح النقل فظاهره الترجيح السندي، بمعنى التعبّد بصدور الرواية الراجّحة من الإمام وعدم صدور الأخرى. وأما إذا كان المصبّ هو الكلام المنقول، فلا يكون في لسان هذا الترجيح نظر إلى مسألة السند، بل يكون تمام نظره إلى الحجّية الفعليّة، وتقديم أحدهما على الآخر بلحاظها. ومعه يكون الترجيح الدلالي شاملاً حتى للأحاديث القطعية السند إذ كانت متعارضة، بينما اللسان الأوّل يختصّ بالأخبار الظنّية؛ لأن الأخبار القطعية لا معنى لترجيح نقل على نقل فيها، فإذا كان هناك ترجيح فهو ترجيح حديث على حديث.
فإذا نظرنا إلى ما بيدنا من الروايات، فإن قلنا بالترجيح بصفات الراوي عملاً بالمقبولة والمرفوعة، فظاهره ترجيح نقل على نقل؛ لأن مصبّ الترجيح هو نفس عنوان الرواية. فقال: “خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك“، فهو ترجيح لكلام الراوي وقوله، لا ترجيح لكلام الإمام المنقول. وقال: “الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما” -بعد تفسير الحكم بالخبر- فإن الترجيح سندي، ومرجعه إلى التعبّد بنقل هذا الراوي دون الآخر لمعارضته بما هو أرجح منه، فيكون ترجيحاً سندياً وموضوعاً لإشكال المرزا على الكلام.
وأما إذا اقتصرنا في مقام الترجيح على ما يستفاد من رواية الراوندي، فهذه الرواية ظاهرها اللسان الثاني دون الأوّل، حيث يقول: “إذا ورد عليكم
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
حديثان مختلفان فاعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه…“. فمصبّ الترجيح هو الحديث، يعني: الشيء المنقول، لا النقل نفسه، فإن الحديث هو المنقول والنقل هو الرواية؛ فيكون ناظراً إلى الترجيح بلحاظ الحجّية الفعليّة، وليس -فقط- إلى مرجّحية الصدور. ومن هنا نتمسّك بإطلاق رواية الراوندي لا محالة؛ للترجيح حتى في مورد الأحاديث القطعية السند بالنسبة إلى المرجّح الثاني وهو: مخالفة العامّة. وبذلك لا يكون مرجّحاً سندياً، بل مرجّحاً فعليّاً بقطع النظر عن السند، فيكون إشكال المرزا بلا موضوع.
إن رواية الراوندي التي هي دليل الترجيح، صحّحنا بها حتى الآن معقولية إعمال المرجّحات السندية، فضلاً عن غيرها في العامّين من وجه، لإمكان التبعيض في الصدور كما تقدّم. فهل مقام الإثبات يساعد على ذلك أو لا؟ فيمكن أن يقال: إن رواية الراوندي لا تشمل موارد العامّين من وجه، فإن سياقها يأبى عن الانطباق على العامّين وجه، سواء كان الترجيح فيها ترجيحاً سندياً أو ترجيحاً بلحاظ الحجّية الفعليّة.
أما إذا كان ترجيحاً سندياً فنكرّر نفس كلام المرزا، ونقول: إن رواية الراوندي هل تسقط أحد العامّين من وجه رأساً، أو في مادّة الاجتماع فقط؟ وقد قلنا في بحث مقام الثبوت بأن دليل الترجيح يمكن أن يقدّم الرواية الثانية -السلبية- لأحد الراويين على الآخر. وهذا وإن كان ممكناً ثبوتاً إلّا أنه خلاف
ــــــــــ[385]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الظاهر، فإن ظاهرها تقديم حديث على حديث، بحيث يؤخذ بأحدهما ويرد الآخر، قال “وما خالف كتاب الله فردوه“. والحديث إنما هو الكلام المنقول لا السكوت المنقول.
وحينئذٍ فيقال: إن الحديث الذي يطرح هل يطرح بتمامه أو بجزء مدلوله؟ فإن قيل بتمامه، فهو خلاف المتفاهم عرفاً من نفس الأخبار العلاجية، من أنها في مقام علاج مقدار التعارض، لا في مقام إسقاط ما لا معارض له، ولعلّ هذا هو مراد المرزا من قوله: (إنه إسقاط بلا موجب)، فإن روح مراده يرجع الى ذلك. وإن قيل: إنه يسقط في مادّة الاجتماع فهو تبعيض في الصدور، ونحن لم نتعقّله بلحاظ نفس الكلام المنقول، فتختصّ هذه الرواية بالمتعارضين المتباينين.
وقولوا نفس الشيء بناءً على كون الترجيح سندياً. لكن هنا يمكن أن يقال: بأن العرف يلغي خصوصية المورد. إذا قلنا بأن موافقة الكتاب ومخالفة العامّة إنما أخذت لقوّة المدلول في نفسه لا لقوّة السند، وقوّة المدلول كما تحصل في المتباينين تحصل في العامّين من وجه. فإن جزم العرف بذلك تعدّى، إلّا أن الجزم به لا يخلو من إشكال.
إنه بعد فرض أن رواية الراوندي لا تشمل العامّين من وجه، فهل يمكن تطبيق الترجّحين: (موافقة الكتاب) و(مخالفة العامّة) على القاعدة، بلا حاجة إلى الرواية؟
أما الترجيح الأوّل: القائل بالأخذ بما وافق الكتاب وطرح ما خالفه،
ــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فدليله على القاعدة هو العموم الفوقاني القائل: (اطرح ما خالف كتاب الله)، فإنه يشمل كلّ شيء يخالف كتاب الله، سواء كان خبراً أو مذهباً أو ديناً أو إطلاقاً أو عموماً، وسواء كان له معارض أو لم يكن. ومن جملة ما يخالف كتاب الله عموم هذا الخبر، غاية الأمر أنه لو لم يكن له معارض لكان قرينة على كتاب الله، ولخرج من هذا العموم. وأما مع ابتلائه بالمعارض فلا يوجد ما يخرجه عنه، فيسقط حجّيته، ومعه فيؤخذ بالعامّ الآخر بلا معارض.
*****
وبعبارة أخرى: إنه عندنا -في الروايتين المتعارضين بنحو العموم من وجه- ظهوران: ظهور في هذه الرواية موافق للكتاب، وظهور في الأخرى مخالف، وقد تعارض الظهوران، فلو بقينا ودليل الحجّية الأوّلي للظهور لقلنا بالتساقط في مادّة الاجتماع. لكن يوجد عندنا الأمر بطرح ما خالف كتاب الله، وهو عموم يقتضي إسقاط الحجّية عن كلّ ما خالف كتاب الله، سواء كان حديثاً أو لم يكن، وسواء كان له معارض أو لا. والأمر بطرحه إرشاد إلى عدم صحّته وعدم جواز التعديل عليه، فهو لا يختصّ بخصوص الأخبار المخالفة لكتاب الله حتى يقال: إنه لا يشمل الظهور المخالف، بل يختصّ بالخبر المخالف؛ لأن موضوعه هو (ما) اسم الموصول، وهو كما يشمل الرواية يشمل الحديث أيضاً، أو كما يشمل السند يشمل الظهور أيضاً، فكلّ ظهور مخالف لا بُدّ من رفع اليد عنه، سواء كان يصلح للقرينية أو لا، وسواء كان له معارض أو لا. فهذه أربع صور ناتجة من ضرب اثنتين في اثنتين، خرجت صورة واحدة من
ــــــــــ[387]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الأربع عن العامّ، وهو ما إذا كان يصلح للقرينية على كتاب الله ولا يكون له معارض، بقرينة رواية الراوندي ببيان سبق. ويبقى تحتها الصور الأخرى بما فيها مورد ما إذا كان المخالف صالحاً للقرينية وله معارض.
فهنا -كما قلنا- ظهوران: أحدهما: موافق للكتاب، والآخر مخالف له، وإن كان يصلح للقرينية عليه وله معارض. فيكون مقتضى العموم الفوقاني سقوطه، فيسقط. فترتفع المعارضة، ويكون دليل حجّية الظهورات شاملاً للآخر بدون مانع.
وأما المرجّح الثاني: وهو مخالفة العامّة، فقد تقدّمت الإشارة إليه في المتعارضين المتباينين، إذا كان أحدهما موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً. وأنه يمكن أن يدّعى أن مقتضى الجمع العرفي حمل الموافق على التقيّة والعمل بالخبر المخالف.
فهنا أن نقول: إن كلّ دليلين متعارضين، لهما مرحلتان من الدلالة:
الأولى: الدلالة الاستعمالية.
والأخرى: الدلالة الجديّة.
والأولى يقابلها التجوّز والتأويل، والثانية يقابلها التقيّة ونحوها من الدواعي غير الجديّة.
فيدّعى: أن قانون الجمع العرفي يطبّق أوّلاً على المرحلة الأولى من الدلالة، فإن رؤي أن أحدهما نصّ والآخر ظاهر، حيث يصلح أن يكون الأوّل مفسّراً له وقرينة عليه جمع بينهما، ولا يلتفت حينئذٍ إلى المرحلة الثانية من الدلالة.
ــــــــــ[388]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
مثاله: الروايات الدالّة على طهارة أهل الكتاب، مع الروايات التي تأمر بالغسل من ملاقاة أهل الكتاب، فإننا إذا راجعناها نرى أن روايات الطهارة نصّ في الطهارة بحسب المدلول الاستعمالي، والأخرى ظاهرة بالطهارة باعتبار الأمر بالغسل، فيقال: إن مقتضى الجمع العرفي تعني حمل الأمر بالغسل على الاستحباب بقرينة نصوصية أخبار الطهارة، ولا يلتفت إلى المرحلة الثانية وإلّا لانقلب المطلب؛ لأن روايات النجاسة وإن لم تكن نصّاً بلحاظ المدلول الاستعمالي إلّا أنها نصّ في المدلول الجدّي؛ لأن علماء السنة متّفقون على القول بطهارة أهل الكتاب، ولم يوجد واحد منهم يفتي بالنجاسة. على حين أن أخبار الطهارة ظاهرة في أنها ليست تقيّة بأصالة الجهة وليست نصّاً. فهناك تعاكس في المرحلتين من هذه الناحية. وعلى أيّ حال فالجمع العرفي يطبّق على المرحلة الأولى أوّلاً بغضّ النظر عن الثانية.
فإن فرض أنه تعسّر علينا إعمال الجمع العرفي في مرحلة المدلول الاستعمالي، فكان كِلاهما نصّ أو ظاهر لا يصلح للقرينية، فهنا ندّعي أن الارتكاز العرفي يقتضي الانتقال من مرحلة المدلول الأوّل إلى مرحلة المدلول الثاني، فنرى أنه أيّهما نصّ في عدم التقيّة وأيّهما ظاهر، فيكون النصّ قرينة على الآخر. والمخالف للعامّة نصّ في عدم التقيّة؛ لأن صدوره بدون داعي الجدّ بعيد جداً، وإن احتمل صاحب (الحدائق) أن بعض الأخبار المخالفة للعامّة أيضاً صدرت تقيّة بقصد إيجاد تشويش في فتاوي الشيعة، بحيث يؤدّي إلى اختفاء أمرهم وعدم ظهورهم. إلّا أن هذا مما تنفيه القرائن بحيث يكون
ــــــــــ[389]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الاطمئنان على خلافه. ومعه فنُعمِل قانون تقديم النصّ على الظاهر، فنقدّم المخالف على الموافق.
اعتراض في المقام
وهنا يوجد اعتراض على نتيجة هذا الكلام، كان محلّ ذكره في المتعارضين المتباينين -ولا يرد في العامّين من وجه-، إلّا أننا نذكره الآن استدراكاً لِما سبق، وقد أشار إليه المحقّق الخراساني وتبعه عليه المحقّقون الآخرون.
وقالوا: في مقام توضيح ذلك: إن الحمل على التقيّة ليس جمعاً عرفياً، ويختلف عن موارد الجمع العرفي؛ لأن مفاد دليل الحجّية هو: التعبّد بمدلول الخبر بالمقدار الذي يبقى له من مدلول بعد ضمّ القرائن العرفية إليه متّصلة أو منفصلة. والعمل بمدلول كلٍّ منهما بهذا المقدار معقول في موارد الجمع العرفي، فالعامّ نعمل به بعد ضمّ القرائن إليه وهو مخصّصه، والخاصّ نعمل به جميعه؛ لأنه لا قرينة عليه. ولهذا لا يسري التعارض إلى السند في موارد الجمع العرفي إذ لا منافاة بين التعبّد بهذا السند والتعبّد بالسند الآخر؛ لأن التعبّد معناه التعبّد بالمقدار الذي يتبقّى بعد ضمّ القرائن إليه وتحكيمها عليه، وهو أمر متحقّق في الروايتين.
وأما في موارد الحمل على التقيّة لو أردنا أن نعمل هذا الجمع العرفي ونحمله على التقيّة، فهو معنى إسقاط الحديث تماماً، فلا يبقى له مدلول ليشمله دليل التعبّد بالسند، فيوجب ذلك رفع اليد عن دليل حجّية سند الرواية المحمولة على التقيّة، وهذا معناه أن الخبر غير المخالف للعامّة يوجب سقوط
ــــــــــ[390]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
سند الرواية الموافقة، وهذا معناه أن التعارض يسري إلى السند. ومعه لا معنى للجمع الدلالي.
الجواب عن الاعتراض
إلّا أن التحقيق أن هذا الاعتراض ليس في محلّه؛ لأن مفاد دليل الحجّية وإن كان هو التعبّد بما يتحصّل من مدلول بعد تحكيم القرائن عليه، إلّا أن حجّية هذا المقدار أُخذ في موضوعها قيدان:
أحدهما: وثاقة الراوي وهو شرط مصرّح به.
وثانيهما: قيد موجود بحكم العقل وهو أن يكون له أثر عملي، وهو شرط ثابت بدلالة الاقتضاء؛ صوناً لكلام الحكيم عن اللغوية.
حينئذٍ يقال: بأن شمول دليل الحجّية للخبر المخالف للعامّة يكون على شموله للخبر الموافق، -لا أنه يحصل تعارض بين الشمولين-؛ لأنه بعد فرض شموله للخبر المخالف، فبالنسبة إلى الخبر الآخر يقول دليل الحجّية: اعمل بمدلوله بمقدار ما يبقى له من مدلول بعد ضمّ القرائن إليه لو كان له أثر عملي. ونحن نرى أنه لا يبقى له أثر عملي، فشمول دليل الحجّية للخبر المخالف يرفع موضوع شموله للخبر الموافق، وهذا معنى الحكومة. وإنما يحصل التعارض فيما إذا كان هناك تنافٍ بينهما، ولا يرفع أحدهما موضوع الآخر. وهنا شمول دليل الحجّية للخبر المخالف يرفع موضوع شموله للآخر بخلاف العكس، فإن شمول دليل الحجّية للخبر الموافق لا يرفع موضوع شموله للخبر المخالف؛ لأنه يبقى له أثر عملي. فيكون موضوع الحجّية بالسند
ــــــــــ[391]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إلى الخبر المخالف تامّاً، سواء شمل دليل الحجّية للموافق أو لا، بخلاف العكس فإنه لا يكون تامّاً مع شمول دليل الحجّية للخبر المخالف.
ومعه فلا معنى لأن نقول: إننا نرفع اليد عن سند القرينة حتى نجعل للخبر الموافق أثراً. هذا إيجاد لموضوع الحجّية ونحن لسنا مطالبين به، وإنما اللازم هو الالتزام به على تقدير تماميّة موضوعها.
نعم، يتحصّل مما ذكرناه فرق بين هذا المورد وبين سائر موارد الجمع العرفي، هو أنه في سائر الموارد -بعد تقديم الأظهر على الظاهر- يمكن التعبّد بكِلا السندين. وأما في هذا الجمع العرفي فالتعبّد بسند الظاهر غير ثابت أصلاً؛ لأن دليل الحجّية ماذا يقول لنا؟ هل يقول: اعمل بمدلوله قبل القرينة؟ فهذا خُلف. وإن قال: خُذ به بعد تحكيم القرينة. فهو لا أثر له، فلا يشمله دليل الحجّية.
هذا هو الكلام في تخريج المرجّحين على القاعدة في المتباينين والعموم من وجه.
الأولى: أن يكونا معاً بالوضع.
الثانية: أن يكونا معاً بالإطلاق.
الثالثة: أن يكون أحدهما بالوضع والآخر بالإطلاق.
أما الصورة الأولى: فهي القدر المتيقّن مما قلناه ومن مورد إجراء الأخبار العلاجيّة.
ــــــــــ[392]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
وأما الصورة الثالثة: فهي تابعة للقول بتقدّم الإطلاق الوضعي على الإطلاق الحكمي بملاك القرينية.
وأما إذا كان كِلاهما بالإطلاق، فهل تشملهما المرجّحات على تقدير شمولها للوضعيين، أو نفصل بين الوضعيين والحكميين بدعوى: أن موضوع الأخبار العلاجيّة ينطبق فيما إذا كان العامّان وضعيين، ولا ينطبق فيما إذا كانا حكميين؟
توضيحه: أن موضوع الترجيح هو الحديثان المتعارضان الصادران عن الإمام. وحينئذٍ لا بُدّ من فرض التنافي بين الكلامين الثبوتيين الصادرين؛ ليكون مشمولاً للأخبار. وأما إذا لم يكن بين الكلامين تنافٍ ابتداءً فلا يكون مشمولاً للأخبار العلاجيّة، فإن كان كِلاهما بالوضع فيكون التعارض بين العمومين تعارضاً مستفاداً من اللفظ، وأما إذا كان العمومان حكميين، فالتنافي بين الإطلاقين، والإطلاق ليس مدلولاً للفظ؛ لأن مدلول اللفظ وهو اسم الجنس ليس هو الشمول، بل هو الطبيعة المهملة فإنه موضوع لها. والإطلاق إنما يستفاد من قرينة عامّة عقليّة وهي مقدّمات الحكمة، وحيث لا تنافي بين القضيتين المهملتين وإنما التنافي بين كِليتهما، إذن فلا يصدق على الخبرين المتعارضين أنه هناك تعارض بين الحديثين، بل التعارض بين قرينتين عقليتين.
وتحقيق الكلام في ذلك: أن دعوى عدم شمول المرجّحات للمطلقين لا يمكن المساعدة عليها؛ لأن الملحوظ فيها لا يخلو من أحد أمرين:
أحدهما: أن يقصد المدّعي: أننا يجب أن نجمد على العنوان المأخوذ في الأخبار العلاجيّة، وهو عنوان الحديثين، والحديثان هما الكلامان، فلا بُدّ أن يتعارض كلام مع كلام، وفي المقام تعارض -في الحقيقة- سكوت مع سكوت؛
ــــــــــ[393]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
لأن الإطلاق في الحقيقة معلول لعدم ذكر ما يصلح للتقييد، وليس معلولاً للكلام نفسه، فإن اسم الجنس لا يدلّ إلّا على الطبيعة المهملة، فكلّ راوٍ ينقل نطقاً وسكوتاً، والتعارض إنما هو بين السكوتين لا بين النطقين.
إذا كان هذا هو المقصود فيرد عليه:
أوّلاً: أن الأخبار العلاجيّة وإن أُخذ في موضوعها التعارض بين الحديثين، لكن لم يقصد منه الكلام بالخصوص، بل يقصد منه: ما يكون حجّة من قبل الإمام على الحكم الشرعي، سواء كان كلاماً أو سكوتاً أو فعلاً. ومن هنا كانت الأخبار العلاجيّة شاملة لنقل فعلين متعارضين أو فعل وقول متعارضين، بلا إشكال. ولا إشكال أن هذا من جهة استظهار أن موضوع الحديث لم يؤخذ بما هو لفظ، بل بما هو حجّة ملقاة من قبل الإمام، والسكوت أيضاً حجّة منه ملقاة من قبله.
وثانياً: أن هذا الإشكال لعلّه يسري ببعض مراتبه حتى للعمومين الوضعيين، فإنه يوجد للعامّ الوضعي دلالتان: تصورية وتصديقية، والتصورية مستندة إلى اللفظ محضاً؛ لأنها ناشئة من الوضع –مثلاً-، وأما الدلالة التصديقية فهي فرع عدم نصب قرينة على التقييد متّصلاً، فالدلالة على العموم حالها حال الدلالة على الإطلاق من هذه الجهة، وهو كونه من شؤون السكوت. ومن المعلوم أن التعارض يقع بين المدلولين التصديقيين لا التصوريين، فإذا أعملنا مثل هذه التدقيقات فلنا أن نقول: إن التعارض حدث بين السكوتين لا بين الكلامين.
ــــــــــ[394]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
ثالثاً: أننا إذا فرضنا أن حاقّ الألفاظ في رواية الراوندي لا تشمل حاقّ الألفاظ في الإطلاقين الحكميين، فلا أقلّ من الرجوع إلى مقتضى القاعدة، وقد قلنا: إنها تقتضي ذلك حتى لو لا وجود هذه الرواية، فنرجع إلى قوله: “اطرح ما خالف كتاب الله“، وهذا السكوت أو الإطلاق الحكمي مخالف لكتاب الله. أو يقال: هذا نصّ في الإرادة الجدّية وهذا ظاهر فيها، فيقدّم النصّ على الظاهر.
التقدير الثاني: أن ينكر صاحب هذه الدعوى أن الإطلاق الحكمي مدلول للكلام أصلاً، بل يقول: إنه مدلول لقرينة عقلية كالبراهين العقلية، فيكون تعارضهما من تعارض الدليلين العقليين، ولا معنى لإعمال المرجّحات فيها.
إلّا أن هذا أوضح بطلاناً من الأوّل لأنه يرد عليه:
أولاً: أن مقدمات الحكمة وإن سمّيت بهذا الاسم، إلّا أنها ليست دليلاً عقلياً، فإن مرجعها الى ظهور حال المتكلّم بأنه يبيّن تمام مرامه بشخص كلامه، فإذا سكت يكون سكوته دالّاً بالدلالة العرفية على الإطلاق. ولهذا يعتبر الإطلاق من الدلالات العرفية، لا أنه أمر عقلائي يحتاج إلى برهان عقلي.
مضافاً: إلى أن هذا لا يقتضي سدّ باب الرجوع إلى المرجّح الأوّل، وهو موافقة الكتاب، لما بينّاه من أنه يمكن إثباته بعموم: “اطرح ما خالف كتاب الله“. وهو لا يختصّ بالأدلّة اللفظية، بل يشمل حتى البراهين العقلية.
وقد وقع سنخ هذه التشكيكات في نفس الكتاب الكريم، في تعيين ما هو المرجّح منه، وأنه هل يشترط من مرجّحية الكتاب أن يكون عامّاً وضعيّاً؟ أو
ــــــــــ[395]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يكفي أن يكون إطلاقاً حكمياً؟ وقيل: إن ما هو المرجّح هو العموم الوضعي خاصّة، وقد تعرّضنا لذلك في الأبحاث السابقة وأجبنا عليه.
وبهذا تمّ التنبيه الرابع.
حيث ادّعي في كلمات الشيخ الأعظم : أن المرجّحات الصدورية مقدّمة بطبعها على المرجّحات الجهتية، فلو ثبت مرجّح صدوري كالأصدقية والأعدلية ونحوها، ومرجّح جهتي كمخالفة العامّة، فإنه يقدّم الأوّل في مورد التعارض -وهو ما إذا كان أحدهما أصدق والآخر مخالف للعامّة-، ولا يلتفت إلى المرجّح الآخر، ومن أجله عقد هذا التنبيه.
وتحقيق الكلام في ذلك: أننا نواجه ثلاث فرضيات، وعند كلٍّ منها يوجد موقف غير الموقف الذي نقفه من الأخرى.
الفرضية الأولى: أن يفرض قيام دليل شرعي تعبّدي على المرجّح الصدوري وعلى المرجّح الجهتي، مع التزام الدليل بترتيب معيّن بين المرجّحين وإثبات الطوليّة بينهما، كما في رواية الراوندي والمقبولة.
الفرضية الثانية: أن هناك دليلين دلّ أحدهما على إعمال المرجّح الصدوري، ودلّ الآخر على إعمال المرجّح الجهتي، وليس بين الدليلين دلالة خاصّة على الترتيب بينهما، فيقع الكلام في أن مقتضى طبع كون هذا صدورياً وذاك جهتياً هل يكفي قرينة على تقديم أحدهما على الآخر؟
ــــــــــ[396]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الفرضية الثالثة: أن يدلّ الدليل على ترجيح أقوى الخبرين في الكاشفية النوعية على أضعفهما، من دون نظر إلى مسألة الصدور أو الجهة بعنوانهما. فيقع الكلام في فرض ما إذا كان أحدهما أصدق والآخر مخالف للعامّة، فأيّهما يكون أقوى كاشفية؟
أما في الفرضية الأولى: فلا إشكال في أنه لا موضوع لهذا التنبيه؛ لأنه لا بُدّ من التعبّد بالترتيب الذي يقتضيه ظاهر الدليل، فقد يقتضي تقديم المرجّح الجهتي وقد يقتضي تقديم المرجّح الصدوري. وكون المرجّح جهتياً أو صدورياً لا يقتضي شيئاً في مقابل تعيين الدليل له.
أما الفرضية الثانية: فهي التي ينطلق منها الكلام، فيقال: إن مقتضى طبع كون المرجّح صدورياً يتقدّم على المرجّح الجهتي. وفي هذه الفرضية يوجد عندنا تقديران:
الأوّل: أن نفرض أن هذين الدليلين اللذين دلّ أحدهما على الترجيح الجهتي، والآخر على الترجيح الصدوري، كلّ واحد منهما مصبّه هو عنوان الصدور والجهة، بحيث إن مصبّ الترجيح مختلف في الدليلين، فدليل الترجيح بالأصدقية مصبّه عنوان الصدور، ودليل الترجيح بمخالفة العامّة مصبّه عنوان الجهة.
الثاني: أن يكون مصبّ الترجيح في كلٍّ منهما هو الصدور، ولكن الجهة
ــــــــــ[397]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التعليلية للترجيح تارة تكون ميزة في الصدور، وأخرى ميزة في الجهة.
وهنا يوجد في كلمات الآغايون لتقديم المرجّح الصدوري على الجهتي يختصّ بخصوص التقدير الأوّل، وعندنا بيان آخر للتقدّيم لو تمّ فإنه يتمّ على كِلا التقديرين، فهنا بيانان:
وهو يختصّ بما إذا كان مصبّ الترجيح هو عنواني الصدور والجهة في دليليهما.
وحاصله: أن الذي دلّ على الترجيح الجهتي لا بُدّ أن يؤخذ في موضوعه الفراغ عن الصدور لا محالة؛ لأنه لا معنى للتكلّم عن جهة إلّا بعد الفراغ عن صدور ذيها، وهو كلام المعصوم. وحينئذٍ فأيّ مرجّح من المرجّحات التي تعمل في جانب الصدور ترفع موضوع دليل المرجّح الجهتي -في الخبر الساقط صدوراً-. وبذلك يتقدّم المرجّح الصدوري على المرجّح الجهتي.
والتحقيق في هذا البيان: هو أننا لا بُدّ أن نعرف أوّلاً أنه إن كان قد أُخذ الفراغ في موضوع دليل المرجّح الجهتي، فهو الفراغ عن صدور الخبر المخالف للعامّة. ولا موجب لأن يفرغ عن الآخر؛ لأن دليل الترجيح الجهتي لا يريد أن يتعبّدنا بالتقيّة في الخبر الموافق، حتى يقال إنه يتوقّف على الفراغ من صدوره، فإن التعبّد بالتقيّة لا محصّل له عرفاً، بل غايته إسقاط أصالة الجهة في الخبر الموافق، ومرجعه إلى نفي الصدور الجدّي له، ومن المعلوم أن نفي الصدور الجدّي ليس فرعاً عن أصل الصدور، فإن نفي الخاصّ ليس فرعاً من الفراغ
ــــــــــ[398]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
عن العامّ. فلو قلنا: (إن فلاناً ليس عالماً عادلاً) فليس معناه أنه فرغنا عن كونه عالماً.
نعم، قد يقال: إنه لا بُدّ أن يفرغ عن صدور الخبر المخالف للعامّة؛ لأن معنى الترجيح السندي هو تقديم الخبر المخالف وتتميم جهته، فإذا كان هناك فراغ لا بُدّ أن يؤخذ فإنما هو في صدور الخبر المخالف للعامّة دون الموافق.
وحينئذٍ نقول: إن هذه المفروغية عن صدور الخبر المخالف للعامّة لها أحد ثلاثة معاني:
المعنى الأوّل: أن يكون المقصود منها أن يؤخذ في دليل المرجّح الجهتي إحراز صدور الخبر المخالف إما وجداناً أو تعبّداً. فكأنّه يقول: إذا كنت تحرز صدور هذا الخبر وجداناً أو تعبداً فأنا أتمّم جهته، وأسقط جهة الخبر الآخر.
وفي مثل ذلك: إن فرضنا أن المرجّح الجهتي لم يصدم بمرجّح صدوري في الطرف الآخر، بأن كان الراويان متساويين في الصدق والعدالة، إلّا أن أ حد الخبرين موافق للعامّة والآخر مخالف. وموضوع دليل الترجيح هو إحراز صدور الخبر المخالف، وهذا الإحراز يتكفّله دليل الحجّية الأولي لخبر الثقة، فإنه حينئذٍ يشمل هذا ولا يشمل ذاك؛ لأن شموله للخبر الموافق للعامّة لغو؛ لأن دليل المرجّح الجهتي قد نفى الصدور الجدّي، فدليل الحجّية الأوّلي لا ينتهي به إلى صدور جدّي، ومعه يبقى الآخر بلا معارض، فيشمله دليل الحجّية.
وبعبارة أخرى: إن دليلي الحجّية ودليل الترجيح متساندان في الإنتاج،
ــــــــــ[399]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فدليل الترجيح يرفع التعارض، ودليل الحجّية يحقّق موضوع المرجّح الجهتي وهو الإحراز.
وأما إذا (صدم المرجّح الجهتي بمرجّح صدوري)، فكان أحدهما أصدق لكنّه موافق للعامّة، والآخر صادقاً مخالفاً للعامّة. ففي مثل ذلك يكون دليل المرجّح الصدوري رافعاً لموضوع المرجّح الجهتي، ولا يمكن لدليل الحجّية الفوقاني أن يحقّق موضوع المرجّح الجهتي؛ لأن موضوعه هو إحراز حجّية الخبر المخالف للعامّة، والمفروض أنه قد انتفى هذا الإحراز بدليل المرجّح الصدوري. ومعه فنعمل بدليل المرجّح الصدوري بلا معارض، ولا يمكن أن يكون معارضاً للمرجّح الجهتي؛ لأن شمول المرجّح الجهتي فرع وجود موضوعه، وهو مرتفع بدليل المرجّح الصدوري.
فهذا أحد المعاني الثلاثة للمفروغية، إلّا أنه لا يتعيّن إلّا بعد عدم المعاني المتأخّرة: الثاني والثالث.
المعنى الثاني لها: أن المقصود من كون دليل المرجّح الجهتي أُخذ في موضوع الفراغ عن صدور الخبر المخالف للعامّة: أنه أُخذ فيه واقع صدور الخبر المخالف لا إحراز صدوره. فيرجع إلى قضيّة شرطيّة حاصلها: (إذا كان الخبر المخالف صادراً في علم الله فأنا أعبدك) أنّ الجهة في الخبر المخالف تامّة وفي الخبر الموافق ساقطة.
ففي مثل ذلك: إن لم يصطدم بمرجّح صدوري، نثبت موضوع دليل الترجيح الجهتي ببركة دليل الحجّية الفوقاني؛ لأنه يشمل الخبر المخالف، ولا
ــــــــــ[400]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
يشمل الموافق؛ لعدم انتهائه إلى الأثر العملي.
وأما مع ابتلاءٍ بمرجّح صدوري في الطرف الآخر، فحينئذٍ لا بُدّ وأن نرى ما هو مفاد المرجّح الصدوري؟ هل هو التعبّد بصدور الأصدق والتعبّد بعدم صدور الآخر، أو مجرّد عدم التعبّد بصدور الآخر؟ فإن كان مفاده هو الأوّل، فهو ينفي موضوع المرجّح الجهتي؛ لأن موضوعه حسب الفرض هو صدور الخبر المخالف، والمرجّح الصدوري يرفع موضوعه، فيتقدّم على الجهتي بالحكومة.
وأما إذا كان مفاد المرجّح الصدوري مقتصراً على التعبّد بصدور خبر الأصدق الأعدل، وساكتاً عن خبر الآخر فدليل المرجّح الصدوري لا يمكنه أن ينفي خبر العادل، لكن يمكن تتميمه باستصحاب عدم الصدور؛ لأن مرجع دليل المرجّح الجهتي على هذا التقدير: أن أصالة الجهة في الخبر الموافق للعامّة فرع عدم واقع صدور الخبر المخالف للعامّة، فباستصحاب عدم صدور الخبر المخالف أنفي سقوط أصالة الجهة في الخبر الموافق؛ فتكون النتيجة على المعنى الثاني هي نتيجة الحكومة.
المعنى الثالث: أن المفروغية بمعنى كون الخبر في نفسه تامّ الملاك صدوراً
-لا أكثر من ذلك-، ومعنى ذلك أن دليل المرجّح الجهتي يرجع إلى قضيّة شرطيّة حاصلها: إن وجد خبر تامّ الملاك في نفسه للصدور مخالف للعامّة، فأنا أسقط أصالة الجهة في الخبر الموافق، أي: أنفي صدوره الجدّي.
بناءً عليه فدليل المرجّح الصدوري لا يقوى على أن يرفع موضوع دليل
ــــــــــ[401]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المرجّح الجهتي؛ لأن هذا بالآخرة تامّ الملاك في نفسه، فكِلا الدليلين يكونان في عرض واحد، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.
إذن فالتقديم فرع ما نستفيده من دليل الترجيح من أحد هذه الاحتمالات الثلاثة (1).
وهو يعمّ كِلا التقديرين، سواء كان مصبّ الترجيح فيهما مختلفاً أو متّحداً، وهو الصدور.
وحاصله: أن مرجع الترجيح الجهتي بموافقة العامّة ومخالفتهم إلى جعل موافقة العامّة أمارة على التقيّة في مفاد الخبر، ولذا جعلت موهنة لمدلول الحديث. وهذه الأمارية ليست أمارية مطلقة، حتى لحال عدم التعارض؛ لأنها لو كانت كذلك لزم أن كلّ خبر موافق للعامّة نحمله على التقيّة؛ لأن فيه أمارتها، ولا إشكال أنه بدون المعارض لا يحمل الخبر على التقيّة بل نعمل به، ومعناه أن هذه الأمارة مشروطة بصورة المعارضة وثابتة في طولها. إذن فكلّ علاج يحلّ المعارضة في الرتبة السابقة يكون حاكماً على هذه الأمارية. ومن المعلوم أن المرجّح الصدوري يحلّ هذه الأمارية فيكون حاكماً على المرجّح الجهتي.
ــــــــــ[402]ــــــــــ
() وحين سُئِل السيّد عن صحّة أحد هذه المحتملات للمفروغية.
أجاب ما محصّله: أنه لو ورد دليل بهذا النحو وكان خالياً من المؤونة الزائدة، فإنه يكون ظاهراً بالاحتمال الثالث، لاحتياج سابقيه إلى قرينة لا محالة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
إن هذا البيان(1) ينحلّ إلى أمرين:
الأوّل: جعل موافقة العامّة أمارة على التقيّة.
الثاني: أنها خاصّة بحال المعارضة.
وكِلا هذين الأمرين غير صحيح:
أما الأول: فهو مجرّد فرض واحتمال، في مقابله احتمال آخر: وهو أنه لوحظ في دليل الترجيح جنبة الاستحكام في الخبر المخالف؛ باعتبار محكم المدلول واضح الجدّية، ومن المعلوم أن هذا الاستحكام في خبر المخالف أمر مطلق، سواء كان للمخالف معارض أو لم يكن.
وأما الأمر الثاني: فإننا لو سلّمنا هذه الأمارية فهي ليست أمارية مطلقة، بل خاصّة بحال المعارضة كما قيل. لكن بأيّ معارضة؟ مقيّدة بالمعارضة بلحاظ دليل الخبر الأوّلي، لا المعارضة بلحاظه ولحاظ دليل العلاج الذي يرفع
ــــــــــ[403]ــــــــــ
() أقول: قال بعض الإخوان: إن هذا البيان يمكن أن ينعكس تماماً، ويقال: إن مفضولية الراوي في الصدق جعلت أمارة على كذبه في خصوص مورد المعارضة، فكل ما يحلّ المعارضة في المرتبة السابقة يكون حاكماً على هذه الأمارية، ومن المعلوم أن التقديم بمخالفة العامّة يحلّ المعارضة، فيكون المرجّح الجهتي حاكماً على المرجّح الصدوري.
وهذا الإشكال يصلح أن يكون إشكالاً نقضيّاً على صاحب البيان الثاني، لا أنه يكون بديله -كما تخيّل الأخ المستشكل-؛ لوضوح أنه ينتج عكس المطلوب، إذ إن مراد السيّد تقديم المرجّح الصدوري لا السندي. وما ينتجه هذا الإشكال هو تقديم السندي على الصدوري.
وعلى أيّ حال فقد قال السيّد : إن هذا البيان… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التعارض بلحاظ دليل ثانوي هو دليل الترجيح الصدوري، فإن القدر المتيقّن من دليل الأمارية هو ذلك، فإن تمامية التعارض بلحاظ دليل الترجيح الصدوري يحتاج إلى تقييد زائد، وما يرفع المعارضة بلحاظ الدليل الثاني لا يرفعها بلحاظ الدليل الأوّل.
أن يوجد عندنا دليل يدلّ على ترجيح أقوى الخبرين على أضعفهما في الكاشفية النوعية، بأن قيل في الدليل: إذا تعارض خبران تقدّم الأقوى كشفاً على الآخر، بدون أن يكون ناظراً إلى جهة الصدور أو الجهة بعنوانهما. فهنا سوف يتغيّر منهج البحث، وسوف لن يتقدّم بالحكومة دليل المرجّح الصدوري على الجهتي، بل يلاحظ حساب الاحتمالات في هذا المقام؛ ليرى أنه أيّ الخبرين يكون أقوى كشفاً من الآخر فيقدم عليه؟
فإذا تعارض خبران وكان أحدهما موافقاً للعامّة لكنّه للأعدل، والآخر مخالفاً للعامّة ولكنّه للأقلّ صدقاً ووثاقة. فهنا يوجد أمارتان: الأصدقية هنا والمخالفة هناك. فأيٌّ منهما يوجب أقوائية الخبر في الكشف.
وإجمال حساب الاحتمالات -بنحو العنوان-: أن صدور الكلام تقيّة من المعصوم إما أن يفرض أنه أمر عادي له ككلامه الجدّي، بحيث يكون احتمال صدوره منه 50% واحتمال الجدّي 50%. وأخرى نفرض أقوائية القصد الجدّي على غير الجدّي، واستبعاد صدور غير الجدّي ولو بمقدار 70% أو 80%.
فإن فرضنا التقدير الأوّل، وهو أنه لا استبعاد أصلاً لصدور الكلام غير
ــــــــــ[404]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الجدّي من المعصوم. إذن فلا يوجد تعارض أصلاً من ناحية صدوري الخبرين بوجه من الوجوه؛ إذ لا تنافي بينهما أصلاً، فإن التعارض بين الصدورين إنما هو فيما إذا وجدت أمارة مبعّدة أو مضعّفه لاحتمال صدورهما معاً، وفي المقام لا مضعّف لصدورهما معاً؛ لتساوي احتمال صدور الكلام غير الجدّي من المعصوم مع احتمال صدور الكلام الجدّي، فيكون حالهما حال أيّ حديثين حين نلاحظهما معاً، إذن فلا يوجد تعارض صدوري. ومعه فلا معنى للمرجّح الصدوري، بل يتعيّن إعمال المرجّح الجهتي وتقديم المخالف للعامّة.
وأما على التقدير الثاني: بأن كان يوجد للإمام أمارة طبعيّة على أن التقيّة لا تصدر منه بمقدار احتمال 75% بأن كانت التقيّة تشغل ربع حياته. فهنا يوجد مبعّد لاجتماع الصدورين؛ لانهما لو اجتمعا لكان أحدهما تقيّة وهي بعيدة بمقدار ما. فصدور كلٍّ منهما مبعّد بمقدارٍ ما عن صدور الآخر. وهنا طرف المعارضة مع صدور الخبر الأقلّ صدقاً، هو مجموع الأمارتين في الطرف الآخر: وهما أمارة الصدور -يعني الأصدقية-، وأمارة الجهة -يعني غلبة الجدّية-، فإنهما بمجموعهما ينفيان صدق الخبر الأقلّ صدقاً. فإن الأصدق إذا كان صادقاً ولم يكن ما نقله تقيّةً، إذن يتعيّن أن يكون الأقلّ صدقاً قد كذب في نقله. وإن كان هذا صادقاً، فالأصدق: إما أنه كاذب هذه المرّة، أو أن الإمام قد اتقى هذه المرّة.
إذن فهناك معارضة بين أمارتين:
إحداهما: صدق هذا الأقلّ صدقاً في هذا الطرف.
وثانيتهما: عدم التقيّة في الطرف الآخر.
ــــــــــ[405]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
فهنا إن كانت التقيّة أشدّ ندرة من كذب الأقلّ صدقاً، فنقدّم خبر الأصدق، وإن كان كذب الأقلّ صدقاً أشدّ ندرة، فنقدّم خبره. وعلى أيّ حال فأيّهما كان احتماله أكثر يُقدّم.
وبهذا انتهى الكلام في هذا التنبيه.
وبه انتهى الكلام في مبحث التعادل والتراجيح.
وبه انتهت هذه الدورة من علم الأصول(1).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
ــــــــــ[406]ــــــــــ
(1) الإثنين: 13/4/1391-7/6/1971.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الفهرس
[في تعريف التعارض] 13
[ثلاث كلمات في المقام] 16
الكلام الأوّل: حول منهج البحث 16
الكلام الثاني: مع صاحب الكفاية 18
[الكلام الثالث: مع أصحاب الإتّجاه الأول: الميرزا والسيد الأستاذ] 20
المسألة الأولى: في التعارض بلحاظ دليل الحجّية 25
[بيان مقدّمات في المقام] 25
المقدّمة الأولى: [نظرية الورود] 25
القسم الأوّل: بلحاظ مرتبة الإمتثال 26
القسم الثاني: بلحاظ مرتبة التنجّز 27
القسم الثالث: بلحاظ مرتبة الوصول 28
القسم الرابع: بلحاظ فعلية المجعول 29
القسم الخامس: بلحاظ مرتبة الجعل 29
عدّة صور للقيد المأخوذ في الدليلين المتواردين 30
[عدّة ملاحظات على نظرية الورود] 35
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
المقدّمة الثانية للمسألة: [نظرية الحكومة] 38
النقطة الأولى: تعريف الحكومة 38
[النقطة الثانية: نكتة تقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم] 42
[النقطة الثالثة: ما يمكن أن يستنبط من نكتة التقديم] 45
المقدّمة الثالثة: في توضيح نظرية عامّة للتخصيص 48
المقام الأوّل: في المخصّصات المتّصلة 48
التخريج الفنّي لتقديم المخصّص المتّصل على العامّ 50
التخريج الأوّل: الدالّ السياقي الثالث 50
[التخريج الثاني: عدم الالتفات إلى الدالّ الثالث] 54
[المحاولة الأولى: التقديم على أساس دعوى إرجاع باب التخصيص إلى باب التقييد] 54
[المحاولة الثانية: قانون تقديم أقوى الظهورين] 57
المحاولة الثالثة: دعوى عنوانية القرينية 62
المقام الثاني: في الحديث عن المخصّصات المنفصلة 67
الأقسام المتصوّرة لمن صدرت منه المخصّصات المنفصلة 70
القسم الأوّل: تنزيل المنفصلات منزلة المتّصلات حقيقة 70
القسم الثاني: تنزيل المنفصلات منزلة المتّصلات تعبّداً 71
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
القسم الثالث: سنخ متكلّم نعلم من عادته الاعتماد على المخصّصات المنفصلة 71
القسم الرابع: أن تكون الخصوصيات السابقة غير موجودة 72
المقدمة الرابعة: في تقديم الأظهر على الظاهر فيما إذا تعارضا 76
[تنبيهان في المقام] 79
التنبيه الأوّل: في النسبة بين دليل الأفضل ودليل المفضول 79
التنبيه الثاني: نسبتان جديدتان في المقام 81
الأمر الأوّل: نسبة دليل التعبّد بالسند الخاصّ إلى نفس الظهور العمومي القطعي الصدور 82
التقريب الأوّل: التمسّك بالسيرة العقلائية 82
التقريب الثاني: التمسّك بإطلاق الدليل اللّفظي 83
الأمر الثاني: ملاحظة النسبة بين دليل حجّية سند الخاصّ مع دليل حجّية العامّ 84
المقدّمة الخامسة: التعارض بين دليل حجّية الظهور ودليل حجّية الصدور 85
شبهة في المقام 86
الجواب الأوّل: للمحقّق الخراساني 86
الجواب الثاني عن الشبهة 88
التحقيق في المقام 89
بيان أصل المسألة 94
النقطة الأولى: التعارض بلحاظ دليل حجّية الظهور 94
ــــــــــ[409]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
في أن مقتضى القاعدة التساقط 94
الجمع مهما أمكن أولى من الطرح 95
الوجه الأوّل: [العمل في كل من المتعارضين بجزء مدلوله] 95
الوجه الثاني: [تطبيق قاعدة الجمع العرفي] 96
[المثال الأوّل: الإطلاق في طرف الموضوع] 97
المثال الثاني: [الإطلاق في طرف الحكم] 99
تحليل هذا الموقف 100
قيام العلم الوجداني الخارجي بسقوط الإطلاق في كلا الدليلين 104
النقطة الثانية: التعارض بلحاظ دليل حجّية السند 106
النقطة الثالثة: التعارض بلحاظ دليل حجية الظهور ودليل حجية السند 108
[البرهان المشهوري على التساقط] 110
تأسيس الأصل ومقتضى القاعدة عند التعارض 112
الكلام في الأصل الأوّلي 113
الفرضية الأولى: على تقدير وجود الملاك نعلم بأقوائيته في أحد أطرافه 113
الفرضية الثانية: على تقدير وجود الملاك فهو فيهما على نحو التساوي 114
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الفرضية الثالثة: على تقدير وجود الملاك نحتمل الأقوائية في أحد الأطراف 115
الفرضية الرابعة: أن نفرض احتمال التعيين في كلّ منهما 116
[أسلوب جديد في الدخول إلى المبحث] 117
القسم الأوّل: التعارض بالعرض 118
[الصيغة الأولى لإعمال كِلا الدليلين] 119
[الصيغة الثانية لإعمال كِلا الدليلين] 121
التقريب الأوّل: سقوط الدلالتين الالتزاميتين سواء سقطت المطابقيتان أو لا 121
التقريب الثاني: بلحاظ المعارضات الثلاث 123
الصيغة الثالثة: الالتزام بالترجيح بحسب صناعة باب المعارضة 123
إيضاح 126
القسم الثاني: ما إذا كان التعارض ذاتياً على وجه التناقض 128
التخيير 129
شروط أربعة لفرضية التخيير 129
الصورة الأولى للتخيير: أن نقيّد كلّاً منهما بعدم حجّية الآخر 131
الصورة الثانية: أن نقيّد حجّية كلٍّ منهما بعدم صدق
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الآخر 132
الصورة الثالثة: أن نقيّدها بعد الالتزام بالآخر 133
الصورة الرابعة: أن نقيّد كلّاً منهما بعدم الالتزام بنفسه 134
الصورة الخامسة: أن دليل الحجّية يشمل أحدهما على وجه الترديد 135
الصورة السادسة: أن موضوع الحجّية هو عنوان أحدهما الكلّي الانتزاعي 135
الصورة السابعة: أن موضوع الحجّية هو ما لم يكشف العلم الإجمالي عن كذبه 136
[إشكال مشترك الورود على الصور الثلاث الأخيرة] 136
إشكالات خاصّة بكلّ صورة على حدة 136
القسم الثالث: التعارض بنحو التضادّ 140
[تلخيص وتحصيل] 144
[الكلام في الأصل الثانوي] 147
[دوران الأمر بين التعيين والتخيير] 147
[التحقيق في المقام] 148
أقسام دوران الأمر بين التعيين والتخيير 151
[حالتان رئيسيتان في المقام] 153
الحالة الأولى: عدم انحلال العلم الإجمالي الكبير 153
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الحالة الثانية: انحلال العلم الإجمالي الكبير 155
الصورة الأولى: أحد الخبرين يدلّ على الوجوب والآخر على عدم الوجوب 156
[الصورة الثانية: أحد الخبرين يدلّ على الوجوب والآخر على الحرمة] 159
مقارنة بمسألة التقليد 162
التمسّك بالدلالة الالتزامية 165
كلام السيد الأستاذ في المقام 166
تحقيق في المقام 168
[إذا كان أحد الدليلين قطعي السند والآخر ظنّياً] 171
[المقام الأوّل: فيما هو مقتضى القاعدة لو خلّينا نحن والدليل الأوّلي للحجّية] 172
[القسم الأوّل: الدليل ظنّي الصدور لسانه يصلح للقرينية على الدليل قطعي الصدور] 172
القسم الثاني: إذا كان الدليل الثاني قطعي الدلالة أيضاً لكنه لا يصلح للقرينية 173
[القسم الثالث: أن لا يكون الدليل الثاني قطعي الدلالة ولا صالحاً للقرينة] 174
المقام الثاني: وهو التكلّم بلحاظ الروايات الخاصّة 177
ــــــــــ[413]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الطائفة الأولى: هي التي تستنكر صدور ما يُخالف كتاب الله تعالى 177
الطائفة الثانية: هي التي يشترط فيها الأخذ بالخبر بأن يكون موافقاً مع كتاب الله 181
احتمالات ثلاثة في الرواية 184
[إشكالات على الطائفة الثانية] 186
الإشكال الأوّل 186
الإشكال الثاني 187
[الإشكال الثالث] 188
الإشكال الرابع 190
الإشكال الخامس 193
الطائفة الثالثة: التي أخذ في موضوعها عنوان المخالفة ولسانها إسقاط الحجّية 197
[الكلام في العقد السلبي] 198
الكلام في العقد الإيجابي 203
أربع نقاط في فقه الحديث 205
النقطة الأولى: شبهة وجوابها 205
النقطة الثانية: أنّ هذه الطائفة ليست ناظرة إلى أخبار الآحاد بالخصوص 207
ــــــــــ[414]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
النقطة الثالثة: أنّ هذه الطائفة لسانها لسان الاستنكار لا نفي الحجّية 208
النقطة الرابعة: هل تختصّ المخالفة بالعامّ الوضعي أو تشمل الإطلاق بمقدّمات الحكمة 208
النقطة الخامسة: هل يلتزم بسقوط الخبر الواحد رأساً أو يسقط في مادة الاجتماع فقط؟ 210
النقطة السادسة: هل يلحق بالكتاب السُنّة القطعية؟ 212
[تنبيهات المسألة الأولى] 215
التنبيه الأوّل: فيما إذا تعارض عامّ ومطلق 215
كلام الآخوند في المقام 216
كلام مدرسة المحقّق النائيني في المقام 217
التحقيق في المقام 219
التنبيه الثاني: فيما لو دار الأمر بين المطلق الشمولي والمطلق البدلي 223
توجيه الميرزا النائيني لتقديم الشمولي على البدلي 223
اعتراضان للسيد الأستاذ على الميرزا النائيني ومناقشتهما 224
مناقشة توجيه الميرزا 226
التنبيه الثالث: في انقلاب النسبة 229
[المقام الأوّل ] في أنّ العامّ بعد تخصيصه يصبح أخصّ مطلقاً من معارضه 231
ــــــــــ[415]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
[مرجحية الأخصّ على الأعمّ] 235
[المقام الثاني: هو الميزان في صحّة انقلاب النسبة] 240
[البرهان] الأوّل: [لـو قـمنا بقلب النسبة لـم يلزم إلغاء دليل برأسه] 240
البرهان الثاني: حول ما إذا كان إلغاء (أكرم كلّ عالم) بلا موجب 241
المقام الثالث: [في تشخيص موارد انقلاب النسبة] 242
الصورة الأولى: أن يوجد عندنا عامّان متباينان مبتليان بالتخصيص 242
إيضاح 247
الصورة الثانية: أن يـوجد عندنا عـامّان من وجه مبتليان بالتخصيص 250
تصوران في المقام للميرزا والسيد الأستاذ 252
الصورة الثالثة الرئيسية: وهو أن يوجد عامّ واحد ويرد عليه مخصّصان أو أكثر 259
الشقّ الأوّل: أن يرد عامّ ويبتلى بمخصّصين بينهما تباين 260
الشق الثاني: أن يكون بين المخصّصين نسبة العموم من وجه 262
الفرض الأوّل: أن يرد المخصّصان في وقت واحد 262
الفرض الثاني: أن يرد المخصّصان في وقتين متعاقبين 263
شبهة وجوابها 264
ــــــــــ[416]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الشقّ الثالث: أن يرد عامّ واحد ويرد عليه مخصّصان بينهما نسبة العموم من وجه 267
المقام الرابع: فيما إذا لم نقبل بانقلاب النسبة 272
المسألة الثانية: في التعارض بلحاظ الأخبار العلاجية 281
الجهة الأولى: الروايات التي استدلّ بها على التخيير 282
الرواية الأولى: رواية سماعة 282
[اعتراض السيد الأستاذ على الاستدلال بالرواية] 282
[مناقشة مع المشهور] 284
الرواية الثانية: رواية علي بن مهزيار 287
الرواية الثالثة: ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) 290
الرواية الرابعة: رواية الحرث بن المغيرة 293
الرواية الخامسة: رواية الحسن بن الجهم 296
الرواية السادسة: (عوالي اللئالي) 297
الجهة الثانية: في الروايات التي قد يدّعى معارضتها لأخبار التخيير 299
الطائفة الأولى: ما دلّ من الأخبار على لزوم ردّ الأخبار المتعارضة إليهم، وعدم العمل بها. 299
الطائفة الثانية: الروايات التي تأمر بالأخذ بالأحدث 301
تحقيق الحال 304
[الطائفة الثالثة]: مقبولة عمرو بن حنظلة 308
ــــــــــ[417]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الجهة الثالثة: المقيّدة لإطلاق أخبار التخيير 311
رواية الراوندي 311
الناحية الأولى: في التكلّم في سندها 312
الإشكال الأوّل 312
الإشكال الثاني 313
الإشكال الثالث 315
الإشكال الرابع 315
الإشكال الخامس 318
[الناحية الثانية: في دلالة هذه الرواية] 320
الناحية الثالثة: في الروايات الأخرى التي نقارن بينها وبين رواية الراوندي 323
روايات الترجيح بالصفات والشهرة 328
يقع الكلام في المقبولة والمرفوعة 328
الجهة الأولى: في دلالتهما في أنفسهما 330
[المرجّح الأوّل: الشهرة] 330
[المرجّح الثاني: الصفات] 334
الحديث عن مرجّحين آخرين 340
الجهة الثانية: [في النسبة بين الروايتين] 341
التعارض الأوّل 341
ــــــــــ[418]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التعارض الثاني 341
كلام الشيخ في المقام ومناقشته 342
التعارض الثاني 347
المادّة الثالثة للتعارض 349
المادّة الرابعة للتعارض 350
الأمر الأوّل: في دلالة المقبولة في نفسها على مرجّحية الكتاب 350
الأمر الثاني: في أنه دلالة المقبولة على تقدّم موافقة الكتاب على مخالفة العامّة 351
الصور المحتملة في الخبرين المتعارضين 353
الأمر الثالث: في النسبة بين المقبولة والمرفوعة في هذه المادّة للتعارض 355
المادّة الخامسة للتعارض 356
الجهة الثالثة: في نسبة الروايتين إلى رواية الراوندي 357
الأمر الأول: في النسبة بين المقبولة ورواية الراوندي 357
الأمر الثاني: في النسبة بين المرفوعة ورواية الراوندي 359
تنبيهات المسألة الثانية 362
التنبيه الأوّل 362
الجهة الأولى: في تصوير التخيير في المسألتين ثبوتاً 362
الجهة الثانية: [في المستظهر من أخبار التخيير ] 366
ــــــــــ[419]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
الجهة الثالثة: [ هل يفتي الفقيه بالمسألة الأصولية أو الفقهية؟] 369
التنبيه الثاني: هل التخيير ابتدائي أو استمراري 370
المقام الأول: بلحاظ الدليل الاجتهادي 370
المقام الثاني: [بلحاظ الأصل العملي] 371
التنبيه الثالث: مربوط بباب المرجّحات 374
التنبيه الرابع: [هل المرجّحات العلاجيّة تعمل في مورد العموم من وجه] 378
[كلام المحقق النائيني في المقام] 379
التحقيق في المقام 380
مناقشة ما أفاده السيّد الأستاذ في جواب الميرزا 381
مناقشة ما أفاده المحقّق النائيني 381
الكلمة الأولى 381
الكلمة الثانية 382
الكلمة الثالثة: 383
الكلمة الرابعة 385
الكلمة الخامسة 386
اعتراض في المقام 390
الجواب عن الاعتراض 391
للعامّين من وجه ثلاث صور 392
ــــــــــ[420]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26
التنبيه الخامس: التنظيم بين المرجّحات الصدورية والمرجّحات الجهتية 396
[الفرضية الأولى ] 397
[الفرضية الثانية ] 397
البيان الأوّل: لتقديم المرجّح الصدوري على الجهتي 398
البيان الثاني: لترجيح المرجّح الصدوري على المرجّح الجهتي 402
الفرضية الثالثة 404
الفهرس 407
ــــــــــ[421]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج26